← Акыда

Акыда · id 721

موسوعة شرح أسماء الله الحسنى

نوال العيد

Полный текст (1 826 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

والثاني: حصول التبذل في اللباس والهيئة؛ ولهذا قال ﷺ : «رُبَّ أَشْعَثَ، مَدْفُوعٍ بِالأَبْوَابِ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لَأَبَرَّهُ» (١). والثالث: يمد يديه إلى السماء «إِنَّ رَبَّكُمْ ﵎ حَيِيٌ كَرِيمٌ يَسْتَحْي مِنْ عَبْدِهِ إِذَا رَفَعَ يَدَيْهِ إِلَيْهِ، أَنْ يَرُدَّهُمَا صِفْرًا خائبتين» (٢). والرابع: الإلحاح على الله بتكرير ذكر ربوبيته، وهو من أعظم ما يطلب به إجابة الدعاء. ومع ذلك كله قال ﷺ : «فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ؟» (٣)، وهذا استفهام وقع على وجه التعجب والاستبعاد (٤). الاستعجال وترك الدعاء؛ فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يُسْتَجَابُ لِأَحَدِكُمْ مَا لَمْ يَعْجَلْ، يَقُولُ: دَعَوْتُ فَلَمْ يُسْتَجَبْ لِي» (٥)، وعنه ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «لَا يَزَالُ يُسْتَجَابُ لِلْعَبْدِ، مَا لَمْ يَدْعُ بِإِثْمٍ أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ، مَا لَمْ يَسْتَعْجِلْ، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ مَا الِاسْتِعْجَالُ؟ قَالَ: يَقُولُ: قَدْ دَعَوْتُ وَقَدْ دَعَوْتُ، فَلَمْ أَرَ يَسْتَجِيبُ لِي، فَيَسْتَحْسِرُ عِنْدَ ذَلِكَ وَيَدَعُ الدُّعَاءَ» (٦).

стр. 842

التفريط في الواجبات والوقوع في المحرمات؛ فعن حذيفة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ، أَوْ لَيُوشِكَنَّ الله أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عِقَابًا مِنْ عِنْدِهِ، ثُمَّ لَتَدْعُنَّهُ فَلَا يَسْتَجِيبُ لَكُمْ» (١)، وقال بعض السلف: لا تستبطئ الإجابة وقد سددت طريقها بالمعاصي. وقال ابن القيم ﵀: «وكذلك الدعاء، فإنه من أقوى الأسباب في دفع المكروه وحصول المطلوب، ولكن قد يتخلف عنه أثره … وإما لحصول المانع من الإجابة من أكل الحرام، والظلم، ورين الذنوب على القلوب، واستيلاء الغفلة والسهو واللهو وغلبتها عليها» (٢). الدعاء بإثم أو قطيعة رحم؛ فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لَا يَزَالُ يُسْتَجَابُ لِلْعَبْدِ، مَا لَمْ يَدْعُ بِإِثْمٍ أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ، … » (٣)، وذلك كأن يدعو بأن يمكنه الله من معصية ما، أو يدعو على أقرابه وأرحامه ظلمًا وعدوًا. الاعتداء في الدعاء؛ قال تَعَالَى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف: ٥٥]. قال ابن القيم ﵀: «فالاعتداء بالدعاء تارة بأن يسأل ما لا يجوز له سؤاله من الإعانة على المحرمات، وتارة بأن يسأل ما لا يفعله الله، مثل: أن

стр. 843

يسأله تخليده إلى يوم القيامة، أو يسأله أن يرفع عنه لوازم البشرية من الحاجة إلى الطعام والشراب، أو يسأله أن يطلعه على غيبه، أو يسأله أن يجعله من المعصومين، أو يسأله أن يهب له ولدا من غير زوجة، ولا أمة، ونحو ذلك مما سؤاله اعتداء؛ فكل سؤال يناقض حكمة الله، أو يتضمن مناقضة شرعه وأمره، أو يتضمن خلاف ما أخبر به فهو اعتداء، لا يحبه الله، ولا يحب سائله» (١). حكمة الله ، ويعطى الداعي أفضل مما سأل؛ فعن أبي سعيد ﵁ أن النبي ﷺ قال: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَدْعُو بِدَعْوَةٍ لَيْسَ فِيهَا إِثْمٌ، وَلَا قَطِيعَةُ رَحِمٍ، إِلَّا أَعْطَاهُ الله بِهَا إِحْدَى ثَلَاثٍ: إِمَّا أَنْ تُعَجَّلَ لَهُ دَعْوَتُهُ، وَإِمَّا أَنْ يَدَّخِرَهَا لَهُ فِي الآخرة، وَإِمَّا أَنْ يَصْرِفَ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ مِثْلَهَا، قالوا: إذًا نكثر، قال: اللهُ أَكْثَرُ» (٢). ج- آداب الدعاء: الاستجابة لله والمسارعة في الخيرات، قال تَعَالَى بعد ذكر إجابته لدعوات أنبيائه: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٠]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: ١٨٦]. قال الشيخ السعدي ﵀: «فمن دعا ربه بقلب حاضر، ودعاء مشروع، ولم يمنع مانع من إجابة الدعاء، كأكل الحرام ونحوه، فإن الله قد

стр. 844

وعده بالإجابة، وخصوصا إذا أتى بأسباب إجابة الدعاء، وهي: الاستجابة لله تَعَالَى بالانقياد لأوامره ونواهيه القولية والفعلية، والإيمان به، الموجب للاستجابة» (١). تحري أوقات وأماكن وأحوال إجابة الدعاء، كالدعاء بين الأذان والإقامة، وفي ساعة الجمعة، وحال السجود، والسفر، وفي عرفة، وداخل الحجر، ونحو ذلك مما يطول ذكره. الوضوء قبل الدعاء؛ فإنه ﷺ لما جاءه خبر موت أبي عامر دعا بماء فتوضأ منه، ثم رفع يديه فقال: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِعُبَيْدِ أَبِي عَامِرٍ … » (٢). مد اليدين بالدعاء واستقبال القبلة؛ فعن عمر بن الخطاب ﵁، قال: «لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ نَظَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى الْمُشْرِكِينَ وَهُمْ أَلْفٌ، وَأَصْحَابُهُ ثَلَاثُمِائَةٍ وَتِسْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا، فَاسْتَقْبَلَ نَبِيُّ اللهِ ﷺ الْقِبْلَةَ، ثُمَّ مَدَّ يَدَيْهِ فَجَعَلَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ: اللهمَّ أَنْجِزْ لِي مَا وَعَدْتَنِي، اللهمَّ آتِ مَا وَعَدْتَنِي، اللهمَّ إِنْ تُهْلِكْ هَذِهِ الْعِصَابَةَ مِنْ أَهْلِ الإسْلَامِ لَا تُعْبَد فِي الأَرْضِ، فَمَا زَالَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ مَادًّا يَدَيْهِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، حَتَّى سَقَطَ رِدَاؤُهُ عَنْ مَنْكِبَيْهِ … » (٣). وعن سلمان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إِنَّ رَبَّكُمْ ﵎ حَيِيٌّ كَرِيمٌ، يَسْتَحْي مِنْ عَبْدِهِ إِذَا رَفَعَ يَدَيْهِ إِلَيْهِ، أَنْ يَرُدَّهُمَا صِفْرًا» (٤). خفض الصوت ما بين المخافتة والجهر حال الدعاء؛ قال تَعَالَى:

стр. 845

﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف: ٥٥]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠٥]، وجاء في الحديث عن أبي موسى ﵁ قال: «كنا مع النبي ﷺ في سفر، فجعل الناس يجهرون بالتكبير، فقال النبي ﷺ : ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، إِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا، إِنَّكُمْ تَدْعُونَ سَمِيعًا قَرِيبًا وَهُوَ مَعَكُمْ» (١). الدعاء في الرخاء والشدة؛ فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَسْتَجِيبَ الله لَهُ عِنْدَ الشَّدَائِدِ وَالكَرْبِ، فَلْيُكْثِرِ الدُّعَاءَ فِي الرَّخَاءِ» (٢)، وقال الله في يونس ﵇ حينما دعاه فأنجاه: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الصافات: ١٤٣ - ١٤٤]. الثناء على الله في الدعاء والصلاة على رسول الله ﷺ ؛ فعن عن فضالة بن عبيد ﵁ قال: «سَمِعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ رَجُلًا يَدْعُو فِي صَلَاتِهِ لَمْ يُمَجِّدِ اللهَ، وَلَمْ يُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : عَجِلَ هَذَا. ثُمَّ دَعَاهُ، فَقَالَ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ: إذا صَلَّى أحَدُكُم فليَبْدأ بتَمْجيدِ رَبَّه والثَّناءِ عليه، ثم يُصَلَّي على النبيِّ ﷺ ، ثم يدعو بعدُ بما شاءَ» (٣).

стр. 846

ورأى رسول الله ﷺ رجلًا آخر يصلي فمجد الله، وحمده، وصلى على النبي ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : «ادْعُ تُجَبْ، وَسَلْ تُعْطَ» (١). التوسل لله بأسمائه وصفاته؛ قال تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠]. الاعتراف بالذنب والنعمة حال الدعاء؛ كما في دعاء يونس ﵇: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧]، قال ﷺ : «دَعْوَةُ ذِي النُّونِ إِذْ دَعَا وَهُوَ فِي بَطْنِ الحُوتِ: لَا إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَدْعُ بِهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ فِي شَيْءٍ قَطُّ إِلاَّ اسْتَجَابَ الله لَهُ» (٢). وفي سيد الاستغفار: «سَيِّدُ الِاسْتِغْفَارِ أَنْ تَقُولَ: اللهمَّ أَنْتَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ، وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ، أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ، وَأَبُوءُ لَكَ بِذَنْبِي فَاغْفِرْ لِي، فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ، قال: وَمَنْ قَالَهَا مِنَ النَّهَارِ مُوقِنًا بِهَا، فَمَاتَ مِنْ يَوْمِهِ قَبْلَ أَنْ يُمْسِيَ، فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ، وَمَنْ قَالَهَا مِنَ اللَّيْلِ وَهُوَ مُوقِنٌ بِهَا، فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ، فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ» (٣).

стр. 847

الدعاء بالجوامع وأدعية الأنبياء ﵈؛ فعن عائشة ﵂ قالت: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَسْتَحِبُّ الْجَوَامِعَ مِنَ الدُّعَاءِ، وَيَدَعُ مَا سِوَى ذَلِكَ» (١). وعَنِ ابْنٍ لِسَعْدٍ قَالَ: سَمِعَنِي أَبِي وَأَنَا أَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْجَنَّةَ وَنَعِيمَهَا وَبَهْجَتَهَا، وَكَذَا وَكَذَا، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ، وَسَلَاسِلِهَا، وَأَغْلَالِهَا، وَكَذَا وَكَذَا، فَقَالَ: يَا بُنَيَّ إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ «سَيَكُونُ قَوْمٌ يَعْتَدُونَ فِي الدُّعَاءِ. فَإِيَّاكَ أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ، إِنَّكَ إِنْ أُعْطِيتَ الْجَنَّةَ أُعْطِيتَهَا وَمَا فِيهَا مِنَ الْخَيْرِ، وَإِنْ أُعِذْتَ مِنَ النَّارِ أُعِذْتَ مِنْهَا وَمَا فِيهَا مِنَ الشَّرِّ» (٢). التضرع والافتقار لله في الدعاء، قال تَعَالَى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠٥]، وقال تَعَالَى بعد إجابته لدعوات أنبيائه: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٠]، فيدعو مستشعرًا بأنه في أمسِّ الحاجة بل في أمس الضرورة إلى الله، وأنه سُبْحَانَهُ وحده هو الذي بيده إجابة دعائه وتفريج كربته ورفع بلائه، وأنه إن لم يأذن بذلك فلا فرج ولا رفع للبلاء (٣).

стр. 848

الإلحاح في الدعاء؛ فعن أنس ﵁ قال ﷺ : «أَلِظُّوا بِيَا ذَا الجَلَالِ والإِكْرَام» (١)، وقال ﷺ : «يُسْتَجَابُ لِأَحَدِكُمْ مَا لَمْ يَعْجَلْ، يَقُولُ: دَعَوْتُ فَلَمْ يُسْتَجَبْ لِي» (٢). تكرار الدعاء ثلاثًا؛ فإن ذلك من هدي رسول الله ﷺ ؛ فعن ابن مسعود ﵁ في قصة وضع سلا الجزور على ظهر رسول الله ﷺ أنه دعا عليهم: «اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ» (٣) ثلاث مرات. عدم تكلف السجع في الدعاء؛ فعن ابن عباس ﵄ قال: «فَانْظُرِ السَّجْعَ مِنَ الدُّعَاءِ فَاجْتَنِبْهُ، فَإِنِّي عَهِدْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَأَصْحَابَهُ لَا يَفْعَلُونَ إِلَّا ذَلِكَ، يَعْنِي: لَا يَفْعَلُونَ إِلَّا ذَلِكَ الِاجْتِنَابَ» (٤). عدم الدعاء على الأهل والولد والمال ونحو ذلك؛ فعن جابر ﵁ أن رجلًا لعن بعيره، فقال رسول الله ﷺ : «مَنْ هَذَا اللَّاعِنُ بَعِيرَهُ؟ قال: أنا يا رسول الله! قال: انْزِلْ عَنْهُ، فَلَا تَصْحَبْنَا بِمَلْعُونٍ، لَا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، وَلَا تَدْعُوا عَلَى أَوْلَادِكُمْ، وَلَا تَدْعُوا عَلَى أَمْوَالِكُمْ، لَا تُوَافِقُوا مِنَ الله سَاعَةً يُسْأَلُ فِيهَا عَطَاءٌ، فَيَسْتَجِيبُ لَكُمْ» (٥).

