Полный текст (601 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
فِي التَّوْبَة وَقطع الْأَعْضَاء الْخَاطِئَة وقرض النَّجَاسَة عَن الثَّوْب بالمقراض وَتَعْيِين الْقصاص فِي الْقَتْل وَتَحْرِيم أَخذ الدِّيَة وَترك الْعَمَل فِي السبت وَإِن صلَاتهم لَا تجوز إِلَّا فِي الْكَنَائِس وَغير ذَلِك من الشدائد شبهت بالأغلال الَّتِي تجمع الْيَد إِلَى الْعُنُق قَالَه الْبَغَوِيّ
فصل
فِيمَا قَالَه دحْيَة فِي قدومه على قَيْصر وَفِي كِتَابه ﷺ الَّذِي كتبه إِلَى هِرقل وَأَنه مَوْجُود عِنْدهم إِلَى زَمَاننَا هَذَا وَمَا رويته فِي ذَلِك
قَالَ السُّهيْلي قَالَ دحْيَة
(أَلا هَل أَتَاهَا على نأيها ... بأنى قدمت على قَيْصر)
(فقدرته بِصَلَاة الْمَسِيح ... وَكَانَت من الْجَوْهَر الْأَحْمَر)
(وتدبير رَبك أَمر السَّمَاء ... وَالْأَرْض فاغضى وَلم يُنكر)
(وَقلت تقر ببشرى الْمَسِيح ... فَقَالَ سَأَنْظُرُ قلت انْظُر)
(فكاد يقر بِأَمْر الرَّسُول ... فَمَال إِلَى الْبَدَل الْأَعْوَر)
стр. 352
(فَشك وجاشت لَهُ نَفسه ... وجاشت نفوس بني الْأَصْفَر)
(على وَضعه بيدَيْهِ الْكتاب ... على الرَّأْس وَالْعين والمنخر)
(فَأصْبح قَيْصر من أمره ... بِمَنْزِلَة الْفرس الْأَشْقَر)
أَرَادَ بالفرس الْأَشْقَر مثلا للْعَرَب يَقُولُونَ أشقر إِن تتأخر تعقر وَأَن تتقدم تنحر
وَرُوِيَ أَن هِرقل وضع كتاب النَّبِي ﷺ فِي قَصَبَة من ذهب تَعْظِيمًا لَهُ وَأَنَّهُمْ لم يزَالُوا يتوارثونه كَابِرًا عَن كَابر فِي أرفع صوان وأعز مَكَان قَالَ الْجَوْهَرِي جعلت الثَّوْب فِي صوانه وصوانه بِالضَّمِّ وَالْكَسْر هُوَ مَا يصان فِيهِ
قَالَ السُّهيْلي حَتَّى كَانَ يَعْنِي الْكتاب عِنْد اذفونش الَّذِي تغلب على طليطلة من بِلَاد الأندلس ثمَّ كَانَ عِنْد ابْن بنته الْمَعْرُوف بالسليطين قَالَ حَدثنِي بعض أَصْحَابنَا أَنه حَدثهُ من سَأَلَهُ رُؤْيَته من قواد أجناد الْمُسلمين كَانَ يعرف بِعَبْد الْملك بن سعيد قَالَ فَأخْرجهُ إِلَيّ فاستعبرت وَأَرَدْت تقبيله وَأَخذه من يَدي وَمَنَعَنِي من ذَلِك صِيَانة لَهُ وضنا بِهِ عَليّ وَيُقَال هِرقل وهرقل
стр. 353
يَقُول أَبُو عبد الله مُحَمَّد مؤلف هَذَا الْكتاب عَفا الله عَنهُ أَخْبرنِي أَبُو طَالب بن أبي مَدين نزيل بَيت الْمُقَدّس والمتوفي بِهِ ﵀ وَنحن إِذْ ذَاك بِالْمَدْرَسَةِ الشرابيشية من الْقَاهِرَة المعزية فِي شهر سنة بضع وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة وَأَنه أخبرهُ قَاضِي الْجَمَاعَة بِمَدِينَة فاس دَار الْملك بِبِلَاد الْمغرب ذهب عني اسْمه لما بَعثه السُّلْطَان أَبُو الْحسن المريني إِلَى اذفونش ملك الإفرنج بِمَدِينَة قرطبة من جَزِيرَة الأندلس قَالَ لي وَيَزْعُم أَنه من ذُرِّيَّة هِرقل سَأَلَهُ أَن يُرْسل إِلَيْهِ كتاب النَّبِي ﷺ لما بلغه أَنه بَاقٍ بِأَيْدِيهِم يتبرك بِهِ ويعيده إِلَيْهِم وَمَعَهُ أَرْبَعُونَ ألف دِينَار شكرانا لزيارته والتبرك بِهِ فَلَمَّا وصل القَاضِي إِلَى اذفونش وَأدّى الرسَالَة قَالَ فَجمع القسيسين وعلماء دينهم واستشارهم بِحُضُور القَاضِي فَأَبَوا ذَلِك على الْملك وَقَالُوا نَخَاف عَلَيْهِ الضَّيْعَة فِي الطَّرِيق عِنْد ذَهَابه ورجوعه لبعد الْمسَافَة والتعدية فِي الْبَحْر إِلَى بر الْمُسلمين قَالَ أَبُو طَالب قَالَ القَاضِي فَسَأَلت
стр. 354
وتشفعت عِنْد الْملك أَن أرَاهُ أَنا وأزوره فأنعم لي بذلك قَالَ فسرت وَمَعِي رَسُول من الْملك إِلَى إشبيلية وَكَانَ الْكتاب الْكَرِيم فِي كَنِيسَة بهَا قَالَ القَاضِي فَلَمَّا وصلنا دَعَا الرَّسُول بالبترك والمطران وَمَعَ كل وَاحِد مِنْهُمَا مِفْتَاح من ذهب وَإِذا هُوَ فِي خزانَة عالية عَن الأَرْض فكشفا رؤوسهما وَأَخْرَجَاهُ من صندوق من ذهب وَهُوَ مطوى فِي حَرِير أَبيض مبطن بالمسك قَالَ القَاضِي فحسرت عَن رَأْسِي وَفتحت الْكتاب وقبلته وقرأته وتبركت بِهِ وأعيد إِلَى مَكَانَهُ وَرجعت إِلَى السُّلْطَان أبي الْحسن فَلَمَّا رَآنِي بَكَى وَكَانَ قد بلغه الْخَبَر وَقبل عَيْني قَالَ أَبُو طَالب وَبَقِي على وَجه القَاضِي وضاءة لم تكن عَلَيْهِ قبل ذَلِك
فصل فِي بعث أبي بكر ﵁ إِلَى هِرقل
قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ قلت وَقد بعث أَبُو بكر ﵁ بعد رَسُول الله ﷺ إِلَى قَيْصر ثَانِيًا حَدثنَا سعد الْخَيْر بن مُحَمَّد الْأنْصَارِيّ عَن مُوسَى بن عقبَة أَن هِشَام بن الْعَاصِ ونعيم بن عبد الله ورجلا آخر قد
стр. 355
سَمَّاهُ بعثوا إِلَى ملك الرّوم فِي زمن أبي بكر ﵁ قَالَ فَدَخَلْنَا على جبلة بن الْأَيْهَم وَهُوَ بالغوطة وَإِذا عَلَيْهِ ثِيَاب سود وَإِذا كل شَيْء حوله أسود فَقَالَ لبست هَذِه نذرا فَلَا أَنْزعهَا حَتَّى أخرجكم من الشَّام كلهَا قُلْنَا فاتئد حَتَّى تمنع مجلسك وَالله لنأخذنه مِنْك وَملك الْملك الْأَعْظَم إِن شَاءَ الله أخبرنَا بذلك نَبينَا ﷺ قَالَ عِيَاض قَالَ صَاحب الْعين التؤدة التأني والرزانة يُقَال اتئد وتوأد التَّاء مبدلة من الْوَاو والتوأد من التؤدة قَالَ يَعْنِي جبلة فَأنْتم إِذا السمراء قُلْنَا نَحن السمراء قَالَ الْجَوْهَرِي الأسمران المَاء وَالْبر وَيُقَال المَاء وَالرِّيح والسمراء الْحِنْطَة والسمار بِالْفَتْح اللَّبن الرَّقِيق وتسمير اللَّبن ترقيقه بِالْمَاءِ والسمر المسامرة وَهُوَ الحَدِيث بِاللَّيْلِ فنسبة جبلة لَهُم من هَذِه الْمَادَّة وتسميتهم بِهِ وَالله أعلم ثمَّ قَالَ يَعْنِي جبلة لَسْتُم بهم قُلْنَا وَمن هم قَالَ هم الَّذين يَصُومُونَ النَّهَار
стр. 356
