← Акыда

Акыда · id 721

موسوعة شرح أسماء الله الحسنى

نوال العيد

Полный текст (1 826 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

وهوى يناقض التجريد والإخلاص (١)» (٢). وقد جاء في فضل القلب السليم نصوص عدة، منها: أن القلب السليم سبب للنجاة يوم القيامة من العذاب، قال تَعَالَى: ﴿وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ (٨٧) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٧ - ٨٩]. أن الله أثنى على إبراهيم ﵇ بالقلب السليم، فقال: ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ (٨٣) إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الصافات: ٨٣، ٨٤]. أن صاحب القلب السليم من أفضل الناس؛ فقد سئل ﷺ : أي الناس أفضل؟ قال: «كُلُّ مَخْمُومِ الْقَلْبِ، صَدُوقِ اللِّسَانِ، قالوا: صدوق اللسان، نعرفه، فما مخموم القلب؟ قال: هُوَ التَّقِيُّ النَّقِيُّ، لَا إِثْمَ فِيهِ، وَلَا بَغْيَ، وَلَا غِلَّ، وَلَا حَسَدَ» (٣). أن القلب السليم سبب لدخول الجنة؛ فعن أنس بن مالك ﵁ قال: «كُنَّا جُلُوسًا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: يَطْلُعُ عَلَيْكُمُ الْآنَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَطَلَعَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ تَنْطِفُ لِحْيَتُهُ مِنْ وُضُوئِهِ، قَدْ تَعَلَّقَ نَعْلَيْهِ فِي يَدِهِ الشِّمَالِ، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ مِثْلَ ذَلِكَ، فَطَلَعَ ذَلِكَ الرَّجُلُ مِثْلَ الْمَرَّةِ الْأُولَى، فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الثَّالِثُ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ

стр. 492

مِثْلَ مَقَالَتِهِ أَيْضًا، فَطَلَعَ ذَلِكَ الرَّجُلُ عَلَى مِثْلِ حَالِهِ الْأُولَى، فَلَمَّا قَامَ النَّبِيُّ ﷺ تَبِعَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، فَقَالَ: إِنِّي لَاحَيْتُ أَبِي، فَأَقْسَمْتُ أَنْ لَا أَدْخُلَ عَلَيْهِ ثَلَاثًا، فَإِنْ رَأَيْتَ أَنْ تُؤْوِيَنِي إِلَيْكَ حَتَّى تَمْضِيَ فَعَلْتَ. قَالَ: نَعَمْ. قَالَ أَنَسٌ: وَكَانَ عَبْدُ اللهِ يُحَدِّثُ أَنَّهُ بَاتَ مَعَهُ تِلْكَ اللَّيَالِيَ الثَّلَاثَ، فَلَمْ يَرَهُ يَقُومُ مِنَ اللَّيْلِ شَيْئًا، غَيْرَ أَنَّهُ إِذَا تَعَارَّ وَتَقَلَّبَ عَلَى فِرَاشِهِ ذَكَرَ اللهَ وَكَبَّرَ حَتَّى يَقُومَ لِصَلَاةِ الْفَجْرِ. قَالَ عَبْدُ اللهِ: غَيْرَ أَنِّي لَمْ أَسْمَعْهُ يَقُولُ إِلَّا خَيْرًا، فَلَمَّا مَضَتِ الثَّلَاثُ لَيَالٍ، وَكِدْتُ أَنْ أَحْتَقِرَ عَمَلَهُ. قُلْتُ: يَا عَبْدَ اللهِ، إِنِّي لَمْ يَكُنْ بَيْنِي وَبَيْنَ أَبِي غَضَبٌ وَلَا هَجْرٌ ثَمَّ، وَلَكِنْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ لَكَ ثَلَاثَ مِرَارٍ: يَطْلُعُ عَلَيْكُمُ الْآنَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَطَلَعْتَ أَنْتَ الثَّلَاثَ الْمَرَّاتِ (٣)، فَأَرَدْتُ أَنْ آوِيَ إِلَيْكَ لِأَنْظُرَ مَا عَمَلُكَ فَأَقْتَدِيَ بِهِ، فَلَمْ أَرَكَ تَعْمَلُ كَثِيرَ عَمَلٍ، فَمَا الَّذِي بَلَغَ بِكَ مَا قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ؟ فَقَالَ: مَا هُوَ إِلَّا مَا رَأَيْتَ، قَالَ: فَلَمَّا وَلَّيْتُ دَعَانِي، فَقَالَ: مَا هُوَ إِلَّا مَا رَأَيْتَ، غَيْرَ أَنِّي لَا أَجِدُ فِي نَفْسِي لِأَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ غِشًّا، وَلَا أَحْسُدُ أَحَدًا عَلَى خَيْرٍ أَعْطَاهُ اللهُ إِيَّاهُ، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: هَذِهِ الَّتِي بَلَغَتْ بِكَ، وَهِيَ الَّتِي لَا نُطِيقُ» (١). وعن سفيان بن دينار ﵀ قال: «قلت لأبي بشير: أخبرني عن أعمال من كان قبلنا؟ قال: كانوا يعملون يسيرًا ويؤجرون كثيرًا، قلت: ولم ذاك؟ قال: لسلامة صدورهم» (٢).

стр. 493

وعن زيد بن أسلم ﵀، قال: «دُخِل على أبي دجانة ﵁ وهو مريض وكان وجهه يتهلل، فقيل له: ما لوجهك يتهلل؟ فقال: ما من عملي شيء أوثق عندي من اثنتين؛ أما إحداهما: فكنت لا أتكلم فيما لا يعنيني، وأما الأخرى فكان قلبي للمسلمين سليمًا» (١). وقال قاسم الجوعي ﵀: «أصل الدين: الورع، وأفضل العبادة: مكابدة الليل، وأقصر طرق الجنة: سلامة الصدر» (٢). وإن من الأسباب التي تعين على الظفر بالقلب السليم: عدم تعريض النفس لمواطن الشبهات والشهوات؛ إذ النفوس ضعيفة والشيطان يجري منها مجرى الدم، وكل منهما داع للوقوع في أسرها. مجاهدة النفس على ترك الشهوات، ودفع الشبهات، قال ابن المنكدر ﵀: «كابدت نفسي أربعين سنة حتى استقامت لي» (٣)، وقال أبو حفص النيسابوري ﵀: «حرست قلبي عشرين سنة، ثم حرسني عشرين سنة» (٤). العلم النافع الذي تدفع معه الشبهات؛ فإن الجاهل قد يمرض قلبه بما يرد عليه من الشبهات التي لا يملك ردها؛ لجهله، بخلاف العالم. الدعاء بسلامة القلب وطهارته، كما قال تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠]، وكان النبي ﷺ

