يكون عليه وبالًا وعقابًا، حتى يقول يوم القيامة حين يرى العذاب: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١٠].
الأثر السابع: دعاء الله السميع:
إذا علم العبد أن من معاني اسم الله السميع: المجيب للدعاء؛ دفعه ذلك العلم إلى الإكثار من مناجاة السميع القريب، وسؤاله من حاجات الدنيا والآخرة، من غير ملل أو يأس من كشفه للشدائد وقضائه للحوائج.
كما يدفعه أيضًا إلى التوسل إلى الله باسمه «السميع»، لا سيما وأنه مظنة الإجابة؛ فقد دعا زكريا ﵇ ربه: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [آل عمران: ٣٨] (١)، فأجابه السميع، فرزقه الولد وأرسل له الملائكة بالبشرى ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران: ٣٩]، بل زاده في الجواب والعطاء، فأصلح له زوجه، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ﴾ [الأنبياء: ٩٠].
ودعا إبراهيمُ بالولد، فما لبث أن قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [إبراهيم: ٣٩].
ودعا يوسف ﵇: ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي
стр. 527
كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [يوسف: ٣٣]، فأجابه بقوله تَعَالَى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [يوسف: ٣٤].
ودعت امرأة عمران: ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [آل عمران: ٣٥]، فأجابها السميع بقوله تَعَالَى: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ [آل عمران: ٣٧].
ويدفعه أيضًا: إلى الاستعاذة بالله السميع، والالتجاء إليه عند حصول وساوس شياطين الجن والإنس، لا سيما وأن الله أمره بذلك، مذكرًا إياه بأنه السميع العليم، فقال تَعَالَى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [فصلت: ٣٦]، فإنه يسمع قولك وتضرعك، ويعلم حالك وفقرك واضطرارك إلى عصمته وحمايته (١).
فاللهم يا سميع يا عليم، نعوذ بك من شر شياطين الإنس والجن ووساوسهم، فاكفناهم بما شئت.
стр. 528
الشَّكُور الشَّاكرُ ﷻ -
المعنى اللغوي:
قال الجوهري ﵀: «الشكر: الثناء على المحسن بما أولاكه من معروف، يقال: شكرته وشكرت له، وباللام أفصح» (١).
قال ابن فارس ﵀: «الشين والكاف والراء أصول أربعة متباينة بعيدة القياس، فالأول- وهو المراد-: الثناء على الإنسان بمعروف يوليكه ...... » (٢).
ورود اسمي الله (الشَّكُور - الشاكر) في القرآن الكريم:
ورد اسم (الشكور) في كتاب الله تَعَالَى في أربع آيات، ومن وروده مايلي:
قول الله : ﴿لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [فاطر: ٣٠].
قوله : ﴿وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ … اللَّهَ … غَفُورٌ
شَكُورٌ﴾ [الشورى: ٢٣].
قوله : ﴿وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ﴾ [التغابن: ١٧].
стр. 529
وورد اسم (الشاكر) في آيتين، وهما:
قوله : ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٥٨].
قوله سُبْحَانَهُ: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا﴾ [النساء: ١٤٧].
ورود اسمي الله (الشَّكُور- الشاكر) في السنة النبوية:
لم يرد اسم الله تَعَالَى (الشكور) في السنة النبوية، إلا في حديث سرد الأسماء (١).
أما اسم الله (الشاكر) سُبْحَانَهُ فقد ورد في بعض الأحاديث، ومن وروده ما يلي:
قوله ﷺ : «مَنِ اصْطَنَعَ إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَجَازُوهُ، فَإِنْ عَجَزْتُمْ عنْ مُجَازَاتِهِ فَادْعُوا لَهُ، حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّكُمْ قَدْ شَكَرْتُمْ، فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ يُحِبُ الشَّاكِرِينَ» (٢).
عن عبد الله بن عباس ﵄، قال: «لما أذن رسول الله ﷺ بالحج قال الأقرع ابن حابس: أكل عام يا رسول الله؟ قال النبي ﷺ : لَا، بَلْ حَجَّةٌ، فَمَنْ حَجَّ بَعْدَ ذَلِكَ، فَهُوَ تَطَوُّعٌ، وَلَوْ قُلْتُ: نَعَمْ، لَوَجَبَتْ، وَلَوْ وَجَبَتْ لَمْ تَسْمَعُوا وَلَمْ تُطِيعُوا» (٣).
стр. 530
معنى اسمي الله (الشَّكُور والشاكر) في حقه تعالى:
قال قتادة ﵀ عند قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [فاطر: ٣٠]: «إنه غفور لذنوبهم، شكور لحسناتهم»، وقال: «إن الله غفور للذنوب، شكور للحسنات يضاعفها» (١).
قال الخطابي ﵀: «الشكور هو الذي يشكر اليسير من الطاعة، فيثيب عليه الكثير من الثواب، ويعطي الجزيل من النعمة، فيرضى باليسير من الشكر، كقوله سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [فاطر: ٣٤]» (٢).
قال ابن كثير ﵀: «وقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٥٨] أي: يثيب على القليل بالكثير» (٣).
قال السعدي ﵀: «هو الذي يشكر القليل من العمل الخالص النقي النافع، ويعفو عن الكثير من الزلل، ولا يضيع أجر من أحسن عملًا، بل يضاعفه أضعافًا مضاعفة بغير عد ولا حساب» (٤).
قال ابن القيم ﵀ في نونيته:
وَهْوَ الشَّكُورُ فَلَنْ يُضَيِّعَ سَعْيَهُمْ … لَكِنْ يُضَاعِفُهُ بِلَا حُسْبَانِ
مَا لِلْعِبَادِ عَلَيْهِ حَقٌّ وَاجِب … هُوَ أَوْجَبَ الأَجْرَ العَظِيمَ الشَّانِ
стр. 531
كَلَّا وَلَا عَمَلٌ لَدَيْهِ ضَائِعٌ … إِنْ كَانَ بِالإِخْلَاصِ والإِحْسَانِ
إِنْ عُذِّبُوا فَبِعَدْلِهِ أَوْ نُعِّمُوا … فَبِفَضْلِهِ والحَمْدُ للمَنَّانِ (١)
اقتران اسمي الله (الشَّكُور - الشاكر) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ في القرآن الكريم:
أولًا: اقتران اسم الله الشَّكُور باسم الله الحليم:
تقدم بيانه في اسم الله (الحليم) سُبْحَانَهُ.
ثانيًا: اقتران اسمه سُبْحَانَهُ (الشكور) باسمه سُبْحَانَهُ (الغفور):
ورد هذا الاقتران ثلاث مرات في القرآن الكريم، ومن ذلك قوله : ﴿لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [فاطر: ٣٠]، وقوله سُبْحَانَهُ: ﴿وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [الشورى: ٢٣].
وجه الاقتران:
«وجملة ﴿إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [فاطر: ٣٠] تذييل وتعليل للزيادة؛ لقصد تحقيقها بأن الله كثيرة مغفرته لمن يستحقها، كثير شكره للمتقربين إليه» (٢).
стр. 532
ثالثًا: اقتران اسم الله (الشاكر) باسم الله (العليم):
ورد هذا الاقتران مرتين في القرآن الكريم، وذلك في قوله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٥٨]، وقوله سُبْحَانَهُ: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا﴾ [النساء: ١٤٧].
وجه الاقتران:
قال ابن عاشور ﵀: «وقوله تَعَالَى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ دليل الجواب؛ إذ التقدي: ر ومن تطوع خيرًا جوزي به؛ لأن الله شاكر، أي: لا يضيع أجر محسن، عليم لا يخفى عنه إحسانه، وذكر الوصفين؛ لأن ترك الثواب عن الإحسان لا يكون إلا عن جحود للفضيلة أو جهل بها؛ فلذلك نفيا- بقوله: شاكر عليم» (١).
