إِذَا غَضِبَتْ أَوْ أُسِيءَ إِلَيْهَا أَوْ غَضِبَ -أَيْ: زَوْجُهَا- قَالَتْ: هَذِهِ يَدِي فِي يَدِكَ لَا أَكْتَحِلُ بِغُمْضٍ حَتَّى تَرْضَى» (١).
الرفق بالأبناء، وفي ذلك روى أبى هريرة ﵁، أن الأقرع بن حابس ﵁ أبصر النبى ﷺ يقبِّل الحسن، فقال: إِنَّ لِي عَشَرَةً مِنَ الْوَلَدِ مَا قَبَّلْتُ مِنْهُمْ أَحَدًا، فَنَظَرَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، ثُمَّ قَالَ: مَنْ لَا يَرْحَمُ لَا يُرْحَمُ» (٢).
الرفق مع عامة الناس:
يقول ابن القيم ﵀: «من رفق بعباد الله رفق الله به، ومن رحمهم رحمه، ومن أحسن إليهم أحسن إليه، ومن جاد عليهم جاد الله عليه، ومن نفعهم نفعه، ومن سترهم ستره، ومن منعهم خيره منعه خيره، ومن عامل خلقه بصفة عامله الله بتلك الصفة بعينها في الدنيا والآخرة، فالله تَعَالَى لعبده حسب ما يكون العبد لخلقه» (٣)، وفي هذا المعنى شواهد نبوية كثيرة، منها:
قوله ﷺ لعائشة: «يَا عَائِشَةُ إِنَّ اللهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ، وَيُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ، وَمَا لَا يُعْطِي عَلَى مَا سِوَاهُ» (٤).
قوله ﷺ : «يَا عَائِشَةُ، إِنَّ الله رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الأَمْرِ كُلِّهِ» (٥).
стр. 1612
قوله ﷺ : «مَنْ أُعْطِيَ حَظَّهُ مِنَ الرِّفْقِ، فَقَدْ أُعْطِيَ حَظَّهُ مِنَ الْخَيْرِ، وَمَنْ حُرِمَ حَظَّهُ مِنَ الرِّفْقِ فَقَدْ حُرِمَ حَظَّهُ مِنَ الْخَيْرِ» (١).
قوله ﷺ : «الأَنَاةُ مِنَ الله، وَالعَجَلَةُ مِنَ الشَّيْطَانِ» (٢).
الرفق بمن أساء:
كان الصحابة رضوان الله عليهم والسلف الصالح يتعاملون بالرفق مع من يسيئون إليهم، يقول عبد الله بن عباس ﵄ لرجل سَبَّهُ-: «يا عكرمة، هل للرجل حاجة فنقضيها؟ فَنَكَّسَ الرجل رأسه، واستحى مما رأى من حلمه عليهِ» (٣)، وعن علي بن الحسين ﵁: «أن رجلًا سَبَّهُ فرمى إليه بخميصة كانت عليه، وأمر له بألف درهم، فقال بعضهم: جمع له خمس خصال محمودة: الحلم وإسقاط الأذى وتخليص الرجل مما يبعده عن الله ، وحمله على الندم والتوبة ورجوعه إلى مدحٍ بعد الذم، اشترى جميع ذلك بشيء من الدنيا يسير» (٤).
ويدخل هنا- أيضًا- الرفق والإحسان في الدعوة إلى الله، أو التعامل مع المخالف، يقول سُبْحَانَهُ في بيان هذه العلة: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، ويقول تَعَالَى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ
стр. 1613
وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥]، وعن عبد الله بن مسعود ﵁، قال: «إِذَا رَأَيْتُمْ أَخَاكُمْ قَارَفَ ذَنْبًا، فَلَا تَكُونُوا أَعْوَانًا لِلشَّيْطَانِ عَلَيْهِ، أَنْ تَقُولُوا: اللَّهُمَّ أَخْزِهِ، اللَّهُمَّ الْعَنْهُ، وَلَكِنْ سَلُوا اللَّهَ الْعَافِيَةَ، فَإِنَّا أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ ﷺ كُنَّا لَا نَقُولُ فِي أَحَدٍ شَيْئًا، حَتَّى نَعْلَمَ عَلَى مَا يَمُوتُ، فَإِنْ خُتِمَ لَهُ بِخَيْرٍ عَلِمْنَا - أَوْ قَالَ: رَجَوْنَا - أَنْ يَكُونَ قَدْ أَصَابَ خَيْرًا، وَإِنْ خُتِمَ لَهُ بِشَرٍّ، خِفْنَا عَلَيْهِ عَمَلَهُ» (١).
وعليه فالرفق في الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر متعيِّن، وهو وظيفة الأنبياء والرسل ومنهجهم جميعهم في الدعوة، ومنه رفق إبراهيم مع أبيه رغم كفره وجفاء قوله، يقول تَعَالَى: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (٤٢) يَاأَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا (٤٣) يَاأَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا (٤٤) يَاأَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا (٤٥) قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَاإِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (٤٦) قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ [مريم: ٤٢ - ٤٧].
قال الشنقيطي ﵀: «بيَّن الله في هاتين الآيتين الكريمتين أن إبراهيم لما نصح أباه النصيحة المذكورة مع ما فيها من الرفق واللين، وإيضاح الحق، والتحذير من عبادة ما لا يسمع ولا يُبصر، ومن عذاب الله تَعَالَى، وولاية الشيطان، خاطبه هذا الخطاب العنيف وسماه باسمه، ولم يقل له: يا بُنَي، في
стр. 1614
مقابلة قوله له: يا أبت، وأنكر عليه أنه راغب عن عبادة الأوثان، أي: مُعرض عنها لا يريدها؛ لأنه لا يعبد إلا الله وحده ، وهدده بأنه إن لم ينته عما يقوله له ليرجمنه، قيل: بالحجارة، وقيل: باللسان شتمًا، والأول أظهر، ثم أمره بهجره مليًّا، أي: زمانًا طويلًا، ثم بين أن إبراهيم قابل- أيضًا- جوابه العنيف بغاية الرفق واللين، في قوله: ﴿قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾ [مريم: ٤٧]» (١).
الرفق بالحيوان والنبات ونحوه:
ومن الرفق بالحيوان: أن يُدفع عنه أنواع الأذى، كالعطش والجوع، والمرض، والحمل الثقيل، فعن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «بَيْنَا رَجُلٌ يَمْشِي، فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ الْعَطَشُ، فَنَزَلَ بِئْرًا فَشَرِبَ مِنْهَا، ثُمَّ خَرَجَ فَإِذَا هُوَ بِكَلْبٍ يَلْهَثُ، يَأْكُلُ الثَّرَى مِنَ الْعَطَشِ، فَقَالَ: لَقَدْ بَلَغَ هَذَا مِثْلُ الَّذِي بَلَغَ بِي، فَمَلَأَ خُفَّهُ ثُمَّ أَمْسَكَهُ بِفِيهِ، ثُمَّ رَقِيَ فَسَقَى الْكَلْبَ، فَشَكَرَ اللهُ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَإِنَّ لَنَا فِي الْبَهَائِمِ أَجْرًا؟ قَالَ: فِي كُلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ» (٢).
