← Акыда

Акыда · id 721

موسوعة شرح أسماء الله الحسنى

نوال العيد

Полный текст (1 826 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.

стр. 1541

أنه جميل في أفعاله سُبْحَانَهُ: فإنها دائرة بين أفعال البِر والإحسان- التي يُحمَد عليها، ويُثنى عليه ويُشكر- وبين أفعال العدل التي يُحمَد عليها لموافقتها للحكمة والحمد، فليس في أفعاله عبث ولا سَفه، ولا سُدًى ولا ظلم، كلها خير وهدى، ورحمة ورشد، وعدل، يقول تَعَالَى: ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود: ٥٦]، فلكماله الذي لا يحصي أحد عليه به ثناءً، كَمُلَتْ أفعاله كلها، فصارت أحكامه من أحسن الأحكام، وصنعه وخلقه أحسن خلق وصنع، وأتقن ما صنعه، ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾ [النمل: ٨٨]، وأحسن ما خلَق ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ﴾ [السجدة: ٧]، ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٥٠]، وقال ﷺ : «حِجَابُهُ النُّورُ لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ» (١)، فسبحان الله، وتقدَّس عما يقوله الظالمون النافون لكماله علوًّا كبيرًا، وحَسْبُهم مقتًا وخسارًا أنهم حُرموا من الوصول إلى معرفته والابتهاج بمحبته (٢). وحري بمن عرف اسم الله الجميل، وآمن به أن يوحده سُبْحَانَهُ بألوهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته، ويستغني به عن خلقه، ويسأله وحده جمال عفوه وعافيته في الدنيا والآخرة.

стр. 1542

الأثر الثاني: أعظم النعيم رؤية الجميل في الجنة: اشتاقت قلوب العابدين والمحبين لرؤية وجه الله الجميل يوم القيامة، يقول الله تَعَالَى ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]، يقول السعدي ﵀ عند هذه الآية: «أي: للذين أحسنوا في عبادة الخالق، بأن عبدوه على وجه المراقبة والنصيحة في عبوديته، وقاموا بما قدروا عليه منها، وأحسنوا إلى عباد الله بما يقدرون عليه من الإحسان القولي والفعلي، من بذل الإحسان المالي، والإحسان البدني، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتعليم الجاهلين، ونصيحة المعرضين، وغير ذلك من وجوه البر والإحسان، فهؤلاء الذين أحسنوا، لهم الحسنى، وهي الجنة الكاملة في حسنها، وزيادة، وهي النظر إلى وجه الله الكريم، وسماع كلامه، والفوز برضاه والبهجة بقربه، فبهذا حصل لهم أعلى ما يتمناه المتمنون، ويسأله السائلون» (١). ولذا كان ﷺ يكثر في دعائه من قول: «وَأَسْأَلُكَ لَذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِكَ، وَالشَّوْقَ إِلَى لِقَائِكَ فِي غَيْرِ ضَرَّاءَ مُضِرَّةٍ، وَلَا فِتْنَةٍ مُضِلَّةٍ» (٢)، وفي الحديث الآخر قال ﷺ : «إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ، قَالَ: يَقُولُ اللهُ ﵎: تُرِيدُونَ شَيْئًا أَزِيدُكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: أَلَمْ تُبَيِّضْ وُجُوهَنَا؟ أَلَمْ تُدْخِلْنَا الْجَنَّةَ وَتُنَجِّنَا مِنَ النَّارِ؟ قَالَ: فَيُكْشَفُ الْحِجَابُ، فَمَا أُعْطُوا شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إِلَى رَبِّهِمْ ».

стр. 1543

يقول ابن القيم ﵀: أو ما سمعتَ سؤالَ أعرفِ خلقِهِ … بجلالِهِ المبعوثِ بالقرآنِ شوقًا إليه ولَذَّةَ النظرِ التي … بجلالِ وجهِ الرَّبِّ ذي السلطانِ (١) فالشوقُ لَذَّةُ روحِهِ في هذه الـ … ـدُنْيَا ويومَ قيامةِ الأبدانِ والله ما في هذِهِ الدُّنيا ألـ … ـذُ مِن اشتياقِ العبدِ للرحمنِ ويقول- أيضًا ﵀: والله لولا رؤيةُ الرحمنِ في … الجناتِ ما طابَتْ لِذِي عرفانِ أعلى النعيمِ نعيمُ رؤيةِ وجهِهِ … وخطابُهُ في جنةِ الحيوانِ (٢) فرؤية الله سُبْحَانَهُ هي الغاية التي شمَّر إليها المشمِّرون، وتنافس فيها المتنافسون، وتسابق إليها المتسابقون، ولمثلها فليعمل العاملون، ورؤية الله سُبْحَانَهُ إذا نالها أهل الجنة نسوا ما هم فيه من النعيم.

стр. 1544

وقد وردت أحاديث كثيرة في أعمال تورث رؤية الله ﷻ ، منها: ١ - الإيمان بالله وتوحيده: يقول تَعَالَى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [يونس: ٢٦]، والإحسان أعلى مراتب الإيمان. ٢ - الحرص على أداء الصلاة والمحافظة عليها في أوقاتها: خصوصًا الفجر والعصر، فعن جرير بن عبد الله ﵁، قال: «كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَنَظَرَ إِلَى الْقَمَرِ لَيْلَةً يَعْنِي الْبَدْرَ، فَقَالَ: إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ، كَمَا تَرَوْنَ هَذَا الْقَمَرَ، لَا تُضَامُونَ فِي رُؤْيَتِهِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لَا تُغْلَبُوا عَلَى صَلَاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا فَافْعَلُوا، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ [ق: ٣٩]» (١). ٣ - الابتعاد عن المعاصي والذنوب: يقول ﷺ : «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، وَلَا يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ، قَالَ: فَقَرَأَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ثَلَاثَ مِرَارٍ، قَالَ أَبُو ذَرٍّ: خَابُوا وَخَسِرُوا، مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: الْمُسْبِلُ، وَالْمَنَّانُ، وَالْمُنَفِّقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ» (٢).

стр. 1545

٤ - الدعاء: يقول تَعَالَى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: ١٨٦]، وكان النبي ﷺ يقول في دعائه: «اللَّهُمَّ بِعِلْمِكَ الْغَيْبَ وَقُدْرَتِكَ عَلَى الْخَلْقِ أَحْيِنِي مَا عَلِمْتَ الْحَيَاةَ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتِ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي، أَسْأَلُكَ خَشْيَتَكَ فِي الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، وَكَلِمَةَ الْحَقِّ فِي الْغَضَبِ، وَالرِّضَا وَالْقَصْدَ فِي الْفَقْرِ وَالْغِنَى، وَلَذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِكَ، وَالشَّوْقَ إِلَى لِقَائِكَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ ضَرَّاءَ مُضِرَّةٍ، وَمِنْ فِتْنَةٍ مُضِلَّةٍ، اللَّهُمَّ زَيِّنَّا بِزِينَةِ الْإِيمَانِ، وَاجْعَلْنَا هُدَاةً مُهْتَدِينَ» (١). الأثر الثالث: محبة الجميل سُبْحَانَهُ: المحبة لها داعيان: داعي الجمال والإجلال، والله جميل يحب الجمال، بل الجمال له، والإجلال كله منه، فلا يستحق أن يُحَب بذاته من كل وجه سواه؛ لما له من كمال الجمال في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، وما يُرَى من جمال في خلق الله هو من جماله سُبْحَانَهُ، فحقيق بمن هذا وصفُه أن يُحَب لذاته؛ فليس في أسمائه ولا في صفاته ولا في أفعاله صفة نقص وذم، بل هي جميلة كلها، حسنى كلها، طيبة كلها، خير كلها. قال ابن القيم ﵀: «والله سُبْحَانَهُ تعرَّفَ إلى عباده من أسمائه وصفاته وأفعاله بما يوجب محبتهم له؛ فإن القلوب مفطورة على محبة الكمال ومن قام به، والله له الكمال المطلق من كل وجه؛ الذي لا نقص فيه بوجه ما» (٢).

