← Сира

Сира · id 7233

المصباح المضي في كتاب النبي الأمي ورسله إلى ملوك الأرض من عربي وعجمي

ابن حديدة

Полный текст (601 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

القبط قَالُوا من أَيْن جِئْت فَقلت أَنا رَسُول لصاحبكم قَالُوا مِمَّن قلت من عِنْد رَسُول الله مُحَمَّد ﷺ فَلَمَّا سمعُوا ذَلِك مني أحاطوا بِي من كل مَكَان وَأتوا بِي إِلَى قصر الشمع ووقفوني على بَاب قصر الْملك وَاسْتَأْذَنُوا على الْمُقَوْقس فَأمر بإحضاري بَين يَدَيْهِ قَالَ فَنزلت عَن الرَّاحِلَة وسارت الْحجاب بَين يَدي إِلَى أَن وجدت الْملك فِي قبَّة قد ترجرج الْجَوْهَر فِي حافاتها ولمع الْيَاقُوت من أَرْكَانهَا والحجاب بَين يَدَيْهِ فأومأت بِتَحِيَّة الْإِسْلَام وَجَلَست حَيْثُ أَخَذَنِي الْمَكَان فَقَالَ صَاحبه يَا أَخا الْعَرَب أَيْن كتاب صَاحبك قَالَ فَسلمت الْكتاب إِلَى الْملك من يَدي إِلَى يَده فَأَخذه مني بِقبُول وباسه وَمر بِهِ على عَيْنَيْهِ وَقَالَ مرْحَبًا بِكِتَاب النَّبِي الْعَرَبِيّ ثمَّ سلمه إِلَى وزيره الياحيش وَقَالَ اقرأه

стр. 387

عَليّ فَإِنَّهُ من عِنْد رجل كريم فقرأه عَلَيْهِ الْوَزير إِلَى أَن أَتَى على آخِره فَقَالَ الْملك لِخَادِمِهِ الْكَبِير هَات السفط الَّذِي سلمته إِلَيْك فَأتى بِهِ الْخَادِم فَأَخذه الْملك وفتحه بَين يَدَيْهِ فَإِذا فِي النمط صفة آدم والأنبياء ﵈ وَفِي آخِرهم صفة رَسُول الله ﷺ قَالَ الْملك لوزيره قل لهَذَا البدوي يصف لنا صَاحبه حَتَّى كَأَنِّي أرَاهُ فَقَالَ الْوَزير إِن الْملك يَقُول كَذَا وَكَذَا قَالَ حَاطِب من يقدر يصف عضوا من أَعْضَائِهِ فَقَالَ لَا بُد لَك أَن تجيب سُؤال الْملك قَالَ حَاطِب فَقُمْت قَائِما على قدمي وَقلت إِن صَاحِبي وسيم قسيم صَادِق اللهجة وَاضح الْجَبْهَة معتدل الْقَامَة بعيد من الذمامة بَين مَنْكِبَيْه شامة هِيَ لَهُ عَلامَة كَالْقَمَرِ إِذا بدر صَاحب خشوع وديانة وعفة وصيانة أَشمّ الْعرنِين وَاضح الجبين

стр. 388

سهل الْخَدين رَقِيق الشفتين براق الثنايا بِعَيْنيهِ دعجٌ وبحاجبيه زجج وبأسنانه فلج وأنف غير ذِي عوج وَصدر يترجرج وبطن كطي الثَّوْب المدبج ولسن فصيح وَخلق مليح فَلَمَّا سمع الْملك ذَلِك قَالَ صدقت وَالله يَا عَرَبِيّ هَكَذَا صفته فَبينا هُوَ يخاطبني إِذْ نصبت الموائد وَجِيء بِالطَّعَامِ فَأمرنِي الْملك أَن أتقدم فامتنعت من ذَلِك فَتَبَسَّمَ وَقَالَ قد علمت مَا أحل لكم وَمَا حرم عَلَيْكُم وَلم أقدم لَك إِلَّا من لحم الطير فَقلت إِنِّي لَا آكل فِي هَذِه الصحاف الذَّهَب وَالْفِضَّة فَإِن الله قد وعدنا أَن نَأْكُل فِيهَا فِي الْجنَّة قَالَ فبدل طَعَامي بِطَعَام فِي صحاف الفخار فَأَقْبَلت آكل فَقَالَ أَي الطَّعَام أحب إِلَى صَاحبك فَقلت الدُّبَّاء أَعنِي القرع فَإِذا كَانَ عندنَا مِنْهُ شَيْء آثرناه بِهِ قَالَ الْملك يَا عَرَبِيّ فِي أَي شَيْء كَانَ يشرب المَاء قلت فِي قَعْب من خشب قَالَ أَيُحِبُّ الْهَدِيَّة قلت نعم وَقد قَالَ لَو دعيت إِلَى كرَاع لَأَجَبْت وَلَو أهدي

