ثانيًا: المتكبر:
قال الخطابي ﵀: «(المتكبر): المتعالي عن صفات الخلق، ويقال: هو الذي يتكبر على عتاة خلقه إذا نازعوه العظمة فيقصمهم، والتاء في المتكبر: تاء التفرد، والتخصص بالكبر، لا تاء التعاطي والتكلف» (١).
قال القرطبي ﵀: «المتكبر: الذي تكبر بربوبيته فلا شيء مثله، وقيل: المتكبر عن كل سوء، المتعظم عما لا يليق به من صفات الحدث والذم، وأصل الكبر والكبرياء: الامتناع وقلة الانقياد … ، وقيل: المتكبر معناه: العالي، وقيل: معناه الكبير؛ لأنه أجل من أن يتكلف كبرًا» (٢).
قال ابن الأثير ﵀: «العظيم ذو الكبرياء، وقيل: المتعالي عن صفات الخلق، وقيل: المتكبر على عتاة خلقه، والكبرياء: العظمة والملك، وقيل: هي عبارة عن كمال الذات وكمال الوجود، ولا يوصف بها إلا الله تَعَالَى» (٣).
قال السعدي ﵀: «الذي له الكبرياء والعظمة، المتنزه عن جميع العيوب والظلم والجور» (٤).
стр. 877
اقتران اسم الله (الكبير- المتكبر) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ في القرآن الكريم:
أولًا: اقتران اسم الله الكبيرِ باسم الله العلي:
تقدم بيانه في اسم الله (العلي).
ثانيًا: اقتران اسم الله (المُتَكَبِّر) باسم الله (العزيز الجبَّار) (١):
ورد في آية واحدة في القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ﴾ [الحشر: ٢٣].
وجه الاقتران:
يقول ابن القيم ﵀ في مناسبة هذا الاقتران-: «جعل سُبْحَانَهُ اسمه الجبار مقرونًا بالعزيز والمتكبر، وكل واحد من هذه الأسماء الثلاثة تضمن الاسمين الآخرين، وهذه الأسماء الثلاثة نظير الأسماء الثلاثة، وهي: الخالق البارئ المصور، فالجبار المتكبر يجريان مجرى التفصيل لمعنى اسم العزيز؛ كما أن البارئ المصور تفصيل لمعنى اسم الخالق، فالجبار من أوصافه يرجع إلى كمال القدرة والعزة والملك؛ ولهذا كان من أسمائه الحسنى» (٢).
يقول الطاهر ابن عاشور ﵀: «ووجه ذكر هذه الصفات الثلاث عقب صفة المهيمن: أن جميع ما ذكره آنفًا من الصفات لا يؤذن إلا باطمئنان العباد
стр. 878
لعناية ربهم بهم، وإصلاح أمورهم، وأن صفة المهيمن تؤذن بأمر مشترك، فعقبت بصفة العزيز؛ ليعلم الناس أن الله غالب لا يعجزه شيء، واتبعت بصفة الجبار الدالة على أنه مسخر المخلوقات لإرادته، ثم صفة المتكبر الدالة على أنه ذو الكبرياء، يصغر كل شيء دون كبريائه، فكانت هذه الصفات في جانب التخويف، كما كانت الصفات قبلها في جانب الإطماع» (١).
الآثار المسلكية للإيمان باسمي الله (الكبير المتكبر):
الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسمي الكبير المتكبر من صفات الله تعالى:
فالله سُبْحَانَهُ هو الكبير المتكبر وحده لا شريك له، له الكبرياء والعظمة، وسائر صفات الجلال والجمال، فهو الكبير في ملكه، والكبير في رحمته، والكبير في قدرته، والكبير في غناه، والكبير في بسطه وقبضه، والكبير في عزه وعفوه سُبْحَانَهُ.
ومن مظاهر هذين الاسمين ما يلي:
أنه الكبير المتكبر في ذاته سُبْحَانَهُ عن كل سوء وشر، فهو الكبير عن ظلم العباد، يقول تَعَالَى في الحديث القدسي: «يَا عِبَادِي! إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فَلَا تَظَالَمُوا» (٢)، ولايرضى الظلم منهم، يقول سُبْحَانَهُ: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ
стр. 879
اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ [النساء: ٣٤]
أنه الكبير المتكبر العظيم سُبْحَانَهُ، وكل ما دونه حقير صغير، فلا إله بحق غيره، ولا شبيه له ولا نظير، ولا ولد له ولا والد، ولا صاحبة له ولا شريك، ليس لأوليته ابتداء ولا لآخريته انقضاء، ولا يبلغ كنه صفته الواصفون ولا يحيط بأمره المتفكرون، يقول تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [الحج: ٦٢]
أنه الكبير المتكبر في سعة علمه وكماله سُبْحَانَهُ، يقول تَعَالَى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ [الرعد: ٩].
أنه الكبير المتكبر في قلوب أهل السماء والأرض سُبْحَانَهُ، يقول تَعَالَى: ﴿وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الجاثية: ٣٧]
أنه الكبير المتكبر في الآخرة سُبْحَانَهُ، فالأرض قبضته والسماوات مطويات بيمينه، يقول تَعَالَى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر: ٦٧]، وفي الأثر عن ابن عباس ﵄، قال: «ما السماوات السبع والأرضون السبع في كف الرحمن إلا كخردلة في يد أحدكم» (١)، وكرسيه سُبْحَانَهُ يسع السماوات والأرض، يقول تَعَالَى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [البقرة: ٢٥٥].
أنه الكبير المتكبر على عتاة خلقه وجبابرتهم، فإن نازعوه العظمة قصمهم، يقول الله تَعَالَى في الحديث القدسي: «الكِبْرِيَاءُ رِدَائِي وَالعَظَمَةُ
стр. 880
إِزَارِي، فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا أَلْقَيْتُهُ فِي النَّارِ» (١)، وفي رواية: «قَذَفْتُهُ فِي النَّارِ» (٢)، ويقول سُبْحَانَهُ: ﴿فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الأحقاف: ٢٠].
أنه الكبير المتكبر عن مشابهة صفات خلقه سُبْحَانَهُ، قال تَعَالَى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] يقول ابن عباس ﵄: «السماوات السبع، والأرضون السبع وما فيهن في يد الرحمن كخردلة في يد أحدكم» (٣).
فالله سُبْحَانَهُ كبير متكبر متعال، له العلو المطلق والكبرياء الكامل سُبْحَانَهُ وتقدس.
الأثر الثاني: توحيد الله باسميه الكبير المتكبر:
- دلالة اسمي الكبير المتكبر على توحيد الألوهية والربوبية:
يقول ابن تيمية ﵀: «فالعظمة والكبرياء من خصائص الربوبية، والكبرياء أعلى من العظمة؛ ولهذا جعلها بمنزلة الرداء، كما جعل العظمة بمنزلة الإزار» (٤).
ومن الآيات التي تقطع أصول الشرك وفروعه: قوله تَعَالَى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ
стр. 881
وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢) وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ: ٢٢ - ٢٣].
يقول السعدي ﵀: «قل يا أيها الرسول، للمشركين بالله غيره من المخلوقات، التي لا تنفع ولا تضر، ملزمًا لهم بعجزها، ومبينًا لهم بطلان عبادتها: ﴿ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [سبأ: ٢٢] أي: زعمتموهم شركاء لله، إن كان دعاؤكم ينفع، فإنهم قد توفرت فيهم أسباب العجز، وعدم إجابة الدعاء من كل وجه، فإنهم ليس لهم أدنى ملك فـ ﴿لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ [سبأ: ٢٢] على وجه الاستقلال، ولا على وجه الاشتراك … ، ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ: ٢٣]، فلم يبق إلا الشفاعة، فنفاها بقوله: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٣]، فهذه أنواع التعلقات، التي يتعلق بها المشركون بأندادهم، وأوثانهم، من البشر، والشجر، وغيرهم، قطعها الله وبين بطلانها، تبيينًا حاسمًا لمواد الشرك، قاطعًا لأصوله؛ لأن المشرك إنما يدعو ويعبد غير الله،؛ لما يرجو منه من النفع، فهذا الرجاء، هو الذي أوجب له الشرك، فإذا كان من يدعوه (غير الله)، لا مالكًا للنفع والضر، ولا شريكًا للمالك، ولا عونًا وظهيرًا للمالك، ولا يقدر أن يشفع بدون إذن المالك، كان هذا الدعاء، وهذه العبادة، ضلالًا في العقل، باطلة في الشرع» (١).