«وأما عن المعنى الزائد في اجتماع هذين الاسمين الكريمين (الشاكر)، (والعليم) فهو- والله أعلم-: أن الله سُبْحَانَهُ عليم بمن يستحق الشكر على عمله وقبوله وإثابته عليه، فليس كل عامل ومتطوع بالخير يقبل الله سعيه ويشكره عليه، فهوسُبْحَانَهُ أعلم بالشاكرين حقيقة، وبالمتقربين المخلصين في تقربهم له- سُبْحَانَهُ، قال الله : ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ [الأنعام: ٣٥]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم: ٣٢]» (٢).
стр. 533
الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (الشكُور- الشاكر):
الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (الشكور) من صفات الله تعالى:
إن شكر الله تَعَالَى لعباده في حقيقته امتنان منه سُبْحَانَهُ، وكمال إحسان وكرم وحلم وفضله منه، رغم أن ملكه سُبْحَانَهُ لا يزداد شيئًا بشكر الناس له ونسبتهم الفضل إليه، كما أنه لا يتضرر بكفرهم؛ لأنه الغني الحميد، ولكنه ﵎ يحب أن يحمد ويشكر، ويرضى عن العبد بذلك، ويكره أن يكفر به وبنعمته، ويسخط على العبد بذلك.
يقول ابن القيم ﵀ في ذلك: «وأما شكر الرب تَعَالَى فله شأن آخر كشأن صبره، فهو أولى بصفة الشكر من كل شكور، بل هو الشكور على الحقيقة» (١).
ثم ذكر ابن القيم بعض مظاهر شكر الله لعباده، ومنها:
من شكره سُبْحَانَهُ: أن العبد إذا ذكر ربه وأثنى عليه في ملأ أو مجلس ذكر؛ شكره الله وأثنى عليه وذكره في ملأ أعلى وأخير منه، يقول الله تَعَالَى في الحديث القدسي: «أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي، فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ، … » (٢).
من شكره سُبْحَانَهُ: أنه إذا أحب عبدًا ألقى محبته بين العباد، قال ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ ﵎ إِذَا أَحَبَّ عَبْدًا نَادَى جِبْرِيلَ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَبَّ
стр. 534
فُلَانًا فَأَحِبَّهُ، فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ، ثُمَّ يُنَادِي جِبْرِيلُ فِي السَّمَاءِ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَبَّ فُلَانًا فَأَحِبُّوهُ، فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ، وَيُوضَعُ لَهُ القَبُولُ فِي أَهْلِ الأَرْضِ» (١).
من شكره سُبْحَانَهُ: توفيقه لعباده إلى الخير، ثم إعطاؤهم وإثابتهم على العمل به، فالله يشكر القليل من العمل، ويعطي عليه ثوابًا جزيلًا أكثر من العمل نفسه، فيضاعف الحسنة بعشر أمثالها إلى أضعاف مضاعفة، إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، وقد يجزي الله العبد على العمل بأنواع من الثواب العاجل قبل الآجل، يقول ﷺ في الحديث القدسي: «يقول الله تعالى: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي، فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ بِشِبْرٍ تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا، وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً» (٢).
من شكره سُبْحَانَهُ: أنه لا يجزي بالسيئة إلا سيئة واحدة مثلها؛ يقول سُبْحَانَهُ: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ١٦٠] وقال سُبْحَانَهُ: ﴿مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [غافر: ٤٠].
من شكره سُبْحَانَهُ: أن الهم بالحسنة يكتبها حسنة كاملة، والهم بالمعصية وتركها من أجل الله يكتب بها حسنة، قال ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ
стр. 535
كَتَبَ الحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ، فَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا الله لَهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، فَإِنْ هُوَ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا الله لَهُ عِنْدَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ إِلَى سَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ، وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا الله لَهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، فَإِنْ هُوَ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا الله لَهُ سَيِّئَةً وَاحِدَةً» (١).
من شكره سُبْحَانَهُ: أنه لا يقتصر شكره لعباده المؤمنين، بل يجازي حتى عدوه بما يفعله من الخير والمعروف في الدنيا، عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إِنَّ اللهَ لَا يَظْلِمُ مُؤْمِنًا حَسَنَةً، يُعْطَى بِهَا فِي الدُّنْيَا وَيُجْزَى بِهَا فِي الْآخِرَةِ، وَأَمَّا الْكَافِرُ فَيُطْعَمُ بِحَسَنَاتِ مَا عَمِلَ بِهَا لِلَّهِ فِي الدُّنْيَا، حَتَّى إِذَا أَفْضَى إِلَى الْآخِرَةِ، لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَةٌ يُجْزَى بِهَا»، وفي رواية: «إِنَّ الْكَافِرَ إِذَا عَمِلَ حَسَنَةً أُطْعِمَ بِهَا طُعْمَةً مِنَ الدُّنْيَا، وَأَمَّا الْمُؤْمِنُ، فَإِنَّ اللهَ يَدَّخِرُ لَهُ حَسَنَاتِهِ فِي الْآخِرَةِ وَيُعْقِبُهُ رِزْقًا فِي الدُّنْيَا عَلَى طَاعَتِهِ» (٢).
من شكره سُبْحَانَهُ: غفرانه للكثير من الزلل شكرًا للقليل من العمل، فيثيب الثواب الجزيل ولو كان العمل قليلًا، ومن ذلك ماثبت من غفرانه للمرأة البغى بسقيها كلبًا، يقول ﷺ : «بَيْنَمَا كَلْبٌ يُطِيفُ بِرَكِيَّةٍ قَدْ كَادَ يَقْتُلُهُ الْعَطَشُ، إِذْ رَأَتْهُ بَغِيٌّ مِنْ بَغَايَا بَنِي إِسْرَائِيلَ فَنَزَعَتْ مُوقَهَا، فَاسْتَقَتْ لَهُ بِهِ، فَسَقَتْهُ إِيَّاهُ، فَغُفِرَ لَهَا بِهِ» (٣)، وغفرانه لآخر بتنحيته غصن شوك عن طريق المسلمين، قال ﷺ : «بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ وَجَدَ غُصْنَ شَوْكٍ عَلَى الطَّرِيقِ
стр. 536
فَأَخَّرَهُ، فَشَكَرَ الله لَهُ فَغَفَرَ لَهُ» (١)، وفي الحديث الآخر يقول ﷺ : «لَقَدْ رَأَيْتُ رَجُلًا يَتَقَلَّبُ فِي الْجَنَّةِ، فِي شَجَرَةٍ قَطَعَهَا مِنْ ظَهْرِ الطَّرِيقِ، كَانَتْ تُؤْذِي النَّاسَ» (٢).
من شكره سُبْحَانَهُ: إخراجه للعبد من النار بأدنى مثقال ذرة من خير، وشكر هذا القدر له، ففي الحديث: «فَأَخْرج مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ أَدْنَى أَدْنَى أَدْنَى مِثْقَالِ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ فَأَخرجهُ مِنْ النَّارِ» (٣).
من شكره سُبْحَانَهُ: أن العبد من عباده يقوم له مقامًا يرضيه بين الناس فيشكر له، وينوه بذكره، يخبر ملائكته وعباده المؤمنين، كما شكر لمؤمن آل فرعون، وأثنى به عليه، ونوه بذكره بين عباده، وكذلك شكره لصاحب يس مقامه ودعوته إليه.