ويقومون اللَّيْل قُلْنَا نَحن وَالله هم قَالَ فَكيف صومكم فوصفنا لَهُ صومنا قَالَ فَكيف صَلَاتكُمْ فوصفنا لَهُ صَلَاتنَا قَالَ فَالله يعلم لقد غشيه سَواد حَتَّى صَار وَجهه كَأَنَّهُ قِطْعَة طابق قَالَ الْجَوْهَرِي هُوَ الْآجر الْكَبِير فَارسي مُعرب وَقَالَ يَعْنِي جبلة قومُوا فَأمر بِنَا إِلَى الْملك فَانْطَلَقْنَا فلقينا الرَّسُول بِبَاب الْمَدِينَة فَقَالَ إِن شِئْتُم أتيتم ببغال وَإِن شِئْتُم أتيتم ببراذين فَقُلْنَا لَا وَالله لَا ندخل عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا نَحن قَالَ فَأرْسل إِلَيْهِ أَنهم يأبون قَالَ فَأرْسل أَن خل سبيلهم فَدَخَلْنَا معتمين متقلدين السيوف على الرَّوَاحِل
فَلَمَّا كُنَّا بِبَاب الْملك إِذا هُوَ فِي غرفَة لَهُ عالية فَنظر إِلَيْنَا فرفعنا رؤوسنا وَقُلْنَا لَا إِلَه إِلَّا الله فَالله يعلم لنفضت الغرفة كلهَا حَتَّى كَأَنَّهَا عذق نفضته الرّيح قَالَ الْجَوْهَرِي العذق بِالْفَتْح النَّخْلَة بحملها وَمِنْه قَول الْحباب بن الْمُنْذر فِي يَوْم السَّقِيفَة أَنا عذيقها المرجب والنفض بِالْفَاءِ التحريك يُقَال نفضت الشّجر إِذا حركته لينتفض ويشدد للْمُبَالَغَة والإنقاض بِالْقَافِ صويت مثل النقر وأنقض الْحمل ظَهره أَي أثقله وَأَصله الصَّوْت والنقيض صَوت المحامل والرحال قَالَ فَأرْسل إِلَيْنَا الْملك أَن هَذَا لَيْسَ لكم أَن تَجْهَرُوا بدينكم
стр. 357
عَليّ وَأرْسل أَن ادخُلُوا فَدَخَلْنَا فاذا هُوَ على فرَاش إِلَى السّقف وَإِذا عَلَيْهِ ثِيَاب حمر وَإِذا كل شَيْء عِنْده أَحْمَر وَإِذا عِنْده بطارقة الرّوم وَإِذا هُوَ يُرِيد يُكَلِّمنَا برَسُول فَقُلْنَا لَا وَالله لَا نكلمه برَسُول وَإِنَّمَا بعثنَا إِلَى الْملك فان كنت تحب أَن نكلمك فَأذن لنا نكلمك فَلَمَّا دَخَلنَا عَلَيْهِ ضحك وَإِذا هُوَ رجل فصيح يحسن الْعَرَبيَّة فَقُلْنَا لَا إِلَه إِلَّا الله فَالله يعلم لقد نقض السّقف حَتَّى رفع رَأسه هُوَ وَأَصْحَابه فَقَالَ مَا أعظم كلامكم عنْدكُمْ قُلْنَا هَذِه الْكَلِمَة قَالَ الَّتِي قُلْتُمُوهَا قبل قُلْنَا نعم قَالَ فاذا قُلْتُمُوهَا فِي بِلَاد عَدوكُمْ نقضت سقوفهم قُلْنَا لَا قَالَ فاذا قُلْتُمُوهَا فِي بِلَادكُمْ نقضت سقوفكم قُلْنَا لَا وَمَا رأيناها فعلت هَذَا وَإِنَّمَا هُوَ شَيْء عبرت بِهِ فَقَالَ مَا أحسن الصدْق فَمَا تَقولُونَ إِذا افتتحتم الْمَدَائِن قُلْنَا نقُول لَا إِلَه إِلَّا الله وَالله أكبر قَالَ تَقولُونَ لَا إِلَه إِلَّا الله لَيْسَ مَعَه شَيْء وَالله أكبر أكبر من كل شَيْء قُلْنَا نعم قَالَ فَمَا منعكم أَن تحيوني بِتَحِيَّة نَبِيكُم قُلْنَا إِن تَحِيَّة نَبينَا لَا تحل لَك وتحيتك لَا تحل لنا فنحييك بهَا قَالَ وَمَا تحيتكم قُلْنَا تَحِيَّة أهل الْجنَّة قَالَ وَبهَا كُنْتُم تحيون نَبِيكُم قُلْنَا نعم قَالَ وَبهَا يُحْيِيكُمْ قُلْنَا نعم فَمن كَانَ يُورث مِنْكُم قُلْنَا من كَانَ أقرب قرَابَة قَالَ وَكَذَلِكَ ملوككم قُلْنَا نعم
قَالَ فَأمر لنا بِنزل كثير ومنزل حسن فَمَكثْنَا ثَلَاثًا ثمَّ أرسل إِلَيْنَا لَيْلًا فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ وَلَيْسَ عِنْده أحد فاستعادنا كلامنا فأعدنا عَلَيْهِ فاذا عِنْده شبه الربعة الْعَظِيمَة مذهبَة قَالَ الْجَوْهَرِي الربعة جونة الْعَطَّار
стр. 358
فاذا فِيهَا أَبْوَاب صغَار فَفتح مِنْهَا بَابا فاستخرج مِنْهُ خرقَة حَرِير سَوْدَاء فِيهَا صُورَة بَيْضَاء فاذا رجل طوال أَكثر النَّاس شعرًا فَقَالَ أتعرفون هَذَا قُلْنَا لَا قَالَ هَذَا آدم ثمَّ أَعَادَهَا وَفتح بَابا آخر فاستخرج حريرة سَوْدَاء فِيهَا صُورَة فاذا رجل ضخم الرَّأْس عَظِيم لَهُ شعر كشعر القبط أعظم النَّاس أليتين أَحْمَر الْعَينَيْنِ فَقَالَ أتعرفون هَذَا قُلْنَا لَا قَالَ هَذَا نوح ثمَّ أَعَادَهُ وَفتح بَابا آخر فاستخرج خرقَة سَوْدَاء فِيهَا صُورَة بَيْضَاء فَقُلْنَا هَذَا النَّبِي مُحَمَّد ﷺ قَالَ وَالله هَذَا مُحَمَّد رَسُول الله قَالَ فَالله يعلم أَنه قَامَ ثمَّ قعد قَالَ آللَّهُ بدينكم أَنه نَبِيكُم قُلْنَا الله بديننا أَنه نَبينَا كَأَنَّمَا نَنْظُر إِلَيْهِ حَيا ثمَّ قَالَ أما إِنَّه كَانَ آخر الْأَبْوَاب وَلَكِنِّي عجلته لأنظر مَا عنْدكُمْ ثمَّ أَعَادَهُ وَفتح بَابا آخر فاستخرج خرقَة سَوْدَاء فِيهَا صُورَة بَيْضَاء فاذا رجل مقلص الشفتين غائر الْعَينَيْنِ متراكم الْأَسْنَان كثيف اللِّحْيَة عَابس فَقَالَ أتعرفون هَذَا قُلْنَا لَا قَالَ هَذَا مُوسَى وَإِلَى جنبه رجل يُشبههُ غير أَن فِي عَيْنَيْهِ ميلًا وَفِي رَأسه استدارة فَقَالَ هَذَا هَارُون ثمَّ رفعهما وَفتح بَابا آخر فاستخرج مِنْهُ خرقَة سَوْدَاء فِيهَا صُورَة بَيْضَاء أَو حَمْرَاء فاذا هُوَ رجل مَرْبُوع فَقَالَ أتعرفون هَذَا قُلْنَا لَا قَالَ هَذَا دَاوُد ثمَّ أَعَادَهُ وَفتح بَابا آخر واستخرج مِنْهُ حريرة أَو خرقَة سَوْدَاء
стр. 359
فاذا فِيهَا صُورَة بَيْضَاء ووإذا رجل رَاكب على فرس طَوِيل الرجلَيْن كل شَيْء مِنْهُ جنَاح تحفه الرّيح قَالَ أتعرفون هَذَا قُلْنَا لَا قَالَ هَذَا دانيال ثمَّ أَعَادَهُ وَفتح بَابا آخر فاستخرج مِنْهُ حريرة أَو خرقَة سَوْدَاء وفيهَا صُورَة بَيْضَاء فاذا صُورَة شَاب تعلوه صفرَة حسن اللِّحْيَة قَالَ أتعرفون هَذَا قُلْنَا لَا قَالَ هَذَا عِيسَى بن مَرْيَم ثمَّ أَعَادَهُ وَأمر بالربعة فَرفعت فَقُلْنَا هَذِه صُورَة نَبينَا قد عرفناها فانا قد رَأَيْنَاهُ فَهَذِهِ الصُّورَة الَّتِي لم نرها كَيفَ نَعْرِف أَنَّهَا هِيَ فَقَالَ إِن آدم ﵇ سَأَلَ ربه أَن يرِيه صُورَة نَبِي نَبِي فَأخْرج إِلَيْهِ صورهم فِي خرق الْحَرِير من الْجنَّة فأصابها ذُو القرنين فِي خزانَة آدم فِي مغرب الشَّمْس فَلَمَّا كَانَ دانيال صور هَذِه الصُّور وَهِي بِأَعْيَانِهَا فوَاللَّه لَو تطيب نَفسِي فِي الْخُرُوج عَن ملكي مَا باليت أَن أكون عبدا لأميركم ملكه وَلَكِن عَسى أَن تطيب نَفسِي قَالَ فَأحْسن جائزتنا وأخرجنا وَفِي رِوَايَة وَذكر فِي الْأَنْبِيَاء لوطا وَإِسْحَاق وَيَعْقُوب وَإِسْمَاعِيل ويوسف فَلَمَّا قدمنَا على أبي بكر حدّثنَاهُ فَبكى أَبُو بكر وَقَالَ مِسْكين لَو أَرَادَ الله بِهِ خيرا لفعل ثمَّ قَالَ أخبرنَا رَسُول الله ﷺ أَنهم وَالْيَهُود يَجدونَ نعت مُحَمَّد ﷺ قَالَ الله