وعن سعيد بن جبير ﵀، قال: مَرَّ ابْنُ عُمَرَ بِفِتْيَانٍ مِنْ قُرَيْشٍ قَدْ نَصَبُوا طَيْرًا وَهُمْ يَرْمُونَهُ، وَقَدْ جَعَلُوا لِصَاحِبِ الطَّيْرِ كُلَّ خَاطِئَةٍ مِنْ نَبْلِهِمْ، فَلَمَّا رَأَوُا ابْنَ عُمَرَ تَفَرَّقُوا فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ مَنْ فَعَلَ هَذَا؟ لَعَنَ اللهُ مَنْ فَعَلَ هَذَا، إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَعَنَ مَنِ اتَّخَذَ شَيْئًا فِيهِ الرُّوحُ غَرَضًا» (٣).
стр. 1615
ومن الرفق بالنبات ونحوه قوله تَعَالَى: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦].
الأثر السابع: الحرص على نيل ثواب الرفق:
الله سُبْحَانَهُ رفيق يحب الرفق، ويجازي عليه بثواب الدنيا والآخرة، ومن ذلك:
- تحريم النار على كل ليِّن سهل رفيق:
قوله ﷺ : «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِمَنْ يَحْرُمُ عَلَى النَّارِ أَوْ بِمَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ النَّارُ عَلَى كُلِّ قَرِيبٍ هَيِّنٍ سَهْلٍ» (١)، وفي رواية «قَرِيبٍ مِنَ النَّاسِ» (٢).
- الخير الجزيل منه سُبْحَانَهُ:
ففي الحديث: «مَنْ أُعْطِيَ حَظَّهُ مِنَ الرِّفْقِ فَقَدْ أُعْطِيَ حَظَّهُ مِنَ الخَيْرِ، وَمَنْ حُرِمَ حَظَّهُ مِنَ الرِّفْقِ فَقَدْ حُرِمَ حَظَّهُ مِنَ الخَيْرِ» (٣)، وقال ﷺ : «مَنْ يُحْرَمِ الرِّفْقَ يُحْرَمِ الْخَيْرَ» (٤)، ودعاؤه ﷺ لمن يتولى أمر المسلمين ويرفق بهم في قوله: «وَمَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَرَفَقَ بِهِمْ فَارْفُقْ بِهِ» (٥).
стр. 1616
- الرفق يزين الأشياء كلها:
ففي الحديث: «مَا كَانَ الفُحْشُ فِي شَيْءٍ إِلاَّ شَانَهُ، وَمَا كَانَ الحَيَاءُ فِي شَيْءٍ إِلاَّ زَانَهُ» (١)، فالنفوس تنشرح للرفق وتأنس به.
- الرفق سبب في لين القلب:
فقد شكا رجل إلى رسول الله ﷺ قسوة قلبه، فقال له: «إِنْ أَرَدْتَ أَنْ يَلِينَ قَلْبُكَ فَأَطْعِمِ الْمِسْكِينَ، وَامْسَحْ رَأْسَ الْيَتِيمِ» (٢).
فاللهم ارزقنا الرفق في الأمور كلها، وارفُق بنا، واشملنا بعطفك ورحمتك وغفرانك، اللهم ارزقنا الحلم والأناة، واهدنا إلى ما تحبه من الأعمال والأخلاق.
стр. 1617
السُبُّوح القُدُّوس ﷻ -
المعنى اللغوي:
أولًا: (السبوح):
قال الجوهري ﵀: « … والتسبيح: التنزيه، وسبحان الله، معناه: التنزيه لله، نصب على المصدر، كأنه قال: أبرئ الله من السوء براءة، والعرب تقول: سبحان من كذا، إذا تعجبت منه … وسبوح من صفات الله، قال ثعلب: كل اسم على (فعول) فهو مفتوح الاول، إلا السبوح والقدوس، فإن الضم فيهما أكثر» (١).
قال ابن فارس ﵀: «(سبح) السين والباء والحاء أصلان … ومن الباب التسبيح، وهو تنزيه الله جل ثناؤه من كل سوء، والتنزيه: التبعيد، والعرب تقول: سبحان من كذا، أي: ما أبعده … وفي صفات الله : سبوح، واشتقاقه من الذي ذكرناه أنه تنزه من كل شيء لا ينبغي له» (٢).
стр. 1618
ثانيًا: (القدوس):
قال الجوهري ﵀: «والقدوس: اسم من أسماء الله تَعَالَى، وهو فعول من القدس، وهو الطهارة» (١).
- قال ابن فارس ﵀: «القاف والدال والسين أصل صحيح، وأظنه من الكلام الشرعي الإسلامي، وهو يدل على الطهر، ومن ذلك الأرض المقدسة هي المطهرة، وتسمى الجنة: حظيرة القدس، أي: الطهر، وجبرئيل ﵇ روح القدس، وكل ذلك معناه واحد، وفي صفة الله تَعَالَى: القدوس، وهو ذلك المعنى؛ لأنه منزه عن الأضداد والأنداد، والصاحبة والولد، تَعَالَى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا» (٢).
ورود اسم الله (السبوح القدوس) في القرآن الكريم:
أولًا: ورود اسم الله السبوح:
لم يرد اسم الله (السبوح) في القرآن.
ثانيًا: ورود اسم الله القدوس:
ورد اسمه سُبْحَانَهُ (القدوس) مرتين في كتاب الله، وهما:
قوله : ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الحشر: ٢٣].
стр. 1619
قوله : ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [الجمعة: ١]
ورود اسم الله (السبوح القُدُّوس) في السنة النبوية:
أولًا: ورد اسم الله السبوح في السنة، مقرونًا باسمه القدوس في حديث عائشة: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ رَبُّ الْمَلَائِكَةِ وَالرُّوحِ» (١).
ثانيًا: ورد اسم الله (القدوس).
من وروده ما يلي:
حديث عائشة ﵂ السابق.
حديث أبي بن كعب ﵁، قال: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا سَلَّمَ فِي الْوَتْرِ، قَالَ: سُبْحَانَ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ» (٢).
