← Акыда

Акыда · id 721

موسوعة شرح أسماء الله الحسنى

نوال العيد

Полный текст (1 826 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا الله لَهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، فَإِنْ هُوَ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا الله لَهُ سَيِّئَةً وَاحِدَةً» (١) (٢). ويدل الحديث- أيضًا- على مظهر أخر من مظاهر كرم الله وجوده ﵎؛ وذلك بمكافأة من نوى عمل الطاعة ولو لم يعمله، كما يكافئسُبْحَانَهُ من تمنى العمل الذي لا يستطيع بلوغه فيعطيه أجر العامل لنيته الحسنة؛ فعن أبي كبشة الأنماري ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ثَلَاثٌ أُقْسِمُ عَلَيْهِنَّ، وَأُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا فَاحْفَظُوهُ .... وَأَمَّا الَّذِي أُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا فَاحْفَظُوهُ: إِنَّمَا الدُّنْيَا لِأَرْبَعَةِ نَفَرٍ: عَبْدٌ رَزَقَهُ الله مَالًا وَعِلْمًا، فَهُوَ يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ، وَيَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ، وَيَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقَّهُ، قال: فَهَذَا بِأَفْضَلِ الْمَنَازِلِ، قال: وَعَبْدٌ رَزَقَهُ الله عِلْمًا وَلَمْ يَرْزُقْهُ مَالًا، قال: فَهُوَ يَقُولُ: لَوْ كَانَ لِي مَالٌ عَمِلْتُ بِعَمَلِ فُلَانٍ، قال: فَأَجْرُهُمَا سَوَاءٌ، قال: وَعَبْدٌ رَزَقَهُ الله مَالًا وَلَمْ يَرْزُقْهُ عِلْمًا، فَهُوَ يَخْبِطُ فِي مَالِهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ، لَا يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ، وَلَا يَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ، وَلَا يَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقَّهُ، فَهَذَا بِأَخْبَثِ الْمَنَازِلِ، قال: وَعَبْدٌ لَمْ يَرْزُقْهُ الله مَالًا، وَلَا عِلْمًا فَهُوَ يَقُولُ: لَوْ كَانَ لِي مَالٌ لَعَمِلْتُ بِعَمَلِ فُلَانٍ، قال: هِيَ نِيَّتُهُ، فَوِزْرُهُمَا فِيهِ سَوَاءٌ» (٣). إكرامه لعبده المؤمن عند موته وانتقاله لمنازل الآخرة، فيثبته عند النزع وعند السؤال في القبر، كما قال تَعَالَى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا

стр. 912

يَشَاءُ﴾ [إبراهيم: ٢٧]، ويمثَّل عمله الصالح له بصورة رجل طيب الرائحة حسن الوجه حسن الثياب، ويقول: أنا عملك الصالح؛ ليؤنس وحشته، ويقلب الحفرة الضيقة إلى روضة خضراء من رياض الجنة، وينزل عليه الملائكة عند الحشر لتقول له: ﴿أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت: ٣٠]، ويدله على طريق جنته ومنازله فيها، قالتَعَالَى: ﴿وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾ [محمد: ٦]، ثم يحفه ويحوطه بكرمه وعظيم عطاءه ومنته مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. ويظهر كرمه جليًّا سُبْحَانَهُ في آخر رجل يدخل الجنة، قال ﷺ : «آخِرُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ رَجُلٌ، فَهُوَ يَمْشِي مَرَّةً، وَيَكْبُو مَرَّةً، وَتَسْفَعُهُ النَّارُ مَرَّةً، فَإِذَا مَا جَاوَزَهَا الْتَفَتَ إِلَيْهَا، فَقَالَ: تَبَارَكَ الَّذِي نَجَّانِي مِنْكِ، لَقَدْ أَعْطَانِيَ اللهُ شَيْئًا مَا أَعْطَاهُ أَحَدًا مِنَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ، فَتُرْفَعُ لَهُ شَجَرَةٌ فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ، أَدْنِنِي مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ، فَلِأَسْتَظِلَّ بِظِلِّهَا وَأَشْرَبَ مِنْ مَائِهَا! فَيَقُولُ اللهُ : يَا ابْنَ آدَمَ، لَعَلِّي إِنْ أَعْطَيْتُكَهَا سَأَلْتَنِي غَيْرَهَا، فَيَقُولُ: لَا، يَا رَبِّ، وَيُعَاهِدُهُ أَنْ لَا يَسْأَلَهُ غَيْرَهَا، وَرَبُّهُ يَعْذِرُهُ لِأَنَّهُ يَرَى مَا لَا صَبْرَ لَهُ عَلَيْهِ، فَيُدْنِيهِ مِنْهَا فَيَسْتَظِلُّ بِظِلِّهَا وَيَشْرَبُ مِنْ مَائِهَا، ثُمَّ تُرْفَعُ لَهُ شَجَرَةٌ هِيَ أَحْسَنُ مِنَ الْأُولَى، فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ، أَدْنِنِي مِنْ هَذِهِ لِأَشْرَبَ مِنْ مَائِهَا وَأَسْتَظِلَّ بِظِلِّهَا، لَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهَا، فَيَقُولُ: يَا ابْنَ آدَمَ، أَلَمْ تُعَاهِدْنِي أَنْ لَا تَسْأَلَنِي غَيْرَهَا؟ فَيَقُولُ: لَعَلِّي إِنْ أَدْنَيْتُكَ مِنْهَا تَسْأَلُنِي غَيْرَهَا؟ فَيُعَاهِدُهُ أَنْ لَا يَسْأَلَهُ غَيْرَهَا، وَرَبُّهُ يَعْذِرُهُ لِأَنَّهُ يَرَى مَا لَا صَبْرَ لَهُ عَلَيْهِ، فَيُدْنِيهِ مِنْهَا فَيَسْتَظِلُّ بِظِلِّهَا وَيَشْرَبُ مِنْ مَائِهَا، ثُمَّ تُرْفَعُ لَهُ شَجَرَةٌ عِنْدَ بَابِ الْجَنَّةِ هِيَ أَحْسَنُ مِنَ الْأُولَيَيْنِ، فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ، أَدْنِنِي مِنْ هَذِهِ لِأَسْتَظِلَّ بِظِلِّهَا وَأَشْرَبَ مِنْ مَائِهَا، لَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهَا، فَيَقُولُ: يَا ابْنَ آدَمَ، أَلَمْ تُعَاهِدْنِي

стр. 913

أَنْ لَا تَسْأَلَنِي غَيْرَهَا؟ قَالَ: بَلَى يَا رَبِّ، هَذِهِ لَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهَا، وَرَبُّهُ يَعْذِرُهُ لِأَنَّهُ يَرَى مَا لَا صَبْرَ لَهُ عَلَيْهَا، فَيُدْنِيهِ مِنْهَا، فَإِذَا أَدْنَاهُ مِنْهَا فَيَسْمَعُ أَصْوَاتَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ، أَدْخِلْنِيهَا، فَيَقُولُ: يَا ابْنَ آدَمَ، مَا يَصْرِينِي مِنْكَ؟ أَيُرْضِيكَ أَنْ أُعْطِيَكَ الدُّنْيَا وَمِثْلَهَا مَعَهَا؟ قَالَ: يَا رَبِّ، أَتَسْتَهْزِئُ مِنِّي وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ فَضَحِكَ ابْنُ مَسْعُودٍ فَقَالَ: أَلَا تَسْأَلُونِي مِمَّ أَضْحَكُ؟ فَقَالُوا: مِمَّ تَضْحَكُ؟ قَالَ: هَكَذَا ضَحِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَقَالُوا: مِمَّ تَضْحَكُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: مِنْ ضَحِكِ رَبِّ الْعَالَمِينَ حِينَ قَالَ: أَتَسْتَهْزِئُ مِنِّي وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ فَيَقُولُ: إِنِّي لَا أَسْتَهْزِئُ مِنْكَ، وَلَكِنِّي عَلَى مَا أَشَاءُ قَادِرٌ» (١). وعن أبي ذر ﵁ قال: قال ﷺ : «إِنِّي لَأَعْلَمُ آخِرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ دُخُولًا الْجَنَّةَ، وَآخِرَ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجًا مِنْهَا، رَجُلٌ يُؤْتَى بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُقَالُ: اعْرِضُوا عَلَيْهِ صِغَارَ ذُنُوبِهِ، وَارْفَعُوا عَنْهُ كِبَارَهَا، فَتُعْرَضُ عَلَيْهِ صِغَارُ ذُنُوبِهِ، فَيُقَالُ: عَمِلْتَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا كَذَا وَكَذَا، وَعَمِلْتَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا كَذَا وَكَذَا، فَيَقُولُ: نَعَمْ، لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُنْكِرَ وَهُوَ مُشْفِقٌ مِنْ كِبَارِ ذُنُوبِهِ أَنْ تُعْرَضَ عَلَيْهِ، فَيُقَالُ لَهُ: فَإِنَّ لَكَ مَكَانَ كُلِّ سَيِّئَةٍ حَسَنَةً، فَيَقُولُ: رَبِّ، قَدْ عَمِلْتُ أَشْيَاءَ لَا أَرَاهَا هَا هُنَا»، فَلَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ» (٢)، فأي كرم أعظم من هذا الكرم والجود؟!