стр. 360
تَعَالَى ﴿يجدونه مَكْتُوبًا عِنْدهم فِي التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل﴾
فصل فِي رِوَايَات مُخْتَلفَة جَاءَت فِي كتبه ﷺ إِلَى قَيْصر
ذكر أَبُو عبيد الْقَاسِم بن سَلام فِي كتاب الْأَمْوَال عَن عبد الله بن شَدَّاد قَالَ كتب رَسُول الله ﷺ إِلَى هِرقل من مُحَمَّد رَسُول الله إِلَى صَاحب الرّوم إِنِّي أَدْعُوك إِلَى الْإِسْلَام فان أسلمت فلك مَا للْمُسلمين وَعَلَيْك مَا عَلَيْهِم وَإِن لم تدخل فِي الْإِسْلَام فأعط الْجِزْيَة فان الله ﵎ يَقُول قَاتلُوا الَّذين لَا يُؤمنُونَ بِاللَّه وَلَا بِالْيَوْمِ الآخر وَلَا يحرمُونَ مَا حرم الله وَرَسُوله وَلَا يدينون دين الْحق من الَّذين اوتوا الْكتب حَتَّى يُعْطوا الْجِزْيَة عَن يَد وهم صاغرون وَإِلَّا فَلَا تحل بَين الفلاحين وَبَين الْإِسْلَام أَن يدخلُوا فِيهِ أَو يُعْطوا الْجِزْيَة
وَقَالَ قَوْله الفلاحين لم يرد الفلاحين خَاصَّة وَلكنه أَرَادَ أهل مَمْلَكَته جَمِيعًا وَذَلِكَ أَن الْعَجم عِنْد الْعَرَب فلاحون لأَنهم أهل زرع وحرث
стр. 361
وَفِي رِوَايَة عَنهُ قَالَ كتب رَسُول الله ﷺ إِلَى كسْرَى وَقَيْصَر قَالَ وَأما قَيْصر فَلَمَّا قَرَأَ الْكتاب طواه ثمَّ وَضعه فَبلغ ذَلِك رَسُول الله ﷺ فَقَالَ أما هَؤُلَاءِ فستكون لَهُم بَقِيَّة
وَفِي رِوَايَة عَنهُ عَن سعيد بن الْمسيب قَالَ كتب رَسُول الله ﷺ إِلَى كسْرَى وَقَيْصَر وَالنَّجَاشِي كتابا وَاحِدًا بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم من مُحَمَّد رَسُول الله ﷺ إِلَى كسْرَى وَقَيْصَر وَالنَّجَاشِي أما بعد تَعَالَوْا إِلَى كلمة سَوَاء بَيْننَا وَبَيْنكُم إِلَى قَوْله بانا مُسلمُونَ فَأَما كسْرَى فمزق كِتَابه وَلم ينظر فِيهِ فَقَالَ رَسُول الله ﷺ مزق ومزقت أمته وَأما قَيْصر فَقَالَ إِن هَذَا الْكتاب لم أره بعد سُلَيْمَان ﵇ بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم فَأرْسل إِلَى أبي سُفْيَان وَإِلَى الْمُغيرَة وَكَانَا تاجرين بِالشَّام فَسَأَلَهُمَا عَن النَّبِي ﷺ وَقَالَ بِأبي لَو كنت عِنْده لغسلت قَدَمَيْهِ ليملكن مَا تَحت قدمي فَقَالَ النَّبِي ﷺ إِن لَهُ مُدَّة
يَقُول مُؤَلفه عَفا الله عَنهُ وَهَذَا القَوْل مِنْهُ وَمَا أشبهه
стр. 362
مِمَّا تقدم من قَوْله ﷺ إِن لَهُ مُدَّة وَإِن لَهُم بَقِيَّة وَقَوله فِي تَرْجَمَة دحْيَة ثَبت وَثَبت ملكه من إِعْلَامه ﷺ بالمغيبات وَمَا هُوَ كَائِن إِلَى يَوْم الْقِيَامَة لِأَن ملك النَّصَارَى قَائِم ثَابت فِي مَشَارِق الأَرْض وَمَغَارِبهَا من زَمَنه ﷺ وهلم جرا إِلَى زمننا هَذَا نَحوا من سَبْعمِائة وَسبعين سنة كل ذَلِك ببركة إقرارهم لَهُ ﷺ من آمن مِنْهُم وَمن لم يُؤمن وَيبقى ملكهم إِلَى نزُول عِيسَى ﵇ كَمَا أخبر ﷺ وَجَاءَت بِهِ الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة ذكرهَا الْعلمَاء الثِّقَات فِي تواليفهم ﵃ وَفِي قصَّة أهل نَجْرَان وَحَدِيث المباهلة مَا يدلك على أَنهم لَو لَاعِنُوا لمسخوا قردة وَخَنَازِير ولاضطرم عَلَيْهِم الْوَادي نَارا وَلما حَال الْحول على النَّصَارَى كلهم حَتَّى هَلَكُوا كَمَا أخبر ﷺ وَيَأْتِي فِي كتَابنَا هَذَا عِنْد ذكر كِتَابه ﷺ إِلَى أهل نَجْرَان فَتَأَمّله هُنَاكَ ترى عجبا انْتهى
وَذكر ابْن عبد الحكم فِي فتوح مصر والإسكندرية أَن هِرقل أَرَادَ التَّوَجُّه بجيوشه فِي الْبَحْر إِلَى الْإسْكَنْدَريَّة ليمنعها من عَمْرو بن الْعَاصِ وَالصَّحَابَة فِي خلَافَة عمر بن الْخطاب ﵁ إعظاما لَهَا وَأمر أَن لَا يتَخَلَّف عَنهُ أحد من الرّوم وَقَالَ مَا بَقَاء الرّوم بعد الْإسْكَنْدَريَّة فرصعه الله وَمَات فِي سنة تسع عشرَة وَقيل فِي سنة عشْرين
стр. 363
بَاب فِي مكاتباته ﷺ إِلَى الْمُقَوْقس ملك مصر والإسكندرية وإرساله إِلَيْهِ وَمَا يتَعَلَّق بذلك من الْفَوَائِد
روينَا فِي كتاب فتوح مصر وَالْمغْرب وأخبار أَهلهَا لأبي الْقَاسِم عبد الرَّحْمَن بن عبد الله بن عبد الحكم الْقرشِي الْمصْرِيّ صَاحب الشَّافِعِي ﵀ قَالَ لما كَانَت سنة سِتّ من مهَاجر رَسُول الله ﷺ وَرجع من الْحُدَيْبِيَة بعث إِلَى الْمُلُوك فَقَامَ ذَات يَوْم على الْمِنْبَر فَحَمدَ الله وَأثْنى عَلَيْهِ وَتشهد ثمَّ قَالَ أما بعد فَإِنِّي أُرِيد أَن
стр. 364
أبْعث بَعْضكُم إِلَى مُلُوك الْعَجم فَلَا تختلفوا عَليّ كَمَا اخْتلفت بَنو إِسْرَائِيل على عِيسَى ابْن مَرْيَم ﵇ وَذَلِكَ أَن الله تَعَالَى أوحى إِلَى عِيسَى أَن ابْعَثْ إِلَى مُلُوك الأَرْض فَبعث الحواريين فَأَما الْقَرِيب مَكَانا فَرضِي وَأما الْبعيد مَكَانا فكره وَقَالَ لَا أحسن كَلَام من تبعثني إِلَيْهِ فَقَالَ عِيسَى اللَّهُمَّ أمرت الحواريين بالذين أَمرتنِي فَاخْتَلَفُوا عَليّ فَأوحى الله إِلَيْهِ أَنِّي سأكفيك فَأصْبح كل إِنْسَان يتَكَلَّم بِلِسَان الَّذِي وَجه إِلَيْهِم فَقَالَ الْمُهَاجِرُونَ يَا رَسُول الله وَالله لَا نَخْتَلِف عَلَيْك أبدا فِي شَيْء فمرنا وابعثنا فَبعث حَاطِب بن أبي بلتعة إِلَى الْمُقَوْقس صَاحب الْإسْكَنْدَريَّة