стр. 389

إِلَى ذِرَاع لقبلت قَالَ أفيأكل الصَّدَقَة قلت لَا فَقَالَ الْمُقَوْقس أيكتحل قلت نعم كَانَ كحله بالإثمد وَينظر فِي الْمرْآة ويرجل شعره وَلَا يُفَارق خمْسا فِي سفر كَانَ أَو حضر وَهِي الْمرْآة والمكحلة والمشط والمدرى والسواك قَالَ القَاضِي عِيَاض فِي مشارقه وَقَوله مدري يحك بهَا رَأسه ويروي يرجل هِيَ مثل الْمشْط وَقَالَ الْجَوْهَرِي المدري الْقرن وَكَذَلِكَ المدراة وَرُبمَا تصلح بهَا الماشطة قُرُون النِّسَاء وَهِي شَيْء كالمسلة يكون مَعهَا يُقَال تدرت الْمَرْأَة أَي سرحت شعرهَا قَالَ حَاطِب وَلَقَد رَأَيْته يتجمل لأَصْحَابه فضلا عَن تجمله لأَهله وَلَقَد قَالَ ذَات يَوْم لعَائِشَة ﵂ وَقد نظرت إِلَيْهِ وَهُوَ ينظر فِي ركوة فِيهَا مَاء وَهُوَ يُسَوِّي شعره فَقَالَت بِأبي وَأمي يَا رَسُول الله تنظر فِي الركوة وتسوي شعرك وَأَنت رَسُول الله وَخير خلقه فَقَالَ يَا عَائِشَة إِن الله تَعَالَى يحب من عَبده إِذا خرج لإخوانه أَن يتزين لَهُم ويتجمل فَقَالَ الْمُقَوْقس إِذا ركب فِي جَيش الْعَرَب مَا الَّذِي يحمل على رَأسه قَالَ راية سَوْدَاء ولواء أَبيض على اللِّوَاء مَكْتُوب

стр. 390

لَا إِلَه إِلَّا الله مُحَمَّد رَسُول الله وزادت عَائِشَة أَن الرَّايَة الَّتِي كَانَت لرَسُول الله ﷺ كَانَت مِرْطًا مرجلا تسمى الْعقَاب وَفِي رِوَايَة سماك بن حَرْب كَانَت راية رَسُول الله ﷺ تسمى الْعقَاب وَهِي مرط لعَائِشَة فَقَالَ الْمُقَوْقس أَله عرش يجلس عَلَيْهِ قلت نعم رَأَيْت لَهُ كرسيا خيل إِلَيّ أَن قوائمه من حَدِيد وقبة من أَدَم تسع نَحوا من أَرْبَعِينَ رجلا قَالَ مَا الَّذِي يحب من الْخَيل قلت الْأَشْقَر الأرثم الأقرح المحجل فِي السَّبق وَقد تركت عِنْده فرسا يُقَال لَهُ المرتجز قَالَ فَلَمَّا سمع قَوْله انتخب لَهُ فرسا من خيل مصر الموصوفة وَأمر بِهِ فأسرج وألجم وأعده هَدِيَّة للنَّبِي ﷺ وَهُوَ فرسه الميمون وَحِمَارًا يُقَال لَهُ يَعْفُور وَبغلة يُقَال لَهَا