стр. 494

يدعو، ويقول: «رَبِّ أَعِنِّي وَلَا تُعِنْ عَلَيَّ، وَانْصُرْنِي وَلَا تَنْصُرْ عَلَيَّ، وَامْكُرْ لِي وَلَا تَمْكُرْ عَلَيَّ، وَاهْدِنِي وَيَسِّرْ هُدَايَ إِلَيَّ، وَانْصُرْنِي عَلَى مَنْ بَغَى عَلَيَّ، اللهُمَّ اجْعَلْنِي لَكَ شَاكِرًا، لَكَ ذَاكِرًا، لَكَ رَاهِبًا، لَكَ مِطْوَاعًا إِلَيْكَ، مُخْبِتًا، أَوْ مُنِيبًا، رَبِّ تَقَبَّلْ تَوْبَتِي، وَاغْسِلْ حَوْبَتِي، وَأَجِبْ دَعْوَتِي، وَثَبِّتْ حُجَّتِي، وَاهْدِ قَلْبِي، وَسَدِّدْ لِسَانِي، وَاسْلُلْ سَخِيمَةَ قَلْبِي» (١)، والسخيمة، هي: الحقد. الاشتغال بمعالي الأمور؛ فإن الاشتغال بها يحمل العبد على الترفع عن سفاسف الأمور من القيل والقال، وما يتبعها من الحقد والغل. حفظ الأذن من سماع ما ينقل من النميمة؛ فعن عبدالله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لَا يُبَلِّغُنِي أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِي عَنْ أَحَدٍ شَيْئًا، فَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَخْرُجَ إِلَيْكُمْ وَأَنَا سَلِيمُ الصَّدْرِ» (٢). أن يحب المرء لأخيه ما يحب لنفسه، فلا يحسده على ما أعطاه الله من النعم، ولا يحقد عليه ويغل ولو صدر منه ما يزعج؛ إذ لا يحب أن يعامل بذلك فكذا أخيه. حسن الظن بالإخوان والتماس الأعذار لهم، قال جعفر بن محمد ﵀: «إذا بلغك عن أخيك الشيء تنكره فالتمس له عذرًا واحدًا إلى سبعين عذرًا، فإن أصبته وإلا قل: لعل له عذرا لا أعرفه» (٣).

стр. 495

الهدية؛ إذ هي مدعاة للمحبة والمودة، كما قال ﷺ : «تَهَادُوْا تَحَابُّوا» (١)، وقال: «تَهَادُوْا؛ فَإِنَّ الهَدِيَّةَ تُذْهِبُ وَحَرَ الصَّدْرِ» (٢). وأما سلامة الخلق من شره وأذاه: فبكف الشر والأذى عن المسلمين، سواء كان باللسان كالشتم والسب واللعن والبهتان والغيبة والنميمة، أو كان باليد كالاعتداء على الأنفس، والدماء، والأموال، والأعراض، ونحو ذلك من صور الأذية. وفي كف الأذى عن المسلمين نصوص عدة، منها: ١ - ما رواه عبدالله بن عمرو ﵄ قال، قال الرسول ﷺ : «المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى الله عَنْهُ» (٣). قال ابن رجب ﵀: «والمراد بذلك: المسلم الكامل الإسلام، فمن لم يسلم المسلمون من لسانه ويده فإنه ينتفي عنه كمال الإسلام الواجب، فإن سلامة المسلمين من لسان العبد ويده واجبة، فإن أذى المسلم حرام باللسان وباليد، فأذى اليد: الفعل، وأذى اللسان القول» (٤). ٢ - ما رواه أبو موسى ﵁، قال: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ الْإِسْلَامِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ، وَيَدِهِ» (٥).

стр. 496

٣ - ما رواه عبدالله بن مسعود ﵁ قال: «سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «الصَّلَاةُ عَلَى مِيقَاتِهَا»، قُلْتُ: ثُمَّ مَاذَا يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «بِرُّ الْوَالِدَيْنِ»، قُلْتُ: ثُمَّ مَاذَا يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «أَنْ يَسْلَمَ النَّاسُ مِنْ لِسَانِكَ»، ثُمَّ سَكَتَ، وَلَوِ اسْتَزَدْتُهُ لَزَادَنِي» (١). ٤ - ما رواه أبو ذر ﵁، أنه قال: يا رسول الله، أرأيت إن ضعفت عن بعض العمل؟ قال: «تَكُفُّ شَرَّكَ عَنِ النَّاسِ؛ فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ مِنْكَ عَلَى نَفْسِكَ» (٢). ٥ - ما رواه أبو سعيد الخدري ﵁، عن النبي ﷺ قال: «إِيَّاكُمْ والجُلُوسَ فِي الطُّرُقَاتِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا لَنَا بُدٌّ مِنْ مَجَالِسِنَا نَتَحَدَّثُ فِيهَا. قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : فَإِذَا أَبَيْتُمْ إِلَّا المَجْلِسَ فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهُ، قالوا: وما حقه؟ قال: غَضُّ البَصَرِ، وَكَفُّ الأَذَى، وَرَدُّ السَّلَامِ، والأَمْرُ بالمَعْرُوفِ، والنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ» (٣). ٦ - ما رواه ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ صعد المنبر فنادى بصوت رفيع: «يَا مَعْشَرَ مَنْ أَسْلَمَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يُفْضِ الإِيمَانُ إِلَى قَلْبِهِ، لَا تُؤْذُوا الْمُسْلِمِينَ وَلَا تُعَيِّرُوهُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ، فَإِنَّهُ مَنْ تَتَبَّعَ عَوْرَةَ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ تَتَبَّعَ الله عَوْرَتَهُ، وَمَنْ تَتَبَّعَ الله عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ وَلَوْ فِي جَوْفِ رَحْلِهِ»، قَالَ: وَنَظَرَ ابْنُ عُمَرَ يَوْمًا إِلَى الْبَيْتِ أَوْ إِلَى الْكَعْبَةِ فَقَالَ: مَا أَعْظَمَكِ وَأَعْظَمَ

стр. 497

حُرْمَتَكِ وَالْمُؤْمِنُ أَعْظَمُ حُرْمَةً عِنْدَ اللهِ مِنْكِ (١). وجاء الوعيد على أذية المسلمين، قال تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٥٨]، وعن أبي هريرة ﵁ قال: «قَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ فُلَانَةَ يُذْكَرُ مِنْ كَثْرَةِ صَلَاتِهَا وَصِيَامِهَا وَصَدَقَتِهَا غَيْرَ أَنَّهَا تُؤْذِي جِيرَانَهَا بِلِسَانِهَا قَالَ: هِيَ فِي النَّارِ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، فَإِنَّ فُلَانَةَ يُذْكَرُ مِنْ قِلَّةِ صِيَامِهَا وَصَدَقَتِهَا وَصَلَاتِهَا وَإِنَّهَا تَصَدَّقُ بِالْأَثْوَارِ مِنَ الْأَقِطِ وَلَا تُؤْذِي جِيرَانَهَا بِلِسَانِهَا قَالَ: هِيَ في الجَنَّةِ» (٢). وعن أبي شريح ﵁، أن النبي ﷺ قال: «واللهِ لَا يُؤْمِنُ، واللهِ لَا يُؤْمِنُ، واللهِ لَا يُؤْمِنُ، قيل: ومن يا رسول الله؟ قال: الَّذِي لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَايِقَهُ» (٣). وهذه النصوص كما قال ابن رجب ﵀، تضمنت «أن المسلم لا يحل إيصال الأذى إليه بوجه من الوجوه؛ من قول أو فعل» (٤). ثم إن كف الأذى عن الغير لا يقتصر على المسلم، بل يشمل الكافر غير الحربي أيضًا، كما في قول إبراهيم ﵇ لأبيه مع أنه من أكفر الكفرة: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ [مريم: ٤٧].