حديث عائشة ﵂، لما سئلت بِمَ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَفْتَتِحُ إِذَا هَبَّ مِنَ اللَّيْلِ؟ فَقَالَتْ: «لَقَدْ سَأَلْتَنِي عَنْ شَيْءٍ مَا سَأَلَنِي عَنْهُ أَحَدٌ قَبْلَكَ، كَانَ إِذَا هَبَّ مِنَ اللَّيْلِ كَبَّرَ عَشْرًا وَحَمِدَ عَشْرًا، وَقَالَ: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ عَشْرًا وَقَالَ: سُبْحَانَ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ عَشْرًا وَاسْتَغْفَرَ عَشْرًا، وَهَلَّلَ عَشْرًا، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ ضِيقِ الدُّنْيَا، وَضِيقِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ عَشْرًا ثُمَّ يَفْتَتِحُ الصَّلَاةَ» (٣).
стр. 1620
ثبوت اسم الله (السبوح) في حق الله تعالى:
من العلماء الذين أثبتوا اسم الله السبوح (١) في حق الله تعالى:
النووي ﵀: في قوله: «السبوح القدوس المسبح المقدس، فكأنه قال: مسبَّح مقدَّس، رب الملائكة والروح، ومعنى سُبُّوح: المبرأ من النقائص والشريك وكل ما لا يليق بالإلهية» (٢).
ابن عثيمين ﵀: فقد عده من الأسماء المثبتة بالسنة النبوية (٣).
معنى اسم الله (السُّبُّوح القُدُّوس):
أولًا: (السُّبُّوح):
قال الطبري ﵀: « … قولهم: (سبوح قدوس)، يعني بقولهم: (سبوح)، تنزيه لله … فمعنى قول الملائكة إذًا: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾ [البقرة: ٣٠]: ننزهك ونبرئك مما يضيفه إليك أهل الشرك بك، ونصلي لك» (٤).
قال الخطابي ﵀: «السبوح: المنزه عن كل عيب، جاء بلفظ: فعول من قولك: سبحت الله؛ أي: نزهته، وقد روي عن النبي ﷺ : أنه سئل عن تفسير قوله: سبحان الله فقال: (إنكاف الله من كل سوء)؛ أي: تنزيهه» (٥).
стр. 1621
قال الحَليمي ﵀: «ومنها السبوح: ومعناه: المنزه عن المصائب، والصفات التي تعتور المحدثين من ناحية الحدث، والتسبيح التنزيه» (١).
قال النووي ﵀: «السبوح القدوس المسبح المقدس، فكأنه قال: مُسبَّح مُقَدَّس، رب الملائكة والروح، ومعنى سبوح: المبرأ من النقائص والشريك وكل ما لا يليق بالإلهية» (٢).
ثانيًا: القدوس:
يدور اسم الله القدوس في حق الله - تَعَالَى - على معنين:
١ - الطاهر من الأدناس والنقائص والمعايب.
٢ - المبارك ذي الخير الواسع العظيم.
ومن الأقوال في المعنى الأول:
قال الطبري ﵀: «والتقديس هو التطهير والتعظيم، فمعنى قول الملائكة: ﴿وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ [البقرة: ٣٠]: ننسبك إلى ما هو من صفاتك، من الطهارة من الأدناس وما أضاف إليك أهل الكفر بك» (٣).
قال الخطابي ﵀: «القدوس: هو الطاهر من العيوب، المنزه عن الأنداد، والأولاد» (٤).
стр. 1622
قال البيهقي ﵀: «القدوس: هو الطاهر من العيوب، المنزه عن الأولاد والأنداد، وهذه صفة يستحقها بذاته» (١).
قال البغوي ﵀: «(القدوس) الطاهر من كل عيب، المنزه عما لا يليق به» (٢).
قال ابن القيم ﵀: «(القدوس): المنزه من كل شر ونقص وعيب، كما قال أهل التفسير: هو (الطاهر) من كل عيب المنزه عما لا يليق به، وهذا قول أهل اللغة» (٣).
قال السعدي ﵀: «ومن أسمائه: (القدوس) (السلام) أي: المعظم المنزه عن صفات النقص كلها، وعن أن يماثله أحد من الخلق، فهو المتنزه عن جميع العيوب، والمتنزه عن أن يقاربه، أو يماثله أحد في شيء من الكمال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤]، ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥]، ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ [البقرة: ٢٢]، فـ (القدوس) كـ (السلام) ينفيان كل نقص من جميع الوجوه، ويتضمنان الكمال المطلق من جميع الوجوه؛ لأن النقص إذا انتفى ثبت الكمال كله» (٤).
стр. 1623
- قال ابن القيم ﵀ في نونيته:
هَذَا وَمِنْ أَوْصَافِهِ القُدُّوسُ ذُو التَّـ … ـنْزِيهِ بِالتَّعْظِيمِ لِلرَّحْمَنِ (١)
من الأقوال في المعنى الثاني:
قال قتادة ﵀: «القدوس أي: المبارك» (٢).
قال الزجاج ﵀: «والقدوس: المبارك» (٣).
قال ابن كثير ﵀: «قال مجاهد، وقتادة: أي: المبارك» (٤).
الفرق بين السُّبُّوح والقُدُّوس:
اختلفت أقوال أهل العلم ﵏ في التفريق بينهما، ومن هذه الأقوال:
١ - أن التسبيح تنزيه الله وتبرئته مما أضافه إليه أهل الشرك، والتقديس نسبته سُبْحَانَهُ إلى ما هو من صفاته من الطهارة من الأدناس، وما أضافه إليه أهل الكفر به. قاله الطبري (٥).
٢ - قال الحليمي ﵀: «القدوس: ومعناه الممدوح بالفضائل والمحاسن، والتقديس مضمن في صريح التسبيح، والتسبيح مضمن في صريح التقديس؛ لأن نفي المذام إثبات للمدائح، … إلا أن قولنا: هو كذا ظاهرة
стр. 1624
التقديس، وقولنا: ليس بكذا ظاهرة التسبيح؛ لأن التسبيح موجود في ضمن التقديس، والتقديس موجود في ضمن التسبيح، وقد جمع الله ﵎ بينهما في سورة الإخلاص، فقال عز اسمه: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: ١ - ٢]، فهذا تقديس، ثم قال: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٣ - ٤]. فهذا تسبيح» (١).
٣ - أن التسبيح يكون بالقول والعمل، وأما التقديس فيكون بالاعتقاد.
قال ابن عاشور ﵀: «فمعنى ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ [البقرة: ٣٠]: نحن نعظمك وننزهك، والأول بالقول والعمل، والثاني باعتقاد صفات الكمال المناسبة للذات العلية، فلا يتوهم التكرار بين (نسبح) و (نقدس)» (٢).