стр. 1546

يقول ابن القيم ﵀: « … وأما جمال الذات وما هو عليه، فأمر لا يدركه سواه، ولا يعلمه غيره، وليس عند المخلوقين منه إلا تعريفات تَعَرَّفَ بها إلى مَن أكرمه مِن عباده؛ فإن ذلك الجمال مصون عن الأغيار محجوب بستر الرداء والإزار، كما قال رسول الله ﷺ فيما يحكي عنه-: (الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي، وَالْعَظَمَةُ إِزَارِي … ) (١)، قال ابن عباس ﵁: (حجب الذاتَ بالصفات، وحجب الصفات بالأفعال، فما ظنك بجمالٍ حُجِبَ بأوصاف الكمالِ، وسُتِرَ بنعوت العظمة والجمال)» (٢). الأثر الرابع: الجمال الحقيقي جمال المخبر لا المظهر: الله جميل يحب الجمال، والجمال الحقيقي هو جمال المخبر لا جمال المظهر، فالقلب هو محل نظر الرب، والسلامة منوطة به في قوله تَعَالَى: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٨]. يقول الشيخ ابن عثيمين ﵀ في شرح حديث: «إِنَّ اللهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى أَجْسَادِكُمْ، وَلَا إِلَى صُوَرِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ» (٣): «هذا الحديث يدل على ما يدل عليه قول الله تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]، فالله لا ينظر إلى العباد إلى أجسامهم هل هي كبيرة أو صغيرة، أو صحيحة، أو سقيمة، ولا ينظر إلى الصور، هل هي جميلة أو ذميمة، كل هذا

стр. 1547

ليس بشيء عند الله، وكذلك لا ينظر إلى الأنساب؛ هل هي رفيعة أو دنيئة، ولا ينظر إلى الأموال، ولا ينظر إلى شيء من هذا أبدًا، فليس بين الله وبين خلقه صلة إلا بالتقوى، فمن كان لله أتقى كان من الله أقرب، وكان عند الله أكرم؛ إذًا لا تفتخر بمالك، ولا بجمالك، ولا ببدنك، ولا بأولادك، ولا بقصورك، ولا سياراتك، ولا بشيء من هذه الدنيا أبدًا، إنما إذا وفقك الله للتقوى فهذا من فضل الله عليك، فاحمد الله عليه؛ لقوله ﵊: (وَلكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ)، فالقلوب هي التي عليها المدار» (١). ولذلك أثنى الله سُبْحَانَهُ على الذين جاءوا من بعد الصحابة، في قوله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحشر: ١٠]، وهي أفضل صفة ذكرت فيهم، وعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: «قِيلَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ : أَيُّ النَّاسِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: كُلُّ مَخْمُومِ الْقَلْبِ صَدُوقِ اللِّسَانِ، قَالُوا: صَدُوقُ اللِّسَانِ نَعْرِفُهُ، فَمَا مَخْمُومُ الْقَلْبِ؟ قَالَ: هُوَ التَّقِيُّ النَّقِيُّ، لَا إِثْمَ فِيهِ، وَلَا بَغْيَ، وَلَا غِلَّ، وَلَا حَسَدَ» (٢). الأثر الخامس: الله هو واهب الجمال والحُسْن لمن يشاء: من تأمل في مخلوقات الله، رأى فيها الجمال والحسن بالخلق والتصور، ومما ورد نصه في القرآن والسنة، ما يلي:

стр. 1548

خلق الإنسان: فقد خلق الله تَعَالَى الإنسان في أحسن صورة وأجمل تقويم، وجعلهم متفاوتين في هذا الحُسن والجمال، وجمال الإنسان على ضربين: جمال مظهر، وجمال مخبر، جمال المظهر الخلق وهبه الله خلقه، وجعلهم متفاوتين فيه، وجمال المخبر الخلق خص به من عباده من شاء: فأعطى يوسف شطر الحُسن، كما قال ﷺ : «ثُمَّ عَرَجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ، فَقِيلَ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ ﷺ ، قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: قَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ، فَفُتِحَ لَنَا، فَإِذَا أَنَا بِيُوسُفَ ﷺ ، إِذَا هُوَ قَدْ أُعْطِيَ شَطْرَ الْحُسْنِ، فَرَحَّبَ وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ … » (١)، ويقول تَعَالَى عن حال النسوة لما رأينه: ﴿فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ [يوسف: ٣١] (٢)، وأعطاه حسن الخلق والإحسان للخلق ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف: ٢٤]. وأعطي محمد ﷺ من جمال المظهر والمخبر حظًّا وافرًا،، فعن أنس بن مالك في وصف النبي ﷺ : «كَانَ رَبْعَةً مِنَ الْقَوْمِ لَيْسَ بِالطَّوِيلِ وَلَا بِالْقَصِيرِ أَزْهَرَ اللَّوْنِ لَيْسَ بِأَبْيَضَ أَمْهَقَ وَلَا آدَمَ لَيْسَ بِجَعْدٍ قَطَطٍ وَلَا سَبْطٍ رَجِلٍ … » (٣)، وعن البراء بن عازب ﵁ قال: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ

стр. 1549

أَحْسَنَ النَّاسِ وَجْهًا وَأَحْسَنَهُ خَلْقًا لَيْسَ بِالطَّوِيلِ الْبَائِنِ وَلَا بِالْقَصِيرِ» (١). وقد كان النبي ﷺ أحسنَ الناس أخلاقًا: سماحة وشجاعة، وحلمًا وكرمًا، ورحمة وشفقة، وصلة وبِرًّا، كما وصفته خديجة ﵂ بقولها: «إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ، وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ» (٢)، وعن أنس ﵁ قال: «خَدَمْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَشْرَ سِنِينَ، فَمَا قَالَ لِي أُفٍّ، وَلَا لِمَ صَنَعْتَ، وَلَا أَلَّا صَنَعْتَ» (٣)، وقال: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَحْسَنَ النَّاسِ وَأَشْجَعَ النَّاسِ وَأَجْوَدَ النَّاسِ … » (٤)، وفي حديث عن عبد الله بن عمرو، قال: «لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ ﷺ فَاحِشًا وَلَا مُتَفَحِّشًا، وَكَانَ يَقُولُ: إِنَّ مِنْ خِيَارِكُمْ أَحْسَنَكُمْ أَخْلَاقًا» (٥). خلق السماء ومافيها: وفي ذلك في آيات كثيرة، منها قوله سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾ [الملك: ٥]، يقول السعدي ﵀ عند هذه الآية: «أي ولقد جمَّلنا ﴿السَّمَاءَ الدُّنْيَا﴾ التي ترونها وتليكم، ﴿بِمَصَابِيحَ﴾ وهي: النجوم، على اختلافها في النور والضياء، فإنه لولا ما فيها من النجوم، لكانت سقفًا مظلمًا، لا حسن فيه ولا جمال، ولكن جعل الله هذه النجوم زينة للسماء، (وجمالًا)، ونورًا وهداية يهتدى بها في ظلمات البر والبحر» (٦).

стр. 1550

خلق الأرض وما فيها: وفي ذلك في آيات كثيرة، منها قوله سُبْحَانَهُ: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ [النمل: ٦٠]، وقوله سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٧]، فالله هو الذي زين الأرض وجمَّلها بأنواع الحدائق والبساتين والأشجار والأزهار والخضرة، ذات البهجة والحُسن والجمال، بحيث إن الناظر إليها يبتهج وتفرح نفسه بها، وينشرح صدره بسببها. خلق الأنعام: وفي ذلك يقول تَعَالَى: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ [النحل: ٦]، أي: «في وقت راحتها وسكونها، ووقت حركتها وسرحها، وذلك أن جمالها لا يعود إليها منه شيء، فإنكم أنتم الذين تتجملون بها، كما تتجملون بثيابكم وأولادكم، وأموالكم، وتعجبون بذلك» (١). ومن نظر في سائر الكون وما يحويه، رأى الإعجاز والجمال والإتقان في كل ما حوله، فتبارك الله وتَعَالَى أحسن الخالقين. الأثر الخامس: ملازمة كل خلق جميل: إن من أفاض الله عليه من صفة الجميل فتح له جمال المعاني، وحلاوة الإيمان، وحسَّن خَلْقَهُ وخُلُقَهُ، وزادت هيبته في بحر جماله، فلا يرضى العبدُ بقبيح الفعال وسوء الخصال؛ لئلا يخرج عن فيض الجمال، فيأنف العبد بطبعه وذكاء روحه كل قبيح، ولا يرضى أن يتدنس بحرام قط، أو بخلق ذميم.

