قال رسول الله ﷺ : «لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللهُ مَالًا فَسُلِّطَ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللهُ الْحِكْمَةَ فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا» (١).
أنه طريق موصل للجنة، كما دل على ذلك حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ» (٢).
الأثر التاسع: السعي لإرث الجنة:
وعد الله الوارث عباده الصالحين بأن يورثهم الأرض، قال تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥]، وإن أعظم أرض تورث جنة الخلد، قال تَعَالَى عن إرث أهل الإيمان لها: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠ - ١١]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف: ٧٢]، وقال: ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ٤٣] فيلهج أهلها بشكر الله على إرثها: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [الزمر: ٧٤] نعم أجرهم؛ إذ ورثوا ما قال رسول الله ﷺ فيه عن ربه : «أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ فَاقْرَؤُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧]» (٣).
стр. 1507
وقد قال ابن القيم ﵀ في وصف هذا النعيم العظيم، والإرث الكريم: «وكيف يقدرُ قدرَ دار غرسها الله بيده وجعلها مقرًّا لأحبابه، وملأها من رحمته وكرامته ورضوانه، ووصف نعيمها بالفوز العظيم، وملكها بالملك الكبير، وأودعها جميع الخير بحذافيره، وطهرها من كل عيب وآفة ونقص.
فإن سألت عن أرضها وتربتها، فهي المسك والزعفران.
وإن سألت عن سقفها، فهو عرش الرحمن.
وإن سألت عن بلاطها، فهو المسك الأذفر.
وإن سألت عن حصبائها، فهو اللؤلؤ والجوهر.
وإن سألت عن بنائها، فلبنة من فضة ولبنة من ذهب، لا من الحطب والخشب.
وإن سألت عن أشجارها، فما فيها شجرة إلا وساقها من ذهب.
وإن سألت عن ثمرها، فأمثال القلال، ألين من الزبد وأحلى من العسل.
وإن سألت عن ورقها، فأحسن ما يكون من رقائق الحلل.
وإن سألت عن أنهارها، فأنهارها من لبن لم يتغير طعمه، وأنهار من خمر لذة للشاربين، وأنهار من عسل مصفى.
وإن سألت عن طعامهم، ففاكهة مما يتخيرون، ولحم طير مما يشتهون.
وإن سألت عن شرابهم، فالتسنيم والزنجبيل والكافور.
وإن سألت عن آنيتهم، فآنية الذهب والفضة في صفاء القوارير.
وإن سألت عن سعة أبوابها، فبين المصراعين مسيرة أربعين من الأعوام، وليأتين عليها يوم وهو كظيظ من الزحام.
стр. 1508
وإن سألت عن تصفيق الرياح لأشجارها، فإنها تستفز بالطرب من يسمعها.
وإن سألت عن ظلها ففيها شجرة واحدة يسير الراكب المجد السريع في ظلها مئة عام لا يقطعها.
وإن سألت عن خيامها وقبابها، فالخيمة من درة مجوفة طولها ستون ميلًا، من تلك الخيام.
وإن سألت عن علاليها وجواسقها، فهي غرف من فوقها غرف مبنية، تجري من تحتها الأنهار.
وإن سألت عن ارتفاعها، فانظر إلى الكواكب الطالع، أو الغارب في الأفق الذي لا تكاد تناله الأبصار.
وإن سألت عن لباس أهلها، فهو الحرير والذهب.
وإن سألت عن فرشها، فبطائنها من إستبرق مفروشة في أعلى الرتب.
وإن سألت عن أرائكها، فهي الأسرة عليها البشخانات، وهي: الحجال مزررة بأزرار الذهب، فما لها من فروج ولا خلال.
وان سألت عن وجوه أهلها وحسنهم فعلى صورة القمر.
وإن سألت عن أسنانهم، فأبناء ثلاثة وثلاثين، على صورة آدم ﵇، أبي البشر.
وإن سألت عن سماعهم، فغناء أزواجهم من الحور العين، وأعلى منه سماع أصوات الملائكة والنبيين، وأعلى منهما سماع خطاب رب العالمين.
стр. 1509
وإن سألت عن مطاياهم التي يتزاورون عليها، فنجائب أنشأها الله مما شاء، تسير بهم حيث شاؤوا من الجنان.
وإن سألت عن حليهم وشارتهم، فأساور الذهب واللؤلؤ على الرؤوس ملابس التيجان.
وإن سألت عن غلمانهم، فولدان مخلدون، كأنهم لؤلؤ مكنون.
وإن سألت عن عرائسهم وأزواجهم، فهن الكواعب الأتراب، اللائي جرى في أعضائهن ماء الشباب، فللورد والتفاح ما لبسته الخدود، وللرمان ما تضمنته النهود، وللؤلؤ المنظوم ما حوته الثغور، وللدقة واللطافة ما دارت عليه الخصور، تجري الشمس من محاسن وجهها، إذا برزت ويضيء البرق من بين ثناياها إذا ابتسمت …
هذا وإن سألت: عن يوم المزيد وزيادة العزيز الحميد، ورؤية وجهه المنزَّه عن التمثيل والتشبيه كما ترى الشمس في الظهيرة، والقمر ليلة البدر، كما تواتر عن الصادق المصدوق النقل فيه، وذلك موجود في الصحاح والسنن والمسانيد من رواية جرير وصهيب وأنس وأبي هريرة وأبي موسى وأبي سعيد، فاستمع يوم ينادي المنادي يا أهل الجنة إن ربكم ﵎ يستزيركم، فحيَّ على زيارته، فيقولون: سمعًا وطاعةً، وينهضون إلى الزيارة مبادرين، فإذا بالنجائب قد أُعِدَّت لهم، فيستوون على ظهورها مسرعين حتى إذا انتهوا إلى الوادي الأفيح الذي جعل لهم موعدًا، وجمعوا هناك فلم يغادر الدَّاعي منهم أحدًا، أمر الربُّ ﵎ بكرسيه فنُصب هناك، ثم نصبت لهم منابر من نور، ومنابر من لؤلؤ، ومنابر من زبرجد، ومنابر من ذهب ومنابر من فضة، وجلس
стр. 1510
أدناهم- وحاشاهم أن يكون فيهم دنيء- على كثبان المسك، وما يرون أن أصحاب الكراسي فوقهم في العطايا.