٤ - التسبيح يختص بالله ، بخلاف التقديس، فيستعمل في حق الآدميين، فيقال: فلان رجل مقدَّس إذا أريد تبعيده عن مسقطات العدالة ووصفه بالخبر، ولا يقال: رجل مسبَّح، بل ربما يستعمل في غير ذوي العقول، قال تَعَالَى: ﴿ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ﴾ [المائدة: ٢١] أي: أرض الشام (٣).
стр. 1625
اقتران اسم الله (القُدُّوس) بأسمائه الأخرى في القرآن الكريم:
أولًا: اقترن اسم الله (القدوس) باسم الله (الملك):
ورد اقتران هذين الاسمين الجليلين في كتاب الله في موضعين، هما:
قوله تَعَالَى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ
الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾
[الحشر: ٢٣].
قوله تَعَالَى: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [الجمعة: ١].
وجه الاقتران:
أن ملكه جل في علاه لا يمثل ملوك الدنيا؛ فقد تنزه عما في ملكهم من النقائص والمعايب (١).
ثانيًا: اقترن اسم الله (القدوس) باسم الله (السلام):
تقدم بيانه في اسم الله (السلام).
стр. 1626
الآثار المسلكية للإيمان باسم الله السبوح القدوس:
الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (السبوح القدوس) من صفاته سُبْحَانَهُ:
الله تَعَالَى هو السبوح القدوس في أسمائه وصفاته وأفعاله وأقواله؛ فأسماؤه كلها حسنى لا عيب فيها، وصفاته كلها عليا لا نقص فيها، وأفعاله كلها حكمة لا شر فيها، وأقواله كلها فصل لا هزل فيها ﴿إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ (١٣) وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ﴾ [الطارق: ١٣ - ١٤].
برأ من كل نقص وعيب، وتنزه عن كل ما لا يليق بجلاله، قال تَعَالَى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الحشر: ٢٣].
ومجموع ما تنزه عنه ﵎ شيئان:
١ - تنزهه جل في علاه عن كل ما ينافي صفات كماله، فإن له المنتهى في كل صفة كمال.
فهو السبوح القدوس الحي القيوم الذي تنزه عن ضدها من الموت والفناء، والسنة، والنوم، قالتَعَالَى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٨]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وقال: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٦ - ٢٧]، وقال النبي ﷺ : «إِنَّ اللهَ لَا يَنَامُ، وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ» (١).
стр. 1627
وهو السبوح القدوس العليم الذي تنزه عن الجهل، والنسيان والغفلة، وأن يعزب عنه شيء في السموات والأرض، قال تَعَالَى: ﴿وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ [إبراهيم: ٣٨]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [يونس: ٦١]، وقال: ﴿لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾ [طه: ٥٢].
وهو السبوح القدوس القادر القدير الذي تنزه عن العجز، والتعب، والإعياء، قال تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ [فاطر: ٤٤]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وقال: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق: ٣٨]، وقال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [الأحقاف: ٣٣].
وهو السبوح القدوس الحكيم الذي تنزه عن العبث والسفه، أو أن يفعل أو يشرع ما ينافي الحكمة، قال تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: ١٩١]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (٣٨) مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الدخان: ٣٨ - ٣٩]، وقال: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾ [المؤمنون: ١١٥، ١١٦].
وهو السبوح القدوس الغني الذي تنزه عن الفقر والفاقة، قال تَعَالَى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا﴾ [آل
عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٠]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦]، وفي الحديث القدسي:
«يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا» (١).
وهو السبوح القدوس الحق الذي تنزه كلامه عن الكذب والباطل، قال تَعَالَى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٨٧]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء: ١٢٢]، وقال: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢].
وهكذا في جميع صفاته منزه عن كل ما ينافيها ويضادها.
٢ - تنزهه جل في علاه عن مماثلة أحد من خلقه، قال تَعَالَى: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، وقال تَعَالَى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤]؛ فالمخلوقات كلها وإن عظمت وشرفت وبلغت المنتهى من العظمة والكمال اللائق بها؛ فليس شيء منها يقارب أو يداني الباري جل في علاه، بل جميع صفاتهم تضمحل إذا نسبت إلى صفات باريها وخالقها، بل جميع ما فيها من الكمالات هو الذي أعطاها إياها؛ فهو الذي خلق فيها العقول والسمع والأبصار والقوى الظاهرة والباطنة، وهو الذي علمها وألهمها، وهو الذي نماها ظاهرًا وباطنًا وكملها، فتَعَالَى وتقدس وتنزه.
стр. 1630
وبهذا تنزه ﷻ عن أن يكون له شريك في عبادته، قال تَعَالَى: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣١]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الطور: ٤٣]، وقال: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس: ١٨].
فتبارك السبوح القدوس الذي لما انتفى عنه كل نقص ثبت له كل كمال؛ فكملت أوصافه وكثرت خيراته (١)، ولو تتبع المتتبع أوجه كماله وتسبيحه وتقديسه محاولًا استقصائها ما استطاع إلى ذلك سبيلًا؛ لأنها لا نهاية لها، كما قال النبي ﷺ : «لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ» (٢)، فشأنه وعظمته ونعوت كماله وصفاته أعظم وأجل من أن يحصيها أحد من الخلق، أو أن يبلغ أحد حقيقة الثناء عليه غيره سُبْحَانَهُ (٣).
الأثر الثاني: دلالة اسم الله (السبوح القدوس) على التوحيد:
إذا علم العبد معنى اسم الله ﷻ (السبوح القدوس) وما فيهما من تنزيه الرب ﵎ عن النقائص والمعايب وعن كل ما لا يليق بجلاله، فعليه أن يعلم أن تسبيحه وتقديسه إنما يكون مع إثبات المحامد وصفات الكمال له سُبْحَانَهُ؛ وذلك لأن «النفي ليس فيه مدح ولا كمال، إلا إذا تضمن إثباتًا، وإلا
стр. 1631
فمجرد النفي ليس فيه مدح ولا كمال، لأن النفي المحض عدم محض، والعدم المحض ليس بشيء، وما ليس بشيء هو كما قيل ليس بشيء، فضلًا عن أن يكون مدحًا أو كمالًا، ولأن النفي المحض يوصف به المعدوم والممتنع، والمعدوم والممتنع لا يوصف بمدح ولا كمال.
فلهذا كان عامة ما وصف الله به نفسه من النفي متضمنًا لإثبات مدح، كقوله: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥] إلى قوله: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ [البقرة: ٢٥٥] فَنَفْيُ السِّنةِ والنومِ يتضمن كمال الحياة والقيام، فهو مبيِّن لكمال أنه الحي القيوم … » (١).
