← Сира

Сира · id 7233

المصباح المضي في كتاب النبي الأمي ورسله إلى ملوك الأرض من عربي وعجمي

ابن حديدة

Полный текст (601 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

أَمر فَقلت تعلمن وَالله إِنِّي لأرى أَمر مُحَمَّد ﷺ أمرا يَعْلُو الْأُمُور علوا مُنْكرا وَإِنِّي قد رَأَيْت رَأيا قَالُوا مَا هُوَ قلت نلحق بالنجاشي فنكون عِنْده فَإِن كَانَ يظْهر مُحَمَّد كُنَّا عِنْد النَّجَاشِيّ فنكون تَحت يَده أحب إِلَيْنَا من أَن نَكُون تَحت يَد مُحَمَّد ﷺ فَإِن تظهر قُرَيْش فَنحْن من قد عرفُوا قَالُوا هَذَا الرَّأْي قَالَ فاجمعوا مَا تهدونه لَهُ وَكَانَ أحب مَا يهدي إِلَيْهِ من أَرْضنَا الْأدم قَالَ فجمعنا أدما كثيرا ثمَّ خرجنَا حَتَّى قدمنَا على النَّجَاشِيّ فوَاللَّه إِنَّا لعنده إِذْ جَاءَهُ عَمْرو بن أُميَّة الضمرِي وَكَانَ رَسُول الله ﷺ بَعثه إِلَيْهِ بِكِتَاب كتبه إِلَيْهِ فَدخل عَلَيْهِ ثمَّ خرج من عِنْده فَقلت لِأَصْحَابِي هَذَا عَمْرو بن أُميَّة وَلَو قد دخلت على النَّجَاشِيّ فأعطانيه فَضربت عُنُقه فَإِذا فعلت ذَلِك سررت قُريْشًا وَكنت قد أَجْزَأت عَنْهَا حِين قتلت رَسُول مُحَمَّد ﷺ قَالَ فَدخلت على النَّجَاشِيّ فسجدت لَهُ كَمَا كنت أصنع فَقَالَ مرْحَبًا بصديقي أهديت لي من بلادك شَيْئا فَقلت نعم أهديت لَك أدما

стр. 317

كثيرا فقربته إِلَيْهِ فأعجبه وَفرق مِنْهُ أَشْيَاء بَين بطارقته وَأمر بسائره فَأدْخل فِي مَوضِع وَأمر أَن يكْتب وَأَن يحْتَفظ بِهِ قَالَ فَلَمَّا رَأَيْت طيب نَفسه قلت أَيهَا الْملك إِنِّي قد رَأَيْت رجلا خرج من عنْدك وَهُوَ رَسُول رجل عَدو لنا قد وترنا وَقتل أشرافنا وخيارنا فأعطنيه فَأَقْتُلهُ فَرفع يَده فَضرب بهَا أنفي ضَرْبَة ظَنَنْت أَنه كَسره وابتدر الدَّم من منخري فَجعلت أتلقى الدَّم بثيابي وأصابني من الذل مَا لَو انشقت الأَرْض دخلت فِيهَا فرقا مِنْهُ ثمَّ قلت لَهُ أَيهَا الْملك لَو ظَنَنْت أَنَّك تكره مَا قلت مَا سَأَلتك قَالَ واستحيى وَقَالَ يَا عَمْرو تَسْأَلنِي أُعْطِيك رَسُول رَسُول الله من يَأْتِيهِ الناموس الْأَكْبَر الَّذِي كَانَ يَأْتِي مُوسَى وَعِيسَى بن مَرْيَم لتقتله الناموس عِنْد أهل الْكتاب جِبْرِيل قَالَه الْجَوْهَرِي قَالَ عَمْرو وَغير الله قلبِي عَمَّا كنت عَلَيْهِ وَقلت فِي نَفسِي عرف هَذَا الْحق الْعَرَب والعجم وتخالف أَنْت ثمَّ قلت وَتشهد أَيهَا الْملك بِهَذَا قَالَ نعم أشهد بِهِ عِنْد الله يَا عَمْرو فأطعني وَاتبعهُ وَالله إِنَّه لعلى الْحق وليظهرن على كل من خَالفه كَمَا ظهر مُوسَى على فِرْعَوْن وَجُنُوده قلت أفتبايعني

стр. 318

على الْإِسْلَام قَالَ نعم فَبسط يَده فَبَايَعته على الْإِسْلَام ودعا لي بطست فَغسل عني الدَّم وكساني ثيابًا وَكَانَت ثِيَابِي قد امْتَلَأت من الدَّم فألقيتها ثمَّ خرجت إِلَى أَصْحَابِي فَلَمَّا رَأَوْا كسْوَة الْملك سروا بذلك وَقَالُوا هَل أدْركْت من صَاحبك مَا أردْت فَقلت لَهُم كرهت أَن ُأكَلِّمهُ فِي أول مرّة وَقلت أَعُود إِلَيْهِ قَالُوا الرَّأْي مَا رَأَيْت وفارقتهم كَأَنِّي أعمد لحَاجَة فعمدت إِلَى مَوضِع السفن فأجد سفينة قد شحنت تدفع فركبت مَعَهم ودفعوها حَتَّى انْتَهوا إِلَى الشعيبة وَخرجت من السَّفِينَة وَمَعِي نَفَقَة فابتعت بَعِيرًا وَخرجت أُرِيد الْمَدِينَة حَتَّى خرجت على مر الظهْرَان ثمَّ مضيت حَتَّى إِذا كنت بالهدأة إِذا رجلَانِ قد سبقاني بِغَيْر كثير يُريدَان منزلا وَأَحَدهمَا دَاخل فِي خيمة وَالْآخر قَائِم يمسك الراحلتين فَنَظَرت فَإِذا خَالِد بن الْوَلِيد فَقلت أَبَا سُلَيْمَان قَالَ نعم قلت أَيْن تُرِيدُ قَالَ مُحَمَّدًا ﷺ دخل النَّاس فِي الْإِسْلَام فَلم يبْق أحد بِهِ طمع وَالله لَو أَقَمْنَا لأخذ برقابنا كَمَا يُؤْخَذ بِرَقَبَة الضبع فِي مغارتها قلت وَأَنا وَالله قد أردْت مُحَمَّدًا صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

стр. 319

وَأَرَدْت الْإِسْلَام وَخرج عُثْمَان بن طَلْحَة فَرَحَّبَ بِي فنزلنا جَمِيعًا فِي الْمنزل ثمَّ ترافقنا حَتَّى قدمنَا الْمَدِينَة وَفِي رِوَايَة فَلَقِيت خَالِدا قبيل الْفَتْح وَهُوَ مقبل من مَكَّة فَقلت إِلَى أَيْن يَا أَبَا سُلَيْمَان قَالَ لقد استقام المنسم وَإِن الرجل لنَبِيّ اذْهَبْ وَالله وَأسلم فحتى مَتى المنسم بِفَتْح الْمِيم وبالنون وَكسر السِّين مقدم خف الْبَعِير وَفِي النعامة أَيْضا كنى بِهِ عَن الطَّرِيق المتوجه بِهِ فِيهِ يُقَال من أَيْن منسمك أَي من أَيْن وجهتك وبكسر الْمِيم وَالْيَاء آخر الْحُرُوف الْعَلامَة قَالَه الْجَوْهَرِي قَالَ ابْن عبد الْبر فِي تَرْجَمَة الْوَلِيد بن الْوَلِيد وَكَانَ أسلم قبل أَخِيه خَالِد وَشهد مَعَ رَسُول الله ﷺ عمْرَة الْقَضِيَّة وَكتب إِلَى أَخِيه خَالِد وَكَانَ خَالِد خرج من مَكَّة فَارًّا لِئَلَّا يرى رَسُول الله ﷺ وَأَصْحَابه بِمَكَّة كَرَاهَة الْإِسْلَام فَسَأَلَ رَسُول الله ﷺ الْوَلِيد عَنهُ وَقَالَ لَو أَتَانَا لأكرمناه وَمَا مثله سقط عَلَيْهِ الْإِسْلَام فِي عقله فَكتب بذلك الْوَلِيد إِلَى أَخِيه خَالِد فَوَقع الْإِسْلَام فِي قلبه وَكَانَ سَبَب هجرته

стр. 320

قَالَ الْوَاقِدِيّ قَالَ عَمْرو بن الْعَاصِ فَلَمَّا قدمنَا الْمَدِينَة مَا أنسى قَول رجل لَقينَا ببئر أبي عنبة يَصِيح يَا رَبَاح يَا رَبَاح فتفاءلنا بقوله وسررنا ثمَّ نظر إِلَيْنَا فأسمعه يَقُول قد أَعْطَتْ مَكَّة المقادة بعد هذَيْن فَظَنَنْت أَنه يعنيني وَيَعْنِي خَالِد بن الْوَلِيد ثمَّ ولى مُدبرا إِلَى الْمَسْجِد سَرِيعا فَظَنَنْت أَنه يبشر رَسُول الله ﷺ بقدومنا فَكَانَ كَمَا ظَنَنْت وأنخنا بِالْحرَّةِ فلبسنا من صَالح ثيابنا وَنُودِيَ بالعصر فَانْطَلَقْنَا جَمِيعًا حَتَّى طلعنا عَلَيْهِ صلوَات الله عَلَيْهِ وَسَلَامه وَإِن لوجهه تهللا والمسلمون حوله قد سروا بإسلامنا فَلَمَّا رَآهُمْ قَالَ قد رمتكم مَكَّة بأفلاذ كَبِدهَا قَالَ الْجَوْهَرِي الفلد كبد الْبَعِير وَالْجمع أفلاذ والفلذة الْقطعَة من الكبد وَاللَّحم وَالْمَال وَغَيرهَا وَتقدم خَالِد بن الْوَلِيد فَبَايع ثمَّ تقدم عُثْمَان بن طَلْحَة فَبَايع ثمَّ تقدّمت فوَاللَّه مَا هُوَ إِلَّا أَن جَلَست بَين يَدَيْهِ ﷺ فَمَا اسْتَطَعْت أَن أرفع طرفِي إِلَيْهِ حَيَاء مِنْهُ فَبَايَعته على أَن يغْفر لي مَا تقدم من ذَنبي وَلم يحضرني مَا تَأَخّر

