← Акыда

Акыда · id 721

موسوعة شرح أسماء الله الحسنى

نوال العيد

Полный текст (1 826 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

ورود اسم (الله) في القرآن الكريم: ورد لفظ الجلالة (الله) -جل وعلا-، في القرآن الكريم (٢٧٢٤) مرةً: ومن وروده في القرآن ما يلي: ١ - قال تَعَالَى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] ٢ - قال تَعَالَى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [آل عمران: ٢]. ٣ - قال تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحشر: ١٨]. ورود اسم (الله) في السنة النبوية: ورد اسم (الله) في السنة النبوية مرات كثيرة، ومن وروده ما يلي: ١ - عن عائشة ﵂، قالت: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا أَمَرَهُمْ أَمَرَهُمْ مِنَ الْأَعْمَالِ بِمَا يُطِيقُونَ، قَالُوا: إِنَّا لَسْنَا كَهَيْئَتِكَ يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ اللهَ قَدْ غَفَرَ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ، فَيَغْضَبُ حَتَّى يُعْرَفَ الْغَضَبُ فِي وَجْهِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: إِنَّ أَتْقَاكُمْ وَأَعْلَمَكُمْ بِالله أَنَا» (١). ٢ - عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إِنَّ الله لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنْ الْعِبَادِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالًا فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا» (٢).

стр. 947

٣ - قال عبد الله بن مسعود ﵁: «كُنَّا إِذَا صَلَّيْنَا خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ قُلْنَا: السَّلَامُ عَلَى جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ، السَّلَامُ عَلَى فُلَانٍ وَفُلَانٍ، فَالْتَفَتَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: إِنَّ الله هُوَ السَّلامُ، فَإِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ: التَّحِيَّاتُ لله وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ الله وَبَرَكَاتُهُ، السَّلامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ الله الصَّالِحِينَ- فَإِنَّكُمْ إِذَا قُلْتُمُوهَا أَصَابَتْ كُلَّ عَبْدٍ صَالِحٍ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ- أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ» (١). معنى اسم (الله) ﷻ -: يدور اسم (الله) على معنيين عظيمين متلازمين: المعنى الأول: هو الإله الجامع لجميع صفات الألوهية. المعنى الثاني: هو المألوه، أي: المعبود الذي لا يستحق العبادة أحد سواه. ومن أقوال العلماء في ذلك: من الأقوال التي تجمع بين المعنى الأول والثاني: قال ابن عباس ﵄: «(الله) ذو الألوهية والمعبودية على خلقه أجمعين» (٢). قال القرطبي ﵀: «فـ (الله) اسم للموجود الحق الجامع لصفات الإلهية، المنعوت بنعوت الربوبية، المنفرد بالوجود الحقيقي، لا إله إلا هو سُبْحَانَهُ، وقيل: معناه الذي يستحق أن يعبد» (٣).

стр. 948

قال ابن القيم ﵀: «الإله هو المستحق لصفات الكمال المنعوت بنعوت الجلال، وهو الذي تألهه القلوب، وتصمد إليه بالحب والخوف والرجاء» (١). قال السعدي ﵀: «الله: هو المألوه المعبود، ذو الألوهية، والعبودية على خلقه أجمعين، لما اتصف به من صفات الألوهية التي هي صفات الكمال» (٢). من الأقوال في المعنى الثاني: قال الطبري ﵀: «وأما تأويل قول الله تَعَالَى ذكره (الله)، فإنه على معنى ما روي لنا عن عبد الله بن عباس ﵄: هو الذي يألهه كل شيء، ويعبده كل خلق» (٣). قال الزجاج ﵀ في معنى اسم (الله): «ومعنى قولنا: إلاه، إنما هو الذي يستحق العبادة، وهو تَعَالَى المستحق لها دون من سواه» (٤). قال الزجاجي ﵀: «معنى الإله في الحقيقة: هو ذو الألوهية أي: المستحق للألوهية والعبادة، والمعبود إنما هو اسم المفعول من عبد فهو معبود، وإنما قيل: تألهنا أي: تعبدنا … » (٥).

стр. 949

قال الحليمي ﵀: «الله، ومعناه: إله، وهذا أكثر الأسماء وأجمعها للمعاني» (١). قال ابن تيمية ﵀: «الإله هو المألوه، أي: المستحق لأن يؤله، أي: يُعبد، ولا يستحق أن يؤله ويعبد إلا الله وحده» (٢). قال ابن القيم ﵀: «واسم (الله) دال على كونه مألوهًا معبودًا، تألهه الخلائق محبة، وتعظيمًا، وخضوعًا، وفزعًا إليه في الحوائج والنوائب» (٣)، وقال: «فإن الإله هو الذي يألهه العبادُ ذلًّا، وخوفًا ورجاءً، وتعظيمًا وطاعةً له، بمعنى: مألوه، وهو الذي تألهه القلوب، أي: تحبه وتذل له» (٤). لفظ الجلالة (الله) والاسم الأعظم: ثبت عن رسول الله ﷺ في جملة من الأحاديث أن لله اسمًا أعظم، إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى. وقال الشيخ السعدي ﵀: «بعض الناس يظن أن الاسم الأعظم من أسماء الله الحسنى، لا يعرفه إلا من خصه الله بكرامة خارقة للعادة، وهذا ظن خطأ؛ فإن الله ﵎ حثنا على معرفة أسمائه وصفاته، وأثنى على من عرفها، وتفقه فيها، ودعا الله بها دعاء عبادة وتعبد، ودعاء مسألة، ولا ريب أن الاسم الأعظم منها أولاها بهذا الأمر» (٥).

стр. 950

وقد اختلف العلماء ﵏ في تعيينه على نحو من عشرين قولًا (١)، أشهرها وأقواها ثلاثة: الأول: أن الاسم الأعظم (الله) ﷻ . الثاني: أن الاسم الأعظم (الحي القيوم) ﷻ . الثالث: أن الاسم الأعظم كل اسم مفرد أو مقرون مع غيره إذا دل على جميع صفات الله الذاتية والفعلية. قال بالأول: أكثر أهل العلم ﵏، منهم: أبو حنيفة، والطحاوي (٢)، وابن منده (٣)، والرازي (٤). واستدلوا: بما خص الله به هذا الاسم من خصائص وميزات، منها (٥): ١ - أنه الأصل لجميع أسماء الله الحسنى، فسائر الأسماء تضاف إليه وتجري معه مجرى الصفات مع الأسماء، فيقال: الرحمن الرحيم، الخالق الرازق، الحي القيوم، العزيز الحكيم من أسماء الله، ولا يقال: الله من أسماء الرحمن، ولا من أسماء العزيز ونحو ذلك، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ

стр. 951

سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣) هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الحشر: ٢٢ - ٢٤]، وقال تَعَالَى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [طه: ٨] فأضاف سائر الأسماء إليه، ولا شك أن الموصوف أشرف وأعظم من الصفة. ٢ - أنه مستلزم لجميع معاني الأسماء الحسنى، دال عليها بالإجمال، والأسماء الحسنى تفصيل وتبيين لصفاته. ٣ - أنه اسم خاص بالله ، لم يتسم به أحد سواه، ولم يدع به شيء غيره؛ فقد قبض الله عنه الألسن، وكاد يتعاطاه المشركون اسمًا لبعض أصنامهم التي كانوا يعبدونها، فصرفهم الله إلى «اللات» صيانة لهذا الاسم، وذبًّا عنه، قال تَعَالَى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥] أي- على أحد أوجه التفسير-: هل تعلم أحدًا يسُمَّى الله غير الله، أو يقال له: الله إلا الله؟! (١). ٤ - أنه لا يسقط عنه الألف واللام في حال النداء، فيقال: يا الله، فصار الألف واللام كالجزء الأساسي في الاسم، بخلاف سائر الأسماء؛ فإن النداء إذا دخل عليها أسقط عنها الألف واللام، فيقال: يا رحمن، يا عزيز، يا حليم، ولا يقال: يا الرحمن، يا العزيز، يا الحليم. وفي هذا إشارة إلى أن هذا الاسم العظيم معرفة أبدًا، لا تزول ألبتة؛ وذلك أن الألف واللام للتعريف؛ فعدم سقوطهما دال على ذلك.

стр. 952

٥ - أنه أكثر الأسماء ورودًا في القرآن، فقد ورد (٢٧٢٤) مرةً، وهذا ما لم يقع لغيره من الأسماء. ٦ - أنه مقترن بكلمة التوحيد: لا إله إلا الله، التي لا يصح إسلام الكافر إلا بها، ولو استبدلت بغيرها، فقيل: أشهد أن لا إله إلا الرحمن الرحيم، لم يصح في الدخول للإسلام، والخروج من الكفر. ٧ - أنه الاسم الذي تعرف الله به إلى عباده، كما في قوله تَعَالَى لموسى: ﴿وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى (١٣) إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٣ - ١٤]، وقال في مطلع آية الكرسي معرفًا بنفسه لعباده: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]. ٨ - أنه أكثر الأسماء دعاء به، حيث يقال: (اللهم)، ومعناها: يا الله؛ ولهذا لا تستعمل إلا في الطلب، فلا يقال: اللهم غفور رحيم، بل يقال: اللهم اغفر لي وارحمني. ومن دعاء الله بها قوله تَعَالَى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [الزمر: ٤٦]، وقوله: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ﴾ [آل عمران: ٢٦]، وكان رسول الله ﷺ يقول عند النوم: «اللهمَّ أَسْلَمْتُ نَفْسِي إِلَيْكَ، وَوَجَّهْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ، وفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ؛ رَغْبَةً وَرَهْبَةً إِلَيْكَ، … » الدعاء (١)، ويدعو في سجوده: «اللهمَّ أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ،

стр. 953

وَبِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ» (١). إلى غير ذلك من الخصائص اللفظية لهذا الاسم الكريم، وأما الخصائص المعنوية له، فقد قال فيها ابن القيم ﵀: «وأما خصائصه المعنوية فقد قال فيها أعلم الخلق به ﷺ : (لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ، أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ)، وكيف تحصى خصائص اسم مسماه كل كمال على الإطلاق، وكل مدح، وكل حمد، وكل ثناء، وكل مجد، وكل جلال، وكل إكرام، وكل عز، وكل جمال، وكل خير وإحسان وجود وبر وفضل فله ومنه؟! فما ذُكر هذا الاسم في قليل إلا كثره، ولا عند خوف إلا أزاله، ولا عند كرب إلا كشفه، ولا عند هم وغم إلا فرجه، ولا عند ضيق إلا وسعه، ولا تعلق به ضعيف إلا أفاده القوة، ولا ذليل إلا أناله العز، ولا فقير إلا أصاره غنيًّا، ولا مستوحش إلا آنسه، ولا مغلوب إلا أيده ونصره، ولا مضطر إلا كشف ضره، ولا شريد إلا آواه، فهو الاسم الذي تكشف به الكربات، وتستنزل به البركات والدعوات، وتقال به العثرات، وتستدفع به السيئات، وتستجلب به الحسنات» (٢). لا سيما وقد ورد هذا الاسم الكريم في جميع الأحاديث التي فيها الإشارة إلى الاسم الأعظم، ومن ذلك: حديث بريدة ﵁: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ أَنِّي أَشْهَدُ أَنَّكَ أَنْتَ اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ الْأَحَدُ الصَّمَدُ الَّذِي لَمْ

стр. 954

يَلِدْ، وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ، فَقَالَ: لَقَدْ سَأَلْتَ الله بِالِاسْمِ الَّذِي إِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى، وَإِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ» (١). حديث أسماء بنت يزيد ﵂ أن النبي ﷺ قال: «اسْمُ اللهِ الأَعْظَمُ فِي هَاتَيْنِ الآيَتَيْن: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٦٣]، وفاتحة سورة آل عمران: ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [آل عمران: ١ - ٢]». (٢) حديث أنس ﵁ قال: «كُنْتُ جَالِسًا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي الْحَلْقَةِ وَرَجُلٌ قَائِمٌ يُصَلِّي، فَلَمَّا رَكَعَ وَسَجَدَ جَلَسَ وَتَشَهَّدَ ثُمَّ دَعَا، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِأَنَّ لَكَ الْحَمْدَ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ الْمَنَّانُ، بَدِيعَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ، يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ، إِنِّي أَسْأَلُكَ، فَقَالَ النبي ﷺ : أَتَدْرُوْنَ بِمَا دَعَا؟ قالوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فقال: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ دَعَا الله بِاسْمِهِ الْعَظِيمِ، الَّذِي إِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ، وَإِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى» (٣). وقال بالثاني: أن اسم الله الأعظم: (الحي القيوم): بعض أهل العلم، منهم: شيخ الإسلام ابن تيمية (٤)، وابن القيم (٥)، وابن عثيمين (٦) ﵏.