ومن هنا يُعلم أن ما يفعله المعطلة من أهل البدع من النفي المحض، والتعطيل للصفات عن معانيها وحقائقها بحجة التسبيح والتقديس، إنما هو في الحقيقة جحود وإنكار، وضلال وبهتان، نزه الله نفسه عنه بقوله: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٨٠ - ١٨١] فسبَّح نفسه عما وصفه المخالفون للرسل، وسلَّم على المرسلين لسلامة ما قالوه في حقه سُبْحَانَهُ (٢).
ولا بد أن يعلم أن التنزيه عن النقائص، وإثبات الكمال إنما يكون على وفق دلائل الكتاب والسنة، وفي ضوء فهم سلف الأمة، لا على الأهواء
стр. 1632
المجردة أو الظنون الفاسدة أو الأقيسة العقلية الكاسدة، وهذه حقيقة توحيد الأسماء والصفات (١).
ثم إن تنزيهه ﵎ شامل لتنزيهه عن الشريك في الربوبية، فلا رب ولا خالق ولا رازق ولا نافع ولا ضار ولا محي ولا مميت معه، قال تَعَالَى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الروم: ٤٠]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ٣]، وقال: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ [لقمان: ١١].
وشامل أيضًا لتنزيهه عن الشريك في الألوهية، فلا إله حق إلا هو، قال تَعَالَى: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣١]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الطور: ٤٣]، وقال: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣١].
وبهذا كان اسم الله (السبوح القدوس) دالًّا على أقسام التوحيد الثلاثة.
стр. 1633
الأثر الثالث: تنزيه العبد لله السبوح القدوس:
الله قدوس سبوح، يحب من عباده أن ينزهوه في أقواله، وأفعاله، وأسمائه وصفاته عن كل نقص وعيب، ويتعبدوا له سُبْحَانَهُ بذلك.
ولهذا التنزيه صور عدة، منها:
١ - تنزيه الله عن الشريك، والند، والمثيل، والصاحبة، والولد، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [سورة الإخلاص].
٢ - تنزيه الله عن العدم، بإثبات ما أثبته الله لنفسه أو أثبته له رسوله ﷺ ، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، فجمع بين نفي مماثلة المخلوقات، وإثبات الصفات، فدل على أن تنزيهه لا يعني نفي الصفات والأفعال التي أثبتها لنفسه (١).
٣ - تنزيه حكم الله الشرعي عن النقص والعيب، واعتقاد كماله؛ تصديقًا لقوله سُبْحَانَهُ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣].
٤ - تنزيه الله عن أن يظن به سوءًا، أو يظن به ما لا يليق بحمده وحكمته ورحمته وعلمه؛ فإن هذا من شأن الكافرين والمنافقين، قال تَعَالَى: ﴿وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [آل عمران: ١٥٤]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ
стр. 1634
السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [الفتح: ٦]، وقال: ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا﴾ [الفتح: ١٢].
قال ابن القيم ﵀ معلقًا على آية الفتح، ومستعرضًا لبعض صور سوء الظن بالله تَعَالَى المنافية لتنزيهه سُبْحَانَهُ: «وإنما كان هذا ظن السوء، وظن الجاهلية المنسوب إلى أهل الجهل، وظن غير الحق؛ لأنه ظن غير ما يليق بأسمائه الحسنى وصفاته العليا وذاته المبرأة من كل عيب وسوء، بخلاف ما يليق بحكمته وحمده وتفرده بالربوبية والإلهيه، وما يليق بوعده الصادق الذي لا يخلفه، وبكلمته التي سبقت لرسله أنه ينصرهم ولا يخذلهم، ولجنده بأنهم هم الغالبون، فمن ظن بأنه لا ينصر رسوله، ولا يتم أمره، ولا يؤيده ويؤيد حزبه، ويعليهم ويظفرهم بأعدائه، ويظهرهم عليهم، وأنه لا ينصر دينه وكتابه، وأنه يديل الشرك على التوحيد، والباطل على الحق، إدالة مستقرة يضمحل معها التوحيد والحق، اضمحلالًا لا يقوم بعده أبدًا- فقد ظن بالله ظن السوء، ونسبه إلى خلاف ما يليق بكماله وجلاله وصفاته ونعوته، فإن حمده وعزته وحكمته وإلهيته تأبى ذلك، وتأبى أن يذل حزبه وجنده، وأن تكون النصرة المستقرة والظفر الدائم لأعدائه المشركين به، فمن ظن به ذلك فما عرفه ولا عرف أسماءه ولا عرف صفاته وكماله، وكذلك من أنكر أن يكون ذلك بقضائه وقدره، فما عرفه ولا عرف ربوبيته وملكه وعظمته، وكذلك من أنكر أن يكون قدر ما قدره من ذلك وغيره لحكمة بالغة وغاية محمودة يستحق الحمد عليها، وأن ذلك إنما صدر عن مشيئة مجردة عن حكمة وغاية مطلوبة هي أحب إليه من فوتها، وأن تلك الأسباب المكروهة المفضية إليها لا يخرج
стр. 1635
تقديرها عن الحكمة؛ لإفضائها إلى ما يحب، وإن كانت مكروهة له فما قدرها سدى، ولا أنشأها عبثًا، ولا خلقها باطلًا، ﴿ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ [ص: ٢٧].
وأكثر الناس يظنون بالله غير الحق ظن السوء فيما يختص بهم، وفيما يفعله بغيرهم، ولا يسلم عن ذلك إلا من عرف الله وعرف أسماءه وصفاته، وعرف موجب حمده وحكمته.
الأثر الرابع: المحبة للسبوح القدوس:
إذا آمن العبد باسم الله السبوح القدوس، وتدبر ما فيه من كمال، وتعالٍ عن النقائص والمعايب، أورثه ذلك محبته وإجلاله؛ لأن النفوس جبلت على محبة من اتصف بالكمال، ثم هذه المحبة تورث حلاوة في القلب، ونورًا في الصدر، وهذا هو النعيم الدنيوي الحقيقي الذي يصغر بجانبه كل نعيم.
الأثر الخامس: التسبيح لله تَعَالَى وتقديسه ﷻ -:
الله ﷻ لكماله وعظمته وسعة سلطانه لهج ويلهج على الدوام جميعُ ما في السماوات والأرض من الحيوانات الناطقة، والصامتة، والأشجار والنبات، والجوامد، والأحياء، والأموات؛ بالتسبيح والتقديس له بمختلف اللغات، وأنواع الأصوات، قال تَعَالَى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [الإسراء: ٤٤]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [الجمعة: ١]، وقال: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الحديد: ١] (١).
стр. 1636
وهذا التسبيح تسبيح حقيقي يصدر من الكائنات، بحسب ما يليق بحالها دون أن يفقهه الناس أو يسمعونه، كما قال تَعَالَى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤] (١).
قال السعدي ﵀: «كل له صلاة وعبادة بحسب حاله اللائقة به، وقد ألهمه الله تلك الصلاة والتسبيح، إما بواسطة الرسل، كالجن والإنس والملائكة، وإما بإلهام منه تَعَالَى، كسائر المخلوقات غير ذلك» (٢).
فسبحه وقدسه أولياءه، وأهل طاعته من الملائكة والإنس والجن.
فأما ملائكته فتسبيحهم في جميع الأوقات بلا ملل ولا توقف، قال تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٠]، وقال: ﴿فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ﴾ [فصلت: ٣٨]، وقال: ﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ [الزمر: ٧٥] (٣).
وأما الإنس: فعلى رأسهم الأنبياء ﵈، وقد حكى الله لنا تسبيحهم في كتابه، فقال: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ [المائدة: ١١٦]،
وذكر الله تسبيح الصالحين ممن هم دون أنبيائه، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا﴾ [الإسراء: ١٠٧، ١٠٨]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ [النور: ٣٦ - ٣٧].
وأما الجن فحكى الله تنزيههم له عن الصاحبة والولد، قال تَعَالَى: ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا﴾ [الجن: ٣].
وسبحه وقدسه الرعد بحمده، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ﴾ [الرعد: ١٣].
وسبحه وقدسه الجبال الصم، والطير البهم، قال تَعَالَى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٩]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ (١٨) وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: ١٨ - ١٩]، وقال: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ [النور: ٤١].
وسبَّحه وقدَّسه الطعامُ، والحصى الصغارُ، كما قال ابن مسعود ﵁: «وَلَقَدْ كُنَّا نَسْمَعُ تَسْبِيحَ الطَّعَامِ وَهُوَ يُؤْكَلُ» (١)، أي: في عهد رسول الله ﷺ ، وقال أبو ذر ﵁: «إِنِّي لَشَاهِدٌ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ
стр. 1639
فِي حَلْقَةٍ، وَفِي يَدِهِ حَصًى، فَسَبَّحْنَ فِي يَدِهِ، وَفِينَا أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ، فَسَمِعَ تَسْبِيحَهُنَّ مَنْ فِي الْحَلْقَةِ، ثُمَّ دَفَعَهُنَّ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى أَبِي بَكْرٍ، فَسَبَّحْنَ مَعَ أَبِي بَكْرٍ، سَمِعَ تَسْبِيحَهُنَّ مَنْ فِي الْحَلْقَةِ، ثُمَّ دُفِعْنَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَسَبَّحْنَ فِي يَدِهِ، ثُمَّ دَفَعَهُنَّ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى عُمَرَ، فَسَبَّحْنَ فِي يَدِهِ، وَسَمِعَ تَسْبِيحَهُنَّ مَنْ فِي الْحَلْقَةِ، ثُمَّ دَفَعَهُنَّ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، فَسَبَّحْنَ فِي يَدِهِ، ثُمَّ دَفَعَهُنَّ إِلَيْنَا، فَلَمْ يُسَبِّحْنَ مَعَ أَحَدٍ مِنَّا» (١).
وقال عكرمة ﵀: «الأسطوانة تسبح، والشجرة تسبح» (٢).
وقال بعض السلف: «إن صرير الباب تسبيحه، وخرير الماء تسبيحه، قال الله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤]» (٣).
وهذا التسبيح من المخلوقات لا سيما غير المكلف منها، يدعو المكلف للانضمام إلى هذه العوالم ومشاركتها بالتسبيح والتقديس، وسيتناول الملحق- بإذن الله- ما يعين على هذا.
стр. 1640
«التسبيح والتقديس»
في موضوع «التسبيح والتقديس» سنتطرق للمسائل التالية:
أولًا: تعريف التسبيح والتقديس:
فسر السلف ﵃ التسبيح، بتنزيه الله عن كل ما لا يليق به.
قال ابن عباس ﵄: «تنزيه الله نفسه عن السوء» (١).
قال ميمون بن مهران ﵀: «(سُبْحَانَ اللَّهِ) اسْمٌ يُعَظَّمُ اللَّهُ بِهِ وَيُحَاشَى بِهِ مِنَ السُّوءِ» (٢).
قال أبو عبيدة معمر بن المثنى ﵀: «(سبحان الله) تنزيه الله وتبرئته» (٣).
ونحوه معنى التقديس، قال ابن عباس ﵄: «ونقدس لك، أي: نثني عليك بالقدس والطهارة عما لا يليق بعظمتك وجلالك» (٤).
قال الطبري ﵀: «ننسبك إلى ما هو من صفاتك من الطهارة من الأدناس، وما أضاف إليك أهل الكفر بك» (٥)(٦).
стр. 1641
قال البغوي ﵀: «ونقدس لك، أي: نثني عليك بالقدس والطهارة عما لا يليق بعظمتك وجلالك، وقيل: ونطهر أنفسنا لطاعتك، وقيل: وننزهك» (١).
ثانيًا: فضل التسبيح (٢)؟
شرع الله لعباده تسبيحه، وعظم سُبْحَانَهُ شانه؛ فجعله من أفضل العبادات الموصلة إليه، ومن أجلِّ القربات التي يتقرب بها إليه، ونوع الدلائل من الكتاب والسنة في بيان فضله، وعظيم شأنه، ورفيع مكانته، وجزيل ثواب أهله، وبيان هذه الفضائل على النحو الآتي:
أن الله كرر ذكر التسبيح في القرآن بصيغ مختلفة وأساليب متنوعة، فورد التسبيح في القرآن أكثر من ثمانين مرة، تارة بصيغة الأمر، كقوله تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤١ - ٤٢]، وتارة بصيغة الماضي، كما في قوله: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الحديد: ١]، وتارة بالمضارع كقوله: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التغابن: ١]، وتارة بلفظ المصدر كقوله: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يس: ٣٦].
وقال بعض أهل العلم: «والتسبيح ورد في القرآن على نحو من ثلاثين وجهًا، ستة منها للملائكة، وتسعة لنبينا محمد ﷺ ، وأربعة لغيره
стр. 1642
من الأنبياء، وثلاثة للحيوانات والجمادات، وثلاثة للمؤمنين خاصة، وستة لجميع الموجودات.
أما التي للملائكة، فمنها قوله تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا﴾ [غافر: ٧] … ، وأما التي لنبينا ﷺ فمنها قوله تَعَالَى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (٩٨) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٨ - ٩٩] … ، وأما التي للأنبياء فقول الله تَعَالَى لزكريا ﵇: ﴿وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ [آل عمران: ٤١] … ، وأما التي للمؤمنين فقوله تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤١ - ٤٢] … ، وأما التي في الحيوانات والجمادات فمنها قوله تَعَالَى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [الإسراء: ٤٤] … ، وأما التي لعموم المخلوقات فمنها قوله تَعَالَى: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الحشر: ١] … »، ولا شك أن هذا التكرار والتنويع دال على جلالة قدر التسبيح، وعظم شأنه في الدين» (١).