стр. 1551

وبيَّن الله سُبْحَانَهُ في مواضع كثيرة أن جمال الظاهر لا يكفي، وأمر وأوصى نبيه ﷺ وأمته بالتجمل في الأقوال والأفعال في آيات عديدة: فأمر تَعَالَى بالصبر الجميل في قوله: ﴿فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا﴾ [المعارج: ٥] أي: «اصبر على دعوتك لقومك صبرًا جميلًا، لا تضجر فيه ولا ملل، بل استمر على أمر الله، وادع عباده إلى توحيده، ولا يمنعك عنهم ما ترى من عدم انقيادهم، وعدم رغبتهم؛ فإن في الصبر على ذلك خيرًا كثيرًا» (١). وأمر تَعَالَى بالهجر الجميل في قوله سُبْحَانَهُ: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا﴾ [المزمل: ١٠] «أمره بالصبر على ما يقول فيه المعاندون له ويسبونه ويسبون ما جاء به، وأن يمضي على أمر الله، لا يصده عنه صادٌّ، ولا يرده رادٌّ، وأن يهجرهم هجرًا جميلًا، وهو الهجر حيث اقتضت المصلحة، الهجر الذي لا أذية فيه، فيقابلهم بالهجر والإعراض عنهم وعن أقوالهم التي تؤذيه، وأمره بجدالهم بالتي هي أحسن» (٢)، وقيل: الهجر في ذات الله، كما قال : ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ٦٨]. وأمر سُبْحَانَهُ بالصفح الجميل، في قوله تَعَالَى: ﴿خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾ [الحجر: ٨٥]، أي: الحسن الذي قد سلم من الحقد والأذية القولية والفعلية، دون الصفح الذي ليس بجميل، وهو الصفح في غير محله، فلا يصفح حيث اقتضى المقامُ

стр. 1552

العقوبةَ، كعقوبة المعتدين الظالمين الذين لا ينفع فيهم إلا العقوبة (١). أمر سُبْحَانَهُ بالسراح الجميل، في قوله سُبْحَانَهُ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب: ٢٨]، وقال- في السورة نفسها-: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤٩] … أي: أن يفارقوهن فراقًا جميلًا من غير مخاصمة، ولا مشاتمة، ولا مطالبة، ولا غير ذلك (٢). الأثر السادس: ملازمة كل قول جميل: وبذلك تظهر جمال اللغة وجمال الأدب، وجمال هذا الدين العظيم، وأصل هذا الباب: قوله تَعَالَى: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ﴾ [الإسراء: ٥٣]، فالشيطان ينزغ بينهم إذا كلم بعضهم بعضًا بغير التي هي أحسن، فَرُبَّ حربٍ وقودُهَا جثثٌ وهام، أهاجها القبيحُ من الكلام، وفي الصحيحين من حديث سهل بن حنيف، قال: قال رسول الله ﷺ : «لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ خَبُثَتْ نَفْسِي، وَلَكِنْ لِيَقُلْ: لَقِسَتْ نَفْسِي» (٣)، و «خَبُثَتْ»، و «لَقِسَتْ»، و (غَثتْ) متقاربة المعنى؛ فَكَرِهَ رسولُ الله ﷺ لفظ (الخبث) لبشاعته، وأرشدهم إلى العدول إلى لفظ هو أحسن منه، وإن كان

стр. 1553

بمعناه تعليمًا للأدب في المنطق، وإرشادًا إلى استعمال الحَسَن، وهجر القبيح من الأقوال، كما أرشدهم إلى ذلك في الأخلاق والأفعال» (١). يقول ابن القيم ﵀: «ومن محاسن الفراسة: أن الرشيد رأى في داره حزمة خيزران، فقال لوزيره الفضل بن الربيع: ما هذه؟ قال: عروق الرماح يا أمير المؤمنين، ولم يقل: الخيزران؛ لموافقة اسم أمه (٢). ونظير هذا: أن بعض الخلفاء سأل ولده- وفي يده مسواك - ما جمع هذا؟ قال: محاسنك يا أمير المؤمنين (٣). وهذا من الفراسة في تحسين اللفظ، وهو باب عظيم، اعتنى به الأكابر والعلماء. وله شواهد كثيرة في السنة، وهو من خاصية العقل والفطنة، فقد رُوِّينَا عن عمر ﵁: «أنه خرج يعس المدينة بالليل، فرأى نارًا موقدة في خباء، فوقف وقال: يا أهل الضوء، وكره أن يقول: يا أهل النار» (٤). وسأل رجلًا عن شيء: «هل كان؟ قال: لا. أطال الله بقاءك، فقال: قد علمتم فلم تتعلموا، هلا قلت: لا، وأطال الله بقاءك؟» (٥). وسئل العباس: «أنت أكبر أم رسول الله ﷺ ؟ فقال: هو أكبر مني، وأنا ولدت قبله» (٦).

стр. 1554

وسئل عن ذلك قَبَاثُ بنُ أَشْيَمَ؟ فقال: «رسول الله ﷺ أكبر مني، وأنا أسن منه» (١). وكان لبعض القضاة جليس أعمى، وكان إذا أراد أن ينهض يقول: يا غلام، اذهب مع أبي محمد، ولا يقول: خذ بيده، قال: والله ما أخل بها مرة» (٢). ومن ألطف ما يحكى في ذلك: «أن بعض الخلفاء سأل رجلًا عن اسمه؟ فقال: سعد، يا أمير المؤمنين، فقال: أي السعود أنت؟ قال: سعد السعود لك يا أمير المؤمنين، وسعد الذابح لأعدائك، وسعد بلع على سماطك، وسعد الأخبية لسرك، فأعجبه ذلك» (٣). الأثر السابع: التعبد للجميل بإظهار نعمته على عبده، والتجمل في اللباس والهيئة من غير إسراف ولا مخيلة، ولا بطر ولا تكبر: الجميل يحب ظهور أثر نعمته على عبده؛ فإنه من الجمال الذي يحبه، وذلك من شُكره على نعمه، وهو جمال باطن، فيحب أن يرى على عبده الجمال الظاهر بالنعمة، والجمال الباطن بالشكر عليها. ولمحبته سُبْحَانَهُ للجمال أنزل على عباده لباسًا وزينةً تُجمِّلُ ظواهرهم، وتقوى تُجَمِّلُ بواطنهم، فقال سُبْحَانَهُ: ﴿يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٦].

стр. 1555

وقال في أهل الجنة: ﴿فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا (١١) وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا﴾ [الإنسان: ١١ - ١٢]، فهو سُبْحَانَهُ جمَّل وجوهَهُم بالنضرةِ، وبواطنهم بالسرور، وأبدانهم بالحرير. قال أبو الدرداء ﵁: «كنا مع رسول الله ﷺ ، فقال لنا: إِنَّكُمْ قَادِمُونَ عَلَى إِخْوَانِكُمْ، فَأَصْلِحُوا رِحَالَكُمْ وَلِبَاسَكُمْ؛ حَتَّى تَكُونُوا فِي النَّاسِ كَأَنَّكُمْ شَامَةٌ، فَإِنَّ الله لَا يُحِبُّ الْفُحْشَ، وَلَا التَّفَحُّشَ» (١). قال ابن القيم ﵀: «والله يحب من عبده أن يجمِّل بدنه بإظهار نعمه عليه في لباسه، وتطهيره له من الأنجاس والأوساخ، والختان، وتقليم الأظفار إلى غير ذلك، فيعرفه بالجمال الذي هو وصفه، ويعبده بالجمال الذي هو شرعه ودينه، فجمع الحديث قاعدتين: المعرفة، والسلوك» (٢)، وفي الحديث: «إِنَّ اللهَ يُحِبُّ أَنْ يَرَى أَثَرَ نِعْمَتِهِ عَلَى عَبْدِهِ» (٣). قال القرطبي ﵀: «فيجب على كل مكلَّف أن يتجمل بالطاعات والأعمال الصالحة، ويجمِّل باطنه كما يجمل ظاهره، وذلك بتصفيته من الأوضار، كالغل والحسد والشماتة وسوء الظن إلى غير ذلك من الاعتقادات الفاسدة، والبدع الضالة المضلَّة، فيكون قلبه موافقًا ظاهرَه؛ ولهذا جاء في الحديث: (وَآفَةُ الْجَمَالِ الْبَغْيُ) (٤)، وكذلك لا يتعرض بجماله لمعصية

стр. 1556

ربه، وهذه الآفة ربما اعترضت نعمة الجمال، فعرضتها للزوال والنقص والاضمحلال: ﴿وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ [سبأ: ١٧]» (١). والناس في التجمل الظاهر الذي هو الملبس والهيئة على ثلاثة أضرب، بعد اتفاقهم في الجمال الباطن: فمنهم: من حسن ثوبه، وطيب ريحه، ورجل شعره، وادهن، واكتحل، واقتصد في ذلك كله، واحتسب على الله ما وجد حلالًا واتسع له، استقامت قلوبهم على ذلك، وهذه طريقة الشاكرين، وقد دَرَجَ على ذلك الكثيرُ من الصحابة والتابعين. ومنهم: من لَزم البذاذة والشَّعث، واحتمل التَّفَث في الهيئة، إلا ما أقام به السُّنة، وإن وجد الحلال واتسع له؛ زهدًا في التنعم، وإيثارًا لِشَظَف العيش، وهذه طريقة الخائفين والمحزونين، وقد درج على ذلك كثير من الصحابة والتابعين. ومنهم: من يتقلَّب بين هذا وهذا، وجد الحلال والاتساع فيه؛ ليعمر إلى ربه الطريقتينِ، وتَسَلَّكَ في عبادته الجادتين، وهذه كانت سنة إمام المتقين وسيد المرسلين ﷺ ، قد كان يلبس الحُلَّة الحمراء- وكان أحسن شيء فيها- والثوبَ ذا العَلَم تارة، ويلبس الرداء النجراني الغليظ الحاشية، والجبَّة الشامية، ويأكل اللحم، ويجوع مرة، ويشبع أخرى، ويرهن درعَه فيما يؤكَل في بيته، ومات- بأبي هو وأمي ﷺ في كساء مُلَبَّد، وإنما كانوا يراعون في ذلك كله قوامَ قلوبهم، فإذا استقامت قلوبهم لبسوا وأخذوا من ذلك