стр. 955

واستدلوا: بما تضمنهما هذين الاسمين الجليلين من دلالة على سائر الأسماء، قال ابن القيم ﵀: «صفة الحياة متضمنة لجميع صفات الكمال مستلزمة لها، وصفة القيومية متضمنة لجميع صفات الأفعال؛ ولهذا كان اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى هو اسم الحي القيوم» (١). وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: «قال أهل العلم: وإنما كان الاسم الأعظم في اجتماع هذين الاسمين؛ لأنهما تضمنا جميع الأسماء الحسنى؛ فصفة الكمال في (الحي)؛ وصفة الإحسان، والسلطان في (القيوم)» (٢). وقال بالثالث: أن الاسم الأعظم كل اسم مفرد أو مقرون مع غيره إذا دل على جميع صفات الله الذاتية والفعلية. الشيخ السعدي ﵀، حيث يقول: «فالصواب: أن الأسماء الحسنى كلها حسنى، وكل واحد منها عظيم، ولكن الاسم الأعظم منها كل اسم مفرد أو مقرون مع غيره إذا دل على جميع صفاته الذاتية والفعلية، أو دل على معاني جميع الصفات، مثل: (الله) فإنه الاسم الجامع لمعاني الألوهية كلها، وهي جميع أوصاف الكمال، ومثل: (الحميد المجيد) فإن (الحميد) الاسم الذي دل على جميع المحامد والكمالات لله تَعَالَى، و (المجيد) الذي دل على أوصاف العظمة والجلال ويقرب من ذلك (الجليل الجميل الغني الكريم). ومثل: (الحي القيوم)، فإن (الحي) من له الحياة الكاملة العظيمة الجامعة لجميع معاني الذات، و (القيوم) الذي قام بنفسه، واستغنى عن جميع

стр. 956

خلقه، وقام بجميع الموجودات، فهو الاسم الذي تدخل فيه صفات الأفعال كلها. ومثل: اسمه (العظيم الكبير) الذي له جميع معاني العظمة والكبرياء في ذاته وأسمائه وصفاته، وله جميع معاني التعظيم من خواص خلقه. ومثل قولك: (يا ذا الجلال والإكرام) فإن الجلال صفات العظمة والكبرياء، والكمالات المتنوعة، والإكرام استحقاقه على عباده غاية الحب، وغاية الذل وما أشبه ذلك. فعلم بذلك أن الاسم الأعظم اسم جنس، وهذا هو الذي تدل عليه الأدلة الشرعية والاشتقاق، كما في السنة أنه ﷺ سمع رجلًا يقول: «اللهم إني أسألك أني أشهد أنك أنت الله، لا إله إلا أنت، الأحد الصمد الذي لم يلد، ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد، فقال: «لَقَدْ سَأَلْتَ اللهَ بِالاسْمِ الَّذِي إِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى، وَإِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ» (١)» (٢). ومما سبق يظهر- والله أعلم- رجحان كون الاسم الأعظم هو اسم (الله) ﷻ ؛ لقوة أدلته وظهورها.

стр. 957

الآثار المسلكية للإيمان باسم (الله): الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم (الله) من الصفات: الله تَعَالَى هو ذو الألوهية التي بها استحق أن يكون المعبود المألوه الحق، بل استحق ألا يشاركه في هذا الوصف العظيم أحد سواه، كما قال تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [الحج: ٦٢]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ [يونس: ٣٢]. اتصف بصفات الألوهية التي تجمع صفات الكمال، وأوصاف الجلال والعظمة والجمال، وأوصاف الرحمة والبر والكرم والإحسان، قال تَعَالَى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [طه: ٨]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣) هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الحشر: ٢٢ - ٢٤]، فاستحق بهذه الصفات أن يُعبد ويُؤلَه. فهو المألوه لانفراده بالحياة التامة والقيومية المطلقة، قال تَعَالَى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وقال: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [غافر: ٦٥]. وهو المألوه لانفراده بالربوبية خلقًا ورزقًا وملكًا وتدبيرًا وضرًّا ونفعًا، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ

стр. 958

فَاعْبُدُوهُ﴾ [الأنعام: ١٠٢]، وقال جل في علاه: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢) يَاأَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ [فاطر: ٢ - ٣]، وقال تَعَالَى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ﴾ [القصص: ٧١]، وقال تَعَالَى: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون: ١١٦]. وهو المألوه لانفراده بالرحمة وإيصال النعم الظاهرة والباطنة إلى جميع خلقه، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٦٣]، وقال تَعَالَى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ [النحل: ٥٣]. وهو المألوه لما له من إحاطة بكل شيء علمًا وحكمًا وحكمة وعزة وقهرًا، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [طه: ٩٨]، وقال تَعَالَى: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ٦]، وقال تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [ص: ٦٥]. وهو المألوه لانفراده بالغنى المطلق التام من كل وجه، كما أن كل من سواه مفتقر إليه على الدوام من كل وجه، مفتقر إليه في إيجاده وتدبيره، مفتقر إليه في إمداده ورزقه، مفتقر إليه في حاجاته ومطالبه كلها، مفتقر إليه في أعظم الحاجات وأشد الضرورات قال تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨]، وقال سُبْحَانَهُ:

стр. 959

﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر: ١٥] فتبارك الله الإله الحق (١). وهو الإله الذي يعبده ويتأله له من في السموات والأرض، قال تَعَالَى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ٣]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف: ٨٤] فتألهه الخلائق أجمعون بالاستسلام والانقياد طوعًا أو كرهًا، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ [آل عمران: ٨٣] حتى سجد وخضع له ظلالهم بالغدو والآصال: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ [الرعد: ١٥]، ولهج الناطق منهم وغير الناطق من الأشجار والنبات والجماد والأموات مسبحًا بحمده: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤]، وتوجه له بالتضرع والاستغاثة في النوائب والشدائد البر والفاجر، قال تَعَالَى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا﴾ [الإسراء: ٦٧] (٢)، وأبت القلوب والأرواح السكون إلا إليه، والاطمئنان إلا بذكره، والفرح إلا بمعرفته، قال تَعَالَى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه: ١٢٣ - ١٢٤]، فتبارك الله إله العالمين.

стр. 960

الأثر الثاني: دلالة اسم (الله) على التوحيد: معرفة العبد لاسم الله ﷻ وما فيه من معانٍ، تقوده إلى توحيده بالربوبية، والألوهية، والأسماء والصفات. فأما توحيده بالربوبية: فإذا عمل العبد بمقتضى اسم (الله) ﷻ من التعبد والتأله، تضمن عمله توحيد الربوبية، من جهة: أن من عبد الله ولم يشرك معه شيئًا، لا شك أنه يعتقد أنه ربه الخالق والمالك له الذي لا رب له غيره. قال ابن تيمية ﵀: «قوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [المؤمنون: ١١٦] فإنه يقتضي انفراده بالألوهية، وذلك يتضمن انفراده بالربوبية، وأن ما سواه عبد له مفتقر إليه، وأنه خالق ما سواه ومعبوده» (١). وأما توحيده بالألوهية: فإذا تدبر العبد اسم (الله) ﷻ وآمن بما فيه من معاني الألوهية في الصفات والأفعال التي لا مشارك له فيها؛ علم أنه المعبود الحق الذي لا يستحق أن يعبد أحد سواه، وأن كل معبود سواه من لدن عرشه إلى قرار أرضه باطل (٢)، وهذه حقيقة كلمة التوحيد: لا إله إلا الله، التي لا تتم إلا بركنيها: نفي العبودية عن ما سوى الله . إثبات العبودية لله وحده، قال تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ

стр. 961

إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (٢٧) وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الزخرف: ٢٦ - ٢٨]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ [الحج: ٦٢]، وقال تَعَالَى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ٦٤]، وفي الصحيح أن النبي ﷺ قال: «مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَكَفَرَ بِمَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللهِ؛ حَرُم مَالُهُ وَدَمُهُ، وَحِسَابُهُ عَلَى اللهِ » (١) (٢). وتحقيق هذا المعنى إنما خلق الله الإنس والجن لأجله، قال تَعَالَى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]، فأرسل فيهم الرسل وأنزل إليهم الكتب داعية إليه، قال تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]. قال ابن القيم ﵀: «فالتوحيد الذي جاءت به الرسل هو: إفراد الرب بالتأله الذي هو كمال الذل والخضوع والانقياد له، مع كمال المحبة والإثابة، وبذل الجهد في طاعته ومرضاته، وإيثار محابه ومراده الديني على محبة العبد ومراده؛ فهذا أصل دعوة الرسل، وإليه دَعَوا الأمم، وهو التوحيد الذي لا يقبل الله من أحد دينًا سواه، لا من الأولين ولا من الآخرين، وهو الذي أمر به رسله،

стр. 962

وأنزل به كتبه، ودعا إليه عباده، ووضع لهم دار الثواب والعقاب لأجله، وشرع الشرائع لتكميله وتحصيله» (١). ونوَّع سُبْحَانَهُ الأدلة والبراهين على هذا الأصل العظيم، ونفى ضده تحقيقًا له، ومن ذلك (٢): ١ - الاستدلال بالربوبية على الألوهية، فمن عرف أنه الخالق الرازق المدبر لجميع الأمور؛ أنتج له ذلك أنه هو المعبود الذي لا تنبغي العبادة إلا له، قال تَعَالَى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣١) فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ [يونس: ٣١ - ٣٢]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ (٥٩) أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ [النمل: ٥٩ - ٦٠] الآيات. ومن عرف أنه المنفرد بجلب النعم ودفع النقم، فما من نعمة ظاهرة ولا باطنة قليلة أو كثيرة إلا منه سُبْحَانَهُ، و ما من نقمة ولا شدة ولا كربة إلا وهو الذي ينفرد بدفعها، وإن أحدًا من الخلق لا يملك لنفسه- فضلًا عن غيره- جلب نعمة ولا دفع نقمة، تيقن أن عبودية ما سوى الله من أبطل الباطل، وأن العبودية لا تنبغي إلا لمن انفرد بجلب المصالح ودفع المضار، قال تَعَالَى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (١٧) وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ

стр. 963

لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١٧ - ١٨] الآيات، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣) ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ٥٣ - ٥٤]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [الفتح: ١١]. ٢ - الاستدلال بما له من صفات على الألوهية، فمن عرف صفات كماله وأنه لا يماثله شيء من مخلوقاته لا في ذاته، ولا في أسمائه، ولا في صفاته، ولا في أفعاله علم أنه المعبود الحق الذي لا يستحق أي مخلوق كائنًا من كان أن يعبد معه، قال تَعَالَى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، وقال ﵎: ﴿وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص: ٧٠]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢) هُوَ اللَّهُ﴾ [الحشر: ٢٢ - ٢٣] الآيات. قال ابن تيمية ﵀ مقررًا هذه المسألة: «والله سُبْحَانَهُ لم يذكر هذه النصوص لمجرد تقرير صفات الكمال له، بل ذكرها لبيان أنه المستحق للعبادة دون ما سواه، فأفاد (الأصلين اللذين بهما يتم التوحيد: وهما إثبات صفات الكمال، ردًّا على أهل التعطيل، وبيان أنه المستحق للعبادة لا إله إلا هو، ردًّا على المشركين» (١). ٣ - الاستدلال بصفات الآلهة التي عبدت من دونه على بطلان عبادتها، فإن فيها من صفات العجز، والنقص، والفقر ما يمنع كونها إلهًا يعبد، قال تَعَالَى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ

стр. 964

لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا﴾ [الفرقان: ٣]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر: ١٣ - ١٤]، وقال تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا﴾ [العنكبوت: ١٧]. ٤ - ضرب الأمثلة الدالة على بطلان الشرك وقبحه، قال تَعَالَى: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الروم: ٢٨]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤١]. ٥ - الاستدلال بإكرام أهل التوحيد، وإهانة وعقوبة أهل الشرك على أن التوحيد هو الموجب للنجاة، وتركه هو الموجب للهلاك، كما في ذكر الله ﵎ لقصص الرسل مع أممهم، وما فيها من نزول العذاب على أهل الشرك والنجاة لأهل التوحيد، قال تَعَالَى عن نوح ﵇: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ﴾ [الأعراف: ٦٤]، وقال تَعَالَى عن هود ﵇: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ٧٢]، وقال تَعَالَى عن صالح ﵇: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (٦٦) وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ [هود: ٦٦ - ٦٧] وهكذا في بقية الرسل ﵈.

стр. 965

وأما توحيده بالأسماء والصفات: فقد قال ابن القيم ﵀: «اسم الله دال على جميع الأسماء الحسنى، والصفات العليا بالدلالات الثلاث؛ فإنه دال على إلهيته المتضمنة لثبوت صفات الإلهية له مع نفي أضدادها عنه. وصفات الإلهية: هي صفات الكمال، المنزهة عن التشبيه والمثال، وعن العيوب والنقائص، ولهذا يضيف الله تَعَالَى سائر الأسماء الحسنى إلى هذا الاسم العظيم، كقوله تَعَالَى ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الأعراف: ١٨٠] … فعلم أن اسمه الله مستلزم لجميع معاني الأسماء الحسنى، دال عليها بالإجمال، والأسماء الحسنى تفصيل وتبيين لصفات الإلهية التي اشتق منها اسم الله» (١). الأثر الثالث: الفرح والسرور بمعرفة الله ﷻ -: النفس أحوج ما تكون إلى معرفة خالقها ومعبودها الحق، ولا حاجة إليها فوق حاجتها إلى معرفته، فلا سعادة لها ولا فلاح ولا صلاح ولا نعيم ولا راحة لها إلا بمعرفة ربها ومعبودها وعبادته، فإذا عرفت معبودها الحق (الله) ﷻ سعدت وفرحت بذلك أشد الفرح، قال ابن القيم ﵀: «ليست حاجة الأرواح قط إلى شيء أعظم منها إلى معرفة بارئها وفاطرها ومحبته وذكره والابتهاج به، وطلب الوسيلة إليه والزلفى عنده» (٢). وقال: «فإن حياة الإنسان بحياة قلبه وروحه، ولا حياة لقلبه إلا بمعرفة فاطره، ومحبته، وعبادته وحده، والإنابة إليه، والطمأنينة بذكره، والأنس