стр. 321

وَفِي رِوَايَة عَن أبي بكر الْخَطِيب بِإِسْنَاد يرفعهُ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ يقدم عَلَيْكُم اللَّيْلَة رجل حَكِيم فَقدم عَمْرو ابْن العَاصِي مُهَاجرا قَالَ عَمْرو فِي قدومه مَعَ خَالِد وَعُثْمَان بن طَلْحَة قَالَ وَكنت أسن مِنْهُمَا فَأَرَدْت أَن أكيدهما فقدمتهما قبلي لِلْبيعَةِ فبايعا واشترطا أَن يغْفر مَا تقدم من ذنبهما فأضمرت فِي نَفسِي أَن أبايع على مَا تقدم وَمَا تَأَخّر فَلَمَّا بَايَعت ذكرت مَا تقدم وأنسيت أَن أَقُول وَمَا تَأَخّر فَقَالَ رَسُول الله ﷺ يَا عَمْرو بَايع فَإِن الْإِسْلَام يجب وَفِي رِوَايَة يحت مَا كَانَ قبله وَإِن الْهِجْرَة تجب مَا كَانَ قبلهَا قَالَ فَبَايَعته ثمَّ انصرفت وَكَانَ ذَلِك فِي صفر سنة ثَمَان من الْهِجْرَة قبل الْفَتْح بِسِتَّة أشهر وَتُوفِّي عَمْرو ﵀ يَوْم الْفطر سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين وعمره تسعون سنة وَدفن بالمقطم وَصلى عَلَيْهِ ابْنه عبد الله وَكَانَ من الدهاة الْمُتَقَدِّمين فِي الرَّأْي وَالْمَكْر وَكَانَ عمر ابْن الْخطاب ﵁ إِذا استضعف رجلا فِي عقله ورأيه

стр. 322

قَالَ أشهد أَن خالقك وخالق عَمْرو وَاحِد يُرِيد خَالق الأضداد فصل فِي ذكر أَلْفَاظ وَقعت بَين عَمْرو بن الْعَاصِ وَبَين عبد بن الجلندي حِين بَعثه رَسُول الله ﷺ إِلَيْهِ وَإِلَى أَخِيه وَكَانَا ملكي عمان مِمَّا يتَعَلَّق بالنجاشي قَالَ عبد فِي سُؤال لعَمْرو يَا عَمْرو إِنَّك ابْن سيد قَوْمك فَكيف صنع أَبوك فَإِن لنا فِيهِ قدوة قَالَ عَمْرو قلت مَاتَ وَلم يُؤمن بِمُحَمد ﷺ ووددت أَنه كَانَ أسلم وَصدق بِهِ وَقد كنت أَنا على مثل رَأْيه حَتَّى هَدَانِي الله لِلْإِسْلَامِ قَالَ فَمَتَى تَبعته قَالَ قلت قَرِيبا فَسَأَلَنِي أَيْن كَانَ إسلامك فَقلت عِنْد النَّجَاشِيّ وأخبرته أَن النَّجَاشِيّ قد أسلم قَالَ فَكيف صنع قومه بِملكه قلت أَقروهُ واتبعوه قَالَ والأساقفة والرهبان تبعوه قلت نعم قَالَ انْظُر يَا عَمْرو مَا تَقول إِنَّه لَيْسَ من خصْلَة فِي رجل أفضح لَهُ من كذب قلت

стр. 323

مَا كذبت وَمَا نستحله فِي ديننَا ثمَّ قَالَ مَا أرى هِرقل علم بِإِسْلَام النَّجَاشِيّ قلت بلَى قَالَ بِأَيّ شَيْء علمت ذَلِك قلت كَانَ النَّجَاشِيّ خرج لَهُ خرجا فَلَمَّا أسلم وَصدق بِمُحَمد ﷺ قَالَ لَا وَالله لَو سَأَلَني درهما وَاحِدًا مَا أَعْطيته فَبلغ هِرقل قَوْله فَقَالَ نياق أَخُوهُ أتدع عَبدك لَا يخرج لَك خرجا ويدين دينا مُحدثا قَالَ هِرقل رجل رغب فِي دين وَاخْتَارَهُ لنَفسِهِ مَا أصنع بِهِ وَالله لَوْلَا الضن بملكي لصنعت كَمَا صنع قَالَ انْظُر مَا تَقول يَا عَمْرو قلت وَالله صدقتك ثمَّ قَالَ عبد أَخْبرنِي مَا الَّذِي يَأْمر بِهِ وَسَأَلَهُ عَن الْإِسْلَام وَسَيَأْتِي فِي مَوْضِعه من كتَابنَا هَذَا إِن شَاءَ الله تَعَالَى

стр. 324

بَاب فِي ذكر مكاتباته ﷺ إِلَى قَيْصر ملك الرّوم وإرساله دحْيَة بن خَليفَة الْكَلْبِيّ ﵁ إِلَيْهِ وَمَا يتَعَلَّق بذلك واسْمه هِرقل قَالَ ابْن دحْيَة فِي تأليفه مرج الْبَحْرين وَمعنى قَيْصر البقير وَذَلِكَ أَن أمه لما أَتَاهَا الطلق بِهِ مَاتَت فبقر بَطنهَا عَنهُ فَخرج حَيا وَكَانَ يفتخر بذلك لِأَنَّهُ لم يخرج من فرج قَالَ وَاسم قَيْصر مُشْتَقّ فِي لغتهم من الْقطع لِأَن أحشاء أمه قطعت حَتَّى خرج مِنْهَا وَكَانَ

стр. 325

شجاعا جبارا مقداما فِي الْحَرْب روينَا فِي كتاب الرَّوْض الْأنف للْإِمَام الْحَافِظ أبي الْقَاسِم عبد الرَّحْمَن الْخَثْعَمِي ثمَّ السُّهيْلي ﵀ قَالَ وَمن رِوَايَة الْحَارِث فِي مُسْنده أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ من ينْطَلق بكتابي هَذَا إِلَى قَيْصر وَله الْجنَّة فَقَالُوا وَإِن لم يقتل يَا رَسُول الله قَالَ وَإِن لم يقتل فَانْطَلق بِهِ رجل يَعْنِي دحْيَة ﵁ قَالَ أَبُو بكر الْبَزَّار فِي مُسْنده وَوَجَدته بِخَط موثق بِهِ وَهَذَا الحَدِيث هُوَ الَّذِي صدرت بِهِ فِي خطْبَة هَذَا التَّأْلِيف وَأَنه الَّذِي حَملَنِي على جمعه قَالَ حَدثنَا إِبْرَاهِيم بن إِسْمَاعِيل بن يحيى بن سَلمَة بن كهيل قَالَ حَدثنِي أبي عَن عَمه مُحَمَّد بن سَلمَة بن كهيل عَن عبد الله ابْن شَدَّاد بن الْهَاد عَن دحْيَة الْكَلْبِيّ قَالَ بَعَثَنِي رَسُول الله ﷺ بِكِتَاب إِلَى قَيْصر فَقدمت عَلَيْهِ فأعطيته الْكتاب وَعِنْده ابْن أَخ لَهُ أَحْمَر أَزْرَق سبط الرَّأْس فَلَمَّا قَرَأَ الْكتاب كَانَ فِيهِ بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم من مُحَمَّد رَسُول الله إِلَى قَيْصر صَاحب الرّوم قَالَ

стр. 326

فنخر ابْن أَخِيه نخرة وَقَالَ لَا يقْرَأ الْيَوْم فَقَالَ لَهُ قَيْصر لم قَالَ إِنَّه بَدَأَ بِنَفسِهِ وَكتب صَاحب الرّوم وَلم يكْتب ملك الرّوم فَقَالَ قَيْصر لنقرأنه فَلَمَّا قَرَأَ الْكتاب وَخَرجُوا من عِنْده أدخلني عَلَيْهِ وَأرْسل إِلَى الأسقف وَهُوَ صَاحب أَمرهم فَأخْبرهُ وأقرأه الْكتاب فَقَالَ الأسقف وَهُوَ صَاحب أَمرهم هَذَا الَّذِي كُنَّا نَنْتَظِر وَبشر بِهِ عِيسَى قَالَ قَيْصر فَكيف تَأْمُرنِي فَقَالَ لَهُ الأسقف أما أَنا فمصدقة ومتبعه فَقَالَ لَهُ قَيْصر أما أَنا إِن فعلت ذهب ملكي ثمَّ خرجنَا من عِنْده فَأرْسل قَيْصر إِلَى أبي سُفْيَان وَهُوَ يَوْمئِذٍ عِنْده فَقَالَ حَدثنِي عَن هَذَا الرجل الَّذِي خرج بأرضكم مَا هُوَ قَالَ شَاب قَالَ فَكيف حَسبه قَالَ هُوَ فِي حسب منا لَا يفضل عَلَيْهِ أحد قَالَ هَذِه آيَة النُّبُوَّة قَالَ كَيفَ صدقه قَالَ مَا كذب قطّ قَالَ هَذِه آيَة النُّبُوَّة قَالَ فَمن يتبعهُ قَالَ الشَّبَاب والسفلة قَالَ هَذِه آيَة النُّبُوَّة قَالَ أَرَأَيْت من خرج إِلَيْهِ مِنْكُم هَل يرجع إِلَيْكُم قَالَ لَا قَالَ هَذِه آيَة النُّبُوَّة قَالَ أَرَأَيْت من خرج إِلَيْكُم من أَصْحَابه يرجعُونَ إِلَيْهِ قَالَ نعم قَالَ هَذِه آيَة النُّبُوَّة قَالَ هَل ينْكث أَحْيَانًا إِذا

