← Акыда

Акыда · id 721

موسوعة شرح أسماء الله الحسنى

نوال العيد

Полный текст (1 826 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.

стр. 1576

الأثر السادس: مَن ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة: من آمن بأن الله سُبْحَانَهُ رحيم يحب الرحماء، وستير يحب من يستر على عباده، وعفو يحب من يعفو عنهم، ويجازي عباده بحسب هذه الصفات فيهم وجودًا وعدمًا، فمن سترهم سَتَرَه، ومن صفح عنهم صَفَحَ عنه، ومن تتبع عورتهم تتبع عورته، ومن هتكهم هتكه وفضحه، فمن عامل خلقه بصفة عامله الله تَعَالَى بتلك الصفة بعينها في الدنيا والآخرة، فالله تَعَالَى لعبده على حسب ما يكون العبد لخلقه (١)، وجاء في الحديث: «وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا، سَتَرَهُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ» (٢). وليس من سمات المسلم أن يشهِّر بإخوانه، ويتتبَّع عثراتهم، ويتصيد أخطاءهم، ويفضح مستورهم، ويكشف مكنونهم، وكان ﷺ أعظم المتخلقين بهذا الخلق، والملتزمين بهذا الأدب، والأحاديث بذلك كثيرة، فقد جَاءَتْهُ امْرَأَةٌ مِنْ غَامِدٍ مِنَ الْأَزْدِ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، طَهِّرْنِي، فَقَالَ: وَيْحَكِ! ارْجِعِي فَاسْتَغْفِرِي اللهَ وَتُوبِي إِلَيْهِ، فَقَالَتْ: أَرَاكَ تُرِيدُ أَنْ تُرَدِّدَنِي كَمَا رَدَّدْتَ مَاعِزَ بْنَ مَالِكٍ، قَالَ: وَمَا ذَاكِ؟ قَالَتْ: إِنَّهَا حُبْلَى مِنَ الزِّنَا، فَقَالَ: آنْتِ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، فَقَالَ لَهَا: حَتَّى تَضَعِي مَا فِي بَطْنِكِ، قَالَ: فَكَفَلَهَا رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ حَتَّى وَضَعَتْ، قَالَ: فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: قَدْ وَضَعَتِ الْغَامِدِيَّةُ، فَقَالَ: إِذًا لَا نَرْجُمُهَا وَنَدَعُ وَلَدَهَا صَغِيرًا، لَيْسَ لَهُ مَنْ يُرْضِعُهُ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ: إِلَيَّ رَضَاعُهُ يَا نَبِيَّ اللهِ، قَالَ: فَرَجَمَهَا) (٣).

стр. 1577

وجاء في الحديث: «جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي أَصَبْتُ حَدًّا فَأَقِمْهُ عَلَيَّ، فَسَكَتَ عَنْهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، ثُمَّ أَعَادَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي أَصَبْتُ حَدًّا فَأَقِمْهُ عَلَيَّ، فَسَكَتَ عَنْهُ، وَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَلَمَّا انْصَرَفَ نَبِيُّ اللهِ ﷺ ، قَالَ أَبُو أُمَامَةَ: فَاتَّبَعَ الرَّجُلُ رَسُولَ اللهِ ﷺ حِينَ انْصَرَفَ، وَاتَّبَعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَنْظُرُ مَا يَرُدُّ عَلَى الرَّجُلِ، فَلَحِقَ الرَّجُلُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي أَصَبْتُ حَدًّا فَأَقِمْهُ عَلَيَّ، قَالَ أَبُو أُمَامَةَ: فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : أَرَأَيْتَ حِينَ خَرَجْتَ مِنْ بَيْتِكَ أَلَيْسَ قَدْ تَوَضَّأْتَ فَأَحْسَنْتَ الْوُضُوءَ؟ قَالَ: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، قَال: ثُمَّ شَهِدْتَ الصَّلَاةَ مَعَنَا؟ فَقَالَ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : فَإِنَّ اللهَ قَدْ غَفَرَ لَكَ حَدَّكَ -أَوْ قَالَ ذَنْبَكَ -) (١). وكان ﷺ في النصيحة العامة لا يذكر الناس بأعيانهم، بل يعمها بقوله: «مَا بَالُ أَقْوَامٍ» (٢) يفعلون كذا … وما أحسن تبويب البخاري لمثل هذا الخبر بقوله: «بَابُ: مَنْ لَمْ يُوَاجِهِ النَّاسَ بِالْعِتَابِ»! (٣). قال ابن بطال ﵀ معلقًا: «هذا العتاب وإن كان خطب به، فلم يعين من أراد به، ولا يقرعه من بين الناس، وكل ما جرى هذا المجرى من عتاب يعم الكل ولا يقصد به أحدًا بعينه، فهو رفق بمن عنى به وستر له، كما أراد عمر بن الخطاب- حين أمر الناس كلهم بالوضوء يوم الجمعة، وهو يخطب- من

стр. 1578

أجل الرجل الذي أحدث بين يديه؛ للستر له والرفق به، وليس ذلك بمنزلة أمره له بالوضوء من بينهم وحده في الستر له لو فعل ذلك» (١). وقد نهج الصحابة ﵃ وسلف الأمة العظماء هذا النهج الأكمل والخلق الأجمل، كما ذكر طرفًا من ذلك ابن بطال في نصه السالف، فهذا أبو بكر ﵁ يقول: «لو أخذت سارقًا لأحببت أن يستره الله، ولو أخذت شاربًا لأحببت أن يستره الله » (٢). وبلغ عمر بن الخطاب ﵁ أن أحد قوَّاده على جيش من الجيوش قال لمن معه: إِنَّكُمْ نَزَلْتُمْ أَرْضًا فِيهَا نِسَاءٌ وَشَرَابٌ، فَمَنْ أَصَابَ مِنْكُمْ حَدًّا، فَلْيَأْتِنَا حَتَّى نُطَهِّرَهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ: «لَا أُمَّ لَكَ تَأْمُرُ قَوْمًا سَتَرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أَنْ يَهْتِكُوا سِتْرَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ» (٣). وهذه أم المؤمنين عائشة ﵂، تعبر عن معنى الستر تعبيرًا موجزًا رائعًا بديعًا يأخذ بالألباب، تقول: «يَا نِسَاءَ الْمُؤْمِنِينَ، أَتَعْجِزُ إِحْدَاكُنَّ إِذَا أَذْنَبَتْ فَسَتَرَ اللَّهُ عَلَيْهَا أَنْ تَسْتُرَهُ عَلَى نَفْسِهَا فَإِنَّ النَّاسَ يُعَيَّرُونَ وَلَا يُغَيِّرُونَ، وَإِنَّ اللَّهَ يُغَيِّرُ وَلَا يُعَيَّرُ» (٤). ومن الستر على عباد الله: النهي عن تتبع عوراتهم، وتوعد ﷺ في ذلك، ففي الحديث: «يَا مَعْشَرَ مَنْ آمَنَ بِلِسَانِهِ، وَلَمْ يَدْخُلِ الْإِيمَانُ قَلْبَهُ، لَا

стр. 1579

تَغْتَابُوا الْمُسْلِمِينَ، وَلَا تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ، فَإِنَّهُ مَنْ يَتَّبِعْ عَوْرَاتِهِمْ يَتَّبِعِ اللهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ يَتَّبِعِ اللهُ عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ فِي بَيْتِهِ» (١)، ويقول تَعَالَى أيضًا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النور: ١٩]، فَمَنِ استتر بستر الله عليه، فلا يجوز فضحُهُ، وكشفُ سترِ الله عليه. الأثر السابع: العناية بستر العورات: أمر الله بني آدم بستر العورات، وأخبر في كتابه أن كشفها من عمل الشيطان الذي ينزع عن الإنسان لباسه، فحذرنا الله منه، فقال تَعَالَى: ﴿يَابَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ٢٧]. وأكد رسول الله ﷺ على الاعتناء بالستر، والنهي عن التعري، فقال ﷺ : «وَلَا تَمْشُوا عُرَاةً» (٢)، وقال ﷺ : «فَإِذَا اغْتَسَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَتِرْ» (٣)، وقال ﷺ : «احْفَظْ عَوْرَتَكَ إِلَّا مِنْ زَوْجَتِكَ أَوْ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ، قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ قَوْمٌ بَعْضُهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ، قَالَ: إِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ لَا يَرَاهَا أَحَدٌ فَلَا يَرَيَنَّهَا، قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ خَالِيًا؟ قَالَ: فَاللهُ