стр. 966

بقربه، ومن فقد هذه الحياة فقد الخير كله، ولو تعوض عنها بما تعوض مما في الدنيا، بل ليست الدنيا بأجمعها عوضًا عن هذه الحياة، فمن كل شيء يفوت العبد عوض، وإذا فاته الله لم يعوض عنه شيء ألبتة» (١). الأثر الرابع: الاعتزاز بالله ﷻ والتوكل عليه: إذا تأمل العبد في اسم (الله) ﷻ ، وما فيه من صفات الكمال؛ إذ هو خالق كل شيء ومالكه، ومدبر أمره، والخاضع له كل شيء الملك والمملوك، والعزيز والذليل، والغني والفقير، والقوي والضعيف، والكبير والصغير. إذا تأمل هذا شعر بالعزة به سُبْحَانَهُ؛ فتعلق به وحده، وسقط من قلبه الخوف والهيبة من الخلق والتعلق بهم، فلم يعتز ولم يحتم إلا به ﵎، ولم يتوكل إلا عليه، قال تَعَالَى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ [فاطر: ١٠]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود: ٥٦]، فكل من عداه مدبَّر، لا يملك حولًا ولا قوة، ومصيره الفناء؛ فكم من بشر اعتز بماله فما لبث أن ضاع ذلك المال فضاع، وكم من بشر اعتز بسلطانه فجاءت النهاية بزوال سلطانه، فما كان منه إلا أن قال: ﴿يَالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (٢٥) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ (٢٦) يَالَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ (٢٧) مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (٢٨) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٥ - ٢٩]. (٢)

стр. 967

الأثر الخامس: محبة الله جل في علاه: فُطرت القلوب على محبة من له صفات الكمال والإحسان والتفضل على الغير، والله ﷻ لا أكمل ولا أعظم ولا أجل من صفات ألوهيته ﵎، ولا أعظم نعمة وفضلًا على العباد منه، فمن كان هذا حاله فهو أحق من يحب، محبة عظيمة تتقدم على محبة النفس، والأهل، والولد، والناس أجمعين، قال رسول الله ﷺ في هذه المحبة: «ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الإيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ المَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا للهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ» (١). قال ابن القيم ﵀: «إن (الإله) الحق هو الذي يُحَبُّ لذاته، ويُحْمَدُ لذاته، فكيف إذا انضاف إلى ذلك إحسانه، وإنعامه، وحلمه، وعفوه، وبره، ورحمته، فعلى العبد أن يعلم أنه لا إله إلا الله، فيحبه ويحمده لذاته وكماله، وأن يعلم أنه لا محسن على الحقيقة بأصناف النعم الظاهرة والباطنة إلا هو، فيحبه لإحسانه وإنعامه، ويحمده على ذلك فيحبه من الوجهين جميعًا» (٢). قال الشيخ السعدي ﵀: «وعباد الرحمن يألهونه ويعبدونه، ويبذلون له مقدورهم بالتأله القلبي، والروحي، والقولي والفعلي، بحسب مقاماتهم ومراتبهم، فيعرفون من نعوته وأوصافه ما تتسع قواهم لمعرفته، ويحبونه من كل قلوبهم محبةً تتضاءل جميع المحاب لها، فلا يعارض هذه المحبة في قلوبهم محبة الأولاد والوالدين وجميع محبوبات النفوس، بل خواصهم

стр. 968

جعلوا كل محبوبات النفوس الدينية والدنيوية تبعًا لهذه المحبة، فلما تمت محبة الله في قلوبهم أحبوا ما أحبه من أشخاص وأعمال، وأزمنة، وأمكنة، فصارت محبتهم وكراهتهم تبعًا لإلههم وسيدهم ومحبوبهم. ولما تمت محبة الله في قلوبهم التي هي أصل التأله والتعبد أنابوا إليه فطلبوا قربه ورضوانه، وتوسلوا إلى ذلك وإلى ثوابه بالجد والاجتهاد في فعل ما أمر الله به ورسوله، وفي ترك جميع ما نهى الله عنه ورسوله، وبهذا صاروا محبين محبوبين له، وبذلك تحققت عبوديتهم وألوهيتهم لربهم، وبذلك استحقوا أن يكونوا عباده حقًا، وأن يضيفهم إليه بوصف الرحمة حيث قال: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان: ٦٣] (١). الأثر السادس: دعاء الله تَعَالَى باسمه الأعظم: إذا آمن العبد بأن اسم (الله) ﷻ هو الاسم الأعظم- كما سبق بيانه- الذي لا يخيب من دعا به ولا يرد، لهج بالدعاء به، ولا سيما بما ورد من الأدعية التي نص فيها رسول الله ﷺ على اشتمالها على الاسم الأعظم، كالدعاء بـ: «اللهم إني أسألك بأنك أنت الله، لا إله إلا أنت الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد» (٢)، والدعاء بـ «اللهم إني أسألك بأن لك الحمد، لا إله إلا أنت، الحنان المنان بديع السماوات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم» (٣).

стр. 969

ثم إذا صَاحَب الدعاءَ بالاسم الأعظم حضور قلب وانكسار وذلة لم تكد تُرَد الدعوة، فليحرص العبد على الإكثار من سؤال الله باسمه الأعظم موقنًا بالإجابة (١). الأثر السابع: الأذكار مقرونة باسم (الله) سُبْحَانَهُ: خص الله اسمه (الله) بأن جعله مقرونًا بعامة الأذكار المأثورة عن رسول الله ﷺ ، فالتحميد والتسبيح والتهليل والتكبير والحوقلة والاسترجاع والبسملة ونحوها مقرونة به غير منفكة عنه، فإذا كبر المسلم ذكره، وإذا حمد ذكره، وإذا سبح ذكره وهكذا في عامة الأذكار، كما في قوله ﷺ : «مَنْ قَالَ: سُبْحَانَ الله وَبِحَمْدِهِ- فِي يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ- حُطَّتْ خَطَايَاهُ، وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ» (٢)، وقوله ﷺ : «كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ، حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ: سُبْحَانَ الله وبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ الله الْعَظِيمِ» (٣)، وقوله: «أَحَبُّ الكَلَامِ إِلَى اللهِ أَرْبَعٌ: سُبْحَانَ اللهِ، والحَمْدُ للهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ، لَا يَضُرُّكَ بِأَيِّهِنَّ بَدَأْتَ» (٤). ولم يشرع ﵎ ذكره بهذا الاسم مفردًا، كما يعتقد بعض الجهال من المسلمين، فيرددون لفظ الجلالة (الله) مرات عديدة، كألف أو ألفين أو أكثر، وأحيانًا يجتمعون على ذلك في حلقات وهم جالسون، أو وهم واقفون يتمايلون ذات اليمين وذات الشمال، ويقفزون بين الحين والآخر، ويصاحب