стр. 327

قَاتل هُوَ وَأَصْحَابه قَالَ قد قَاتله قوم فَهَزَمَهُمْ وهزموه قَالَ هَذِه آيَة النُّبُوَّة قَالَ ثمَّ دَعَاني فَقَالَ أبلغ صَاحبك أَنِّي أعلم أَنه نَبِي وَلَكِنِّي لَا أترك ملكي قَالَ وَأما الأسقف فَإِنَّهُم كَانُوا يَجْتَمعُونَ إِلَيْهِ فِي كل أحد فَيخرج إِلَيْهِم فيحدثهم وَيذكرهُمْ فَلَمَّا كَانَ يَوْم الْأَحَد لم يخرج إِلَيْهِم وَقعد إِلَى يَوْم الْأَحَد الآخر فَكنت أَدخل عَلَيْهِ فيكلمني ويسألني فَلَمَّا جَاءَ الْأَحَد الآخر انتظروه يخرج إِلَيْهِم فَلم يخرج إِلَيْهِم واعتل عَلَيْهِم بِالْمرضِ فَفعل ذَلِك مرَارًا فَحَضَرُوا وبعثوا إِلَيْهِ لتخْرجن إِلَيْنَا أَو لندخلن عَلَيْك فنقتلك فَإنَّا قد أنكرناك مُنْذُ قدم هَذَا الْعَرَبِيّ فَقَالَ الأسقف خُذ هَذَا الْكتاب واذهب إِلَى صَاحبك واقرأ ﵇ وَأخْبرهُ أَنِّي أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله وَأَنِّي قد آمَنت بِهِ وصدقته واتبعته وَإِنَّهُم قد أَنْكَرُوا عَليّ ذَلِك فَبَلغهُ مَا ترى ثمَّ خرج إِلَيْهِم فَقَتَلُوهُ ثمَّ رَجَعَ دحْيَة إِلَى النَّبِي ﷺ وَعِنْده رسل عُمَّال كسْرَى على صنعاء بَعثهمْ إِلَيْهِ وَكتب إِلَى صَاحب صنعاء يتوعده يَقُول لتكفيني رجلا خرج بأرضك يدعوني إِلَى دينه أَو أؤدي الْجِزْيَة أَو لأَقْتُلَنك أَو قَالَ لَأَفْعَلَنَّ بك فَبعث صَاحب صنعاء إِلَى

стр. 328

النَّبِي ﷺ خَمْسَة عشر رجلا فَوَجَدَهُمْ دحْيَة عِنْد رَسُول الله ﷺ فَلَمَّا قَرَأَ كتاب صَاحبهمْ تَركهم خمس عشرَة لَيْلَة فَلَمَّا مَضَت خمس عشرَة لَيْلَة تعرضوا لَهُ فَلَمَّا رَآهُمْ دعاهم فَقَالَ اذْهَبُوا إِلَى صَاحبكُم فَقولُوا لَهُ إِن رَبِّي قتل ربه اللَّيْلَة فَانْطَلقُوا فأخبروه بِالَّذِي صنع فَقَالَ لَهُم أحصوا هَذِه اللَّيْلَة فأحصوها قَالَ أخبروني كَيفَ رَأَيْتُمُوهُ قَالُوا مَا رَأينَا ملكا أهيأ مِنْهُ يمشي فيهم لَا يخَاف شَيْئا متبذلا لَا يحرس وَلَا يرفعون أَصْوَاتهم عِنْده قَالَ دحْيَة ثمَّ جَاءَ الْخَبَر أَن كسْرَى قتل تِلْكَ اللَّيْلَة قَالَ الْبَزَّار لم يحدث دحْيَة عَن رَسُول الله ﷺ إِلَّا هَذَا الحَدِيث وَذكر ابْن عبد الْبر فِي تَرْجَمَة دحْيَة أَنه بَعثه رَسُول الله ﷺ إِلَى قَيْصر فَآمن بِهِ قَيْصر وأبت بطارقته أَن تؤمن فَأخْبر بذلك دحْيَة رَسُول الله ﷺ فَقَالَ ثَبت ملكه فِي حَدِيث طَوِيل ذكره وروينا فِي صَحِيح مُسلم عَن عبد الله بن عَبَّاس ﵄ أَن أَبَا سُفْيَان بن حَرْب أخبرهُ من فِيهِ إِلَى فِيهِ قَالَ انْطَلَقت فِي الْمدَّة الَّتِي كَانَت بيني وَبَين رَسُول الله ﷺ قَالَ فَبينا أَنا بِالشَّام

стр. 329

إِذْ جِيءَ بِكِتَاب من رَسُول الله ﷺ إِلَى هِرقل قَالَ وَكَانَ دحْيَة الْكَلْبِيّ جَاءَ بِهِ فَدفعهُ إِلَى عَظِيم بصرى فَدفعهُ عَظِيم بصرى إِلَى هِرقل فَقَالَ هِرقل هَل هَهُنَا أحد من قوم هَذَا الرجل الَّذِي يزْعم أَنه نَبِي قَالُوا نعم قَالَ فَدُعِيت فِي نفر من قُرَيْش فَدَخَلْنَا على هِرقل فأجلسنا بَين يَدَيْهِ فَقَالَ أَيّكُم أقرب نسبا من هَذَا الرجل الَّذِي يزْعم أَنه نَبِي فَقَالَ أَبُو سُفْيَان فَقلت أَنا فأجلسوني بَين يَدَيْهِ وأجلسوا أَصْحَابِي خَلْفي ثمَّ دَعَا بترجمانه فَقَالَ قل لَهُم إِنِّي سَائل هَذَا عَن هَذَا الرجل الَّذِي يزْعم أَنه نَبِي فَإِن كَذبَنِي فَكَذبُوهُ قَالَ فَقَالَ أَبُو سُفْيَان وأيم الله لَوْلَا مَخَافَة أَن يُؤثر عَليّ الْكَذِب لكذبت ثمَّ قَالَ لِترْجُمَانِهِ سَله كَيفَ حَسبه فِيكُم قلت هُوَ فِينَا ذُو حسب قَالَ فَهَل كَانَ من آبَائِهِ ملك قلت لَا قَالَ هَل كُنْتُم تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قبل أَن يَقُول مَا قَالَ قلت لَا قَالَ وَمن يتبعهُ أَشْرَاف النَّاس أم ضُعَفَاؤُهُمْ قَالَ قلت بل ضُعَفَاؤُهُمْ قَالَ أيزيدون أم ينقصُونَ قَالَ قلت لَا بل يزِيدُونَ قَالَ فَهَل يرْتَد أحد عَن دينه بعد أَن يدْخل فِيهِ سخطَة لَهُ قَالَ قلت لَا قَالَ فَهَل قاتلتموه قلت نعم قَالَ فَكيف كَانَ قتالكم إِيَّاه قَالَ قلت يكون الْحَرْب بَيْننَا وَبَينه سجالا

стр. 330

يُصِيب منا وَنصِيب مِنْهُ قَالَ فَهَل يغدر قلت لَا وَنحن مِنْهُ فِي مُدَّة لَا نَدْرِي مَا هُوَ صانع فِيهَا قَالَ فوَاللَّه مَا أمكنني من كلمة أَدخل فِيهَا شَيْئا غير هَذِه قَالَ فَهَل قَالَ هَذَا القَوْل أحد قبله قَالَ قلت لَا قَالَ لِترْجُمَانِهِ قل لَهُ إِنِّي سَأَلتك عَن حَسبه فَزَعَمت أَنه فِيكُم ذُو حسب وَكَذَلِكَ الرُّسُل تبْعَث فِي أَحْسَاب قَومهَا وَسَأَلْتُك هَل كَانَ فِي آبَائِهِ ملك فَزَعَمت أَن لَا فَقلت لَو كَانَ من آبَائِهِ ملك قلت رجل يطْلب ملك آبَائِهِ وَسَأَلْتُك عَن أَتْبَاعه أضعفاؤهم أم أَشْرَافهم فَقلت بل ضُعَفَاؤُهُمْ وهم أَتبَاع الرُّسُل وَسَأَلْتُك هَل كُنْتُم تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قبل أَن يَقُول مَا قَالَ فَزَعَمت أَن لَا فقد عرفت أَنه لم يكن ليَدع الْكَذِب على النَّاس ثمَّ يذهب فيكذب على الله وَسَأَلْتُك هَل يرْتَد أحد مِنْهُم عَن دينه بعد أَن يدْخلهُ سخطَة لَهُ فَزَعَمت أَن لَا وَكَذَلِكَ الْإِيمَان إِذا خالط بشاشة الْقُلُوب وَسَأَلْتُك هَل يزِيدُونَ أم ينقصُونَ فَزَعَمت أَنهم يزِيدُونَ وَكَذَلِكَ الْإِيمَان حَتَّى يتم وَسَأَلْتُك هَل قاتلتموه فَزَعَمت أَنكُمْ قاتلتموه فَتكون الْحَرْب بَيْنكُم وَبَينه سجالا ينَال مِنْكُم وتنالون مِنْهُ وَكَذَلِكَ الرُّسُل تبتلى ثمَّ تكون لَهَا الْعَاقِبَة وَسَأَلْتُك هَل يغدر فَزَعَمت أَنه لَا يغدر وَكَذَلِكَ الرُّسُل لَا تغدر وَسَأَلْتُك هَل قَالَ هَذَا القَوْل أحد قبله فَزَعَمت أَن لَا فَقلت لَو قَالَ