стр. 1580

أَحَقُّ أَنْ يُسْتَحْيَى مِنْهُ) (١)، قال السندي ﵀: «أي: فاستر طاعة له وطلبًا لما يحبه منك ويرضيه، وليس المراد، فاستتر منه، إذ لا يمكن الاستتار منه جل ذكره وثناؤه، والله تَعَالَى أعلم» (٢) وقال ﷺ : «أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الْفَخِذَ عَوْرَةٌ» (٣). الأثر الثامن: الحياء من الله الحيي الستير: فأعظم الحياء وأوجبه هو الحياء من الله سُبْحَانَهُ، الذي يمن بنعمة الليل والنهار، ويعلم تقصير عبده ويستره. ويبيِّن النبي ﷺ معنى الحياء الحق في حديث ابن مسعود ﵁، قال: قال ﷺ : «اسْتَحْيُوا مِنَ اللهِ حَقَّ الْحَيَاءِ، فَقُلْنَا: يَا نَبِيَّ اللهِ إِنَّا لَنَسْتَحْيِي، قَالَ: لَيْسَ ذَلِكَ وَلَكِنْ مَنِ اسْتَحْيَا مِنَ اللهِ حَقَّ الْحَيَاءِ فَلْيَحْفَظِ الرَّأْسَ وَمَا حَوَى، وَالْبَطْنَ وَمَا وَعَى، وَلْيَذْكُرِ الْمَوْتَ وَالْبِلَى، وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ تَرَكَ زِينَةَ الدُّنْيَا، وَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدِ اسْتَحْيَى مِنَ اللهِ حَقَّ الْحَيَاءِ» (٤). قال ابن رجب ﵀: «يدخل فيه: حفظ السمع والبصر واللسان من المحرمات، وحفظ البطن وما حوى يتضمن حفظ القلب عن الإصرار

стр. 1581

على ما حرَّم الله، ويتضمن- أيضًا- حفظ البطن من إدخال الحرام إليه من المآكل والمشارب، ومن أعظم ما يجب حفظه من نواهي الله : اللسان والفرج» (١). وفي الملحق الآتي ما يعين- بإذن الله- على تحقيق هذه الخلة العظيمة والمنزلة الكريمة. اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا، اللهم احفظنا من بين أيدينا، ومن خلفنا، وعن أيماننا، وعن شمائلنا، ومن فوقنا، ونعوذ بعظمتك أن نُغتال من تحتنا، اللهم اغفر ذنوبنا وزلاتنا، واختم بالصالحات أعمالنا وأعمارنا.

стр. 1582

«حيي ستير، يحب الحياء والستر» في موضوع الحياء سنتطرق للمسائل التالية: أولًا: المقصود بالحياء: قال الحافظ ابن حجر ﵀: «الحياء خُلق يبعث على اجتناب القبيح، ويمنع من التقصير في حق ذي الحق» (١). قال ابن القيم ﵀: «ومقام الحياء جامع لمقام المعرفة والمراقبة» (٢). ثانيًا: فضل الحياء: ورد في فضل الحياء أدلة وشواهد كثيرة، منها: أن الحياء علامة الإيمان، فعن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «الإيمانُ بِضْعٌ (٣) وَسِتُّونَ شُعْبَةً (٤)، والحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإيمانِ» (٥)، وعن عبد الله بن عمر ﵁: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ مَرَّ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ وَهُوَ يَعِظُ أَخَاهُ فِي الْحَيَاءِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ :

стр. 1583

دَعْهُ فَإِنَّ الْحَيَاءَ مِنَ الْإِيمَانِ» (١). الحياء خُلق الإسلام، وكان أخصَّ أوصاف رسول الله ﷺ ، وفي الحديث الصحيح: «إِنَّ لِكُلِّ دِينٍ خُلُقًا، وَخُلُقُ الْإِسْلَامِ الْحَيَاءُ» (٢)، ولقد ضرب رسول الله المثل الأعلى فيه، فقد كان أرقَّ الناس طبعًا، وأنبلهم سيرة، وأعمقهم شعورًا بالواجب، ونفورًا من الحرام، وأشدهم حياء، وعن أبي سَعيد الخدري ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ أشد حياءً من العذارء في خِدرها، وكان إذا كره شيئًا عرفناه في وجهه» (٣). الحياء مفتاح كل خير، يقول النبي ﷺ : «الْحَيَاءُ لَا يَأْتِي إِلَّا بِخَيْرٍ» (٤)، يقول ابن القيم ﵀: «الحياء أصل كل خير، وذهابه ذهاب الخير أجمعه» (٥). الحياء مغلاق لكل شر، يقول رسول الله ﷺ : «إِنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ إِذَا لَمْ تَسْتَحْيِ فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ» (٦). قال المناوي ﵀ عن القاضي ﵀: «معناه: أن مما بقي فأدركوه من كلام الأنبياء المتقدمين: أن الحياء هو المانع من اقتراف القبائح والاشتغال

стр. 1584

بمنهيات الشرع ومستهجنات العقل، وذلك أمر قد علم صوابه وظهر فضله واتفقت الشرائع والعقول على حسنه، وما هذه صفته لم يجر عليه النسخ والتبديل» (١). يقول ابن القيم ﵀: «هو مِن أفضل الأخلاق وأجلها وأعظمها قدرًا وأكثرها نفعًا، بل هو خاصة الإنسانية، فمن لا حياء فيه ليس معه من الإنسانية إلا اللحم والدم، وصورتهم الظاهرة، كما أنه ليس معه من الخير شيء» (٢). من أعظم أسباب دخول الجنة، ففي الحديث الصحيح: «الْحَيَاءُ مِنَ الْإِيمَانِ، وَالْإِيمَانُ فِي الْجَنَّةِ، وَالْبَذَاءُ مِنَ الْجَفَاءِ، وَالْجَفَاءُ فِي النَّارِ» (٣). ذهاب الحياء أمارة النفاق؛ فعن أبي أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «الْحَيَاءُ وَالْعِيُّ شُعْبَتَانِ مِنَ الْإِيمَانِ، وَالْبَذَاءُ وَالْبَيَانُ شُعْبَتَانِ مِنَ النِّفَاقِ» (٤). الدين كله قائم على الحياء، عن قرة بن إياس ﵁، قال: «كنا مع النبي ﷺ فذُكر عنده الحياء، فقالوا: يا رسول الله الحياء من الدين؟ فقال رسول الله ﷺ : بَلْ هُوَ الدِّينُ كُلُّهُ، ثم قال رسول الله

стр. 1585

ﷺ : إِنَّ الْحَيَاءَ وَالْعَفَافَ وَالْعِيَّ، عِيَّ اللِّسَانِ لا عِيَّ الْقَلْبِ وَالْعَمَلِ، مِنَ الإِيمَانِ، وَإِنَّهُنَّ يُزِدْنَ فِي الآخِرَةِ وَيُنْقِصْنَ مِنَ الدُّنْيَا، وَمَا يُزِدْنَ فِي الآخِرَةِ أَكْثَرُ مِمَّا يُنْقِصْنَ مِنَ الدُّنْيَا، وَإِنَّ الشُّحَّ وَالْفُحْشَ وَالْبَذَاءَ مِنَ النِّفَاقِ، وَإِنَّهُنَّ يَزِدْنَ فِي الدُّنْيَا، وَيُنْقِصْنَ مِنَ الآخِرَةِ، وَمَا يُنْقِصْنَ مِنَ الآخِرَةِ أَكْثَرُ مِمَّا يَزِدْنَ فِي الدُّنْيَا» (١). الحياء من مفاتيح الزينة والبهاء، يقول ﷺ : «مَا كَانَ الْفُحْشُ فِي شَيْءٍ قَطُّ إِلَّا شَانَهُ، وَلَا كَانَ الْحَيَاءُ فِي شَيْءٍ قَطُّ إِلَّا زَانَهُ» (٢). ثالثًا: أقسام الحياء: قسَّم العلماء الحياء باعتبارات مختلفة، قسموه باعتبار أصله، وباعتبار نوعه، وباعتبار المستَحَى منه. أولًا: تقسيم الحياء من حيث الأصل إلى قسمين: حياء فطري غريزي، وهو من أجلِّ الأخلاق التي يمنحها الله للعبد، ويجبله عليها، ومن هذا الحياء: حياء البكر التي جعل النبيُّ ﷺ إذنَها صَمْتَهَا، وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ : «كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ يَغْتَسِلُونَ عُرَاةً يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى سَوْأَةِ بَعْض، وَكَانَ مُوسَى