стр. 849

ثم إذا عُلم هذا فليعلم أن خير ما يدعى به القريب المجيب ما جاء في القرآن من الدعوات، وما أُثر عن رسول الله ﷺ من الدعاء؛ فإنه أعلم الخلق بالله، وأنصحهم، وأتقاهم، قال تَعَالَى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١]. الأثر السادس: الاستجابة والتقرب لله القريب المجيب: إذا عرف العبد اسم ربه القريب المجيب وما فيهما من القرب الخاص والإجابة الخاصة، تطلع إلى تحصيل هذا الفضل العظيم ورجى أن يكون من أهله، وإنما ذلك يكون بالتقرب لله بفعل الطاعات واجتناب المنهيات؛ فإن الله قريب ممن أطاعه، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦]، وجاء في الحديث القدسي: «وَمَنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ شِبْرًا، تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَمَنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا، تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا … » (١). قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «وليس بين الرب والعبد إلا محض العبودية، فكلما كملها قرب العبد إليه؛ لأنه سُبْحَانَهُ بر جواد محسن، يعطي العبد ما يناسبه، فكلما عظم فقره إليه كان أغنى؛ وكلما عظم ذله له كان أعز» (٢). وهذا التقرب لله هو حقيقة الاستجابة، فإنها: الانقياد للأوامر بالفعل، وللنواهي بالترك، وقد دعانا الله إليها بقوله: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا

стр. 850

بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: ١٨٦]، وقوله ﵎: ﴿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ﴾ [الشورى: ٤٧]. وضرب الصحابة ﵃ أروع الأمثلة في الاستجابة لله ؛ فعن أنس ﵁ قال: «كُنْتُ سَاقِيَ الْقَوْمِ فِي مَنْزِلِ أَبِي طَلْحَةَ، وَكَانَ خَمْرُهُمْ يَوْمَئِذٍ الْفَضِيخَ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مُنَادِيًا يُنَادِي: أَلَا إِنَّ الْخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ. قَالَ: فَقَالَ لِي أَبُو طَلْحَةَ: اخْرُجْ فَأَهْرِقْهَا، فَخَرَجْتُ فَهَرَقْتُهَا» (١). وعن عائشة ﵂، قالت: «يَرْحَمُ اللهُ نِسَاءَ الْمُهَاجِرَاتِ الْأُوَلَ، لَمَّا أَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] شَقَقْنَ مُرُوطَهُنَّ فَاخْتَمَرْنَ بِهَا» (٢). وللاستجابة ثمرات عدة في الدنيا والآخرة، ومنها: الحياة الحسنة في الدنيا والآخرة؛ قال تَعَالَى: ﴿لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [الرعد: ١٨]. قال الشيخ السعدي ﵀: «فلهم ﴿الْحُسْنَى﴾ أي: الحالة الحسنة والثواب الحسن. فلهم من الصفات أجلها ومن المناقب أفضلها ومن الثواب العاجل والآجل ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر» (٣).

стр. 851

وقال تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال: ٢٤]. قال ابن القيم ﵀: «فتضمنت هذه الآية أمورًا، أحدها: أن الحياة النافعة انما تحصل بالاستجابة لله ورسوله، فمن لم تحصل له هذه الاستجابة فلا حياة له، وإن كانت له حياة بهيمية مشتركة بينه وبين أرذل الحيوانات، فالحياة الحقيقية الطيبة هي حياة من استجاب لله والرسول ظاهرًا وباطنًا، فهؤلاء هم الأحياء وإن ماتوا، وغيرهم أموات وإن كانوا أحياء الأبدان؛ ولهذا كان أكمل الناس حياة أكملهم استجابة لدعوة الرسول، فإن كان ما دعا إليه ففيه الحياة، فمن فاته جزء منه فاته جزء من الحياة، وفيه من الحياة بحسب ما استجاب للرسول» (١). إجابة الدعاء، قال تَعَالَى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا﴾ [البقرة: ١٨٦]. حصول الرشد والهدى، قال تَعَالَى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: ١٨٦]. قال الشيخ السعدي ﵀: «أي: يحصل لهم الرشد الذي هو الهداية للإيمان والأعمال الصالحة، ويزول عنهم الغي المنافي للإيمان والأعمال الصالحة». (٢)

стр. 852

حصول الكفاية وإصلاح الشأن؛ قال تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٢) الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ [آل عمران: ١٧٢ - ١٧٤]. مغفرة الذنوب والنجاة من العذاب، قال تَعَالَى على لسان منذر الجن: ﴿يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأحقاف: ٣١]. الفوز بالجنة، قال تَعَالَى: ﴿لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى﴾ [الرعد: ١٨]، قال الطبري ﵀: «فإن لهم الحسنى، وهي الجنة» (١). وكل هذه الثمار وغيرها تدعو العبد إلى مجاهدة نفسه وحملها على الاستجابة لله . فاللهم يا قريب يا مجيب، اجعلنا ممن استجاب وأناب، ففاز برضاك.

стр. 853

القاهرُ القهَّارُ ﷻ - المعنى اللغوي: قال الجوهري ﵀: «قهره قهرًا: غلبه … » (١). قال ابن فارس ﵀: «القاف والهاء والراء كلمة صحيحة تدل على غلبة وعلو، يقال: قهره يقهره قهرًا، والقاهر: الغالب … » (٢). ورود اسم الله (القاهر- الْقَهَّار) في القرآن الكريم: أولًا: ورود اسم الله القاهر في القرآن الكريم: ورد اسم الله (القاهر) في القرآن مرتين، هما: ١ - قوله تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٨] ٢ - قوله تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾ [الأنعام: ٦١]

стр. 854

ثانيًا: ورود اسم الله القهار في القرآن الكريم: ورد اسم الله القهار في القرآن ست مرات، ومن وروده ما يلي: ١ - قول الله : ﴿يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [يوسف: ٣٩] ٢ - قول الله : ﴿قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [الرعد: ١٦] ٣ - قول الله : ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [إبراهيم: ٤٨]. ورود اسم الله (القاهر- الْقَهَّار) في السنة النبوية: ورد اسم الله القهار في السنة، ومن وروده ما يلي: ما جاء عن عائشة ﵂، قالت: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا تَضَوَّرَ مِنَ اللَّيْلِ قَالَ «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ، رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ» (١). ما جاء عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: «يُنَادِي مُنَادٍ بَيْنَ يَدَيِ الصَّيْحَةِ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ، وَمَدَّ بِهَا صَوْتَهُ، فَيَسْمَعُهُ الأَحْيَاءُ والأَمْوَاتُ، ثُمَّ يُنَادِي مُنَادٍ: لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ؟ للهِ الوَاحِدِ القَهَّارِ» (٢).

стр. 855

معنى اسم الله (القاهر - الْقَهَّار): القهار صيغة مبالغة من القاهر، تدل على كثرة القهر، ومن أقوال العلماء في ذلك: قال الطبري ﵀ في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٨]: «المذلل المستعبد خلقه، العالي عليهم، وإنما قال: ﴿فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ لأنه وصف نفسه تَعَالَى ذكره بقهره إياهم، ومن صفة كل قاهر شيئًا أن يكون مستعليًا عليه، فمعنى الكلام إذًا: والله الغالب عباده، المذللهم، العالي عليهم بتذليله لهم، وخلقه إياهم، فهو فوقهم بقهره إياهم، وهم دونه» (١)، وقال في موضع آخر: «القاهر: المذلل المستعبد خلقه، العالي عليهم» (٢). قال الزجاج ﵀: «القهار … والله تَعَالَى قهر المعاندين بما أقام من الآيات والدلالات على وحدانيته، وقهر جبابرة خلقه بعز سلطانه، وقهر الخلق كلهم بالموت» (٣). قال الخطابي ﵀: «القهار: هو الذي قهر الجبابرة من عتاة خلقه بالعقوبة، وقهر الخلق كلهم بالموت» (٤). قال القرطبي ﵀: «القهار: الغالب لكل شيء، الذي يغلب في مراده كل مريد» (٥)، وقال: «والقاهر: الغالب، وأقهر الرجل إذا صير بحال