فَمضى حَاطِب بِكِتَاب رَسُول الله ﷺ فَلَمَّا انْتهى إِلَى الْإسْكَنْدَريَّة وجد الْمُقَوْقس فِي مجْلِس مشرف على الْبَحْر فَركب الْبَحْر فَلَمَّا حَاذَى مَجْلِسه أَشَارَ بِكِتَاب رَسُول الله ﷺ بَين إصبعيه فَلَمَّا رَآهُ أَمر بِالْكتاب فَقبض وَأمر بِهِ فاوصل إِلَيْهِ فَلَمَّا قَرَأَ الْكتاب قَالَ مَا مَنعه إِن كَانَ نَبيا أَن يَدْعُو عَليّ فيسلط عَليّ فَقَالَ لَهُ حَاطِب مَا منع عِيسَى ابْن مَرْيَم أَن يَدْعُو على من أَبى عَلَيْهِ أَن يفعل بِهِ وَيفْعل فَوَجَمَ سَاعَة
стр. 365
ثمَّ استعادها فَأَعَادَهَا عَلَيْهِ حَاطِب فَسكت فَقَالَ لَهُ حَاطِب إِنَّه كَانَ قبلك رجل يزْعم أَنه الرب الْأَعْلَى زَاد غَيره فَأَخذه الله نكال الْآخِرَة وَالْأولَى فانتقم الله بِهِ ثمَّ انتقم مِنْهُ فأعتبر بغيرك وَلَا يعْتَبر غَيْرك بك فَقَالَ إِن لنا دينا لن ندعه إِلَّا لما هُوَ خير مِنْهُ فَقَالَ حَاطِب ندعوك إِلَى دين الله وَهُوَ الْإِسْلَام الْكَافِي بِهِ الله فقد مَا سواهُ إِن هَذَا النَّبِي دَعَا النَّاس فَكَانَ أَشَّدهم عَلَيْهِ قُرَيْش وأعداهم لَهُ يهود وأقربهم مِنْهُ النَّصَارَى ولعمري مَا بِشَارَة مُوسَى بِعِيسَى إِلَّا كبشارة عِيسَى بِمُحَمد ﷺ وَمَا دعاءنا إياك إِلَى الْقُرْآن إِلَّا كدعائك أهل التَّوْرَاة إِلَى الْإِنْجِيل وكل نَبِي أدْرك قوما فهم من أمته فَالْحق عَلَيْهِم أَن يطيعوه فَأَنت مِمَّن أدْركهُ هَذَا النَّبِي ولسنا ننهاك عَن دين الْمَسِيح وَلَكنَّا نأمرك بِهِ فَقَالَ الْمُقَوْقس
стр. 366
إِنِّي قد نظرت فِي أَمر هَذَا النَّبِي فَوَجَدته لَا يَأْمر بمزهود فِيهِ وَلَا يُنْهِي إِلَّا عَن مَرْغُوب عَنهُ وَلم أَجِدهُ بالساحر الضال وَلَا الكاهن الْكَاذِب وَوجدت مَعَه آلَة النُّبُوَّة باخراج الخبء والإخبار بالنجوى وسأنظر
زَاد السُّهيْلي وَأهْدى لَهُ مَارِيَة بنت شَمْعُون وَأُخْتهَا سِيرِين أم عبد الرَّحْمَن بن حسان بن ثَابت وَغُلَامًا اسْمه مابور وَالْبَغْلَة وَكِسْوَة وَقَدحًا من قَوَارِير كَانَ يشرب فِيهِ النَّبِي ﷺ وكاتبه
قَالَ ابْن عبد الحكم ثمَّ قَرَأَ الْكتاب فاذا فِيهِ بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم من مُحَمَّد رَسُول الله ﷺ وَفِي رِوَايَة عبد الله وَرَسُوله إِلَى الْمُقَوْقس عَظِيم القبط سَلام على من اتبع الْهدى أما بعد فَإِنِّي أَدْعُوك بِدِعَايَةِ الْإِسْلَام فَأسلم تسلم وَأسلم يؤتك الله أجرك مرَّتَيْنِ وَفِي رِوَايَة فان توليت فَعَلَيْك إِثْم القبط يآهل الْكتاب تَعَالَوْا إِلَى كلمة سَوَاء بَيْننَا وَبَيْنكُم أَن لَا نعْبد إِلَّا الله وَلَا نشْرك بِهِ شَيْئا وَلَا يتَّخذ بَعْضنَا بَعْضًا أَرْبَابًا من دون الله فان توَلّوا فَقولُوا اشْهَدُوا بِأَنا مُسلمُونَ ثمَّ أَخذه وَجعله فِي حق من عاج وَختم عَلَيْهِ وَدفعه إِلَى جَارِيَة لَهُ
стр. 367
وَفِي رِوَايَة عَنهُ قَالَ أرسل الْمُقَوْقس إِلَى حَاطِب لَيْلَة وَلَيْسَ عِنْده أحد إِلَّا ترجمان لَهُ فَقَالَ أَلا تُخبرنِي عَن أُمُور أَسأَلك عَنْهَا فَإِنِّي أعلم أَن صَاحبك قد تخيرك حِين بَعثك قَالَ لَا تَسْأَلنِي عَن شَيْء إِلَّا صدقتك قَالَ إِلَى مَا يَدْعُو مُحَمَّد ﷺ قَالَ إِلَى أَن نعْبد الله وَلَا نشْرك بِهِ شَيْئا ونخلع مَا سواهُ ويأمرنا بِالصَّلَاةِ قَالَ فكم تصلونَ قَالَ خمس صلوَات فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة وَصِيَام شهر رَمَضَان وَحج الْبَيْت وَالْوَفَاء بالعهد وَينْهى عَن أكل الْميتَة وَالدَّم قَالَ من أَتْبَاعه قَالَ الفتيان من قومه وَغَيرهم قَالَ فَهَل يُقَاتل قومه قَالَ نعم قَالَ صفه لي قَالَ فوصفته بِصفة من صفته لم آتٍ عَلَيْهَا قَالَ قد بقيت أَشْيَاء لم أرك ذكرتها فِي عَيْنَيْهِ حمرَة قل مَا تُفَارِقهُ وَبَين كَتفيهِ خَاتم النُّبُوَّة يركب الْحمار ويلبس الشملة ويجتزئ بالتمرات وَالْكَسْر لَا يُبَالِي من لَاقَى من عَم وَلَا ابْن عَم قلت هَذِه صفته قَالَ قد كنت أعلم أَن نَبيا قد بَقِي وَقد كنت أَظن أَن مخرجه الشَّام وَهُنَاكَ كَانَت تخرج الْأَنْبِيَاء من قبله فَأرَاهُ قد
стр. 368
خرج فِي الْعَرَب فِي أَرض جهد وبؤس والقبط لَا تطاوعني فِي اتِّبَاعه وَلَا أحب أَن يعلم بمحاورتي إياك وسيظهر على الْبِلَاد وَينزل أَصْحَابه من بعده بساحتنا هَذِه حَتَّى يظهروا على مَا هَهُنَا وَأَنا لَا أذكر للقبط من هَذَا حرفا فَارْجِع إِلَى صَاحبك ثمَّ دَعَا كَاتبا يكْتب بِالْعَرَبِيَّةِ فَكتب إِلَى النَّبِي ﷺ لمُحَمد بن عبد الله وَزَاد غَيره بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم من الْمُقَوْقس عَظِيم القبط سَلام عَلَيْك أما بعد فقد قَرَأت كتابك وفهمت مَا ذكرت فِيهِ وَمَا تَدْعُو إِلَيْهِ وَقد علمت أَن نَبيا قد بَقِي وَقد كنت أَظن أَنه يخرج بِالشَّام وَقد أكرمت رَسُولك وَبعثت إِلَيْك بجاريتين لَهما مَكَان فِي القبظ الْعَظِيم وبكسوة وَأهْديت إِلَيْك بغلة لتركبها وَالسَّلَام عَلَيْك
وَلم يزدْ على هَذَا وَلم يسلم والجاريتان مَارِيَة وَسِيرِين وَالْبَغْلَة دُلْدُل بقيت إِلَى زمن مُعَاوِيَة
وَفِي رِوَايَة عَنهُ قَالَ إِن الْمُقَوْقس لما أَتَاهُ كتاب النَّبِي ﷺ ضمه
стр. 369
إِلَى صَدره وَقَالَ هَذَا زمَان يخرج فِيهِ النَّبِي الَّذِي نجد نَعته وَصفته فِي كتاب الله وَإِنَّا لنجد صفته أَنه لَا يجمع بَين أُخْتَيْنِ فِي ملك يَمِين وَلَا نِكَاح وَأَنه يقبل الْهَدِيَّة وَلَا يقبل الصَّدَقَة وَأَن جلساءه الْمَسَاكِين وَأَن خَاتم النُّبُوَّة بَين كَتفيهِ ثمَّ دَعَا رجلا عَاقِلا ثمَّ لم يدع بِمصْر أحسن وَلَا أجمل من مَارِيَة وَأُخْتهَا وهما من أهل حفن من كورة أنصنا فَبعث بهما إِلَى رَسُول الله ﷺ وَأهْدى لَهُ بغلة شهباء وَحِمَارًا أَشهب وثيابا من قَبَاطِي مصر وَعَسَلًا من عسل بنها وَبعث إِلَيْهِ بِمَال صَدَقَة وَأمر رَسُوله أَن ينظر من جُلَسَاؤُهُ وَينظر إِلَى ظَهره هَل يرى شامة كَبِيرَة ذَات شعر فَفعل ذَلِك الرَّسُول