стр. 1586

﵇ يَغْتَسِلُ وَحْدَهُ، فَقَالُوا: وَاللهِ مَا يَمْنَعُ مُوسَى أَنْ يَغْتَسِلَ مَعَنَا إِلَّا أَنَّهُ آدَرُ، قَالَ: فَذَهَبَ مَرَّةً يَغْتَسِلُ فَوَضَعَ ثَوْبَهُ عَلَى حَجَرٍ، فَفَرَّ الْحَجَرُ بِثَوْبِهِ، قَالَ: فَجَمَحَ مُوسَى بِإِثْرِهِ، يَقُولُ: ثَوْبِي حَجَرُ، ثَوْبِي حَجَرُ، حَتَّى نَظَرَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ إِلَى سَوْأَةِ مُوسَى، قَالُوا: وَاللهِ مَا بِمُوسَى مِنْ بَأْسٍ، فَقَامَ الْحَجَرُ حَتَّى نُظِرَ إِلَيْهِ، قَالَ: فَأَخَذَ ثَوْبَهُ فَطَفِقَ بِالْحَجَرِ ضَرْبًا، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَاللهِ إِنَّهُ بِالْحَجَرِ نَدَبٌ سِتَّةٌ أَوْ سَبْعَةٌ، ضَرْبُ مُوسَى بِالْحَجَرِ، ونزل قول الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ [الأحزاب: ٦٩]» (١). حياء مكتسب، ويكتسب الإنسان الحياء بقدر معرفته بالله، وقربه منه، وإيمانه باطلاع الله على خائنة العين وما يخفي الصدر، وحُكي عن بعض السلف: «خَفِ اللَّهَ عَلَى قُدْرَتِهِ عَلَيْكَ، وَاسْتَحْيِ مِنَ اللَّهِ فِي قُرْبِهِ مِنْكَ» (٢). ثانيًا: تقسيم الحياء من حيث النوع: قسمه ابن القيم ﵀ إلى عشرة أقسام: حياء الجناية: فمنه حياء آدم ﵇ لما فرَّ هاربًا في الجنة، قال الله تَعَالَى: «يَا آدَمُ فِرَارًا مِنِّي؟ قَالَ: بَلْ حَيَاءً مِنْكَ سَيِّدِي» (٣). ٢ - حياء التقصير: كحياء الملائكة الذين يسبحون الليل والنهار لا يفترون، فإذا كان يوم القيامة قالوا: سبحانك! ما عبدناك حق عبادتك.

стр. 1587

٣ - حياء الإجلال: وهو حياء المعرفة، وعلى حسب معرفته بربه يكون حياؤه منه. ٤ - حياء الكرم: كحياء النبي ﷺ من القوم الذين دعاهم إلى وليمة زينب، وطوَّلوا الجلوس عنده، فقام واستحى أن يقول لهم: انصرفوا (١). ٥ - حياء الحشمة: كحياء علي بن أبي طالب ﵁ أن يسأل رسول الله ﷺ عن المذي؛ لمكان ابنته منه (٢). ٦ - حياء الاستحقار، واستصغار النفس: كحياء العبد من ربه حين يسأله حوائجه، احتقارًا لشأن نفسه، واستصغارًا لها، وقد يكون لهذا النوع سببان: أحدهما: استحقار السائل نفسه، واستعظام ذنوبه وخطاياه. الثاني: استعظام مسئوله، وهو المولى . ٧ - حياء المحبة: فهو حياء المحب من محبوبه، حتى إنه إذا خطر على قلبه في غيبته هاج الحياء من قلبه، وأحسَّ به في وجهه ولا يُدْرَى ما سببه. ٨ - حياء العبودية: فهو حياء ممتزج من محبة وخوف، ومشاهدة عدم صلاح عبوديته لمعبوده، وأن قدرَه أعلى وأجلُّ منها، فعبوديته له توجب استحياءه منه لا محالة. ٩ - حياء الشرف والعزة: فحياء النفس العظيمة الكبيرة إذا صدر منها ما هو دون قدرها من بذل أو عطاء أو إحسان، فإنه يستحيي مع بذله حياء شرف نفس وعزة.

стр. 1588

١٠ - حياء المرء من نفسه: فهو حياء النفوس الشريفة العزيزة الرفيعة من رضاها لنفسها بالنقص، وقناعتها بالدون، فيجد نفسه مستحييًا من نفسه، حتى كأن له نفسين، يستحيي بإحداهما من الأخرى، وهذا أكمل ما يكون من الحياء، فإن العبد إذا استحى من نفسه فهو بأن يستحيي من غيره أجدر (١). ثالثًا: تقسيم الحياء باعتبار المستحيَى منه: ١ - الحياء من الله: إن أعظم أنواع الحياء على الإطلاق وأرفعها وأجلها: هو الحياء من الله تَعَالَى، يقول تَعَالَى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ [العلق: ١٤]، ويقول تَعَالَى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام: ٩١]، ويقول أيضًا: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١]. والحياء من الله يكون باتباع أوامر الله، واجتناب نواهيه، ومراقبة الله في السر والعلن، قال رسول الله ﷺ : «أُوصِيكَ أَنْ تَسْتَحْيِيَ مِنَ اللهِ ، كَمَا تَسْتَحْيِي مِنَ الرَّجُلِ الصَّالِحِ مِنْ قَوْمِكَ» (٢) وهذا الحياء يسمى حياء العبودية الذي يصل بصاحبه إلى أعلى مراتب الدين، وهي مرتبة الإحسان الذي يُحس فيها العبد دائمًا بنظر الله إليه، وأنه يراه في كل حركاته وسكناته، فيتزين لربه بالطاعات، وهذا الحياء يجعله دائمًا يشعر بأن عبوديته قاصرة حقيرة أمام ربه؛ لأنه يعلم أن قدر ربه أعلى وأجلُّ.

стр. 1589

ومن أنواع الحياء من الله: الحياء من نظر الله إليه في حالة لا تليق؛ كالتعري، كما في حديث بهز بن حكيم قال: حدثني أبي عن جدي، قال: «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ عَوْرَاتُنَا، مَا نَأْتِي مِنْهَا، وَمَا نَذَرُ؟ قَالَ: احْفَظْ عَوْرَتَكَ إِلَّا مِنْ زَوْجَتِكَ، أَوْ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِذَا كَانَ الْقَوْمُ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ؟ قَالَ: إِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ لَا يَرَيَنَّهَا أَحَدٌ فَلَا يَرَيَنَّهَا، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِذَا كَانَ أَحَدُنَا خَالِيًا؟ قَالَ: اللهُ أَحَقُّ أَنْ يُسْتَحْيَى مِنْهُ مِنَ النَّاسِ» (١). ولذلك عقد الإمام البخاري ﵀ بابًا سماه: «بَابٌ: مَنِ اغْتَسَلَ عُرْيَانًا وَحْدَهُ فِي الْخَلْوَةِ وَمَنْ تَسَتَّرَ فَالتَّسَتُّرُ أَفْضَلُ» (٢). ٢ - الحياء من الملائكة: من المعلوم أن الله قد جعل فينا ملائكةً يتعاقبون علينا بالليل والنهار … وهناك ملائكة يصاحبون أهل الطاعات مثل: الخارج في طلب العلم، والمجتمعين على مجالس الذكر، والزائر للمريض، وملائكة لا يفارقوننا، وهم الحفظة والكتبة. قال تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ﴾ [الأنفطار: ١٠ - ١١]، وقال تَعَالَى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف: ٨]. والحياء من الملائكة يكون بالبعد عن المعاصي والقبائح وإكرامهم عن مجالس الخنا، وأقوال السوء، والأفعال المذمومة المستقبحة، قال

стр. 1590

ﷺ : «إِيَّاكُمْ وَالتَّعَرِّيَ، فَإِنَّ مَعَكُمْ مَنْ لَا يُفَارِقُكُمْ إِلَّا عِنْدَ الْغَائِطِ، وَحِينَ يُفْضِي الرَّجُلُ إِلَى أَهْلِهِ، فَاسْتَحْيُوهُمْ وَأَكْرِمُوهُمْ» (١). ٣ - الحياء من الناس: وهذا النوع من الحياء هو أساس مكارم الأخلاق، ومنبع كل فضيلة؛ لأنه يترتب عليه القول الطيب، والفعل الحسن، وكل خلق حسن، والحياء من الناس قسمان: قسم صاحبه يستحي من الناس؛ بأن لا يأتي هذا المنكر والفعل القبيح؛ خوفًا من الله تَعَالَى أولًا، ثم اتقاءَ ملامة الناس وذمهم ثانيًا، فهذا يأخذ أجر حيائه كاملًا؛ لأنه استكمل الحياء من جميع جهاته؛ إذ ترتب عليه الكف عن القبائح التي لا يرضاها الدين والشرع ويذمه عليها الخَلق. قسم يترك القبائح والرذائل حياءً من الناس، وإذا خلا من الناس لا يتحرَّج من فعلها، وهذا النوع من الناس عنده حياء، ولكنه حياء ناقص ضعيف، يحتاج إلى علاج وتذكير بعظمة ربه وجلاله، وأنه أحقُّ أن يُستحيا منه؛ لأنه القادر المطَّلع الذي بيده ملكوت كل شيء، الذي أسبغ عليه نعمه ظاهرة وباطنة، فكيف يليق به أن يأكل من رزقه ويعصيه، ويعيش في أرضه وملكوته ولا يطيعه، ويستعمل عطاياه فيما لا يرضيه.