стр. 391

الدلْدل وَجَارِيَة سَوْدَاء اسْمهَا بَرِيرَة وَجَارِيَة بَيْضَاء من أجمل بَنَات القبط اسْمهَا مَارِيَة وَغُلَامًا اسْمه مَحْبُوب وطيبا وعودا وندى ومسكا وعمائم وقباطي وَأمر وزيره أَن يكْتب إِلَى رَسُول الله ﷺ فَكتب بِاسْمِك اللَّهُمَّ من الْمُقَوْقس إِلَى مُحَمَّد ﷺ أما بعد فقد بَلغنِي كتابك وفهمته وَأَنت تَقول إِن الله أرسلك رَسُولا وفضلك تَفْضِيلًا وَأنزل عَلَيْك قُرْآنًا مُبينًا فشكفنا عَن خبرك فوجدناك أقرب دَاع دَعَا إِلَى الْحق وأصدق من تكلم بِالصّدقِ وَلَوْلَا أَنِّي ملكت ملكا عَظِيما لَكُنْت أول من آمن بك لعلمي أَنَّك خَاتم النَّبِيين وَإِمَام الْمُرْسلين وَالسَّلَام عَلَيْك مني إِلَى يَوْم الدّين

стр. 392

قَالَ حَاطِب وَسلم إِلَيّ الْكتاب والهدية وَقبل بَين عَيْني وَقَالَ يَا هَذَا بِاللَّه قبل بَين عَيْني مُحَمَّد ﷺ عني وَبعث معي جَيْشًا وَلم تزل تسير إِلَى أَن دخلت إِلَى جَزِيرَة الْعَرَب وَوجدنَا قافلة من الشَّام تُرِيدُ الْمَدِينَة فَرددت أَصْحَاب الْملك وأتيت الْمَدِينَة قَالَ الْجَوْهَرِي وَأما جَزِيرَة الْعَرَب فَإِن أَبَا عُبَيْدَة يَقُول مَا بَين حفر أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ إِلَى أقْصَى الْيمن فِي الطول وَفِي الْعرض مَا بَين رمل يبرين إِلَى مُنْقَطع السماوة قَالَ الْبكْرِيّ يبرين وَيُقَال يبرون رمل مَعْرُوف فِي ديار بني سعد بن تَمِيم قَالَ وحفر أبي مُوسَى بَين فلج وفليج على خمس مراحل من الْبَصْرَة وفلج بِفَتْح أَوله وَإِسْكَان ثَانِيه بعده جِيم وفليج تَصْغِير فلج مَوضِع دَان مِنْهُ قَالَ حَاطِب وقصدت الْمَسْجِد وأنخت النَّاقة وَدخلت وسلمت على رَسُول الله ﷺ وانشأت أَقُول

стр. 393

(أنعم صباحا يَا وَسِيلَة أمة ... ترجو النجَاة غَدَاة يَوْم الْموقف) (إِنِّي مضيت إِلَى الَّذِي أرسلتني ... أطوى المهامه كالمجد المعنف) (حَتَّى أتيت بِمصْر صَاحب ملكهم ... فَبَدَا إِلَيّ بِمثل قَول الْمنصف) (فَقَرَأَ كتابك حِين فك ختامه ... فاهتز مِنْهُ كاهتزاز المرهف) (قَالَ البطارقة الَّذين تجمعُوا ... مَاذَا أراعك من كتاب المشرف) (قَالَ اسْكُتُوا يَا وَيْلكُمْ وتثبتوا ... هَذَا كتاب نَبِي دين الْمُصحف)

стр. 394

(قَالُوا وهمت فَقَالَ لست بواهم ... بل قد قَرَأت بَيَان خطّ الأحرف) (فِي كل سطر من كتاب مُحَمَّد ... نور يلوح لناظر مُتَوَقف) (هَذَا الْكتاب كِتَابه لَك خاضعا ... يَا خير مَوْلُود بحقك نكتفي) قَالَ حَاطِب وسلمت الْكتاب إِلَيْهِ فَقَالَ لعَلي اقرأه علينا فَلَمَّا قَرَأَهُ عَلَيْهِ قَالَ النَّبِي ﷺ بَارك الله للقبط فِي دنياهم فقد عرفُوا الصَّوَاب وأوضحوا الْخطاب ثمَّ قَالَ كل ذِي روح خَاصَّة فَهُوَ لي فاختص بمارية وَجعل مهرهَا عتق رقبَتهَا فأولدها إِبْرَاهِيم ﵇ عَاشَ سنتَيْن أَو أقل فَلَمَّا مَاتَ كسفت الشَّمْس فَقَالَ الْمُسلمُونَ يَا رَسُول الله إِنَّمَا كسفت الشَّمْس لمَوْت ولدك