стр. 914

الأثر الرابع: محبة الله تَعَالَى الكريمِ والأكرم: حين يتأمل العبد في اسمي الله (الكريم والأكرم) وكيف أنه يعطي بلا مقابل، وينعم ولا ينتظر جزاء، ويكرم ولا ينتظر شكرًا، بل يسيء العبد ويزل فيتكرم عليه بالعفو والمغفرة، حين يتأمل هذه المعاني الإيمانية، ويتذوق هذا الكرم الرباني فإن القلب يذوب حبًّا لربه الكريم. الأثر الخامس: شكر الكريم على كرمه: إذا نظر الإنسان في نفسه وما يحيطه من كرم الله عليه وجوده وإحسانه ونعمه الظاهرة والباطنة، من جميع أصناف النعم مما يعرف ومما لا يعرف، وما دفع عنه من ألوان النقم والبلايا التي يعجز عن عدها فضلًا عن شكرها، قال تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١٨] علم أن حق هذه النعم أن يشكر واهبها ولا يكفر، فيعترف القلب ويقر بنعم الله، ويثني عليه بها بلسانه، ويصرفها في مرضاته وطاعته، ويصونها عن صرفها في معصيته (١). وقد نبه الله عباده على شكره بعد ما ذكر جملة من نعمه في مواضع عدة من كتابه، منها: - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٢]. - ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: ٧٨].

стр. 915

- ﴿اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [الجاثية: ١٢]. فدلت هذه الآيات على أن النعم تقابل بالشكر، فإذا ما قابلها العبد به جزاه الله بالزيادة منها، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٧]. الأثر السادس: إكرام من شهد الله بتكريمه: المكرَم من أكرمه الله تَعَالَى بالإيمان والهدى، والمهان من أهانه الله تَعَالَى بالكفر والفسوق والعصيان ولو وجيهًا: ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ﴾ [الحج: ١٨] فقد جعل الله ميزان الكرامة عنده تقواه، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات: ١٣] فهذا هو ميزان الإكرام الحقيقي، وليس الميزان ميزان المال والبنين والجاه والسلطان، التي يوزن الناس بها اليوم، قال الله : ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (١٥) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (١٦) كَلَّا﴾ الآية [الفجر: ١٥ - ١٧]، وقال تَعَالَى: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٥ - ٥٦]. فمن هداه لله لدينه، وأنعم عليه بطاعته وتقواه فهو الكريم، وحقه أن يكرم كما أكرمه الله -جل وعلا-، فيكرم الرسل وأتباعهم من العلماء والصالحين، ويكرم ذا الشيبة المسلم، وحامل القرآن، والسلطان المقسط، كما جاء في الحديث عن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إِنَّ مِنَ

стр. 916

إِجْلَالِ الله إِكْرَامَ ذِي الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ، وَحَامِلِ الْقُرْآنِ، غَيْرِ الْغَالِي فِيهِ، وَلَا الْجَافِي عَنْهُ، وَإِكْرَامَ ذِي السُّلْطَانِ المقسط» (١). الأثر السابع: الاتصاف بالكرم: الله كريم يحب أن يتصف عباده بالكرم والسخاء دون إسراف وتبذير، ويبغض منهم البخل والشح، قال ابن القيم ﵀: «وقد مدح تَعَالَى أهل التوسط بين الطرفين المنحرفين في غير موضع من كتابه، فقال تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: ٦٧]. وقال تَعَالَى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ [الإسراء: ٢٩]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٦]، فمنع ذي القربى والمسكين وابن السبيل حقهم انحراف في جانب الإمساك، والتبذير انحراف في جانب البذل، ورضا الله فيما بينهما» (٢). والكرم من أهم مكارم الأخلاق وأجلِّها، فعلى المسلم أن يتخلق بهذا الخلق الكريم، ويسعى لتحقيقه، وسيتناول الملحق- بإذن الله- ما يعين على ذلك.

стр. 917

الأثر الثامن: دعاء الكريم الأكرم: الله تَعَالَى هو الكريم الذي فتح لنا باب الدعاء والرجاء، ورغبنا في الضَّرَاعَةِ إليه في جميع الأحوال والأوقات، ووعدنا بالإجابة كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: ١٨٦]، وقال ﷺ : «إِنَّ رَبَّكُمْ ﵎ حَيِيٌ كَرِيمٌ يَسْتَحْي مِنْ عَبْدِهِ إِذَا رَفَعَ يَدَيْهِ إِلَيْهِ، أَنْ يَرُدَّهُمَا صِفْرًا» (١). كل هذا يدعو العبد إلى كثرة دعائه لربه ورفع حاجته إليه ولو صغرت، فقد كان السلف يسألونه في شرك نعلهم إذا انقطع، وكانوا يسألونه الملح في طعامهم. ويدعوه- أيضًا إلى إحسان الظن بربه ولو تأخرت الإجابة أو منعت؛ لعلمه أن منعها كرم منه سُبْحَانَهُ ورحمة لا قدح في كرمه وجوده؛ إذ قد يكون في قضاء حاجته هلاكه في دينه أو دنياه، والكريم بمنه وكرمه ورحمته لا يستجيبها لما فيها من الشر والضرر العائد عليه. ويحسن بالعبد أن يدعو ربه باسمه الكريم ﵎، ممتثلًا قوله ﷻ : ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠]. وقد وردت أحاديث كثيرة ترغب في الدعاء باسم الله (الكريم)، ومنها: - عن علي ﵁ أنه قال: قال لي رسول الله ﷺ : «أَلَا أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ إِذَا قُلْتَهُنَّ غَفَرَ الله لَكَ، وَإِنْ كُنْتَ مَغْفُورًا لَكَ؟ قَالَ: قُلْ: لَا

стр. 918

إِلَهَ إِلَّا الله الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ، لَا إِلَهَ إِلَّا الله الْحَلِيمُ الْكَرِيمُ، لَا إِلَهَ إِلَّا الله، سُبْحَانَ الله رَبِّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ» (١). -عن عمرو بن العاص ﵁: «أن النبي ﷺ كَانَ إِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ قَالَ: أَعُوذُ بِالله الْعَظِيمِ، وَبِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ، وَسُلْطَانِهِ الْقَدِيمِ، مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، فَإِذَا قَالَ ذَلِكَ، قَالَ الشَّيْطَانُ: حُفِظَ مِنِّي سَائِرَ الْيَوْمِ!» (٢).