стр. 1591

وعلى ذلك فإن هذا العبد لا يليق به أن يستحي من الناس الذين لا يملكون له ضرًّا ولا نفعًا، لا في الدنيا ولا في الآخرة، ثم لا يستحي من الله الرقيب عليه، المتفضل عليه، الذي ليس له غناء عنه. أما الذي يجاهر بالمعاصي، ولا يستحي من الله، ولا من الناس؛ فهذا من شر ما مُنِيَتْ به الفضيلة، وانتُهكت به العفة؛ لأن المعاصي داء سريع الانتقال، لا يلبث أن يسري في النفوس الضعيفة، فيعم شر معصية المجاهر ويتفاقم خطبها، فشره على نفسه وعلى الناس عظيم، وخطره على الفضائل كبير. ٤ - الحياء من النفس: وهو حياء النفوس العزيزة من أن ترضى لنفسها بالنقص أو تقنع بالدون. ويكون هذا الحياء بالعفة، وصيانة الخلوات، وحسن السريرة، فيجد العبد المؤمن نفسه تستحي من نفسه، حتى كأنَّ له نَفْسَينِ تستحي إحداهما من الأخرى، وهذا أكمل ما يكون من الحياء؛ فإن العبد إذا استحى من نفسه فهو بأن يستحي من غيره أجدرُ. فكما أن هناك نفسًا أمارة بالسوء تأمر صاحبها بالقبائح، قال تَعَالَى على لسان امرأة العزيز: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٣]، فهناك النفس الأخرى الأمارة بالخير، الناهية عن القبائح وهي النفس المطمئنة، قال تَعَالَى: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر: ٢٧ - ٣٠].

стр. 1592

وليس من الحياء الإخلال بالحقوق والواجبات الشرعية، ومن فعل الخير والدعوة إلى الله وطلب العلم والتفقه في الدين، فلا يصح الحياء في طلب العلم ولا في السؤال عما يشكل على المؤمن في أمر دينه خاصة. وقد كانت أم سليم ﵂ تسأل رسول الله ﷺ في مسائل دقيقة من أحكام النساء وتستفتح سؤالها بقولها: «يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ اللهَ لَا يَسْتَحِي مِنَ الْحَقِّ» (١)، وفي ذلك يقول مجاهد أيضًا: «لَا يَتَعَلَّمُ الْعِلْمَ مُسْتَحْيٍ وَلَا مُسْتَكْبِرٌ» (٢)، وقالت عائشة ﵂: «نِعْمَ النِّسَاءُ نِسَاءُ الْأَنْصَارِ، لَمْ يَمْنَعْهُنَّ الْحَيَاءُ أَنْ يَتَفَقَّهْنَ فِي الدِّينِ» (٣). رابعًا: تحقيق مرتبة الحياء من الله تَعَالَى: لا بد للعبد- ليكون من أهل الحياء- أن يستحضر عدة أمور، ويستشعرها، ويحرص أن لا تغيب عن ذهنه، ومنها: الدعاء: وهو سلاح المؤمن، فيلجأ إلى ربه؛ ليرزقه الحياء، ويصرف عنه سيء الأخلاق، وقد كان النبي ﷺ يقول في دعاء الاستفتاح: «وَاهْدِنِي لِأَحْسَنِ الْأَخْلَاقِ لَا يَهْدِي لِأَحْسَنِهَا إِلَّا أَنْتَ، وَاصْرِفْ عَنِّي سَيِّئَهَا لَا يَصْرِفُ عَنِّي سَيِّئَهَا إِلَّا أَنْتَ» (٤)، وكان يقول: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ مُنْكَرَاتِ

стр. 1593

الْأَخْلَاقِ وَالْأَعْمَالِ وَالْأَهْوَاءِ» (١)، ولا ريب أن الحياء من الأخلاق الحسنة. مراقبة الله تَعَالَى في السر والعلن: ومن ثمَّ فيقوى الإيمان في القلب بزيادة الطاعات واجتناب المنكرات، وقال ابن القيم ﵀ عن الله : «فإن العبد متى علم بنظره إليه ومقامه عليه وأنه بمرأى منه ومسمع- وكان حيًّا حَيِيًّا- استحى من ربه أن يتعرض لمساخطه» (٢). العلم بالله : وذلك من خلال التفقه في أسمائه وصفاته التي تستوجب مراقبته كالرقيب والشهيد والعليم والسميع والبصير … معرفة أهمية الخلق في الإسلام، والتأمل في الآثار المترتبة عليها: ومن ذلك الحياء خاصة، والأخلاق الحسنة بعامة؛ فإن معرفة ثمرات الأشياء، واستحضار حسن عواقبها؛ من دواعي فعلها، وتمثلها، والسعي إليها. الحذر من اليأس من إصلاح النفس: فهناك من إذا ابتلى بشيء مما يُسيء الأخلاق، وحاول التخلص منه فلم يفلح أيس من إصلاح نفسه، وترك المجاهدة، وهذا الأمر لا يَحْسُن بالمؤمن القوي، بل ينبغي عليه أن يقوي إرادته، وأن يسعى لتكميل نفسه، وأن يجُدَّ في تلافي عيوبه. مخالطة الصالحين، والتخلق بأخلاقهم: قال مجاهد ﵀: «إنَّ المسلم لو لم يُصبْ من أخيه إلا أن حياءه منه يمنعه من المعاصي لكفاه»، والمرء فطرةً مولعٌ بمحاكاة من حوله، شديد التأثر بمن يصاحبه، فمجالس

стр. 1594

الأخيار تقوي الحياء المكتسب وتنميه، أما مجالسة الأرذال، فإنها تحول بين العبد وبين اكتساب الحياء. مطالعة سير أهل الفضل والحلم، والنظر في تراجمهم عامةً مما يُحرك العزيمة على اكتساب المعالي، ومكارم الأخلاق؛ ذلك أنَّ حياتهم توحي إلى القارئ بالاقتداء بهم، والسير على منوالهم. فاللهم إنا نسألك أن ترزقنا مِن خشيتك والحياء منك، ما يحول بيينا وبين معصيتك!

стр. 1595

الرفيقُ ﷻ - المعنى اللغوي: قال الجوهري ﵀: «الرفق: ضد العنف، وقد رفق به يرفق، وحكى أبو زيد: رفقت به وأرفقته بمعنى، وكذلك ترفقت به، ويقال أيضًا: أرفقته، أي نفعته» (١). قال ابن فارس ﵀: «الراء والفاء والقاف أصل واحد يدل على موافقة مقاربة بلا عنف، فالرفق: خلاف العنف؛ يقال: رفقت أرفق، وفي الحديث: «إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الْأَمْرِ كُلِّهِ (٢)» (٣). ورود اسم الله (الرفيق) في القرآن الكريم: لم يرد اسم الله (الرفيق) في القرآن الكريم. ورود اسم الله (الرفيق) في السنة النبوية: ورد اسم الله (الرفيق) في السنة النبوية، ومن وروده ما يلي: عن عائشة ﵂ قالت: «اسْتَأْذَنَ رَهْطٌ مِنَ الْيَهُودِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالُوا: السَّامُ عَلَيْكَ، فَقُلْتُ: بَلْ عَلَيْكُمُ السَّامُ وَاللَّعْنَةُ، فَقَالَ: يَا

стр. 1596

عَائِشَةُ، إِنَّ اللهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الْأَمْرِ كُلِّهِ، قُلْتُ: أَوَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالُوا؟ قَالَ: قُلْتُ: وَعَلَيْكُمْ» (١). وعن عبد الله بن مغفل ﵁: قال: قال لي رسول الله ﷺ : «إِنَّ اللهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ، وَيُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ» (٢). ثبوت اسم الله (الرفيق) في حق الله تعالى: من العلماء الذين أثبتوا اسم الله (الرفيق) في حق الله تَعَالَى: ابن القيم ﵀: في قوله: «وتعبده باسمه البر، اللطيف، المحسن، الرفيق، فإنه رفيق يحب الرفق» (٣). ابن عثيمين ﵀: فقد عده من الأسماء المثبتة بالسنة النبوية (٤). معنى اسم الله (الرفيق): قال الخطابي ﵀: «(إِنَّ اللهَ رَفِيقٌ) (٥)، أي: «ليس بعجول، وإنما يعجل من يخاف الفوت، فأما من كانت الأشياء في قبضته وملكه فليس يعجل فيها» (٦).