стр. 1557

ما استقام عليه أمرهم، مما لا يشهرهم باتِّضاع ولا بارتفاع. وقد كان لتميم الداري حلة اشتراها بثمانية دراهم يلبسها للجُمَع والأعياد، وكان كثيرًا ما يتطيَّب لقيام الليل ويَدَّهِنُ. وعن نافع، أن ابن عمر كساه ثوبين وهو غلام، قال: فدخل المسجد فوجده يصلي متوشحًا به في ثوب، فقال: «أَلَيْسَ لَكَ ثَوْبَانِ تَلْبَسُهُمَ؟ فَقُلْتُ: بَلَى، فَقَالَ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنِّي أَرْسَلْتُكَ إِلَى وَرَاءِ الدَّارِ لَكُنْتَ لَابِسَهُمَا؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَتَزَيَّنَ لَهُ أَمِ النَّاسُ؟ قَالَ نَافِعٌ: فَقُلْتُ: بَلِ اللهُ» (١). وقال عمر بن الخطاب ﵁: «إِذَا وَسَّعَ اللهُ فَأَوْسِعُوا» (٢). فهؤلاء ونظراؤهم- في أعصارهم والأعصار التي بعدهم- هم الذين علموا أن الجمال والتجمل هو الاستقامة فيما بينهم وبين ربهم عز جلاله، فعملوا لذلك وتركوا المذموم من زينة الدنيا وزخرفها، وتفاخرها وتكاثرها، سمعوا الله يقول: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ﴾ [آل عمران: ١٤] ثم قال سُبْحَانَهُ: ﴿ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ [آل عمران: ١٤]، ثم دل على حقيقة الزينة والحسن بقوله: ﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (١٥) الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٦) الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ

стр. 1558

وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ [آل عمران: ١٥ - ١٧]. وقال ﷺ : «إنَّ الله جميلٌ يُحِبُّ الجمالَ» (١)، جوابًا لمن قال له: «إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنًا، ونعلُه حسنةً»، فبين ﷺ أن مجرد فعل ذلك ومحبته لا يُدخل صاحبَه في الكبر المذموم. يقول ابن القيم ﵀: «إن هذا الحديث الشريف مشتمل على أصلين عظيمين: فأوله معرفة، وآخره سلوك، فيُعرف الله سُبْحَانَهُ بالجمال الذي لا يماثله فيه شيء، ويُعبد بالجمال الذي يحبه من الأقوال والأعمال والأخلاق، فيحب من عبده أن يجمِّل لسانه بالصدق، وقلبه بالإخلاص والمحبة، والإنابة والتوكل، وجوارحه بالطاعة، وبدنه بإظهار نعمه عليه في لباسه، وتطهيره له من الأنجاس والأحداث والأوساخ والشعور المكروهة والختان وتقليم الأظفار، فيعرفه بصفات بالجمال ويتعرف إليه بالأفعال والأقوال والأخلاق الجميلة، فيعرفه بالجمال الذي هو وصفه، ويعبده بالجمال الذي هو شرعه ودينه، فجمع الحديث قاعدتين: المعرفة، والسلوك» (٢). والجنة دار المتواضعين الخاشعين، لا دار المتكبرين الجبارين، سواء كانوا أغنياء أو فقراء؛ فإنه قد ثبت في الصحيحِ قوله ﷺ : «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ، قَالَ رَجُلٌ: إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنَةً، قَالَ: إِنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ، الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ» (٣).

стр. 1559

فأخبر ﷺ أن الله يحب التَّجمل في اللباس الذي لا يحصل إلا بالغنى، وأن ذلك ليس مِن الكبر. وفي الحديث: «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يُزَكِّيهِمْ -قَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ: وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ -، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: شَيْخٌ زَانٍ، وَمَلِكٌ كَذَّابٌ، وَعَائِلٌ مُسْتَكْبِرٌ» (١). فعُلم أن من الفقراء من يكون مختالًا فلا يدخل الجنة، وأن من الأغنياء من يكون متجملًا غير متكبر؛ يحب الله جماله، مع قوله ﷺ : «إِنَّ اللهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى أَجْسَادِكُمْ، وَلَا إِلَى صُوَرِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ» (٢). وعن جمال الصورة واللباس، يقول ابن القيم ﵀: «وجمال الصورة واللباس والهيأة ثلاثة أنواع: منه: ما يُحمد، ومنه: ما يُذم، ومنه: ما لا يتعلق به مدح ولا ذم. فالمحمود منه: ما كان لله، وأعان على طاعة الله، وتنفيذ أوامره، والاستجابة له، كما كان النبي ﷺ يتجمل للوفود، وهو نظير لباس آلة الحرب للقتال، ولباس الحرير في الحرب والخيلاء فيه؛ فإن ذلك محمود إذا تضمن إعلاء كلمة الله ونصر دينه وغيظ عدوه. والمذموم منه: ما كان للدنيا، والرياسة، والفخر، والخيلاء، والتوسل إلى الشهوات، وأن يكون هو غاية العبد، وأقصى مطلبه؛ فإن كثيرًا من النفوس ليس لها همة في سوى ذلك.

стр. 1560

وأما ما لا يُحمد ولا يُذم: فهو ما خلا عن هذين القصدين، وتجرد عن الوصفين» (١). الأثر الثامن: الرضا عن الجميل، وعن أفعاله وقضائه وقدره، فكلها تتسم بالجمال: كلما زاد علم العبد بالله زاد رضاه عنه، وكلما قل علمه قل رضاه، فالعلم متعلق بالرضا؛ إذ الرضا من لوازم الإيمان، والسخط من لوازم الكفران، والرضا من لوازم القرب، والسخط من لوازم البعد، فالرضا بما يقدر الله ويقضيه من صلب الإيمان، ومما يرقي العبد في درج الجنان؛ لأنه سُبْحَانَهُ لا يفعل إلا ما فيه الحكمة والخير لعبده المؤمن؛ لأن كل أفعاله جميلة، وما ينشأ من الفعل الجميل إلا جميل، وهذا يثمر في قلب المؤمن الطمأنينة إلى جميع أقدار الله ، وحسن الظن بالله تَعَالَى، وذلك بعد الأخذ بالأسباب الشرعية لمدافعة ما يمكن مدافعته. فمن آمن بجميل تولي الله لعبده أنزل الله على قلبه الرحمة، والسكينة التي تسعده ولو فقد كل شيء. فاللهم إنا نسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك، في غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة، اللهم جمِّلنا بالصبر الجميل، وَزَيِّنَّا بالخلق الحسن، واهدنا لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عنا سيئها لا يصرف عنا سيئها إلا أنت.

стр. 1561

الحَيِيُّ السِّتِّير ﷻ - المعنى اللغوي: أولًا: معنى (الحيي): قال الجوهري ﵀: «الحياة: ضد الموت، والحى: ضد الميت، والمحيا مفعل من الحياة، تقول: محياى ومماتي، والجمع: المحايى … ، وقال أبو زيد: حييت منه أحيا: استحييت» (١). قال ابن فارس ﵀: «(حي) الحاء والياء والحرف المعتل، أصلان: أحدهما: خلاف الموت، والآخر: الاستحياء الذي هو ضد الوقاحة، فأما الأول فالحياة والحيوان، وهو ضد الموت والموتان، ويسمى المطر حَيَا؛ لأن به حياة الأرض، قولهم: استحييت منه استحياء، وقال أبو زيد: حَيِيتُ منه أَحْيَا، إذا استحييتَ» (٢). ثانيًا: معنى الستير: قال الجوهري ﵀: «الستر: واحد الستور والأستار، والسترة: ما يستر به كائنًا ما كان .... والستر بالفتح: مصدر سترت الشئ أستره، إذا غطيته … » (٣).

стр. 1562

- قال ابن فارس ﵀: «(سَتَرَ) السين والتاء والراء كلمة تدل على الغِطاء. تقول: سَتَرْتُ الشَّيء سترًا … » (١). ورود اسمي الله (الحيي الستير) في القرآن الكريم: أولًا: ورود اسم الله الحيي في القرآن الكريم: لم يرد اسم الله الحيي في القرآن الكريم. ثانيًا: ورود اسم الله الستير في القرآن الكريم: لم يرد اسمه سُبْحَانَهُ (الستير) في القرآن الكريم. ورود اسم الله (الحيي الستير) في السنة النبوية: ورد اسم الله (الحيي) في السنة النبوية، ومن وروده: عن يعلى بن أمية: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَأَى رَجُلًا يَغْتَسِلُ بِالْبَرَازِ، فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ، فَحَمِدَ اللهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَقَالَ: إِنَّ اللهَ حَلِيمٌ حَيِيٌّ سِتِّيرٌ يُحِبُّ الْحَيَاءَ وَالسِّتْرَ، فَإِذَا اغْتَسَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَتِرْ» (٢). عن سلمان عن النبي ﷺ قال: «إِنَّ رَبَّكُمْ حَيِيٌّ كَرِيمٌ، يَسْتَحْيِي مِنْ عَبْدِهِ إِذَا رَفَعَ يَدَيْهِ إِلَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُمَا صِفْرًا» (٣).