стр. 331

هَذَا القَوْل أحد قبله قلت رجل ائتم بقول قيل قبله ثمَّ قَالَ بِمَا يَأْمُركُمْ قَالَ قلت يَأْمُرنَا بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاة والصلة والعفاف قَالَ أَن يكن مَا تَقول حَقًا فَإِنَّهُ نَبِي وَقد كنت أعلم أَنه خَارج وَلم أكن أَظُنهُ مِنْكُم وَلَو أَنِّي أعلم أَن أخْلص إِلَيْهِ لأحببت لقاءه وَلَو كنت عِنْده لغسلت عَن قَدَمَيْهِ وليبلغن ملكه مَا تَحت قدمي ثمَّ دَعَا بِكِتَاب رَسُول الله ﷺ فقرأه فَإِذا فِيهِ بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم من مُحَمَّد رَسُول الله وَفِي رِوَايَة عبد الله وَرَسُوله إِلَى هِرقل عَظِيم الرّوم سَلام على من اتبع الْهدى أما بعد فَإِنِّي أَدْعُوك بِدِعَايَةِ الْإِسْلَام أسلم تسلم وَأسلم يؤتك الله أجرك مرَّتَيْنِ وَإِن توليت فَإِن عَلَيْك إِثْم الإريسيين و ﴿يَا أهل الْكتاب تَعَالَوْا إِلَى كلمة سَوَاء بَيْننَا وَبَيْنكُم أَلا نعْبد إِلَّا الله وَلَا نشْرك بِهِ شَيْئا﴾ إِلَى قَوْله ﴿فَقولُوا اشْهَدُوا بِأَنا مُسلمُونَ﴾ فَلَمَّا فرغ من قِرَاءَة الْكتاب ارْتَفَعت الْأَصْوَات عِنْده وَكثر اللَّغط وَأمر بِنَا فأخرجنا قَالَ فَقلت لِأَصْحَابِي حِين خرجنَا لقد أَمر أَمر

стр. 332

ابْن أبي كَبْشَة إِنَّه لَيَخَافهُ ملك بني الْأَصْفَر قَالَ فَمَا زلت موقنا بِأَمْر رَسُول الله ﷺ أَنه سَيظْهر حَتَّى أَدخل الله عَليّ الْإِسْلَام وَفِي رِوَايَة وَأَنا كَارِه تَفْسِير قَوْله سخطَة قَالَ القَاضِي عِيَاض ﵀ السخط والسخط لُغَتَانِ كالسقم والسقم وَقَوله سجالا مرّة على هَؤُلَاءِ وَمرَّة على هَؤُلَاءِ من مساجلة المستقين على الْبِئْر بالدلاء وَلَا تسمى الدَّلْو سجلا إِلَّا إِذا كَانَت ملأى وَقَوله الإريسيين قَالَ القَاضِي كَذَا رَوَاهُ مُسلم وَجل رُوَاة البُخَارِيّ بِفَتْح الْهمزَة وَكسر الرَّاء مُخَفّفَة وَتَشْديد الْيَاء بعد السِّين وَرَوَاهُ الْمروزِي اليريسيين وَرَوَاهُ الْجِرْجَانِيّ مرّة الأريسيين بِسُكُون الرَّاء وَفتح الْيَاء الأولى وَرُوِيَ فِي غير الصَّحِيحَيْنِ

стр. 333

الأريسين مخفف الياءين مَعًا قَالَ أَبُو عبيد هَذَا هُوَ الْمَحْفُوظ فَمن قَالَ الأريسيين فَقَالُوا فِي تَفْسِيره هم أَتبَاع عبد الله بن أريس رجل فِي الزَّمن الأول بعث الله نَبيا فخالفه هُوَ وَأَتْبَاعه وَأنكر ابْن الْقَزاز هَذَا التَّفْسِير وَرِوَايَة من قَالَ الأريسيين بِفَتْح الْيَاء وَسُكُون الرَّاء وَقيل هم الأروسيون وهم نَصَارَى أَتبَاع عبد الله بن أروس وهم الأروسية متمسكون بدين عِيسَى ﵇ لَا يَقُولُونَ إِنَّه ابْن قَالَ أَبُو عبيد الْهَرَوِيّ عَن ثَعْلَب أرس يأرس أريسا وَالْجمع أريسون بِالْفَتْح وَالتَّخْفِيف وأرس يؤرس مثله وَصَارَ إريسا بِالْكَسْرِ وَالْجمع أريسون بِضَم الْهمزَة وهم الأكرة وَقيل الْمُلُوك الَّذين يخالفون أنبياءهم وَقيل الْخدمَة والأعوان وَقيل المتبخترون وَفِي مُصَنف ابْن السكن يَعْنِي الْيَهُود وَالنَّصَارَى فسره فِي الحَدِيث وَقَالَ إِن عَلَيْك إِثْم رعاياك وأتباعك مِمَّن صددته عَن

стр. 334

الْإِسْلَام واتبعك على كفرك كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿يَقُول الَّذين استضعفوا للَّذين استكبروا لَوْلَا أَنْتُم لَكنا مُؤمنين﴾ وكما جَاءَ فِي بعض طرق هَذَا الحَدِيث وَإِلَّا فَلَا تحل بَين الفلاحين وَبَين الْإِسْلَام قَالَ أَبُو عبيد لَيْسَ الفلاحون هُنَا الزارعون خَاصَّة وَلَكِن جَمِيع أهل المملكة لِأَن كل من زرع هُوَ عِنْد الْعَرَب فلاح تولى ذَلِك بِنَفسِهِ أَو تولى لَهُ وَيدل على مَا قُلْنَاهُ قَوْله أَيْضا فِي حَدِيث آخر فَإِن أَبيت فانا نهدم الكفور ونقتل الإريسيين وَإِنِّي أجعَل إِثْم ذَلِك فِي رقبتك الكفور الْقرى وَاحِدهَا كفر فَهَذَا الْمَعْنى الَّذِي تفسره الْأَحَادِيث ويعضده الْقُرْآن أولى مَا قيل فِيهِ قَوْله ابْن أبي كَبْشَة قَالَ مُحَمَّد بن الْحسن الشعري فِي كِتَابه الملامح والمعاريض أَبُو كَبْشَة رجل من خُزَاعَة خَالف قُريْشًا فِي عبَادَة الْأَوْثَان وَعبد الشعرى العبور لِأَنَّهَا أحسن كَوْكَب فِي السَّمَاء تطلع خلف الجوزاء تتبعها يُقَال لَهَا مرزم الجوزاء فَلَمَّا خالفهم النَّبِي ﷺ فِي التَّوْحِيد شبهوه بِهِ وَقيل هُوَ جد جده لأمه قَالَ القَاضِي عِيَاض وَقيل بل كَانَت للنَّبِي ﷺ أُخْت تسمى كَبْشَة فكنوا أَبَاهُ بهَا

стр. 335

وَقيل بل فِي أجداده من يكنى بِأبي كَبْشَة فنسبوه إِلَيْهِ وَقد ذكر مُحَمَّد بن حبيب فِي كِتَابه المحبر جمَاعَة من آبَائِهِ من جِهَة الْأَب وَالأُم يكنون بِأبي كَبْشَة فَالله أعلم قَوْله بني الْأَصْفَر قَالَ القَاضِي بَنو الْأَصْفَر هم الرّوم قيل سموا بذلك باسم جدهم الْأَصْفَر بن روم بن عيصو بن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم الْخَلِيل ﵊ قَالَه الْحَرْبِيّ وَقيل بل لِأَن جَيْشًا من الْحَبَشَة غلب عَلَيْهِم فوطئ نِسَاءَهُمْ فولد لَهُم أَوْلَاد صفر فنسبوا إِلَيْهِم قَالَه الْأَنْبَارِي وَالْأول أشبه وروينا فِي صَحِيح البُخَارِيّ عَن ابْن عَبَّاس أَن أَبَا سُفْيَان أخبرهُ أَن هِرقل أرسل إِلَيْهِ فِي ركب من قُرَيْش كَانُوا تجارًا إِذا كسرت التَّاء خففت الْجِيم وَإِذا ضممت التَّاء شددتها قَالَه الْجَوْهَرِي بِالشَّام فِي الْمدَّة الَّتِي كَانَ رَسُول الله ﷺ ماد فِيهَا أَبَا سُفْيَان وكفار قُرَيْش فَأتوهُ وهم بايلياء فَدَعَاهُمْ فِي مَجْلِسه وَحَوله عُظَمَاء الرّوم ثمَّ دعاهم ودعا بترجمانه وسَاق الحَدِيث إِلَى قَوْله حَتَّى أَدخل الله عَليّ