стр. 856

المقهور الذليل» (١). قال ابن كثير ﵀ في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٨]: «وهو الذي خضعت له الرقاب، وذلت له الجبابرة، وعنت له لوجوه، وقهر كل شيء، ودانت له الخلائق، وتواضعت لعظمة جلاله وكبريائه، وعظمته وعلوه، وقدرته على الأشياء، واستكانت وتضاءلت بين يديه، وتحت حكمه وقهره» (٢). قال الشيخ السعدي ﵀: «القهار لكل شيء، الذي خضعت له المخلوقات، وذلت لعزته وقوته وكمال اقتداره» (٣)، وقال أيضًا: «القهار وهو الذي قهر جميع الكائنات، وذلت له جميع المخلوقات و دانت لقدرته، ومشيئته مواد وعناصر العالم العلوي والسفلى، فلا يحدث حادث، ولا يسكن ساكن إلا بإذنه، وما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، وجميع الخلق فقراء إلى الله عاجزون لا يملكون لأنفسهم نفعًا، ولا ضرًّا، ولا خيرًا، ولا شرًّا» (٤). قال ابن القيم ﵀ في النونية: وَكَذَلِكَ القَهَّارُ مِنْ أَوْصَافِهِ … فَالخَلْقُ مَقْهُورُونَ بِالسُّلْطَانِ لَوْ لَمْ يَكُنْ حَيًّا عَزِيزًا قَادِرًا … مَا كَانَ مِنْ قَهْرٍ وَمِنْ سُلْطَانِ (٥)

стр. 857

اقتران اسم الله (القاهر - القهار) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ في القرآن الكريم: أولًا: اقتران اسم الله (القاهر) بأسمائه الاخرى: - اقتران اسم الله القاهر باسمه الحكيم: تقدم بيانه في اسم الله الحكيم. - اقتران اسم الله القاهر باسمه الخبير: تقدم بيانه في اسم الله الخبير ثانيًا: اقتران اسم الله (القهار) بأسمائه الأخرى: لم يقترن اسم الله (القهار) إلا باسم الله (الواحد) وذلك في ستة مواضع، منها: قوله تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [ص: ٦٥]، وقوله سُبْحَانَهُ: ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [الزمر: ٤]. وجه الاقتران: بيان كماله جل في علاه ونفي ما قد يتوهم من الحاجة؛ إذ: «الغلبة والإذلال من ملوك الدنيا، إنما يكون بأعوانهم وجندهم وعددهم و عددهم، والله تَعَالَى يقهر كل الخلق، وهو واحد أحد فرد صمد، مستغن عن ظهير سُبْحَانَهُ» (١).

стр. 858

بيان استحقاقه وحده للتوحيد، قال ابن القيم ﵀: « … لا يكون القهار إلا واحدًا؛ إذ لو كان معه كفؤ له فإن لم يقهره لم يكن قهارًا على الإطلاق، وإن قهره لم يكن كفؤًا، وكان القهار واحدًا» (١). الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (القاهر - القهار): الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (القاهر، القهار) من صفاته سُبْحَانَهُ: الله سُبْحَانَهُ القاهر القهار، الذي عم قهره العالم العلوي والسفلي حتى أعتى الخلق منهم، وأشدهم جبروتًا وسطوة يتضاءل ويتلاشى أمام قهر الله وجبروته، فالكل تحت قهره مغلوبًا ذليلًا، قال تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٨]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [الرعد: ١٦] (٢). ومن مظاهر هذا الاسم: أنه القاهر القهار الذي قهر العالمين بسلطانه وملكه، فلا يستطيع أحد منهم الخروج عنه طرفة عين، ولا التصرف فيه إلا وفق ما رسم له، فالليل يعقب النهار، والنهار يعقب الليل من غير اختلاف أو امتناع، والشمس والقمر والنجوم الكل يجري ويتردد على الدوام على وفق ما قدر الله له (٣)، والأعضاء التي خلقها الله في جسم الإنسان وغيره من الكائنات تعمل على وفق ما أراد الله

стр. 859

من غير امتناع أو توقف إلا أن يشاء الله، فالكل مدبر تحت قهر القهار وسلطانه، قال تَعَالَى: ﴿قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [الرعد: ١٦]. أنه القاهر القهار الذي قهر العالمين بمشيئته وإرادته النافذة، فلا يتصرف منهم متصرف، ولا يتحرك متحرك، ولا يسكن ساكن إلا بمشيئته وأذنه، ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن (١)، ولو دبر صاحبه كل تدبير وكاد ما شاء، فهؤلاء أهل الشرك والأوثان قوم إبراهيم ﵇ تنادوا: ﴿حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ٦٨]، فجمعوا حطبًا كثيرًا جدًّا، ثم أضرموا النيران فيه، وألقوا إبراهيم ﵇، فقهرهم القهار بقوله للنار: ﴿يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (٦٩) وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ﴾ [الأنبياء: ٦٩ - ٧٠]. (٢) وهؤلاء إخوة يوسف ﵈ دبروا وخططوا لإقصاء يوسف وإبعاده؛ حتى لا يتمكن أبوه من رؤيته، فيتفرغ لهم، ويقبل عليهم بالشفقة والمحبة، قال تَعَالَى عن قولهم: ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ (٩) قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ [يوسف: ٩ - ١٠]، لكن كان قهر الله وتدبيره بخلاف ما أرادوا، فأبقى ذكر أبيه له حتى مع غياب شخصه ﴿وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاأَسَفَا عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [يوسف: ٨٤]. قال ابن كثير ﵀: «أعرض عن بنيه، وقال متذكرًا حزن يوسف القديم الأول: ﴿يَاأَسَفَا عَلَى يُوسُفَ﴾ جدد له حزن الابنين الحزن الدفين» (٣)، فقالوا

стр. 860

متعجبين: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ﴾ [يوسف: ٨٥] (١). وهذا فرعون بلغه أن هلاك ملكه على يد غلام من بني إسرائيل، فأمر بقتل ذكور بني إسرائيل، فقهره القهار بأن أبقى موسى ﵇ حيًّا، بل وجعل منشأه ومرباه على فراشه، وفي داره، وغذاءه من طعامه، وتحت تربيته ودلاله، ثم جعل هلاكه وهلاك جنده على يديه؛ ليُعلم العالمين أن رب السموات العلا هو القاهر القهار القادر الغالب، العزيز القوي شديد المحال، الذي ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن (٢). وهؤلاء اليهود- عليهم لعنة الله- أرادوا قتل عيسى ﵇ وصلبه، فقهرهم القهار بأن رفع عيسى إليه، وألقى شبهه على غيره، فأخذوا من ألقي شبهه عليه فقتلوه وصلبوه، وباءوا بالإثم العظيم بنيتهم أنه رسول الله، قال تَعَالَى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٥٧] (٣). وهذه قريش عام الهجرة همت بقتل رسول الله ﷺ بعد القبض عليه وعلى صاحبه، فأعلنت عن مكافأة ضخمة قدرها مائة ناقة، بدل كل واحد منهما، لمن يعيدهما إلى قريش حيين أو ميتين، فجد الفرسان والمشاة وقصاص الأثر في الطلب، وانتشروا في الجبال والوديان، والوهاد والهضاب، لكن قهرهم القهار فعاد الكل بغير جدوى ومن دون عائد، على الرغم من وصولهم إلى باب الغار، قال أبو بكر ﵁: لو أن أحدهم نظر تحت قدميه

стр. 861

لأبصرنا، ولكن الله غالب على أمره (١). إنه القاهر القهار الذي قهر العالين بقضائه النافذ، وقدره الواقع، يحكم بما شاء ويقضي بما أراد، لا راد لقضائه، ولا ناقض لحكمه، ولا معقب له، يقضي بما أراد سُبْحَانَهُ من الفقر والمرض والعسر والهم والغم، ولا يملك أحد رده ولا كشفه ولو اجتمع الجن والإنس على ذلك، ويقضي بالخير من الغنى والصحة والفرح والسرور واليسر، ولا يملك أحد منعه ولا حجبه ولو اجتمع الجن والإنس على ذلك، قال تَعَالَى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧) وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٧ - ١٨]، وقال رسول الله ﷺ في حديث ابن عباس ﵄: «وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ لَكَ، وَإِنِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ عَلَيْكَ» (٢). إنه القاهر القهار الذي قهر العالمين بما قضاء عليهم من الموت والفناء، وإن طال بهم المدى وعمروا سنين عددًا، واتخذوا من الأسباب ما اتخذوا، فإذا نزل بهم ما استطاع أحد من الخلق رده أو دفعه عن نفسه ولو أتي من القوة والجبروت ما أوتي، قال تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾ [الأنعام: ٦١] (٣).