فَلَمَّا قدم على رَسُول الله ﷺ قدم إِلَيْهِ الْأُخْتَيْنِ والدابتين وَالْعَسَل وَالثيَاب وأعلمه أَن ذَلِك كُله هَدِيَّة فَقبل رَسُول الله ﷺ الْهَدِيَّة وَكَانَ لَا يردهَا من أحد من النَّاس قَالَ فَلَمَّا نظر إِلَى مَارِيَة وَأُخْتهَا أعجبتاه وَكره أَن يجمع بَينهمَا وَكَانَت إِحْدَاهمَا تشبه الْأُخْرَى فَقَالَ اللَّهُمَّ اختر لنبيك فَاخْتَارَ الله لَهُ مَارِيَة وَذَلِكَ أَنه قَالَ لَهما قولا نشْهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّد عَبده وَرَسُوله فبدرت مَارِيَة فتشهدت وَآمَنت
стр. 370
قبل أُخْتهَا وَمَكَثت أُخْتهَا سَاعَة ثمَّ تشهدت وَآمَنت فوهب رَسُول الله ﷺ أُخْتهَا لمُحَمد بن مسلمة الْأنْصَارِيّ وَقَالَ بَعضهم بل وَهبهَا لدحية بن خَليفَة الْكَلْبِيّ
وَرُوِيَ يَعْنِي ابْن عبد الحكم عَن عبد الله بن عَمْرو قَالَ دخل رَسُول الله ﷺ على أم إِبْرَاهِيم أم وَلَده الْقبْطِيَّة فَوجدَ عِنْدهَا نسيبا كَانَ لَهَا قدم مَعهَا من مصر وَكَانَ كثيرا مَا يدْخل عَلَيْهَا فَوَقع فِي نَفسه شَيْء فَرجع فَلَقِيَهُ عمر بن الْخطاب ﵁ فَعرف ذَلِك فِي وَجهه فَسَأَلَهُ فَأخْبرهُ فَأخذ عمر السَّيْف ثمَّ دخل على مَارِيَة وقريبها عِنْدهَا فَأَهوى عَلَيْهِ بِالسَّيْفِ فَلَمَّا رأى ذَلِك كشف عَن نَفسه وَكَانَ مجبوبا لَيْسَ بَين رجلَيْهِ شَيْء فَلَمَّا رَآهُ عمر رَجَعَ إِلَى رَسُول الله ﷺ فَأخْبرهُ فَقَالَ إِن جِبْرِيل أَتَانِي فَأَخْبرنِي أَن الله تَعَالَى قد برأها وقريبها وَأَن فِي بَطنهَا غُلَاما مني وانه أشبه الْخلق بِي وَأَمرَنِي أَن أُسَمِّيهِ إِبْرَاهِيم وَكَنَّانِي بِأبي إِبْرَاهِيم وَيُقَال إِن الْمُقَوْقس بعث مَعهَا بخصى فَكَانَ يأوى إِلَيْهَا
وَرُوِيَ أَيْضا عَن يحيى بن عبد الرَّحْمَن بن حَاطِب عَن أَبِيه عَن جده حَاطِب قَالَ بَعَثَنِي رَسُول الله ﷺ إِلَى الْمُقَوْقس فأنزلني فِي منزل فأقمت عِنْده ليَالِي ثمَّ بعث إِلَيّ وَقد جمع بطارقته فَقَالَ إِنِّي
стр. 371
أُكَلِّمك بِكَلَام وَأحب أَن تفهمه عني قَالَ قلت هَلُمَّ قَالَ أَخْبرنِي عَن صَاحبك أَلَيْسَ هُوَ نَبِي قَالَ قلت بلَى هُوَ رَسُول الله ﷺ قَالَ فَمَا لَهُ حَيْثُ كَانَ هَكَذَا لم يدع على قومه حَيْثُ أَخْرجُوهُ من بَلَده إِلَى غَيرهَا قَالَ قلت لَهُ فعيسى ابْن مَرْيَم تشهد أَنه رَسُول الله فَمَا لَهُ حَيْثُ أَخذه قومه فأرادوا أَن يصلبوه أَلا يكون دَعَا عَلَيْهِم بِأَن يُهْلِكهُمْ الله حَتَّى رَفعه الله إِلَيْهِ فِي السَّمَاء الدُّنْيَا فَقَالَ أَنْت حَكِيم جَاءَ من عِنْد حَكِيم هَذِه هَدَايَا أبْعث بهَا مَعَك إِلَى مُحَمَّد ﷺ وَأرْسل مَعَك مبذرقة يبذرقونك إِلَى مأمنك قَالَ فأهدى لرَسُول الله ﷺ ثَلَاث جوَار مِنْهُنَّ أم إِبْرَاهِيم وَوَاحِدَة وَهبهَا رَسُول الله لأبي جهم ابْن حُذَيْفَة الْعَبدَرِي وَوَاحِدَة وَهبهَا لحسان بن ثَابت وَأرْسل إِلَيْهِ بِثِيَاب مَعَ طرف من طرفهم فَولدت مَارِيَة إِبْرَاهِيم فَكَانَ من أحب النَّاس إِلَيْهِ حَتَّى مَاتَ فَوجدَ بِهِ
وَرُوِيَ عَن يزِيد بن أبي حبيب قَالَ وَكَانَت البغلة وَالْحمار أحب دوابه إِلَيْهِ وَأَعْجَبهُ الْعَسَل فَدَعَا فِي عسل بنها بِالْبركَةِ وَبقيت تِلْكَ الثِّيَاب حَتَّى كفن فِي بَعْضهَا
стр. 372
وَرُوِيَ عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَن رَسُول الله ﷺ صلى على ابْنه إِبْرَاهِيم ورش المَاء على قَبره
وَعَن جَابر قَالَ أَخذ رَسُول الله ﷺ بيد عبد الرَّحْمَن بن عَوْف فَانْطَلق بِهِ إِلَى النّخل الَّذِي فِيهِ ابْنه إِبْرَاهِيم فَوَجَدَهُ يجود بِنَفسِهِ فَأَخذه فَوَضعه فِي حجره ثمَّ بَكَى فَقَالَ أَبُو بكر وَعمر ﵄ أَنْت أَحَق من علم لله حَقه قَالَ تَدْمَع الْعين وَقَالَ عبد الرَّحْمَن تبْكي أولم تكن نهيت عَن الْبكاء قَالَ لَا وَلَكِنِّي نهيت عَن صَوْتَيْنِ أَحْمَقَيْنِ فاجرين صَوت عِنْد مُصِيبَة خَمش وُجُوه وشق جُيُوب وَرَنَّة شَيْطَان وَصَوت عِنْد نَغمَة لَهو وَمَزَامِير شَيْطَان وَهَذِه رَحْمَة وَمن لَا يرحم لَا يرحم وَلَوْلَا أَنه أَمر حق ووعد صدق وَأَنَّهَا سَبِيل مأتية لحزنا عَلَيْك حزنا هُوَ أَشد من هَذَا وَإِنَّا بك يَا إِبْرَاهِيم لَمَحْزُونُونَ يحزن الْقلب وتدمع الْعين وَلَا نقُول مَا يسْخط الرب
وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ لما ولدت مَارِيَة قَالَ رَسُول الله ﷺ أعْتقهَا وَلَدهَا وَكَانَ سنه يَوْم مَاتَ سِتَّة عشر شهرا
стр. 373
فَقَالَ رَسُول الله ﷺ إِن لَهُ ظِئْرًا فِي الْجنَّة يتم رضاعه وَكَانَ اسْم أُخْت مَارِيَة قيصرا وَقيل سِيرِين
وروى ابْن عبد الحكم أَيْضا أَن الْحسن بن عَليّ ﵄ كلم مُعَاوِيَة فِي أَن يضع الْخراج عَن جَمِيع قَرْيَة أم إِبْرَاهِيم فَفعل لقَوْله ﷺ لَو بَقِي إِبْرَاهِيم مَا تركت قبطيا إِلَّا وضعت عَنهُ الْجِزْيَة وَكَانَ أهل الْقرْيَة من أَهلهَا وأقربائها فانقطعوا إِلَّا بَيْتا وَاحِدًا قد بَقِي مِنْهُم أنَاس
وَاسم الْقرْيَة حفن من كورة أنصنا بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْفَاء قَالَه السُّهيْلي
وَكَانَت وفاتها فِي الْمحرم سنة خمس عشرَة ودفنت بِالبَقِيعِ وَصلى عَلَيْهَا عمر بن الْخطاب ﵁
فصل
قَالَ ابْن عبد الحكم ثمَّ إِن أَبَا بكر الصّديق رَضِي الله عَنهُ
стр. 374
بعد وَفَاة رَسُول الله ﷺ بعث حَاطِب بن أبي بلتعة أَيْضا إِلَى الْمُقَوْقس فَصَالحهُمْ فَمر على نَاحيَة قرى الشرقية فهادنهم وَأَعْطوهُ فَلم يزَالُوا على ذَلِك حَتَّى دَخلهَا عَمْرو بن الْعَاصِ فقاتلوه فَانْتقضَ ذَلِك الْعَهْد وَالصُّلْح قَالَ وَهِي أول هدنة كَانَت بِمصْر وَذَلِكَ سنة عشْرين فِي خلَافَة عمر بن الْخطاب ﵁ قَالَ وَاسم أبي بلتعة عَمْرو ابْن حَاطِب لخمي وَفِي ذَلِك يَقُول حسان بن ثَابت فِي أَبْيَات ذكر فِيهَا رسل رَسُول الله ﷺ إِلَى الْمُلُوك