стр. 1597

قال الزرقاني ﵀: «(إِنَّ اللهَ رَفِيقٌ) (١)، أي: لطيف بعباده، يريد بهم اليسر ولا يريد بهم العسر، فيكلفهم فوق طاقتهم، بل يسامحهم ويلطف بهم» (٢). قال الشيخ السعدي ﵀: «فالله تَعَالَى رفيق في أفعاله، خلق المخلوقات كلها بالتدريج شيئًا فشيئًا، بحسب حكمته ورفقه، مع أنه قادر على خلقها دفعة واحدة، وفي لحظة واحدة، ومَن تدبَّر المخلوقات وتدبَّر الشرائع كيف يأتي بها شيئًا بعد شيء، شاهَدَ من ذلك العجبَ العجيبَ» (٣). قال الإمام ابن القيم ﵀: وَهُوَ الرَّفِيْقُ يُحِبُّ أَهْلَ الرِّفْقِ يُعْـ … ـطِيهِمُ بِالرِّفْقِ فَوْقَ أَمَانِ (٤) الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (الرفيق): الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (الرفيق) من صفاته سُبْحَانَهُ، وتحقيق التوحيد له: الرفيق سُبْحَانَهُ هو اللطيف بعباده، القريب منهم، يغفر ذنوبهم ويستر عيوبهم، وهو الذي تكفل بهم من غير عوض أو حاجة، يسَّر أسبابهم، وقدَّر أرزاقهم، وهداهم لما يصلحهم، فنعمته عليهم سابغة، وحكمته فيهم بالغة،

стр. 1598

يحب عباده الموحدين، ويتقبل أعمالهم، ويقربهم وينصرهم على عدوهم، ويعاملهم بلطف وعطف ورحمة وإحسان، ويدعو من خالفه إلى التفكر والتذكر والتوبة والإيمان، فهو الرفيق المحسن في خفاء وستر، يتابع عباده في حركاتهم وسكناتهم، ويتولاهم في حلهم وترحالهم بمعية عامة وخاصة، العالم بخفايا أمورهم، والخبير ببواطن شؤونهم، تعددت مظاهر رفقه وإحسانه في خلقه، ومن ذلك: - رفقه سُبْحَانَهُ في أفعاله: الرفيق سُبْحَانَهُ خلق المخلوقات كلها بالتدرج شيئًا فشيئًا، بحسب حكمته ورفقه، مع قدرته على خلقها دفعة واحدة، وفي لحظة واحدة، ومن ذلك: خلق السموات والأرض في ستة أيام، يقول تَعَالَى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤]. خلق الإنسان مراحل من نطفة حتى اكتمل الخلق، يقول تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾ [الحج: ٥]. فخلق الله قائم على التدرج، وهذا دليل على رفق الله وحكمته وعلمه ولطفه.

стр. 1599

قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «وأصحاب رسول الله ﷺ عرفوا ذلك وبينَّوه للناس، وعرفوا أنَّ حدوث الحوادث اليومية المشهودة تدل على أن العالم مخلوق، وأن له ربًّا خلقه ويحدث فيه الحوادث» (١)، وكان سُبْحَانَهُ قادرًا على خلق الحوادث كلها في وقت واحد وهيئة واحدة، لكنه الرفيق الذي لا يعجل سُبْحَانَهُ. رفقه سُبْحَانَهُ في أحكامه: فالله سُبْحَانَهُ لا يكلف عباده إلا بما يطيقون، فأوامره كلها بقدر الاستطاعة، وما فيه مشقة عليهم أسقطه ورخصه، حتى تزول مشقته. بل إن الأحكام والتكاليف الشرعية فُرضت على العباد بالتدريج، ولم تفرض دفعة واحدة، حتى تألف النفوس وتلين الطباع ويتم الانقياد، فقد مكث النبي ﷺ ثلاثًا وعشرين سنة يبني المجتمع الإسلامي لبنة لبنة، ويعده نفسيًّا وذهنيًّا لتقبل الأحكام، فالخمر- مثلًا- حُرِّمَ على عدة مراحل، وهي: تأثيم شرب الخمر، يقول تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة: ٢١٩]. تحريم شرب الخمر وقت الصلاة، يقول تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣]. التحريم القطعي، يقول تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠]. والصلاة كذلك فُرضت في أول الأمر ركعتين ركعتين، ثم أُقرت في

стр. 1600

السفر على هذا، وزِيدت في الحضر إلى أربع (الظهر والعصر والعشاء)، ويدل على ذلك حديث عائشة ﵂ تقول: «فُرِضَتِ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ هَاجَرَ النَّبِيُّ ﷺ فَفُرِضَتْ أَرْبَعًا» (١)، وفي حديث آخر: «فُرِضَتْ صَلَاةُ السَّفَرِ وَالْحَضَرِ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، فَلَمَّا أَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالْمَدِينَةِ زِيدَ فِي صَلَاةِ الْحَضَرِ رَكْعَتَانِ رَكْعَتَانِ، وَتُرِكَتْ صَلَاةُ الْفَجْرِ لِطُولِ الْقِرَاءَةِ، وَصَلَاةُ الْمَغْرِبِ لِأَنَّهَا وِتْرُ النَّهَارِ» (٢) والصيام فُرِضَ أولًا على التخيير، فمن شاء صام ومن شاء أفطر وفدى، ثم أنزل الله فرض صيامه في قوله تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣]. وأخرج البخاري عن أم المؤمنين عائشة ﵂ قولها: «إِنَّمَا نَزَلَ أَوَّلَ مَا نَزَلَ مِنْهُ سُورَةٌ مِنَ الْمُفَصَّلِ، فِيهَا ذِكْرُ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، حَتَّى إِذَا ثَابَ النَّاسُ إِلَى الْإِسْلَامِ نَزَلَ الْحَلَالُ وَالْحَرَامُ، وَلَوْ نَزَلَ أَوَّلَ شَيْءٍ: لَا تَشْرَبُوا الْخَمْرَ، لَقَالُوا: لَا نَدَعُ الْخَمْرَ أَبَدًا، وَلَوْ نَزَلَ: لَا تَزْنُوا، لَقَالُوا: لَا نَدَعُ الزِّنَا أَبَدًا» (٣). ومن آثار رفقه سُبْحَانَهُ بعباده: ما شرع لهم من الرخص الشرعية التي ترفع عنهم الحرج، والعبد إذا ترفه بالرخص الشرعية، فإنما يتعبد لله تَعَالَى باسمه «الرفيق» كما وضح ذلك الإمام ابن القيم ﵀ بقوله: «فرق بين أن يكون التفاته إليها- أي: الرخص- ترفهًا وراحة، وأن يكون متابعة وموافقة،

стр. 1601

ومع هذا فالالتفات إليها ترفهًا وراحة لا يُنافي الصدق، فإن هذا هو المقصود منها، وفيه شهود نعمة الله على العبد، وتعبد باسمه: (البرِّ)؛ (اللطيف)؛ (المُحسن)؛ (الرَّفيق)، فإنه (رفيق) يحب الرفق» (١). رفقه سُبْحَانَهُ بعباده العصاة: فهو الرفيق الذي يمهل من عصاه ليتوب إليه، ولو شاء لعجل بعقوبته، لكنه رفق به وتأنى، وحلم عليه، يقول تَعَالَى: ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا﴾ [الكهف: ٥٨]، ويقول سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [النحل: ٦١]. يقول الطبري ﵀: «ولو يؤاخذ الله عصاة بني آدم بمعاصيهم ﴿مَا تَرَكَ عَلَيْهَا﴾ [النحل: ٦١]- يعني: الأرض- ﴿مِنْ دَابَّةٍ﴾ تَدُبُّ عليها ﴿وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ﴾ [النحل: ٦١] يقول: ولكن بحلمه يؤخر هؤلاء الظلمة، فلا يعاجلهم بالعقوبة، ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [النحل: ٦١] يقول: إلى وقتهم الذي وقَّت لهم، ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ﴾ [النحل: ٦١] يقول: فإذا جاء الوقت الذي وقَّت لهلاكهم لا يستأخرون عن الهلاك ساعة فَيُمهَلُون، ولا يستقدمون قبله حتى يستوفوا آجالهم» (٢). وحري بمن عرف اسم الله الرفيق وآمن به أن يوحده سُبْحَانَهُ بألوهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته، ويستغني به عن خلقه، فيسأله وحده عفوه ورفقه.