стр. 1563

ورد اسم الله (الستير) في السنة النبوية، ومن وروده: حديث يعلى بن أمية: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَأَى رَجُلًا يَغْتَسِلُ بِالْبَرَازِ، فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ، فَحَمِدَ اللهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَقَالَ: إِنَّ اللهَ حَلِيمٌ حَيِيٌّ سِتِّيرٌ يُحِبُّ الْحَيَاءَ وَالسِّتْرَ، فَإِذَا اغْتَسَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَتِرْ» (١). ثبوت اسمي الله (الحيي والستير) في حق الله تعالى: من العلماء الذين أثبتوا اسمي الله (الحيي والستير) في حق الله تَعَالَى: ابن القيم ﵀: في قوله: «حيي ستير، يحب أهل الحياء والستر» (٢). السعدي ﵀: في قوله: «وهو الحيي الستير، يحب أهل الحياء والستر» (٣). معنى اسم الله (الحيي الستير) في حقه سُبْحَانَهُ: أولًا: معنى اسم الحيي: قال ابن القيم ﵀: «وأما حياء الرب تَعَالَى من عبده فذاك نوع آخر لا تدركه الأفهام ولا تكيفه العقول، فإنه حياء كرم وبِر وجود وجلال؛ فإنه: (حَيِيٌّ كريمٌ، يَسْتَحْيِي مِن عبدِهِ إذا رفعَ إليه يديه أنْ يردَّهما صفرًا) (٤)» (٥).

стр. 1564

قال الشيخ السعدي ﵀ عن اسمه سُبْحَانَهُ (الحيي): «هذا مأخوذ من قوله ﷺ : (إنَّ الله حييٌّ كريمٌ، يَستَحْيِي مِن عبدِهِ إذَا رَفَعَ إليهِ يديهِ أنْ يَردَّهُما صفْرًا) (١)، وهذا من رحمته وكرمه وكماله وحلمه، أن العبد يجاهر بالمعصية مع فقره الشديد، حتى أنه لا يمكنه أن يعصي إلا أن يتقوى عليها بنعم ربه، والرب مع كمال غناه عن الخلق كلهم من كرمه يستحيي من هتكه، وفضيحته، وإحلال العقوبة به، فيستره بما يقيض له من أسباب الستر، ويعفو عنه، ويغفر له» (٢). قال الإمام ابن القيم ﵀ (٣): وهوَ الحَيِيُّ فليسَ يَفضحُ عبدَهُ … عندَ التَّجَاهُرِ منهُ بِالعصيانِ لكنَّهُ يُلقِي عليهِ سِتْرَهُ … فهوَ السَّتِيْرُ وصاحِبُ الغفرانِ ثانيا: معنى اسم الله (الستير): قال البيهقي ﵀: «وقوله: ستير، يعني: أنه ساتر يستر على عباده كثيرًا، ولا يفضحهم في المشاهد، كذلك يحب من عباده الستر على أنفسهم، واجتناب ما يشينهم» (٤). قال ابن الأثير ﵀: «أي: من شأنه وإرادته حب الستر والصون» (٥).

стр. 1565

قال القرطبي ﵀: «فالله سُبْحَانَهُ ساتر ذنوب عباده بالتوبة الصادرة منهم، أو بعفوه وغَفْره لهم؛ تفضلًا منه عليهم» (١)؛ بل ويستر سُبْحَانَهُ مَن ستر المسلمين؛ ففي الحديث: «وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (٢). قال ابن القيم ﵀ (٣): وَهُوَ الْحَيِيُّ فَلَيْسَ يَفْضَحُ عَبْدَهُ عِنْدَ التَّجَاهُرَ مِنْهُ بِالْعِصْيَانِ لَكِنَّهُ يُلْقِي عَلَيْهِ سِتْرَهُ فَهْوَ السَّتِيْرُ، وَصَاحِبُ الْغُفْرَانِ الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (الحيي الستير): الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسمي الله (الحيي الستير) من صفات الله تعالى: فالله سُبْحَانَهُ هو الحيي الستير، حياء وسترًا يليق بجلاله وعظيم سلطانه، فحياؤه وستره يتناسب مع سعة رحمته، وكمال جوده وكرمه، وعظيم عفوه وحلمه سُبْحَانَهُ. ومن مظاهر حياء الله وستره ما يلي: حياؤه وستره سُبْحَانَهُ، مِن هتك ستر عبده المذنب في الخفاء وفضيحته، في الدنيا، قال النبي ﷺ : «كُلُّ أُمَّتِي مُعَافًى إِلَّا الْمُجَاهِرِينَ، وَإِنَّ مِنَ الْمَجَانَةِ أَنْ يَعْمَلَ الرَّجُلُ بِاللَّيْلِ عَمَلًا ثُمَّ يُصْبِحَ وَقَدْ سَتَرَهُ اللهُ، فَيَقُولَ:

стр. 1566

يَا فُلَانُ، عَمِلْتُ الْبَارِحَةَ كَذَا وَكَذَا، وَقَدْ بَاتَ يَسْتُرُهُ رَبُّهُ، وَيُصْبِحُ يَكْشِفُ سِتْرَ اللهِ عَنْهُ» (١). حياؤه وستره سُبْحَانَهُ، لا يقتصر على ستر عبده المذنب، بل إنه سُبْحَانَهُ مَن كمل غناه عن خلقه، إلا أنه يهيئ أسباب التوبة له، ويتوب عليه ويغفر له ذنوبه، يقول تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الشورى: ٢٥]. حياؤه سُبْحَانَهُ من رد دعوة الداعي له، يقول ﷺ «إِنَّ رَبَّكُمْ ﵎ حَيِىٌّ كَرِيمٌ، يَسْتَحْيِى مِنْ عَبْدِهِ إِذَا رَفَعَ يَدَيْهِ إِلَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُمَا صِفْرًا» (٢). حياؤه سُبْحَانَهُ من رد من أقبل على مجلس يذكر اسمه فيه، عن أبي واقد الليثي: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَيْنَمَا هُوَ جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ وَالنَّاسُ مَعَهُ، إِذْ أَقْبَلَ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ، فَأَقْبَلَ اثْنَانِ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَذَهَبَ وَاحِدٌ، قَالَ: فَوَقَفَا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَأَمَّا أَحَدُهُمَا: فَرَأَى فُرْجَةً فِي الْحَلْقَةِ فَجَلَسَ فِيهَا، وَأَمَّا الْآخَرُ: فَجَلَسَ خَلْفَهُمْ، وَأَمَّا الثَّالِثُ: فَأَدْبَرَ ذَاهِبًا، فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، قَالَ: أَلَا أُخْبِرُكُمْ عَنِ النَّفَرِ الثَّلَاثَةِ؟ أَمَّا أَحَدُهُمْ فَأَوَى إِلَى اللهِ فَآوَاهُ اللهُ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَاسْتَحْيَا فَاسْتَحْيَا اللهُ مِنْهُ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَأَعْرَضَ فَأَعْرَضَ اللهُ عَنْهُ» (٣).

стр. 1567

ستره سُبْحَانَهُ، كما يكون في الدنيا فكذلك يكون في الآخرة، ففي حديث ابن عمر ﵄، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يَدْنُو أَحَدُكُمْ مِنْ رَبِّهِ حَتَّى يَضَعَ كَنَفَهُ عَلَيْهِ فَيَقُولُ: عَمِلْتَ كَذَا وَكَذَا؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، وَيَقُولُ: عَمِلْتَ كَذَا وَكَذَا؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَيُقَرِّرُهُ، ثُمَّ يَقُولُ: إِنِّي سَتَرْتُ عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا، فَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ» (١)، وقال ﷺ : «لَا يَسْتُرُ اللهُ عَلَى عَبْدٍ فِي الدُّنْيَا إِلَّا سَتَرَهُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (٢). فالله سُبْحَانَهُ كريم عفو غفور، حليم على عباده، يسترهم ولا يفضحهم، ويتحبب لهم بجزيل النعم مع كمال وتمام غناه سُبْحَانَهُ. الأثر الثاني: توحيد الله باسمي الله الحيي الستير: - دلالة اسمي الحيي والستير على توحيد الألوهية والربوبية: من آمن باسمي الله الحيي والستير؛ غلب على قلبه استشعار كمال اطلاع الله على أعمال السر والعلن، وتذكر دوام إحسان الله إليه، وقلة شكره لربه، وعلم أن هناك يومًا ينتظره سيسأل فيه عما اقترف، من آمن بذلك كله علم أنه لا إله يستحق العبادة إلا الله سُبْحَانَهُ، وأخلص التوحيد لله تَعَالَى، وأحسن في العمل والحب والخضوع والتضرع لله تَعَالَى، واستحى أن يخالف أمره، أو يقترف ما نهى عنه سُبْحَانَهُ، يقول تَعَالَى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [يونس: ٣].