стр. 862

أنه القاهر القهار الذي قهر الجبابرة وقرى الطغيان بما أنزل عليهم من العذاب الأليم، فما استطاعوا فرارًا ولا امتناعًا ولا انتصارًا، قال تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٨]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ [القصص: ٧٨]. قهر عاد التي بلغت من القوة كل مبلغ، حتى أنه لم يخلق في البلاد مثلها قوة وشدة،، قال تَعَالَى: ﴿وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٠] فلما عتت عن أمر ربها وكذبت رسله، وقالت: من أشد منا قوة؟! قهرهم القهار ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ (٦) سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ (٧) فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٦ - ٨] (١). وقهر ثمود التي من قوتها نحتت الصخور واتخذتها مساكن، فلما كان منها ما كان قهرها القهار بالصيحة العظيمة التي انصدعت منها القلوب وزهقت لها الأرواح، فأصبحت موتى لا يرى إلا مساكنها وجثثها (٢). وقهر فرعون ذو الملك والجند والعدد والعتاد فلما استكبر، وقال تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [القصص: ٣٨]، قهره القهار بالغرق فأغرق وجنده جميعًا في صبيحة واحدة، وألقي ببدنه على الأرض ليكون عبرة وآية لكل جبار متكبر (٣).

стр. 863

وقهر قارون الذي كان له من الكنوز العجب، حتى أن مفاتح خزائنها لتثقل جماعة الرجال الأقوياء عن حملها، فهذه المفاتيح، فما الظن بالخزائن؟! فلما كفر نعمت الله عليه وطغى وبغى قهره القهار فخسف به وبداره الأرض جزاء من جنس عمله، فكما رفع نفسه على عباد الله، أنزله الله أسفل سافلين، هو وما اغتر به، من داره وأثاثه، ومتاعه (١). وقهر أصحاب الفيل الذين كادوا بيته الحرام وأرادوا خرابه، فتجهزوا بجمع لا قبل للعرب به، واستصحبوا معهم الفيل لهدم البيت، فقهرهم القهار بطير أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل، فخمدوا وهمدوا، وصاروا كعصف مأكول (٢). وقهر قريشًا وعلى رأسها أبو جهل فرعون هذه الأمة بما أنزل بهم يوم بدر، ويوم الأحزاب، ويوم الفتح حتى انتهت قريش ودخلت جموعها في دين الله أفواجًا. إنه القاهر القهار الذي يقهر العالمين يوم القيامة بالذل والخضوع، فلا تكلم نفسه إلا بإذنه، ويقهرهم بتلاشي أملاكهم قليلها وكثيرها، فلا ملك إلا ملكه، قال تَعَالَى: ﴿يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر: ١٦] (٣). إنه القاهر القهار، الذي قهر العالمين بنفوذ حكمه الجزائي فيهم، فلا يمتنع مجرم أُمر به إلى النار من أن يدخلها، ولا ناصر له ومدافع ولو كثر

стр. 864

جنده، وعظم سلطانه، وعرض جاهه، ثم إذا دخلوها فلا يملكون الخروج منها، ولا تخفيف عذابها ولا إيقافه برهة إلا أن يشاء الله، قال تَعَالَى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (٤٨) وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (٤٩) سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾ [إبراهيم: ٤٨ - ٥٠]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ (١٠٦) رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ (١٠٧) قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٦ - ١٠٩] (١). وهو سُبْحَانَهُ مع هذا القهر الواسع العظيم إلا أنه في غاية الكمال والجمال؛ إذ قهره سُبْحَانَهُ عن علم وخبرة بمصالح الأشياء ومضارها، ومن يستحق القهر ومن لا يستحقه، وعن حكمة بالغة يضع معها قهره في الموضع المناسب له، وعن عدل تام لا ظلم معه ولا جور، قال تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٨] (٢). الأثر الثاني: دلالة اسم الله (القهار) على التوحيد: إذا تأمل العبد في الكون من حوله وجد أن كل مخلوق فوقه مخلوق يقهره أو له مخلوق يضاده؛ فخلق الله الرياح وسلط بعضها على بعض تصادمها وتكسر ثورتها وتذهب بها، وخلق الماء وسلط عليه الرياح تصرفه وتكسره، وخلق النار وسلط عليها الماء يكسرها ويطفئها، وخلق الحديد وسلط عليه النار تذيبه وتكسر قوته، وخلق الحجارة وسلط عليها الحديد يكسرها ويفتتها، وخلق آدم وذريته وسلط عليهم إبليس وذريته، وخلق إبليس وذريته وسلط عليهم الملائكة

стр. 865

يشردونهم كل مشرد ويطردونهم كل مطرد، وخلق الحر والبرد والشتاء والصيف وسلط كلًّا منهما على الآخر يذهبه ويقهره، وخلق الليل والنهار، وقهر كلًّا منهما بالآخر، وكذلك الحيوان على اختلاف ضروبه من حيوان البر والبحر لكل منه مضاد ومغالب، ثم إن هذا القهر كله لا بد أن ينتهي لقاهر واحد حي، قيوم، عليٍّ، مالك، قادر، قوي، عزيز، عليم، حكيم، لا والد له ولا ولد، ولا أحد كذلك إلا الله الواحد القهار، قال تَعَالَى: ﴿قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [الرعد: ١٦]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾ [الأنعام: ٦١]، وقال تَعَالَى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧) وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٧ - ١٨]، وقال تَعَالَى: ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [الزمر: ٤]. (١) قال الشيخ السعدي ﵀ في التعليق على الآية السابقة: «القهار لجميع العالم العلوي والسفلي، فلو كان له ولد لم يكن مقهورًا، ولكان له إدلال على أبيه ومناسبة منه» (٢). وبهذا يكون اسم الله القاهر القهار دالًّا على توحيد الربوبية والأسماء والصفات. ثم إن من له القهر بكماله وتمامه، لا قاهر له ولا مغالب، هو المستحق أن يعبد وحده دون ما سواه؛ إذ إن ما سواه مقهور مربوب مملوك للواحد القهار، فكيف يساوى بالواحد القهار في العبودية؟!! قال تَعَالَى:

стр. 866

﴿يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٣٩) مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٣٩ - ٤٠]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [ص: ٦٥]، قال الشيخ السعدي ﵀: «هذا تقرير لألوهيته، بهذا البرهان القاطع، وهو وحدته تَعَالَى، وقهره لكل شيء، فإن القهر ملازم للوحدة، فلا يكون قهَّاران متساويَيْن في قهرهما أبدًا، فالذي يقهر جميع الأشياء هو الواحد الذي لا نظير له، وهو الذي يستحق أن يعبد وحده، كما كان قاهرًا وحده» (١). الأثر الثالث: طمأنينة القلب وسكينته بالله القاهر القهار: اسم الله القاهر القهار يدعو النفوس للاطمئنان والسكينة، لا سيما المظلومة منها؛ ليقينها بقهر الله للظلمة وقدرته عليهم، مع اطلاعه على ظلمهم وعدم غياب ذلك عنه، قال تَعَالَى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ [إبراهيم: ٤٢]، ويقينه أن حقه محفوظ عنده، وسيأخذه له من ظالمه ولو بعد حين، كما جاء في الحديث: «ثَلَاثَةٌ لَا تُرَدُّ دَعْوَتُهُمْ، الْإِمَامُ الْعَادِلُ، وَالصَّائِمُ، حَتَّى يُفْطِرَ، وَدَعْوَةُ الْمَظْلُومِ، يَرْفَعُهَا الله دُونَ الْغَمَامِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَتُفْتَحُ لَهَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَيَقُولُ: بِعِزَّتِي لَأَنْصُرَنَّكِ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ» (٢).

стр. 867

ومن ذلك: نفوس المؤمنين الذين تكالبت عليهم الأعداء، وتحزبت عليهم الأحزاب، وخذلهم القريب والبعيد، فإنهم إذا نظروا إلى ضعفهم وقلة حيلتهم وما أصابهم من جراح وقتل ومآسٍ، وبالمقابل قوة عدوهم وبطشه وغناه، ثم تذكروا أن ربهم قاهر قهار، لا يخرج ظالم مهما قوي عن قهره؛ عاد ذلك على نفوسهم بالاطمئنان والسكينة والأمل بنصر الله ، قال تَعَالَى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧]. الأثر الرابع: محبة الله القاهر، القهار: متى عرف العبد أن معبوده ﵎ قاهر قهار، لا يُغلب ولا يقوم أمام قهره شيء، وأنه بعبادته له يأوي إلى ركن شديد، يدفع عنه ما يمكن أن يتسلط عليه؛ أثمر ذلك في قلبه محبةً وتعلقًا به جل في علاه. الأثر الخامس: التواضع والخضوع للقاهر القهار: إذا تأمل العبد في اسم القاهر القهار، ثم نظر في نفسه وكيف أنه تحت قهره لا يد له في الخلق، ولا التدبير، ولا الرزق، يتمنى أن يولد له فلا يولد، وألا يمرض فيمرض، وأن يستغني فيفتقر، وأن يحيى أبدًا فيموت، كل ذلك بغلبة من الله وقهره؛ أورثه ذلك ذلًّا وخضوعًا للقهار، وتواضعًا لخلقه، فلا يغره ملكه وقوته ولا جاهه ونسبه، ولا يقدم على قهر مخلوق، لا سيما الضعيف منهم، قال تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ﴾ [الضحى: ٩]، قال القرطبي ﵀: «خص اليتيم؛ لأنه لا ناصر له غير الله تَعَالَى، فغلظ في أمره، بتغليظ العقوبة على ظالمه» (١).

стр. 868

الأثر السادس: الحذر من اتصاف المخلوق بالقهر: إذا تأمل العبد في اقتران اسم الله (القاهر) باسمه الحكيم الخبير؛ علم أن قهره ﵎ صفة كمال في حقه بخلاف المخلوق؛ إذ قهره عن جهل وسفه وظلم وعدوان، إضافة إلى كونه مربوبًا مقهورًا عاجزًا، تؤذيه البعوضة، وتشوشه الذبابة، ويأسره الجوع، ويصرعه الشبع، فمن كان كذلك كيف يليق به القهر والكبر والتجبر؟! (١). بل إن اتصافه بذلك وتسميه بما يدل عليه محل نقص وصفة ذم نهى الله عنها، قال تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ﴾ [الضحى: ٩]؛ وذلك لقيامها على الظلم والطغيان، والتسلط على الضعفاء والفقراء، كما قال فرعون: ﴿سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ﴾ [الأعراف: ١٢٧] (٢). وقد تتابعت النصوص في النهي عن الظلم والتحذير منه والتشنيع على صاحبه، ومن ذلك: أن الله حرمه على نفسه وعلى عباده؛ فعن عن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ فيما يروي عن الله ﵎: «يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فَلَا تَظَالَمُوا» (٣). أن رسول الله ﷺ استعاذ من أن يظلم أو يظلم وأمر بذلك؛ فعن أم سلمة، قالت: مَا خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ بَيْتِي قَطُّ إِلَّا رَفَعَ طَرْفَهُ

стр. 869

إِلَى السَّمَاءِ فَقَالَ: «اللهمَّ أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَضِلَّ، أَوْ أُضَلَّ، أَوْ أَزِلَّ، أَوْ أُزَلَّ، أَوْ أَظْلِمَ، أَوْ أُظْلَمَ، أَوْ أَجْهَلَ، أَوْ يُجْهَلَ عَلَيَّ» (١)، وعن أبي سعيد الخدري ﵁، قال: «دَخَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ الْمَسْجِدَ، فَإِذَا هُوَ بِرَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ: أَبُو أُمَامَةَ، فَقَالَ: يَا أَبَا أُمَامَةَ مَا لِي أَرَاكَ جَالِسًا فِي الْمَسْجِدِ فِي غَيْرِ وَقْتِ الصَّلَاةِ؟ قَالَ: هُمُومٌ لَزِمَتْنِي، وَدُيُونٌ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: أَفَلَا أُعَلِّمُكَ كَلَامًا إِذَا قُلْتَهُ أَذْهَبَ اللهُ هَمَّكَ، وَقَضَى عَنْكَ دَيْنَكَ، قَالَ: قُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: قُلْ إِذَا أَصْبَحْتَ، وَإِذَا أَمْسَيْتَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْجُبْنِ وَالْبُخْلِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ غَلَبَةِ الدَّيْنِ وَقَهْرِ الرِّجَالِ (٢). قَالَ: فَفَعَلْتُ ذَلِكَ، فَأَذْهَبَ اللهُ هَمِّي، وَقَضَى عَنِّي دَيْنِي» (٣). أن صاحبه منهي عن مجالسته ومصاحبته، قال تَعَالَى: ﴿فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ٦٨]. أن صاحبه معرض لدعوة المظلوم التي لا ترد؛ فعن عقبة بن عامر الجهني ﵁ عن النبي ﷺ قال: «ثَلَاثَةٌ تُسْتَجَابُ دَعْوَتُهُمْ:

стр. 870

الوَالِدُ، والمُسَافِرُ، والمَظْلُومُ» (١)، وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «دَعْوَةُ الْمَظْلُومِ مُسْتَجَابَةٌ، وَإِنْ كَانَ فَاجِرًا فَفُجُورُهُ عَلَى نَفْسِهِ» (٢)، وفي رواية: «اتَّقُوا دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ، وَإِنْ كَانَ كَافِرًا، فَإِنَّهُ لَيْسَ دُونَهَا حِجَابٌ» (٣). وروى البخاري عن جابر بن سمرة، قال: «شَكَا أَهْلُ الْكُوفَةِ سَعْدًا إِلَى عُمَرَ ﵁، فَعَزَلَهُ وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ عَمَّارًا … إلى أن قال: فَأَرْسَلَ مَعَهُ رَجُلًا، أَوْ رِجَالًا، إِلَى الْكُوفَةِ فَسَأَلَ عَنْهُ أَهْلَ الْكُوفَةِ، وَلَمْ يَدَعْ مَسْجِدًا إِلَّا سَأَلَ عَنْهُ، وَيُثْنُونَ مَعْرُوفًا، حَتَّى دَخَلَ مَسْجِدًا لِبَنِي عَبْسٍ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ: أُسَامَةُ بْنُ قَتَادَةَ، يُكَنَّى أَبَا سَعْدَةَ قَالَ: أَمَّا إِذْ نَشَدْتَنَا فَإِنَّ سَعْدًا كَانَ لَا يَسِيرُ بِالسَّرِيَّةِ، وَلَا يَقْسِمُ بِالسَّوِيَّةِ، وَلَا يَعْدِلُ فِي الْقَضِيَّةِ، قَالَ سَعْدٌ: أَمَا وَاللهِ لَأَدْعُوَنَّ بِثَلَاثٍ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ عَبْدُكَ هَذَا كَاذِبًا، قَامَ رِيَاءً وَسُمْعَةً، فَأَطِلْ عُمْرَهُ، وَأَطِلْ فَقْرَهُ، وَعَرِّضْهُ بِالْفِتَنِ. وَكَانَ بَعْدُ إِذَا سُئِلَ يَقُولُ: شَيْخٌ كَبِيرٌ مَفْتُونٌ، أَصَابَتْنِي دَعْوَةُ سَعْدٍ» (٤). وروى مسلم- أيضًا- قصة أروى بنت أوس، وقد ادعت على سعيد بن زيد أنه أخذ شيئًا من أرضها … فقال سعيد: «اللَّهُمَّ إِنْ كَانَتْ كَاذِبَةً فَعَمِّ بَصَرَهَا، وَاقْتُلْهَا فِي أَرْضِهَا. قَالَ: فَمَا مَاتَتْ حَتَّى ذَهَبَ بَصَرُهَا، ثُمَّ بَيْنَا هِيَ تَمْشِي فِي

стр. 871

أَرْضِهَا إِذْ وَقَعَتْ فِي حُفْرَةٍ فَمَاتَتْ» (١). أن صاحبه لا يوفق للحق والهدى، بل إلى الضلال والشقاء، قال تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ٢٥٨]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم: ٢٧]. أن صاحبه محروم من محبة الله، قال تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [آل عمران: ٥٧]. أن صاحبه لا يفلح، فلا يفوز بمطلوبه ولا ينجو من مكروه، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ [الأنعام: ٢١]. أن صاحبه هالك، قال تَعَالَى: ﴿هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الأنعام: ٤٧]، وقال تَعَالَى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ﴾ [إبراهيم: ١٣]. أن صاحبه ملعون من الله ، قال تَعَالَى: ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨]، وقال تَعَالَى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [الأعراف: ٤٤]. أن صاحبه معرض لغضب الله ؛ فعن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ بمعناه، قال: «وَمَنْ أَعَانَ عَلَى خُصُومَةٍ بِظُلْمٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ منَ اللهِ » (٢).

стр. 872

أن صاحبه متوعد بيوم القيامة، قال تَعَالَى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾ [إبراهيم: ٤٢]. قال السعدي ﵀: «هذا وعيد شديد للظالمين، وتسلية للمظلومين، يقول تَعَالَى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ حيث أمهلهم وأدر عليهم الأرزاق، وتركهم يتقلبون في البلاد آمنين مطمئنين، فليس في هذا ما يدل على حسن حالهم، فإن الله يملي للظالم ويمهله ليزداد إثمًا، حتى إذا أخذه لم يفلته، ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: ١٠٢]» (١). اللهم يا قاهر يا قهار، نعوذ بك من الهم والحزن، ونعوذ بك من العجز والكسل، ونعوذ بك من الجبن والبخل، ونعوذ بك من غلبة الدين، وقهر الرجال.

стр. 873

الكبيرُ المتكبِّرُ ﷻ - المعنى اللغوي: قال الجوهري ﵀: «كبر: الكبر في السن، وقد كبر الرجل يكبر كبرًا، أي: أسن … ، وكبر بالضم يكبر: أي: عظم، فهو كبير وكبار، فإذا أفرط قيل: كبار بالتشديد، والكبر بالكسر: العظمة، وكذلك الكبرياء» (١). قال ابن فارس ﵀: «(كبر) الكاف والباء والراء أصل صحيح يدل على خلاف الصغر، يقال: هو كبير، وكبار، وكبار، قال الله تَعَالَى: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا﴾ [نوح ٢٢]، والكبر: معظم الأمر، قوله عز وعلا: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ﴾ [النور: ١١]، أي: معظم أمره» (٢). ورود اسم الله (الكبير- المتكبر) في القرآن الكريم: أولًا: وود اسم الله (الكبير) في ستة مواضع من كتاب الله، ومن وروده ما يلي: قوله تَعَالَى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ [الرعد: ٩]. قوله تَعَالَى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [الحج: ٦٢].

стр. 874

قوله تَعَالَى: ﴿فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾ [غافر: ١٢]. ثانيًا: ورود اسم الله (المتكبر) في القرآن الكريم: ورد اسم الله (المتكبر) في آية واحدة في القرآن الكريم، في قوله تعالى: ﴿الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ﴾ [الحشر: ٢٣]. ورود اسم الله (الكبير- المتكبر) في السنة النبوية: أولًا: ورد اسم الله (الكبير) في السنة النبوية، ومن وروده ما يلي: عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِذَا قَضَى الله الْأَمْرَ فِي السَّمَاءِ ضَرَبَتِ الْمَلائِكَةُ بِأَجْنِحَتِهَا خُضْعَانًا لِقَوْلِهِ؛ كَالسِّلْسِلَةِ عَلَى صَفْوَانَ- قال علي: وقال غيره: صفوان ينفذُهُمْ ذَلِكَ- فَإِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا: مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ قَالُوا: لِلَّذِي قَالَ الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيْرُ … » (١). ثانيًا: وورد اسم الله (المتكبر) في السنة النبوية، ومن وروده ما يلي: عن ابن عمر ﵄: «أن رسول الله ﷺ قرأ هذه الآية ذات يوم على المنبر: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر: ٦٧]، ورسول الله ﷺ يقول هكذا بيده، ويحركها، يقبل بها ويدبر، يُمَجِّدُ الرَّبُّ نَفْسَهُ: أَنَا الْجَبَّارُ، أَنَا الْمُتَكَبِّرُ، أَنَا الْمَلِكُ، أَنَا الْعَزِيْزُ، أَنَا الْكَرِيْمُ، فرجف برسول الله ﷺ المنبر، حتى قلنا: ليخرن به» (٢).

стр. 875

معنى اسم الله (الكبير- المتكبر) في حقه سُبْحَانَهُ: أولًا: الكبير: قال الطبري ﵀: «هو العظيم، الذي كل شيء دونه، ولا شيء أعظم منه» (١). قال الزجاجي ﵀: «هو العظيم الجليل … ، وكبرياء الله: عظمته وجلاله» (٢). قال الخطابي ﵀: «هو الموصوف بالجلال وكبر الشأن، فصغر دون جلاله كل كبير، ويقال: هو الذي كبر عن شبه المخلوقين» (٣). قال القرطبي ﵀: «أي: الموصوف بالعظمة والجلال وكبر الشأن، وقيل: الكبير ذو الكبرياء، والكبرياء عبارة عن كمال الذات، أي: له الوجود المطلق أبدًا وأزلًا، فهو الأول القديم، والآخر الباقي بعد فناء خلقه» (٤). قال السعدي ﵀: «الكبير في ذاته، وفي أسمائه، وفي صفاته، الذي من عظمته وكبريائه، أن الأرض قبضته يوم القيامة، والسماوات مطويات بيمينه، ومن كبريائه، أن كرسيه وسع السماوات والأرض، ومن عظمته وكبريائه، أن نواصي العباد بيده، فلا يتصرفون إلا بمشيئته، ولا يتحركون ويسكنون إلا بإرادته» (٥).