стр. 498

وقال رسول الله ﷺ : «أَلَا مَنْ ظَلَمَ مُعَاهِدًا، أَوِ انْتَقَصَهُ، أَوْ كَلَّفَهُ فَوْقَ طَاقَتِهِ، أَوْ أَخَذَ مِنْهُ شَيْئًا بِغَيْرِ طِيبِ نَفْسٍ، فَأَنَا حَجِيجُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (١). وعن عائشة ﵂، قالت: «أَتَى النَّبِيَّ ﷺ أُنَاسٌ مِنَ الْيَهُودِ فَقَالُوا: السَّامُ عَلَيْكَ يَا أَبَا الْقَاسِمِ! قَالَ: وَعَلَيْكُمْ. قَالَتْ عَائِشَةُ: قُلْتُ: بَلْ عَلَيْكُمُ السَّامُ وَالذَّامُ! فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : يَا عَائِشَةُ، لَا تَكُونِي فَاحِشَةً. فَقَالَتْ: مَا سَمِعْتَ مَا قَالُوا؟ فَقَالَ: أَوَ لَيْسَ قَدْ رَدَدْتُ عَلَيْهِمِ الَّذِي قَالُوا، قُلْتُ: وَعَلَيْكُمْ، وفي رواية: مَهْ يَا عَائِشَةُ، فَإِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْفُحْشَ وَالتَّفَحُّشَ» (٢). وقال ابن حجر ﵀ في قول رسول الله ﷺ : «المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ» (٣): «تنبيه: ذكر المسلمين هنا خرج مخرج الغالب؛ لأن محافظة المسلم على كف الأذى عن أخيه المسلم أشد تأكيدًا، ولأن الكفار بصدد أن يقاتلوا وإن كان فيهم من يجب الكف عنه» (٤). وإن من كف الشر والأذى عنهم دعوتهم بالحال والمقال للإسلام الذي هو دين السلام في الأرض والسعي في نشره بينهم؛ إذ فيه كف لأذى الكفر والعصيان والعذاب عنهم. كما يشمل كف الأذى: الحيوانات؛ فقد نهى النبي ﷺ عنه، فعن ابن عمر ﵄ أنه مر بنفر قد نصبوا دجاجة يترامونها، فلما رأوا ابن

стр. 499

عمر تفرقوا عنها، وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: «مَنْ فَعَلَ هَذَا؟ إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَعَنَ مَنْ فَعَلَ» (١) وعن أنس ﵁: «نَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ تُصْبَرَ الْبَهَائِمُ» (٢) أي: أن تحبس حتى تموت. وقال رسول الله ﷺ : «عُذِّبَتِ امْرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ سَجَنَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ فَدَخَلَتْ فِيهَا النَّارَ، لَا هِيَ أَطْعَمَتْهَا وَسَقَتْهَا، إِذْ حَبَسَتْهَا، وَلَا هِيَ تَرَكَتْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ» (٣). الأثر التاسع: سعي العبد لدار السلام: الله السلام خلق الجنة، وسماها دار السلام، قال تَعَالَى: ﴿لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٧]. وأسباب تسميتها بدار السلام الآتي: سلمت من كل عيب ونقص، فلا يتبول أهلها فيها ولا يتغوطون، ولا يبزقون، ولا يمتخطون. سلمت من كل كدر وكبد، فلا هم ولا حزن ولا نصب، ولا خوف ولا قلق، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٤٥) ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ﴾ [الحجر: ٤٥]. سلمت من الحقد والحسد واللغو والتأثيم، بل كلام أهلها سلام طيب طاهر، مسر للنفوس، مفرح للقلوب، يتعاشرون أحسن عشرة،

стр. 500

ويتنادمون أطيب المنادمة، قال تَعَالَى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر: ٤٧]، ولا يسمعون من ربهم، إلا ما يقر أعينهم، ويدل على رضاه عنهم ومحبته لهم، قال تَعَالَى: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨] (١)، وهي دار السلام التي سلمت من كل مرض وألم وهرم، قال تَعَالَى: ﴿لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ [الحجر: ٤٨]. سلمت من الموت؛ إذ فيها الحياة الدائمة التي لا انقطاع معها ولا نهاية لها، وفي الحديث عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : «يُجَاءُ بِالْمَوْتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، كَأَنَّهُ كَبْشٌ أَمْلَحُ- زاد أبو كُرَيْب: فَيُوقَفُ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، واتفقا في باقي الحديث- فَيُقَالُ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ وَيَقُولُونَ: نَعَمْ، هَذَا الْمَوْتُ، قَالَ: وَيُقَالُ: يَا أَهْلَ النَّارِ هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ قَالَ: فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ وَيَقُولُونَ: نَعَمْ، هَذَا الْمَوْتُ، قَالَ: فَيُؤْمَرُ بِهِ فَيُذْبَحُ، قَالَ: ثُمَّ يُقَالُ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ خُلُودٌ فَلَا مَوْتَ، وَيَا أَهْلَ النَّارِ خُلُودٌ فَلَا مَوْتَ» (٢). سلمت لكمال نعيمها وتمامه وبقائه، وحسنه من كل وجه حتى لا يقدر على وصفه الواصفون، ولا يتمنى فوقه المتمنون من نعيم الروح والقلب والبدن، ولهم فيها ما تشتهيه الأنفس، وتلذ الأعين، وهم فيها خالدون (٣).

стр. 501

قال ابن القيم ﵀ في نونيته: هِيَ جَنَّةٌ طَابَتْ وَطَابَ نَعِيمُهَا … فَنَعِيمُهَا بَاقٍ وَلَيْسَ بِفَانِ دَارُ السَّلَامِ وَجَنَّةُ المَأْوَى وَمَنْـ … ـزِلُ عَسْكَرِ الإِيَمانِ والقُرْآنِ فَالدَّارُ دَارُ سَلَامَةٍ وَخِطَابُهُمْ … فِيهَا سَلَامٌ واسْمُ ذِي الغُفْرَانِ (١) فمن علم هذا تاقت نفسه لدار السلام، وسعى للظفر بها، لا سيما وأن الله داعيه إليها، قال تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يونس: ٢٥]، بل وأرسل محمد ﷺ داعيًا إليها، كما في الحديث: «جَاءَتْ مَلَائِكَةٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ نَائِمٌ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّهُ نَائِمٌ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ الْعَيْنَ نَائِمَةٌ وَالْقَلْبَ يَقْظَانُ، فَقَالُوا: إِنَّ لِصَاحِبِكُمْ هَذَا مَثَلًا، فَاضْرِبُوا لَهُ مَثَلًا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّهُ نَائِمٌ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ الْعَيْنَ نَائِمَةٌ وَالْقَلْبَ يَقْظَانُ، فَقَالُوا: مَثَلُهُ كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنَى دَارًا، وَجَعَلَ فِيهَا مَأْدُبَةً، وَبَعَثَ دَاعِيًا، فَمَنْ أَجَابَ الدَّاعِيَ دَخَلَ الدَّارَ، وَأَكَلَ مِنَ الْمَأْدُبَةِ، وَمَنْ لَمْ يُجِبِ الدَّاعِيَ لَمْ يَدْخُلِ الدَّارَ، وَلَمْ يَأْكُلْ مِنَ الْمَأْدُبَةِ، فَقَالُوا: أَوِّلُوهَا لَهُ يَفْقَهْهَا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّهُ نَائِمٌ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ الْعَيْنَ نَائِمَةٌ وَالْقَلْبَ يَقْظَانُ، فَقَالُوا: فَالدَّارُ الْجَنَّةُ، وَالدَّاعِي مُحَمَّدٌ، فَمَنْ أَطَاعَ مُحَمَّدًا فَقَدْ أَطَاعَ الله، وَمَنْ عَصَى مُحَمَّدًا فَقَدْ عَصَى الله، وَمُحَمَّدٌ فَرْقٌ بَيْنَ النَّاسِ» (٢). فحري بالعبد أن يجيب دعوة ربه وداعيه محمد ﷺ إلى أعظم دعوة وأكمل مقام وأطيب عيش، وذلك بالإيمان والعمل الصالح وسلوك