من شكره سُبْحَانَهُ: أن العبد إن ترك شيئًا لله أعطاه أفضل منه، وإذا بذل له شيئًا رده عليه أضعافًا مضاعفة، وهو الذي وفقه للترك والبذل، ولكنه شكره على هذا وذاك (٤)، ومن شواهد ذلك:
* «لما عقر نبيه سليمان الخيل غضبًا له؛ إذ شغلته عن ذكره فأراد ألا تشغله مرة أخرى أعاضه عنها بمتن الريح.
* و لما احتمل يوسف الصديق ضيق السجن؛ شكر له ذلك بأن مكن له في
стр. 537
الأرض يتبوأ منها حيث يشاء، قال تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٥٦].
* ولما بذل الرسل كافة أعراضهم فيه لأعدائهم، فنالوا منهم وسبوهم؛ أعاضهم من ذلك بأن صلى عليهم هو وملائكته، وجعل لهم أطيب الثناء في سماواته وبين خلقه، فأخلصهم بخالصة؛ ذكرى الدار.
* ولما ترك الصحابة ديارهم وخرجوا منها في مرضاته؛ أعاضهم عنها أن ملكهم الدنيا، وفتح لهم ملك فارس والروم، فمما روي عن أبي ذر أنه عندما فتح قبرص بكى بكاءً أبكى من حوله، قالوا: تبكي وهو يوم عظيم فتح الله بلاد الكفر لأهل الإيمان؟ قال: أبكي؛ لأنه لما غيروا نعمة الله عليهم غير الله ما بهم؛ فأورثنا أرضهم.
* ولما بذل الشهداء أبدانهم له حتى مزقها أعداؤه؛ شكر لهم ذلك بأن أعاضهم منها طيرًا خضرًا أقر أرواحهم فيها ترد أنهار الجنة، وتأكل من ثمارها إلى يوم البعث، فيردها عليهم أكمل ما تكون وأجمله وأبهاه» (١).
ولذلك كله: نُهينا أن نستصغر شيئًا من أعمال البر، ولو كان يسيرًا، يقول تَعَالَى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦١]، وقال ﷺ لأبي ذر: «لَا تَحْقِرَنَّ مِنَ المَعْرُوفِ شَيْئًا، وَلَوْ أَنْ تَلْقَى أَخَاكَ بِوَجْهٍ طَلْقٍ» (٢).
стр. 538
الأثر الثاني: دلالة اسم الله (الشكور) على التوحيد:
من تأمل في اسم الله (الشكور) وما فيه من جزيل العطايا والكرم والامتنان الإلهي، علم أن أعظم الشكر هو توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له؛ لأنه هو الذي خلق وأوجد من العدم، ورزق الإنسان الأرزاق الكثيرة، ولم يشاركه في ذلك أحد، فلا يستحق أحد العبادة معه، ولكن أكثر الناس أعرضوا عن هذه الحقيقة، كما قال تَعَالَى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ﴾ [النمل: ٧٣] وجعلوا له أندادًا، ونسبوا لها الضر والنفع، والتصرف في الأرزاق، ودفع الأمراض، وقضاء الحاجات، وتفريج الكبريات.
فمن الشرك الذي يقع من العباد: نسبتهم ما يحصل لهم من الأرزاق إلى المخلوقين، قال البخاري ﵀ في صحيحه: باب قول الله تَعَالَى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨٢]، قال ابن عباس ﵄: «شُكرَكم» (١).
وروى زيد بن خالد الجهني ﵁، أنه قال: «صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ صَلَاةَ الصُّبْحِ بِالْحُدَيْبِيَةِ، عَلَى إِثْرِ سَمَاءٍ كَانَتْ مِنَ اللَّيْلَةِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ النَّبِيُّ ﷺ ، أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قال: «أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ، فَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ، فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ بِالكَوْكَبِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ: بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا، فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي وَمُؤْمِنٌ بِالكَوْكَبِ» (٢)، وفي رواية: «ما أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ بَرَكَةٍ إِلَّا أَصْبَحَ فَرِيقٌ مِنَ النَّاسِ بِهَا كَافِرِينَ، يُنْزِلُ اللهُ الْغَيْثَ
стр. 539
فَيَقُولُونَ: الْكَوْكَبُ كَذَا وَكَذَا» (١).
وكما أن اسم الله (الشكور) دال على الربوبية والألوهية، فكذا هو دال على الأسماء والصفات؛ إذ يدل على اسم الله المحسن، الرزاق، الرحمن، الرحيم، الكريم، الحليم إلى غير ذلك من أسمائه سُبْحَانَهُ وما فيها من صفات.
الأثر الثالث: كل عمل صالح يشكره الله، وهناك أعمال مخصوصة ورد شكر الله عليها:
من فضل الشكور وعظيم شكره وامتنانه، أن كل عمل صالح يقبله الله ويشكره لعباده، إلا أن هناك أعمالًا جاء النص على شكر الله لها على سبيل التخصيص، ومنها:
- الإيمان الصادق والشكر لله تَعَالَى على إنعامه:
قال سُبْحَانَهُ: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا﴾ [النساء: ١٤٧].
- قراءة القرآن:
قال : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ (٢٩) لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [فاطر: ٢٩، ٣٠]، فالذي يتلو كتاب الله له بكل حرف حسنة، والحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف.
стр. 540
- الحج والعمرة:
قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٥٨].
الصدقة:
قال تَعَالَى: ﴿إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ﴾ [التغابن: ١٧]، و يقول سُبْحَانَهُ: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦١].
وبالإجمال- فكما تقدم-: الله تَعَالَى يشكر لعبده كل حسنة يفعلها بمضاعفة أجرها، يقول تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [الشورى: ٢٣].
ولذلك إذا دخل أهلُ الجنةِ الجنةَ تقالُّوا عملهم فيما يرون من الجنة، يقول تَعَالَى عنهم: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (٣٣) وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [فاطر: ٣٣، ٣٤]، فأهل الجنة يدركون تمامًا أن الله تَعَالَى غفر لهم السيئات، وضاعف لهم الحسنات، وبرحمته أدخلهم الجن؛ وذلك لأن عبادة ستين أو سبعين سنة، لا تعادل ماهم فيه من نعيم الجنة العظيم، وفي الحديث: «لَوْ أَنَّ رَجُلًا يُجَرُّ عَلَى وَجْهِهِ مِنْ يَوْمِ وُلِدَ إِلَى أَنْ يَمُوتَ هَرَمًا فِي مَرْضَاةِ اللهِ، لَحَقَرَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (١).
стр. 541
وعليه فإن كل ما يتقرب به إلى الله سُبْحَانَهُ من صلاة وصيام وحج وصدقة وجهاد، وغيرها من أعمال البر المحدودة بالأعمار القصيرة، والتي يتخللها التقصير والسهو والنسيان، لا يمكن بحال أن تكون ثمنًا لدخول الجنة السرمدية، فدخول العبد الجنة والفوز بها إنما هو بفضل الله تَعَالَى ورحمته (١)، ولذا جاء في الحديث عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «سَدِّدُوا، وَقَارِبُوا، وَأَبْشِرُوا؛ فَإِنَّهُ لَنْ يُدْخِلَ الجَنَّةَ أَحَدًا عَمَلُهُ، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟، قال: وَلَا أَنَا، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللهُ بِمَغْفِرَةٍ وَرَحْمَةٍ» (٢).
ولا تعارض بين هذا الحديث وبين قوله تَعَالَى: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف: ٧٢] فالباء هنا ليست للعوض، فليست الجنة عوضًا للعمل، وإنما باء السببية، فمن أسباب دخول الجنة: العمل، وقيل: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ الأعمال التي قبلها الله برحمته.