حتى إذا استقرَّت بهم مجالسهم واطمأنت بهم أماكنهم، نادى المنادي: يا أهل الجنة، إن لكم عند الله موعدًا يريد أن ينجزكموه، فيقولون: ما هو؟! ألم يبيِّض وجوهنا؟! ويثقِّل موازيننا؟! ويدخلنا الجنة؟! ويزحزحنا عن النار؟! فبينما هم كذلك إذ سطع لهم نور أشرقت له الجنة، فرفعوا رءوسهم فإذا الجبار ﷻ وتقدَّست أسماؤه، قد أشرف عليهم من فوقهم، وقال: يا أهل الجنة سلام عليكم، فلا ترد هذه التحية بأحسن من قولهم: اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام، فيتجلى لهم الرب ﵎ يضحك إليهم، ويقول: يا أهل الجنة، فيكون أول ما يسمعونه منه تَعَالَى: أين عبادي الذين أطاعوني بالغيب، ولم يروني؟ فهذا يوم المزيد، فيجتمعون على كلمة واحدة: أن قد رضينا فارض عنا، فيقول: يا أهل الجنة إني لو لم أرض عنكم لم أسكنكم جنتي، هذا يوم المزيد فاسألوني، فيجتمعون على كلمة واحدة: أرنا وجهك ننظر إليه، فيكشف لهم الرب ﷻ الحجب، ويتجلى لهم، فيغشاهم من نوره ما لولا أن الله تَعَالَى قضى أن لا يحترقوا لاحترقوا، ولا يبقى في ذلك المجلس أحد إلا حاضره ربه تَعَالَى محاضرةً، حتى أنه ليقول: يا فلان أتذكر يوم فعلت كذا وكذا، يذكِّره ببعض غدراته في الدنيا، فيقول: يا رب ألم تغفر لي، فيقول: بلى بمغفرتي بلغت منزلتك هذه.
فيا لذة الأسماع بتلك المحاضرة، ويا قرة عيون الأبرار بالنظر إلى وجه الكريم في الدار الآخرة، ويا ذلَّة الرّاجعين بالصفقة الخاسرة، ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ (٢٤) تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٥].
стр. 1511
فَحَيَّ عَلَى جَنَّاتِ عَدْنٍ فَإِنَّهَا … مَنَازِلُكَ الأُولَى وَفِيهَا المُخَيَّمُ
وَلَكِنَّنَا سَبْيُ العَدُوِّ فَهَلْ تَرَى … نَعُودُ إِلَى أَوْطَانِنَا وَنُسَلِّمُ (١)
وإن لهذا النعيم العظيم أسبابًا، ينال بها، جلَّاها الله لنا في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ ، منها:
١ - طاعة الله ورسوله: قال ﵎: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الفتح: ١٧]. وعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «كُلُّ أُمَّتِي يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ أَبَى، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَنْ يَأْبَى؟ قَالَ: مَنْ أَطَاعَنِي دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ أَبَى» (٢).
٢ - التوحيد؛ فعن عبادة بن الصامت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ، وَرُوحٌ مِنْهُ، وَالْجَنَّةُ حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ، أَدْخَلَهُ اللهُ الْجَنَّةَ عَلَى مَا كَانَ مِنَ الْعَمَلِ» (٣)، وعن أبي هريرة ﵁ «أَنَّ أَعْرَابِيًّا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ إِذَا عَمِلْتُهُ دَخَلْتُ الْجَنَّةَ، قَالَ: تَعْبُدُ اللهَ لَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ الْمَكْتُوبَةَ، وَتُؤَدِّي الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ، وَتَصُومُ رَمَضَانَ، قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا، فَلَمَّا وَلَّى، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَذَا» (٤).
فقد البصر؛ فعن أنس بن مالك ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «إِنَّ اللهَ قَالَ: إِذَا ابْتَلَيْتُ عَبْدِي بِحَبِيبَتَيْهِ فَصَبَرَ عَوَّضْتُهُ مِنْهُمَا الْجَنَّةَ» (١) أي: عينيه، والصبر على فقد الأبناء؛ فعن أبي موسى الأشعري، أن رسول الله ﷺ قال: «إِذَا مَاتَ وَلَدُ الْعَبْدِ قَالَ اللهُ لِمَلَائِكَتِهِ: قَبَضْتُمْ وَلَدَ عَبْدِي! فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيَقُولُ: قَبَضْتُمْ ثَمَرَةَ فُؤَادِهِ! فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيَقُولُ: مَاذَا قَالَ عَبْدِي؟ فَيَقُولُونَ: حَمِدَكَ وَاسْتَرْجَعَ، فَيَقُولُ اللهُ: ابْنُوا لِعَبْدِي بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَسَمُّوهُ بَيْتَ الْحَمْدِ» (٢).
١٠ - كفالة اليتيم؛ فعن سهل بن سعد، عن النبي ﷺ قال: «وَأَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ فِي الْجَنَّةِ هَكَذَا، وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى وَفَرَّجَ بَيْنَهُمَا شَيْئًا» (٣).
١١ - طاعة المرأة لزوجها ورضاه عنها، فعن عبد الرحمن بن عوف، قال رسول الله ﷺ : «إِذَا صَلَّتِ الْمَرْأَةُ خَمْسَهَا، وَصَامَتْ شَهْرَهَا، وَحَفِظَتْ فَرْجَهَا، وَأَطَاعَتْ زَوْجَهَا، قِيلَ لَهَا: ادْخُلِي الْجَنَّةَ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ شِئْتِ» (٤).
١٢ - إحصاء تسعة وتسعين من أسماء الله ؛ فعن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «إِنَّ لِلهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا، مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ» (٥).
стр. 1515
قال ابن بطال ﵀: «الإحصاء يقع بالقول ويقع بالعمل، فالذي بالعمل أن لله أسماء يختص بها كالأحد والمتعال والقدير ونحوها، فيجب الإقرار بها والخضوع عندها، وله أسماء يستحب الاقتداء بها في معانيها كالرحيم والكريم والعفو ونحوها، فيستحب للعبد أن يتحلى بمعانيها ليؤدي حق العمل بها، فبهذا يحصل الإحصاء العملي، وأما الإحصاء القولي فيحصل بجمعها وحفظها والسؤال بها» (١).
١٣ - الدعاء وسؤال الله وراثتها، كما سألها أبو الأنبياء إبراهيم ﵇، فقال: ﴿وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾ [الشعراء: ٨٥]، وقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِرَجُلٍ: «كَيْفَ تَقُولُ فِي الصَّلَاةِ؟ قَالَ: أَتَشَهَّدُ، ثُمَّ أَقُولُ: اللَّهُمَّ، إِنِّي أَسْأَلُكَ الْجَنَّةَ وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ، أَمَا إِنِّي لَا أُحْسِنُ دَنْدَنَتَكَ وَلَا دَنْدَنَةَ مُعَاذٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : حَوْلَهَا نُدَنْدِنُ» (٢).
الأثر العاشر: الدعاء باسم الله الوارث:
يحسن بالعبد الذي عرف اسم ربه الوارث أن يدعوه ويتوسل إليه به؛ امتثالًا لقوله تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠]، واقتداء بنبي الله زكريا ﵇ الذي سأل ربه الولد به، فقال كما حكى الله عنه: ﴿وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٩] لا سيما إذا تناسب مطلوبه مع هذا الاسم الكريم، كما في دعاء زكريا ﵇؛ فقد كان يرجو وارثًا للنبوة من بعده، كما قال الله عنه: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ
стр. 1516
الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ [مريم: ٥ - ٦] فناسب أن يسأله باسمه الوارث (١).