стр. 502

الصرط المستقيم، قال تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يونس: ٢٥]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: ١٦]. فَاللهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ، وَمِنْكَ السَّلَامُ، نسألك يا ربنا أن تسلمنا في الدارين.

стр. 503

السَّميعُ ﷻ - المعنى اللغوي: قال الجوهري ﵀: «السمع: … في الاصل مصدر قولك: سمعت الشيء، … واستمعت كذا، أي: أصغيت، وتسمعت إليه» (١). قال ابن فارس ﵀: «(سمع) السين والميم والعين أصل واحد، … يقال: سمع بمعنى: استمع» (٢). ورود اسم الله (السميع) في القرآن: ورد اسمه سُبْحَانَهُ (السميع) في كتاب الله خمسًا وأربعين مرة، ومن وروده ما يلي: قول الله : ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٧]. قوله : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]. قوله : ﴿وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [المجادلة: ١].

стр. 504

ورود اسم الله (السميع) في السنة النبوية: ورد اسم الله (السميع) في السنة النبوية، ومن وروده ما يلي: عن أبي موسى الأشعري ﵁، قال: «كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَكُنَّا إِذَا أَشْرَفْنَا عَلَى وَادٍ هَلَّلْنَا وَكَبَّرْنَا ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُنَا فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : يَا أَيُّهَا النَّاسُ ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، فَإِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا، إِنَّهُ مَعَكُمْ إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ، تَبَارَكَ اسْمُهُ وَتَعَالَى جَدُّهُ» (١). وعن أبي سعيد الخدري ﵁، قال: «كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة بالليل كبر، ثم يقول: سُبْحَانَكَ اللهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، وَتَبَارَكَ اسْمُكَ، وَتَعَالَى جَدُّكَ، وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ، ثم يقول: الله أَكْبَرُ كَبِيرًا، ثم يقول: أَعُوذُ بِاللَّهِ السَّمِيعِ العَلِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، مِنْ هَمْزِهِ وَنَفْخِهِ وَنَفْثِهِ» (٢). وعن عثمان بن عفان ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «مَا مِنْ عَبْدٍ يَقُولُ فِي صَبَاحِ كُلِّ يَوْمٍ، وَمَسَاءِ كُلِّ لَيْلَةٍ: بِسْمِ اللهِ الَّذِي لَا يَضُرُّ مَعَ اسْمِهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ ولَا فِي السَّمَاءِ، وَهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فيَضُرَّهُ شَيْءٌ» (٣).

стр. 505

معنى اسم الله (السميع) في حقه سُبْحَانَهُ: يدور معنى اسم الله السميع على معنيين (١): ١ - السامع لجميع الأصوات الظاهر منها والباطن، والجليل منها والخفي. ٢ - المجيب للسائلين والداعين والعابدين. وحول هذين المعنيين تدور أقوال العلماء: من الأقوال في المعنى الأول: قال الطبري ﵀ في قوله تَعَالَى: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] «يقول جل ثناؤه واصفًا نفسه بما هو به، وهو يعني نفسه: السميع لما ينطق به خلقه من قول» (٢). وقال ابن كثير ﵀ في تفسير قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الإسراء: ١] «أي: السميع لأقوال عباده، مؤمنهم وكافرهم، مصدقهم ومكذبهم … » (٣). من الأقوال التي تجمع بين المعنى الأول والثاني: قال الخطابي ﵀: «السميع: بمعنى السامع، إلا أنه أبلغ في الصفة، وبناء فعيل: بناء المبالغة، كقولهم: عليم: من عالم، وقدير: من قادر، وهو الذي يسمع السر والنجوى سواء عنده الجهر، والخفوت، والنطق، والسكوت.

стр. 506

وقد يكون السماع بمعنى: القبول والإجابة، كقول النبي ﷺ : «وَمِنْ دُعَاءٍ لَا يُسْمَعُ» (١)، أي: من دعاء لا يستجاب، ومن هذا قول المصلي: «سمع الله لمن حمده، معناه: قبل الله حمد من حمده» (٢). قال ابن القيم ﵀: «السميع الذي قد استوى في سمعه سر القول وجهره … » (٣). وقال في قوله تَعَالَى عن دعوة إبراهيم: ﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [إبراهيم: ٣٩]: «فالمراد بالسمع هنا: السمع الخاص، وهو سمع الإجابة والقبول، لا السمع العام؛ لأنه سميع لكل مسموع، وإذا كان كذلك فالدعاء هنا يتناول دعاء الثناء ودعاء الطلب، وسمعُ الرب ﵎ له: إثابته على الثناء، وإجابته للطلب فهو سميع لهذا وهذا» (٤). قال السعدي ﵀: «وسمعه تَعَالَى نوعان: أحدهما: سمعه لجميع الأصوات الظاهرة والباطنة، الخفية والجلية، واحاطته التامة بها، والثاني: سمع الإجابة منه للسائلين والداعين والعابدين فيجيبهم ويثيبهم» (٥).

стр. 507

قال ابن القيم ﵀: هُوَ السَّمِيعُ يَسْمَعُ وَيَرَى كُلَّ مَا … فِي الكَوْنِ منْ سِرٍّ وَمِنْ إِعْلَانِ وَلِكُلِّ صَوْتٍ مِنْهُ سَمْعٌ حَاضِرٌ … فَالسِّرُّ والإِعْلَانُ مُسْتَوِيَانِ والسَّمْعُ مِنْهُ وَاسِعُ الأَصْوَاتِ لَا … يَخْفَى عَلَيْهِ بَعِيدُهَا والدَّانِي (١) وقال أيضًا ﵀: والحَمْدُ للهِ السَّمِيعِ لِسَائِرِ الـ … أَصْوَاتِ مِنْ سِرٍّ وَمِنْ إِعْلَانِ (٢) اقتران اسم الله (السميع) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ في القرآن الكريم: أولًا: اقتران اسم الله (السميع) باسم الله (العليم): ورد هذا الاقتران في القرآن الكريم في اثنتين وثلاثين آية، ومن وروده: قوله تَعَالَى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [يوسف: ٣٤]. قوله تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الحجرات: ١].