стр. 882
ولذا فكل مستكبر عن عباده الله فهو مشرك، وفرعون من أعظم الخلق استكبارًا عن عبادة الله كان مشركًا، يقول تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٢٣) إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ [غافر: ٢٣ - ٢٤] إلى قوله: ﴿وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ﴾ [غافر: ٢٧]- إلى قوله: - ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ [غافر: ٣٥].
- دلالة اسمي الكبير المتكبر على توحيد الأسماء والصفات:
كما أن اسمي الله الكبير المتكبر يدلان على توحيد الربوبية والألوهية، فهما يدلان أيضًا على توحيد الأسماء والصفات، ويدلان على عدد كبير منها؛ كالقدير، والخبير، والعلي المتعال، وذو الجلال والإكرام، والجبار، وغيرها من الأسماء الدالة على ذلك.
الأثر الرابع: مواضع قول: «الله أكبر»، وفضلها:
من مظاهر عظمة هذين الاسمين، أنهما يدوران على ذكر عظيم وهو (الله أكبر)، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عن معنى (الله أكبر): «وفي قول (الله أكبر) إثبات عظمته؛ فإن الكبرياء يتضمن العظمة، ولكن الكبرياء أكمل؛ ولهذا جاءت الألفاظ المشروعة في الصلاة والأذان بقول: (الله أكبر) فإن ذلك أكمل من قول: (الله أعظم)» (١).
ومن تأمل في المواضع المخصوصة التي أمرنا بالتكبير فيها، وجد أنه كما قال ابن تيمية ﵀: «مشروع في المواضع الكبار لكثرة الجمع، أو
стр. 883
لعظمة الفعل، أو لقوة الحال، أو نحو ذلك من الأمور الكبيرة؛ ليبين أن الله أكبر، ويستولي كبرياؤه في القلوب على كبرياء تلك الأمور الكبار؛ فيكون الدين كله لله، ويكون العباد له مكبرين، فيحصل لهم مقصودان: مقصود العبادة بتكبير قلوبهم لله، ومقصود الاستعانة بانقياد الطالب لكبريائه» (١)، ومن هذه المواضع:
شرع التكبير لصحة الدخول في الصلاة، يقول ابن القيم ﵀ في سر ذلك: «لما كان المصلي قد تخلى عن الشواغل وقطع جميع العلائق، وتطهر وأخذ زينته، وتهيأ للدخول على الله تَعَالَى ومناجاته؛ شُرع له أن يدخل دخول العبيد على الملوك، فيدخل بالتعظيم والإجلال، فشرع له أبلغ لفظ يدل على هذا المعنى وهو قول: (الله أكبر) فإن في اللفظ من التعظيم والتخصيص والإطلاق- في جانب المحذوف المجرور بمن- ما لا يوجد في غيره» (٢).
شرع التكبير على الهداية والرزق والنصر؛ وفي سر ذلك يقول ابن تيمية ﵀: «لأن هذه الثلاث أكبر ما يطلبه العبد، وهي جماع مصالحه، والهدي أعظم من الرزق والنصر؛ لأن الرزق والنصر قد لا ينتفع بهما إلا في الدنيا، وأما الهدي فمنفعته في الآخرة قطعًا، وهو المقصود بالرزق والنصر؛ فخص بصريح التكبير» (٣)، ومما ورد في ذلك: حديث أنس بن مالك ﵁، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ إِلَى خَيْبَرَ فَجَاءَهَا لَيْلًا وَكَانَ إِذَا جَاءَ قَوْمًا بِلَيْلٍ لَا يُغِيرُ عَلَيْهِمْ حَتَّى يُصْبِحَ فَلَمَّا أَصْبَحَ خَرَجَتْ يَهُودُ بِمَسَاحِيهِمْ وَمَكَاتِلِهِمْ فَلَمَّا
стр. 884
رَأَوْهُ قَالُوا: مُحَمَّدٌ وَاللهِ مُحَمَّدٌ وَالْخَمِيسُ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : اللهُ أَكْبَرُ، خَربَتْ خَيْبَرُ، إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ فَسَاءَ صَبَاحُ المُنْذَرِينَ» (١).
شرع التكبير في بدء العبادات أو تمامها، ومن ذلك: جاء التكبير مكررًا في الأذان في أوله وفي آخره، وفي أثناء الصلاة وهو حال الرفع والخفض والقيام إليها، وذكره الله بعد آيات الصيام، قال تَعَالَى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ١٨٥]؛ وعند ذبح الأنساك في الحج، قالتَعَالَى: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الحج: ٣٧].
شرع التكبير عند كل علو وارتفاع، كعلو نشز من الأرض عامة، أو صعود على الصفا والمروة خاصة، وفي حديث جابر: «كُنَّا إِذَا صَعِدْنَا كَبَّرْنَا وَإِذَا نَزَلْنَا سَبَّحْنَا» (٢).
ومواطن التكبير في الشريعة الإسلامية كثيرة جدًّا، ولعل جماعها: أن التكبير شرع عند كل أمر كبير، سواء كان مكانًا، أو زمانًا، أوحالًا.
أما فضائل قول: «الله أكبر»، فهي كثيرة، ومنها:
(الله أكبر) تكتب عشرين حسنة وتحط عشرين سيئة، يقول النبي ﷺ «إِنَّ الله اصْطَفَى مِنَ الْكَلَامِ أَرْبَعًا: سُبْحَانَ الله، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا الله، وَالله أَكْبَرُ، فَمَنْ قَالَ: سُبْحَانَ الله، كَتَبَ الله لَهُ عِشْرِينَ حَسَنَةً، أَوْ حَطَّ عَنْهُ عِشْرِينَ سَيِّئَةً، وَمَنْ قَالَ: الله أَكْبَرُ، فَمِثْلُ ذَلِكَ، وَمَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا الله،
стр. 885
فَمِثْلُ ذَلِكَ، وَمَنْ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّه رَبِّ الْعَالَمِينَ، مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ، كُتِبَتْ لَهُ ثَلَاثُونَ حَسَنَةً، أَوْ حُطَّ عَنْهُ ثَلَاثُونَ سَيِّئَةً» (١).
(الله أكبر) كلمة تنفض الخطايا، عن أنس ﵁ «أن رسول الله ﷺ أخذ غصنا فنفضه فلم ينتفض، ثم نفضه فلم ينتفض، ثم نفضه فانتفض، فقال رسول الله ﷺ : إِنَّ سُبحانَ الله، والحَمدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا الله يَنفُضنَ الخَطايا كَما تَنفُضُ الشَّجرةُ ورَقَها» (٢).
(الله أكبر) تغرس شجرة في الجنة، عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ قَالَ: سُبْحَانَ الله، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا الله، وَالله أَكْبَرُ غَرَسَ الله تَعَالَى لَهُ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ شَجَرَةً فِي الْجَنَّةِ» (٣).
(الله أكبر) من أحب الكلام إلى الله، عن سمرة بن جندب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أَحَبُّ الْكَلَامِ إِلَى الله أَرْبَعٌ: سُبْحَانَ الله، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا الله، وَالله أَكْبَرُ. لَا يَضُرُّكَ بِأَيِّهِنَّ بَدَأْتَ» (٤).