(قل لرسل النَّبِي صَاح إِلَى النَّاس ... شُجَاع ودحية بن خليفه)
(ولعمرو وحاطب وسليط ... ولعمرو وَذَاكَ رَأس الصحيفه)
الأول عَمْرو بن الْعَاصِ وَالثَّانِي عَمْرو بن أُميَّة الضمرِي لِأَنَّهُ كَانَ أول رسله كَمَا تقدم عِنْد ذكر النَّجَاشِيّ فَلذَلِك وَالله أعلم قَالَ حسان وَذَاكَ رَأس الصَّحِيفَة
وَذكر ابْن الْجَوْزِيّ فِي كِتَابه الوفا أَنه لما وصل كتاب رَسُول الله ﷺ إِلَى الْمُقَوْقس مَعَ حَاطِب وَكتب فِي جَوَابه قد كنت علمت أَن نَبيا قد بَقِي وَقد أكرمت رَسُولك وَأهْدى أليه أَربع جوَار مِنْهَا مَارِيَة وَحِمَارًا يُقَال لَهُ عفير وَبغلة يُقَال لَهُ الدلْدل وَلم يسلم فَقَالَ رَسُول الله ﷺ ضن الْخَبيث بِملكه وَلَا بَقَاء لملك فَقبل رَسُول الله ﷺ هديته وَاصْطفى مَارِيَة لنَفسِهِ فَأَتَت بإبراهيم ونفق الْحمار مُنْصَرفه من
стр. 375
حجَّة الْوَدَاع وَبقيت البغلة إِلَى زمَان مُعَاوِيَة وَكَانَت بَيْضَاء وَلم يكن يَوْمئِذٍ فِي الْعَرَب غَيرهَا يَقُول مُؤَلفه عَفا الله عَنهُ تَأمل رَحِمك الله قَوْله ﷺ وَلَا بَقَاء لملك بِخِلَاف مَا قَالَ لهرقل ثَبت ملكه وَإِن لَهُ مُدَّة فَلذَلِك لم يقم للقبط ملك بعد الْمُقَوْقس وَإِلَى زَمَاننَا هَذَا إِلَّا أَن النَّبِي ﷺ دَعَا لَهُم وَأوصى عَلَيْهِم كَمَا يَأْتِي ذكره فِي هَذَا إِن شَاءَ الله تَعَالَى
وَمن غَرِيب مَا أرويه فِي هَذَا الْمَعْنى وشاهدته عيَانًا أَنه توزر فِي أَيَّام السُّلْطَان حسن بن مُحَمَّد بن قلاوون إِنْسَان من القبط يُسمى بِابْن زنبور وَكَانَ قد تمكن تمَكنا عَظِيما فِي مملكة مصر فرأيته يَوْمًا وَقد ركب فِي الْمحمل وَهُوَ فِي هَيْئَة ضخمة على هَيْئَة ركُوب الْمُلُوك ومناد يُنَادي بَين يَدَيْهِ شاباش يَا ملك الْعَصْر وَالزَّمَان فَمَا مر إِلَّا أَيَّام قَلَائِل حَتَّى أَخذ وَنكل بِهِ أعظم النكال إِلَى أَن مَاتَ فَعمِلت أَن ذَلِك من معنى قَوْله ﷺ وَلَا بَقَاء لملك يَعْنِي فِي القبط كَمَا أَن الْفرس لَا يكون فيهم ملك كَمَا أخبر ﷺ ﴿وَمَا ينْطق عَن الْهوى﴾
قَوْله شاباش هَذِه لَفْظَة تقال أَمَام مُلُوك مصر فِي زمننا عِنْد
стр. 376
ركوبهم وَلها اشتقاق من اللُّغَة قَالَ الْجَوْهَرِي أشبيت الرجل رفعته وأكرمته وأشبت الشَّجَرَة ارْتَفَعت وأشبى الرجل أَي ولد لَهُ ولد ذكي وأشبى فلَانا وَلَده أَي أشبهوه فَكَأَن الْقَائِل أَرَادَ رفْعَة الْملك وإكرامه
فصل فِي خبر الْمُغيرَة بن شُعْبَة مَعَ الْمُقَوْقس وَسبب إِسْلَامه
روى ابْن الْجَوْزِيّ أَن الْمُغيرَة بن شُعْبَة خرج إِلَى الْمُقَوْقس قبل إِسْلَامه مَعَ بني مَالك وَأَنَّهُمْ لما دخلُوا على الْمُقَوْقس قَالَ لَهُم كَيفَ خلصتم إِلَيّ وَمُحَمّد وَأَصْحَابه بيني وَبَيْنكُم قَالُوا لصقنا بالبحر قَالَ فَكيف صَنَعْتُم فِيمَا دعَاكُمْ إِلَيْهِ قَالُوا مَا تبعه منا رجل وَاحِد قَالَ وَلم قَالُوا جَاءَ بدين مُجَدد لَا يدين بِهِ الْآبَاء وَلَا يدين بِهِ الْملك وَنحن على مَا كَانَ عَلَيْهِ آبَاؤُنَا قَالَ فَكيف صنع قومه قَالُوا تبعه أحداثهم وَقد لاقاه من خَالفه من قومه وَغَيرهم من الْعَرَب فِي مَوَاطِن كَثِيرَة تكون عَلَيْهِم الدائرة وَمرَّة تكون لَهُم قَالَ أَلا
стр. 377
تخبروني وتصدقوني إِلَى مَاذَا يَدْعُو قَالُوا يَدْعُو إِلَى أَن نعْبد الله وَحده لَا شريك لَهُ ونخلع مَا كَانَ يعبد آبَاؤُنَا وَيَدْعُو إِلَى الصَّلَاة وَالزَّكَاة قَالَ وَمَا الصَّلَاة وَالزَّكَاة ألهما وَقت يعرف وَعدد يَنْتَهِي إِلَيْهِ قَالَ يصلونَ فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة خمس صلوَات كلهَا لمواقيت وَعدد قد سموهُ ويؤدون من كل مَا بلغ عشْرين مِثْقَالا ثمَّ أخبرهُ بِصَدقَة الْأَمْوَال قَالَ فَإِذا أَخذهَا أَيْن يَضَعهَا قَالُوا يردهَا إِلَى فقرائهم وَيَأْمُر بصلَة الرَّحِم ووفاء الْعَهْد وَتَحْرِيم الرِّبَا وَالزِّنَا وَالْخمر وَلَا يَأْكُل مَا ذبح لغير الله قَالَ هُوَ نَبِي مُرْسل إِلَى النَّاس كَافَّة وَلَو أصَاب القبط وَالروم تبعوه وَقد أَمرهم بذلك عِيسَى ابْن مَرْيَم وَهَذَا الَّذِي تصفون مِنْهُ بعثت لَهُ الْأَنْبِيَاء من قبله وستكون لَهُ الْعَاقِبَة حَتَّى لَا ينازعه أحد وَيظْهر دينه إِلَى مُنْتَهى الْخُف والحافر ومنقطع الْبَحْر ويوشك قومه أَن يدافعوا بِهِ الرِّيَاح فَقُلْنَا لَو دخل النَّاس كلهم مَعَه مَا دَخَلنَا فأنغض رَأسه وَقَالَ أَنْتُم فِي اللّعب ثمَّ قَالَ كَيفَ نسبه فِي قومه قُلْنَا هُوَ وَسطهمْ نسبا قَالَ كَذَلِك الْمَسِيح والأنبياء ﵈ تبْعَث فِي نسب من قَومهَا قَالَ فَكيف صدق حَدِيثه قَالَ قُلْنَا مَا يُسمى إِلَّا الْأمين من صدقه قَالَ انْظُرُوا فِي
стр. 378
أَمركُم أترونه يصدق فِيمَا بَيْنكُم وَبَينه ويكذب على الله قَالَ فَمن اتبعهُ قُلْنَا الْأَحْدَاث قَالَ هم والمسيح أَتبَاع الْأَنْبِيَاء قبله قَالَ فَمَا فعلت يهود يثرب فهم أهل التَّوْرَاة قُلْنَا خالفوه فأوقع بهم فَقَتلهُمْ وسباهم وَتَفَرَّقُوا فِي كل وَجه قَالَ هم قوم حسد حسدوه أما إِنَّهُم يعْرفُونَ من أمره مثل مَا نَعْرِف
قَالَ الْمُغيرَة فقمنا من عِنْده وَقد سمعنَا كلَاما ذللنا لمُحَمد ﷺ وخضعنا وَقُلْنَا مُلُوك الْعَجم يصدقونه ويخافونه فِي بعد أرحامهم مِنْهُ وَنحن أقرباؤه وجيرانه لم ندخل مَعَه وَقد جَاءَنَا دَاعيا إِلَى مَنَازلنَا
وَذكر صَاحب الْهدى إِن الْمُغيرَة بن شُعْبَة لما كَانَ فِي صلح الْحُدَيْبِيَة قَائِما على رَأس رَسُول الله ﷺ بعد أَن أسلم وَمَعَهُ السَّيْف وَجعل عُرْوَة بن مَسْعُود الثَّقَفِيّ يهوي بِيَدِهِ إِلَى لحية رَسُول الله فَضرب يَده بنعل السَّيْف وَقَالَ أخر يدك عَن لحية رَسُول الله ﷺ فَرفع عُرْوَة رَأسه وَقَالَ من ذَا فَقَالُوا الْمُغيرَة بن شُعْبَة فَقَالَ أَي غدر أَو لست أسعى فِي غدرتك