الأثر الرابع: الله سُبْحَانَهُ يشكر أعمال عباده جملة وتفصيلًا:
فالله سُبْحَانَهُ يعطي المتاجرين معه أجرًا على العمل الصالح جملة مرة، وتفصيلًا مرة أخرى، وبيان ذلك ما يلي:
١) في عبادة الصلاة: يعطي عباده الأجر عليه جملة كما قال ﷺ : «الصَّلاةُ الخَمْسُ، والجُمُعَةُ إِلَى الجُمُعَةِ، كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ، مَا لَمْ تُغْشَ
стр. 542
الكَبَائِرُ» (١)، ثم يعطيهم الأجر على كل عمل في الصلاة أو تابع لها، على وجه التفصيل، فمثلًا:
- قال ﷺ في أجر الوضوء والذكر بعده: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ فَيُبْلِغُ- أو فَيُسْبِغُ- الْوَضُوءَ ثُمَّ يَقُولُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ إِلَّا فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةُ يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ» (٢).
- قال ﷺ في أجر الخطوات نحو الصلاة: «مَنْ غَدَا إِلَى المَسْجِدِ وَرَاحَ، أَعَدَّ الله لَهُ نُزُلَهُ مِنَ الجَنَّةِ كُلَّمَا غَدَا أَوْ رَاحَ» (٣).
- قال ﷺ في أجر من مشى إلى الصلاة في الظلمات: «بَشِّرِ الْمَشَّائِينَ فِي الظُّلَمِ إِلَى الْمَسَاجِدِ بِالنُّورِ التَّامِّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (٤).
- قال ﷺ في أجر السجود: «عَلَيْكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ لِلَّهِ، فَإِنَّكَ لَا تَسْجُدُ لِلَّهِ سَجْدَةً، إِلَّا رَفَعَكَ اللهُ بِهَا دَرَجَةً، وَحَطَّ عَنْكَ بِهَا خَطِيئَةً» (٥).
- قال ﷺ في أجر الأذكار بعد الصلاة: «مَنْ سَبَّحَ اللهَ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَحَمِدَ اللهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَكَبَّرَ اللهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، فَتْلِكَ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ، وَقَالَ: تَمَامَ الْمِائَةِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ؛ غُفِرَتْ خَطَايَاهُ وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ» (٦).
стр. 543
٢) في عبادة الصيام: يعطي عباده الأجر عليه جملة كما قال ﷺ : «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ، إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» (١)، ثم يعطيهم الأجر على كل عمل في الصيام أو تابع له، على وجه التفصيل، فمثلًا:
- قال ﷺ في أجر صوم اليوم الواحد في سبيل الله: «مَنْ صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، بَعَّدَ الله وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا» (٢).
- قال ﷺ عن أجر رائحة فم الصائم: «وَلَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ المِسْكِ» (٣).
٣) في عبادة الحج: يعطي عباده الأجر عليه جملة، كما قال ﷺ : «مَنْ حَجَّ لِلَّهِ فَلَمْ يَرْفُثْ، وَلَمْ يَفْسُقْ، رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» (٤)، ثم يعطيهم الأجر على كل عمل في الحج أو تابع له، على وجه التفصيل، فمثلًا:
- قال ﷺ في أجر التلبية: «مَا مِنْ مُلَبٍّ يُلَبِّي، إِلَّا لَبَّى، مَا عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ، مِنْ حَجَرٍ، أَوْ شَجَرٍ، أَوْ مَدَرٍ، حَتَّى تَنْقَطِعَ الْأَرْضُ، مِنْ هَا هُنَا وَهَا هُنَا» (٥).
- قال ﷺ في أجر يوم عرفة: «مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللهُ
стр. 544
فِيهِ عَبْدًا مِنَ النَّارِ، مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَإِنَّهُ لَيَدْنُو، ثُمَّ يُبَاهِي بِهِمِ الْمَلَائِكَةَ، فَيَقُولُ: مَا أَرَادَ هَؤُلَاءِ؟» (١).
- قال ﷺ في أجر الصلاة في المسجد الحرام: «وَصَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَلُ مِنْ مِائَةِ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ» (٢).
وهكذا في كل الأعمال الصالحة، فالله يشكرها جملة وتفصيلًا، منة منه وفضلًا وكرمًا وإحسانًا.
الأثر الخامس: محبة الله الشكور سُبْحَانَهُ:
إن التأمل في اسم الله الشكور وما يتصف به سُبْحَانَهُ من إثابة العمل القليل قبل الكثير، وشكر المذنب العاصي والمؤمن الصالح جميعًا، وعظم هذا الشكر والجزاء في الدنيا والآخرة مقابل يسر العمل وقلته؛ لا شك أن ذلك يورث العبد حياء من ربه ويملأ قلبه حبًّا له وعرفانًا تجاه إنعامه ومننه، فَسُبْحَانَهُ قد غمر العباد بفضله وإحسانه وكرمه، وهو الذي أنعم عليهم بنعمة الإيجاد والإعداد والإمداد، ومع ذلك فهو يجازيهم على العمل الصالح القليل الذي هو بتوفيقه وفضله؛ يشكرهم عليه ويضاعف لهم الأجور ويغفر لهم الذنوب، فَسُبْحَانَهُ من إله شكور بر رحيم جواد كريم يستحق الحمد كله والحب كله، وإفراده وحده بالعبادة لا شريك له.
стр. 545
الأثر السادس: الكفر بنعم الله مؤذن بزوالها عمن كفر بها:
على المؤمن أن يدرك أن النعم التي يتفضل الله بها على عباده المؤمنين؛ جزاء لهم على أعمالهم الصالحة ليست جزاء توفية، بل إنها بعض نعمته العاجلة لهم، وأنهم إذا أطاعوه زادهم إلى هذه النعم نعمًا أخرى، ثم في الآخرة يوفيهم أجور أعمالهم تامة غير منقوصة ويزيدهم من فضله، يقول تَعَالَى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾ [النحل: ٣٠]، وقال تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤١]، والعبد الشاكر لربه الشكور يعلم علمًا يقينيًّا أن لشكره عاقبة ومنزلة عظمى، فبالشكر تقيد للنعم الحاضرة، وجلب للنعم المفقودة، فضلًا على أن الشكر سبب لزيادة النعم وبقائها، يقول سُبْحَانَهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٧].
وبالمقابل: كفران النعم وجحودها مؤذن بزوالها، يقول تَعَالَى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (١١٢) وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [النحل: ١١٢، ١١٣].
يقول السعدي ﵀ في تفسير الآية: وهذه القرية هي مكة المشرفة التي كانت آمنة مطمئنة لا يهاج فيها أحد، وتحترمها الجاهلية الجهلاء، حتى إن أحدهم يجد قاتل أبيه وأخيه، فلا يهيجه مع شدة الحمية فيهم، والنعرة العربية، فحصل لها من الأمن التام ما لم يحصل لسواها وكذلك الرزق الواسع، كانت
стр. 546
بلدة ليس فيها زرع ولا شجر، ولكن يسَّر الله لها الرزق يأتيها من كل مكان، فجاءهم رسول منهم يعرفون أمانته وصدقه، يدعوهم إلى أكمل الأمور، وينهاهم عن الأمور السيئة، فكذبوه وكفروا بنعمة الله عليهم، فأذاقهم الله ضد ما كانوا فيه، وألبسهم لباس الجوع الذي هو ضد الرغد، والخوف الذي هو ضد الأمن؛ وذلك بسبب صنيعهم وكفرهم وعدم شكرهم قال تَعَالَى: ﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [النحل: ٣٣] (١).