стр. 1568

- دلالة اسمي الحيي والستير على توحيد الأسماء والصفات: يقول الشيخ ابن عثيمين ﵀ في إثبات الحياء لله كما يليق بجلاله: «هو حياء الكمال، يليق بالله وقد قال النبي ﷺ : (إِنَّ الله حَيِيٌّ كَرِيمٌ) (١)، وقال الله تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾ [الأحزاب: ٥٣]، والله يوصف بهذه الصفة، لكن ليس مثل المخلوقين؛ لأن الله يقول في القرآن: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]» (٢). فالقول في هذه الصفة كالقول في سائر صفات الرب سُبْحَانَهُ، فتثبت من غير تمثيل ولا تكييف ولا تحريف ولا تعطيل، يقول تَعَالَى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، فكما أن لله علمًا ليس كعلم خلقه، وبصرًا ليس كأبصارهم، وسمعًا ليس كسمعهم، فكذلك له حياء وستر ليس كحيائهم وسترهم تَعَالَى وتقدس سُبْحَانَهُ، وعليه فلا يصح تأويل الحياء بالرحمة أو المغفرة أو غير ذلك. ومن تأمل في هذين الاسمين، وجد فيهما معنى اسم الله العفو والغفور والرحيم والحليم والكريم، إلى غيره من أسماء الله تَعَالَى.

стр. 1569

الأثر الثالث: الاقتداء بحياء صفوة البشر: فمن تأمل في سير الأنبياء والمرسلين، وجدهم أشد الناس حياء من الله؛ وفي ذلك يقول ﷺ : «أَرْبَعٌ مِنْ سُنَنِ الْمُرْسَلِينَ: التَّعَطُّرُ، وَالنِّكَاحُ، وَالسِّوَاكُ، وَالْحَيَاءُ» (١)، وذلك لكمال معرفتهم بالله وأسمائه وصفاته، ثم يليهم الصحابة وأتباعهم من المؤمنين، ومن شواهد ذلك ما يلي: - حياء أبينا آدم وأمِّنا حواء: فحينما أكل آدم وحواء من الشجرة التي نهاهما الله عن الأكل منها، بدت لهما سوءاتهما، فأسرعا يأخذان من أوراق الجنة ليسترا عوراتهما، فتحدث القرآن الكريم عن ذلك بقوله: ﴿فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٢٢]، وهذا يدل على أن الإنسان مفطور على الحياء، وأما قلة الحياء فهي منافية للفطرة، بل من اتِّباع الشَّيطان. - حياء موسى ﵇: فكان ﵇ حييًّا ستيرًا يغتسل بناحية من قومه، ففي حديث أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «إِنَّ مُوسَى كَانَ رَجُلًا حَيِيًّا سِتِّيرًا، لَا يُرَى مِنْ جِلْدِهِ شَيْءٌ اسْتِحْيَاءً مِنْهُ، فَآذَاهُ مَنْ آذَاهُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَقَالُوا: مَا يَسْتَتِرُ هَذَا التَّسَتُّرَ، إِلَّا مِنْ عَيْبٍ بِجِلْدِهِ: إِمَّا بَرَصٌ وَإِمَّا أُدْرَةٌ: وَإِمَّا آفَةٌ، وَإِنَّ اللَّهَ أَرَادَ أَنْ يُبَرِّئَهُ مِمَّا قَالُوا لِمُوسَى … » الحديث (٢).

стр. 1570

- حياء محمد ﷺ : فقد كان أشد الخلق حياءً من الله تَعَالَى، ففي حديث أبي سعيد الخدري ﵁، قال: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَشَدَّ حَيَاءً مِنَ الْعَذْرَاءِ فِي خِدْرِهَا، وَكَانَ إِذَا كَرِهَ شَيْئًا عَرَفْنَاهُ فِي وَجْهِهِ» (١). - حياء عائشة ﵂: عن عائشة ﵂، قالت: «كنت أدخل بيتي، الذي دُفِنَ فيه رسول الله ﷺ وأبي، فأضع ثوبي، فأقول: إنما هو زوجي وأبي، فلما دُفن عمر معهم، فوالله ما دخلت إلا وأنا مشدودة عليَّ ثيابي؛ حَيَاءً من عمر» (٢). - حياء فاطمة بنت رسول الله ﷺ : يقول ابن عباس ﵄: «قَدْ مَرِضَتْ فَاطِمَةُ مَرَضًا شَدِيدً، فَقَالَتْ لِأَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ: أَلَا تَرَيْنَ إِلَى مَا بَلَغْتُ أُحْمَلُ عَلَى السَّرِيرِ ظَاهِرًا؟ فَقَالَتْ أَسْمَاءُ: أَلَا لَعَمْرِي، وَلَكِنْ أَصْنَعُ لَكِ نَعْشًا كَمَا رَأَيْتُ يُصْنَعُ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ، قَالَتْ: فَأَرِينِيهِ، قَالَ: فَأَرْسَلَتْ أَسْمَاءُ إِلَى جَرَائِدَ رَطْبَةٍ، فَقُطِعَتْ مِنَ الْأَسْوَافِ، وَجُعِلَتْ عَلَى السَّرِيرِ نَعْشًا، وَهُوَ أَوَّلُ مَا كَانَ النَّعْشُ، فَتَبَسَّمَتْ فَاطِمَةُ، وَمَا رَأَيْتُهَا مُتَبَسِّمَةً بَعْدَ أَبِيهَا إِلَّا يَوْمَئِذٍ، ثُمَّ حَمَلْنَاهَا وَدَفَنَّاهَا لَيْلًا» (٣)، فكانت تستحي ﵂ من الظهور مجللة على سرير أمام الرجال في حال وفاتها!

стр. 1571

- حياء المرأة مع نبي الله موسى ﵇: قال تَعَالَى: ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾ [القصص: ٢٥]. وقد أثنى الله على مشيتها، فقال: ﴿تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾ مشيةَ الفتاة الطاهرة الفاضلة العفيفة، حين تلقى الرجال ﴿عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾ في غير ما تَبَذُّل ولا تبَرُّجٍ، يقول السعدي ﵀: «وهذا يدل على كرم عنصرها، وخلقها الحسن؛ فإن الحياء من الأخلاق الفاضلة، وخصوصًا في النساء» (١)، وقد جاءته لِتُنْهِيَ إليه دعوةً في أقصَر لفظ، وأخصرِه، وأدلِّه، يحكيه القرآن بقوله: ﴿إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾ [القصص: ٢٥]. - حياء المرأة التي تُصرَع: عن عطاء بن أبي رباح قال: قال لي ابن عباس ﵄: «أُرِيكَ امْرَأَةً مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ؟ قُلْتُ: بَلَى، قَالَ هَذِهِ الْمَرْأَةُ السَّوْدَاءُ أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَتْ: إِنِّي أُصْرَع، وَإِنِّي أَتَكَشَّفُ، فَادْعُ اللهَ لِي، قَالَ: إِنْ شِئْتِ صَبَرْتِ وَلَكِ الْجَنَّةُ، وَإِنْ شِئْتِ دَعَوْتُ اللهَ أَنْ يُعَافِيَكِ، فَقَالَتْ: أَصْبِرُ، فَقَالَتْ: إِنِّي أَتَكَشَّفُ، فَادْعُ اللهَ أَنْ لَا أَتَكَشَّفَ، فَدَعَا لَهَا» (٢). حدثنا محمد، أخبرنا مخلد عن ابن جريج، أخبرني عطاء: «أَنَّهُ رَأَى أُمَّ زُفَرَ تِلْكَ امْرَأَةً طَوِيلَةً سَوْدَاءَ عَلَى سِتْرِ الْكَعْبَةِ» (٣).