стр. 919

«كريم يحب الكرماء» سنتطرق في موضوع الكرم لعدة مسائل، وهي: أولًا: تعريف الكرم: قال ابن مسكويه ﵀: «الكرم إنفاق المال الكثير بسهولة من النفس في الأمور الجليلة القدر، الكثيرة النفع» (١). وقيل: الكرم هو: الإعطاء بالسهولة. وقيل: الكرم إيصال النفع بلا عوض (٢). ثانيًا: مظاهر الكرم: للكرم مظاهر كثيرة، تتجلي في أكثر من صورة يتحلى بها المسلم وهو يسير في ضياء من القرآن والسنة، ومن هذه المظاهر: إكرام الضيف، فقد جعله الله تَعَالَى دليلًا على كمال إيمان العبد وتقواه، فعن أبى هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِالله وَالْيَوْمِ

стр. 920

الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ» (١)، ومدح إبراهيم ﵇ به، فقال تَعَالَى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (٢٤) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٢٥) فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ (٢٦) فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (٢٧) فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ﴾ [الذاريات: ٢٤ - ٢٨]. ومظاهر كرمه ﵇ متعددة، منها: أنه أول من ضيف الضيفان. أن بيته كان مأوى للطارقين والأضياف؛ لأنهم دخلوا عليه من غير استئذان، وإنما سلكوا طريق الأدب، في الابتداء بالسلام. جمع لأضيافه بين الإكرام بالقول والفعل: فإكرامه لأضيافه بالقول يتمثل في: - رده السلام عليهم بصيغة أكمل وأتم من سلامهم؛ لأنه أتى به بجملة اسمية، دالة على الثبوت والاستمرار. - ملاطفته لهم بالكلام اللين، حيث قال: ﴿قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ ولم يقل: «أنكرتكم» (وبين اللفظين من الفرق، ما لا يخفى)، وعند تقديم الطعام عرض عليهم عرضًا لطيفًا، وقال: ﴿أَلَا تَأْكُلُونَ﴾ ولم يقل: «كلوا» ونحوه من الألفاظ، التي غيرها أولى منها، بل أتى بأداة العرض، فقال: ﴿أَلَا تَأْكُلُونَ﴾. أما إكرامه لأضيافه بالفعل فيتثمل في:

стр. 921

- مبادرته إلى الضيافة والإسراع فيها، ولم يمتن عليهم أولًا بقوله: «نأتيكم بطعام؟» بل جاء به بسرعة. - ذهابه إلى أهله بخفاء، بحيث لا يشعر به الضيف، فيشق عليه ويستحي منه. - خدم أضيافه بنفسه، وهو خليل الرحمن، وكبير من ضيَّف الضيفان. - قرب الطعام إلى أضيافه في المكان الذي هم فيه، ولم يجعله في موضع، ويقول لهم: تفضلوا، أو ائتوا إليه؛ لأن هذا أيسر عليهم وأحسن. - أتى بأفضل ما وجد من ماله، وهو عجل مشوي فتي سمين لا هزيل، ومثل هذا العجل يتخذ للاقتناء والتربية عادة، إلا أنه آثر به ضيفانه. - أتى بعجل كامل ولم يأت ببعض منه، وهذا من تمام كرمه ﵊ (١). إكرام اليتيم بكفالته والإحسان إليه، وقد رتب الكريم على هذا الفعل الأجر العظيم؛ فعن سهل ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «وَأَنَا وَكَافِلُ اليَتِيمِ فِي الجَنَّةِ هَكَذَا» وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى وَفَرَّجَ بَيْنَهُمَا شَيْئًا» (٢). إكرام الشيخ الكبير بتوقيره في المجالس والرفق به والشفقة عليه، وإجلاله من إجلال الله كما قال ﷺ : «إِنَّ مِنَ إِجْلَالِ الله: إِكْرَامَ ذِي الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ، وَحَامِلِ الْقُرْآنِ، غَيْرِ الْغَالِي فِيهِ، وَلَا الْجَافِي عَنْهُ، وَإِكْرَامَ ذِي

стр. 922

السُّلْطَانِ المقسط» (١). إكرام حافظ القرآن وقارئه ومفسره، وهذا- أيضًا- من إجلال الله كما يتضح من الحديث السابق. إكرام السلطان العادل، سواء أكان حاكمًا أو دون ذلك من أصحاب السلطات، فما دام عادلًا مقسطًا فإن إكرامه من إجلال الله سُبْحَانَهُ كما تقدم في الحديث سابقًا. إكرام الزوجة، وقد حث رسول الله ﷺ على ذلك ورغب فيه، وجعله دليلًا على كمال الإيمان، فعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «إِنَّ مِنْ أَكْمَلِ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا، أَحْسَنَهُمْ خُلُقًا، وَأَلْطَفَهُمْ بِأَهْلِهِ» (٢)، وقال ﷺ في حديث أبي هريرة ﵁: «لا يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً (٣) إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنْهَا آخَرَ» (٤). والكرم ليس قاصرًا على هذه الصور، بل يشمل كل شيء، من إكرام: القريب، والصديق، والجار، والصغير، والفقير، بل وحتى الحيوانات.

стр. 923

ثالثًا: فضل الكرم: الكرم من الصفات المحمودة التي حض عليها الإسلام، وتخلق بها الرسول العدنان ﷺ ، وهذا الخلق الكريم له في الإسلام فضائل عدة منها، أنه: يحصل به تكميل الإيمان؛ فعَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْعَدَوِيِّ ﵁ قَالَ: سَمِعَتْ أُذُنَايَ وَأَبْصَرَتْ عَيْنَايَ حِينَ تَكَلَّمَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَقَالَ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِالله وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِالله وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ جَائِزَتَهُ، قَالَ: وَمَا جَائِزَتُهُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ، وَالضِّيَافَةُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، فَمَا كَانَ وَرَاءَ ذَلِكَ فَهُوَ صَدَقَةٌ عَلَيْهِ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِالله وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ» (١). ٢ - يحصل به التأسي برسول الله ﷺ ؛ فقد كان ﷺ سخيًّا كريمًا لا يُسئل شيئا إلا أعطاه؛ فعن جابر ﵁ قال: «مَا سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ شَيْئًا قَطُّ فَقَالَ لَا» (٢)، وعن أنس ﵁ قال: «مَا سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى الْإِسْلَامِ شَيْئًا إِلَّا أَعْطَاهُ، قَالَ: فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَأَعْطَاهُ غَنَمًا بَيْنَ جَبَلَيْنِ، فَرَجَعَ إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ: يَا قَوْمِ، أَسْلِمُوا! فَإِنَّ مُحَمَّدًا يُعْطِي عَطَاءً لَا يَخْشَى الْفَاقَةَ». وفي رواية: «لَيُعْطِي عَطَاءً مَا يَخَافُ الْفَقْرَ. فَقَالَ أَنَسٌ: إِنْ كَانَ الرَّجُلُ لَيُسْلِمُ مَا يُرِيدُ إِلَّا الدُّنْيَا، فَمَا يُسْلِمُ حَتَّى يَكُونَ الْإِسْلَامُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا» (٣)، وقال ﷺ : «مَا يُسُرُّنِي أَنَّ لِي أُحُدًا ذَهَبًا يَأْتِي عَلَيَّ

стр. 924

ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، وَعِنْدِي مِنْهُ دِينَارٌ، إِلَّا دِينَارًا أَرْصُدُهُ لِدَيْنٍ عَلَيَّ» (١). ٣ - إصابة دعوة الملِك بالخلف؛ فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «مَا مِنْ يَوْمٍ يُصْبِحُ العِبَادُ فِيهِ، إِلَّا مَلَكَانِ يَنْزِلَانِ، فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا: اللهمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، وَيَقُولُ الآخَرُ: اللهمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا» (٢). ٤ - سبب في زيادة المال ونمائه؛ فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «قَالَ اللهُ: أَنْفِقْ يَا ابْنَ آدَمَ أُنْفِقْ عَلَيْكَ» (٣)، ويدل عليه- أيضًا- حديث أبي هريرة السابق في دعاء الملكين له بالخلف. ٥ - سبب في ثناء الناس على صاحبه؛ قال ابن عباس ﵄: «سادات الناس في الدنيا الأسخياء، وفي الآخرة الأتقياء» (٤)، لا سيما وأنه سبب في ستر عيوبه عن الناس، قال الشافعي ﵀: وَإِنْ كَثُرَتْ عُيُوبُكَ فِي البَرَايَا … وَسَرَّكَ أَنْ يَكُونَ لَهَا غِطَاءُ تَسَتَّرْ بالسَّخَاءِ فَكُلُّ عَيْبٍ … يُغَطِّيهِ كَمَا قِيلَ السَّخَاءُ (٥) ٦ - سبب في محبة الله؛ فعن سهل بن سعد ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «إِنَّ الله كَرِيمٌ يُحِبُّ الْكَرَمَ وَمَعَالِيَ الْأَخْلَاقِ، وَيُبْغِضُ سَفْسَافَهَا» (٦).