(الله أكبر) تثقل الميزان، عن أبي سلمى ﵁ راعي رسول الله ﷺ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «بَخٍ بَخٍ، لَخَمْسٌ مَا
وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، وَاحْمَدِي الله مِائَةَ تَحْمِيدَةٍ، فإنها تَعْدِلُ لَكِ مِائَةَ فَرَسٍ مُسْرَجَةٍ مُلْجَمَةٍ، تَحْمِلِينَ عَلَيْهَا فِي سَبِيلِ الله، وَكَبِّرِي الله مِائَةَ تَكْبِيرَةٍ، فَإِنَّهَا تَعْدِلُ لَكِ مِائَةَ بَدَنَةٍ مُقَلَّدَةٍ مُتَقَبَّلَةٍ، وَهَلِّلِي الله مِائَةَ تَهْلِيلَةٍ، قَالَ ابْنُ خَلَفٍ: أَحْسِبُهُ قَالَ، تَمْلَأُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَلَا يُرْفَعُ يَوْمَئِذٍ لِأَحَدٍ مِثْلُ عَمَلِكَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَ بِمِثْلِ مَا أَتَيْتِ بِهِ» (١).
قول: (الله أكبر) مائة مرة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها أفضل من عتق مائة رقبة، قال رسول الله ﷺ : «مَنْ قَالَ: سُبْحَانَ الله مِائَةَ مَرَّةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا كَانَ أَفْضَلَ مِنْ مِائَةِ بَدَنَةٍ، وَمَنْ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ مِائَةَ مَرَّةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَقَبْلَ غُرُوبِهَا كَانَ أَفْضَلَ مِنْ مِائَةِ فَرَسٍ يُحْمَلُ عَلَيْهَا، وَمَنْ قَالَ: الله أَكْبَرُ مِائَةَ مَرَّةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا، كَانَ أَفْضَلَ مِنْ عِتْقِ مِائَةِ رَقَبَةٍ، وَمَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا الله، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ مِائَةَ مَرَّةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا، لَمْ يَجِئْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَحَدٌ بِعَمَلٍ أَفْضَلَ مِنْ عَمَلِهِ إِلَّا مَنْ قَالَ قَوْلَهُ أَوْ زَادَ» (٢).
(الله أكبر) صدقة، عن أبي ذر ﵁ عن النبي ﷺ قال: «يُصْبِحُ عَلَى كُلِّ سُلَامَى مِنْ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ، فَكُلُّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةٌ، وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ، وَنَهْيٌ عَنِ الْمُنْكَرِ صَدَقَةٌ، وَيُجْزِئُ مِنْ ذَلِكَ رَكْعَتَانِ يَرْكَعُهُمَا مِنَ الضُّحَى» (٣).
стр. 888
هذه بعض فضائل هذا الذكر العظيم، وإلا ففضله كبير، والنصوص الواردة فيه كثيرة.
الأثر الخامس: محبة الكبير المتكبر:
من آمن أن الله تَعَالَى أكبر من كل شيء وأجل من كل شيء، وأعلى من كل شيء، وكل شيء أمامه سُبْحَانَهُ حقير ضئيل ضعيف، فله الكمال والعظمة التامة المطلقة سُبْحَانَهُ؛ أورث ذلك كله في قلب العبد محبة لربه وثقة وإجلالًا.
الأثر السادس: الحذر من الكبر:
يقول ابن عثيمين ﵀ عن الكبر: «فالذي في قلبه كبر، إما أن يكون كبرًا عن الحق وكراهة له، فهذا كافر، مخلد في النار ولا يدخل الجنة؛ لقول الله تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: ٩]، ولا يحبط العمل إلا بالكفر كما قال تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢١٧]، وأما إذا كان كبرًا على الخلق وتعاظمًا على الخلق، لكنه لم يستكبر عن عبادة الله، فهذا لا يدخل الجنة دخولًا كاملًا مطلقًا لم يسبق بعذاب؛ بل لابد من عذاب على ما حصل من كبره وعلوائه على الخلق، ثم إذا طهر دخل الجنة» (١).
وفي الملحق الآتي ما يعين -بإذن الله- على الحذر من هذه الصفة.
стр. 889
«إياك والكِبْر»
في موضوع الكبر سنتطرق لعدة مسائل، وهي:
أولًا: معنى الكبر:
قال السعدي ﵀: «التكبر هو: رد الحق، واحتقار الخلق، وضد ذلك التواضع» (١)
قال ابن عثيمين ﵀: «الكبر فسره النبي ﷺ بقوله: (بَطَرُ الحَقِّ، وَغَمْطُ النَّاسِ) (٢) فمعنى بطر الحق: يعني رده» (٣).
ثانيًا: أنواع الكبر:
ذكر ابن عثيمين ﵀ نوعين للكبر، وهما:
الأول: الكبر ببطر الحق، يعني: رده، أن يرد الإنسان الحق، مثل أن يقول قولًا، ثم يقال له: إن النبي ﷺ قال كذا وكذا، أعني: خلاف قول هذا الرجل، ولكنه يرد ما قاله الرسول ويبقى على قوله، وهذا كبر، وهذا من أعظم أنواع الكبر؛ لأنه رد لقول الرسول ﷺ ، وكذلك لو قيل له: قال الله كذا وكذا، خلاف ما يقول هو، وأصر على قوله؛ فهذا كبر، وهو أعظم أنواع
стр. 890
الكبر؛ لأنه رد لقول الله ﵎، هذا قسم من أقسام الكبر رد الحق، وكذلك لو كان الإنسان مجتهدًا في حكم من الأحكام، فنوقش فيه، وتبين أن الحق في خلاف قوله وإن لم يكن نصًّا في المخالفة، ولكنه أصر على ما يقول، فهذا أيضًا من الكبر.
الثاني: غمط الناس، يعني: احتقارهم وازدراءهم، بحيث لا يرى الناس شيئًا، ويرى أنه فوق الناس، فإن هذا من الكبر، وعلامته: أن يصعِّر خده للناس، وأن يمشي في الأرض مرحًا، وأن يتخيل أنه فوق رؤوس الجبال، وأن الناس في قعر الآبار، هذا من الكبر، ولما قال الصحابة لرسول الله ﷺ : إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنًا ونعله حسنًا، قال النبي ﷺ (إِنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الجَمَالَ، الكِبْرُ بَطَرُ الحَقِّ، وَغَمْطُ النَّاسِ) (١).
وعلى هذا فتجمل الإنسان في ثيابه التي على الجسد أو التي يركبها وهي النعال، ليس من الكبر في شيء، «إلا أن يصحبه ما أشار إليه النبي ﷺ بكونه يغمط الناس أو يحتقرهم، فيحتقر من لم يلبس مثل لباسه، ويحتقر الفقراء، وما أشبه ذلك فهذا كبر» (٢).
ثالثًا: عاقبة المتكبرين:
أعد الله تَعَالَى للمتكبرين عقوبات كثيرة، منها:
الكبر من أقوى عوامل الصرف عن الحق:
قال تَعَالَى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ
стр. 891
يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٦].
المتكبرون لا تُفَتَّح لهم أبواب السماء:
قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ﴾ [الأعراف: ٤٠]
المتكبرون لا يدخلون الجنة:
قال رسول الله ﷺ : «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ، قال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنًا ونعله حسنة، قال: إِنَّ الله جَمِيْلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ، الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ، وَغَمْطُ النَّاسِ» (١).
يحشرون كأمثال الذر:
قال رسول الله ﷺ : «يُحْشَرُ المُتَكَبِّرُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ أَمْثَالَ الذَّرِّ فِي صُوَرِ الرِّجَالِ يَغْشَاهُمُ الذُّلُّ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ، فَيُسَاقُونَ إِلَى سِجْنٍ فِي جَهَنَّمَ يُسَمَّى بُولَسَ تَعْلُوهُمْ نَارُ الأَنْيَارِ يُسْقَوْنَ مِنْ عُصَارَةِ أَهْلِ النَّارِ طِينَةَ الخَبَالِ» (٢).