أن الله جعله من سنة رسول الله ﷺ الذي أمرنا بالاقتداء به؛ فعن عائشة ﵂ لما سئلت: بِمَ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَفْتَتِحُ إِذَا هَبَّ مِنَ اللَّيْلِ،؟ فَقَالَتْ: «لَقَدْ سَأَلْتَنِي عَنْ شَيْءٍ مَا سَأَلَنِي عَنْهُ أَحَدٌ قَبْلَكَ، كَانَ إِذَا هَبَّ (٢) مِنَ اللَّيْلِ كَبَّرَ عَشْرًا وَحَمِدَ عَشْرًا وَقَالَ: سُبْحَانَ اللهِ
стр. 1643
وَبِحَمْدِهِ عَشْرًا وَقَالَ: سُبْحَانَ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ عَشْرًا وَاسْتَغْفَرَ عَشْرًا، وَهَلَّلَ عَشْرًا، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ ضِيقِ الدُّنْيَا، وَضِيقِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ عَشْرًا ثُمَّ يَفْتَتِحُ الصَّلَاةَ» (١).
وعنها ﵂ قالت: «كان النبي ﷺ يقول في سجوده وركوعه: سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ، رَبُّ الْمَلَائِكَةِ وَالرُّوحِ» (٢).
وعن أبي بن كعب ﵁، قال: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا سَلَّمَ فِي الْوَتْرِ، قَالَ: سُبْحَانَ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ» (٣).
٣ - أن الله جعل التسبيح أفضل الكلام وأحبه إليه، كما في حديث سمرة بن جندب ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: «أَحَبُّ الْكَلَامِ إِلَى اللهِ أَرْبَعٌ: سُبْحَانَ اللهِ، وَالْحَمْدُ لِلهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ، لَا يَضُرُّكَ بِأَيِّهِنَّ بَدَأْتَ» (٤)، وعن أبي ذر ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ : «أَلَا أُخْبِرُكَ بِأَحَبِّ الْكَلَامِ إِلَى اللهِ؟ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَخْبِرْنِي بِأَحَبِّ الْكَلَامِ إِلَى اللهِ، فَقَالَ: إِنَّ أَحَبَّ الْكَلَامِ إِلَى اللهِ سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ» (٥)، وفي رواية: سُئِلَ: أَيُّ الْكَلَامِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: مَا اصْطَفَى اللهُ لِمَلَائِكَتِهِ، أَوْ لِعِبَادِهِ سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ» (٦)، وجاء في حديث أبي أمامة ﵁: «مَنْ هَالَهُ اللَّيْلُ أَنْ يُكَابِدَهُ، وَبَخِلَ بِالْمَالِ أَنْ
стр. 1644
يُنْفِقَهُ، وَجَبُنَ عَنِ الْعَدُوِّ أَنْ يُقَاتِلَهُ، فَلْيُكْثِرْ أَنْ يَقُولَ: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ، فَإِنَّهَا أَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنْ جَبَلِ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ يُنْفَقَانِ فِي سَبِيلِ اللهِ » (١).
٤ - أن الله جعلها سبب لذكره للعبد؛ فعن النعمان بن بشير ﵁، عن رسول الله ﷺ : «الَّذِينَ يَذْكُرُونَ مِنْ جَلَالِ اللهِ مِنْ تَسْبِيحِهِ وَتَحْمِيدِهِ وَتَكْبِيرِهِ وَتَهْلِيلِهِ يَتَعَاطَفْنَ حَوْلَ الْعَرْشِ، لَهُنَّ دَوِيٌّ كَدَوِيِّ النَّحْلِ، يَذْكُرْنَ بِصَاحِبِهِنَّ، أَلَا يُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ لَا يَزَالَ لَهُ عِنْدَ اللهِ شَيْءٌ يُذَكِّرُ بِهِ؟» (٢).
٥ - أن الله جعل التسبيح ومعه الحمد، والشهادة، والتكبير خيرًا مما طلعت عليه الشمس؛ فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لَأَنْ أَقُولَ: سُبْحَانَ اللهِ، وَالْحَمْدُ لِلهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ» (٣).
٦ - أن الله جعل التسبيح من أفضل ما يأتي به الآتي يوم القيامة؛ فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ وَحِينَ يُمْسِي سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ مِائَةَ مَرَّةٍ لَمْ يَأْتِ أَحَدٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ، إِلَّا أَحَدٌ قَالَ مِثْلَ مَا قَالَ، أَوْ زَادَ عَلَيْهِ (٤).
٧ - أن الله جعله سببًا لمغفر الذنوب، وزيادة الحسنات؛ فعن أبي
стр. 1645
هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «مَنْ قَالَ سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ فِي يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ، حُطَّتْ خَطَايَاهُ وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ» (١)، وعن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: «كنا عند رسول الله ﷺ ، فقال: «أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَكْسِبَ كُلَّ يَوْمٍ أَلْفَ حَسَنَةٍ؟ فَسَأَلَهُ سَائِلٌ مِنْ جُلَسَائِهِ كَيْفَ يَكْسِبُ أَحَدُنَا أَلْفَ حَسَنَةٍ؟ قَالَ: يُسَبِّحُ مِائَةَ تَسْبِيحَةٍ، فَيُكْتَبُ لَهُ أَلْفُ حَسَنَةٍ، أَوْ يُحَطُّ عَنْهُ أَلْفُ خَطِيئَةٍ» (٢)، وعن جبير بن مطعم ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ قَالَ: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ -فَقَالَهَا فِي مَجْلِسِ ذِكْرٍ كَانَتْ كَالطَّابَعِ يُطْبَعُ عَلَيْهِ، وَمَنْ قَالَهَا فِي مَجْلِسِ لَغْوٍ كَانَتْ كَفَّارَتَهُ» (٣).
٨ - أن الله جعله ثقيلًا في الميزان، كما أخبر ﷺ في حديث أبي هريرة ﵁، حيث يقول: «كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ، حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ: سُبْحَانَ اللهِ الْعَظِيمِ، سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ» (٤)(٥)،
стр. 1646
وعنه ﷺ أنه قال: «وَالْحَمْدُ لِلهِ تَمْلَأُ الْمِيزَانَ، وَسُبْحَانَ اللهِ وَالْحَمْدُ لِلهِ تَمْلَآنِ -أَوْ تَمْلَأُ- مَا بَيْنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ» (١).