كما يحسن بالعبد أن يسأل ربه أن يورثه ما ينفعه؛ اقتداء برسول الله ﷺ الذي كان من دعائه: «اللَّهُمَّ عَافِنِي فِي جَسَدِي، وَعَافِنِي فِي بَصَرِي، وَاجْعَلْهُ الْوَارِثَ مِنِّي، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ الْحَلِيمُ الْكَرِيمُ، سُبْحَانَ اللهِ رَبِّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، وَالْحَمْدُ لِلهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ» (٢)، ومن دعائه ما رواه ابن عمر ﵁ قال: «قَلَّمَا كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقُومُ مِنْ مَجْلِسٍ حَتَّى يَدْعُوَ بِهَؤُلَاءِ الدَّعَوَاتِ لِأَصْحَابِهِ: اللَّهُمَّ اقْسِمْ لَنَا مِنْ خَشْيَتِكَ مَا يَحُولُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَعَاصِيكَ، وَمِنْ طَاعَتِكَ مَا تُبَلِّغُنَا بِهِ جَنَّتَكَ، وَمِنَ الْيَقِينِ مَا تُهَوِّنُ بِهِ عَلَيْنَا مُصِيبَاتِ الدُّنْيَا، وَمَتِّعْنَا بِأَسْمَاعِنَا وَأَبْصَارِنَا وَقُوَّتِنَا مَا أَحْيَيْتَنَا، وَاجْعَلْهُ الْوَارِثَ مِنَّا، وَاجْعَلْ ثَأْرَنَا عَلَى مَنْ ظَلَمَنَا، وَانْصُرْنَا عَلَى مَنْ عَادَانَا، وَلَا تَجْعَلْ مُصِيبَتَنَا فِي دِينِنَا، وَلَا تَجْعَلِ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّنَا وَلَا مَبْلَغَ عِلْمِنَا، وَلَا تُسَلِّطْ عَلَيْنَا مَنْ لَا يَرْحَمُنَا» (٣)، والمعنى: أبقِ السمع والبصر وسائر القوى سليمة صحيحة، نتمتع بها إلى أن نموت؛ لأن الإنسان إذا فقد بصره قبل أن يموت، يكون هو الوارث لبصره، وكذا إذا فقد سمعه قبل أن يموت أو قوته يكون هو الوارث لها؛ لأنه
стр. 1517
فقدها، أما إذا استمتع ببصره وسمعه وقوته إلى أن مات، فهذه الجوارح هي التي ورثته، فليتأمل هذا؛ فإن فيه فائدة عظيمة.
فاللهم يا وارثَ، متِّعْنَا بأسماعنا، وأبصارنا، وقوتنا ما أحييتنا،
واجعله الوارث منا.
стр. 1518
الواسِعُ ﷻ -
المعنى اللغوي:
قال الجوهري ﵀: «والوسع والسعة: الجدة والطَّاقة، قال تَعَالَى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ [الطلاق: ٧] أي: على قدر غناه وسعته، والهاء عوض عن الواو، وأوسع الرجل، إذا صار ذا سعة وغنًى» (١).
قال ابن فارس ﵀: «(وسع) الواو والسين والعين: كلمة تدل على خلاف الضيق والعسر، يقال: وسع الشيء واتسع، والوسع: الغنى، والله الواسع أي الغني، والوسع: الجدة والطاقة، وهو ينفق على قدر وسعه، وقال تَعَالَى في السعة: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ [الطلاق: ٧]» (٢).
ورود اسم الله (الواسع) في القرآن الكريم:
ورد اسمه سُبْحَانَهُ (الواسع) في القرآن تسع مرات، ومن وروده ما يلي:
١ - قوله تَعَالَى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١١٥].
٢ - وقوله تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٤٧].
стр. 1519
٣ - وقوله تَعَالَى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [النجم: ٣٢].
ورود اسم الله (الواسع) في السنة النبوية:
لم يرد اسم الله (الواسع) في السنة النبوية.
معنى اسم الله (الواسع) في حقه سُبْحَانَهُ:
قال الطبري ﵀ في قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١١٥]-: «يسع خلقه كلهم بالكفاية والإفضال، والجود والتدبير» (١).
قال الخطابي ﵀: «(الواسع) هو الغني الذي وسع غناه مفاقر عباده، ووسع رزقه جميع خلقه» (٢).
قال الحليمي ﵀: «الكثيرة مقدوراته ومعلوماته، والمنبسط فضله ورحمته، وهذا تنزيه له من النقص والعلة واعتراف له بأنه لا يعجزه شيء ولا يخفى عليه شيء ورحمته وسعت كل شيء» (٣).
قال القرطبي ﵀: «أي يوسع على عباده في دينهم، ولا يكلفهم ما ليس في وسعهم، وقيل: (واسع) بمعنى أنه يسع علمه كل شيء» (٤).
قال السعدي ﵀: «واسع الصفات والنعوت ومتعلقاتها، بحيث لا يحصي أحد ثناءً عليه، بل هو كما أثنى على نفسه، واسع العظمة والسلطان
стр. 1520
والملك، واسع الفضل والإحسان، عظيم الجود والكرم» (١)، وقال أيضًا: «كثير الفضل واسع الرحمة، وصلت رحمته وإحسانه إلى حيث وصل إليه علمه» (٢).
اقتران اسم الله (الواسع) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ في القرآن الكريم:
أولًا: اقتران اسمه سُبْحَانَهُ (الواسع) باسمه سُبْحَانَهُ (العليم):
تقدم بيانه في اسم الله «العليم».
ثانيًا: اقتران اسمه سُبْحَانَهُ «الواسع» باسمه سُبْحَانَهُ «الحكيم»:
تقدم بيانه في اسم الله «الحكيم».
الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (الواسع):
الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (الواسع) من الصفات، ودلالته على التوحيد:
الله هو الواسع، واسع القدرة، وواسع الملك، وواسع العلم، وواسع المغفرة، وواسع الرحمة، وواسع الرزق، وواسع الفضل والإحسان، وواسع في شرعه وحكمه، وواسع في نعيمه للمؤمنين في الآخرة، يقول تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١١٥]، وسعته سُبْحَانَهُ لا حد لتعلقاتها؛ إذ هو الواسع المطلق ﷻ .
стр. 1521
وبيان سعته فيما سبق يتضح من خلال ما يلي:
- سعة قدرة الواسع:
الله تَعَالَى واسع في قدرته، قدرته التي شملت كل شيء، فلا يقف أمامها شيء، ومن ثم لا يعجزه شيء في السموات ولا في الأرض، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ [فاطر: ٤٤].