رابعًا: طرق الوقاية من الكبر:
ما من مرض بدني أو نفسي أو قلبي إلا وله علاج يستأصله من جذوره، أو على الأقل يخففه تدريجيًّا إلى أن يشفى منه الإنسان نهائيًّا.
стр. 892
والكبر- لا شك- مرض كغيره من الأمراض القلبية التي تصيب الإنسان، ولابد أن له علاجًا بإذن الله، فعلى من ابتلي بشيء منه أن لا يهمله ويركن إليه ويستمر عليه، بل لا بد له أن يسعى جهده لعلاجه والتخلص منه قبل أن يفتك به ويهلكه.
وقد ذكر العلماء للكبر علاجًا ناجحًا بإذن الله، يتمثل في عدة أمور منها:
أولًا: أن يعرف الإنسان ربه، ويعرف نفسه، ويعرف أصله وفقره وحاجته، ويعرف نعم الله عليه، ويتذكر مقامه بين يديه وعاقبة الكبر يوم القيامة، فإنه إذا عرف كل ذلك حق المعرفة علم أنه لا تليق العظمة والكبرياء إلا بالله، وإذا عرف نفسه علم أنه ضعيف ذليل لا يليق به إلا الخضوع لله والتواضع والذلة له، والتواضع ولين الجانب لخلقه، قال تَعَالَى-: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾ [عبس: ١٧].
ثانيًا: التواضع لله بالفعل ولسائر الخلق بالمواظبة على أخلاق المتواضعين المتبعين لسنة سيد المرسلين، وأن يدرك المتكبر أن الذي يتكبر عليه أو يسخر منه قد يكون خيرًا منه عند الله، ولينظر كل ما يقتضيه الكبر من الأفعال فليواظب على نقيضها حتى يصير التواضع له خلقًا، فإن القلوب لا تتخلق بالأخلاق المحمودة إلا بالعلم والعمل.
- فإن كان التكبر بسبب القوة، فالعلاج: أن يعلم أن القوة لله جميعًا، ويعلم ما سلط عليه من العلل والأمراض، وأنه لو تألم له أصبع أو عرق من عروق بدنه لتألم، وصار أعجز من كل عاجز، وأذل من كل ذليل، ثم إن من البهائم ما هو أقوى منه بكثير، فمن كانت هذه حاله فما يليق به الكبر.
- وإن كان التكبر بسبب المال، فالعلاج: أن يعلم أن المال عرَض زائل، وأن المال من الله أعطاه إياه واستخلفه عليه فقط، والمتكبر بماله أو عقاره لو
стр. 893
ذهب عنه ذلك لعاد في لحظة ذليلًا حقيرًا من أذل وأحقر الناس، وكل متكبر بأمر خارج عن ذاته من أجهل الخلق.
- وإن كان التكبر بالعلم وهو أعظم الآفات، فعلاجه: أن يعلم العالم أن حجة الله على أهل العلم آكد، وأنه يحتمل من الجاهل ما لا يحتمل من العالم، وأن من عصى الله على علم ومعرفة أعظم جناية ممن عصى الله على جهل، وإذا تفكر فيما أمامه من الخطر العظيم وعلم ما كان عليه السلف الصالح من التواضع والخوف من الله امتنع بإذن الله من الكبر.
- وإن كان التكبر بسبب المنصب، فليعلم: أن المنصب عرض زائل، فكما ذهب عن غيره سيذهب عنه ويصبح بلا منصب، وليس له أي قيمة، وسيتفرق عنه أهل التزلف المحيطون به فيصبح وحيدًا أعزل لا صديق ولا رفيق.
- وإن كان التكبر بسبب أصله ونسبه، فأصله في الحقيقة: طين وماء ثم نطفة ثم مضغة ثم علقة … إلخ. أما آباؤه وأجداده فما شرفوا إلا بصفاتهم وأخلاقهم وحسن أعمالهم، فإن فعل مثلهم فقد شرف بعمله لا بهم، وإن انحط في صفاته وأخلاقه فما ينفعه كرم آبائه وشرف أجداده، بل يصدق فيه قول الشاعر:
لَئِنْ فَخرتُ بآبَاءٍ ذَوِي شَرَفٍ … لَقَدْ صَدَقْتُ وَلَكِنْ بِئْسَمَا وَلَدُوا
اللهم طهِّر قلوبنا من الكِبر والعجب، وارزقنا اللهم التواضع ولين الجانب، والتخلُّق بأحسن المحامد.
стр. 894
الكريمُ ﷻ -
المعنى اللغوي:
قال الجوهري ﵀: «الكرم: ضد اللؤم .... والكريم: الصفوح، وكرم السحاب، إذا جاء بالغيث ...... » (١).
قال ابن فارس ﵀: «(كرم) الكاف والراء والميم أصل صحيح له بابان: أحدهما: شرف في الشيء في نفسه أو شرف في خلق من الأخلاق … والكرم في الخلق يقال: هو الصفح عن ذنب المذنب. قال عبد الله بن مسلم بن قتيبة: الكريم: الصفوح، والله تَعَالَى هو الكريم الصفوح عن ذنوب عباده المؤمنين … » (٢).
ورود اسم الله (الكريم والأكرم) في القرآن الكريم:
ورد اسمه سُبْحَانَهُ (الكريم) ثلاث مراتٍ في كتاب الله، وهي:
قول الله : ﴿قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ [النمل: ٤٠].
стр. 895
قوله : ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ [الإنفطار: ٦].
قوله : ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون: ١١٦] على قراءة من قرأ برفع «كريم» على أنه صفة للرب (١).
ورد اسمه سُبْحَانَهُ (الأكرم) مرة واحدة في كتاب الله، وهي:
في قوله : ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾ [العلق: ٣].
ورود اسم الله (الكريم) في السنة النبوية:
ورد اسم الله (الكريم) في السنة النبوية، ومن وروده ما يلي:
عن سلمان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إِنَّ رَبَّكُمْ ﵎ حَيِيٌّ كَرِيمٌ، يَسْتَحْي مِنْ عَبْدِهِ إِذَا رَفَعَ يَدَيْهِ إِلَيْهِ، أَنْ يَرُدَّهُمَا صِفْرًا» (٢).
وعن ابن عباس ﵄: «أن النبي ﷺ كَانَ يَقُولُ عِنْدَ الْكَرْبِ: لَا إِلَهَ إِلَّا الله الْعَظِيْمُ الْحَلِيمُ، لَا إِلَهَ إِلَّا الله رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيْمِ، لَا إِلَهَ إِلَّا الله رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَرَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيْمِ» (٣).
معنى اسم الله (الكريم) في حقه سُبْحَانَهُ:
يدور معنى اسم الله (الكريم) في حق الله تَعَالَى حولَ عدة معانٍ، منها:
الجامع لأنواع الخير والشرف والفضائل.
стр. 896
الجود والإحسان.
العفو الذي يصفح.
من الأقوال في المعنى الأول:
قال ابن الأثير ﵀ في قوله: «(الكريم: الجامع لأنواع الخير والشرف والفضائل» (١).
من الأقوال في المعنى الثاني:
قال الطبري ﵀: «كريم، ومن كرمه: إفضاله على من يكفر نعمه، ويجعلها وصلة يتوصل بها إلى معاصيه» (٢).
قال الخطابي ﵀: «إنه الذي يبدأ النعمة قبل الاستحقاق، ويتبرع بالإحسان من غير استثابة» (٣).
قال ابن الأثير ﵀: «(الكريم) هو: الجواد المعطي الذي لا ينفد عطاؤه» (٤).
قال ابن القيم ﵀: «إن (الكريم) هو البهي، الكثير الخير، العظيم النفع، وهو من كل شيء أحسنه وأفضله، والله سُبْحَانَهُ وصف نفسه بالكرم، ووصف به كلامه، ووصف به عرشه، ووصف به ما كثر خيره وحسن منظره من النبات وغيره» (٥).