стр. 508

وجه الاقتران: يدل على مزيد من الكمال لله ، فإذا كانت صفة (السميع) تنبئ بإحاطة السمع بكل المسموعات فلا يندر عنه شيء، ولا يعزب عنه كبير ولا صغير، فإن صفة (العليم) تنبئ بتجاوز علمه المسموعات إلى المشاهدت والغيبيات، والظواهر والبواطن (١). «والملاحظ أن اسم (السميع) حيثما ورد مع اسم (العليم) قُدّم عليه فالنسق دائمًا: السميع العليم ولا عكس، فلا بد أن يكون من وراء ذلك حكمة، ذكر منها: أن السمع يتعلق بالأصوات، ومن سمع صوتك فهذا أقرب إليك في العادة ممن يقال لك: إنه يعلم، فذكر السميع أوقع في التخويف من ذكر (العليم)، فهو أولى بالتقديم، ولا يقتصر الأمر على مقام التخويف؛ فإن لتقديم صفة (السميع) في مقام الدعاء أثره في انطلاق اللسان بالدعاء، والطلب، والشكوى حين يستشعر الداعي أنه يخاطب من يسمعه ويصغي إلى نجواه» (٢). ثانيًا: اقتران اسم الله (السميع) باسم الله (البصير): تقدم بيانه في اسم الله البصير. ثالثًا: اقتران اسم الله (السميع) باسم الله (القريب): وذلك في موضع واحد، في قوله تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ﴾ [سبأ: ٥٠].

стр. 509

وجه الاقتران: «أن الله لا يغيب عنه شيء من حال من يكذب عليه، فهو جدير بأنه يفضحه كما فضحكم في جميع ما تدعونه ولا يبعد عليه شيء ليحتاج في إدراكه إلى تأخير لقطع مسافة أو نحوها، بل هو مدرك لكل ما أراد كلما أراد» (١). الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (السميع): الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (السميع) من صفات الله سُبْحَانَهُ: يتضمن اسم الله السميع صفة السمع، فالله السميع الذي له سمع يليق بجلاله وعظمته من غير تحريف ولا تعطيل، ولا تمثيل ولا تكييف، قال تَعَالَى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [المجادلة: ١] (٢)، وقال تَعَالَى: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ﴾ [الكهف: ٢٦] «قال ابن جرير ﵀: وذلك بمعنى المبالغة في المدح، كأنه قيل: ما أبصره وأسمعه» (٣). وسمع الله نوعان (٤): ١ - سمع يتعلق بالمسموعات، ومعناه: إدراك الأصوات. ٢ - سمع يتعلق بالعبادات والدعوات، ومعناه: الاستجابة.

стр. 510

فالأول: السمع المتعلق بالمسموعات: فالله السميع الذي أحاط سمعه بجميع المسموعات، ووسع جميع الأصوات، ومن سعته وإحاطته ما يلي: أنه ﵎ يسمع الأصوات التي في العالم العلوي والعالم السفلي من أصوات الملائكة والإنس والجن والحيوانات والنباتات والجمادات والسائلات وغيرها، قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنعام: ١٣]، وقال تَعَالَى: ﴿قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنبياء: ٤] (١)، ومن ذلك: - سمعه جل في علاه لشكوى خولة بنت ثعلبة، قال تَعَالَى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [المجادلة: ١]. - وسمعه لقول الجن، قال تَعَالَى: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾ [الجن: ١، ٢] … إلى آخر الآيات. - وسمعه لقول النملة، قال تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل: ١٨]. - وسمعه لقول السماء والأرض لما قال لهما، قال تَعَالَى: ﴿ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١].

стр. 511

- وسمعه تسبيح الجبال، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ﴾ [ص: ١٨]، والمخلوقات أجمع، قال تَعَالَى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [الإسراء: ٤٤]. أنه سُبْحَانَهُ يسمع الأصوات على اختلاف أحوالها، فيسمعها سواء أكانت جهرًا أم سرًّا أم حديث نفس، ظاهرة أم باطنة، جلية أم خفية، فالكل عنده سواء، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾ [الرعد: ١٠] (١)، وقال منكرًا على من زعم من المشركين وغيرهم أنه لا يسمع السر والنجوى، قال تَعَالَى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف: ٨٠] (٢). وعن أبي موسى الأشعري ﵁، قال: «كنا مع النبي ﷺ في سفر، فكنا إذا علونا كبرنا، فقال: ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، فَإِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا، وَلَكِنْ تَدْعُونَ سَمِيعًا بَصِيرًا» (٣). وقوله ﷺ : «ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ» أي: ارفقوا بأنفسكم، ولا تكلفوها رفع الصوت؛ إذ لا حاجة له، فإن من تكبرون سميع بصير، يسمع الأصوات الخفية، كما يسمع الأصوات الجلية، قريب من كل متكلم يسمع كل ما ينطق به ويتفوه، أقرب إليه من حبل الوريد (٤).

стр. 512

ويسمعها - أيضًا- سواء نطق بها الخلق حال الانفراد والتفرق أم حال الاجتماع والاختلاط، ففي اللحظة الواحدة يسمع دعاء الداعين وقراءة القارئين، وأنين الشاكين، وبكاء الباكين، ويجتمع الحجيج في بقعة واحده ويلهج الكل بالدعاء، فيسمعهم في نفس الوقت لا تختلط عليه الأصوات ولا اللغات ولا اللهجات، لا تتداخل ولا تشتبه عليه، ولا يشغله سماع عن سماع، ولا مسألة عن مسألة، لا تغلطه كثرة المسائل، ولا تبرمه كثرة السائلين وإلحاحهم (١). بل لو قام الجن والإنس كلهم من أولهم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها في صعيد واحد، وسألوا الله جميعًا في لحظة واحدة، وكلٌّ عرض حاجته، وكلٌّ تحدث بلهجته ولغته، لسمعهم أجمعين دون أن يختلط عليه صوت بصوت أو لغة بلغة أو حاجة بحاجة. ومن الدلائل على هذا: قوله سُبْحَانَهُ في الحديث القدسي: «يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ، مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ» (٢). أنه سُبْحَانَهُ يسمع الأصوات على اختلاف أماكنها، فيسمعها في السماء كانت أم في الأرض أم في الجو، قرب مكانها أم بعد، صدرت في خفي المواضع والجهات أم ظاهرها، قال تَعَالَى: ﴿قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنبياء: ٤] (٣).

стр. 513

أنه سُبْحَانَهُ يسمع الأصوات على اختلاف أزمانها، فيسمعها في جميع الأوقات، سواء صدرت في ظلمة الليل أم في وضح النهار، ويسمعها في الحاضر والمستقبل كما سمعها في الماضي، ولا يزال جل في علاه سميعًا بصيرًا، قال تَعَالَى: ﴿فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [الحج: ٦١] (١). أنه سُبْحَانَهُ يسمع الأقوال على اختلاف أنواعها، فيسمع مباحها كما في عموم قوله سُبْحَانَهُ: ﴿قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنبياء: ٤]، ويسمع الخير منها كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأعراف: ٢٠٠]، ويسمع الشر منها كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [آل عمران: ١٨١]. ثم إنه سُبْحَانَهُ يجازي خلقه عليها، قال تَعَالَى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف: ٨٠]، يكتبون ما يقولون وما يعملون، فيحفظ عليهم حتى يردوا يوم القيامة، فيجدون ذلك حاضرًا، ولا يظلم ربك أحدًا (٢).