ولذا كان النبي ﷺ يستعيذ من زوال النعمة في دعائه، كما جاء في حديث ابن عمر ﵄، قال: كان من دعاء النبي ﷺ : «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ زَوَالِ نِعْمَتِكَ، وَتَحَوُّلِ عَافِيَتِكَ، وَفُجَاءَةِ نِقْمَتِكَ، وَجَمِيعِ سَخَطِكَ» (٢).
الأثر السابع: «لا يشكر الله من لا يشكر الناس»:
قال ابن الأثير ﵀ في شرح حديث: «لَا يَشْكُرُ اللهَ مَنْ لَا يَشْكُرُ النَّاسَ» (٣): «معناه أن اللهتَعَالَى لا يقبل شكر العبد على إحسانه إليه، إذا كان العبد لا يشكر إحسان الناس، ويكفر أمرهم؛ لاتصال أحد الأمرين بالآخر، وقيل معناه: أن من كان عادته وطبعه كفران نعمة الناس وترك شكره لهم؛ كان من عادته كفر نعمة الله وترك الشكر له، وقيل: معناه أن من لا يشكر الناس كان كمن لا يشكر الله ، وأن شكره كما تقول: لا يحبني من لا
стр. 547
يحبك، أي: أن محبتك مقرونة بمحبتي، فمن أحبني يحبك، ومن لا يحبك فكأنه لم يحبني» (١).
وفي الحديث الآخر: «وَمَنْ صَنَعَ إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا مَا تُكَافِئُونَهُ، فَادْعُوا لَهُ حَتَّى تَرَوْا أَنَّكُمْ قَدْ كَافَأْتُمُوهُ» (٢)، وعن عائشة ﵂ مرفوعًا «مَنْ أُتِيَ إِلَيْهِ مَعْرُوفٌ، فَلْيُكَافِئْ بِهِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ، فَلْيَذْكُرْهُ، فَمَنْ ذَكَرَهُ، فَقَدْ شَكَرَهُ» (٣).
وعن النعمان ﵁ مرفوعًا «مَنْ لَمْ يَشْكُرِ الْقَلِيلَ، لَمْ يَشْكُرِ الْكَثِيرَ، وَمَنْ لَمْ يَشْكُرِ النَّاسَ، لَمْ يَشْكُرِ اللهَ، التَّحَدُّثُ بِنِعْمَةِ اللهِ شُكْرٌ، وَتَرْكُهَا كُفْرٌ، وَالْجَمَاعَةُ رَحْمَةٌ، وَالْفُرْقَةُ عَذَابٌ» (٤)، وعن أنس ﵁، قال: «إن المهاجرين قالوا يا رسول الله: ذهبت الأنصار بالأجر كله، قال: لَا، مَا دَعَوْتُمُ اللَّهَ لَهُمْ وَأَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِمْ» (٥).
وأولى الناس بالشكر هما: الوالدان، فقد قرن الله شكرهما بشكره، قال تَعَالَى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ [لقمان: ١٤]، فأمر بشكره ثم بشكر الوالدين؛ إذ كانا سبب وجوده في الدنيا، وسهرًا وتعبًا في تربيته وتغذيته، فمن عقهما أو
стр. 548
أساء إليهما فما شكرهما على صنيعهما؛ بل جحد أفضالهما عليه، ومن لم يشكرهما فإنه لم يشكر الله الذي أجرى تلك النعم على أيديهما، وقال الرسول ﷺ : «رَغِمَ أَنْفُهُ، ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُهُ، ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُهُ، قيل: من يا رسول الله؟ قال: مَنْ أَدْرَكَ وَالِدَيْهِ عِنْدَ الْكِبَرِ، أَحَدَهُمَا أَوْ كِلَيْهِمَا، ثُمَّ لَمْ يَدْخُلِ الْجَنَّةَ» (١).
من أذم الخصال: أن لا تشكر المرأة زوجها مع إحسانه، فأكبر إحسان أنه اختار المرأة من نساء العالمين، وربط اسمه باسمها، وجعلها موطن الولد له، وأسكنها بيته، وإبراهيم ﵇ لما زار بيت ابنه إسماعيل ﵇ وسأل كيف رزقكم؟ فذمت، فقال: قولي لزوجك إذا أتى يغير عتبة داره، ولما أتى أسماعيل قال: ذاك أبي أبراهيم وأمرني أن أطلقك (٢)؛ لأنها امرأة لا تشكر، وفي الصحيحين أنه ﷺ قال: «يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ، تَصَدَّقْنَ وَأَكْثِرْنَ الاسْتِغْفَارَ، فَإِنِّي رَأَيْتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ، فقالت امرأة منهن جزلة: وما لنا أكثر أهل النار؟ قال: تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ، وَتَكْفُرْنَ العَشِيرَ» (٣) «جزلة» بفتح الجيم وسكون الزاي أي: ذات عقل ورأي، والجزالة: العقل والوقار، فقد توعد على كفران العشير، وهو في الأصل: المعاشر، والمراد هنا: الزوج، توعد على كفران العشير والإحسان بالنار؛ فدل على أنه كبيرة على نص أحمد ﵀ بخلاف اللعن، فإنه قال: «تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ» والصغيرة تصير كبيرة بالكثرة.
стр. 549
الأثر الرابع: وجوب شكر الله تَعَالَى على نعمائه:
على العبد أن يستشعر وجوب الشكر على كل مكلف بالاتفاق، فهو أساس الإيمان، يقول ابن القيم ﵀: «ومقام الشكر جامع لجميع مقامات الإيمان؛ ولذلك كان أرفعها وأعلاها، وهو فوق الرضا، وهو يتضمن الصبر من غير عكس، ويتضمن التوكل والإنابة، والحب والإخبات، والخشوع والرجاء، فجميع المقامات مندرجة فيه، لا يستحق صاحبه اسمه على الإطلاق إلا باستجماع المقامات له، ولهذا كان الإيمان نصفين: نصف صبر، ونصف شكر، والصبر داخل في الشكر، فرجع الإيمان كله شكرًا، والشاكرون هم أقل العباد، كما قال تَعَالَى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣]» (١).
وفي الملحق ما يعين- بإذن الله- على تحقيق هذه العبادة العظيمة والمنزلة الكريمة.
الأثر الخامس: دعاء الله باسمه الشكور:
لم يرد الدعاء بالاسم، ولكن ورد الدعاء بمقتضى الاسم، كقوله تَعَالَى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: ١٥٢]، وقوله تَعَالَى: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ [إبراهيم: ٣٧].
وثبت في السنة والسيرة النبوية أن النبي ﷺ كان كثير الشكر
стр. 550
لربه، ومن دعائه: «رَبِّ اجْعَلْنِي لَكَ شَكَّارًا» (١)، ومما روت عائشة ﵂، عن النبي ﷺ قولها: «كان رسول الله ﷺ إذا صلى، قام حتى تفطر رجلاه، فتقول: يا رسول الله! أتصنع هذا، وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال: يَا عَائِشَةُ أَفَلا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا» (٢)، وهي وصيته لمعاذ بن جبل ﵁، ففي الحديث قال ﷺ : «يَا مُعَاذُ، وَاللهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ، واللهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ، فقال ﷺ : أُوصِيكَ يَا مُعَاذُ لَا تَدَعَنَّ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ تَقُولُ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ، وَشُكْرِكَ، وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ» (٣).