стр. 1572

وحكي عن بعض السلف: «خَفِ الله على قدر قدرته عليك، واستَحِ منه على قدر قربه منك»، وقد يتولد الحياء من الله من مطالعة النعم، فيستحيي العبد من الله أن يستعين بنعمته على معاصيه، فهذا كله من أعلى خصال الإيمان (١). الأثر الرابع: محبة الحيي الستير: الإيمان باسمي الله الحيي الستير يورث في القلب محبة الله، وذلك بما يقتضيه معناهما من الحلم، والكرم، والعفو، والحياء، والستر منه سُبْحَانَهُ على عباده، وحق لمن هذه صفاته أن يجرد له الحب كله، والإخلاص، والتعظيم، والحمد والثناء، واللهج بشكره والتقرب إليه بطاعته. الأثر الخامس: «كُلُّ أُمَّتِي مُعَافًى إِلَّا الْمُجَاهِرِينَ» (٢): فالله سُبْحَانَهُ يكره من عبده إذا ابتلي بمعصية أن يذيعها ويشهرها، بل يدعوه إلى أن يتوب إلى الله منها، وسترُ الله مسبولٌ عليه، وعليه أن لا يُظهِرَها لأحد من الناس. وقد جاءت السُّنَّة بالنهي عن هتك الإنسان ستر نفسه، فالمجاهر بالمعاصي لا يعافى منها أو من عقوبتها، يقول ﷺ : «كُلُّ أُمَّتِي مُعَافًى إِلَّا الْمُجَاهِرِينَ، وَإِنَّ مِنَ الْمَجَانَةِ أَنْ يَعْمَلَ الرَّجُلُ بِاللَّيْلِ عَمَلًا ثُمَّ يُصْبِحَ وَقَدْ سَتَرَهُ اللهُ، فَيَقُولَ: يَا فُلَانُ، عَمِلْتُ الْبَارِحَةَ كَذَا وَكَذَا، وَقَدْ بَاتَ يَسْتُرُهُ رَبُّهُ، وَيُصْبِحُ يَكْشِفُ سِتْرَ اللهِ عَنْهُ» (٣).

стр. 1573

وفي معنى قوله ﷺ : «مُعَافًى إِلَّا المُجَاهِرينَ» قولان: الأول: «مُعَافَى» بضم الميم وفتح الفاء، مقصورًا اسم مفعول من العافية، أي: يعفى عن ذنبهم، ولا يؤاخذون به «إِلَّا المُجَاهِرُينَ» بكسر الهاء إلا المعلنون بالفسق؛ لاستخفافهم بحق الله تَعَالَى ورسوله وصالحي المؤمنين، وفيه ضرب من العناد، فارتكاب المعصية مع سترها أهون وأخف من المجاهرة بها؛ لأن المعصية مع الستر تقبل العفو الإلهي، أما مع المجاهرة فإنه لا يعفى عنها. ثانيًا: قال الطيبي ﵀: والأظهر أن يقال المعنى: كل أمتي يتركون في الغيبة إلا المجاهرين، والعفو بمعنى الترك، ومعنى «مُعَافًى»، أي: يترك من ألسنة الناس، فلا يغتابونه (١). «سئل الشيخ ابن عثيمين: هل يجوز لمن ارتكب ذنبًا وستر الله عليه أن يخبر به غيره؟ قال: لا يجوز لمن ارتكب ذنبًا، وتاب منه، أن يخبر به غيره؛ لأن هذا من كشف ستر الله ، وهو من خلاف العافية، وجاء في الحديث: (كُلُّ أُمَّتِي مُعَافًى إِلَّا المُجَاهِرِينَ)، وهم الذين يذنبون فيحدثون بما فعلوه، نعم لو كان الذنب له حد وعقوبة، وأراد الإنسان أن يخبر به ولي الأمر ليطهره من هذا الذنب، وهذه العقوبة، فهذا لا حرج فيه، وإن كان الأولى أن يتستر بستر الله، أما لو كان الذنب ليس هكذا فلا يجوز للإنسان أن يتحدث به أمام الناس؛ لما في ذلك من ظلم نفسه وفتح باب التهاون به عند غيره» (٢).

стр. 1574

أما في الجمع بين هذا حديث: «كُلُّ أُمَّتِي مُعَافًى إِلَّا المُجَاهِرِينَ» (١)، وحديث ثوبان ﵁، قال ﷺ : «لَأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا، فَيَجْعَلُهَا اللهُ هَبَاءً مَنْثُورًا، قَالَ ثَوْبَانُ: يَا رَسُولَ اللهِ، صِفْهُمْ لَنَا، جَلِّهِمْ لَنَا؛ أَنْ لَا نَكُونَ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ، قَالَ: أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ، وَمِنْ جِلْدَتِكُم، وَيَأْخُذُونَ مِنَ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ، وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللهِ انْتَهَكُوهَا» (٢). قال الشنقيطي ﵀: «هناك فرق بين المعصية التي تأتي مع الانكسار، والمعصية التي تأتي بغير انكسار، بين شخص يعصي الله في ستر، وبين شخص عنده جرأة على الله ، فصارت حسناته في العلانية أشبه بالرياء، وإن كانت أمثال الجبال، فإذا كان بين الصالحين أَحْسَنَ أيما إحسانٍ؛ لأنه يرجو الناس ولا يرجو الله، فيأتي بحسنات كأمثال الجبال، فظاهرها حسنات، لكنهم إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها، فهم في السر لا يرجون لله وقارًا، ولا يخافون من الله ، بخلاف من يفعل المعصية في السر وقلبه منكسر، ويكره هذه المعصية، ويمقتها ويرزقه الله الندم، فالشخص الذي يفعل المعصية في السر، وعنده الندم والحرقة ويتألم، فهذا ليس ممن ينتهك محارم الله ؛ لأنه- في الأصل- معظِّم لشعائر الله، لكن غلبته شهوته فينكسر لها، أما الآخر فيتسم بالوقاحة والجرأة على الله؛ لأن الشرع لا يتحدث عن شخص أو شخصين، ولا يتحدث عن نص محدد، إنما يعطي الأوصاف كاملة.

стр. 1575

من الناس من إذا خلا بالمعصية خلا بها جريئًا على الله، ومنهم من يخلو بالمعصية وهو تحت قهر الشهوة وسلطان الشهوة، ولو أنه أمعن النظر وتريث، ربما غلب إيمانُه شهوته وحال بينه وبين المعصية، لكن الشهوة أعمته، والشهوة قد تعمي وتصم، فلا يسمع نصيحة ولا يرعوي، فيهجم على المعصية فيستزله الشيطان، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٥]، فإذا حصل الاستزلال من الشيطان، فزلت قدم العبد، لكن في قرارة قلبه الاعتراف بالمعصية، والله يعلم أنه لما وقع في المعصية أنه نادم، وأنه كاره لها، حتى إن بعضهم يفعل المعصية وهو في قرارة قلبه يتمنى أنه مات قبل أن يفعلها، فهذا معظم لله ، ولكنه لم يرزق من الإيمان ما يحول بينه وبين المعصية» (١). ولذا فعلى المؤمن أن يستتر بستر الله، وأن يجتنب الذنوب ما ظهر منها وما بطن، وأن يحفظ عورته، ويصون عرضه، ويجتنب أبواب الرذائل ودروب الفساد، ويقبل على الله تائبًا منيبًا، داعيًا ربه بالستر والعفو والقبول، ومن هنا كان من أذكار الصباح والمساء الدعاء بالستر، فعن ابن عمر ﵁ قال: «لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدَعُ هَؤُلَاءِ الدَّعَوَاتِ حِينَ يُصْبِحُ وَحِينَ يُمْسِي: إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ فِي دِينِي وَدُنْيَايَ وَأَهْلِي وَمَالِي، اللَّهُمَّ اسْتُرْ عَوْرَاتِي وَآمِنْ رَوْعَاتِي، اللَّهُمَّ احْفَظْنِي مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ وَمِنْ خَلْفِي وَعَنْ يَمِينِي وَعَنْ شِمَالِي وَمِنْ فَوْقِي، وَأَعُوذُ بِعَظَمَتِكَ أَنْ أُغْتَالَ مِنْ تَحْتِي» (٢).

стр. 1576

الأثر السادس: مَن ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة: من آمن بأن الله سُبْحَانَهُ رحيم يحب الرحماء، وستير يحب من يستر على عباده، وعفو يحب من يعفو عنهم، ويجازي عباده بحسب هذه الصفات فيهم وجودًا وعدمًا، فمن سترهم سَتَرَه، ومن صفح عنهم صَفَحَ عنه، ومن تتبع عورتهم تتبع عورته، ومن هتكهم هتكه وفضحه، فمن عامل خلقه بصفة عامله الله تَعَالَى بتلك الصفة بعينها في الدنيا والآخرة، فالله تَعَالَى لعبده على حسب ما يكون العبد لخلقه (١)، وجاء في الحديث: «وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا، سَتَرَهُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ» (٢). وليس من سمات المسلم أن يشهِّر بإخوانه، ويتتبَّع عثراتهم، ويتصيد أخطاءهم، ويفضح مستورهم، ويكشف مكنونهم، وكان ﷺ أعظم المتخلقين بهذا الخلق، والملتزمين بهذا الأدب، والأحاديث بذلك كثيرة، فقد جَاءَتْهُ امْرَأَةٌ مِنْ غَامِدٍ مِنَ الْأَزْدِ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، طَهِّرْنِي، فَقَالَ: وَيْحَكِ! ارْجِعِي فَاسْتَغْفِرِي اللهَ وَتُوبِي إِلَيْهِ، فَقَالَتْ: أَرَاكَ تُرِيدُ أَنْ تُرَدِّدَنِي كَمَا رَدَّدْتَ مَاعِزَ بْنَ مَالِكٍ، قَالَ: وَمَا ذَاكِ؟ قَالَتْ: إِنَّهَا حُبْلَى مِنَ الزِّنَا، فَقَالَ: آنْتِ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، فَقَالَ لَهَا: حَتَّى تَضَعِي مَا فِي بَطْنِكِ، قَالَ: فَكَفَلَهَا رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ حَتَّى وَضَعَتْ، قَالَ: فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: قَدْ وَضَعَتِ الْغَامِدِيَّةُ، فَقَالَ: إِذًا لَا نَرْجُمُهَا وَنَدَعُ وَلَدَهَا صَغِيرًا، لَيْسَ لَهُ مَنْ يُرْضِعُهُ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ: إِلَيَّ رَضَاعُهُ يَا نَبِيَّ اللهِ، قَالَ: فَرَجَمَهَا) (٣).