стр. 514

فهذا سمع الله وإحاطته التي لا يقدر قدرها إلا الله، ولا يعلم كنهها إلا هو جل في علاه، وبناء عليها وعلى علمه ﵎ يجري الأقدار على خلقه، فيصطفي منهم من يستحق الاصطفاء، ويزكي منهم من كان لها أهلًا، ويخذل ويرد من لا يستحق، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [الحج: ٧٥]، وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (٣٣) ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣٣، ٣٤]، وقال: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٢١] (١). ويقدر عليهم الشرائع التي تناسبهم وتصلح لهم، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤) أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (٥) رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الدخان: ٤ - ٦]، وقال تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: ٥٨]، «وهذا مدح من الله لأوامره ونواهيه، لاشتمالها على مصالح الدارين ودفع مضارهما؛ لأن شارعها السميع البصير الذي لا تخفى عليه خافية، ويعلم بمصالح العباد ما لا يعلمون» (٢). إلى غير ذلك من التقديرات المبنية على سمعه وعلمه جل في علاه.

стр. 515

والثاني: السمع المتعلق بالعبادات والدعوات: فالله سميع مجيب للعابدين والداعين السائلين، فيجيب مِن عبده بالقبول والإثابة، ومنه قول إبراهيم وإسماعيل ﵉: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٧]، وقول امرأة عمران: ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [آل عمران: ٣٥] فهم في عمل صالح، ويسألون الله تَعَالَى أن يتقبل منهم ويثيبهم؛ إذ هو السميع المجيب (١). ومنه- أيضًا- قول المصلي في صلاته: سمع الله لمن حمده، أي: «قبل الله حمد من حمده» (٢). ويجيب من دعاه بالعطاء، فلا يرده صفرًا خائبًا، ومنه قول إبراهيم ﵇: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [إبراهيم: ٣٩]، وقوله سُبْحَانَهُ: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١٠٣] والصلاة هنا بمعنى الدعاء، والمعنى: ادع للمؤمنين؛ فإن الله سميع لدعائك بالإجابة والقبول (٣).

стр. 516

الأثر الثاني: دلالة اسم الله السميع على التوحيد: إن الإيمان باسم الله «السميع» يدفع العبد إلى تو حيد العبادة إذا ما تفكر فيه ونظر؛ إذ إن كل ما يعبد من دون الله إما لا يسمع كالجمادات والموتى، قال تَعَالَى: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر: ١٤]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٧) وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَسْمَعُوا وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٧]، وقال تَعَالَى: ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ﴾ [الأعراف: ١٩٥]، أو يسمع إلا أن سمعه ناقص كذوات الأرواح من الملائكة والإنس والجن والحيوان، وليس كمال السمع وعظمته إلا لله كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] فسمعه لا يشبه ولا يماثل سمع شيء من خلقه، وإنما على وجه يليق بجلاله وعظمة سلطانه (١). ثم إذا تقرر هذا: فهل يصح في عقلٍ ونقلٍ أن يُعبد من لا يَسمع؟ أو يُعبد من يَسمع لكن سمعه ناقص كسمع العابد؟ أو كيف يُجعل من هذا حاله ندًّا وشريكًا لله السميع البصير على وجه الكمال والجلال؟ قال تَعَالَى: ﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [المائدة: ٧٦]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ

стр. 517

دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [غافر: ٢٠]، وقال الله حاكيًا استنكار إبراهيم على أبيه: ﴿يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم: ٤٢] (١). قال الشيخ السعدي ﵀: «فهذا برهان جلي دال على أن عبادة الناقص في ذاته وأفعاله مستقبح عقلًا وشرعًا، ودل بتنبيهه وإشارته، أن الذي يجب ويحسن: عبادة من له الكمال، الذي لا ينال العباد نعمة إلا منه، ولا يدفع عنهم نقمة إلا هو، وهو الله تَعَالَى» (٢). وقال في موضع آخر: «فالكامل تَعَالَى الذي هذه أوصافه هو الذي يستحق أن يفرد بجميع أنواع العبادة، ويخلص له الدين» (٣). ثم إن الإيمان باسم الله «السميع» يدعو العبد- أيضًا- إلى توحيد الأسماء والصفات، فهو يعني: أن تثبت لله سمعًا من غير تعطيل ولا تحريف، ثم تضم لهذا الإثبات قوله تَعَالَى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، فتثبته على وجه لا تمثيل فيه ولا تكييف؛ خلافًا للمعطلة والنفاة، سواء من نفى هذا الاسم لفظًا ومعنًى كالجهمية ومن تبعهم في هذا، أو من أثبت اللفظ ولم يثبت المعنى كالمعتزلة ومن تبعهم من المفوضة وأشباههم، وخلافًا للمشبهة والمجسمة، قال تَعَالَى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «ففي قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾

стр. 518

رد للتشبيه والتمثيل، وقوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ رد للإلحاد والتعطيل» (١). ثم إنه لا بد أن يعلم أن الاشتراك بين المخلوق والخالق في اسم الصفة لا يعني: المشابهة والمماثلة في المسميات، فإن صفات المخلوق تناسب صنعته وضعفه وعجزه، وصفات الخالق كاملة تامة لايعتريها ضعف أو نقص، بل هي كما تليق بكماله وجلاله وجماله . الأثر الثالث: مراقبة الله السميع: إذا علم العبد يقينًا أن ربه السميع يسمع قول لسانه، سواء أسره أم جهر به، وسواء كان ذلك في جماعة أو في خلوة، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾ [الرعد: ١٠]، وقال: ﴿قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنبياء: ٤]. وعلم- أيضًا- أن قوله وفعله مكتوب مسجل، فالله سامع والملائكة كاتبة، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف: ٨٠]، وقال: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨]. أثمر ذلك العلم في قلبه مراقبة الله السميع في الأقوال والأفعال، فيراقبه في عمل الخير فيخلص له فيه، ويقيمه على أتم وجه وأكمله، قال تَعَالَى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٢١٧) الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (٢١٩) إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الشعراء: ٢١٧ - ٢٢٠]. قال الطبري ﵀: «إن ربك هو السميع تلاوتك يا محمد، وذكرك في صلاتك ما تتلو وتذكر، العليم بما تعمل فيها، ويعمل فيها من يتقلب فيها

стр. 519

معك مؤتمًّا بك، يقول: فرتل فيها القرآن، وأقم حدودها، فإنك بمرأى من ربك ومسمع» (١). ويراقبه- أيضًا- في عمل الشر فيجتنبه قبل الوقوع، ويتوب منه بعد الوقوع، قال تَعَالَى: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٨١]. سميع: «يسمع جميع الأصوات، ومنه: سماعه لمقالة الموصي ووصيته، فينبغي له أن يراقب من يسمعه ويراه، وأن لا يجور في وصيته» (٢). ويراقب ربه السميع- أيضًا- في جوارحه، فيحفظ عينه، وأذنه، ولسانه، ويده، ورجله، وقلبه من الحرام. وإنَّ حفظ اللسان ومراقبة ما هو قائل من أكد الأمور وأهمها؛ ولذا جاءت النصوص بأساليب عدة مرغبة في حفظ اللسان، و محذرة من إطلاقه، ومن ذلك (٣): بيان بغض الله ومقته لمن يقول السوء، قال تَعَالَى: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا﴾ [النساء: ١٤٨] «أي: يبغض ذلك ويمقته ويعاقب عليه، ويشمل ذلك جميع الأقوال السيئة التي تسوء وتحزن، كالشتم والقذف والسب ونحو ذلك، فإن ذلك كله من المنهي