стр. 1602

الأثر الثاني: محبة الله الرفيق: إن من رأى آثار لطف الله ورفقه بعباده، في خلقه، وشرعه، وقدرته، ورأفته ورحمته (١)، مع غناه سُبْحَانَهُ عن خلقه؛ أحب ربه وعظمه، وأجله وحمده، ووحده. الأثر الثالث: الرفق في أخذ الدين، وعدم التشدد: فالإسلام دين يُسر وسهولة، لا يكلف بما لايطاق، والنبي ﷺ كان ينهى عن تكليف النفس فوق ما تطيق ولو كانت عبادة، يقول ﷺ : «إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا، وَأَبْشِرُوا، وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ، وَشَيْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ» (٢). يقول الشيخ السعدي ﵀ في شرح الحديث: «ما أعظم هذا الحديث، وأجمعه للخير والوصايا النافعة، والأصول الجامعة، فقد أسس ﷺ في أوله هذا الأصل الكبير، فقال: (إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ): أي: ميسر مسهل في عقائده وأخلاقه وأعماله، وفي أفعاله وتُروكه، فإن عقائده التي ترجع إلى الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقَدَر خيره وشره: هي العقائد الصحيحة التي تطمئن لها القلوب، وتوصِّل مقتديها إلى أجلِّ غاية وأفضل مطلوب، وأخلاقه وأعماله أكمل الأخلاق، وأصلح الأعمال، بها صلاح الدين والدنيا والآخرة، وبفواتها يفوت الصلاح كله، وهي كلها ميسرة مسهلة، كل مكلف يرى نفسه قادرًا عليها لا تشق عليه، ولا تكلفه، عقائده صحيحة

стр. 1603

بسيطة، تقبلها العقول السليمة، والفطر المستقيمة … وأما من شدد على نفسه فلم يكتف بما اكتفى به النبي ﷺ ، ولا بما علَّمه للأمة وأرشدهم إليه، بل غلا، وأوغل في العبادات: فإن الدين يغلبه، وآخر أمره العجز والانقطاع، ولهذا قال: (وَلَن يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ)، فمن قاوم هذا الدين بشدة وغلو، ولم يقتصد: غلبه الدين، واستحسر ورجع القهقرى» (١). ومن شواهد الرفق والنهي عن التشدد في العبادة فوق ما شرع الله، ما يلي: - حديث عائشة ﵂: «أنَّ الحولاء بنت تُوَيْتِ بن حبيب بن أسد بن عبد العزَّى مرَّت بها، وعندها رسول الله ﷺ قالت: فقلتُ: هذه الحولاء بنت تويت، وزعموا أنها لا تنام الليل، فقال رسول الله ﷺ : «لَا تَنَامُ اللَّيْلَ! خُذُوا مِنَ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونَ، فَوَاللهِ لَا يَسْأَمُ اللهُ حَتَّى تَسْأَمُوا» (٢). - حديث أنس بن مالك ﵁، قال: «جَاءَ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ إِلَى بُيُوتِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ ، يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَةِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَلَمَّا أُخْبِرُوا كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا، فَقَالُوا: وَأَيْنَ نَحْنُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ؟! قَالَ أَحَدُهُمْ: أَمَّا أَنَا فَإِنِّي أُصَلِّي اللَّيْلَ أَبَدًا، وَقَالَ آخَر: أَنَا أَصُومُ الدَّهْرَ وَلَا أُفْطِرُ، وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ فَلَا أَتَزَوَّجُ أَبَدًا، فَجَاءَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: أَنْتُمُ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا، أَمَا وَاللهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ، لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي» (٣).

стр. 1604

- حديث أنس بن مالك ﵁ قال: «دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَإِذَا حَبْلٌ مَمْدُودٌ بَيْنَ السَّارِيَتَيْنِ، فَقَالَ: مَا هَذَا الْحَبْلُ؟ قَالُوا: هَذَا حَبْلٌ لِزَيْنَبَ، فَإِذَا فَتَرَتْ تَعَلَّقَتْ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَا، حُلُّوهُ، لِيُصَلِّ أَحَدُكُمْ نَشَاطَهُ، فَإِذَا فَتَرَ فَلْيَقْعُدْ» (١). ومن الرفق في أخذ الدين: الترخص برخص الرفيق سُبْحَانَهُ، واستشعار العبودية في ذلك، وابتغاء محبته ورضاه، فعن ابن عمر ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: «إِنَّ اللهَ يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ، كَمَا يُحِبُّ أَنْ تُتْرَكَ مَعْصِيَتُهُ» (٢)، وفي حديث حمزة بن عمرو الأسلمي ﵁، أنه قال: «يَا رَسُولَ اللهِ، أَجِدُ بِي قُوَّةً عَلَى الصِّيَامِ فِي السَّفَرِ، فَهَلْ عَلَيَّ جُنَاحٌ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : هِيَ رُخْصَةٌ مِنَ اللهِ، فَمَنْ أَخَذَ بِهَا فَحَسَنٌ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَصُومَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ» (٣). الأثر الرابع: الرفق في كل الأمور، اقتداءً برسول الله ﷺ -: كان نبينا محمد ﷺ أرفق الناس، وشواهد رفقه في سنته ظاهرة، ودلائل حلمه وأناته في سيرته واضحة، بل إنه ضرب أروع الأمثلة في تحقيق الرفق والأناة في تعامله مع الناس ودعوته إلى دين الله، ومعالجته لما قد يقع من أخطاء ومخالفات، ومن شواهد ذلك:

стр. 1605

عن أنس ﵁ قال: «أَنَّ أَعْرَابِيًّا بَالَ فِي الْمَسْجِدِ فَقَامُوا إِلَيْهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : لَا تُزْرِمُوهُ، ثُمَّ دَعَا بِدَلْوٍ مِنْ مَاءٍ فَصُبَّ عَلَيْهِ» (١). يبول في مسجد رسول الله ﷺ ، ومع ذلك فالنبي ﷺ يقول: «دَعُوهُ، وَلَا تُزْرِمُوهُ» (٢) ولم يكن منه ﷺ إلا أن دعا بدلو من ماء فَصُبَّ عليه، فحلَّ النبيُّ ﷺ المسألةَ ببساطة وبغير فظاظة، لا إغلاظ ولا سخرية ولا غيره، وفي رواية أن هذا الأعرابي قال وهو في الصلاة: «اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي وَمُحَمَّدًا وَلَا تَرْحَمْ مَعَنَا أَحَدًا، فَلَمَّا سَلَّمَ النَّبِيُّ ﷺ قَالَ لِلْأَعْرَابِيِّ: لَقَدْ حَجَّرْتَ وَاسِعًا» (٣). عن عائشة ﵂ أنها قالت: «اسْتَأْذَنَ رَهْطٌ مِنَ الْيَهُودِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالُوا: السَّامُ عَلَيْكَ، فَقُلْتُ: بَلْ عَلَيْكُمُ السَّامُ وَاللَّعْنَةُ، فَقَالَ: يَا عَائِشَةُ، إِنَّ اللهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الْأَمْرِ كُلِّهِ، قُلْتُ: أَوَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالُوا؟ قَالَ: قُلْتُ: وَعَلَيْكُم» (٤). عن أبي هريرة ﵁، أنه قال: «أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ يَتَقَاضَاهُ فَأَغْلَظَ، فَهَمَّ بِهِ أَصْحَابُه، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : دَعُوه، فَإِنَّ لِصَاحِبِ الْحَقِّ مَقَالًا، ثُمَّ قَالَ: أَعْطُوهُ سِنًّا مِثْلَ سِنِّهِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِلَّا أَمْثَلَ مِنْ سِنِّهِ، فَقَالَ: أَعْطُوهُ، فَإِنَّ مِنْ خَيْرِكُمْ أَحْسَنَكُمْ قَضَاءً» (٥).

стр. 1606

عن أنس ﵁ أنه قال: «كُنْتُ أَمْشِي مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَعَلَيْهِ بُرْدٌ نَجْرَانِيٌّ غَلِيظُ الْحَاشِيَةِ، فَأَدْرَكَهُ أَعْرَابِيٌّ فَجَبَذَهُ بِرِدَائِهِ جَبْذَةً شَدِيدَةً، حَتَّى نَظَرْتُ إِلَى صَفْحَةِ عَاتِقِ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَدْ أَثَّرَتْ بِهَا حَاشِيَةُ الْبُرْدِ مِنْ شِدَّةِ جَبْذَتِه، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، مُرْ لِي مِنْ مَالِ اللهِ الَّذِي عِنْدَكَ، فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، ثُمَّ ضَحِكَ، ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِعَطَاءٍ» (١). عن معاوية بن الحكم السلمي ﵁، قال: «بَيْنَا أَنَا أُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِذْ عَطَسَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ فَقُلْتُ: يَرْحَمُكَ اللهُ، فَرَمَانِي الْقَوْمُ بِأَبْصَارِهِمْ، فَقُلْتُ: وَاثُكْلَ أُمِّيَاهْ مَا شَأْنُكُمْ؟ تَنْظُرُونَ إِلَيَّ! فَجَعَلُوا يَضْرِبُونَ بِأَيْدِيهِمْ عَلَى أَفْخَاذِهِمْ، فَلَمَّا رَأَيْتُهُمْ يُصَمِّتُونَنِي، لَكِنِّي سَكَتُّ، فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ فَبِأَبِي هُوَ وَأُمِّي مَا رَأَيْتُ مُعَلِّمًا قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ أَحْسَنَ تَعْلِيمًا مِنْهُ، فَوَاللهِ مَا كَهَرَنِي وَلَا ضَرَبَنِي وَلَا شَتَمَنِي، قَالَ: إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ، إِنَّمَا هُوَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ» (٢). عن أبي أمامة ﵁، قال: «إِنَّ فَتًى شَابًّا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، ائْذَنْ لِي بِالزِّنَا، فَأَقْبَلَ الْقَوْمُ عَلَيْهِ فَزَجَرُوهُ وَقَالُوا: مَهْ مَهْ، فَقَالَ: ادْنُهْ فَدَنَا مِنْهُ قَرِيبًا قَالَ: فَجَلَسَ، قَالَ: أَتُحِبُّهُ لِأُمِّكَ؟ قَالَ: لَا وَاللهِ، جَعَلَنِي اللهُ فِدَاكَ، قَالَ: وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِأُمَّهَاتِهِمْ، قَالَ: أَفَتُحِبُّهُ لِابْنَتِكَ؟ قَالَ: لَا وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ، جَعَلَنِي اللهُ فِدَاكَ، قَالَ: وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِبَنَاتِهِمْ، قَالَ: أَفَتُحِبُّهُ لِأُخْتِكَ؟ قَالَ: لَا وَاللهِ، جَعَلَنِي اللهُ فِدَاكَ، قَالَ: وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِأَخَوَاتِهِمْ،

стр. 1607

قَالَ: أَفَتُحِبُّهُ لِعَمَّتِكَ؟ قَالَ: لَا وَاللهِ، جَعَلَنِي اللهُ فِدَاكَ، قَالَ: وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِعَمَّاتِهِمْ قَالَ: أَفَتُحِبُّهُ لِخَالَتِكَ؟ قَالَ: لَا وَاللهِ، جَعَلَنِي اللهُ فِدَاكَ، قَالَ: وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِخَالَاتِهِمْ، قَالَ: فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ، وَقَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ ذَنْبَهُ، وَطَهِّرْ قَلْبَهُ، وَحَصِّنْ فَرْجَهُ، قَالَ: فَلَمْ يَكُنْ بَعْدُ ذَلِكَ الْفَتَى يَلْتَفِتُ إِلَى شَيْءٍ» (١). عن أنس ﵁: «أن النبي ﷺ أتى على أزواجه، وسَوَّاق يسوق بهن، يقال له: أنجَشَة، فقال: فَقَالَ: وَيْحَكَ يَا أَنْجَشَةُ، رُوَيْدَكَ سَوْقًا بِالْقَوَارِيرِ» (٢). عن أسامة بن زيد ﵁، قال: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَأْخُذُنِي فَيُقْعِدُنِي عَلَى فَخِذِهِ وَيُقْعِدُ الْحَسَنَ عَلَى فَخِذِهِ الْأُخْرَى، ثُمَّ يَضُمُّهُمَا، ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهُمَّ ارْحَمْهُمَا فَإِنِّي أَرْحَمُهُمَا» (٣). بل إن من وصايا النبي ﷺ العامة: الرفق في كل الأمور، ففي الحديث: «إِنَّهُ مَنْ أُعْطِيَ حَظَّهُ مِنَ الرِّفْقِ، فَقَدْ أُعْطِيَ حَظَّهُ مِنْ خَيْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمَنْ حُرِمَ حَظَّهُ مِنَ الرِّفْقِ فَقَدْ حُرِمَ حَظَّهُ مِنْ خَيْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، الرَّحِمِ وَحُسْنُ الْخُلُقِ وَحُسْنُ الْجِوَارِ يَعْمُرَانِ الدِّيَارَ، وَيَزِيدَانِ فِي الْأَعْمَارِ» (٤).

стр. 1608

الأثر الخامس: التفريق بين الرفق والتفريط: إن الرفق لا يعني التفريط والكسل وتفويت فرص الخير، بل الرفق الممدوح وسط بين العجلة والطيش وبين الكسل وتفويت الفرص، وفي ذلك يقول الإمام ابن القيم ﵀: «والفرق بين المبادرة والعجلة: أن المبادرة انتهاز الفرص في وقتها، ولا يتركها حتى إذا فاتت طلبها، فهو لا يطلب الأمور في إدبارها، ولا قبل وقتها، بل إذا حضر وقتها بادر إليها، ووثب عليها وثوب الأسد على فريسته، فهو بمنزلة من يبادر إلى أخذ الثمرة وقت كمال نضجها وإدراكها، والعجلة طلب أخذ الشيء قبل وقته، فهو لشدة حرصه عليه بمنزلة من يأخذ الثمرة قبل أوان إدراكها، فالمبادرة وسط بين خلقين مذمومين؛ أحدهما: التفريط والإضاعة، والثاني: الاستعجال قبل الوقت؛ ولهذا كانت العجلة من الشيطان، فإنها خفة وطيش، وحدة في العبد تمنعه من التثبت والوقار والحلم، وتوجب له وضع الأشياء في غير مواضعها، وتجلب عليه أنواعًا من الشرور وتمنعه من الخير، وهي قرين الندامة، فقل من استعجل إلا ندم، كما أن الكسل قرين الفوت والإضاعة» (١). وقال أبو حاتم ﵀: «الواجب على العاقل: لزوم الرفق في الأمور كلها، وترك العجلة والخفة فيها؛ إذ الله تَعَالَى يحب الرفق في الأمور كلها، ومن منع الرفق منع الخير، كما أن من أعطي الرفق أعطي الخير، ولا يكاد المرء يتمكن من بغيته في سلوك قصده في شيء من الأشياء على حسب الذي يحب، إلا بمقارنة الرفق ومفارقة العجلة» (٢).

стр. 1609

وقال أيضًا ﵀: «العاقل يلزم الرفق في الأوقات، والاعتدال في الحالات؛ لأن الزيادة على المقدار في المبتغى عيب، كما أن النقصان فيما يجب من المطلب عجز، وما لم يصلحه الرفق لم يصلحه العنف، ولا دليل أمهر من رفق، كما لا ظهير أوثق من العقل، ومن الرِّفق يكون الاحتراز، وفي الاحتراز تُرجَى السلامة، وفي ترك الرِّفق يكون الخرق، وفي لزوم الخرق تُخَافُ الهلكةُ» (١). الأثر السادس: الرفق في التعامل مع الخلق: فحقيقة الرفق هي: التحكم في هوى النفس ورغباتها، وحملها على الصبر والتحمل والتجمل، وكفها عن العنف والتعجل، والعلم بأن الصبر بالتصبر، والحلم بالتحلم، والعلم بالتعلم، والرفق بالترفق، وحسن الخلق كله بالتخلق، ومن يتوخ الخير يعطه، ومن يتوقى الشر يوقه. يقول ابن الجوزي ﵀: «اعلم أنه إنما كان جهاد النفس أكبر من جهاد الأعداء؛ لأن النفس محبوبة وما تدعو إليه محبوب؛ لأنها لا تدعو إلا إلى ما تشتهي وموافقة المحبوب في المكروه محبوبة، فكيف إذا دعا إلى محبوب؛ فإذ عكست الحال وخولف المحبوب فيما يدعو إليه من المحبوب اشتد الجهاد، وصعب الأمر، بخلاف جهاد الكفار؛ فإن الطباع تحمل على خصومة الأعداء، وقال ابن المبارك- في قوله تَعَالَى-: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ [الحج: ٧٨] قال: هو جهاد النفس والهوى» (٢).

стр. 1610

ومن مظاهر رفق المؤمن بغيره ما يلي: الرفق بأهل البيت خاصة: فإن أولى الناس بالحلم والرفق واللين: الأهلُ وذوو الأرحام، يقول ﷺ في ذلك: «إِذَا أَرَادَ اللهُ بِأَهْلِ بَيْتٍ خيرًا أَدْخَلَ عَلَيهِمُ الرِّفْقَ» (١)، ويقول: «خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي» (٢)، وقد ورددت نصوص كثيرة في الرفق بأهل البيت، منها: الرفق بالوالدين، يقول تَعَالَى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (٢٣) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٣ - ٢٤]. الرفق بين الزوجين، فقد أوصى النبي ﷺ بالنساء خيرًا في قوله: «اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ فَإِنَّ الْمَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ، وَإِنَّ أَعْوَجَ شَيْءٍ فِي الضِّلَعِ أَعْلَاهُ، فَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهُ كَسَرْتَهُ، وَإِنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَزَلْ أَعْوَجَ فَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ» (٣)، وأخبر ﷺ عن الزوجة الصالحة الخيرة بقوله: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِنِسَائِكُمْ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ؟ قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ: كُلُّ وَلُودٍ وَدُودٍ،

стр. 1611

إِذَا غَضِبَتْ أَوْ أُسِيءَ إِلَيْهَا أَوْ غَضِبَ -أَيْ: زَوْجُهَا- قَالَتْ: هَذِهِ يَدِي فِي يَدِكَ لَا أَكْتَحِلُ بِغُمْضٍ حَتَّى تَرْضَى» (١). الرفق بالأبناء، وفي ذلك روى أبى هريرة ﵁، أن الأقرع بن حابس ﵁ أبصر النبى ﷺ يقبِّل الحسن، فقال: إِنَّ لِي عَشَرَةً مِنَ الْوَلَدِ مَا قَبَّلْتُ مِنْهُمْ أَحَدًا، فَنَظَرَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، ثُمَّ قَالَ: مَنْ لَا يَرْحَمُ لَا يُرْحَمُ» (٢). الرفق مع عامة الناس: يقول ابن القيم ﵀: «من رفق بعباد الله رفق الله به، ومن رحمهم رحمه، ومن أحسن إليهم أحسن إليه، ومن جاد عليهم جاد الله عليه، ومن نفعهم نفعه، ومن سترهم ستره، ومن منعهم خيره منعه خيره، ومن عامل خلقه بصفة عامله الله بتلك الصفة بعينها في الدنيا والآخرة، فالله تَعَالَى لعبده حسب ما يكون العبد لخلقه» (٣)، وفي هذا المعنى شواهد نبوية كثيرة، منها: قوله ﷺ لعائشة: «يَا عَائِشَةُ إِنَّ اللهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ، وَيُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ، وَمَا لَا يُعْطِي عَلَى مَا سِوَاهُ» (٤). قوله ﷺ : «يَا عَائِشَةُ، إِنَّ الله رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الأَمْرِ كُلِّهِ» (٥).