стр. 925

٧ - موعود صاحبه بالمنازل والغرف في الجنة؛ فإن النبي ﷺ ، قال: «إِنَّ فِي الجَنَّةِ غُرَفًا تُرَى ظُهُورُهَا مِنْ بُطُونِهَا وَبُطُونُهَا مِنْ ظُهُورِهَا، فَقَامَ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: لِمَنْ هِيَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: لِمَنْ أَطَابَ الكَلَامَ، وَأَطْعَمَ الطَّعَامَ، وَأَدَامَ الصِّيَامَ، وَصَلَّى بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ» (١)، وإطعام الطعام صورة من صور الكرم والجود. ٨ - سبب للنجاة من الخسارة؛ فعن أبي ذر ﵁، قال: «انْتَهَيْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ جَالِسٌ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ فَلَمَّا رَآنِي، قَالَ: هُمُ الْأَخْسَرُونَ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ، قال: فَجِئْتُ حَتَّى جَلَسْتُ فَلَمْ أَتَقَارَّ أَنْ قُمْتُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي مَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمُ الْأَكْثَرُونَ أَمْوَالًا، إِلَّا مَنْ قَالَ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا- مِنْ بَيْنَ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ وَعَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ- وَقَلِيلٌ مَا هُمْ» (٢). فاللهم أكرمنا بكرمك، وأنعم علينا من فضلك.

стр. 926

اللطيفُ ﷻ - المعنى اللغوي: قال الجوهري ﵀: «لَطُف الشيء بالضم، يلطف لطافة، أي: صَغُر، فهو لطيف. واللطف في العمل: الرفق فيه، واللطف من الله تَعَالَى: التوفيق والعصمة، وألطفه بكذا، أي: بره به» (١). قال ابن فارس ﵀: «(لطف) اللام والطاء والفاء أصل يدل على رفق ويدل على صغر في الشيء، فاللطف: الرفق في العمل؛ يقال: هو لطيف بعباده، أي رءوف رفيق» (٢). ورود اسم الله (اللَّطِيف) في القرآن: ورد اسمه سُبْحَانَهُ (اللَّطِيف) سبع مرات في كتاب الله، ومن وروده ما يلي: قول الله : ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٠٣]. قوله : ﴿يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ

стр. 927

أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ١٦]. قوله : ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤]. ورود اسم الله (اللَّطِيف) في السنة النبوية: ورد اسم الله (اللَّطِيف) في السنة النبوية، ومن وروده ما يلي: عن عائشة ﵂ قالت: «أَلَا أُحَدِّثُكُمْ عَنِّي وَعَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قُلْنَا: بَلَى، قَالَ: قَالَتْ: لَمَّا كَانَتْ لَيْلَتِي الَّتِي كَانَ النَّبِيُّ ﷺ فِيهَا عِنْدِي انْقَلَبَ فَوَضَعَ رِدَاءَهُ، وَخَلَعَ نَعْلَيْهِ، فَوَضَعَهُمَا عِنْدَ رِجْلَيْهِ، وَبَسَطَ طَرَفَ إِزَارِهِ عَلَى فِرَاشِهِ، فَاضْطَجَعَ، فَلَمْ يَلْبَثْ إِلَّا رَيْثَمَا ظَنَّ أَنْ قَدْ رَقَدْتُ، فَأَخَذَ رِدَاءَهُ رُوَيْدًا، وَانْتَعَلَ رُوَيْدًا، وَفَتَحَ الْبَابَ، فَخَرَجَ، ثُمَّ أَجَافَهُ رُوَيْدًا، فَجَعَلْتُ دِرْعِي فِي رَأْسِي، وَاخْتَمَرْتُ وَتَقَنَّعْتُ إِزَارِي، ثُمَّ انْطَلَقْتُ عَلَى إِثْرِهِ، حَتَّى جَاءَ الْبَقِيعَ، فَقَامَ، فَأَطَالَ الْقِيَامَ، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ انْحَرَفَ، فَانْحَرَفْتُ فَأَسْرَعَ، فَأَسْرَعْتُ، فَهَرْوَلَ، فَهَرْوَلْتُ، فَأَحْضَرَ فَأَحْضَرْتُ فَسَبَقْتُهُ، فَدَخَلْتُ فَلَيْسَ إِلَّا أَنِ اضْطَجَعْتُ، فَدَخَلَ فَقَالَ: مَا لَكِ؟ يَا عَائِشُ! حَشْيَا رَابِيَةً! قَالَتْ: قُلْتُ: لَا شَيْءَ، قَالَ: لَتُخبِرِينِي أو لَيُخبِرَنِّي (اللَّطِيفُ) الخبيرُ، قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، فَأَخْبَرْتُهُ … » (١). معنى اسم (اللَّطِيف) في حقه سُبْحَانَهُ: يدور معنى اسم الله (اللطيف) في حق الله تَعَالَى حول معنيين: - المعنى الأول: أنه الخبير الذي أحاط علمه بالأسرار والبواطن والخبايا والخفايا.

стр. 928

- المعنى الثاني: الذي يلطف بعبده ويلطف له، فيسوق إليه البر والإحسان من حيث لا يشعر، و يعصمه من الشر، من حيث لا يحتسب (١). ومن أقوال العلماء في ذلك: من أقوال العلماء في المعنى الأول والثاني: قال ابن الأثير ﵀: «هو الذي اجتمع له الرفق في الفعل، والعلم بدقائق المصالح وإيصالها إلى من قدرها له من خلقه» (٢). قال ابن القيم ﵀: «فأخبر أنه يلطف لما يريده، فيأتي به بطرق خفية لا يعلمها الناس، واسمه اللطيف يتضمن علمه بالأشياء الدقيقة وإيصاله الرحمة بالطرق الخفية» (٣). قال الكفوي ﵀: «و (اللطيف): من الأسماء الحسنى معناه: البر بعباده، المحسن إلى خلقه بإيصال المنافع إليهم برفق، ولطف، العالم بخفايا الأمور ودقائقها» (٤). قال السعدي ﵀: «(اللطيف): الذي لطف علمه حتى أدرك الخفايا، والخبايا، وما احتوت عليه الصدور، وما في الأراضي من خفايا البذور، ولطف بأوليائه، وأصفيائه، فيسرهم لليسرى وجنبهم العسرى، وسهل لهم كل طريق يوصل إلى مرضاته وكرامته، وحفظهم من كل سبب ووسيلة

стр. 929

توصل إلى سخطه، من طرق يشعرون بها، ومن طرق لا يشعرون بها، وقدر عليهم أمورًا يكرهونها؛ لينيلهم ما يحبون، فلطف بهم في أنفسهم فأجراهم على عوائده الجميلة، وصنائعه الكريمة، ولطف لهم في أمور خارجة عنهم لهم فيها كل خير وصلاح ونجاح» (١). من أقوال العلماء في المعنى الثاني: قال الزجاج ﵀: «المحسن إلى عباده في خفاء وستر من حيث لا يعلمون، ويسبب لهم أسباب معيشتهم من حيث لا يحتسبون» (٢). قال الخطابي ﵀: «اللطيف: هو البر بعباده، الذي يلطف لهم من حيث لا يعلمون ويسبب لهم مصالحهم من حيث لا يحتسبون» (٣). قال ابن القيم ﵀ في نونيته (٤): وَهوُ (اللَّطِيفُ) بِعَبْدِهِ وَلِعَبْدِهِ … واللُّطْفِ فِي أَوْصَافِهِ نَوْعَانِ إِدْرَاكُ أَسْرَارِ الأُمُورِ بِخِبْرَةٍ … واللُّطْفُ عِنْدَ مَوَاقِعِ الإِحْسَانِ فَيُرِيكَ عِزَّتَهُ وَيُبْدِي لُطْفَهُ … والعَبْدُ فِي الغَفَلَاتِ عَنْ ذَا الشَّانِ

стр. 930

اقتران اسم الله (اللَّطِيف) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ في القرآن الكريم: اقتران اسم الله (اللَّطِيف) باسم الله (الخَبِيْر): تقدم بيانه في اسم الله (الخبير). الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (اللَّطِيف): الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (اللطيف) من الصفات، ودلالته على التوحيد: الله سُبْحَانَهُ هو اللطيف الذي دق علمه فأدرك الخفايا، وأحاط بكل شيء فلا يفوت علمه شيء من الخبايا؛ يقول تَعَالَى- على لسان لقمان-: ﴿يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ١٦]، قال ابن كثير ﵀: «ولو كانت تلك الذرة محصنة محجبة في داخل صخرة صماء، أو غائبة ذاهبة في أرجاء السموات أو الأرض، فإن الله يأتي بها؛ لأنه لا تخفى عليه خافية، ولا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض؛ ولهذا قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ أي: لطيف العلم، فلا تخفى عليه الأشياء وإن دقت ولطفت وتضاءلت ﴿خَبِيرٌ﴾ بدبيب النمل في الليل البهيم» (١). وهو اللطيف الذي أوصل بره وإحسانه لعباده بطرق خفية لم يحتسبوها.