стр. 336

الْإِسْلَام ثمَّ زَاد فِيهِ وَكَانَ ابْن الناطور صَاحب إيلياء وهرقل سقف على نَصَارَى أهل الشَّام يحدث أَن هِرقل حِين قدم إيلياء أصبح يَوْمًا خَبِيث النَّفس فَقَالَ بعض بطارقته قد استنكرنا هيأتك قَالَ ابْن الناطور وَكَانَ هِرقل حزاء ينظر فِي النُّجُوم فَقَالَ لَهُم حِين سَأَلُوهُ إِنِّي رَأَيْت اللَّيْلَة حِين نظرت فِي النُّجُوم أَن ملك الْخِتَان قد ظهر فَمن يختتن من هَذِه الْأمة فَقَالُوا لَيْسَ يختتن إِلَّا الْيَهُود فَلَا يهمنك شَأْنهمْ واكتب إِلَى مَدَائِن ملكك فليقتلوا من فيهم من الْيَهُود فَبينا هم على أَمرهم أَتَى هِرقل بِرَجُل أرسل بِهِ ملك غَسَّان يُخبرهُ عَن خبر رَسُول الله ﷺ فَلَمَّا استخبره هِرقل قَالَ اذْهَبُوا فانظروا أمختتن هُوَ أم لَا فنظروا إِلَيْهِ فحدثوه أَنه مختتن وَسَأَلَهُ عَن الْعَرَب فَقَالَ هم يختتنون فَقَالَ هِرقل هَذَا ملك هَذِه الْأمة قد ظهر ثمَّ كتب هِرقل إِلَى صَاحب لَهُ برومية وَكَانَ نَظِيره فِي الْعلم وَصَارَ هِرقل إِلَى حمص فَلم يرم حمص حَتَّى أَتَاهُ كتاب من صَاحبه يُوَافق رَأْي هِرقل على خُرُوج النَّبِي ﷺ وَأَنه نَبِي

стр. 337

فَأذن هِرقل لعظماء الرّوم فِي دسكرة لَهُ بحمص هُوَ بِنَاء كالقصر حوله بيُوت قَالَه عِيَاض ثمَّ أَمر بأبوابها فغلقت ثمَّ اطلع فَقَالَ يَا معشر الرّوم هَل لكم فِي الْفَلاح والرشد وَأَن يثبت ملككم فتبايعوا هَذَا النَّبِي فحاصوا حَيْصَة حمر الْوَحْش إِلَى الْأَبْوَاب فوجدوها قد غلقت فَلَمَّا رأى هِرقل نفرتهم وأيس من الْإِيمَان قَالَ ردوهم عَليّ وَقَالَ إِنِّي قلت مَقَالَتي آنِفا أختبر بهَا شدتكم على دينكُمْ فقد رَأَيْت فسجدوا لَهُ وَرَضوا عَنهُ فَكَانَ ذَلِك آخر شَأْن هِرقل تَفْسِير قَالَ القَاضِي عِيَاض فِي قَوْله فَأتوهُ وهم بإيلياء بِكَسْر أَوله مَمْدُود بَيت الْمُقَدّس قيل مَعْنَاهُ بَيت الله وَحكى الْبكْرِيّ أَنه يُقَال بِالْقصرِ أَيْضا ولغة ثَالِثَة إليا بِحَذْف الْيَاء الأولى وَسُكُون اللَّام وَهُوَ الْأَقْصَى أَيْضا قَالَ الله تَعَالَى ﴿إِلَى الْمَسْجِد الْأَقْصَى﴾ وَجَاء فِي الحَدِيث مَسْجِد الْأَقْصَى على الْإِضَافَة قَالَ الْبكْرِيّ واسْمه أَيْضا صهيون بِكَسْر الصَّاد واسْمه أَيْضا أورشلم قَوْله سقف قَالَ القَاضِي هُوَ بِضَم السِّين وَكسر الْقَاف

стр. 338

مُشَدّدَة وَفتح الْفَاء على مَا لم يسم فَاعله وَفِي رِوَايَة سقفا بِضَم السِّين وَالْقَاف وتنوين الْفَاء وَعند الْقَابِسِيّ أسقفا بِضَم الْهمزَة وَسُكُون السِّين وَهَذَا هُوَ الْمَعْرُوف فِي هَذَا الْحَرْف بِالْهَمْزَةِ مشدد الْفَاء وَحكى بَعضهم أَسْقُف وسقف مَعًا وَهُوَ لِلنَّصَارَى الرئيس قَالَه صَاحب الْعين وسقف قوم لذَلِك قَالَ غَيره يحْتَمل إِنَّمَا سمي لانحنائه وخضوعه لتدينه عِنْدهم وَأَنه قيم شريعتهم وَهُوَ دون القَاضِي والأسقف الطَّوِيل فِي انحناء فِي الْعَرَبيَّة وَالِاسْم مِنْهُ السّقف والسقيفي وَقَالَ الدَّاودِيّ هُوَ الْعَالم قَوْله ابْن الناطور قَالَ عِيَاض هُوَ بطاء مُهْملَة عِنْد الْجَمَاعَة وَعند الْحَمَوِيّ بِالْمُعْجَمَةِ قَالَ أهل اللُّغَة يُقَال فلَان ناطورة بني فلَان وناظورهم بِالْمُعْجَمَةِ إِذا كَانَ المنظور إِلَيْهِ مِنْهُم والناطور حَافظ النّخل أعجمي تَكَلَّمت بِهِ الْعَرَب قَالَ الْأَصْمَعِي هُوَ بِالْمُعْجَمَةِ من النّظر والنبط يجْعَلُونَ الظَّاء طاء وَمِمَّا رَوَاهُ ابْن الْجَوْزِيّ فِي كِتَابه الوفا قَالَ أصبح قَيْصر يَوْمًا مهموما لظُهُور ملك الْخِتَان فَأَتَاهُ رَسُول صَاحب بصرى بِرَجُل من

стр. 339

الْعَرَب يَقُودهُ فَقَالَ إِن هَذَا من الْعَرَب يحدث عَن أَمر ظهر فِي بِلَاده عجب فَسَأَلَهُ قَيْصر فَقَالَ خرج بَين أظهرنَا رجل يزْعم أَنه نَبِي فَاتبعهُ نَاس وَخَالفهُ آخَرُونَ وَكَانَ بَينهم ملاحم فتركتهم على ذَلِك فَقَالَ جردوه فجردوه فَإِذا هُوَ مختون فَقَالَ هِرقل هَذَا وَالله الَّذِي رَأَيْت أَعْطوهُ ثَوْبه ثمَّ دَعَا صَاحب شرطته فَقَالَ قلب لي الشَّام ظهرا وبطنا حَتَّى تَأتِينِي بِرَجُل من قوم هَذَا الرجل قَالَ أَبُو سُفْيَان وَكنت قد خرجت فِي تِجَارَة فهجم علينا صَاحب شرطته فَقَالَ أَنْتُم من قوم هَذَا الرجل قُلْنَا نعم فَانْطَلق بِي وبأصحابي حَتَّى قدمنَا إيليا فأدخلنا عَلَيْهِ فَإِذا هُوَ جَالس فِي مجْلِس ملكه عَلَيْهِ التَّاج وَحَوله عُظَمَاء الرّوم فَقَالَ لِترْجُمَانِهِ سلهم أَيهمْ أقرب نسبا من هَذَا الرجل الَّذِي يزْعم أَنه نَبِي قَالَ أَبُو سُفْيَان قلت أَنا قَالَ وَمَا قرابتك قلت هُوَ ابْن عمي قَالَ أَبُو سُفْيَان وَلَيْسَ فِي الركب يَوْمئِذٍ رجل من بني عبد منَاف غَيْرِي فَقَالَ قَيْصر ادنه وَجعلُوا أَصْحَابِي خلف ظَهْري وسَاق الحَدِيث وَفِيه وَكَانَ قَيْصر لما كشف الله عَنهُ جنود فَارس مَشى من حمص على الزرابي تبسط لَهُ إِلَى إيليا شكرا لما أبلاه الله تَعَالَى وَرُوِيَ عَن الزُّهْرِيّ قَالَ حَدثنِي أَسْقُف من النَّصَارَى إِن هِرقل قدم عَلَيْهِ كتاب رَسُول الله ﷺ فَجعله بَين فَخذيهِ وخاصرته ثمَّ كتب إِلَى رجل برومية وَكَانَ يقْرَأ من العبرانية مَا يقْرَأ وَأَنه يُخبرهُ بِمَا جَاءَ فَكتب إِلَيْهِ صَاحب رُومِية إِنَّه النَّبِي الَّذِي ينْتَظر لَا شكّ فِيهِ فَاتبعهُ وَصدقه فَجمع بطارقته وَقَالَ يَا معشر الرّوم إِنَّه أَتَانِي كتاب هَذَا الرجل يدعوني إِلَى دينه وَإنَّهُ وَالله النَّبِي الَّذِي كُنَّا ننتظره ونجده فِي

стр. 340

كتبنَا فَهَلُمَّ فلنتبعه فتسلم لنا دُنْيَانَا وَآخِرَتِنَا فنخروا نخرة رجل وَاحِد وَأَرَادُوا قَتله فردهم بِمَا ذكر فصل فِي ذكر مُخَاطبَة دحْيَة لقيصر رُوِيَ عَنهُ أَنه قَالَ وجهني رَسُول الله ﷺ إِلَى ملك الرّوم بكتابه وَكَانَ بتبوك وَهُوَ بِدِمَشْق زَاد السُّهيْلي فَقلت لَهُ يَا قَيْصر أَرْسلنِي إِلَيْك من هُوَ خير مِنْك وَالَّذِي أرْسلهُ خير مِنْهُ ومنك فاسمع بذل ثمَّ أجب بنصح فَإنَّك إِن لم تذلل لم تفهم وَإِن لم تنصح لم تنصف قَالَ هَات قَالَ قلت هَل تعلم أَن الْمَسِيح كَانَ يُصَلِّي قَالَ نعم قَالَ فَإِنِّي أَدْعُوك إِلَى من كَانَ الْمَسِيح يُصَلِّي لَهُ وأدعوك إِلَى من دبر خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض والمسيح فِي بطن أمه وأدعوك إِلَى هَذَا النَّبِي الْأُمِّي الَّذِي بشر بِهِ مُوسَى وَبشر بِهِ عِيسَى بن مَرْيَم بعده وعندك من ذَلِك أَثَرَة من علم تَكْفِي من العيان وتشفي من الْخَبَر فَإِن أجبْت كَانَت لَك الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَإِلَّا ذهبت عَنْك الْآخِرَة وشوركت فِي الدُّنْيَا وَاعْلَم أَن لَك رَبًّا يقصم الْجَبَابِرَة ويغير