стр. 395

إِبْرَاهِيم فَقَالَ إِن الشَّمْس وَالْقَمَر آيتان من آيَات الله لَا يكسفان لمَوْت أحد وَلَا لِحَيَاتِهِ فَإِذا رَأَيْتُمْ ذَلِك فافزعوا إِلَى الصَّلَاة ثمَّ أَخذ الْغُلَام وَالْجَارِيَة وَالْفرس وَالْحمار ثمَّ قسم بَاقِي الْهَدِيَّة على أَصْحَابه بِالسَّوِيَّةِ قَالَ ابْن عبد الْبر وَقد ذكر الْمُقَوْقس ثمَّ أَمر بِالضَّرْبِ عَلَيْهِ وَقَالَ الْأَغْلَب عِنْدِي أَنه لم يسلم بل هُوَ الصَّحِيح إِن شَاءَ الله تَعَالَى ثمَّ قَالَ وَذكر الْوَاقِدِيّ أَن فِي سنة سبع من الْهِجْرَة كتب رَسُول الله ﷺ إِلَى الْمُقَوْقس عَظِيم القبط يَدعُوهُ إِلَى الْإِسْلَام فَأسلم وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ الْمُقَوْقس الَّذِي كَانَ على خراج مصر وحربها حَتَّى افتتحها الْمُسلمُونَ اسْمه جريج بن ميناء وروى الْوَاقِدِيّ عَن حُذَيْفَة بن الْيَمَان ﵁ أَن الْمُقَوْقس كَانَ إِذا قدم شهر رَمَضَان لَا يخرج إِلَى رَعيته وَلَا يظْهر لأحد من أَرْبَاب دولته وَلَا يدْرِي مَا كَانَ يصنع وَأَن ابْنه أرسطوليس خشِي أَن يسلم أَبوهُ الْملك إِلَى أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ لما توجهوا لقتاله بِمصْر مَعَ عَمْرو بن الْعَاصِ وَيسلم فضمن للساقي مَالا وَأمره بقتل أَبِيه فَجعل

стр. 396

سما فِي شراب الْملك وسقاه فَمَاتَ فَالله أعلم أَي ذَلِك كَانَ وَكَانَ للمقوقس أَخ من أَبِيه اسْمه أرجانوس إِذا غَابَ أَخُوهُ فِي شهر رَمَضَان يسير هُوَ إِلَى منف والعزيزية يُقيم هُنَاكَ حَتَّى يخرج أَخُوهُ من خلوته فَلَمَّا انْقَضى رَمَضَان رَجَعَ إِلَى أَخِيه وَعلم أَن ابْنه قَتله أَتَى إِلَى قصر أَخِيه وَمنع ابْن أَخِيه من الدُّخُول إِلَى الْقصر إِلَى أَن جَاءَ أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ فَصَالحهُمْ على مَا فِي قصر أَخِيه وَأسلم وَأسلم مَعَه جمَاعَة من قبط مصر وروينا عَن السُّهيْلي أَن جبرا مولى أبي رهم الْغِفَارِيّ كَانَ رَسُولا مَعَ حَاطِب إِلَى الْمُقَوْقس وَأَنه قَارب الْإِسْلَام وَأهْدى مَعَهُمَا بغلة يُقَال لَهَا الدلْدل والدلدل فِي اللُّغَة الْقُنْفُذ الْعَظِيم ومارية بنت شَمْعُون والمارية بتَخْفِيف الْيَاء الْبَقَرَة الْفتية ذكره الْمُطَرز وَأما المارية بتَشْديد الْيَاء القطاة الملساء يُقَال قطاة مَارِيَة أَي ملساء قَالَه أَبُو عبيد فِي الْغَرِيب وَيُقَال إِن هِرقل عزل الْمُقَوْقس لما رأى ميله إِلَى الْإِسْلَام وَمعنى الْمُقَوْقس المطول للْبِنَاء والقوس الصومعة الْعَالِيَة قَالَ الْجَوْهَرِي صومعة الراهب قَالَ السُّهيْلي يُقَال