стр. 970

ذلك دقات الطبول وأصوات المزامير! وتشتد الأصوات حتى لا تسمع إلا (هو هو هو) أو (آه آه آه) أو (حع حع حع)!!، ونحو ذلك مما لم ينزل الله به سلطانًا، ولم تأت به سنة، وقد قال ﷺ : «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ رَدٌّ» (١) (٢). قال الإمام النووي ﵀: «الرد هنا بمعنى: المردود، ومعناه: فهو باطل غير معتد به، وهذا الحديث قاعدة عظيمة من قواعد الإسلام، وهو من جوامع كلمه ﷺ ؛ فإنه صريح في رد كل البدع والمخترعات» (٣). الأثر الثامن: تسمي العبد بأحب الأسماء إلى الله تعالى: إذا علم العبد المكانة العظيمة لهذ الاسم الكريم (الله) فليعلم أن أحب الأسماء إليه ما أضيف إلى هذا الاسم، أو أضيف لاسمه الرحمن، كما جاء في الحديث الصحيح عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: «أَحَبُّ الْأَسْمَاءِ إِلَى الله : عَبْدُ الله وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ» (٤). وكشف الإمام ابن القيم ﵀ سر ذلك في كلامه حول الأسماء والكنى؛ فقال ﵀: «ولما كان الاسم مقتضيًا لمسماه، ومؤثرًا فيه كان أحب الأسماء إلى الله ما اقتضى أحب الأوصاف إليه، كعبد الله وعبد الرحمن، وكانت إضافة العبودية إلى اسم (الله) واسم الرحمن، أحب إليه من إضافتها إلى غيرهما،

стр. 971

كالقاهر والقادر، فعبدالرحمن أحب إليه من عبدالقادر، وعبدالله أحب إليه من عبدربه؛ وهذا لأن التعلق الذي بين العبد وبين ربه إنما هو العبودية المحضة، والتعلق الذي بين الله وبين العبد بالرحمة المحضة، فبرحمته كان وجوده وكمال وجوده، والغاية التي أوجده لأجلها: أن يتأله له وحده محبةً وخوفًا ورجاءً وإجلالًا وتعظيمًا، فيكون عبدًا لله، وقد عبده لما في اسم (الله) من معنى الإلهية التي يستحيل أن تكون لغيره، ولما غلبت رحمتُه غضبَه، وكانت الرحمة أحب إليه من الغضب؛ كان عبد الرحمن أحب إليه من عبد القاهر» (١). الأثر التاسع: تحقيق العبودية التامَّة لله تعالى: إذا علم العبد معنى اسم (الله) ومافيه من صفات الألوهية؛ خضع له سبحانه، إما بالعبودية العامة أو الخاصة. العبودية العامة: عبودية الملك والقهر والخضوع للأمر الكوني القدري التي بها تعبد أهل السماوات والأرض كلهم؛ برهم وفاجرهم، مؤمنهم وكافرهم، قال تَعَالَى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٩٣]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [الزمر: ٤٦]. وهذه العبودية لا يصير بها العبد مؤمنًا؛ لأنه مجبور مقهور عليها، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ [آل عمران: ٨٣].

стр. 972

العبودية الخاصة: عبودية الطاعة، والمحبة، واتباع الأوامر، واجتناب النواهي التي بها تعبَّد أهل الإيمان لربهم ، وتتفاوت مراتبهم ودرجاتهم بناء عليها، قال تَعَالَى: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [النساء: ١٧٢]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ﴾ [الزمر: ١٧]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان: ٦٣]. وهذه العبودية هي التي يصير بها العبد مؤمنًا، وينال بها رضاه. فإذا علم العبد هذا، وعلم أن نجاته وفلاحه وسعادته إنما تكون بتحقيق العبودية الخاصة لله ، قاده ذلك لتحقيقها وتكميلها (١). وفي الملحق الآتي ما يعين- بإذن الله- على تحقيق العبودية لله .

стр. 973

«العبودية» سنتطرق في موضوع العبودية لعدة مسائل، وهي: أولًا: تعريف العبادة: العبادة في اللغة: قال الأزهري ﵀: «العبادة في اللغة: الطاعة مع الخضوع، ويقال: طريق معبد، إذا كان مذللًا بكثرة الوطء، وبعير معبد إذا كان مطليًّا بالقطران» (١). قال الجوهري ﵀: «عبد، بين العبودة والعبودية، وأصل العبودية: الخضوع والذل، والتعبيد: التذليل، يقال: طريق معبد … والعبادة: الطاعة، والتعبد: التنسك» (٢). … العبادة في الاصطلاح: قال ابن جرير ﵀: «معنى العبادة: الخضوع لله بالطاعة، والتذلل له بالاستكانة» (٣). وقال القاضي أبو يعلى ﵀: «حقيقة العبادة: هي الأفعال الواقعة لله ، على نهاية ما يمكن من التذلل والخضوع» (٤).

стр. 974

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «العبادة هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه، من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة» (١): ومما سبق يتبين أن العبادة تقوم على أصلين عظيمين، هما: ١ - غاية الخضوع والذل والانقياد لله ؛ يقال: طريق معبد، أي: مذلل، فالعابد منقاد لمعبوده خاضع له. ٢ - غاية المحبة لله ؛ فإذا عظمت محبة الله في قلب العبد قادته إلى الاستقامة على طاعة الله ، وامتثال أوامره واجتناب نواهيه. قال ابن تيمية ﵀ مقررًا هذين الأصلين: «ومن خضع لإنسان مع بغضه له لا يكون عابدًا له، ولو أحب شيئًا ولم يخضع له لم يكن عابدًا له، كما قد يحب الرجل ولده وصديقه، ولهذا لا يكفي أحدهما في عبادة الله تَعَالَى، بل يجب أن يكون الله أحب إلى العبد من كل شيء، وأن يكون الله عنده أعظم من كل شيء، بل لا يستحق المحبة والخضوع التام إلا الله» (٢). وقال ابن القيم ﵀: «والعبادة تجمع أصلين: غاية الحب بغاية الذل والخضوع … فمن أحببته ولم تكن خاضعًا له، لم تكن عابدًا له، ومن خضعت له بلا محبة لم تكن عابدًا له حتى تكون محبًّا خاضعًا» (٣) (٤).