ومن تأمَّل في عظم خلق الله علم قدرته، ومن ذلك خلقه للملائكة، وفي الحديث: أن النبي ﷺ أخبر عن جبريل ﵇ أن له ستمائة جناح؛ يقول ﷺ : «الرُّوحُ الأَمِينُ جِبْرِيلُ ﵇ لَهُ سِتمائِةُ جَنَاحٍ مِنْ لُؤْلُؤٍ، قَدْ نَشَرَهَا مِثْلَ رِيشِ الطَّوَاوِيسِ» (١).
وعن عائشة ﵂، أن رسول الله ﷺ قال: «رَأَيْتُ جِبْرِيلَ ﵇ مهبطًا، قَدْ مَلَأ مَا بَيْنَ الخَافِقَيْنِ، عَلَيْهِ ثِيَابُ سُنْدُسٍ، مُعَلَّقٌ بِهَا اللُّؤْلُؤُ وَاليَاقُوتُ» (٢).
- سعة ملك الواسع:
الله تَعَالَى واسع في ملكه وعظم سلطانه، فلا يخرج شيء عنه، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وقال: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ [الشعراء: ٢٨]، ومن دلائل ذلك، قوله تَعَالَى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [البقرة: ٢٥٥].
стр. 1522
«وهذا يدل على كمال عظمته وسعة سلطانه، إذا كان هذه حالة الكرسي أنه يسع السماوات والأرض على عظمتهما وعظمة من فيهما، والكرسي ليس أكبر مخلوقات الله تَعَالَى، بل هنا ما هو أعظم منه وهو العرش، وما لا يعلمه إلا هو، قال رسول الله ﷺ : «يَا أَبَا ذَرٍّ، مَا السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ فِي الكُرْسِيِّ إِلَّا كَحَلْقَةٍ مُلْقَاةٍ فِي أَرْضٍ فَلَاةٍ، وَفَضْلُ العَرْشِ عَلَى الكُرْسِيِّ كَفَضْلِ الفَلَاةِ عَلَى تِلْكَ الحَلْقَةِ» (١).
«وفي عظمة هذه المخلوقات تحير الأفكار وتكل الأبصار، وتقلقل الجبال وتكع عنها فُحولُ الرجال، فكيف بعظمة خالقها ومبدعها، والذي أودع فيها من الحكم والأسرار ما أودع، والذي قد أمسك السماوات والأرض أن تزولا من غير تعب ولا نصب» (٢).
- سعة علم الواسع:
الله تَعَالَى واسع في علمه، شامل محيط لا يندُّ عنه شيء في الزمان ولا المكان، ولا الأرض ولا السماء، ولا البر ولا البحر، فسواء عنده ما كان في جوف الأرض أو طباق الجو، لا يخفاه علم حي أو ميت، يابس أو رطب، يقول سُبْحَانَهُ: ﴿وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الأعراف: ٨٩]، ويقول تَعَالَى أيضًا: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩].
стр. 1523
- سعة مغفرة الواسع:
الله تَعَالَى واسع في مغفرته وعفوه، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [النجم: ٣٢] «فلولا مغفرته لهلكت البلاد والعباد، ولولا عفوه وحلمه لسقطت السماء على الأرض، ولما ترك على ظهرها من دابة» (١)، وسعت مغفرته ذنوب العباد، فمهما عظمت فإن عفو الله ومغفرته أوسع وأعظم، قال سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣].
- سعة رحمة الواسع:
الله تَعَالَى واسع في رحمته، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦]، وقال حملة العرش في دعائهم لربهم: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ [غافر: ٧] «من العالم العلوي والسفلي، البر والفاجر، المؤمن والكافر، فلا مخلوق إلا وقد وصلت إليه رحمة الله، وغمره فضله وإحسانه، ولكن الرحمة الخاصة المقتضية لسعادة الدنيا والآخرة، ليست لكل أحد، ولهذا قال عنها: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ [سورة الأعراف: ١٥٦] المعاصي، صغارها وكبارها … » (٢).
- سعة رزق الواسع:
الله وسع الخلائق برحمته- كما تقدم- التي كان من آثارها: سعة الخلائق بالرزق، فتكفل الله سُبْحَانَهُ بأرزاق الخلائق، صغيرهم وكبيرهم، بحريهم وبريهم، جليلهم وحقيرهم، فلا يخرج أحد عن رزقه كائنًا من كان، قال تَعَالَى:
стр. 1524
﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦] (١)، ويقول تَعَالَى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤].
- سعة فضل الواسع وإحسانه:
الله تَعَالَى واسع الفضل، وسع الخلائق بفضله وجوده، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ﴾ [يونس: ٦٠]، وقال: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: ٢٥١]، وليس لهذا الفضل والجود والكرم والإحسان حد و لا غاية، فلا يحد بطريق معين، بل ولا بطرق معينة، فأسباب فضله وأبواب إحسانه لا نهاية لها، فلا يزال كريما محسنًا متفضلًا على عباده، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [آل عمران: ٧٤].
- سعة شريعة الواسع:
الله تَعَالَى واسع في تشريعه وحكمه، فالشريعة التي أنزلها الله واسعة كافية كاملة، تفي بكل حاجات العباد، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣].
قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﵄، «قوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ وهو الإسلام، أخبر الله نبيه ﷺ والمؤمنين أنه أكمل لهم الإيمان، فلا يحتاجون إلى زيادة أبدًا، وقد أتمه الله فلا ينقصه أبدًا، وقد رضيه الله فلا يسخطه أبدًا» (٢).
стр. 1525
ومن مظاهر سعتها: أن الله وسع فيها على عباده، فلم يكلفهم ما ليس في وسعهم وطاقتهم، جعل لهم من كل ضيق مخرجًا، ومن كل حرج يسرًا، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ [المائدة: ٦]، أي: مشقة وعسر، بل يسره غاية التيسير، وسهله بغاية السهولة، كما قال: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] [البقرة: ١٨٥].
ووجه ذلك: أنه سُبْحَانَهُ ما أمر وألزم إلا بما هو سهل على النفوس، لا يثقلها ولا يؤودها، فأصل الأوامر والنواهي ليست من الأمور التي تشق على النفوس، بل هي غذاء للأرواح ودواء للأبدان، وحمية عن الضرر، فالله تَعَالَى أمر العباد بما أمرهم به رحمة وإحسانًا، ثم إذا عرض بعض الأسباب الموجبة للتخفيف، خفف ما أمر به، إما بإسقاطه، أو إسقاط بعضه، فالصلاة -التي هي أكبر أركان الإسلام بعد الشهادتين- تجب في الحضر أربعًا، وفي السفر تقصر إلى ثنتين، وتصلى رجالًا وركبانًا، مستقبلي القبلة وغير مستقبليها، والقيام فيها يسقط بعذر المرض، فيصليها المريض جالسًا، فإن لم يستطع فعلى جنبه، إلى غير ذلك من الرخص والتخفيفات، في سائر الفرائض والواجبات؛ ولهذا قال ﵊: «إِنَّمَا بُعِثْتُ بِالْحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ» (١)، وقال: «إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ … » (٢)(٣).