стр. 931

ومن مظاهر لطفه سُبْحَانَهُ: خلق الجنين في بطن أمه في ظلمات ثلاث، وحفظه فيها، وتغذيته بواسطة السرة، إلى أن ينفصل، فيستقل بالتناول بالفم، ثم إلهامه إياه عند الانفصال التقام الثدي وامتصاصه ولو في ظلام الليل، من غير تعليم ولا مشاهدة (١). ومن لطفه أنه يعلم مواقع القطر من الأرض، وبذور الأرض في باطنها، فيسوق ذلك الماء إلى ذلك البذر، الذي خفي على علم الخلائق فينبت منه أنواع النبات؛ لذا قال تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (٦٣)﴾ [الحج: ٦٣]. ومن لطف الله بعباده: أنه يقدر أرزاقهم بحسب علمه بمصلحتهم لا بحسب مراداتهم، فقد يريدون شيئًا وغيره أصلح، فيقدر لهم الأصلح وإن كرهوه لطفًا بهم وبرًّا وإحسانًا، قال تَعَالَى: ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ﴾ [الشورى: ١٩]، ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [الشورى: ٢٧]. ومن لطفه بعباده المؤمنين: أنه يتولاهم بلطفه، فيخرجهم من الظلمات إلى النور، من ظلمات الجهل، والكفر، والبدع، والمعاصي إلى نور العلم والإيمان والطاعة. ومن لطفه بعباده: أن يقدر لهم أن يتربوا في ولاية أهل الصلاح، والعلم، والإيمان، وبين أهل الخير ليكتسبوا من أدبهم، وتأديبهم وصلاحهم

стр. 932

وإصلاحهم، كما امتن الله على مريم في قوله تَعَالَى: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ [آل عمران: ٣٧] إلى آخر قصتها، ومن ذلك إذا نشأ بين أبوين صالحين وأقارب أتقياء، أو في بلد صلاح، أو وفقه الله لمقارنة أهل الخير وصحبتهم، أو لتربية العلماء الربانيين، فإن هذا من أعظم لطفه بعبده، فإن صلاح العبد موقوف على أسباب كثيرة منها، بل من أكثرها وأعظمها نفعًا هذه الحالة. ومن لطف الله بعباده: أن يجعل رزقهم حلالًا في راحة وقناعة يحصل به المقصود، ولا يشغلهم عما خُلقوا له من العبادة والعلم والعمل، بل يعينهم على ذلك، ويفرغهم ويريح خاطرهم وأعضاءهم، ولهذا من لطف الله تَعَالَى لعبده أنه ربما طمحت نفسه لسبب من الأسباب الدنيوية التي يظن فيها إدراك بغيته، فيعلم الله تَعَالَى أنها تضره وتصده عما ينفعه، فيحول بينه وبينها، فيظل العبد كارهًا، ولم يدر أن ربه قد لطف به حيث أبقى له الأمر النافع، وصرف عنه الأمر الضار، قال تَعَالَى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤]، ولهذا كان الرضى بالقضاء في مثل هذه الأشياء من أعلى المنازل. ومن لطف الله بعباده: أنه إذا قدر لهم طاعة جليلة لا تنال إلا بأعوان، أن يقدر لهم أعوانًا عليها ومساعدين على حملها؛ قال موسى ﵇: ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (٢٩) هَارُونَ أَخِي (٣٠) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (٣١) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (٣٢) كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا (٣٣) وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾ [طه: ٢٩ - ٣٤]، فامتن الله عليه بإجابته لسؤاله سُبْحَانَهُ: ﴿قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَامُوسَى (٣٦) وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى﴾ [طه: ٣٦ - ٣٧]، وكذلك امتن على عيسى ﵇ بقوله: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي

стр. 933

وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ [المائدة: ١١١]، وامتن على سيد الخلق في قوله تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ٦٢]. ومن لطف الله بعباده: أن يعطي عباده من الأولاد، والأموال، والأزواج ما به تقر أعينهم في الدنيا، ويحصل لهم السرور، ثم يبتليهم ببعض ذلك ويأخذه، ويعوضهم عليه الأجر العظيم إذا صبر واحتسب، فنعمة الله عليه بأخذه على هذا الوجه أعظم من نعمته عليه في وجوده وقضاء مجرد وطره الدنيوي منه، وهذا- أيضًا- خير وأجر خارج عن أحوال العبد بنفسه، بل هو لطف من الله له أن قيض له أسبابًا أعاضه عليها الثواب الجزيل، والأجر الجميل. ومن لطف الله بعبده: قدر الواردات الكثيرة، والأشغال المتنوعة، والتدبيرات، والمتعلقات الداخلة والخارجة التي لو قُسمت على أمة من الناس لعجزت قواهم عنها أن يمنَّ عليه بخلق واسع، وصدر متسع، وقلب منشرح؛ بحيث يعطي كل فرد من أفرادها نظرًا ثاقبًا وتدبيرًا تامًّا وهو غير مكترث ولا منزعج لكثرتها وتفاوتها، بل قد أعانه الله تَعَالَى عليها ولطف به فيها، ولطف له في تسهيل أسبابها وطرقها. وإذا أردت أن تعرف هذا الأمر، فانظر إلى حالة المصطفى ﷺ الذي بعثه الله بصلاح الدارين وحصول السعادتين، وبعثه مكملًا لنفسه ومكملًا لأمة عظيمة هي خير الأمم، ومع هذا مكنه الله ببعض عمره الشريف في نحو ثلث عمره أن يقوم بأمر الله كله على كثرته وتنوعه، وأن يقيم لأمته جميع دينهم، ويعلمهم جميع أصوله وفروعه، ويخرج الله به أمة كبيرة من الظلمات إلى النور، ويحصل به من المصالح والمنافع والخير والسعادة للخاص والعام ما لا تقوم به أمة من الخلق.

стр. 934

ومن لطفه بعبده الحبيب عنده: إذا مالت نفسه مع شهوات النفس الضارة، واسترسلت في ذلك أن ينغصها عليه ويكدرها، فلا يكاد يتناول منها شيئًا إلا مقرونًا بالمكدرات، محشوًّا بالغصص؛ لئلا يميل معها كل الميل، كما أن من لطفه به أن يلذذ له القربات، ويحلي له الطاعات ليميل إليها كل الميل. ومن لطيف لطف الله بعبده: أن يأجره على أعمال لم يعملها، بل عزم عليها فيعزم على قربة من القرب، ثم تنحل عزيمته لسبب من الأسباب، فلا يفعلها، فيحصل له أجرها، فانظر كيف لطف الله به فأوقعها في قلبه وأدارها في ضميره، وقد علم تَعَالَى أنه لا يفعلها؛ سوقًا لبره لعبده وإحسانه بكل طريق. وألطف من هذا: أن يقدر تَعَالَى لعبده ويبتليه بوجود أسباب المعصية ويوفر له دواعيها، وهو تَعَالَى علم أنه لا يفعلها؛ ليكون تركه لتلك المعصية التي توفرت أسباب فعلها من أكبر الطاعات، كما لطف بيوسف ﵇ في مراودة المرأة، وأحد السبعة الذين يظلهم الله في ظله، يوم لا ظل إلا ظله: رجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله رب العالمين. ومن لطف الله بعباده: أن يقدر خيرًا وإحسانًا من عبده، ويجزيه على يد عبده الآخر، ويجعله طريقًا إلى وصوله إلى المستحق، فيثيب اللهُ الأولَ والآخرَ. ومن لطف الله بعباده: أن يجري بشيء من مالهم شيئًا من النفع وخيرًا لغيرهم، فيثيبهم من حيث لا يحتسبوا، فمن غرس غرسًا أو زرع زرعًا فأصابت منه روح من الأرواح المحترمة شيئًا آجر الله صاحبه، وكذلك لو كان له بهائم انتفع بدرِّها، وركوبها، والحمل عليها، أو مساكن انتفع بسكناها ولو شيئًا