٩ - أن الله جعل التسبيح غرسًا للجنة؛ فعن جابر ﵁، عن النبي ﷺ ، أنه قال: «مَنْ قَالَ: سُبْحَانَ اللهِ الْعَظِيمِ وَبِحَمْدِهِ، غُرِسَتْ لَهُ نَخْلَةٌ فِي الْجَنَّةِ» (٢)، وعن ابن مسعود ﵁ عن رسول الله ﷺ : «لَقِيتُ إِبْرَاهِيمَ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، أَقْرِئْ أُمَّتَكَ مِنِّي السَّلَامَ، وَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ الْجَنَّةَ طَيِّبَةُ التُّرْبَةِ عَذْبَةُ الْمَاءِ، وَأَنَّهَا قِيعَانٌ، وَأَنَّ غِرَاسَهَا سُبْحَانَ اللهِ، وَالْحَمْدُ لِلهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ» (٣).
١٠ - أن الله أخبر أنه من عبادة الملائكة، كما قال الله عنهم: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ [البقرة: ٣٠].
وما سبق من فضل التسبيح يندرج تحت التقديس؛ إذ كل منهما تنزيه للرب من النقائص.
وفي قول الملائكة السابق: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ [البقرة: ٣٠] معنى لطيف للتقديس، ألا وهو تطهير النفس لله .
قال البغوي ﵀ كما سبق: «ونقدس لك، أي: نثني عليك بالقدس
стр. 1647
والطهارة عما لا يليق بعظمتك وجلالك، وقيل: ونطهر أنفسنا لطاعتك، وقيل: وننزهك» (١).
قال الشيخ السعدي ﵀: «يحتمل أن معناها: ونقدسك، فتكون اللام مفيدة للتخصيص والإخلاص، ويحتمل أن يكون: ونقدس لك أنفسنا، أي: نطهرها بالأخلاق الجميلة، كمحبة الله وخشيته وتعظيمه، ونطهرها من الأخلاق الرذيلة» (٢).
اللهم يا سبوح يا قدوس، ارزقنا تسبيحك آناء الليل والنهار،
وطهرنا من كل ما لا يرضيك.
стр. 1648
السَّيِّد ﷻ -
المعنى اللغوي:
قال الجوهري ﵀: «ساد قومه يسودهم سيادة وسوددًا وسيدودة، فهو سيدهم، وهم سادة، … وقال أهل البصرة: تقدير سيد (فيعل)، وجمع على فعلة، كأنهم جمعوا سائدًا، مثل قائد وقادة» (١).
قال ابن فارس ﵀: «السين والياء والدال كلمة واحدة، وهي السيد .... أما السيادة، فقال قوم: السيد: الحليم، وأنكر ناس أن يكون هذا من الحلم، وقالوا: إنما سمي سيدًا؛ لأن الناس يلتجئون إلى سواده … والسيد هو: الرئيس … وقيل: الكريم» (٢).
ورود اسم الله (السيد) في القرآن الكريم:
لم يرد اسم الله (السيد) في القرآن الكريم.
ورود اسم الله (السيد) في السنة النبوية:
ورد اسم الله (السيد) في السنة النبوية، ومن وروده ما يلي:
عن مطرف بن عبد الله بن الشخير عن أبيه ﵁، «انْطَلَقْتُ فِي وَفْدِ بَنِي عَامِرٍ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقُلْنَا: أَنْتَ سَيِّدُنَا، فَقَالَ: السَّيِّدُ اللهُ،
стр. 1649
قُلْنَا: وَأَفْضَلُنَا فَضْلًا، وَأَعْظَمُنَا طَوْلًا، فَقَالَ: قُولُوا بِقَوْلِكُمْ أَوْ بَعْضِ قَوْلِكُمْ وَلَا يَسْتَجْرِيَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ» (١).
ثبوت اسم الله (السيد) في حق الله تعالى:
من العلماء الذين أثبتوا اسم الله (السيد) في حق الله تَعَالَى:
ابن القيم ﵀: في قوله: «وأما وصف الرب تَعَالَى بأنه السيد، فذلك وصف لربه على الإطلاق؛ فإن سيد الخلق هو مالك أمرهم، الذي إليه يرجعون، وبأمره يعلمون، وعن قوله يصدرون» (٢).
ابن عثيمين ﵀: فقد عده من الأسماء المثبتة بالسنة النبوية (٣).
معنى اسم الله (السيد) في حقه سُبْحَانَهُ:
قال الخطابي ﵀: «قوله ﷺ : السيد الله، أي: السؤدد كله حقيقة لله وأن الخلق كلهم عبيد الله» (٤).
قال الحليمي ﵀: «السيد المحتاج إليه بالإطلاق، فإن سيد الناس إنما هو رأسهم الذي إليه يرجعون، وبأمره يعملون، وعن رأيه يصدرون، ومن قوله يستهدون، فإذا كانت الملائكة والإنس والجن خلقًا للباري- جل ثناؤه-، ولم يكن بهم غنية عنه في بدء أمرهم وهو الوجود؛ إذ لو لم يوجدهم
стр. 1650
لم يوجدوا، ولا في الإبقاء بعد الإيجاد، ولا في العوارض العارضة أثناء البقاء، وكان حقًّا له- جل ثناؤه- أن يكون سيدًا، وكان حقًّا عليهم أن يدعوه بهذا الاسم» (١).
قال الأصبهاني ﵀: «قيل: السيد: المُحتاج إليه، والمحتاج إليه بالإطلاق هو الله؛ ليس للملائكة ولا الإنس ولا الجن غنية عنه؛ لو لم يوجدهم لم يوجَدوا، ولو لم يُبقهم بعد الإيجاد لم يكن لهم بقاء، ولو لم يعنهم فيما يعرض لهم لم يكن لهم معين غيره، فحق على الخلق أن يدعوه بهذا الاسم» (٢).
قال ابن القيم ﵀: «سيد الخلق هو مالك أمرهم الذي إليه يرجعون، وبأمره يعملون، وعن قوله يصدرون، فإذا كانت الملائكة والإنس والجن خلقًا له، وملكًا له، ليس لهم غنى عنه طرفة عين، وكل رغباتهم إليه، وكل حوائجهم إليه، كان هو السيد على الحقيقة» (٣)، وقال: «السيد إذا أُطلق عليهتَعَالَى فهو بمعنى: المالك والمولى والرب؛ لا بالمعنى الذي يطلق على المخلوق» (٤).
قال ابن القيم ﵀ في نونيته:
وَهوَ الإِلَهُ السَّيِّدُ الصَّمَدُ الَّذِي … صَمَدَتْ إِلَيْهِ الخَلْقُ بِالإِذْعَانِ
الكَامِلُ الأَوْصَافِ مِنْ كُلِّ الوُجُو … هِ كَمَالُهُ مَا فِيهِ مِنْ نُقْصَانِ