стр. 1526
وهذه التوسعة من الله على عباده في دينهم؛ تدعوهم إلى فهم الدين فهمًا صحيحًا لا غلو فيه ولا جفاء، بل الوسطية التي أرادها الله من هذه الأمة، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] (١).
وهذه التوسعة أيضًا تورث في النفوس اغتباطًا وفرحًا بالشريعة التي وفقه الله وهداه للإيمان بها، فيسعى للثبات عليها، والدعوة إليها، والجهاد في سبيل نشرها وإيصالها للمحرومين.
- سعة نعيم الواسع في الأخرة:
الله واسع فيما أعد لعباده الموحدين، مما احتوت عليه دار النعيم من الخيرات والمسرات والأفراح واللذات المتتابعات، مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، فكل ما خطر بالبال أو دار في الفكر من تصور لذة، فلذة الجنة فوق ذلك، كما قال تَعَالَى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧] فلا يعلم أحد عظمة ما أخفى الله لهم في الجنات من النعيم المقيم، واللذات التي لم يطلع على مثلها أحد، كما قال تَعَالَى على لسان رسوله: «أَعْدَدْتُ لِعِبَادِيَ الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ» (٢)(٣).
وأوضح الله لنا سعة ما فيها من النعيم، فقال: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ﴾ [الزخرف: ٧١] «وهذا لفظ جامع، يأتي على كل نعيم وفرح،
стр. 1527
وقرة عين، وسرور قلب، فكل ما اشتهته النفوس، من مطاعم، ومشارب، وملابس، ومناكح، ولذته العيون، من مناظر حسنة، وأشجار محدقة … ومبان مزخرفة، فإنه حاصل فيها، معد لأهلها، على أكمل الوجوه وأفضلها» (١).
وما ذكر من سعة الواسع إنما هو غيض من فيضه الواسع سُبْحَانَهُ، وما يمكن لعبد مخلوق أن يكتب فيها وقد وسع كل شيء رحمة وعلمًا! فالله الواسع دائم بلا انتهاء عز شأنه وتقدست أسماؤه.
وإذا تقرر لدى العبد عظمة سعة الواسع وشمولها لصفاته كلها؛ تيقن أن العبادة لا تليق ولا تحسن إلا به الرب الواسع الذي له الكمال كله، والمجد كله، والحمد كله، والقدرة كلها، والكبرياء كلها، لا بالمخلوقات المدبرات الناقصات الصم البكم الذين لا يعقلون (٢).
وكما أن اسم الله (الواسع) دال على الربوبية والألوهية، فكذا هو دال على الأسماء والصفات؛ إذ يدل على اسم الله «ذو الجلال والإكرام»، و «القدير»، و (الكريم)، و (الرحيم) إلى غير ذلك من أسمائه سُبْحَانَهُ وما فيها من صفات.
الأثر الثاني: محبة الله الواسع:
إن المسلم إذا تأمَّل هذا الاسم الجليل لله تَعَالَى، لا بد أن تأسر قلبه محبة الله، وتزداد تمكُّنًا من سويدائه.
فهو تَعَالَى واسع في رحمته، واسع في مغفرته، واسع في علمه، واسع في جميع صفاته، فلا يجد العاقل بُدًّا من حب هذا الإله الجميل الجليل جل في
стр. 1528
علاه؛ مما يثمر الإقبال على طاعته، والبحث عما يرضيه ويحبه، وهذا هو طريق الفلاح في الدنيا والآخرة؛ فإن المحب ساع ولا بد في إرضاء محبوبه.
الأثر الثالث: سؤال الله نعيم الجنة الواسع:
إن من آثار اسم الله «الواسع» سُبْحَانَهُ ما أعده لعباده الموحدين، مما احتوت عليه دار النعيم من الخيرات والمسرات والأفراح واللذات المتتابعات، مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، فخير الدنيا والآخرة وألطافها من فضله وسعته وجميع الأسباب والطرق المفضية إلى الراحات والخيرات، كلها من فضله.
تفكر في آيات الله تَعَالَى، وهو يتحدث عن النعيم الذي أعده لعباده المتقين ووسع به على أحبابه المؤمنين: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الزخرف: ٧١].
فكل ما تشتهيهه الأنفس في جنة الله الواسع من «المشارب، والمآكل والمناكح، والفرش والسرر، والأواني، وأنواع الحلي والملابس، والخدم إلى غير ذلك.
أما المآكل: فقد قال تَعَالَى: ﴿لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ [الزخرف: ٧٣]، وقال: ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ [الواقعة: ٢١]، وقال تَعَالَى: ﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (٣٢) لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ﴾، وقال تَعَالَى: ﴿كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ [البقرة: ٢٥]، إلى غير ذلك من الآيات.
يقول الطاهر ابن عاشور ﵀: «﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧]، أي: لا تبلغ نفس من أهل الدنيا معرفة ما أعد الله لهم، قال النبي ﷺ : «قَالَ اللهُ تَعَالَى: أَعْدَدْتُ لِعِبَادِيَ الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ» (١).
فدل على أن المراد بـ «نفس» في هذه الآية أصحاب النفوس البشرية.
فإن مدركات العقول منتهية إلى ما تدركه الأبصار من المرئيات من الجمال والزينة، وما تدركه الأسماع من محاسن الأقوال ومحامدها ومحاسن النغمات، وإلى ما تبلغ إليه المتخيلات من هيئات يركبها الخيال، من مجموع ما يعهده من المرئيات والمسموعات، مثل الأنهار من عسل أو خمر أو لبن، ومثل القصور والقباب من اللؤلؤ، ومثل الأشجار من زبرجد، والأزهار من ياقوت، وتراب من مسك وعنبر، فكل ذلك قليل في جانب ما أعد لهم في الجنة من هذه الموصوفات (٢).
ويعقد لنا الشيخ السعدي ﵀ مقارنة سريعة بين الدنيا والآخرة؛ ليحث العباد إلى السعي؛ لتحصيل ما أعده الواسع لخلقه من النعيم في الآخرة:
«فكيف إذا وازنت بين الدنيا والآخرة، وأن الآخرة خير منها، في ذاتها، ولذاتها وزمانها، فذاتها- كما ذكر النبي ﷺ في الحديث الثابت عنه- أنَّ مَوْضِعُ سَوْطٍ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا (٣)، ولذاتها صافية عن
стр. 1531
المكدرات، بل كل ما خطر بالبال أو دار في الفكر من تصور لذة، فلذة الجنة فوق ذلك، كما قال تَعَالَى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧]، وقال الله على لسان نبيه ﷺ : «أَعْدَدْتُ لِعَبادي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ» (١).
وأما لذات الدنيا فإنها مشوبة بأنواع التنغيص، الذي لو قوبل بين لذاتها وما يقترن بها من أنواع الآلام والهموم والغموم، لم يكن لذلك نسبة بوجه من الوجوه.