стр. 897
قال السعدي ﵀: «كثير الخير يعم به الشاكر، والكافر، إلا أن شكر نعمه داع للمزيد منها، وكفرها داع لزوالها» (١)، وقال-أيضًا-: «(الرحمن الرحيم، والبر الكريم، الجواد، الرؤوف، الوهاب)؛ هذه الأسماء تتقارب معانيها، وتدل كلها على اتصاف الرب بالرحمة والبر والجود والكرم، وعلى سعة رحمته ومواهبه التي عم بها جميع الوجود بحسب ما تقتضيه حكمته، وخص المؤمنين منها بالنصيب الأغر والحظ الأكمل» (٢).
من الأقوال في المعنى الثالث:
قال الخطابي ﵀ مفسرًا اسم الله الكريم: «يغفر الذنب، ويعفو عن المسيء، ويقول الداعي في دعائه: يا كريم العفو، فقيل: إن من كرم عفوه: أن العبد إذا تاب عن السيئة محاها عنه، وكتب له مكانها حسنة» (٣).
من الأقوال التي تجمع بين المعاني الثلاثة:
قال الزجاجي ﵀: «(الكريم): الجواد، والكريم: العزيز، والكريم: الصفوح. هذه ثلاثة أوجه للكريم في كلام العرب، كلها جائز وصف الله بها، فإذا أريد بالكريم الجواد، أو الصفوح تعلق بالمفعول به؛ لأنه لا بد من متكرم عليه ومصفوح عنه موجود، وإذا أريد به العزيز كان غير مقتض مفعولًا» (٤).
стр. 898
قال القرطبي ﵀ بعد أن ذكر أن الكريم له ثلاثة أوجه هي: الجواد والصفوح والعزيز: «وهذه الأوجه الثلاثة يجوز وصف الله بها، فعلى أنه جواد كثير الخير، صفوح لا بد من متعلق يصفح عنه وينعم عليه، وإذا كان بمعنى العزيز كان غير مقتض مفعولًا في أحد وجوهه، فهذا الاسم متردد بين أن يكون من أسماء الذات، وبين أن يكون من أسماء الأفعال، والله لم يزل كريمًا ولا يزال، ووصفه بأنه كريم هو بمعنى نفي النقائص عنه، ووصفه بجميع المحامد، وعلى هذا الوصف يكون من أسماء الذات؛ إذ ذلك راجع إلى شرفه في ذاته وجلالة صفاته، وإذا كان فعليًّا كان معنى كرمه ما يصدر عنه من الإفضال والإنعام على خلقه» (١).
معنى اسم الله (الأكرم) في حقه سُبْحَانَهُ:
قال الخطابي ﵀: «هو أكرم الأكرمين، لا يوازيه كريم ولا يعادله نظير، وقد يكون (الأكرم) بمعنى الكريم، كما جاء الأعز والأطول بمعنى: العزيز والطويل» (٢).
قال القرطبي ﵀: «أي: الكريم» (٣).
قال ابن القيم ﵀: «أعاد الأمر بالقراءة مخبرًا عن نفسه بأنه الأكرم، وهو الأفعل من الكرم، وهو كثرة الخير ولا أحد أولى بذلك منه سُبْحَانَهُ، فإن الخير كله بيده والخير كله منه والنعم كلها هو موليها، والكمال كله والمجد
стр. 899
كله له فهو الأكرم حقًّا» (١)، وقال أيضًا: «ذكر من صفاته ها هنا اسم (الأكرم) الذي فيه كل خير وكل كمال، فله كل كمال وصفًا، ومن كل خير فعلًا، فهو (الأكرم) في ذاته وأوصافه وأفعاله» (٢).
قال السعدي ﵀: «أي: كثير الصفات واسعها، كثير الكرم والإحسان، واسع الجود» (٣).
اقتران اسم الله (الكريم) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ في القرآن الكريم:
لم يقترن اسم الله (الكريم) إلا باسم الله (الغني):
تقدم بيانه في اسم الله (الغني).
اقتران اسم الله (الأكرم) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ في القرآن الكريم:
لم يقترن اسم الله (الأكرم) بأي اسم من أسماء الله تَعَالَى.
الآثار المسلكية للإيمان باسمي الله (الكريم والأكرم):
الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسمي الله (الكريم والأكرم) من صفات الله سُبْحَانَهُ:
الله الكريم الذي له شرف الذات وكمال الصفات، قال تَعَالَى: ﴿فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ [النمل: ٤٠]، فهو الرحمن الرحيم، الغفور، الودود، الخالق، البارئ،
стр. 900
المصور، العزيز، الحكيم إلى آخر صفات كماله كل ذلك؛ لأنه الكريم ﷻ ، فكلمة (الكريم) شاملة واسعة لكل صفة محمودة.
وهو الكريم الذي تنزه عن النقائص والآفات على الإطلاق والتمام والكمال من كل وجه، وفي كل حال، قال تَعَالَى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الحشر: ٢٣].
قال السعدي ﵀: «﴿الْقُدُّوسُ السَّلَامُ﴾ [الحشر: ٢٣] أي: المقدس السالم من كل عيب وآفة ونقص، المعظم الممجد؛ لأن القدوس يدل على التنزيه عن كل نقص، والتعظيم لله في أوصافه وجلاله» (١).
وهو الكريم الذي له القدر العظيم والشأن الكبير الجليل، فلا يقدر قدره، ولا يدرك العباد كنهه، قال تَعَالَى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة: ٢٥٥].
وهو الكريم المنعم المتفضل، الذي بيده مقاليد السموات والأرض، وخزائن كل شيء، قال تَعَالَى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ [الحجر: ٢١]، وقال تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ﴾ [المنافقون: ٧] الخير كله بيديه، كما جاء في الحديث عن علي بن أبي طالب ﵁، عن رسول الله ﷺ ، أَنَّهُ كَانَ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ قَالَ: «وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ والأَرْضَ حَنِيفًا … لَبَّيْكَ وسَعْدَيْكَ والخَيْرُ كُلُّهُ فِي يَدَيْكَ، والشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ» (٢) لا ينقطع خيره
стр. 901
ولا ينفد، بل خيره متصل في الدنيا والآخرة، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٦]، وعن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «يَدُ الله مَلْأَى لَا يَغِيضُهَا نَفَقَةٌ، سَحَّاءُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، وَقَالَ: أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْفَقَ مُنْذُ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَغِضْ مَا فِي يَدِهِ، وقال: عَرْشُهُ عَلَى المَاءِ، وَبِيَدِهِ الأُخْرَى المِيزَانُ، يَخْفِضُ وَيَرْفَعُ» (١).
فهو سُبْحَانَهُ الكريم الذي كثر خيره وعظم عطاؤه، إذا أعطى أجزلَ، وزاد على منتهى الرجا، فأعطى أهل الجنة مُناهم، وزادهم على ما يعلمون، كما جاء في الحديث القدسي أنه ﵎ قال: «أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ، فَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧]» (٢).
يعطي لا لعوض، فهو الغني الكريم، قال تَعَالَى: ﴿فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾
[النمل: ٤٠]، ويعطي لا للسبب، ويحسن من غير طلب ولا سؤال أو منة؛ فهو المتفضل بالنوال من غير سؤال، بدأ الخلق بالنعم، وأوسع عليهم فيها حتى عجزوا عن إحصائها، قال تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١٨].
وهو سُبْحَانَهُ الكريم الذي عم عطائه خلقه فشمل البر والفاجر، والمؤمن والكافر، بل ربما خص الكافر في الدنيا بمزيد عطاء ولكن الآخرة للمتقين، قال تَعَالَى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي
стр. 902
الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٢].