стр. 551
«الشكور يحب الشاكرين»
في موضوع الشكر لله سنتطرق للمسائل التالية:
أولًا: تعريف الشكر:
يقول ابن القيم ﵀: «الشكر: ظهور أثر نعمة الله على لسان عبده ثناء واعترافًا، وعلى قلبه شهودًا ومحبة، وعلى جوارحه انقيادًا وطاعة» (١).
ويقول أيضًا: «الشكر مبني على خمس قواعد: خضوع الشاكر للمشكور، وحبه له، واعترافه بنعمته، وثناؤه عليه بها، وأن لا يستعمله فيما يكره، فهذه الخمس هي أساس الشكر، وبناؤه عليها، فمتى عدم منها واحدة اختل من قواعد الشكر قاعدة، وكل من تكلم في الشكر وحده فكلامه إليها يرجع، وعليها يدور» (٢).
ثانيًا: فضائل الشكر:
لشكر الله فضائل عديدة، ومنافع عظيمة، منها:
الشاكرون هم من أكثر المنتفعين بآيات الله تَعَالَى، فهم ينظرون بعين البصيرة إلى من قص الله أخبارهم في القرآن، كقصة سبأ في سورة سبأ، وقصة أصحاب الجنة في سورة القلم، فيعرفون أن تلك العقوبة جزاء كفرهم
стр. 552
نعمة الله تَعَالَى، وأن من فعل مثل فعلهم فعل به مثلهم، هي سنة الله، ولهذا قال عند ذكره لقصة سبأ: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ [سبأ: ١٩].
الشكر من مقامات الإيمان؛ ولذلك عمل الشيطان جاهدًا على صد العباد عنه، قال تَعَالَى عن إبليس: ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٦، ١٧].
تحقيق الشكر لله تَعَالَى دليل العبودية الحقة، قال تَعَالَى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [النحل: ١١٤].
الشكر وسيلة لنيل رضى الرب، قال تَعَالَى: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ [الزمر: ٧].
الشكر إن قُرن بالإيمان مَنَع من العذاب، يقول تَعَالَى: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا﴾ [النساء: ١٤٧].
ثناء الله تَعَالَى في كتابه على أهل الشكر، ووصفه بعض خواص خلقه بهذه الخصلة، قال تَعَالَى عن نوح ﵇: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ [الإسراء: ٣]، وقال تَعَالَى عن إبراهيم: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠) شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ﴾ [النحل: ١٢٠، ١٢١].
الشكر مطلب عباد الله الصالحين، فجاء في القرآن على لسان سليمان ﵇ قوله تَعَالَى: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ﴾ [النمل: ١٩]،
стр. 553
وورد أن النبي ﷺ قال: «رَبِّ اجْعَلْنِي لَكَ شَكَّارًا» (١) وأوصى ﵇ معاذًا ﵁ لحبه له أن يستعين بالله على شكره فقال: «يَا مُعَاذُ، وَاللهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ، واللهِ إني لَأُحِبُّكَ، فقال: أُوصِيكَ يَا مُعَاذُ لَا تَدَعَنَّ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ تَقُولُ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ، وَشُكْرِكَ، وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ» (٢).
جعل الله الشكر سببًا للمزيد من النعم، فقال تَعَالَى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٧].
جعل الله تَعَالَى شكره هدفًا من أهداف تفضله بالنعم، يقول سُبْحَانَهُ: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: ٧٨]، وقال في شأن تسخيره الأنعام: ﴿كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [الحج: ٣٦].
جعل اللهُ شكرَه هدفًا من أهداف العفو والنصر، يقول تَعَالَى في العفو: ﴿ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ٥٢]، ويقول في النصر: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [الأنفال: ٢٦].
وعد الله تَعَالَى الشاكرين بأحسن الجزاء فقال تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٥] وبين أنه تَعَالَى وإن كان يحب الشاكرين إلا أنه لا يعود عليه شيء من النفع بشكرهم، بل النفع لهم، قال تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ
стр. 554
لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [لقمان: ١٢].
الشكر يرفع منزلة المفطر إلى منزلة الصائم، فقد روى الترمذي وحسنه عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «الطَّاعِمُ الشَّاكِرُ بِمَنْزِلَةِ الصَّائِمِ الصَّابِرِ» (١).
ثالثا: مسألة: أيهما أفضل الشكر أم الصبر؟
يقول ابن القيم ﵀: «حكى ابن الجوزي في ذلك ثلاث أقوال:
القول الأول: أن الصبر أفضل.
القول الثاني: أن الشكر أفضل.
القول الثالث: أنهما سواء، كما قال عمر بن الخطاب ﵁: (لو كان الصبر والشكر بعيرين ما باليت أيهما ركبت) (٢).
ثم قال: «وانبنى على هذه المسألة مسألة: الغني الشاكر، والفقير الصابر، أيهما أفضل؟
والتحقيق أن يقال: أفضلهما أتقاهما لله تَعَالَى، فإن فرض استواؤهما في التقوى استويا في الفضل، فإن الله سُبْحَانَهُ لم يفضل بالفقر والغنى كما لم يفضل بالعافية والبلاء، وإنما فضل بالتقوى، كما قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣].
стр. 555
والتقوى مبنية على أصلين: الصبر والشكر، وكل من الغنى والفقير لا بد له منهما، فمن كان صبره وشكره أتم كان أفضل، فإن قيل: فإذا كان صبر الفقير أتم وشكر الغني أتم فأيهما أفضل؟ قيل: أتقاهما لله في وظيفته ومقتضى حاله، ولا يصح التفضيل بغير هذا البته، فإن الغني قد يكون أتقى لله في شكره من الفقير في صبره، وقد يكون الفقير أتقى لله في صبره من الغني في شكره، فلا يصح أن يقال: هذا بغناه أفضل، ولا هذا بفقره أفضل، ولا يصح أن يقال: هذا بالشكر أفضل من هذا بالصبر، ولا بالعكس، لأنهما مطيتان للإيمان لا بد منهما» (١).
رابعًا: أركان شكر الله تعالى:
الشكر في حقيقته هو القيام بثلاثة أركان، وهي: (شكر القلب، وشكر اللسان، وشكر الجوارح)، مع ما يكمل ذلك من محبة المشكور والخضوع له، واستعمال نعمه في مرضاته، على أن الإنسان لا يمكن أن يكافئ نعم الله عليه، ولا أن يقوم بوظيفة الشكر لله تَعَالَى، كما دل على ذلك قوله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١٨]، وقد دل آخر الآية على تقصير بني آدم في شكر النعم؛ لأن من لا يستطيع إحصاء النعم كيف يقوم بشكرها؟ بل وأي نعمة يعرفها قد لا يدرك حقيقتها، فكيف يقوم باتمام شكرها؟ ولكن حسب الإنسان أن يسدد ويقارب.
стр. 556
وفيما يلي بيان موجز لهذه الأركان:
١ - شكر القلب:
وهو معرفة القلب وإقراره بأن ما بالعبد من نعمة فهي فضل من الله تَعَالَى وحده، وأن ذلك إحسان منه ﵀، حتى لو وصلت بعض هذه النعم على يد عبد من عباد الله، إلا أن الشكر أولًا وأخيرًا لله الذي سخر ذلك العبد ليوصلها إليك، فالله تَعَالَى هو الذي أجراها على يديه، وإلا فهو لا يد له فيه ولا صنع، يقول : ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣].
وهذا ما أرشد إليه النبي ﷺ ، حين أمر المسلم أن يقول إذا أصبح وإذا أمسى: «مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ: اللَّهُمَّ مَا أَصْبَحَ بِي مِنْ نِعْمَةٍ، أَوْ بِأَحَدٍ مِنْ خَلْقِكَ، فَمنْكَ وَحْدَكَ لَا شَرِيكَ لَكَ، فَلَكَ الحَمْدُ وَلَكَ الشُّكْرُ، فَقَدْ أَدَّى شُكْرَ ذَلِكَ اليَوْمِ» (١).