стр. 341

النعم فَأخذ قَيْصر الْكتاب فَوَضعه على عَيْنَيْهِ وَرَأسه وَقَبله ثمَّ قَالَ أما وَالله مَا تركت كتابا إِلَّا قرأته وَلَا عَالما إِلَّا سَأَلته فَمَا رَأَيْت إِلَّا خيرا فأمهلني حَتَّى أنظر من كَانَ الْمَسِيح يُصَلِّي لَهُ فَإِنِّي أكره أَن أجيبك الْيَوْم بِأَمْر أرى غَدا مَا هُوَ أحسن مِنْهُ فأرجع عَنهُ فيضرني ذَلِك وَلَا يَنْفَعنِي أقِم حَتَّى أنظر فَلم يلبث أَن أَتَاهُ وَفَاة النَّبِي ﷺ وَفِي رِوَايَة عَنهُ قَالَ فَأمر هِرقل مناديا يُنَادي أَلا إِن هِرقل قد آمن بِمُحَمد ﷺ وَاتبعهُ فَدخلت الأجناد فِي سلاحها وأطافوا بقصره يُرِيدُونَ قَتله فردهم فرضوا عَنهُ ثمَّ كتب كتابا وأرسله مَعَ دحْيَة يَقُول فِيهِ للنَّبِي ﷺ إِنِّي مُسلم وَلَكِنِّي مغلوب على أَمْرِي وَأرْسل إِلَيْهِ بهدية فَلَمَّا قَرَأَ رَسُول الله ﷺ كِتَابه قَالَ كذب عَدو الله لَيْسَ بِمُسلم بل هُوَ على نصرانيته وَقبل هديته وَقسمهَا بَين الْمُسلمين وَكَانَ لَا يقبل هَدِيَّة مُشْرك محَارب وَإِنَّمَا قبل هَذِه لِأَنَّهَا فَيْء للْمُسلمين وَلذَلِك قسمهَا عَلَيْهِم وَلَو أَتَتْهُ فِي بَيته لكَانَتْ لَهُ خَالِصَة كَمَا كَانَت هَدِيَّة الْمُقَوْقس خَالِصَة لَهُ وَقبلهَا من الْمُقَوْقس لِأَنَّهُ لم يكن مُحَاربًا بل أظهر الْميل إِلَى الدُّخُول فِي الدّين

стр. 342

قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ قَالَ دحْيَة فناولته كتاب النَّبِي ﷺ فَقبل خَاتمه وَوَضعه تَحت شَيْء كَانَ عَلَيْهِ قَاعِدا ثمَّ نَادَى فَاجْتمع البطارقة وَقَومه فَقَامَ على وسائد ثنيت لَهُ وَكَذَلِكَ كَانَت فَارس وَالروم لم يكن لَهُم مَنَابِر ثمَّ خطب أَصْحَابه فَقَالَ هَذَا كتاب النَّبِي ﷺ الَّذِي بشرنا بِهِ الْمَسِيح من ولد إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم فنخروا نخرة فَأَوْمأ بِيَدِهِ أَن اسْكُتُوا ثمَّ قَالَ إِنَّمَا جربتكم كَيفَ نصرتكم للنصرانية قَالَ وَبعث إِلَيّ من الْغَد سرا فادخلني بَيْتا عَظِيما فِيهِ ثَلَاثمِائَة وَثَلَاث عشرَة صُورَة فَإِذا هِيَ صور الْأَنْبِيَاء وَالْمُرْسلِينَ قَالَ انْظُر أَيْن صَاحبك من هَؤُلَاءِ قَالَ فَرَأَيْت صُورَة النَّبِي ﷺ كَأَنَّهُ ينظر قلت هَذَا قَالَ صدقت فَقَالَ صُورَة من هَذَا عَن يَمِينه قلت رجل من قومه يُقَال لَهُ أَبُو بكر الصّديق قَالَ فَمن ذَا عَن يسَاره قلت رجل من قومه يُقَال لَهُ عمر بن الْخطاب قَالَ أما إِنَّا نجد فِي الْكتاب أَن بصاحبيه هذَيْن يتم الله هَذَا الدّين فَلَمَّا قدمت على النَّبِي ﷺ قَالَ صدق بِأبي بكر وَعمر يتم الله هَذَا الدّين وَيفتح وَرُوِيَ أَنه قَالَ لدحية وَالله إِنِّي لأعْلم أَن صَاحبك نَبِي مُرْسل وَأَنه الَّذِي كُنَّا ننتظره وَلَكِنِّي أَخَاف الرّوم على نَفسِي وَلَوْلَا ذَلِك لاتبعته

стр. 343

فصل فِي ذكر الْمَسِيح ﵇ والحواريين قَالَ السُّهيْلي وَأَصَح مَا قيل فِي معنى الْمَسِيح على كَثْرَة الْأَقْوَال فِي ذَلِك أَنه الصّديق بلغتهم ثمَّ عربته الْعَرَب وَكَانَ إرْسَال الْمَسِيح للحواريين بعد مَا رفع وصلب الَّذِي شبه بِهِ فَجَاءَت مَرْيَم الصديقة ﵍ وَالْمَرْأَة الَّتِي كَانَت مَجْنُونَة فابرأها الْمَسِيح ﵇ وقعدتا عِنْد الْجذع تبكيان وَقد أصَاب أمه من الْحزن عَلَيْهِ مَا لَا يُعلمهُ إِلَّا الله فأهبط إِلَيْهِمَا وَقَالَ علام تبكيان فَقَالَتَا عَلَيْك فَقَالَ إِنِّي لم أقتل وَلم أَصْلَب وَلَكِن الله رفعني وكرمني وَشبه عَلَيْهِم فِي أَمْرِي أبلغا عني الحواريين أَمْرِي أَن يلقوني فِي مَوضِع كَذَا لَيْلًا فجَاء الحواريون ذَلِك الْموضع فَإِذا الْجَبَل قد اشتعل نورا لنزوله بِهِ ثمَّ أَمرهم أَن يَدْعُو النَّاس إِلَى دينه وَعبادَة ربه فوجههم إِلَى الْأُمَم الَّتِي ذكر ابْن إِسْحَاق وَغَيره ثمَّ كسى كسْوَة الْمَلَائِكَة فعرج مَعَهم فَصَارَ ملكيا إنسيا سمائيا أرضيا

стр. 344

قَالَ القَاضِي عِيَاض قيل فِي أَصْحَاب عِيسَى ﵇ هم القصارون لأَنهم يبيضون الثِّيَاب والحور الْبيَاض وَكَانُوا أَولا قصارين وَقيل الصيادون قَالَ السُّهيْلي وَأَصَح مَا قيل فِي معنى الحواريين أَن الْحوَاري هُوَ الخلصان أَي الْخَالِص الصافي من كل شَيْء وَقَول الْمُفَسّرين هُوَ الخلصان كلمة فصيحة أنْشد أَبُو حنيفَة (خليلي خلصاني لم يبْق حبها ... من الْقلب إِلَّا عوذا سينالها) قَالَ والعوذ مَا لم تُدْرِكهُ الْمَاشِيَة لارتفاعه فَكَأَنَّهُ قد عاذ مِنْهَا وَذكر الْقُضَاعِي فِي عُيُون المعارف أَن عِيسَى ﵇ ولد فِي يَوْم الْأَرْبَعَاء الْخَامِس وَالْعِشْرين من كانون الأول بعد قيام الْإِسْكَنْدَر بثلاثمائة وَثَلَاث سِنِين وحملت بِهِ مَرْيَم وَلها ثَلَاث عشرَة سنة قَالَ

стр. 345

الْحسن حملت بِهِ تسع سَاعَات وَوَضَعته من يَوْمهَا وَكَانَت وِلَادَته فِي بَيت لحم وَلما تمت لَهُ ثَمَانِيَة أَيَّام ختن على سنة مُوسَى ﵇ وسموه اليسوع وهربت بِهِ أمه إِلَى مصر وَأقَام بهَا اثْنَتَيْ عشرَة سنة ثمَّ رجعت بِهِ إِلَى ناصرة من جبل الْجَلِيل ﵇ فَلَمَّا بلغ ثَلَاثِينَ سنة جَاءَهُ الْوَحْي وَكَانَت نبوته ثَلَاث سِنِين وَتكلم فِي المهد ثَلَاث مَرَّات ثمَّ لم يتَكَلَّم حَتَّى بلغ حد الْكَلَام وَبشر بنبينا مُحَمَّد ﷺ فَقَالَ فِي إنجيل يوحنا احْفَظُوا وصيتي فسيأتيكم الفارقليط وَهُوَ مُحَمَّد ﷺ وَيُقَال إِنَّه رفع إِلَى السَّمَاء فِي لَيْلَة الْقدر من جبل بَيت الْمُقَدّس فَلَمَّا كَانَ بعد سبع ظهر لأمه فَقَالَ لَهَا لم يُصِبْنِي إِلَّا خير وأمرها بِأَن تَأتيه بالحواريين فجاؤا إِلَيْهِ وأوصاهم وبثهم فِي الأَرْض وَقَالَ وهب توفى الله عِيسَى ثَلَاث سَاعَات من النَّهَار ثمَّ رَفعه وَعَاشَتْ مَرْيَم بعده سِتّ سِنِين يَقُول مُؤَلفه عَفا الله عَنهُ والجبل الَّذِي ذكره الْقُضَاعِي بِبَيْت الْمُقَدّس يعرف الْآن بجبل الطّور وَهُوَ مشرف على الْمَسْجِد الْأَقْصَى وعَلى قلته بُنيان قديم من زمن الرّوم هَيئته هَيْئَة حصن وَفِي ذروته من دَاخل صُورَة معبد لطيف مربع الْبناء وبأعاليه قبَّة مُقَوَّرَة الرَّأْس لَيْسَ بَين ذَلِك المعبد وَبَين السَّمَاء حَائِل يزار وَيَقُول أهل الطّور إِنَّه