وأما زمانها، فإن الدنيا منقضية، وعمر الإنسان بالنسبة إلى الدنيا شيء يسير، وأما الآخرة فإنها دائمة النعيم وأهلها خالدون فيها، فإذا فكَّر العاقل في هاتين الدارين وتصور حقيقتهما حق التصور؛ عرف ما هو أحق بالإيثار، والسعي له والاجتهاد لطلبه» (٢).
الأثر الثالث: إذا أُغلق باب فتح الواسع بابًا آخر:
إذا علم العبد أن اللهتَعَالَى واسع العلم، استكان ورضي بالقدر خيره وشره، قال تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١١٥]، فهو تَعَالَى واسع العلم والحكمة، وعام القدرة، ونافذ المشيئة، وواسع الفضل والإحسان والرحمة ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ [غافر: ٧].
стр. 1532
فلا يعلق العبد قلبه بالأسباب، بل يعلقه بمسببها، ولا يتشوش إذا انسد عنه باب منها، فإنه يعلم أن الله واسع عليم، وأن طرق فضله لا تعد ولا تحصى، وأنه إذا انغلق منها شيء انفتح غيره مما قد يكون خيرًا وأحسن للعبد عاقبة.
قالتَعَالَى مشيرًا إلى هذه الحالة التي كثير من الناس لا يوفقون لها-: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٣٠] لما كانت هذه الحال، وهي حال الفراق يغلب على كثير من الزوجات الحزن، ويكون أكبر داع لهذا الحزن ما تتوهمه من انقطاع رزقها من هذه الجهة التي تجري عليها، فوعد الله الجميع وبشَّرهم بفتح أبواب الخير لهم، وأنه سيعطيهم من واسع فضله، أما هذه فبزوجٍ هو أصلَحُ لها من المطلِّق الأوِّل، أو برزق واسع وعصمة، وأما هذا فبرزق واسع وزوجة هي أصلح له من المطلَّقة، أو عفَّة ﴿وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا﴾ [النساء: ١٣٠] لهما في رزقه إياهما وغيرهما من خلقه.
وكم من عبد بهذه المثابة له سبب وجهة من الجهات التي يجري عليه الرزق، فانغلقت، ففتح الله له بابًا أو أبوابًا من الرزق والخير، وبهذا يعرف الله، ويعلم أن الأمور كلها منه، وأنه ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [فاطر: ٢].
فالله سُبْحَانَهُ واسع العلم بحال خلقه، كثير الإفضال على خلقه، والخلق كلهم يتقلبون في رحمته وفضله، يعطي من يشاء ويمنع، ويخفض من يشاء ويرفع، بعلمه الذي وسع كل شيء وحكمته.
стр. 1533
الأثر الرابع: طلب المغفرة والرحمة من الواسع:
الله هو الواسع، الذي وسع بمغفرته جميع عباده ﴿إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [النجم: ٣٢]، ومن سعة مغفرته: أنه يغفر لكل من تاب وأناب مهما بلغت ذنوبه وخطاياه، فهو تَعَالَى: ﴿الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يونس: ١٠٧].
فتح للعباد باب التوبة، وبث الأمل في قلوب العصاةوالمذنبين، فمهما عظم الذنب، ومهما كبر الجرم، فما على العبد إلا أن يُقبل على ربه؛ ليشمله بمغفرته ويسعه بعفوه، يقول : ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣) وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾ [الزمر: ٥٣ - ٥٤]، «إِنَّ اللهَ يَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ، وَيَبْسُطُ يَدَهُ بِالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا» (١)، يوفق عبده للتوبة، ويقبلها منه، كما قال في سورة التوبة: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾ [التوبة: ١١٨]، أي: وفقهم للتوبة ليتوبوا.
والمؤمن الراجي رحمة ربه، ويخاف أن يطرد من جواره، هو من يأخذ بأسباب المغفرة ويبحث عنها، ومن سعة مغفرة الله تَعَالَى، أنه هيأ أسبابًا كثيرة لمغفرته، حتى يسهل للعبد أن يصيبها، ومنها:
الاستغفار: واقرؤوا قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١١٠].
فمن لازم الاستغفار؛ كان ذلك أدعى أن يغفر له الله تَعَالَى.
стр. 1534
الذكر: لأن ذكر الله يمحو عن القلب الغفلة، فإذا محيت الغفلة عن القلب، وكان الإنسان في حضرة ربه حاضر القلب، ولم يكن قلبه غافلًا عن جلال الله وهيبته، فإن هذا الحضور المعبَّر عنه بالذكر هو سبب من أسباب المغفرة.
قال تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ١٣٥].
فعل الطاعات: قال تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٥]، فأخذوا بسبب من أسباب المغفرة، ثم طلبوا تلك المغفرة، فقالوا: ﴿غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة: ٢٨٥]، فما طلبوا المغفرة إلا بعد أن سمعوا وأطاعوا، أي: بعد فعلهم لطاعة الله ﵎.
التوبة النصوح في جميع الأوقات من جميع الذنوب والسيئات، قال الله تَعَالَى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٣١] فإذا تبتم أفلحتم ونجحتم وسعدتم في الدنيا والآخرة.
كلمة التوحيد.
اجتناب الكبائر، قال تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم: ٣٢].
نسأل الله الكريم أن يسع عباده المؤمنين بفيض عطائه ورحماته،
وأن يتجاوز عنهم ويغفر لهم، إن ربنا واسع المغفرة، إنه البَرّ الرحيم.
стр. 1535
الأسماء التي ثيتت في السنة النبوية فقط
стр. 1536
الجمِيلُ ﷻ -
المعنى اللغوي:
قال الجوهري ﵀: «الجمال: الحُسْن، وقد جَمُلَ الرجلُ- بالضم- جَمالًا فهو جميل» (١).
قال ابن فارس ﵀: «الجيم والميم واللام أصلان: أحدهما: تَجمُّعُ وَعِظَمُ الخَلق … أَجْمَلْتُ الشَّيْء، وهذه جملة الشيء، وَأَجْمَلْتُهُ: حَصَّلْتُهُ … والأصل الآخر: الجمال، وهو ضد القبح، ورجل جميل وَجُمَال» (٢).
ورود اسم الله (الجميل) في القرآن الكريم:
لم يرد اسم الله (الجميل) في القرآن الكريم.
ورود اسم الله (الجميل) في السنة النبوية:
ورد اسم الله (الجميل) في السنة النبوية، ومن وروده فيها ما يلي:
عن عبد الله بن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ، قَالَ رَجُلٌ: إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ
стр. 1537
ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنَةً، قَالَ: إِنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ، الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ» (١).
ثبوت اسم الله (الجميل) في حق الله تعالى:
من العلماء الذين أثبتوا اسم الله (الجميل) في حق الله تَعَالَى:
ابن القيم ﵀: في قوله: «ومن أسمائه الحسنى الجميل» (٢).