ومن هنا ندرك أن العبد لا خروج له عن نعمة ربه وفضله ومنته وإحسانه طرفة عين، لا في الدنيا ولا في الآخرة، فالله تَعَالَى هو الذي يمنح النعم لا أحد سواه يشاركه، فلا يقول الإنسان كما قال قارون في قوله تَعَالَى: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص: ٧٨].
ويقول ابن القيم ﵀ في ذلك: «الشكر: اسم لمعرفة النعمة؛ لأنها السبيل إلى معرفة المنعم، ولهذا سمى الله تَعَالَى الإسلام والإيمان في القرآن: شكرًا، فمعرفة النعمة: ركن من أركان الشكر، لا أنها جملة الشكر … ، فالشكر
стр. 557
اسم لمعرفة النعمة، مستلزمًا لمعرفة المنعم، ومعرفته تستلزم محبته، ومحبته تستلزم شكره» (١).
٢ - شكر اللسان:
وهو الثناء على الله تَعَالَى بنعمه، وحمده عليها مع محبته والتحدث بها على سبيل الاعتراف بفضله وإظهار الفاقة، لا لرياء وسمعة وخيلاء؛ ليكون الذكر داعيًا إلى شكر القلب والجوارح.
«وشكر اللسان المتعلق بالنعمة نوعان:
عام: وهو وصفه بالجود والكرم، والبر والإحسان، وسعة العطاء، ونحو ذلك.
خاص: وهو التحدث بنعمته، والإخبار بوصولها إليه من جهته، كما قال تَعَالَى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: ١١]، وفي هذا التحديث المأمور به قولان:
- أحدهما: أنه ذكر النعمة، والإخبار بها، وقوله: أنعم الله عليَّ بكذا وكذا، قال مقاتل: يعني اشكر ما ذكر من النعم عليك في هذه السورة: من جبر اليتم، والهدى بعد الضلال، والإغناء بعد العيلة، والتحدث بنعمة الله شكر، كما في حديث جابر مرفوعًا: «مَنْ أُتِيَ إِلَيْهِ مَعْرُوفٌ، فَلْيُكَافِئْ بِهِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ، فَلْيَذْكُرْهُ، فَمَنْ ذَكَرَهُ، فَقَدْ شَكَرَهُ، وَمَنْ تَشَبَّعَ بِمَا لَمْ يَنَلْ، فَهُوَ كَلَابِسِ ثَوْبَيْ زُورٍ» (٢).
стр. 558
فذكر أقسام الخلق الثلاثة: شاكر النعمة المثني بها، والجاحد لها والكاتم لها، والمظهر أنه من أهلها، وليس من أهلها، فهو متحل بما لم يعطه.
- والقول الثاني: أن التحدث بالنعمة المأمور به في هذه الآية: هو الدعوة إلى الله، وتبليغ رسالته، وتعليم الأمة، قال مجاهد: هي النبوة، قال الزجاج: أي بلغ ما أرسلت به، وحدث بالنبوة التي آتاك الله. وقال الكلبي: هو القرآن، أمره أن يقرأه.
- والصواب: أنه يعم النوعين؛ إذ كل منهما نعمة مأمور بشكرها والتحدث بها، وإظهارها من شكرها» (١).
٣ - شكر الجوارح:
يقول ابن القيم ﵀: «وأما الشكر فهو القيام له بطاعته والتقرب إليه بأنواع محابه ظاهرًا وباطنًا» (٢)، وقال الحافظ ابن حجر ﵀: «الشكر هو الاعتراف بالنعمة، والقيام بالخدمة» (٣).
فشكر الجوارح معناه: قيام الجوارح بالعبودية لله رب العالمين؛ لأن كل جارحة لها حظها من العبودية، ولا يتم ذلك إلا بالعمل بطاعة الله تَعَالَى وطاعة رسوله ﷺ ، وذلك بفعل المأمور واجتناب المحذور، ويدخل في ذلك صرف نعمه فيما يحبه ويرضاه، والاستعانة بها على طاعته، والحذر من صرفها في معصيته، أو الاستعانة بها على ذلك، ومن لوازم ذلك معرفة ما يحبه
стр. 559
الله تَعَالَى لأجل أن تستعمل نعمه في محابه، قال تَعَالَى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣]، فجعل العمل شكرًا، ذلك أن الشكر سلوك عملي، وليس كلمة تقال باللسان، كما أن الإيمان سلوك عملي وليست كلمة تقال باللسان، يقول ﷺ : «يُصْبِحُ عَلَى كُلِّ سُلَامَى مِنْ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ، فَكُلُّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةٌ، وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ، وَنَهْيٌ عَنِ الْمُنْكَرِ صَدَقَةٌ، وَيُجْزِئُ مِنْ ذَلِكَ رَكْعَتَانِ يَرْكَعُهُمَا مِنَ الضُّحَى» (١)، وهذا الحديث دليل بين على أن الشكر يكون بالعمل والطاعة.
«ومما روي أن رجلًا سأل أبا حازم: ما شكر العينين يا أبا حازم؟ قال: إن رأيت بهما خيرًا أعلنته، وإن رأيت بهما شرًّا سترته، قال: فما شكر الأذنين؟ قال: إن سمعت بهما خيرًا وعيته، وإن سمعت بهما شرًّا دفعته، قال: شكر اليدين؟ قال: لا تأخذ بهما ما ليس لهما، ولا تمنع حقًّا لله هو فيهما، قال: فما شكر البطن؟ قال: أن يكون أسفله طعامًا، وأعلاه علمًا، قال: فما شكر الفرج؟ قال: قال الله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المؤمنون: ٥ - ٧]، قال: فما شكر الرجلين؟ قال: إن علمت ميتًا تغبطه استعملت بهما عمله، وإن مقته رغبت عن عمله وأنت شاكر لله، وأما من شكر بلسانه، ولم يشكر بجميع أعضائه، فمثله كمثل رجل له كساء فأخذ بطرفه ولم يلبسه، فما ينفعه ذلك من الحر والبرد والثلج والمطر» (٢).
стр. 560
ومن هذا الباب: شُرع سجود الشكر عند تجدد النعم أو اندفاع النقم، سواء كانت عامة أو خاصة، وذلك بأن يخر المسلم لله ساجدًا، فيضع أشرف عضو من أعضائه- وهو الوجه - على الأرض، ويذكر الله ربه في هذا السجود، وهو على هذه الحال بأنواع الذكر من الشكر والتسبيح والدعاء والاستغفار وغيرها، فيكون قد شكر المنعم ﵀ بهذا السجود بقلبه ولسانه وجوارحه، وقد ثبت في قصة كعب بن مالك ﵁ أنه لما جاءه البشير بتوبة الله عليه خر ساجدًا لله تَعَالَى (١).
خامسًا: تحقيق مرتبة الشكر لله تعالى:
لا بد للعبد- ليكون من الشاكرين- أن يستحضر عدة أمور ويستشعرها، ويحرص أن لا تغيب عن ذهنه، ومنها:
التفكر في نعم الله تَعَالَى واستحضارها وتذكرها؛ فالإنسان في كل حالة من أحواله في نعمة، بل لا يمر عليه لحظة في حياته إلا وهو يتقلب في نعم الله تَعَالَى، واستحضار هذه النعم والوقوف عليها يوجه انتباهه لنعم كثيرة كان غافلًا عنها فيزداد شكرًا لله تَعَالَى، وفي هذا استجابة لأمر الله تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [فاطر: ٣].