стр. 346

مصعد عِيسَى ﵇ على مَا توارثوه بَينهم من زمَان السُّلْطَان صَلَاح الدّين يُوسُف بن أَيُّوب فاتح بَيت الْمُقَدّس ومنقذه من أَيدي الإفرنج فَالله أعلم قَالَ الْقُضَاعِي وَرُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ ليهبطن الله الْمَسِيح عِيسَى بن مَرْيَم حكما عدلا وإماما مقسطا يكسر الصَّلِيب وَيقتل الْخِنْزِير وَيَضَع الْجِزْيَة وَيفِيض المَال حَتَّى لَا يجد من يَأْخُذهُ وليسلكن الروحاء حَاجا أَو مُعْتَمِرًا قَالَ ابْن قُتَيْبَة فِي المعارف إِن بَين عِيسَى ﵇ وَمُحَمّد ﷺ سِتّمائَة عَام وَعشْرين عَام وَفِي هَذِه التواريخ خلاف بَين أهل النَّقْل تَفْسِير الروحاء بِفَتْح أَوله وَبِالْحَاءِ الْمُهْملَة مَمْدُود قَرْيَة جَامِعَة لمزينة على لَيْلَتَيْنِ من الْمَدِينَة بَينهمَا أحد وَأَرْبَعُونَ ميلًا قَالَه الْبكْرِيّ فِي مُعْجَمه وَرُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ ليهلن ابْن مَرْيَم بفج الروحاء حَاجا أَو مُعْتَمِرًا

стр. 347

أَو ليثنينهما قَالَ وروى غير وَاحِد أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ وَقد صلى فِي الْمَسْجِد الَّذِي بِبَطن الروحاء عِنْد عرق الظبية هَذَا وَاد من أَوديَة الْجنَّة قد صلى فِي هَذَا الْمَسْجِد قبلي سَبْعُونَ نَبيا وَقد مر بِهِ مُوسَى بن عمرَان حَاجا أَو مُعْتَمِرًا فِي سبعين ألفا من بني إِسْرَائِيل على نَاقَة لَهُ وَرْقَاء عَلَيْهَا عباءتان قطويتان يُلَبِّي وصفاح الروحاء تجاوبه الصفاح النواحي قَالَه الْجَوْهَرِي قَالَ وَسميت الروحاء لِكَثْرَة أرواحها وبالروحاء بِنَاء يَزْعمُونَ أَنه قبر مُضر بن نزار عود وانعطاف إِلَى مَا نَحن بصدده وَحكى ابْن إِسْحَاق عَن خَالِد بن سِنَان عَن رجل من قدماء أهل الرّوم قَالَ لما أَرَادَ هِرقل الْخُرُوج من أَرض الشَّام إِلَى الْقُسْطَنْطِينِيَّة لما بلغه من أَمر رَسُول الله ﷺ جمع الرّوم وَقَالَ إِنِّي عَارض عَلَيْكُم أمورا فانظروا قَالُوا وَمَا هِيَ قَالَ تعلمُونَ وَالله أَن هَذَا الرجل لنَبِيّ مُرْسل نجده فِي كتبنَا ونعرفه بِصفتِهِ فَهَلُمَّ نتبعه فَقَالُوا نَكُون تَحت أَيدي الْعَرَب قَالَ فَأعْطِيه الْجِزْيَة كل سنة أكسر عني شوكته

стр. 348

وأستريح من حربه قَالُوا نعطي الْعَرَب الذل وَالصغَار لَا وَالله قَالَ فَأعْطِيه أَرض سورية وَهِي فلسطين والأردن ودمشق وحمص وَمَا دون الدَّرْب قَالُوا لَا نَفْعل قَالَ أما وَالله لترون أَنكُمْ قد ظفرتم إِذا امتنعتم مِنْهُ فِي مدينتكم ثمَّ جلس على بغل لَهُ فَانْطَلق حَتَّى إِذا أشرف على الدَّرْب اسْتقْبل أَرض الشَّام فَقَالَ السَّلَام عَلَيْك أَرض سورية سَلام الْوَدَاع ثمَّ ركض حَتَّى دخل الْقُسْطَنْطِينِيَّة يَقُول مُؤَلفه عَفا الله عَنهُ وَهَذَا معنى قَوْله ﷺ إِذا ذهب قَيْصر فَلَا قَيْصر بعده الحَدِيث وَكَانَ كَمَا قَالَ فِي خلَافَة عمر بن الْخطاب ﵁ أخذت كنوزهما وأنفقت فِي سَبِيل الله وَمَا ينْطق عَن الْهوى وَقد أخبر ﷺ وَفد عذرة حِين قدمُوا عَلَيْهِم فِي صفر سنة تسع وَفِيهِمْ حَمْزَة بن النُّعْمَان فأسلموا وبشرهم بِفَتْح الشَّام وهروب هِرقل إِلَى مُمْتَنع من بِلَاده وَكَانُوا اثْنَي عشر رجلا فيهم حَمْزَة الْمَذْكُور فَفِي هَذِه الْأَحَادِيث من الْبَيَان الشافي وَالتَّصْرِيح الْكَافِي بِأَمْر النَّبِي ﷺ ورسالته مَا يُغني عَن النّظر الْعَظِيم وَيَقْضِي لَهُ ﷺ بالترجيح والتقديم وَذَلِكَ لما صدر عَن قَول هِرقل وَهُوَ أحد عُلَمَاء أهل الْكتاب بعد فحصه ولبثه وَكَثْرَة تقصيه عَن أَحْوَال

стр. 349

النَّبِي ﷺ وبحثه مَعَ سداد نظره وجودة فكره وَقَوله لأبي سُفْيَان إِن يكن مَا تَقول حَقًا فَإِنَّهُ نَبِي وَقَوله وَقد كنت أعلم أَنه خَارج وَلم أكن أَظُنهُ مِنْكُم وَقَوله وَلَو أَنِّي أعلم أَن أخْلص إِلَيْهِ لأحببت لقاءه وَقَوله وَلَو كنت عِنْده لغسلت عَن قَدَمَيْهِ فَفِي مَجْمُوع مَا ذَكرْنَاهُ عَنهُ غَايَة الْمُبَالغَة فِي التَّعْظِيم وَنِهَايَة الإجلال والتكريم أَن هِرقل من أوفر أهل الْكتاب عقلا وأرجحهم علما وفضلا فلولا مَا علمه من تحقق نبوة مُحَمَّد ﷺ وظهوره واطلع عَلَيْهِ من خَفِي علمه ومستوره لما أرشد إِلَى أَتْبَاعه وَلَا سارع إِلَى قبُول كِتَابه واستماعه ولفعل كَمَا فعل كسْرَى لما ورد عَلَيْهِ كِتَابه ﷺ يَدعُوهُ إِلَى الْإِيمَان وَالْإِسْلَام فَأَعْرض عَن قبُوله ومزقه وَمَا أقبل عَلَيْهِ وَلَا صدقه لجهله وَعدم مَعْرفَته بِمَا أنزل الله تَعَالَى فِي كتبه من الْإِعْلَام بنبوته ﷺ وَلِأَن قومه مجوس يعْبدُونَ النَّار وَلم يكن لَهُم علم بِأُمُور الْأَنْبِيَاء صلوَات الله على نَبينَا وَعَلَيْهِم أَجْمَعِينَ ثمَّ إِن هَذَا الِاعْتِرَاف من هِرقل والخضوع لَهُ ﷺ مَعَ كَثْرَة أَتْبَاعه وَجُنُوده وبسطته فِي الأَرْض واقتداره وتمكنه من الرِّجَال وَالْمَال القاضيين لَهُ ببلوغ الأوطار والآمال وَالنَّبِيّ ﷺ وَأَصْحَابه إِذْ ذَاك قَلِيل عَددهمْ يسير مددهم لَا يخطرون لأحد من الْمُلُوك ببال وَلَا يَمرونَ لَهُ على خيال لما كَانُوا عَلَيْهِ من الْفقر الْغَالِب والقل

стр. 350

المصاحب فانقياد هِرقل إِلَيْهِ مَعَ هَذِه الْحَال واعترافه بنبوته وإيثاره للغاية ومبالغته فِي كرامته دَلِيل على اطِّلَاعه على مَا صرح بِهِ وأظهره بعد إخفائه وَنشر من نبوة مُحَمَّد ﷺ وَشرف وكرم وَبِذَلِك وَقع التَّعْرِيف فِي كتاب الله الْمجِيد الَّذِي ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِل من بَين يَدَيْهِ وَلَا من خَلفه تَنْزِيل من حَكِيم حميد﴾ قَالَ الله تَعَالَى وَهُوَ أصدق الْقَائِلين ورحمتي وسعت كل شَيْء فسأكتبها للَّذين يَتَّقُونَ وَيُؤْتونَ الزكوة وَالَّذين هم بآيتنا يُؤمنُونَ الَّذين يتبعُون الرَّسُول النَّبِي الْأُمِّي الَّذِي يجدونه مَكْتُوبًا عِنْدهم فِي التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل يَأْمُرهُم بِالْمَعْرُوفِ وينههم عَن الْمُنكر وَيحل لَهُم الطيبت وَيحرم عَلَيْهِم الخبئث وَيَضَع عَنْهُم اصرهم والأغلل الَّتِي كَانَت عَلَيْهِم فَالَّذِينَ آمنُوا بِهِ وعزروه ونصروه وَاتبعُوا النُّور الَّذِي أنزل مَعَه أُولَئِكَ هم المفلحون تَفْسِير قَوْله تَعَالَى اصرهم وقرىء آصارهم بِالْجمعِ قَالَ ابْن عَبَّاس يَعْنِي الْعَهْد الثقيل كَانَ أَخذ على بني إِسْرَائِيل بِالْعَمَلِ بِمَا فِي التَّوْرَاة وَقَالَ قَتَادَة يَعْنِي التَّشْدِيد الَّذِي كَانَ عَلَيْهِم فِي الدّين والأغلال يَعْنِي الأثقال الَّتِي كَانَت عَلَيْهِم وَذَلِكَ مثل قتل النَّفس