стр. 379
فَلَمَّا قدم وَفد ثَقِيف على رَسُول الله ﷺ وَفِيهِمْ عُرْوَة بن مَسْعُود مُسلمين قَالَ الْمُغيرَة يَا رَسُول الله أنزل قومِي عَليّ فأكرمهم فَإِنِّي حَدِيث الْجرْح فيهم فَقَالَ رَسُول الله ﷺ لَا أمنعك أَن تكرم قَوْمك وَكَانَ من جرح الْمُغيرَة فِي قومه أَنه كَانَ أَجِيرا لثقيف وَأَنَّهُمْ أَقبلُوا من مصر حَتَّى إِذا كَانُوا بِبَعْض الطَّرِيق عدا عَلَيْهِم وهم نيام فَقَتلهُمْ ثمَّ أقبل بِأَمْوَالِهِمْ حَتَّى أَتَى رَسُول الله ﷺ فَأسلم فَقَالَ أما الْإِسْلَام فَأقبل وَأما المَال فلست مِنْهُ فِي شَيْء وأبى أَن يُخَمّس مَا مَعَه فَكَانَ ذَلِك سَبَب إِسْلَام الْمُغيرَة بن شُعْبَة ﵁
فصل
وروى الْوَاقِدِيّ بِسَنَدِهِ عَن حميد الطَّوِيل يرفعهُ إِلَى ابْن إِسْحَاق قَالَ لما هَاجر رَسُول الله ﷺ من مَكَّة إِلَى الْمَدِينَة كتب إِلَى مُلُوك الأَرْض وَفِي جملَة من كتب إِلَى الْمُقَوْقس ملك مصر والإسكندرية وَكَانَ الَّذِي كتبه أَبُو بكر ﵁ ونسخته
стр. 380
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم من مُحَمَّد رَسُول الله إِلَى صَاحب مصر أما بعد فَإِن الله أَرْسلنِي رَسُولا وَأنزل عَليّ قُرْآنًا وَأَمرَنِي بالإعذار والإنذار ومقاتلة الْكفَّار حَتَّى يدينوا بديني وَيدخل النَّاس فِي ملتي وَقد دعوتك إِلَى الْإِقْرَار بوحدانيته فَإِن فعلت سعدت وَإِن أَنْت أَبيت شقيت وَالسَّلَام
ثمَّ طوى الْكتاب وختمه بِخَاتمِهِ ثمَّ قَالَ أَيهَا النَّاس أَيّكُم ينْطَلق بكتابي هَذَا إِلَى صَاحب مصر وأجره على الله قَالَ فَوَثَبَ إِلَيْهِ حَاطِب بن أبي بلتعة الْقرشِي وَقَالَ أَنا يَا رَسُول الله قَالَ بَارك الله فِيك يَا حَاطِب
قَالَ فَأخذت الْكتاب وودعته وسرت إِلَى منزلي وشددت على رَاحِلَتي وودعت أَهلِي واستقمت على طَرِيق جادة مصر
стр. 381
فَلَمَّا بَعدت عَن الْمَدِينَة بِثَلَاثَة أَيَّام أشرفت على مَاء لبني بدر فَأَرَدْت أَن أورد نَاقَتي المَاء وَإِذا أَنا برجلَيْن راكبين على ناقتين ومعهما رجل على جواد أدهم فَلَمَّا رَأَيْتهمْ وقفت وَإِذا بالفارس قد لَحِقَنِي وَقَالَ لي من أَيْن أَقبلت وَإِلَى أَيْن تُرِيدُ فَقلت يَا هَذَا لَا تسْأَل عَمَّا لَا يَعْنِيك فَتَقَع فِيمَا يخزيك ويرديك أَنا عَابِر سَبِيل وسالك طَرِيق قَالَ مَا إياك أردنَا وَلَا نَحْوك قصدنا نَحن قوم لنا دم وثأر عِنْد مُحَمَّد بن عبد الله ﷺ وَقد جِئْت أَنا وَهَذَانِ الرّجلَانِ وَقد تحالفنا أَن لَا نَبْرَح حَتَّى نأتيه على غَفلَة فَلَعَلَّنَا نجد مِنْهُ غرَّة فنقتله قَالَ حَاطِب فِي نَفسه وَالله لَئِن مكنني الله مِنْهُم لأجعلن جهادي فيهم وَلَيْسَ لي إِلَّا الخديعة وَقد سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول الْحَرْب خدعة فَبَيْنَمَا
стр. 382
أَنا أخاطبه وَإِذا بالراكبين على الناقتين قد قصداني وَقَالا لي بفظاظة وغلاظة لَعَلَّك من أَصْحَاب مُحَمَّد ﷺ فَقلت لَهما لقد كَادَت تضل بكما الطَّرِيق عَن سَبِيل التَّحْقِيق وَإِنِّي رجل مثلكما أطلب مَا تطلبان وَإِنِّي قَاصد يثرب وَقد عولت على صحبتكم لأَكُون مَعكُمْ وَلَكِن قد سَمِعت فِي طريقي هَذِه مِمَّن أَثِق بِهِ أَن مُحَمَّدًا وَجه رجلا من أَصْحَابه إِلَى مصر بِكِتَاب وَلَعَلَّه فِي هَذَا الْوَادي مكمنا أَشرت إِلَى وَاد بالبعد مني يُقَال لَهُ وَادي الْأَرَاك وَكَثِيرًا مَا كنت فِيهِ وَلَكِن أرْسلُوا معي أثبتكم جنَانًا وأحدكم سِنَانًا حَتَّى نكشف هَذَا الْوَادي فَإِن وقعنا بِهِ قَتَلْنَاهُ قَالَ لي صَاحب الْفرس أَنا أَسِير مَعَك ثمَّ تقدم أَمَامِي وَترك صَاحِبيهِ واقفين قَالَ حَاطِب فَلَمَّا بَعدت بِهِ عَن صَاحِبيهِ وغبنا عَنْهُمَا الْتفت إِلَيْهِ وَقلت لَهُ مَا اسْمك قَالَ اسْمِي سلاب بن عَاصِم
стр. 383
الْهَمدَانِي فَقلت لَهُ يَا سلاب أعلم أَنه لَا يقدر يدْخل يثرب إِلَّا من لَهُ حَال وَعزة وقلب لِأَن بهَا سَادَات الأَرْض من أبطال الْعَرَب مثل عمر وعَلى وَفُلَان وَفُلَان وَلَكِن كَيفَ سَيْفك قَالَ سيف مَاض قلت أَرِنِي إِيَّاه قَالَ فاستله من غمده وَسلمهُ إِلَى فَأخذت السَّيْف من يَده وهززته وَقلت لَهُ هَذَا سيف مَاض وَلَكِن
(سيوف حداد يَا لؤَي بن غَالب ... مَوَاطِن وَلَكِن أَيْن بِالسَّيْفِ ضَارب) قَالَ مَا معنى هَذَا الْكَلَام فَقلت لَهُ يَا بن عَاصِم إِن سَيْفك هَذَا من ضرب قوم عَاد من ولد شَدَّاد وَمَا ملكت الْعَرَب مثله وَلَكِن وَجب عَليّ إكرامك وَأُرِيد التَّقَرُّب إِلَيْك بحيلة أعلمك إِيَّاهَا فَتقْتل
стр. 384
بهَا عَدوك قَالَ بِذِمَّة الْعَرَب أَلا فعلت قَالَ حَاطِب إِذا كنت فِي مقَام الْحَرْب والقتال وخصمك بَين يَديك وتريد قَتله اهزز هَذَا السَّيْف حَتَّى يَهْتَز وتنتبه مضاربه وَاضْرِبْ بِهِ عَدوك على حرف فَإِنَّهُ أسْرع للْقطع ثمَّ ملت بِالسَّيْفِ على عُنُقه وَإِذا بِرَأْسِهِ طَائِر فَنزلت إِلَيْهِ وَأَمْسَكت جَوَاده لِئَلَّا ينفر فينذر عَليّ فتركته مربوطا إِلَى شَجَرَة ثمَّ أسرعت إِلَى صَاحِبيهِ وَإِذا هما ينتظراني فَلَمَّا رأياني أقبل أَحدهمَا وَقَالَ وَمَا وَرَاءَك وَأَيْنَ سلاب فَقلت أبشر بِأخذ الثار وكشف الْعَار من أَعْدَائِنَا وجدنَا رجلَيْنِ من أَصْحَاب مُحَمَّد ﷺ وهما نائمان وَقد وجهني صاحبكما إلَيْكُمَا ليسير معي أَحَدكُمَا حَتَّى نتمكن مِنْهُمَا وَيبقى أَحَدكُمَا
стр. 385