النظر إلى من هو أقل في أمور الدنيا؛ إن نظر الإنسان إلى من هو دونه في الدنيا يجعله يعلم ويستعظم ما أعطاه الله تَعَالَى وفضله به من نعم على غيره، فمن كان دخله مئتين فلينظر إلى من دخله مئة، ومن كان بعين واحدة فلينظر إلى من فقد كلتا عينيه، ومن كان مريضًا بمرض واحد فلينظر إلى من مرض
стр. 561
بعدة أمراض، وهذا أجدر لمعرفة النعم واستشعارها، قال ﷺ : «انْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْكُمْ، وَلَا تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ؛ فَإِنَّهُ أَجْدَرُ أَنْ لَا تَزْدَرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ» (١)، وفي حديث أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «إِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ مُبْتَلًى، فَقَالَ: الحَمْدُ للهِ الَّذِي عَافَانِي مِمَّا ابْتَلَاكَ بِهِ، وَفَضَّلَنِي عَلَيكَ، وَعَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ تَفْضِيلًا؛ كَانَ شَكَرَ تِلْكَ النِّعْمَةِ» (٢).
أن يفكر الإنسان في حاله، ويتأمل حياته لو أنه خسر هذه النعمة؛ فينظر كيف حاله، فإن كان غنيًّا فإلى حاله لو كان فقيرًا، وإن كان صحيحًا فإلى حاله لو كان في عداد المرضى، وهكذا كل نعمة لديه ينظر إلى حاله لو خسرها؛ ليعرف بذلك قدرها فيشكرها.
دعاء العبد ربه وسؤاله إياه أن يجعله من الشاكرين؛ فالعبد لا يستطيع أن يصل إلى مقام من مقامات الإيمان إلا بتوفيق الله ﵎؛ ولذلك لم يقل النبي ﷺ لمعاذ بن جبل: كن ذاكرًا شاكرًا وأحسن العبادة، وإنما أمره أن يدعو الله أن يعينه على ذلك؛ فقال ﷺ له: «لَا تَدَعَنَّ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ تَقُولُ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ، وَشُكْرِكَ، وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ» (٣).
قراءة أخبار الشاكرين؛ فمن وقف على تراجم الشاكرين من العلماء والعباد والزهاد؛ اقتدى بهم؛ فازداد شكرًا لله تَعَالَى.
стр. 562
استشعار سؤال الله عباده يوم القيامة عن شكر النعمة؛ فالعاقل يسأل نفسه الآن، فالوقت بين يديه، يستطيع إن لم يجد جوابًا أن يعمل ويحسن ويستعد بالجواب والصواب؛ لأن الله تَعَالَى سيسأله في يوم لايستطيع فيه العمل، يقول الله تَعَالَى: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر: ٨]، قال ابن كثير ﵀: «أي: ثم لتسألن يومئذ عن شكر ما أنعم الله به عليكم، من الصحة والأمن والرزق وغير ذلك، ماذا قابلتم به نعمه من شكر وعبادة؟» (١).
٧ - أن يعلم الإنسان يقينًا أن النعم إذا شُكرت استقرت وزادت، وإذا كُفرت فرَّت وزالت؛ يقول تَعَالَى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٧].
٨ - عدم نسبة النعمة لغير الرب ﵀؛ فنسبة النعمة لغير الله من كفر النعمة، فمن كان مريضًا فشفي، فشفاؤه بفضل الله أولًا، ثم بالأسباب الأخرى التي من فضل الله سُبْحَانَهُ أن سخرها له، يقول تَعَالَى في ذلك: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [النحل: ٨٣] يقول ابن كثير ﵀ في تفسيره لهذه الآية: «أي: يعرفون أن الله تَعَالَى هو المسدي إليهم ذلك، وهو المتفضل به عليهم، ومع هذا ينكرون ذلك، ويعبدون معه غيره، ويسندون النصر والرزق إلى غيره» (٢).
اللهم اجعلنا لك شاكرين، لك ذاكرين، لك طائعين، إليك مخبتين، لك أواهين منيبين، اللهم اقبل توبتنا، واغسل حوبتنا، وثبت حجتنا، وسدد ألسننا، واسلل سخيمة قلوبنا.
стр. 563
الشَّهيدُ ﷻ -
المعنى اللغوي:
قال الجوهري ﵀: «الشهادة: خبر قاطع، تقول منه: شهد الرجل على كذا، وربما قالوا: شهد الرجل، بسكون الهاء للتخفيف» (١).
قال ابن فارس ﵀: «(شهد) الشين والهاء والدال أصل يدل على حضور وعلم وإعلام، لا يخرج شيء من فروعه عن الذي ذكرناه، من ذلك الشهادة، يجمع الأصول التي ذكرناها من الحضور، والعلم، والإعلام … والشاهد: الملك» (٢).
ورود اسم الله (الشهيد) في القرآن الكريم:
ورد اسم الله (الشهيد) في كتاب الله ثماني عشرة مرة، ومن وروده ما يلي:
قول الله : ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ١٦٦].
قوله : ﴿فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [المائدة: ١١٧].
٣ - قوله : ﴿وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ﴾ [يونس: ٤٦].
стр. 564
ورود اسم الله (الشهيد) في السنة النبوية:
ورد اسم (الشهيد) في السنة النبوية، و من وروده ما يلي:
عن أبي هريرة ﵁، عن رسول الله ﷺ : «أَنَّهُ ذَكَرَ رَجُلًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، سَأَلَ بَعْضَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يُسْلِفَهُ أَلْفَ دِينَارٍ، فَقَال: ائْتِنِي بالشُّهَدَاءِ أُشْهِدُهُمْ، فَقَالَ: كَفَى باللهِ شَهِيدًا، قال: فَأْتِنِي بالكَفِيلِ، قال: كَفَى باللهِ كَفِيلًا، قال: صَدَقْتَ» (١)، وسيأتي-بإذن الله- تتمة الحديث في الأثر الثالث من الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (الشهيد).
معنى اسم الله (الشهيد) في حقه سُبْحَانَهُ:
قال الطبري ﵀ في قولهتَعَالَى: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١١٦) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [المائدة: ١١٦، ١١٧]: «وأنت تشهد على كل شيء؛ لأنه لا يخفى عليك شيء» (٢).
قال الخطابي ﵀، قال: «هو الذي لا يغيب عنه شيء، يقال: شاهد وشهيد، كعالم وعليم، أي: كأنه الحاضر الشاهد الذي لا يعزب عنه شيء» (٣).
стр. 565
قال ابن الأثير ﵀: «في أسماء اللهتَعَالَى «الشهيد» هو الذي لا يغيب عنه شيء، والشاهد: الحاضر وفعيل من أبنية المبالغة في فاعل، فإذا اعتبر العلم مطلقًا فهو العليم، وإذا أضيف إلى الأمور الباطنة فهو الخبير، وإذا أضيف إلى الأمور الظاهرة فهو الشهيد» (١).
قال ابن الأثير ﵀ في تفسير اسم الله الشهيد: «أنه يشهد على الخلق يوم القيامة بما علم» (٢).
قال ابن القيم ﵀: «من أسمائه: (الشهيد) الذي لا يغيب عنه شيء ولا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء؛ بل هو مطلع على كل شيء، مشاهد له، عليم بتفاصيله» (٣).
قال ابن كثير ﵀: في قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [الحج: ١٧] «عليم بسرائرهم وما تُكِنُّ ضمائرهم» (٤).
قال عند قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [الحج: ١٧]: «أي: شهيد على أفعالهم، حفيظ لأقوالهم» (٥).