أعطى إبليس الحياة الطويلة، وأعطاه القدرة على الوسواس، وأعطى الكفار القدرة المادية والخضرة والطبيعة والجمال وكثرة الأموال، قال تَعَالَى: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (١٩٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [آل عمران: ١٩٦ - ١٩٧] يعطي من يستحق ومن لا يستحق، يعطي من احتاج ومن لم يحتج حتى يصب عليه الدنيا صبًّا، فلا يبالي من أعطى، وكم أعطى؟!!
وهو الكريم الذي لا يخص بكبير من الحوائج دون صغيرها، بل يرفع إليه الكل، قال تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩]، سهل خيره وقرب تناوله؛ فإنه ليس بينه وبين العبد حجاب، وهو قريب لمن استجاب، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾ [هود: ٦١] لا يضيع من التجأ إليه ولاذ به ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: ١٨٦] بل من كرمه جل في علاه إذا رفع العبد يديه يدعوه ويسأله يستحي أن لا يجيبه، وأن يرده خائبًا، كما جاء في الحديث عن سلمان ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «إِنَّ رَبَّكُمْ ﵎ حَيِيٌّ كَرِيمٌ، يَسْتَحِي مِنْ عَبْدِه إِذَا رَفَعَ يَدَيْهِ إِلَيْهِ، أَنْ يَرُدَّهُمَا صِفْرًا» (١).
وهو (الكريم) الذي إذا وعد وفى، فإن كل من يعد يمكن أن يفي، ويمكن أن يقطعه عذر، ويحول بينه وبين الوفاء أمر، والباري صادق الوعد، كما قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [آل عمران: ٩]؛ وذلك لعموم قدرته وعظيم ملكه، لا مانع لما أعطى ولا معطي لا منع.
стр. 903
وهو الكريم الذي يتجاوز عن الذنوب ويغفر السيئات، لا يتعظمه ذنب أن يغفره ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣] يجود بالتوبة على التائبين، ويتفضل بقبولها منهم، بل أعظم من ذلك أنه يبدل سيئاتهم حسنات، قال تَعَالَى: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان: ٧٠] (١).
وهو الكريم الذي كرم كل كريم من كرمه، فمن أكرمه الله أكرم ومن أهانه أهين، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾
[الحج: ١٨] (٢).
وصف كلامه بالكريم، كما في قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٧] أي: كثير الخير، غزير العلم، فكل خير وعلم، فإنما يستفاد ويستنبط منه، كما أنه كريم، بمعنى: عظيم معظم في كتاب محفوظ موقر (٣).
ووصف عرشه بذلك أيضًا، فقال تَعَالَى: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون: ١١٦] على قراءة من قرأ بالكسر على أنه صفة للعرش، والمعنى: «حسن المنظر بهي الشكل» (٤).
ووصف ثوابه العظيم ونعيمه المقيم الذي أعده لعبادة المتقين بالكرم، فقال تَعَالَى: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [سبأ: ٤] والرزق الكريم، كما قال ابن كثير ﵀: «الحسن
стр. 904
الكثير الطيب الشريف، دائم مستمر أبدًا لا ينقطع ولا ينقضي، ولا يسأم ولا يمل لحسنه وتنوعه» (١)، ووعدهم بالمدخل الكريم، فقال: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ [النساء: ٣١] سالمًا من الآفات والعاهات، ومن الهموم والأحزان، ومن المنغضات والمكدرات (٢).
ووصف بذلك رسله من الملائكة والبشر، فقال تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ [التكوير: ١٩ - ٢٠] «أي: ملك شريف حسن الخلق، بهي المنظر، وهو جبريل ﵊» (٣)، وقال تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ﴾ [الحاقة: ٤٠ - ٤١]، وقال تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ﴾ [الدخان: ١٧] «فيه الكرم ومكارم الأخلاق ما ليس في غيره» (٤).
ووصف بذلك ما كثر خيره وحسن منظره من النبات وغيره، فقال تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ [الشعراء: ٧]، وقال تَعَالَى: ﴿وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾ [الدخان: ٢٦] (٥)(٦).
стр. 905
الأثر الثاني: دلالة اسمي الله (الكريم والأكرم) على التوحيد:
إذا تأمل العبد اسمي الله الكريم والأكرم وما تضمناه من عظيم الجود والعطاء، وعلم أن النعم الظاهرة والباطنة القليلة والكثيرة كلها منه خلقًا وتسخيرًا، وأنه لا أحد من الخلق يملك ذلك؛ تيقن أنه المستحق للعبادة وحده دون ما سواه (١).
وقد نبه الله عباده على هذا المعنى، فبعد ما ذكر في سورة النحل «ما خلقه من المخلوقات العظيمة، وما أنعم به من النعم العميمة ذكر أنه لا يشبهه أحد ولا كفء له ولا ند له، فقال تَعَالَى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ١٧]، أفمن يخلق جميع المخلوقات وهو الفعال لما يريد ﴿كَمَنْ لَا يَخْلُقُ﴾ شيئًا لا قليلًا ولا كثيرًا ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ فتعرفون أن المنفرد بالخلق أحق بالعبادة كلها، فكما أنه واحد في خلقه وتدبيره فإنه واحد في إلهيته وتوحيده وعبادته» (٢).
الأثر الثالث: تأملات في كرم الكريم سُبْحَانَهُ:
عبادة التأمل والتفكر هي عبادة أولي الألباب الذين أثنى الله عليهم ومدحهم بقوله تَعَالَى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [آل عمران: ١٩٠ - ١٩٢].
وإذا آمن العبد باسم الله الكريم وتأمل فيه؛ ظهر له كرمه في أمور كثيرة،
стр. 906
ومن أقربها كرمه سُبْحَانَهُ على الإنسان، قال تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٠]، ومن ذلك:
خلقه وإيجاده على أحسن صورة من غير سؤال ولا طلب، قال تَعَالَى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤] «تام الخلق، متناسب الأعضاء، منتصب القامة، لم يفقد مما يحتاج إليه ظاهرًا أو باطنًا شيئًا» (١).
رعايته وهو جنين، وطفل رضيع لا يملك حول ولا قوة.
قال ابن القيم ﵀: «تدبر وأنت جنين في بطن أمك في موضع لا يد تنالك ولا بصر يدركك ولا حيلة لك في التماس الغذاء، ولا في دفع الضرر، فمن الذي أجرى إليك من دم الأم ما يغذوك، كما يغذو الماء النبات، وقلب ذلك الدم لبنًا، ولم يزل يغذيك به في أضيق المواضع، وأبعدها من حيلة التكسب والطلب.
حتى إذا كمل خلقك واستحكم، وقوي أديمك على مباشرة الهواء، وبصرك على ملاقاة الضياء، وصلبت عظامك على مباشرة الأيدي، والتقلب على الغبراء، هاج الطلق بأمك فأزعجك إلى الخروج أيما ازعاج إلى عالم الابتلاء، فركضك الرحم ركضةً من مكانك كأنه لم يضمك قط ولم يشتمل عليك فيما بعد، ما بين ذلك القبول والاشتمال حين وضعت نطفة، وبين هذا الدفع والطرد والإخراج، وكان مبتهجًا بحملك، فصار يستغيث ويعج إلى ربك من ثقلك.
стр. 907
فمن الذي فتح لك بابه حتى ولجت؟! ثم ضمه عليك حتى حفظت وكملت، ثم فتح لك ذلك الباب ووسعه حتى خرجت منه كلمح البصر لم يخنقك ضيقه ولم تحبسك صعوبة طريقك فيه.