стр. 1577

وجاء في الحديث: «جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي أَصَبْتُ حَدًّا فَأَقِمْهُ عَلَيَّ، فَسَكَتَ عَنْهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، ثُمَّ أَعَادَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي أَصَبْتُ حَدًّا فَأَقِمْهُ عَلَيَّ، فَسَكَتَ عَنْهُ، وَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَلَمَّا انْصَرَفَ نَبِيُّ اللهِ ﷺ ، قَالَ أَبُو أُمَامَةَ: فَاتَّبَعَ الرَّجُلُ رَسُولَ اللهِ ﷺ حِينَ انْصَرَفَ، وَاتَّبَعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَنْظُرُ مَا يَرُدُّ عَلَى الرَّجُلِ، فَلَحِقَ الرَّجُلُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي أَصَبْتُ حَدًّا فَأَقِمْهُ عَلَيَّ، قَالَ أَبُو أُمَامَةَ: فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : أَرَأَيْتَ حِينَ خَرَجْتَ مِنْ بَيْتِكَ أَلَيْسَ قَدْ تَوَضَّأْتَ فَأَحْسَنْتَ الْوُضُوءَ؟ قَالَ: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، قَال: ثُمَّ شَهِدْتَ الصَّلَاةَ مَعَنَا؟ فَقَالَ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : فَإِنَّ اللهَ قَدْ غَفَرَ لَكَ حَدَّكَ -أَوْ قَالَ ذَنْبَكَ -) (١). وكان ﷺ في النصيحة العامة لا يذكر الناس بأعيانهم، بل يعمها بقوله: «مَا بَالُ أَقْوَامٍ» (٢) يفعلون كذا … وما أحسن تبويب البخاري لمثل هذا الخبر بقوله: «بَابُ: مَنْ لَمْ يُوَاجِهِ النَّاسَ بِالْعِتَابِ»! (٣). قال ابن بطال ﵀ معلقًا: «هذا العتاب وإن كان خطب به، فلم يعين من أراد به، ولا يقرعه من بين الناس، وكل ما جرى هذا المجرى من عتاب يعم الكل ولا يقصد به أحدًا بعينه، فهو رفق بمن عنى به وستر له، كما أراد عمر بن الخطاب- حين أمر الناس كلهم بالوضوء يوم الجمعة، وهو يخطب- من

стр. 1578

أجل الرجل الذي أحدث بين يديه؛ للستر له والرفق به، وليس ذلك بمنزلة أمره له بالوضوء من بينهم وحده في الستر له لو فعل ذلك» (١). وقد نهج الصحابة ﵃ وسلف الأمة العظماء هذا النهج الأكمل والخلق الأجمل، كما ذكر طرفًا من ذلك ابن بطال في نصه السالف، فهذا أبو بكر ﵁ يقول: «لو أخذت سارقًا لأحببت أن يستره الله، ولو أخذت شاربًا لأحببت أن يستره الله » (٢). وبلغ عمر بن الخطاب ﵁ أن أحد قوَّاده على جيش من الجيوش قال لمن معه: إِنَّكُمْ نَزَلْتُمْ أَرْضًا فِيهَا نِسَاءٌ وَشَرَابٌ، فَمَنْ أَصَابَ مِنْكُمْ حَدًّا، فَلْيَأْتِنَا حَتَّى نُطَهِّرَهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ: «لَا أُمَّ لَكَ تَأْمُرُ قَوْمًا سَتَرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أَنْ يَهْتِكُوا سِتْرَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ» (٣). وهذه أم المؤمنين عائشة ﵂، تعبر عن معنى الستر تعبيرًا موجزًا رائعًا بديعًا يأخذ بالألباب، تقول: «يَا نِسَاءَ الْمُؤْمِنِينَ، أَتَعْجِزُ إِحْدَاكُنَّ إِذَا أَذْنَبَتْ فَسَتَرَ اللَّهُ عَلَيْهَا أَنْ تَسْتُرَهُ عَلَى نَفْسِهَا فَإِنَّ النَّاسَ يُعَيَّرُونَ وَلَا يُغَيِّرُونَ، وَإِنَّ اللَّهَ يُغَيِّرُ وَلَا يُعَيَّرُ» (٤). ومن الستر على عباد الله: النهي عن تتبع عوراتهم، وتوعد ﷺ في ذلك، ففي الحديث: «يَا مَعْشَرَ مَنْ آمَنَ بِلِسَانِهِ، وَلَمْ يَدْخُلِ الْإِيمَانُ قَلْبَهُ، لَا

стр. 1579

تَغْتَابُوا الْمُسْلِمِينَ، وَلَا تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ، فَإِنَّهُ مَنْ يَتَّبِعْ عَوْرَاتِهِمْ يَتَّبِعِ اللهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ يَتَّبِعِ اللهُ عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ فِي بَيْتِهِ» (١)، ويقول تَعَالَى أيضًا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النور: ١٩]، فَمَنِ استتر بستر الله عليه، فلا يجوز فضحُهُ، وكشفُ سترِ الله عليه. الأثر السابع: العناية بستر العورات: أمر الله بني آدم بستر العورات، وأخبر في كتابه أن كشفها من عمل الشيطان الذي ينزع عن الإنسان لباسه، فحذرنا الله منه، فقال تَعَالَى: ﴿يَابَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ٢٧]. وأكد رسول الله ﷺ على الاعتناء بالستر، والنهي عن التعري، فقال ﷺ : «وَلَا تَمْشُوا عُرَاةً» (٢)، وقال ﷺ : «فَإِذَا اغْتَسَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَتِرْ» (٣)، وقال ﷺ : «احْفَظْ عَوْرَتَكَ إِلَّا مِنْ زَوْجَتِكَ أَوْ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ، قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ قَوْمٌ بَعْضُهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ، قَالَ: إِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ لَا يَرَاهَا أَحَدٌ فَلَا يَرَيَنَّهَا، قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ خَالِيًا؟ قَالَ: فَاللهُ

стр. 1580

أَحَقُّ أَنْ يُسْتَحْيَى مِنْهُ) (١)، قال السندي ﵀: «أي: فاستر طاعة له وطلبًا لما يحبه منك ويرضيه، وليس المراد، فاستتر منه، إذ لا يمكن الاستتار منه جل ذكره وثناؤه، والله تَعَالَى أعلم» (٢) وقال ﷺ : «أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الْفَخِذَ عَوْرَةٌ» (٣). الأثر الثامن: الحياء من الله الحيي الستير: فأعظم الحياء وأوجبه هو الحياء من الله سُبْحَانَهُ، الذي يمن بنعمة الليل والنهار، ويعلم تقصير عبده ويستره. ويبيِّن النبي ﷺ معنى الحياء الحق في حديث ابن مسعود ﵁، قال: قال ﷺ : «اسْتَحْيُوا مِنَ اللهِ حَقَّ الْحَيَاءِ، فَقُلْنَا: يَا نَبِيَّ اللهِ إِنَّا لَنَسْتَحْيِي، قَالَ: لَيْسَ ذَلِكَ وَلَكِنْ مَنِ اسْتَحْيَا مِنَ اللهِ حَقَّ الْحَيَاءِ فَلْيَحْفَظِ الرَّأْسَ وَمَا حَوَى، وَالْبَطْنَ وَمَا وَعَى، وَلْيَذْكُرِ الْمَوْتَ وَالْبِلَى، وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ تَرَكَ زِينَةَ الدُّنْيَا، وَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدِ اسْتَحْيَى مِنَ اللهِ حَقَّ الْحَيَاءِ» (٤). قال ابن رجب ﵀: «يدخل فيه: حفظ السمع والبصر واللسان من المحرمات، وحفظ البطن وما حوى يتضمن حفظ القلب عن الإصرار
следующие страницы →