стр. 1612

قوله ﷺ : «مَنْ أُعْطِيَ حَظَّهُ مِنَ الرِّفْقِ، فَقَدْ أُعْطِيَ حَظَّهُ مِنَ الْخَيْرِ، وَمَنْ حُرِمَ حَظَّهُ مِنَ الرِّفْقِ فَقَدْ حُرِمَ حَظَّهُ مِنَ الْخَيْرِ» (١). قوله ﷺ : «الأَنَاةُ مِنَ الله، وَالعَجَلَةُ مِنَ الشَّيْطَانِ» (٢). الرفق بمن أساء: كان الصحابة رضوان الله عليهم والسلف الصالح يتعاملون بالرفق مع من يسيئون إليهم، يقول عبد الله بن عباس ﵄ لرجل سَبَّهُ-: «يا عكرمة، هل للرجل حاجة فنقضيها؟ فَنَكَّسَ الرجل رأسه، واستحى مما رأى من حلمه عليهِ» (٣)، وعن علي بن الحسين ﵁: «أن رجلًا سَبَّهُ فرمى إليه بخميصة كانت عليه، وأمر له بألف درهم، فقال بعضهم: جمع له خمس خصال محمودة: الحلم وإسقاط الأذى وتخليص الرجل مما يبعده عن الله ، وحمله على الندم والتوبة ورجوعه إلى مدحٍ بعد الذم، اشترى جميع ذلك بشيء من الدنيا يسير» (٤). ويدخل هنا- أيضًا- الرفق والإحسان في الدعوة إلى الله، أو التعامل مع المخالف، يقول سُبْحَانَهُ في بيان هذه العلة: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، ويقول تَعَالَى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ

стр. 1613

وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥]، وعن عبد الله بن مسعود ﵁، قال: «إِذَا رَأَيْتُمْ أَخَاكُمْ قَارَفَ ذَنْبًا، فَلَا تَكُونُوا أَعْوَانًا لِلشَّيْطَانِ عَلَيْهِ، أَنْ تَقُولُوا: اللَّهُمَّ أَخْزِهِ، اللَّهُمَّ الْعَنْهُ، وَلَكِنْ سَلُوا اللَّهَ الْعَافِيَةَ، فَإِنَّا أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ ﷺ كُنَّا لَا نَقُولُ فِي أَحَدٍ شَيْئًا، حَتَّى نَعْلَمَ عَلَى مَا يَمُوتُ، فَإِنْ خُتِمَ لَهُ بِخَيْرٍ عَلِمْنَا - أَوْ قَالَ: رَجَوْنَا - أَنْ يَكُونَ قَدْ أَصَابَ خَيْرًا، وَإِنْ خُتِمَ لَهُ بِشَرٍّ، خِفْنَا عَلَيْهِ عَمَلَهُ» (١). وعليه فالرفق في الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر متعيِّن، وهو وظيفة الأنبياء والرسل ومنهجهم جميعهم في الدعوة، ومنه رفق إبراهيم مع أبيه رغم كفره وجفاء قوله، يقول تَعَالَى: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (٤٢) يَاأَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا (٤٣) يَاأَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا (٤٤) يَاأَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا (٤٥) قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَاإِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (٤٦) قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ [مريم: ٤٢ - ٤٧]. قال الشنقيطي ﵀: «بيَّن الله في هاتين الآيتين الكريمتين أن إبراهيم لما نصح أباه النصيحة المذكورة مع ما فيها من الرفق واللين، وإيضاح الحق، والتحذير من عبادة ما لا يسمع ولا يُبصر، ومن عذاب الله تَعَالَى، وولاية الشيطان، خاطبه هذا الخطاب العنيف وسماه باسمه، ولم يقل له: يا بُنَي، في

стр. 1614

مقابلة قوله له: يا أبت، وأنكر عليه أنه راغب عن عبادة الأوثان، أي: مُعرض عنها لا يريدها؛ لأنه لا يعبد إلا الله وحده ، وهدده بأنه إن لم ينته عما يقوله له ليرجمنه، قيل: بالحجارة، وقيل: باللسان شتمًا، والأول أظهر، ثم أمره بهجره مليًّا، أي: زمانًا طويلًا، ثم بين أن إبراهيم قابل- أيضًا- جوابه العنيف بغاية الرفق واللين، في قوله: ﴿قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾ [مريم: ٤٧]» (١). الرفق بالحيوان والنبات ونحوه: ومن الرفق بالحيوان: أن يُدفع عنه أنواع الأذى، كالعطش والجوع، والمرض، والحمل الثقيل، فعن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «بَيْنَا رَجُلٌ يَمْشِي، فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ الْعَطَشُ، فَنَزَلَ بِئْرًا فَشَرِبَ مِنْهَا، ثُمَّ خَرَجَ فَإِذَا هُوَ بِكَلْبٍ يَلْهَثُ، يَأْكُلُ الثَّرَى مِنَ الْعَطَشِ، فَقَالَ: لَقَدْ بَلَغَ هَذَا مِثْلُ الَّذِي بَلَغَ بِي، فَمَلَأَ خُفَّهُ ثُمَّ أَمْسَكَهُ بِفِيهِ، ثُمَّ رَقِيَ فَسَقَى الْكَلْبَ، فَشَكَرَ اللهُ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَإِنَّ لَنَا فِي الْبَهَائِمِ أَجْرًا؟ قَالَ: فِي كُلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ» (٢). وعن سعيد بن جبير ﵀، قال: مَرَّ ابْنُ عُمَرَ بِفِتْيَانٍ مِنْ قُرَيْشٍ قَدْ نَصَبُوا طَيْرًا وَهُمْ يَرْمُونَهُ، وَقَدْ جَعَلُوا لِصَاحِبِ الطَّيْرِ كُلَّ خَاطِئَةٍ مِنْ نَبْلِهِمْ، فَلَمَّا رَأَوُا ابْنَ عُمَرَ تَفَرَّقُوا فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ مَنْ فَعَلَ هَذَا؟ لَعَنَ اللهُ مَنْ فَعَلَ هَذَا، إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَعَنَ مَنِ اتَّخَذَ شَيْئًا فِيهِ الرُّوحُ غَرَضًا» (٣).

стр. 1615

ومن الرفق بالنبات ونحوه قوله تَعَالَى: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦]. الأثر السابع: الحرص على نيل ثواب الرفق: الله سُبْحَانَهُ رفيق يحب الرفق، ويجازي عليه بثواب الدنيا والآخرة، ومن ذلك: - تحريم النار على كل ليِّن سهل رفيق: قوله ﷺ : «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِمَنْ يَحْرُمُ عَلَى النَّارِ أَوْ بِمَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ النَّارُ عَلَى كُلِّ قَرِيبٍ هَيِّنٍ سَهْلٍ» (١)، وفي رواية «قَرِيبٍ مِنَ النَّاسِ» (٢). - الخير الجزيل منه سُبْحَانَهُ: ففي الحديث: «مَنْ أُعْطِيَ حَظَّهُ مِنَ الرِّفْقِ فَقَدْ أُعْطِيَ حَظَّهُ مِنَ الخَيْرِ، وَمَنْ حُرِمَ حَظَّهُ مِنَ الرِّفْقِ فَقَدْ حُرِمَ حَظَّهُ مِنَ الخَيْرِ» (٣)، وقال ﷺ : «مَنْ يُحْرَمِ الرِّفْقَ يُحْرَمِ الْخَيْرَ» (٤)، ودعاؤه ﷺ لمن يتولى أمر المسلمين ويرفق بهم في قوله: «وَمَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَرَفَقَ بِهِمْ فَارْفُقْ بِهِ» (٥).
следующие страницы →