فلو تأملت حالك في دخولك من ذلك الباب، وخروجك منه، لذهب بك العجب كل مذهب! فمن الذي أوحى إليه أن يتضايق عليك وأنت نطفة حتى لا تفسد هناك؟! وأوحى إليه أن يتسع لك وينفسح حتى تخرج منه سليمًا، إلى أن خرجت فريدًا وحيدًا ضعيفًا، لا قشرة ولا لباس ولا متاع ولا مال! أحوج خلق الله، وأضعفهم وأفقرهم، فصرف ذلك اللبن الذي كنت تتغذى به في بطن أمك إلى خزانتين معلقتين على صدرها، تحمل غذاءك على صدرها، كما حملتك في بطنها، ثم ساقه إلى تينك الخزانتين ألطف سوق على مجار وطرق قد تهيأت له، فلا يزال واقفًا في طرقه ومجاريه حتى تستوفي ما في الخزانة، فيجري وينساق إليك؛ فهو بئر لا تنقطع مادتها، ولا تنسد طرقها، يسوقها إليك في طرق لا يهتدي إليها الطواف، ولا يسلكها الرجال.
فمن رققه لك وصفَّاه، وأطاب طعمه، وحسن لونه، وأحكم طبخه أعدل إحكام، لا بالحار المؤذي، ولا بالبارد الردي، ولا المر ولا المالح، ولا الكريه الرائحة، بل قلبه إلى ضرب آخر من التغذية والمنفعة، خلاف ما كان في البطن، فوافاك في أشد أوقات الحاجة اليه على حين ظمأ شديد، وجوع مفرط، جمع لك فيه بين الشراب والغذاء، فحين تولد قد تلمظت وحركت شفتيك للرضاع فتجد الثدي المعلق كالإداوة قد تدلى إليك، وأقبل بدره عليك، ثم جعل في رأسه تلك الحلمة، التي هي بمقدار صغر فمك، فلا يضيق عنها، ولا تتعب بالتقامها، ثم نقب لك في رأسها نقبًا لطيفًا بحسب احتمالك ولم يوسعه فتختنق
стр. 908
باللبن، ولم يضيقه فتمصه بكلفة، بل جعله بقدر اقتضته حكمته ومصلحتك.
فمن عطف عليك قلب الأم، ووضع فيه الحنان العجيب والرحمة الباهرة، حتى تكون في أهنأ ما يكون من شأنها وراحتها ومقيلها، فإذا أحست منك بأدنى صوت أو بكاء قامت إليك، وآثرتك على نفسها، على عدد الأنفس منقادةً إليك بغير قائد ولا سائق، إلا قائد الرحمة وسائق الحنان، تود لو أن كل ما يؤلمك بجسمها، وأنه لم يطرقك منه شيء، وأن حياتها تزاد في حياتك.
فمن الذي وضع ذلك في قلبها؟! حتى إذا قوي بدنك واتسعت أمعاؤك، وخشنت عظامك، واحتجت إلى غذاء أصلب من غذائك ليشتد به عظمك، ويقوى عليه لحمك، وضع في فيك آلة القطع والطحن، فنصب لك أسنانًا تقطع بها الطعام، وطواحين تطحنه بها، فمن الذي حبسها عنك أيام رضاعك رحمةً بأمك ولطفًا بها، ثم أعطاكها أيام أكلك رحمةً بك، وإحسانًا إليك، ولطفًا بك.
فلو أنك خرجت من البطن ذا سن وناب وناجذ وضرس، كيف كان حال أمك بك، ولو أنك منعتها وقت الحاجة إليها كيف كان حالك بهذه الأطعمة، التي لا تسيغها إلا بعد تقطيعها وطحنها، وكلما ازددت قوة وحاجة إلى الأسنان في أكل المطاعم المختلفة زيد لك في تلك الآلات حتى تنتهي إلى النواجذ، فتطيق نهش اللحم وقطع الخبز وكسر الصلب، ثم إذا ازددت قوةً زيد لك فيها حتى تنتهي إلى الطواحين التي هي آخر الأضراس، فمن الذي ساعدك بهذه الآلات وأنجدك بها ومكنك بها من ضروب الغذاء» (١).
تميزه بالعقل، وتعليمه للعلم بعد أن خرج من بطن أمه لا يعلم شيئًا،
стр. 909
قال تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: ٧٨] فرزقه السمع الذي به يدرك الأصوات، والأبصار التي بها يحس المرئيات، والأفئدة التي يعقل به الأمور.
علمه البيان كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ [الرحمن: ٤] أي: التبيين عما في ضميره، سواء بالنطق بتيسيره وتسهيل مخرج حروفه ومواضعها من الحلق واللسان والشفتين، أو بالخط الذي به تحفظ العلوم، وتضبط الحقوق، وتكون رسلًا للناس تنوب مناب خطابهم، قال تَعَالَى: ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ٣ - ٥] (١).
هدايته للإسلام والإيمان، وإنزال القرآن وتعليمه إياه، قال تَعَالَى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: ٥٨]، قال الشيخ السعدي ﵀: «﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ﴾ الذي هو القرآن، الذي هو أعظم نعمة ومنة، وفضل تفضل الله به على عباده ﴿وَبِرَحْمَتِهِ﴾ الدين والإيمان، وعبادة الله ومحبته ومعرفته، ﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ من متاع الدنيا ولذاتها» (٢)، وقال تَعَالَى ممتنًّا على عباده بتعليمهم القرآن: ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾ [الرحمن: ١ - ٢] علمهم لفظه ومعانيه، ويسره عليهم، كما قال تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٧].
٥ - توفيقه لطاعته وفتح أبواب الخير له، فتوفيقه للصلاة كرم، وتوفيقه لصيام كرم، وتوفيقه للذكر كرم، ومن حُرم الطاعة فقدم حُرم الخير كله.
стр. 910
تسخير الكون له بما فيه من خيرات ونعم لا تعد ولا تحصى لخدمته وراحته، قال تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾ [لقمان: ٢٠]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الجاثية: ١٣]، وقال تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ [الإسراء: ٧٠] فحملهم في البر على الركاب من الإبل والبغال والحمير والمراكب المختلفة، وفي البحر على السفن، ورزقهم من المآكل والمشارب والملابس والمناكح، فما من طيب تتعلق به حاجتهم إلا وأكرمهم الكريم به وسخره لهم غاية التسخير (١).
مضاعفته سُبْحَانَهُ جزاء الأعمال الصالحة دون السيئة، قال تَعَالَى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ١٦٠]، جَاءَ رَجُلٌ بِنَاقَةٍ مَخْطُومَةٍ، فَقَالَ: هَذِهِ فِي سَبِيلِ اللهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَكَ بِهَا يَوْمَ القِيَامَةِ سَبْعُ مِائَةِ نَاقَةٍ كُلُّهَا مَخْطُومَةٌ» (٢)(٣)، وجاء في الحديث عن رسول الله ﷺ فيما يروي عن ربه أنه قال: «إِنَّ الله كَتَبَ الحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ، فَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا الله لَهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، فَإِنْ هُوَ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا الله لَهُ عِنْدَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ إِلَى سَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ، وَمَنْ هَمَّ
стр. 911
بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا الله لَهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، فَإِنْ هُوَ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا الله لَهُ سَيِّئَةً وَاحِدَةً» (١)(٢).