стр. 935

قليلًا، أو ماعون ونحوه انتفع به، أو عين شرب منها، وغير ذلك ككتاب انتفع به في تعلم شيء منه، أو مصحف قرأ فيه، والله ذو الفضل العظيم. ومن لطف الله بعباده: أن يفتح لهم بابًا من أبواب الخير لم يكن لهم على بال، وليس ذلك لقلة رغبتهم فيه، وإنما هو غفلة منهم وذهول عن ذلك الطريق، فلم يشعروا إلا وقد وجد في قلوبهم الداعي إليه والملفت إليه، فيفرحوا بذلك (١). وما مضى شيئ يسير من ألطافه سُبْحَانَهُ الخفية، أما ألطافه الظاهرة فهي في كل نعمة من نعمه سُبْحَانَهُ التي لا تعد ولا تحصى مما يشاهد في الآفاق، يقول تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: ٣٤]، ولو استعرض لطفه سُبْحَانَهُ في نعمه الظاهرة لفنيت الأعمار ولم ندرك لها عدًّا. ويكفي ذكر لطفه سُبْحَانَهُ في تيسير لقمة واحدة يتناولها العبد من غير كلفة يتجشمها، وقد تعاون على إصلاحها خلق كثير من مصلح الأرض، وزارعها، وساقيها، وحاصدها، ومنقيها، وطاحنها، وعاجنها، وخابزها، وتيسير مضغها مما وضع الله في الفم من أسنان طاحنة وقاطعة، ولسان يدير اللقمة ويسهلها للبلع، ولعاب يسهل مرورها في المريء، إلى آخر هذه الألطاف الربانية (٢). وفي ألطافه سُبْحَانَهُ دليل على توحيده، وأنه المألوه وحده دون ما سواه، وذلك أن «من عرف أن النعم الظاهرة والباطنة القليلة والكثيرة كلها من الله، وأنه ما من نقمة ولا شدة ولا كربة إلا وهو الذي ينفرد بدفعها، وأن أحدًا من

стр. 936

الخلق لا يملك لنفسه- فضلًا عن غيره- جلب نعمة ولا دفع نقمة، تيقن أن عبودية ما سوى الله من أبطل الباطل، وأن العبودية لا تنبغي إلا لمن انفرد بجلب المصالح ودفع المضار» (١). وكما أن اسم الله (اللطيف) دال على الربوبية والألوهية، فكذا هو دال على الأسماء والصفات؛ إذ يدل على اسم الله الرؤوف، والرحمن، والرحيم، والطيب، إلى غير ذلك من أسمائه سُبْحَانَهُ وما فيها من صفات. الأثر الثاني: مراقبة اللطيف سُبْحَانَهُ: إذا علم العبد أن ربه لطيف دق علمه، محيط بكل صغير وكبير، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ١٦] أورثه ذلك مراقبته . يقول السعدي ﵀: «والمقصود من هذا: الحث على مراقبة الله، والعمل بطاعته، مهما أمكن، والترهيب من عمل القبيح، قل أو كثر» (٢). وأورثه- أيضًا- محاسبة نفسه على أقواله وأفعاله وحركاته وسكناته، فإنه في كل وقت وحين، بين يدي اللطيف الخبير، قال تَعَالَى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤]، يقول الحسن ﵀ في ذلك-: «إن المؤمن- والله- لا تراه إلا قائمًا على نفسه: ما أردت بكلمة كذا؟ ما أردت بأكلة كذا؟ ما أردت بمدخل كذا، ومخرج كذا؟ ما أردت بهذا؟ ما لي ولهذا؟

стр. 937

والله لا أعود إلى هذا! فبمحاسبتها يطلع على عيوبها ونقائصها فيسعي في إصلاحها» (١). وأورثه كذلك الحرص على إصلاح باطنه والعناية به؛ فإن الناس وإن لم يروا إلا الظاهر، إلا أن (اللطيف) يرى باطنه، فلا يليق بالمؤمن أن يهمله. الأثر الثالث: لطف الله بعباده في المصائب والابتلاءات: إن اللطف الذي يطلبه العباد من الله بلسان المقال، ولسان الحال هو من الرحمة، بل هو رحمة خاصة، فالرحمة التي تصل العبد من حيث لا يشعر بها أو لا يشعر بأسبابها هي اللطف، وعليه فمن لطف الله بعباده أن جعل المصائب بأنواعها، والمحن بأصنافها، والابتلاءات كلها، في حقيقتها رحمة من اللطيف ولطفًا، وسوقًا إلى مراتب النقاء والكمال، يقول سُبْحَانَهُ: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١٦]. ومن لطفه سُبْحَانَهُ: أن يوفق عبده في البلايا والمصائب بالقيام بوظيفة الصبر فيها، فيناله درجات عالية لا يدركها بعمله، وقد يشدد عليه الابتلاء بذلك كما فعل بأيوب ﵇، ويوجِد في قلبه حلاوة روح الرجاء وتأميل الرحمة، وكشف الضر، فيخف ألمه وتنشط نفسه، ولهذا من لطف الله بالمؤمنين أن جعل في قلوبهم احتساب الأجر فخفت مصائبهم، وهان ما يلقون من المشاق في حصول مرضاته. ومن لطفه سُبْحَانَهُ: أن يرزق أولياءه وقت المصيبة العظيمة السكينة والتثبيت، يقول ابن القيم ﵀: «وأصل السكينة هي الطمأنينة والوقار

стр. 938

والسكون، الذي ينزله الله في قلب عبده عند اضطرابه من شدة المخاوف، فلا ينزعج بعد ذلك لما يرد عليه، ويوجب له زيادة الإيمان وقوة اليقين والثبات؛ ولهذا أخبر سُبْحَانَهُ عن إنزالها على رسوله وعلى المؤمنين في مواضع القلق والاضطراب، كيوم الهجرة إذ هو وصاحبه في الغار والعدو فوق رءوسهم، لو نظر أحدهم إلى ما تحت قدميه لرآهما، وكيوم حنين حين ولوا مدبرين من شدة بأس الكفار، لا يلوي أحد منهم على أحد، وكيوم الحديبية حين اضطربت قلوبهم من تحكم الكفار عليهم، ودخولهم تحت شروطهم التي لا تحملها النفوس، وحسبك بضعف عمر ﵁ عن حملها- وهو عمر- حتى ثبته الله بالصِّدِّيق ﵁» (١). ومن لطف سُبْحَانَهُ بعبده الضعيف: أن يعافيه من أسباب الابتلاء التي تضعف إيمانه وتنقص يقينه، كما لطف بالمؤمن القوي، فهيأ له أسباب الابتلاء والامتحان، وأعانه عليها، فزاد بذلك إيمانه وعظم أجره، فسبحان اللطيف في ابتلائه، وعافيته، وعطائه، ومنعه (٢). ومن تأمل في قصص أنبياء الله، رأى في ظاهرها محنًا وابتلاءات، ولكنها في الباطن طرق خفية أدخلهم بها إلى غاية كمالهم وسعادتهم، ومن شواهد ذلك: أكل آدم من الشجرة التي نهى عنها، وإخراجه بسببها من الجنة، كم فيه من حكمة بالغة لا تهتدي العقول إلى تفاصيلها! - في قصة موسى، وما لطف له من إخراجه في وقت ذبح فرعون

стр. 939

للأطفال، ووحيه إلى أمه أن تلقيه في اليم، وسوقه بلطفه إلى دار عدوه الذي قدر هلاكه على يديه، ثم قدر له سببًا أخرجه من مصر وأوصله به إلى موضع لا حكم لفرعون عليه، ثم قدر له سببًا أوصله به إلى النكاح والغنى، ثم ساقه إلى بلد عدوه، فأقام عليه به حجته، ثم أخرجه وقومه في صورة الهاربين الفارين منه، وكان ذلك عين نصرتهم على أعدائهم وإهلاكهم وهم ينظرون. في قصة يوسف حين قص على يعقوب رؤياه؛ فعلم أن أخوته سيكيدون له، ثم تآمر إخوة يوسف أن يقتلوه، فلطف به وأشار لهم أخوهم بعدم قتله وإلقائه في الجب، ثم ما آلمه في الجب من خوف وظلمة، وبعد ذلك شراء عزيز مصر له، ومراودة امرأة العزيز والنسوة له، ومكثه في السجن سنين، فلطف به (اللطيف) وأوَّل رؤيا الفتيين، ثم الملك، وسبحان من لطف به بهذه الرؤيا حتى يمكَّن في مصر، فيقدر الله الجدب للبلاد حتى يلتقي بإخوته، حتى جاء بأبيه وإخوته لأرض مصر، وما زال في كل ذلك صابرًا محسنًا، ليقول- بعد كل هذه البلايا والمحن-: ﴿إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [يوسف: ١٠٠]. وهذا كله مما يبين أنه سُبْحَانَهُ يفعل ما يفعله لما يريده من العواقب الحميدة، والحكم العظيمة، التي لا تدركها عقول الخلق، مع ما في ضمنها من الرحمة التامة والنعمة السابغة، والتعرف إلى عباده بأسمائه وصفاته، وكذلك ما قدره لسيد ولده من الأمور التي أوصله بها إلى أشرف غاياته، وأوصله بالطرق الخفية فيها إلى أحمد العواقب، فتبارك اللطيف الرحيم الحكيم سُبْحَانَهُ (١).