ابن عثيمين ﵀: فقد عده من الأسماء المثبتة بالسنة النبوية (٣).
معنى اسم الله (الجميل) في حقه تعالى:
قال ابن القيم ﵀: «وجماله سُبْحَانَهُ على أربع مراتب: جمال الذات، وجمال الصفات، وجمال الأفعال، وجمال الأسماء، فأسماؤه كلها حسنى، وصفاته كلها صفات كمال، وأفعاله كلها حكمة ومصلحة وعدل ورحمة» (٤).
يقول الشيخ السعدي ﵀: «الجميل من له نعوت الحُسْن والإحسان، فإنه جميل في ذاته، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله» (٥).
стр. 1538
قال ابن القيم ﵀ في نونيته:
وَهوَ الجَمِيلُ عَلَى الحَقِيقَةِ كَيْفَ لَا … وَجَمَالُ سَائِرِ هَذِهِ الأَكْوَانِ
مِن بَعْضِ آثَارِ الجَمِيلِ فَرَبُّها … أَوْلَى وَأَجْدَرُ عِنْدَ ذِي العِرْفَانِ
فجمالُهُ بالذَّاتِ والأَوْصَافِ والـ … أَفْعَالِ والأَسْمَاءِ بالبُرْهَانِ
لا شيءَ يُشْبِهُ ذاتَهُ وصفاتِهِ … سُبْحَانَهُ عَنْ إِفْكِ ذِي البُهْتَانِ (١)
الآثارالمسلكية للإيمان باسم الله (الجميل):
الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (الجميل) من صفاته سُبْحَانَهُ، وتحقيق التوحيد له:
الله جميل يحب الجمال، تفرَّد سُبْحَانَهُ بالجمال الكامل، ووهب بعض الجمال لبعض خلقه وسلبهم الجلال، وأعطى الجلال لبعض خلقه وسلبهم الجمال، وأعطى سُبْحَانَهُ الجمال مع الجلال لبعض خلقه، لكنه سُبْحَانَهُ سلبهم دوام الحال، وتفرَّد الربُّ الجميل سُبْحَانَهُ بالجمال والجلال مع دوام الحال.
стр. 1539
يقول ابن القيم ﵀: «مِن أعزِّ أنواع المعرفة: معرفة الرب سُبْحَانَهُ بالجمال، وهي معرفة خواص الخلق، وكلهم عرفه بصفة من صفاته، وأتمُّهم معرفة: من عرفه بكماله وجلاله وجماله سُبْحَانَهُ، ليس كمثله شيء في سائر صفاته، ولو فرضتَ الخلقَ كلَّهم على أجملهم صورة وكلهم على تلك الصورة، ونسبتَ جمالهم الظاهر والباطن إلى جمال الرب سُبْحَانَهُ؛ لكان أقل من نسبة سراج ضعيف إلى قرص الشمس، ويكفي في جماله: (لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ) (١)، ويكفي أن كل جمال ظاهر وباطن في الدنيا والآخرة فمن آثار صنعته، فما الظنُّ بمن صَدَرَ عنه هذا الجمال.
ويكفي في جماله سُبْحَانَهُ: أن له العزة والقوة، والجود والإحسان، والعلم والفضل، ونور وجهه أشرقت له الظلمات، كما قال النبي ﷺ في دعائه: «أَعُوذُ بِنُورِ وَجْهِكَ الَّذِي أَشْرَقَتْ لَهُ الظُّلُمَاتُ، وَصَلُحَ عَلَيْهِ أَمْرُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ» (٢)، وقال عبد الله بن مسعود ﵁: (إِنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ عِنْدَهُ لَيْلٌ وَلَا نَهَارٌ، نَورُ السَّمَوَاتِ مِنْ نُورِ وَجْهِهِ) (٣)، فهو سُبْحَانَهُ نور السموات والأرض، ويوم القيامة إذا جاء لفصل القضاء تشرق الأرض بنوره» (٤)، فلا يستطيع بشر
стр. 1540
النظر إلى جلاله وجماله في هذه الدار، فإذا رأوه سُبْحَانَهُ في جنات عدن أنستهم رؤيته ما هم فيه من النعيم، فلا يلتفتون- حينئذ- إلى شيء غيره (١).
ومن مظاهر جماله سُبْحَانَهُ:
أنه جميل في ذاته سُبْحَانَهُ: «فلا يمكن لمخلوق أن يعبر عن بعض جمال ذات الله تَعَالَى، حتى إن أهل الجنة مع ما هم فيه من النعيم المقيم، واللذات والسرور، والأفراح التي لا يُقَدر قدرها إذا رأوا ربهم، وتمتعوا بجماله؛ نسوا ما هم فيه من النعيم، وتلاشى ما هم فيه من الأفراح، وودُّوا أن لو تدوم هذه الحال؛ ليكتسبوا مِن جماله ونوره جمالًا إلى جمالهم، وكانت قلوبهم في شوق دائم، ونزوع إلى رؤية ربِّهم، ويفرحون بيوم المزيد فرحًا تكاد تطير له القلوب.
أنه جميل في أسمائه سُبْحَانَهُ: فأسماؤه كلها حسنى، بل هي أحسن الأسماء على الإطلاق وأجملها، يقول تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٠] ويقول سُبْحَانَهُ: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥]، فكلها دالة على غاية الحمد والمجد والكمال، لا يسمى باسم منقسِم إلى كمال وغيره.
أنه جميل في أوصافه سُبْحَانَهُ: فإن أوصافه كلها أوصاف كمال، ونعوت ثناء وحمد، فهي أوسع الصفات، وأعمها، وأكثرها تعلقًا، خصوصًا أوصاف الرحمة، والبر، والكرم، والجود.
стр. 1541
أنه جميل في أفعاله سُبْحَانَهُ: فإنها دائرة بين أفعال البِر والإحسان- التي يُحمَد عليها، ويُثنى عليه ويُشكر- وبين أفعال العدل التي يُحمَد عليها لموافقتها للحكمة والحمد، فليس في أفعاله عبث ولا سَفه، ولا سُدًى ولا ظلم، كلها خير وهدى، ورحمة ورشد، وعدل، يقول تَعَالَى: ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود: ٥٦]، فلكماله الذي لا يحصي أحد عليه به ثناءً، كَمُلَتْ أفعاله كلها، فصارت أحكامه من أحسن الأحكام، وصنعه وخلقه أحسن خلق وصنع، وأتقن ما صنعه، ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾ [النمل: ٨٨]، وأحسن ما خلَق ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ﴾ [السجدة: ٧]، ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٥٠]، وقال ﷺ : «حِجَابُهُ النُّورُ لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ» (١)، فسبحان الله، وتقدَّس عما يقوله الظالمون النافون لكماله علوًّا كبيرًا، وحَسْبُهم مقتًا وخسارًا أنهم حُرموا من الوصول إلى معرفته والابتهاج بمحبته (٢).