ويدل الحديث- أيضًا- على مظهر أخر من مظاهر كرم الله وجوده ﵎؛ وذلك بمكافأة من نوى عمل الطاعة ولو لم يعمله، كما يكافئسُبْحَانَهُ من تمنى العمل الذي لا يستطيع بلوغه فيعطيه أجر العامل لنيته الحسنة؛ فعن أبي كبشة الأنماري ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ثَلَاثٌ أُقْسِمُ عَلَيْهِنَّ، وَأُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا فَاحْفَظُوهُ .... وَأَمَّا الَّذِي أُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا فَاحْفَظُوهُ: إِنَّمَا الدُّنْيَا لِأَرْبَعَةِ نَفَرٍ: عَبْدٌ رَزَقَهُ الله مَالًا وَعِلْمًا، فَهُوَ يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ، وَيَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ، وَيَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقَّهُ، قال: فَهَذَا بِأَفْضَلِ الْمَنَازِلِ، قال: وَعَبْدٌ رَزَقَهُ الله عِلْمًا وَلَمْ يَرْزُقْهُ مَالًا، قال: فَهُوَ يَقُولُ: لَوْ كَانَ لِي مَالٌ عَمِلْتُ بِعَمَلِ فُلَانٍ، قال: فَأَجْرُهُمَا سَوَاءٌ، قال: وَعَبْدٌ رَزَقَهُ الله مَالًا وَلَمْ يَرْزُقْهُ عِلْمًا، فَهُوَ يَخْبِطُ فِي مَالِهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ، لَا يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ، وَلَا يَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ، وَلَا يَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقَّهُ، فَهَذَا بِأَخْبَثِ الْمَنَازِلِ، قال: وَعَبْدٌ لَمْ يَرْزُقْهُ الله مَالًا، وَلَا عِلْمًا فَهُوَ يَقُولُ: لَوْ كَانَ لِي مَالٌ لَعَمِلْتُ بِعَمَلِ فُلَانٍ، قال: هِيَ نِيَّتُهُ، فَوِزْرُهُمَا فِيهِ سَوَاءٌ» (٣).
إكرامه لعبده المؤمن عند موته وانتقاله لمنازل الآخرة، فيثبته عند النزع وعند السؤال في القبر، كما قال تَعَالَى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا
стр. 912
يَشَاءُ﴾ [إبراهيم: ٢٧]، ويمثَّل عمله الصالح له بصورة رجل طيب الرائحة حسن الوجه حسن الثياب، ويقول: أنا عملك الصالح؛ ليؤنس وحشته، ويقلب الحفرة الضيقة إلى روضة خضراء من رياض الجنة، وينزل عليه الملائكة عند الحشر لتقول له: ﴿أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت: ٣٠]، ويدله على طريق جنته ومنازله فيها، قالتَعَالَى: ﴿وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾ [محمد: ٦]، ثم يحفه ويحوطه بكرمه وعظيم عطاءه ومنته مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
ويظهر كرمه جليًّا سُبْحَانَهُ في آخر رجل يدخل الجنة، قال ﷺ : «آخِرُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ رَجُلٌ، فَهُوَ يَمْشِي مَرَّةً، وَيَكْبُو مَرَّةً، وَتَسْفَعُهُ النَّارُ مَرَّةً، فَإِذَا مَا جَاوَزَهَا الْتَفَتَ إِلَيْهَا، فَقَالَ: تَبَارَكَ الَّذِي نَجَّانِي مِنْكِ، لَقَدْ أَعْطَانِيَ اللهُ شَيْئًا مَا أَعْطَاهُ أَحَدًا مِنَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ، فَتُرْفَعُ لَهُ شَجَرَةٌ فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ، أَدْنِنِي مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ، فَلِأَسْتَظِلَّ بِظِلِّهَا وَأَشْرَبَ مِنْ مَائِهَا! فَيَقُولُ اللهُ : يَا ابْنَ آدَمَ، لَعَلِّي إِنْ أَعْطَيْتُكَهَا سَأَلْتَنِي غَيْرَهَا، فَيَقُولُ: لَا، يَا رَبِّ، وَيُعَاهِدُهُ أَنْ لَا يَسْأَلَهُ غَيْرَهَا، وَرَبُّهُ يَعْذِرُهُ لِأَنَّهُ يَرَى مَا لَا صَبْرَ لَهُ عَلَيْهِ، فَيُدْنِيهِ مِنْهَا فَيَسْتَظِلُّ بِظِلِّهَا وَيَشْرَبُ مِنْ مَائِهَا، ثُمَّ تُرْفَعُ لَهُ شَجَرَةٌ هِيَ أَحْسَنُ مِنَ الْأُولَى، فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ، أَدْنِنِي مِنْ هَذِهِ لِأَشْرَبَ مِنْ مَائِهَا وَأَسْتَظِلَّ بِظِلِّهَا، لَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهَا، فَيَقُولُ: يَا ابْنَ آدَمَ، أَلَمْ تُعَاهِدْنِي أَنْ لَا تَسْأَلَنِي غَيْرَهَا؟ فَيَقُولُ: لَعَلِّي إِنْ أَدْنَيْتُكَ مِنْهَا تَسْأَلُنِي غَيْرَهَا؟ فَيُعَاهِدُهُ أَنْ لَا يَسْأَلَهُ غَيْرَهَا، وَرَبُّهُ يَعْذِرُهُ لِأَنَّهُ يَرَى مَا لَا صَبْرَ لَهُ عَلَيْهِ، فَيُدْنِيهِ مِنْهَا فَيَسْتَظِلُّ بِظِلِّهَا وَيَشْرَبُ مِنْ مَائِهَا، ثُمَّ تُرْفَعُ لَهُ شَجَرَةٌ عِنْدَ بَابِ الْجَنَّةِ هِيَ أَحْسَنُ مِنَ الْأُولَيَيْنِ، فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ، أَدْنِنِي مِنْ هَذِهِ لِأَسْتَظِلَّ بِظِلِّهَا وَأَشْرَبَ مِنْ مَائِهَا، لَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهَا، فَيَقُولُ: يَا ابْنَ آدَمَ، أَلَمْ تُعَاهِدْنِي
الأثر الرابع: محبة الله تَعَالَى الكريمِ والأكرم:
حين يتأمل العبد في اسمي الله (الكريم والأكرم) وكيف أنه يعطي بلا مقابل، وينعم ولا ينتظر جزاء، ويكرم ولا ينتظر شكرًا، بل يسيء العبد ويزل فيتكرم عليه بالعفو والمغفرة، حين يتأمل هذه المعاني الإيمانية، ويتذوق هذا الكرم الرباني فإن القلب يذوب حبًّا لربه الكريم.
الأثر الخامس: شكر الكريم على كرمه:
إذا نظر الإنسان في نفسه وما يحيطه من كرم الله عليه وجوده وإحسانه ونعمه الظاهرة والباطنة، من جميع أصناف النعم مما يعرف ومما لا يعرف، وما دفع عنه من ألوان النقم والبلايا التي يعجز عن عدها فضلًا عن شكرها، قال تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١٨] علم أن حق هذه النعم أن يشكر واهبها ولا يكفر، فيعترف القلب ويقر بنعم الله، ويثني عليه بها بلسانه، ويصرفها في مرضاته وطاعته، ويصونها عن صرفها في معصيته (١).
وقد نبه الله عباده على شكره بعد ما ذكر جملة من نعمه في مواضع عدة من كتابه، منها:
- ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٢].
- ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: ٧٨].
стр. 915
- ﴿اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [الجاثية: ١٢].
فدلت هذه الآيات على أن النعم تقابل بالشكر، فإذا ما قابلها العبد به جزاه الله بالزيادة منها، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٧].
الأثر السادس: إكرام من شهد الله بتكريمه:
المكرَم من أكرمه الله تَعَالَى بالإيمان والهدى، والمهان من أهانه الله تَعَالَى بالكفر والفسوق والعصيان ولو وجيهًا: ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ﴾ [الحج: ١٨]
فقد جعل الله ميزان الكرامة عنده تقواه، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات: ١٣] فهذا هو ميزان الإكرام الحقيقي، وليس الميزان ميزان المال والبنين والجاه والسلطان، التي يوزن الناس بها اليوم، قال الله : ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (١٥) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (١٦) كَلَّا﴾ الآية [الفجر: ١٥ - ١٧]، وقال تَعَالَى: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٥ - ٥٦].
فمن هداه لله لدينه، وأنعم عليه بطاعته وتقواه فهو الكريم، وحقه أن يكرم كما أكرمه الله -جل وعلا-، فيكرم الرسل وأتباعهم من العلماء والصالحين، ويكرم ذا الشيبة المسلم، وحامل القرآن، والسلطان المقسط، كما جاء في الحديث عن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إِنَّ مِنَ