стр. 520

عنه الذي يبغضه الله، ويدل مفهومها أنه يحب الحسن من القول كالذكر والكلام الطيب اللين» (١). بيان أن قول العبد محفوظ مسجل، وسيحاسب عليه في الآخرة، قال تَعَالَى: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (١٧) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٧، ١٨]. الحث على الصمت إلا من قول الخير؛ فعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ باللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَسْكُتْ» (٢) أي: «أنه إذا أراد أن يتكلم؛ فإن كان ما يتكلم به خيرًا محققًا يثاب عليه واجبًا أو مندوبًا فليتكلم، وإن لم يظهر له أنه خير يثاب عليه فليمسك عن الكلام، سواء ظهر له أنه حرام أو مكروه أو مباح مستوي الطرفين؛ فعلى هذا يكون الكلام المباح مأمورًا بتركه مندوبًا إلى الإمساك عنه؛ مخافةً من انجراره إلى المحرم أو المكروه، وهذا يقع في العادة كثيرًا أو غالبًا» (٣). بيان أن حفظ اللسان من أسباب النجاة؛ فعن عقبة بن عامر ﵁ قال: «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ مَا النَّجَاةُ؟ قال: أَمْلِكْ عَلَيْكَ لِسَانَكَ، وَلْيَسَعْكَ بَيْتُكَ، وابْكِ عَلَى خَطِيئَتِكَ» (٤).

стр. 521

بيان أن من صفات أهل الجنة ورثة الفردوس: الإعراض عن لغو الحديث، قال تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون: ٣]. قال الشيخ السعدي ﵀ في اللغو: «وهو الكلام الذي لا خير فيه ولا فائدة، ﴿مُعْرِضُونَ﴾ رغبة عنه، وتنزيهًا لأنفسهم، وترفعًا عنه، وإذا مروا باللغو مروا كرامًا، وإذا كانوا معرضين عن اللغو، فإعراضهم عن المحرم من باب أولى وأحرى، وإذا ملك العبد لسانه وخزنه- إلا في الخير- كان مالكًا لأمره، كما قال النبي ﷺ لمعاذ بن جبل ﵁ حين وصاه بوصايا قال: «أَلَا أُخْبِرُكَ بِملَاكِ ذَلِكَ كُلِّهِ؟ قلت: بلى يا رسول الله، فأخذ بلسان نفسه وقال: كُفَّ عَلَيْكَ هَذَا» (١) (٢). بيان أن حفظ اللسان سبب لدخول الجنة؛ فعن سهل بن سعد ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: «مَنْ يَضْمَنْ لِي مَا بَيْنَ لحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ أَضْمَنْ لَهُ الجَنَّةَ» (٣). بيان أن إطلاق اللسان سبب لدخول النار؛ فعن معاذ بن جبل ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ، وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ فِي جَهَنَّمَ إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ؟» (٤).

стр. 522

وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إِنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ، لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا، يَرْفَعُهُ الله بِهَا دَرَجَاتٍ، وَإِنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ، لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا، يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ» (١). الأثر الرابع: الثقة بكفاية الله السميع شر الأعداء: إذا تذكر العبد أنه ربه سميع، لا يخفى عليه شيء مما يقوله أعداء دينه وأوليائه من الكفار والمنافقين والفاسقين ونحوهم، فمكرهم مسموع، وكيدهم مسموع، وكذبهم وبهتانهم وتهمهم الباطلة مسموعة، وسبهم وشتمهم وظلمهم كله مسموع، لا يخفى على السميع العليم، كما قال سُبْحَانَهُ في الأعراب: ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [التوبة: ٩٨]، يسمع ما يتناجون به وما يدبرونه من الترصد، عليم بما يبطنون وبما يقصدون إخفاءه (٢). فإذا تذكر العبد ذلك؛ أثمر في قلبه: الاطمئنان والسكينة والثقة بالله ؛ لعلمه بأن ربه السميع سيكفي دينه وأولياءه شرور الأعداء بقدرته، ويمنعهم بعزته، ويرد كيدهم بقوته، ويحفظهم بحفظه، ويكلؤهم برعايته. وهذا ما حدث مع موسى وهاورن، لما خافا من مواجهة فرعون، فقالا: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى﴾ [طه: ٤٥] فذكرهم الله بسمعه وبصره، فقال تَعَالَى: ﴿لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦] فزال الخوف عنهما واطمأنت قلوبهما، وانطلقا لفرعون بالرسالة، وحصل لهما الحفظ والنصر (٣).

стр. 523

وهذا ما حدث- أيضًا- مع رسول الله ﷺ ، فقد وعده الله بالكفاية من شرور أعدائه، مذكرًا إياه بأنه السميع لجميع أصواتهم في أي مكان، وعلى أية حال كانوا، العليم بما بين أيديهم وما خلفهم، قال سُبْحَانَهُ: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٣٧]، «وقد أنجز الله لرسوله وعده، وسلطه عليهم حتى قتل بعضهم، وسبى بعضهم، وأجلى بعضهم، وشردهم كل مشرد» (١). وقال تَعَالَى له أيضًا: ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [يونس: ٦٥] يسمع قولك، وقول أعدائك فيك، ويعلم ذلك تفصيلًا، وهذا يعني أمرين: كفايتك وحفظك وتوليك ونصرك، وكذا أمتك من بعدك. مجازاة أعدائك على قولهم ومكرهم وكيدهم، في الدنيا أو الآخرة، أو فيهما معًا، وكذا أعداء أمتك من بعدك (٢). وفي هذا تهديد وتخويف لأعداء دينه وأوليائه. وهو كقوله تَعَالَى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الإسراء: ١] يسمع ما يقول المشركون من أهل مكة في مسرى رسول الله ﷺ من مكة إلى بيت المقدس، لا يخفى عليه شيء، ولا يعزب عنه،

стр. 524

بل هو محيط بجميعه علمًا، ومحصيه عددًا، وهو لهم بالمرصاد؛ ليجزي جميعهم بما هم أهله (١). كما أن تذكُّر هذا المعنى يحي في القلوب الأمل بالنصر والفرج، وعدم استبطائه أو اليأس منه؛ لأن اللهسُبْحَانَهُ يسمع ويعلم، ولكنه يمهل ولا يهمل. ويثمر أيضًا: الصبر على الأذى والظلم (٢)؛ لعلم العبد بأن ربه السميع يسمع قول ظالمه ويعلم مظلمته؛ فينصره عليه ويجيب دعوته فيه، ولا يردها صفرًا، كما جاء في الحديث: «اتَّقِ دَعْوَةَ المَظْلُومِ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللهِ حِجَابٌ» (٣). الأثر الخامس: محبة الله السميع: الله سُبْحَانَهُ السميع الذي يسمع شكوى العبد وأنينه، ويسمع نداءه وتضرعه، ويجيب دعاءه وسؤاله، ما وقف أحد ببابه فردَّه، ولا لاذ به فصدَّه، ولا لجأ إليه فخذله، وهذا كله يدعو العبد المتأمل إلى محبة الله والتعلق به. الأثر السادس: حفظ نعمة السمع: إذا علم العبد أن ربه السميع أنعم عليه بجارحة السمع، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [الإنسان: ٢]، وعلم أن حق النعمة الشكر بالقلب، واللسان، والجوارح، وأن أعظم ما يكون من الشكر استعمال النعمة في الطاعة دون المعصية.