وحري بمن عرف اسم الله الجميل، وآمن به أن يوحده سُبْحَانَهُ بألوهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته، ويستغني به عن خلقه، ويسأله وحده جمال عفوه وعافيته في الدنيا والآخرة.
стр. 1542
الأثر الثاني: أعظم النعيم رؤية الجميل في الجنة:
اشتاقت قلوب العابدين والمحبين لرؤية وجه الله الجميل يوم القيامة، يقول الله تَعَالَى ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]، يقول السعدي ﵀ عند هذه الآية: «أي: للذين أحسنوا في عبادة الخالق، بأن عبدوه على وجه المراقبة والنصيحة في عبوديته، وقاموا بما قدروا عليه منها، وأحسنوا إلى عباد الله بما يقدرون عليه من الإحسان القولي والفعلي، من بذل الإحسان المالي، والإحسان البدني، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتعليم الجاهلين، ونصيحة المعرضين، وغير ذلك من وجوه البر والإحسان، فهؤلاء الذين أحسنوا، لهم الحسنى، وهي الجنة الكاملة في حسنها، وزيادة، وهي النظر إلى وجه الله الكريم، وسماع كلامه، والفوز برضاه والبهجة بقربه، فبهذا حصل لهم أعلى ما يتمناه المتمنون، ويسأله السائلون» (١).
ولذا كان ﷺ يكثر في دعائه من قول: «وَأَسْأَلُكَ لَذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِكَ، وَالشَّوْقَ إِلَى لِقَائِكَ فِي غَيْرِ ضَرَّاءَ مُضِرَّةٍ، وَلَا فِتْنَةٍ مُضِلَّةٍ» (٢)، وفي الحديث الآخر قال ﷺ : «إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ، قَالَ: يَقُولُ اللهُ ﵎: تُرِيدُونَ شَيْئًا أَزِيدُكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: أَلَمْ تُبَيِّضْ وُجُوهَنَا؟ أَلَمْ تُدْخِلْنَا الْجَنَّةَ وَتُنَجِّنَا مِنَ النَّارِ؟ قَالَ: فَيُكْشَفُ الْحِجَابُ، فَمَا أُعْطُوا شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إِلَى رَبِّهِمْ ».
стр. 1543
يقول ابن القيم ﵀:
أو ما سمعتَ سؤالَ أعرفِ خلقِهِ … بجلالِهِ المبعوثِ بالقرآنِ
شوقًا إليه ولَذَّةَ النظرِ التي … بجلالِ وجهِ الرَّبِّ ذي السلطانِ (١)
فالشوقُ لَذَّةُ روحِهِ في هذه الـ … ـدُنْيَا ويومَ قيامةِ الأبدانِ
والله ما في هذِهِ الدُّنيا ألـ … ـذُ مِن اشتياقِ العبدِ للرحمنِ
ويقول- أيضًا ﵀:
والله لولا رؤيةُ الرحمنِ في … الجناتِ ما طابَتْ لِذِي عرفانِ
أعلى النعيمِ نعيمُ رؤيةِ وجهِهِ … وخطابُهُ في جنةِ الحيوانِ (٢)
فرؤية الله سُبْحَانَهُ هي الغاية التي شمَّر إليها المشمِّرون، وتنافس فيها المتنافسون، وتسابق إليها المتسابقون، ولمثلها فليعمل العاملون، ورؤية الله سُبْحَانَهُ إذا نالها أهل الجنة نسوا ما هم فيه من النعيم.
стр. 1544
وقد وردت أحاديث كثيرة في أعمال تورث رؤية الله ﷻ ، منها:
١ - الإيمان بالله وتوحيده:
يقول تَعَالَى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [يونس: ٢٦]، والإحسان أعلى مراتب الإيمان.
٢ - الحرص على أداء الصلاة والمحافظة عليها في أوقاتها:
خصوصًا الفجر والعصر، فعن جرير بن عبد الله ﵁، قال: «كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَنَظَرَ إِلَى الْقَمَرِ لَيْلَةً يَعْنِي الْبَدْرَ، فَقَالَ: إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ، كَمَا تَرَوْنَ هَذَا الْقَمَرَ، لَا تُضَامُونَ فِي رُؤْيَتِهِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لَا تُغْلَبُوا عَلَى صَلَاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا فَافْعَلُوا، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ [ق: ٣٩]» (١).
٣ - الابتعاد عن المعاصي والذنوب:
يقول ﷺ : «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، وَلَا يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ، قَالَ: فَقَرَأَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ثَلَاثَ مِرَارٍ، قَالَ أَبُو ذَرٍّ: خَابُوا وَخَسِرُوا، مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: الْمُسْبِلُ، وَالْمَنَّانُ، وَالْمُنَفِّقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ» (٢).
стр. 1545
٤ - الدعاء:
يقول تَعَالَى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: ١٨٦]، وكان النبي ﷺ يقول في دعائه: «اللَّهُمَّ بِعِلْمِكَ الْغَيْبَ وَقُدْرَتِكَ عَلَى الْخَلْقِ أَحْيِنِي مَا عَلِمْتَ الْحَيَاةَ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتِ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي، أَسْأَلُكَ خَشْيَتَكَ فِي الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، وَكَلِمَةَ الْحَقِّ فِي الْغَضَبِ، وَالرِّضَا وَالْقَصْدَ فِي الْفَقْرِ وَالْغِنَى، وَلَذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِكَ، وَالشَّوْقَ إِلَى لِقَائِكَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ ضَرَّاءَ مُضِرَّةٍ، وَمِنْ فِتْنَةٍ مُضِلَّةٍ، اللَّهُمَّ زَيِّنَّا بِزِينَةِ الْإِيمَانِ، وَاجْعَلْنَا هُدَاةً مُهْتَدِينَ» (١).
الأثر الثالث: محبة الجميل سُبْحَانَهُ:
المحبة لها داعيان: داعي الجمال والإجلال، والله جميل يحب الجمال، بل الجمال له، والإجلال كله منه، فلا يستحق أن يُحَب بذاته من كل وجه سواه؛ لما له من كمال الجمال في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، وما يُرَى من جمال في خلق الله هو من جماله سُبْحَانَهُ، فحقيق بمن هذا وصفُه أن يُحَب لذاته؛ فليس في أسمائه ولا في صفاته ولا في أفعاله صفة نقص وذم، بل هي جميلة كلها، حسنى كلها، طيبة كلها، خير كلها.
قال ابن القيم ﵀: «والله سُبْحَانَهُ تعرَّفَ إلى عباده من أسمائه وصفاته وأفعاله بما يوجب محبتهم له؛ فإن القلوب مفطورة على محبة الكمال ومن قام به، والله له الكمال المطلق من كل وجه؛ الذي لا نقص فيه بوجه ما» (٢).