стр. 975

ثانيًا: أهمية العبودية وفضلها: دعا الله عباده إلى عبوديته، فقال سُبْحَانَهُ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: ٢١]، وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: ٧٧]، ورغبهم فيها ببيان أهميتها وما لأهلها من فضل في الدنيا والآخرة، ومن ذلك: ١ - بيانه ﵎ أن العبودية هي الغاية من خلق الخلق، قال تَعَالَى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]. ٢ - بيانه ﵎ أنه إنما أنزل الكتب، وأرسل الرسل للدعوة إليها، قال تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]، وحكى عن جملة من رسله قولهم: ﴿يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [المؤمنون: ٢٣] (١). ٣ - بيانه ﵎ أن عبوديته حاجة فطرية فطرت قلوب الخلق للميل إليها، قال تَعَالَى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠]، وقال ﷺ : «مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، أَوْ يُنَصِّرَانِهِ، أَوْ يُمَجِّسَانِهِ» (٢) (٣). قال ابن القيم ﵀ مقررًا تلك الحاجة-: «اعلم أن حاجة العبد إلى أن يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا في محبته، ولا في خوفه، ولا في رجائه، ولا

стр. 976

في التوكل عليه، ولا في العمل له، ولا في الحلف به، ولا في النذر له، ولا في الخضوع له، ولا في التذلل والتعظيم، والسجود والتقرب- أعظم من حاجة الجسد إلى روحه، والعين إلى نورها، بل ليس لهذه الحاجة نظير تقاس به؛ فإن حقيقة القلب روحه وقلبه، ولا صلاح لها إلا بإلهها الذي لا إله إلا هو، فلا تطمئن في الدنيا إلا بذكره … ولا صلاح لها إلا بمحبتها وعبوديتها له، ورضاه وإكرامه لها» (١). وكل من استكبر عن عبادة الله التي دعته فطرته إليها عبد غيره ولا شك؛ إذ النفوس جبلت على أن تقصد شيئًا وتريده، وتستعين به وتعتمد عليه في نيل مطلوبها، وتطمئن وتركن إليه، وتنتهي إليه محبتها، وهو إلهها سواء كان ذلك الله أو غيره. قال ابن تيمية ﵀: «الاستقراء يدل على أنه كلما كان الرجل أعظم استكبارًا عن عبادة الله، كان أعظم إشراكًا بالله؛ لأنه كلما استكبر عن عبادة الله ازداد فقرًا وحاجة إلى المراد المحبوب … فلا بد لكل عبد من مراد محبوب هو منتهى حبه وإرادته، فمن لم يكن الله معبوده ومنتهى حبه وإرادته، بل استكبر عن ذلك، فلا بد أن له مراد محبوب يستعبده غير الله، فيكون عبدًا لذلك المراد المحبوب، إما المال وإما الجاه وإما الصور، وإما ما يتخذه إلهًا من دون الله كالشمس والقمر والكواكب والأوثان … » (٢) (٣).

стр. 977

٤ - بيانه ﵎ أن شرف المخلوق وكماله إنما يكون بتحقيقها، فشرف الملائكة بها ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦ - ٢٧]، وشرف الأنبياء بها، فقال سُبْحَانَهُ عن أيوب وسليمان ﵉: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: ٣٠]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ﴾ [ص: ٤٥]، وشرف رسوله ﷺ بوصفه بها في أعلى مقامات التكريم، فوصفه بها في مقام إنزال القرآن: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ [البقرة: ٢٣]، وفي مقام الدعوة: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ [الجن: ١٩]، وفي مقام الإسراء: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ [الإسراء: ١] (١). قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «كمال المخلوق في تحقيق عبوديته لله تَعَالَى، وكلما ازداد العبد تحقيقًا للعبودية ازداد كماله وعلت درجته» (٢). ٥ - بيانه ﵎ أن العبودية لازمة للعبد في أحواله كلها، فتلزمه في حياته إلى مماته كما قال تَعَالَى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩]، أي: الموت، وتلزمه بعد الحياة في البرزخ حينما يسأله الملكان، وتلزمه في القيامة حينما يدعو الله الخلق كلهم إلى السجود فيسجد المؤمنون ويبقى الكافرون والمنافقون لا يستطيعون السجود، فإذا وصلوا دار الثواب والعقاب انقطع التكليف بالعبادة، وصارت عبودية أهل الثواب تسبيحًا مقرونًا بأنفاسهم لا يجدون له تعبًا ولا نصبًا (٣).

стр. 978

٦ - بيانه ﵎ أن العبادة دأب ملائكته، قال تَعَالَى: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ١٩ - ٢٠]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ (٢٠٥) إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٥ - ٢٠٦]، وفي هذا دعوة للاقتداء بهم. ٧ - بيانه ﵎ أن إحسان العبودية وتكميلها أعلى مراتب الدين؛ قال ﷺ عن الإحسان: «أَنْ تَعْبُدَ الله كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ» (١) (٢). ٨ - بيانه ﵎ ثواب أهلها في الدارين، ومن ذلك: أ- عدم تسلط الشيطان عليهم؛ قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا﴾ [الإسراء: ٦٥]، وقال سُبْحَانَهُ عن إبليس: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الحجر: ٣٩ - ٤٠]. ب- حفظهم من المعاصي والمنكرات، قال تَعَالَى عن نبيه يوسف ﵇: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف: ٢٤].

стр. 979

ج- اصطفاؤهم لفهم القرآن والعمل به، قال تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ [فاطر: ٣٢]، وقال: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشورى: ٥٢]. د- التمكين لهم في الأرض، قال تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥]. ر- استثناؤهم من الهلاك الذي يعم قومهم، قال تَعَالَى: ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (٧٣) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: ٧٣ - ٧٤]. ع- البشارة لهم في الحياة الدنيا بالثناء الحسن، والرؤيا الصالحة، والبشارة لهم في الآخرة عند الموت، وفي القبر، وفي القيامة، وخاتمة البشرى ما يبشرهم به الرب الكريم، من دوام رضوانه وبره وإحسانه وحلول أمانه في الجنة، قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ﴾ [الزمر: ١٧] (١). و- نفي الخوف والحزن عنهم يوم القيامة؛ قال سُبْحَانَهُ: ﴿يَاعِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [الزخرف: ٦٨]. ي- وعدهم بالجنة، قال تَعَالَى: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا (٦١) لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (٦٢) تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا﴾ [مريم: ٦١ - ٦٣]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾ [الإنسان: ٦]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (٤٠) أُولَئِكَ

стр. 980

لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ (٤١) فَوَاكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ (٤٢) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ [الصافات: ٤٠ - ٤٣]. ثالثًا: وسائل تحقيق العبودية: تحقيق العبودية إنما يكون بالقيام بما يحبه الله ورسوله ويرضاه، من قول اللسان والقلب، وعمل القلب والجوارح. فقول القلب: هو الاعتقاد الصحيح بما أخبر به سُبْحَانَهُ عن أسمائه، وصفاته، وأفعاله، وملائكته، ولقائه على لسان رسله. وقول اللسان: الإخبار عنه بذلك، والدعوة إليه، والذب عنه، وتبيين الباطل و إزهاقه، والقيام بذكره، وتبليغ أوامره. وعمل القلب: كالمحبة له، والتوكل عليه، والإنابة إليه، والخوف منه والرجاء له، والصبر على أوامره، وعن نواهيه، وعلى أقداره، والرضى به وعنه، والموالاة فيه، والمعاداة فيه، والذل له والخضوع، والإخبات إليه، والطمأنينة به، وغير ذلك من أعمال القلوب التي فرْضها أفرضُ من أعمال الجوارح، ومستحبُّها أحبُّ إلى الله من مستحبها، وعمل الجوارح بدونها إما عديم المنفعة أو قليل المنفعة. وأعمال الجوارح: كالصلاة والجهاد، ونقل الأقدام إلى الجمعة والجماعات، ومساعدة العاجز، والإحسان إلى الخلق ونحو ذلك (١). على أن تكون هذه العبادة كلها قائمة على شرطي القبول: ١ - الإخلاص، الذي به يتحقق معنى شهادة أن لا إله إلا الله.