стр. 876

ثانيًا: المتكبر: قال الخطابي ﵀: «(المتكبر): المتعالي عن صفات الخلق، ويقال: هو الذي يتكبر على عتاة خلقه إذا نازعوه العظمة فيقصمهم، والتاء في المتكبر: تاء التفرد، والتخصص بالكبر، لا تاء التعاطي والتكلف» (١). قال القرطبي ﵀: «المتكبر: الذي تكبر بربوبيته فلا شيء مثله، وقيل: المتكبر عن كل سوء، المتعظم عما لا يليق به من صفات الحدث والذم، وأصل الكبر والكبرياء: الامتناع وقلة الانقياد … ، وقيل: المتكبر معناه: العالي، وقيل: معناه الكبير؛ لأنه أجل من أن يتكلف كبرًا» (٢). قال ابن الأثير ﵀: «العظيم ذو الكبرياء، وقيل: المتعالي عن صفات الخلق، وقيل: المتكبر على عتاة خلقه، والكبرياء: العظمة والملك، وقيل: هي عبارة عن كمال الذات وكمال الوجود، ولا يوصف بها إلا الله تَعَالَى» (٣). قال السعدي ﵀: «الذي له الكبرياء والعظمة، المتنزه عن جميع العيوب والظلم والجور» (٤).

стр. 877

اقتران اسم الله (الكبير- المتكبر) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ في القرآن الكريم: أولًا: اقتران اسم الله الكبيرِ باسم الله العلي: تقدم بيانه في اسم الله (العلي). ثانيًا: اقتران اسم الله (المُتَكَبِّر) باسم الله (العزيز الجبَّار) (١): ورد في آية واحدة في القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ﴾ [الحشر: ٢٣]. وجه الاقتران: يقول ابن القيم ﵀ في مناسبة هذا الاقتران-: «جعل سُبْحَانَهُ اسمه الجبار مقرونًا بالعزيز والمتكبر، وكل واحد من هذه الأسماء الثلاثة تضمن الاسمين الآخرين، وهذه الأسماء الثلاثة نظير الأسماء الثلاثة، وهي: الخالق البارئ المصور، فالجبار المتكبر يجريان مجرى التفصيل لمعنى اسم العزيز؛ كما أن البارئ المصور تفصيل لمعنى اسم الخالق، فالجبار من أوصافه يرجع إلى كمال القدرة والعزة والملك؛ ولهذا كان من أسمائه الحسنى» (٢). يقول الطاهر ابن عاشور ﵀: «ووجه ذكر هذه الصفات الثلاث عقب صفة المهيمن: أن جميع ما ذكره آنفًا من الصفات لا يؤذن إلا باطمئنان العباد

стр. 878

لعناية ربهم بهم، وإصلاح أمورهم، وأن صفة المهيمن تؤذن بأمر مشترك، فعقبت بصفة العزيز؛ ليعلم الناس أن الله غالب لا يعجزه شيء، واتبعت بصفة الجبار الدالة على أنه مسخر المخلوقات لإرادته، ثم صفة المتكبر الدالة على أنه ذو الكبرياء، يصغر كل شيء دون كبريائه، فكانت هذه الصفات في جانب التخويف، كما كانت الصفات قبلها في جانب الإطماع» (١). الآثار المسلكية للإيمان باسمي الله (الكبير المتكبر): الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسمي الكبير المتكبر من صفات الله تعالى: فالله سُبْحَانَهُ هو الكبير المتكبر وحده لا شريك له، له الكبرياء والعظمة، وسائر صفات الجلال والجمال، فهو الكبير في ملكه، والكبير في رحمته، والكبير في قدرته، والكبير في غناه، والكبير في بسطه وقبضه، والكبير في عزه وعفوه سُبْحَانَهُ. ومن مظاهر هذين الاسمين ما يلي: أنه الكبير المتكبر في ذاته سُبْحَانَهُ عن كل سوء وشر، فهو الكبير عن ظلم العباد، يقول تَعَالَى في الحديث القدسي: «يَا عِبَادِي! إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فَلَا تَظَالَمُوا» (٢)، ولايرضى الظلم منهم، يقول سُبْحَانَهُ: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ

стр. 879

اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ [النساء: ٣٤] أنه الكبير المتكبر العظيم سُبْحَانَهُ، وكل ما دونه حقير صغير، فلا إله بحق غيره، ولا شبيه له ولا نظير، ولا ولد له ولا والد، ولا صاحبة له ولا شريك، ليس لأوليته ابتداء ولا لآخريته انقضاء، ولا يبلغ كنه صفته الواصفون ولا يحيط بأمره المتفكرون، يقول تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [الحج: ٦٢] أنه الكبير المتكبر في سعة علمه وكماله سُبْحَانَهُ، يقول تَعَالَى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ [الرعد: ٩]. أنه الكبير المتكبر في قلوب أهل السماء والأرض سُبْحَانَهُ، يقول تَعَالَى: ﴿وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الجاثية: ٣٧] أنه الكبير المتكبر في الآخرة سُبْحَانَهُ، فالأرض قبضته والسماوات مطويات بيمينه، يقول تَعَالَى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر: ٦٧]، وفي الأثر عن ابن عباس ﵄، قال: «ما السماوات السبع والأرضون السبع في كف الرحمن إلا كخردلة في يد أحدكم» (١)، وكرسيه سُبْحَانَهُ يسع السماوات والأرض، يقول تَعَالَى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [البقرة: ٢٥٥]. أنه الكبير المتكبر على عتاة خلقه وجبابرتهم، فإن نازعوه العظمة قصمهم، يقول الله تَعَالَى في الحديث القدسي: «الكِبْرِيَاءُ رِدَائِي وَالعَظَمَةُ

стр. 880

إِزَارِي، فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا أَلْقَيْتُهُ فِي النَّارِ» (١)، وفي رواية: «قَذَفْتُهُ فِي النَّارِ» (٢)، ويقول سُبْحَانَهُ: ﴿فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الأحقاف: ٢٠]. أنه الكبير المتكبر عن مشابهة صفات خلقه سُبْحَانَهُ، قال تَعَالَى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] يقول ابن عباس ﵄: «السماوات السبع، والأرضون السبع وما فيهن في يد الرحمن كخردلة في يد أحدكم» (٣). فالله سُبْحَانَهُ كبير متكبر متعال، له العلو المطلق والكبرياء الكامل سُبْحَانَهُ وتقدس. الأثر الثاني: توحيد الله باسميه الكبير المتكبر: - دلالة اسمي الكبير المتكبر على توحيد الألوهية والربوبية: يقول ابن تيمية ﵀: «فالعظمة والكبرياء من خصائص الربوبية، والكبرياء أعلى من العظمة؛ ولهذا جعلها بمنزلة الرداء، كما جعل العظمة بمنزلة الإزار» (٤). ومن الآيات التي تقطع أصول الشرك وفروعه: قوله تَعَالَى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ
следующие страницы →