стр. 525

وعلم أنه مسؤول عن هذه النعمة العظيمة، كما هومسؤول عن سائر النعم، وبقية الحواس، قال تَعَالَى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر: ٨]. قال الشيخ السعدي ﵀: «فحقيق بالعبد الذي يعرف أنه مسئول عما قاله وفعله وعما استعمل به جوارحه التي خلقها الله لعبادته أن يعد للسؤال جوابًا، وذلك لا يكون إلا باستعمالها بعبودية الله وإخلاص الدين له، وكفها عما يكرهه الله تَعَالَى» (١). إذا علم العبد هذا؛ دفعه ذلك كله إلى استعمال سمعه في طاعة الله من سماع القرآن، والعلم، والمواعظ، ونحوها، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤]، وقال في صفات المؤمنين: إنهم ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: ١٨]، أي: هم «الذين يستمعون القول من القائلين، فيتبعون أرشده وأهداه، وأدله على توحيد الله، والعمل بطاعته، ويتركون ما سوى ذلك من القول الذي لا يدل على رشاد، ولا يهدي إلى سداد» (٢). كما يدفعه أيضًا: إلى كف سمعه عن سماع الحرام، من سماع الغناء، والغيبة، والسخرية، والباطل، ونحو ذلك، فذلك كله لا ينفعه سماعه، بل

стр. 526

يكون عليه وبالًا وعقابًا، حتى يقول يوم القيامة حين يرى العذاب: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١٠]. الأثر السابع: دعاء الله السميع: إذا علم العبد أن من معاني اسم الله السميع: المجيب للدعاء؛ دفعه ذلك العلم إلى الإكثار من مناجاة السميع القريب، وسؤاله من حاجات الدنيا والآخرة، من غير ملل أو يأس من كشفه للشدائد وقضائه للحوائج. كما يدفعه أيضًا إلى التوسل إلى الله باسمه «السميع»، لا سيما وأنه مظنة الإجابة؛ فقد دعا زكريا ﵇ ربه: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [آل عمران: ٣٨] (١)، فأجابه السميع، فرزقه الولد وأرسل له الملائكة بالبشرى ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران: ٣٩]، بل زاده في الجواب والعطاء، فأصلح له زوجه، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ﴾ [الأنبياء: ٩٠]. ودعا إبراهيمُ بالولد، فما لبث أن قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [إبراهيم: ٣٩]. ودعا يوسف ﵇: ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي

стр. 527

كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [يوسف: ٣٣]، فأجابه بقوله تَعَالَى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [يوسف: ٣٤]. ودعت امرأة عمران: ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [آل عمران: ٣٥]، فأجابها السميع بقوله تَعَالَى: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ [آل عمران: ٣٧]. ويدفعه أيضًا: إلى الاستعاذة بالله السميع، والالتجاء إليه عند حصول وساوس شياطين الجن والإنس، لا سيما وأن الله أمره بذلك، مذكرًا إياه بأنه السميع العليم، فقال تَعَالَى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [فصلت: ٣٦]، فإنه يسمع قولك وتضرعك، ويعلم حالك وفقرك واضطرارك إلى عصمته وحمايته (١). فاللهم يا سميع يا عليم، نعوذ بك من شر شياطين الإنس والجن ووساوسهم، فاكفناهم بما شئت.

стр. 528

الشَّكُور الشَّاكرُ ﷻ - المعنى اللغوي: قال الجوهري ﵀: «الشكر: الثناء على المحسن بما أولاكه من معروف، يقال: شكرته وشكرت له، وباللام أفصح» (١). قال ابن فارس ﵀: «الشين والكاف والراء أصول أربعة متباينة بعيدة القياس، فالأول- وهو المراد-: الثناء على الإنسان بمعروف يوليكه ...... » (٢). ورود اسمي الله (الشَّكُور - الشاكر) في القرآن الكريم: ورد اسم (الشكور) في كتاب الله تَعَالَى في أربع آيات، ومن وروده مايلي: قول الله : ﴿لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [فاطر: ٣٠]. قوله : ﴿وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ … اللَّهَ … غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [الشورى: ٢٣]. قوله : ﴿وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ﴾ [التغابن: ١٧].

стр. 529

وورد اسم (الشاكر) في آيتين، وهما: قوله : ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٥٨]. قوله سُبْحَانَهُ: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا﴾ [النساء: ١٤٧]. ورود اسمي الله (الشَّكُور- الشاكر) في السنة النبوية: لم يرد اسم الله تَعَالَى (الشكور) في السنة النبوية، إلا في حديث سرد الأسماء (١). أما اسم الله (الشاكر) سُبْحَانَهُ فقد ورد في بعض الأحاديث، ومن وروده ما يلي: قوله ﷺ : «مَنِ اصْطَنَعَ إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَجَازُوهُ، فَإِنْ عَجَزْتُمْ عنْ مُجَازَاتِهِ فَادْعُوا لَهُ، حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّكُمْ قَدْ شَكَرْتُمْ، فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ يُحِبُ الشَّاكِرِينَ» (٢). عن عبد الله بن عباس ﵄، قال: «لما أذن رسول الله ﷺ بالحج قال الأقرع ابن حابس: أكل عام يا رسول الله؟ قال النبي ﷺ : لَا، بَلْ حَجَّةٌ، فَمَنْ حَجَّ بَعْدَ ذَلِكَ، فَهُوَ تَطَوُّعٌ، وَلَوْ قُلْتُ: نَعَمْ، لَوَجَبَتْ، وَلَوْ وَجَبَتْ لَمْ تَسْمَعُوا وَلَمْ تُطِيعُوا» (٣).

стр. 530

معنى اسمي الله (الشَّكُور والشاكر) في حقه تعالى: قال قتادة ﵀ عند قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [فاطر: ٣٠]: «إنه غفور لذنوبهم، شكور لحسناتهم»، وقال: «إن الله غفور للذنوب، شكور للحسنات يضاعفها» (١). قال الخطابي ﵀: «الشكور هو الذي يشكر اليسير من الطاعة، فيثيب عليه الكثير من الثواب، ويعطي الجزيل من النعمة، فيرضى باليسير من الشكر، كقوله سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [فاطر: ٣٤]» (٢). قال ابن كثير ﵀: «وقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٥٨] أي: يثيب على القليل بالكثير» (٣). قال السعدي ﵀: «هو الذي يشكر القليل من العمل الخالص النقي النافع، ويعفو عن الكثير من الزلل، ولا يضيع أجر من أحسن عملًا، بل يضاعفه أضعافًا مضاعفة بغير عد ولا حساب» (٤). قال ابن القيم ﵀ في نونيته: وَهْوَ الشَّكُورُ فَلَنْ يُضَيِّعَ سَعْيَهُمْ … لَكِنْ يُضَاعِفُهُ بِلَا حُسْبَانِ مَا لِلْعِبَادِ عَلَيْهِ حَقٌّ وَاجِب … هُوَ أَوْجَبَ الأَجْرَ العَظِيمَ الشَّانِ
следующие страницы →