стр. 351

فِي التَّوْبَة وَقطع الْأَعْضَاء الْخَاطِئَة وقرض النَّجَاسَة عَن الثَّوْب بالمقراض وَتَعْيِين الْقصاص فِي الْقَتْل وَتَحْرِيم أَخذ الدِّيَة وَترك الْعَمَل فِي السبت وَإِن صلَاتهم لَا تجوز إِلَّا فِي الْكَنَائِس وَغير ذَلِك من الشدائد شبهت بالأغلال الَّتِي تجمع الْيَد إِلَى الْعُنُق قَالَه الْبَغَوِيّ فصل فِيمَا قَالَه دحْيَة فِي قدومه على قَيْصر وَفِي كِتَابه ﷺ الَّذِي كتبه إِلَى هِرقل وَأَنه مَوْجُود عِنْدهم إِلَى زَمَاننَا هَذَا وَمَا رويته فِي ذَلِك قَالَ السُّهيْلي قَالَ دحْيَة (أَلا هَل أَتَاهَا على نأيها ... بأنى قدمت على قَيْصر) (فقدرته بِصَلَاة الْمَسِيح ... وَكَانَت من الْجَوْهَر الْأَحْمَر) (وتدبير رَبك أَمر السَّمَاء ... وَالْأَرْض فاغضى وَلم يُنكر) (وَقلت تقر ببشرى الْمَسِيح ... فَقَالَ سَأَنْظُرُ قلت انْظُر) (فكاد يقر بِأَمْر الرَّسُول ... فَمَال إِلَى الْبَدَل الْأَعْوَر)

стр. 352

(فَشك وجاشت لَهُ نَفسه ... وجاشت نفوس بني الْأَصْفَر) (على وَضعه بيدَيْهِ الْكتاب ... على الرَّأْس وَالْعين والمنخر) (فَأصْبح قَيْصر من أمره ... بِمَنْزِلَة الْفرس الْأَشْقَر) أَرَادَ بالفرس الْأَشْقَر مثلا للْعَرَب يَقُولُونَ أشقر إِن تتأخر تعقر وَأَن تتقدم تنحر وَرُوِيَ أَن هِرقل وضع كتاب النَّبِي ﷺ فِي قَصَبَة من ذهب تَعْظِيمًا لَهُ وَأَنَّهُمْ لم يزَالُوا يتوارثونه كَابِرًا عَن كَابر فِي أرفع صوان وأعز مَكَان قَالَ الْجَوْهَرِي جعلت الثَّوْب فِي صوانه وصوانه بِالضَّمِّ وَالْكَسْر هُوَ مَا يصان فِيهِ قَالَ السُّهيْلي حَتَّى كَانَ يَعْنِي الْكتاب عِنْد اذفونش الَّذِي تغلب على طليطلة من بِلَاد الأندلس ثمَّ كَانَ عِنْد ابْن بنته الْمَعْرُوف بالسليطين قَالَ حَدثنِي بعض أَصْحَابنَا أَنه حَدثهُ من سَأَلَهُ رُؤْيَته من قواد أجناد الْمُسلمين كَانَ يعرف بِعَبْد الْملك بن سعيد قَالَ فَأخْرجهُ إِلَيّ فاستعبرت وَأَرَدْت تقبيله وَأَخذه من يَدي وَمَنَعَنِي من ذَلِك صِيَانة لَهُ وضنا بِهِ عَليّ وَيُقَال هِرقل وهرقل

стр. 353

يَقُول أَبُو عبد الله مُحَمَّد مؤلف هَذَا الْكتاب عَفا الله عَنهُ أَخْبرنِي أَبُو طَالب بن أبي مَدين نزيل بَيت الْمُقَدّس والمتوفي بِهِ ﵀ وَنحن إِذْ ذَاك بِالْمَدْرَسَةِ الشرابيشية من الْقَاهِرَة المعزية فِي شهر سنة بضع وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة وَأَنه أخبرهُ قَاضِي الْجَمَاعَة بِمَدِينَة فاس دَار الْملك بِبِلَاد الْمغرب ذهب عني اسْمه لما بَعثه السُّلْطَان أَبُو الْحسن المريني إِلَى اذفونش ملك الإفرنج بِمَدِينَة قرطبة من جَزِيرَة الأندلس قَالَ لي وَيَزْعُم أَنه من ذُرِّيَّة هِرقل سَأَلَهُ أَن يُرْسل إِلَيْهِ كتاب النَّبِي ﷺ لما بلغه أَنه بَاقٍ بِأَيْدِيهِم يتبرك بِهِ ويعيده إِلَيْهِم وَمَعَهُ أَرْبَعُونَ ألف دِينَار شكرانا لزيارته والتبرك بِهِ فَلَمَّا وصل القَاضِي إِلَى اذفونش وَأدّى الرسَالَة قَالَ فَجمع القسيسين وعلماء دينهم واستشارهم بِحُضُور القَاضِي فَأَبَوا ذَلِك على الْملك وَقَالُوا نَخَاف عَلَيْهِ الضَّيْعَة فِي الطَّرِيق عِنْد ذَهَابه ورجوعه لبعد الْمسَافَة والتعدية فِي الْبَحْر إِلَى بر الْمُسلمين قَالَ أَبُو طَالب قَالَ القَاضِي فَسَأَلت

стр. 354

وتشفعت عِنْد الْملك أَن أرَاهُ أَنا وأزوره فأنعم لي بذلك قَالَ فسرت وَمَعِي رَسُول من الْملك إِلَى إشبيلية وَكَانَ الْكتاب الْكَرِيم فِي كَنِيسَة بهَا قَالَ القَاضِي فَلَمَّا وصلنا دَعَا الرَّسُول بالبترك والمطران وَمَعَ كل وَاحِد مِنْهُمَا مِفْتَاح من ذهب وَإِذا هُوَ فِي خزانَة عالية عَن الأَرْض فكشفا رؤوسهما وَأَخْرَجَاهُ من صندوق من ذهب وَهُوَ مطوى فِي حَرِير أَبيض مبطن بالمسك قَالَ القَاضِي فحسرت عَن رَأْسِي وَفتحت الْكتاب وقبلته وقرأته وتبركت بِهِ وأعيد إِلَى مَكَانَهُ وَرجعت إِلَى السُّلْطَان أبي الْحسن فَلَمَّا رَآنِي بَكَى وَكَانَ قد بلغه الْخَبَر وَقبل عَيْني قَالَ أَبُو طَالب وَبَقِي على وَجه القَاضِي وضاءة لم تكن عَلَيْهِ قبل ذَلِك فصل فِي بعث أبي بكر ﵁ إِلَى هِرقل قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ قلت وَقد بعث أَبُو بكر ﵁ بعد رَسُول الله ﷺ إِلَى قَيْصر ثَانِيًا حَدثنَا سعد الْخَيْر بن مُحَمَّد الْأنْصَارِيّ عَن مُوسَى بن عقبَة أَن هِشَام بن الْعَاصِ ونعيم بن عبد الله ورجلا آخر قد

стр. 355

سَمَّاهُ بعثوا إِلَى ملك الرّوم فِي زمن أبي بكر ﵁ قَالَ فَدَخَلْنَا على جبلة بن الْأَيْهَم وَهُوَ بالغوطة وَإِذا عَلَيْهِ ثِيَاب سود وَإِذا كل شَيْء حوله أسود فَقَالَ لبست هَذِه نذرا فَلَا أَنْزعهَا حَتَّى أخرجكم من الشَّام كلهَا قُلْنَا فاتئد حَتَّى تمنع مجلسك وَالله لنأخذنه مِنْك وَملك الْملك الْأَعْظَم إِن شَاءَ الله أخبرنَا بذلك نَبينَا ﷺ قَالَ عِيَاض قَالَ صَاحب الْعين التؤدة التأني والرزانة يُقَال اتئد وتوأد التَّاء مبدلة من الْوَاو والتوأد من التؤدة قَالَ يَعْنِي جبلة فَأنْتم إِذا السمراء قُلْنَا نَحن السمراء قَالَ الْجَوْهَرِي الأسمران المَاء وَالْبر وَيُقَال المَاء وَالرِّيح والسمراء الْحِنْطَة والسمار بِالْفَتْح اللَّبن الرَّقِيق وتسمير اللَّبن ترقيقه بِالْمَاءِ والسمر المسامرة وَهُوَ الحَدِيث بِاللَّيْلِ فنسبة جبلة لَهُم من هَذِه الْمَادَّة وتسميتهم بِهِ وَالله أعلم ثمَّ قَالَ يَعْنِي جبلة لَسْتُم بهم قُلْنَا وَمن هم قَالَ هم الَّذين يَصُومُونَ النَّهَار
следующие страницы →