стр. 940

الأثر الثالث: محبة الله اللطيف: فاللطيف يلطف بعباده المؤمنين، ويحسن إليهم، ويرفق بهم، فلا يعجل عليهم العقوبة، ويسوق لهم الخير من حيث يحتسبون، ومن حيث لا يحتسبون، بل يسوق لهم الخير من حيث يكرهون، كل هذا وغيره من ألطاف الله يدعو القلوب لمحبته والتعلق به سُبْحَانَهُ، وهذه المحبة تثمر التقرب إليه سُبْحَانَهُ بأنواع العبوديات، كما تثمر الحياء والإجلال له سُبْحَانَهُ، الذي يدفع العبد إلى تعظيم حرماته فلا يغشاها، وحدوده فلا يقربها، كما تثمر هذه المحبة الدعوة إليه سُبْحَانَهُ والجهاد في سبيله، والتضحية بالنفس والمال في سبيل مرضاته . الأثر الرابع: اللطف بعباد الله تعالى: «لما كان من معاني (اللطيف) البر والرفق والإحسان، فإن مما يثمره في قلب المؤمن وأخلاقه أن يكون رفيقًا بعباد الله محسنًا إليهم، بارًّا بهم، يحب الخير لهم ويفعله لهم، ويكره الشر لهم» (١). وقد جاءت أحاديث صحيحة كثيرة، تدعو إلى الرفق وترغب فيه: عن المقدام بن شريح ﵀، قال: رَكِبَتْ عَائِشَةُ بَعِيرًا فَكَانَتْ فِيهِ صُعُوبَةٌ، فَجَعَلَتْ تُرَدِّدُهُ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ، وَلَا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ» (٢).

стр. 941

قال النبي ﷺ : «اللهمَّ، مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَشَقَّ عَلَيْهِمْ، فَاشْقُقْ عَلَيْهِ، وَمَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَرَفَقَ بِهِمْ، فَارْفُقْ بِهِ» (١). قال النبي ﷺ : «مَنْ أُعْطِيَ حَظَّهُ مِنَ الرِّفْقِ فَقَدْ أُعْطِيَ حَظَّهُ مِنَ الخَيْرِ، وَمَنْ حُرِمَ حَظَّهُ مِنَ الرِّفْقِ فَقَدْ حُرِمَ حَظَّهُ مِنَ الخَيْرِ» (٢). قال رسول الله ﷺ : «إِذَا أَرَادَ الله بِأَهْلِ بَيْتٍ خَيْرًا، أَدْخَلَ عَلَيْهِمُ الرِّفْقَ» (٣). قال رسول الله ﷺ : «وَأَهْلُ الْجَنَّةِ ثَلَاثَةٌ: ذُو سُلْطَانٍ مُقْسِطٌ مُتَصَدِّقٌ مُوَفَّقٌ، وَرَجُلٌ رَحِيمٌ رَقِيقُ الْقَلْبِ لِكُلِّ ذِي قُرْبَى وَمُسْلِمٍ، وَعَفِيفٌ مُتَعَفِّفٌ ذُو عِيَالٍ» (٤). بل دلت الأحاديث على اللطف حتى مع الصغير، وللحسن بن علي ﵁ قصة في ركوبه على ظهره ﷺ وهو ساجد وإطالته السجودَ من أجله، وقوله ﷺ لما سئل عن ذلك-: «إِنَّ ابْنِي ارْتَحَلَنِي فَكَرِهْتُ أَنْ أَعْجَلَهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَاجَتَهُ» (٥)، بل إن اللطف يتعدى ذلك إلى

стр. 942

اللطف بالحيوان والرفق به، ولذلك شواهد عديدة، منها: قوله ﷺ : «عُذِّبَتِ امْرَأةٌ فِي هِرَّةٍ سَجَنَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ فَدَخَلتْ فِيْهَا النَّارَ؛ لَا هِيَ أَطْعَمَتْهَا وَسَقَتْهَا إِذْ حَبَسَتْهَا، وَلَا هِيَ تَرَكَتْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ» (١). عن ابن مسعود ﵁ قال: «كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي سَفَرٍ، فَانْطَلَقَ لِحَاجَتِهِ، فَرَأَيْنَا حُمَّرَةً مَعَهَا فَرْخَانِ، فَأَخَذْنَا فَرْخَيْهَا، فَجَاءَتِ الْحُمَّرَةُ فَجَعَلَتْ تَفْرِشُ، فَجَاءَ النَّبِيِّ ﷺ فقال: «مَنْ فَجَعَ هَذِهِ بِوَلَدِهَا؟ رُدُّوا وَلَدَهَا إِلَيْهَا»» (٢). الأثر الخامس: الدعاء باسم الله اللطيف ﷻ -: اعلم أن اللطف الذي يطلبه العباد من الله بلسان المقال، ولسان الحال هو من الرحمة، بل هو رحمة خاصة فالرحمة التي تصل العبد من حيث لا يشعر بها أو لا يشعر بأسبابها هي اللطف، فإذا قال العبد: يالطيف الطف بي أو لي، وأسألك لطفك، فمعناه: تولني ولاية خاصة، بها تصلح أحوالي الظاهرة والباطنة، وبها تندفع عني جميع المكروهات من الأمور الداخلية والأمور الخارجية، فالأمور الداخلية لطف بالعبد، والأمور الخارجية لطف للعبد، فإذا يسر الله عبده وسهل طريق الخير وأعانه عليه فقد لطف به، وإذا قيض الله له أسبابًا خارجية غير داخلة تحت قدرة العبد فيها صلاحه فقد لطف له (٣).

стр. 943

يقول السعدي ﵀: في الدعاء المأثور: «اللَّهُمَّ مَا رَزَقْتَنِي مِمَّا أُحِبُّ فَاجْعَلْهُ قُوَّةً لِي فِيمَا تُحِبُّ، اللَّهُمَّ وَمَا زَوَيْتَ عَنِّي مِمَّا أُحِبُّ فَاجْعَلْهُ فَرَاغًا لِي فِيمَا تُحِبُّ» (١) اللهم الطف بنا في قضائك وبارك لنا في قدرتك حتى لا نحب تعجيل ما أخرت ولا تأخير ما عجلت (٢). وقد اشتهر بين كثير من الناس الدعاء التالي: «اللهم إني لا أسألك رد القضاء، ولكن أسألك اللطف فيه»، وللعلامة ابن عثيمين ﵀ توضيح للحكم الشرعي في هذا الدعاء، فقد قال: «وفي هذا المقام ينكر على من يقولون: (اللهم إني لا أسألك رد القضاء، ولكن أسألك اللطف فيه) فهذا دعاء بِدْعِي باطل، فإذا قال: (اللهم إني لا أسألك رد القضاء، ولكن أسألك اللطف فيه) معناه: أنه مستغن، أي: افعل ما شئت، ولكن خفف وهذا غلط، فالإنسان يسأل الله رفع البلاء نهائيًّا، فيقول- مثلًا-: اللهم عافني، اللهم ارزقني وما أشبه ذلك. وإذا كان النبي ﷺ قال: «لَا يَقُلْ أَحَدُكُمُ اللهمَّ اِغْفِرْ لِي إِنْ شِئْتَ» (٣) فقولك: (لا أسألك رد القضاء، ولكن أسألك اللطف فيه) أشد، واعلم أن الدعاء قد يردُّ القضاء، كما جاء في الحديث: «لَا يَرُدُّ القَدَرَ إِلَّا الدُّعَاءُ» (٤) (٥).