ديدبانا فَإِن هَذَا الْوَادي لَا يَخْلُو سَاعَة من أَصْحَاب مُحَمَّد ﷺ فَقَالَا نعم الرَّأْي وَسَار معي الثَّانِي فَلَمَّا غيبته عَن صَاحبه قلت لَهُ مَا أسمك قَالَ اسْمِي عبد اللات بن غويلم قلت لَهُ كن رجلا وَإِيَّاك وَالْخَوْف وَإِذا رَأَيْتنَا قد هجمنا على هذَيْن الرجلَيْن فأيقظ خاطرك وَنبهَ سَيْفك ثمَّ نظرت يَمِينا وَشمَالًا فَقَالَ مَا بك فَقلت إِنِّي أرى غبرة وَلَا شكّ أَن تحتهَا قوما من الصباة إِلَى دين مُحَمَّد ﷺ قَالَ حَاطِب فَجعل يتَأَمَّل كالواله الحيران فعاجلته بضربة على غَفلَة فألقيت بِرَأْسِهِ إِلَى الأَرْض ثمَّ عدت إِلَى الثَّالِث فَلَمَّا رَآنِي وحيدا أَيقَن بِالشَّرِّ فقارعني وقارعته وصادمني وصادمته إِلَّا أَن الله تَعَالَى أعانني عَلَيْهِ فَقتلته وَأخذت الراحلتين وَالْفرس وَتركت الْكل عِنْد رجل من آل عبد شمس كَانَ خدنا لي من زمَان الْجَاهِلِيَّة
ثمَّ تَوَجَّهت أُرِيد مصر وَلم أزل حَتَّى أتيت مصر فَلَمَّا رَآنِي
стр. 386
القبط قَالُوا من أَيْن جِئْت فَقلت أَنا رَسُول لصاحبكم قَالُوا مِمَّن قلت من عِنْد رَسُول الله مُحَمَّد ﷺ فَلَمَّا سمعُوا ذَلِك مني أحاطوا بِي من كل مَكَان وَأتوا بِي إِلَى قصر الشمع ووقفوني على بَاب قصر الْملك وَاسْتَأْذَنُوا على الْمُقَوْقس فَأمر بإحضاري بَين يَدَيْهِ قَالَ فَنزلت عَن الرَّاحِلَة وسارت الْحجاب بَين يَدي إِلَى أَن وجدت الْملك فِي قبَّة قد ترجرج الْجَوْهَر فِي حافاتها ولمع الْيَاقُوت من أَرْكَانهَا والحجاب بَين يَدَيْهِ فأومأت بِتَحِيَّة الْإِسْلَام وَجَلَست حَيْثُ أَخَذَنِي الْمَكَان فَقَالَ صَاحبه يَا أَخا الْعَرَب أَيْن كتاب صَاحبك قَالَ فَسلمت الْكتاب إِلَى الْملك من يَدي إِلَى يَده فَأَخذه مني بِقبُول وباسه وَمر بِهِ على عَيْنَيْهِ وَقَالَ مرْحَبًا بِكِتَاب النَّبِي الْعَرَبِيّ ثمَّ سلمه إِلَى وزيره الياحيش وَقَالَ اقرأه
стр. 387
عَليّ فَإِنَّهُ من عِنْد رجل كريم فقرأه عَلَيْهِ الْوَزير إِلَى أَن أَتَى على آخِره فَقَالَ الْملك لِخَادِمِهِ الْكَبِير هَات السفط الَّذِي سلمته إِلَيْك فَأتى بِهِ الْخَادِم فَأَخذه الْملك وفتحه بَين يَدَيْهِ فَإِذا فِي النمط صفة آدم والأنبياء ﵈ وَفِي آخِرهم صفة رَسُول الله ﷺ قَالَ الْملك لوزيره قل لهَذَا البدوي يصف لنا صَاحبه حَتَّى كَأَنِّي أرَاهُ فَقَالَ الْوَزير إِن الْملك يَقُول كَذَا وَكَذَا قَالَ حَاطِب من يقدر يصف عضوا من أَعْضَائِهِ فَقَالَ لَا بُد لَك أَن تجيب سُؤال الْملك قَالَ حَاطِب فَقُمْت قَائِما على قدمي وَقلت إِن صَاحِبي وسيم قسيم صَادِق اللهجة وَاضح الْجَبْهَة معتدل الْقَامَة بعيد من الذمامة بَين مَنْكِبَيْه شامة هِيَ لَهُ عَلامَة كَالْقَمَرِ إِذا بدر صَاحب خشوع وديانة وعفة وصيانة أَشمّ الْعرنِين وَاضح الجبين
стр. 388
سهل الْخَدين رَقِيق الشفتين براق الثنايا بِعَيْنيهِ دعجٌ وبحاجبيه زجج وبأسنانه فلج وأنف غير ذِي عوج وَصدر يترجرج وبطن كطي الثَّوْب المدبج ولسن فصيح وَخلق مليح فَلَمَّا سمع الْملك ذَلِك قَالَ صدقت وَالله يَا عَرَبِيّ هَكَذَا صفته فَبينا هُوَ يخاطبني إِذْ نصبت الموائد وَجِيء بِالطَّعَامِ فَأمرنِي الْملك أَن أتقدم فامتنعت من ذَلِك فَتَبَسَّمَ وَقَالَ قد علمت مَا أحل لكم وَمَا حرم عَلَيْكُم وَلم أقدم لَك إِلَّا من لحم الطير فَقلت إِنِّي لَا آكل فِي هَذِه الصحاف الذَّهَب وَالْفِضَّة فَإِن الله قد وعدنا أَن نَأْكُل فِيهَا فِي الْجنَّة قَالَ فبدل طَعَامي بِطَعَام فِي صحاف الفخار فَأَقْبَلت آكل فَقَالَ أَي الطَّعَام أحب إِلَى صَاحبك فَقلت الدُّبَّاء أَعنِي القرع فَإِذا كَانَ عندنَا مِنْهُ شَيْء آثرناه بِهِ قَالَ الْملك يَا عَرَبِيّ فِي أَي شَيْء كَانَ يشرب المَاء قلت فِي قَعْب من خشب قَالَ أَيُحِبُّ الْهَدِيَّة قلت نعم وَقد قَالَ لَو دعيت إِلَى كرَاع لَأَجَبْت وَلَو أهدي
стр. 389
إِلَى ذِرَاع لقبلت قَالَ أفيأكل الصَّدَقَة قلت لَا فَقَالَ الْمُقَوْقس أيكتحل قلت نعم كَانَ كحله بالإثمد وَينظر فِي الْمرْآة ويرجل شعره وَلَا يُفَارق خمْسا فِي سفر كَانَ أَو حضر وَهِي الْمرْآة والمكحلة والمشط والمدرى والسواك قَالَ القَاضِي عِيَاض فِي مشارقه وَقَوله مدري يحك بهَا رَأسه ويروي يرجل هِيَ مثل الْمشْط وَقَالَ الْجَوْهَرِي المدري الْقرن وَكَذَلِكَ المدراة وَرُبمَا تصلح بهَا الماشطة قُرُون النِّسَاء وَهِي شَيْء كالمسلة يكون مَعهَا يُقَال تدرت الْمَرْأَة أَي سرحت شعرهَا
قَالَ حَاطِب وَلَقَد رَأَيْته يتجمل لأَصْحَابه فضلا عَن تجمله لأَهله وَلَقَد قَالَ ذَات يَوْم لعَائِشَة ﵂ وَقد نظرت إِلَيْهِ وَهُوَ ينظر فِي ركوة فِيهَا مَاء وَهُوَ يُسَوِّي شعره فَقَالَت بِأبي وَأمي يَا رَسُول الله تنظر فِي الركوة وتسوي شعرك وَأَنت رَسُول الله وَخير خلقه فَقَالَ يَا عَائِشَة إِن الله تَعَالَى يحب من عَبده إِذا خرج لإخوانه أَن يتزين لَهُم ويتجمل فَقَالَ الْمُقَوْقس إِذا ركب فِي جَيش الْعَرَب مَا الَّذِي يحمل على رَأسه قَالَ راية سَوْدَاء ولواء أَبيض على اللِّوَاء مَكْتُوب
стр. 390
لَا إِلَه إِلَّا الله مُحَمَّد رَسُول الله وزادت عَائِشَة أَن الرَّايَة الَّتِي كَانَت لرَسُول الله ﷺ كَانَت مِرْطًا مرجلا تسمى الْعقَاب وَفِي رِوَايَة سماك بن حَرْب كَانَت راية رَسُول الله ﷺ تسمى الْعقَاب وَهِي مرط لعَائِشَة
فَقَالَ الْمُقَوْقس أَله عرش يجلس عَلَيْهِ قلت نعم رَأَيْت لَهُ كرسيا خيل إِلَيّ أَن قوائمه من حَدِيد وقبة من أَدَم تسع نَحوا من أَرْبَعِينَ رجلا قَالَ مَا الَّذِي يحب من الْخَيل قلت الْأَشْقَر الأرثم الأقرح المحجل فِي السَّبق وَقد تركت عِنْده فرسا يُقَال لَهُ المرتجز قَالَ فَلَمَّا سمع قَوْله انتخب لَهُ فرسا من خيل مصر الموصوفة وَأمر بِهِ فأسرج وألجم وأعده هَدِيَّة للنَّبِي ﷺ وَهُوَ فرسه الميمون وَحِمَارًا يُقَال لَهُ يَعْفُور وَبغلة يُقَال لَهَا
следующие страницы →