стр. 981

٢ - المتابعة، التي بها يتحقق معنى شهادة أن محمدًا رسول الله. وبهذا يتبين أن العبادة على الحقيقة والتحقيق هي الدين كله؛ فلما سأل جبريل ﵇ رسول الله ﷺ عن الإسلام المشتمل على عبادة الظاهر، والإيمان المشتمل على عبادة الباطن، والإحسان المشتمل على إحسان العبادة وتكميلها، قال ﷺ لأصحابه: «فإنَّه جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ» (١) (٢). ووصف الله تَعَالَى أهل عبوديته في كتابه بما يشمل الدين كله من الاعتقادات، والعبادات الظاهرة والباطنة، وآداب السلوك والأخلاق، ومن ذلك: ١ - قوله تَعَالَى في وصف العبودية الشاملة: ﴿يَاعِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (٦٨) الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [الزخرف: ٦٨ - ٦٩]، وقوله: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: ١٧ - ١٨]. ٢ - قوله تَعَالَى في وصف عبودية الاعتقاد: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الفرقان: ٦٨]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ﴾ [الزمر: ١٧]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا﴾ [مريم: ٦١]، قال السعدي ﵀: «أن الله وعدهم إياها وعدًا غائبًا، لم يشاهدوه ولم يروه، فآمنوا بها، وصدقوا غيبها،

стр. 982

وسعوا لها سعيها، مع أنهم لم يروها، فكيف لو رأوها، … ويكون في هذا مدح له بإيمانهم بالغيب» (١). ٣ - قوله تَعَالَى في وصف عبودية الباطن: ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: ٤٠]، قال السعدي ﵀: «أخلصوا لله الأعمال، فأخلصهم، واختصهم برحمته، وجاد عليهم بلطفه» (٢)، وقوله سُبْحَانَهُ: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا (٦) يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (٧) وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (٩) إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾ [الإنسان: ٦ - ١٠]. ٤ - قوله تَعَالَى في وصف عبودية الظاهر: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (٦٤) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (٦٥) إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (٦٦) وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: ٦٤ - ٦٧]، وقوله سُبْحَانَهُ: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا (٦) يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (٧) وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ [الإنسان: ٦ - ٨]. ٥ - قوله تَعَالَى في وصف عبودية السلوك والأخلاق: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان: ٦٣]. فاللهمَّ اجعلنا من عبادك الصالحين، مع الذينَ أنعمتَ عليهِم مِنَ النبيينَ والصِّدِّيقينَ والشهداءِ وحَسُنَ أولئِكَ رَفِيقًا

стр. 983

المجيدُ ﷻ - المعنى اللغوي: قال الجوهري ﵀: «المجد: الكرم، والمجيد: الكريم، وقد مَجُد الرجل بالضم، فهو مجيد وماجد، قال ابن السكيت: الشرف والمجد يكونان بالآباء، يقال: رجل شريف ماجد: له آباء متقدمون في الشرف، قال: والحسب والكرم يكونان في الرجل وإن لم يكن له آباء لهم شرف، وتماجد القوم فيما بينهم، وماجدته فمجدته أمجده، أي: غلبته بالمجد … والتمجيد: أن ينسب الرجل إلى المجد … » (١). قال ابن فارس ﵀: «(مجد) الميم والجيم والدال أصل صحيح، يدل على بلوغ النهاية، ولا يكون إلا في محمود، منه المجد: بلوغ النهاية في الكرم، والله الماجد والمجيد، لا كرم فوق كرمه … » (٢). ورود اسم الله المجيد في القرآن الكريم: ورد اسم الله (المجيد) في القرآن مرتين، وذلك في قوله تعالى: ١ - قوله تَعَالَى: ﴿قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ [هود: ٧٣].

стр. 984

٢ - قوله تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾ [البروج: ١٤ - ١٥]. ورود اسم الله المجيد في السنة النبوية: ورد اسم الله المجيد في السنة النبوية، ومن وروده: حديث كعب بن عجرة ﵁، قال: «سَأَلْنَا رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ الصَّلَاةُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ؟ فَإِنَّ اللهَ قَدْ عَلَّمَنَا كَيْفَ نُسَلِّمُ عَلَيْكُمْ قَالَ: قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمِ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَعَلى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ» (١). معنى اسم الله المجيد في حقه تعالى: يدور معنى اسم الله المجيد في حق الله على ثلاثة معان، وهي: ١ - كمال الذات والصفات مع سعتها وكثرتها. ٢ - كثرة الإحسان للخلق. ٣ - المنيع الذي لا يرام.

стр. 985

وحول هذه المعاني الثلاثة تدور أقوال العلماء: من الأقوال في المعنى الأول: قال الطبري ﵀: «(مجيد): ذو مجد ومدح وثناء كريم» (١). قال الزجاج ﵀: «فالماجد في اللغة: الكثير الشرف، والله تَعَالَى ذكره أمجد الأمجدين وأكرم الأكرمين» (٢). قال ابن كثير ﵀ في قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ [هود: ٧٣]: «الحميد في جميع أفعاله وأقواله، محمود ممجد في صفاته وذاته» (٣). قال السعدي ﵀: « … المجد: هو عظمة الصفات وسعتها، فله صفات الكمال، وله من كل صفة كمال أكملها وأتمها وأعمها» (٤)، وقال أيضًا: «والمجد هو عظمة الصفات وسعتها، فكل وصف من أوصافه عظيم شأنه: فهو العليم الكامل في علمه، الرحيم الذي وسعت رحمته كل شيء، القدير الذي لا يعجزه شيء، الحليم الكامل في حلمه، الحكيم الكامل في حكمته، إلى بقية أسمائه وصفاته» (٥). قال ابن القيم ﵀ في النونية: وَهوَ المَجِيدُ صِفَاتُهُ أَوْصَافُ تَعْظِ … يمٍ فَشَانُ الوَصْفِ أَعْظَمُ شَانِ (٦)
следующие страницы →