стр. 944

وقال ابن عباس ﵄: «لا ينفع الحذر من القدر، ولكن الله يمحو بالدعاء ما شاء من القدر» (١)، وقال أيضًا: «الدعاء يدفع القدر» (٢)، وكان عمر ﵁ يطوف بالبيت وهو يبكي ويقول: «اللهم إن كنت كتبتني في أهل السعادة فأثبتني فيها، وإن كنت كتبتني في أهل الشقاوة والذنب فامحني، وأثبتني في أهل السعادة والمغفرة، فإنك تمحو ما تشاء وتثبت وعندك أم الكتاب» (٣). اللهم إنا نسألك لطفك يا لطيفًا بالعباد.

стр. 945

الله ﷻ - المعنى اللغوي للاسم الأعظم (الله): اختلف العلماء هل اسم (الله) مشتق، أم هو اسم جامد؟ على قولين؛ أصحهما: أنه مشتق، وأصل اشتقاقه من (إله) (١). قال الجوهري ﵀: «أله بالفتح إلاهةً، أي: عبد عبادةً، ومنه قرأ ابن عباس ﵄: (ويذرك وإلاهتك) بكسر الهمزة، قال: وعبادتك … ومنه قولنا: (الله)، وأصله: إلاه، على فعال، بمعنى: مفعول؛ لأنه مألوه، أي: معبود، كقولنا: إمام فعال، بمعنى: مفعول؛ لأنه مؤتم به، فلما أدخلت عليه الألف واللام، حذفت الهمزة تخفيفًا؛ لكثرته في الكلام … والتأليه: التعبيد، والتأله: التنسك والتعبد» (٢). قال ابن فارس ﵀: «الهمزة واللام والهاء أصل واحد، وهو التعبد، فالإله: الله تَعَالَى، وسمي بذلك؛ لأنه معبود، ويقال: تأله الرجل: إذا تعبد» (٣).

стр. 946

ورود اسم (الله) في القرآن الكريم: ورد لفظ الجلالة (الله) -جل وعلا-، في القرآن الكريم (٢٧٢٤) مرةً: ومن وروده في القرآن ما يلي: ١ - قال تَعَالَى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] ٢ - قال تَعَالَى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [آل عمران: ٢]. ٣ - قال تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحشر: ١٨]. ورود اسم (الله) في السنة النبوية: ورد اسم (الله) في السنة النبوية مرات كثيرة، ومن وروده ما يلي: ١ - عن عائشة ﵂، قالت: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا أَمَرَهُمْ أَمَرَهُمْ مِنَ الْأَعْمَالِ بِمَا يُطِيقُونَ، قَالُوا: إِنَّا لَسْنَا كَهَيْئَتِكَ يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ اللهَ قَدْ غَفَرَ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ، فَيَغْضَبُ حَتَّى يُعْرَفَ الْغَضَبُ فِي وَجْهِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: إِنَّ أَتْقَاكُمْ وَأَعْلَمَكُمْ بِالله أَنَا» (١). ٢ - عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إِنَّ الله لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنْ الْعِبَادِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالًا فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا» (٢).

стр. 947

٣ - قال عبد الله بن مسعود ﵁: «كُنَّا إِذَا صَلَّيْنَا خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ قُلْنَا: السَّلَامُ عَلَى جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ، السَّلَامُ عَلَى فُلَانٍ وَفُلَانٍ، فَالْتَفَتَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: إِنَّ الله هُوَ السَّلامُ، فَإِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ: التَّحِيَّاتُ لله وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ الله وَبَرَكَاتُهُ، السَّلامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ الله الصَّالِحِينَ- فَإِنَّكُمْ إِذَا قُلْتُمُوهَا أَصَابَتْ كُلَّ عَبْدٍ صَالِحٍ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ- أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ» (١). معنى اسم (الله) ﷻ -: يدور اسم (الله) على معنيين عظيمين متلازمين: المعنى الأول: هو الإله الجامع لجميع صفات الألوهية. المعنى الثاني: هو المألوه، أي: المعبود الذي لا يستحق العبادة أحد سواه. ومن أقوال العلماء في ذلك: من الأقوال التي تجمع بين المعنى الأول والثاني: قال ابن عباس ﵄: «(الله) ذو الألوهية والمعبودية على خلقه أجمعين» (٢). قال القرطبي ﵀: «فـ (الله) اسم للموجود الحق الجامع لصفات الإلهية، المنعوت بنعوت الربوبية، المنفرد بالوجود الحقيقي، لا إله إلا هو سُبْحَانَهُ، وقيل: معناه الذي يستحق أن يعبد» (٣).

стр. 948

قال ابن القيم ﵀: «الإله هو المستحق لصفات الكمال المنعوت بنعوت الجلال، وهو الذي تألهه القلوب، وتصمد إليه بالحب والخوف والرجاء» (١). قال السعدي ﵀: «الله: هو المألوه المعبود، ذو الألوهية، والعبودية على خلقه أجمعين، لما اتصف به من صفات الألوهية التي هي صفات الكمال» (٢). من الأقوال في المعنى الثاني: قال الطبري ﵀: «وأما تأويل قول الله تَعَالَى ذكره (الله)، فإنه على معنى ما روي لنا عن عبد الله بن عباس ﵄: هو الذي يألهه كل شيء، ويعبده كل خلق» (٣). قال الزجاج ﵀ في معنى اسم (الله): «ومعنى قولنا: إلاه، إنما هو الذي يستحق العبادة، وهو تَعَالَى المستحق لها دون من سواه» (٤). قال الزجاجي ﵀: «معنى الإله في الحقيقة: هو ذو الألوهية أي: المستحق للألوهية والعبادة، والمعبود إنما هو اسم المفعول من عبد فهو معبود، وإنما قيل: تألهنا أي: تعبدنا … » (٥).

стр. 949

قال الحليمي ﵀: «الله، ومعناه: إله، وهذا أكثر الأسماء وأجمعها للمعاني» (١). قال ابن تيمية ﵀: «الإله هو المألوه، أي: المستحق لأن يؤله، أي: يُعبد، ولا يستحق أن يؤله ويعبد إلا الله وحده» (٢). قال ابن القيم ﵀: «واسم (الله) دال على كونه مألوهًا معبودًا، تألهه الخلائق محبة، وتعظيمًا، وخضوعًا، وفزعًا إليه في الحوائج والنوائب» (٣)، وقال: «فإن الإله هو الذي يألهه العبادُ ذلًّا، وخوفًا ورجاءً، وتعظيمًا وطاعةً له، بمعنى: مألوه، وهو الذي تألهه القلوب، أي: تحبه وتذل له» (٤). لفظ الجلالة (الله) والاسم الأعظم: ثبت عن رسول الله ﷺ في جملة من الأحاديث أن لله اسمًا أعظم، إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى. وقال الشيخ السعدي ﵀: «بعض الناس يظن أن الاسم الأعظم من أسماء الله الحسنى، لا يعرفه إلا من خصه الله بكرامة خارقة للعادة، وهذا ظن خطأ؛ فإن الله ﵎ حثنا على معرفة أسمائه وصفاته، وأثنى على من عرفها، وتفقه فيها، ودعا الله بها دعاء عبادة وتعبد، ودعاء مسألة، ولا ريب أن الاسم الأعظم منها أولاها بهذا الأمر» (٥).

стр. 950

وقد اختلف العلماء ﵏ في تعيينه على نحو من عشرين قولًا (١)، أشهرها وأقواها ثلاثة: الأول: أن الاسم الأعظم (الله) ﷻ . الثاني: أن الاسم الأعظم (الحي القيوم) ﷻ . الثالث: أن الاسم الأعظم كل اسم مفرد أو مقرون مع غيره إذا دل على جميع صفات الله الذاتية والفعلية. قال بالأول: أكثر أهل العلم ﵏، منهم: أبو حنيفة، والطحاوي (٢)، وابن منده (٣)، والرازي (٤). واستدلوا: بما خص الله به هذا الاسم من خصائص وميزات، منها (٥): ١ - أنه الأصل لجميع أسماء الله الحسنى، فسائر الأسماء تضاف إليه وتجري معه مجرى الصفات مع الأسماء، فيقال: الرحمن الرحيم، الخالق الرازق، الحي القيوم، العزيز الحكيم من أسماء الله، ولا يقال: الله من أسماء الرحمن، ولا من أسماء العزيز ونحو ذلك، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ
следующие страницы →