стр. 397

فِي الْمثل أَنا بِالْقَوْسِ وَأَنت بالقرقوس فَمَتَى نَجْتَمِع قَالَ ابْن فَارس القرقوس قاع أملس فصل فِي فضل مصر وَأَهْلهَا وَمَا خصها الله بِهِ روينَا فِي صَحِيح مُسلم من كتاب الْفَضَائِل قَالَ بَاب فِي ذكر مصر وَأَهْلهَا عَن أبي ذَر ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِنَّكُم ستفتحون مصر وَهِي أَرض يُسمى فِيهَا القيراط فَإِذا فتحتموها فَأحْسنُوا إِلَى أَهلهَا فَإِن لَهُم ذمَّة ورحما أَو قَالَ ذمَّة وصهرا فَإِذا رَأَيْت رجلَيْنِ يختصمان فِيهَا فِي مَوضِع لبنة فَاخْرُج مِنْهَا قَالَ فَرَأَيْت عبد الرَّحْمَن بن شُرَحْبِيل بن حَسَنَة وأخاه ربيعَة يختصمان فِي مَوضِع لبنة فَخرجت مِنْهَا هَذَا لفظ مُسلم قَالَ شرَّاح مُسلم فِي هَذَا الحَدِيث ثَلَاثَة أَعْلَام من أَعْلَام نبوته ﷺ قد وجدت جَمِيعهَا أَحدهَا فتح مصر وَالثَّانِي إِعْطَاء أَهلهَا الْعَهْد ودخولهم فِي الذِّمَّة فَإِنَّهَا فتحت

стр. 398

صلحا فِي أَيَّام عمر ﵁ وَالثَّالِث قَوْله ﷺ فَإِذا رَأَيْت رجلَيْنِ يختصمان فِي مَوضِع لبنة فَاخْرُج مِنْهَا فَكَانَ ذَلِك وَأما الصهر فَتقدم الْكَلَام عَلَيْهِ عِنْد ذكر مَارِيَة ﵂ وَأما الرَّحِم فروينا فِي السِّيرَة النَّبَوِيَّة عَن ابْن هِشَام بِسَنَدِهِ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ إِذا افتتحتم مصر فَاسْتَوْصُوا بِأَهْلِهَا خيرا فَإِن لَهُم ذمَّة ورحما قَالَ ابْن إِسْحَاق فَقلت لمُحَمد بن مُسلم الزُّهْرِيّ مَا الرَّحِم الَّتِي ذكر رَسُول الله ﷺ لَهُم قَالَ كَانَت هَاجر أم إِسْمَاعِيل مِنْهُم قَالَ ابْن هِشَام فالعرب كلهَا من ولد إِسْمَاعِيل وقحطان وَتقول الْعَرَب هَاجر وآجر كَمَا قَالُوا هراق المَاء وأراقه وَهَاجَر من أهل مصر من أم الْعَرَب قَرْيَة أَمَام الفرما وروينا فِي فتوح مصر لِابْنِ عبد الحكم ان قَرْيَة هَاجر ياق الَّتِي عِنْد أم دنين ودفنت هَاجر فِي الْحجر يَعْنِي حجر إِسْمَاعِيل ﵇ قَالَ وصاهر إِلَى القبط من الْأَنْبِيَاء صلوَات الله عَلَيْهِم ثَلَاثَة إِبْرَاهِيم ﵇ تسرر هَاجر ويوسف ﵇ تزوج بنت صَاحب عين شمس

стр. 399

الَّتِي تسمى فِي وقتنا هَذَا المطرية وَرَسُول الله ﷺ تسرر مَارِيَة قَالَ وَإِن رَسُول الله ﷺ مرض فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ ثمَّ أَفَاق فَقَالَ اسْتَوْصُوا بِالْأدمِ الْجَعْد ثمَّ أُغمي عَلَيْهِ الثَّانِيَة ثمَّ أَفَاق فَقَالَ مثل ذَلِك قَالَ ثمَّ أُغمي عَلَيْهِ الثَّالِثَة فَقَالَ مثل ذَلِك فَقَالَ الْقَوْم لَو سَأَلنَا رَسُول الله ﷺ من الْأدم الْجَعْد فأفاق فَسَأَلُوهُ فَقَالَ قبط مصر فَإِنَّهُم أخوال وأصهار وهم أعوانكم على عَدوكُمْ وأعوانكم على دينكُمْ قَالُوا كَيفَ يكونُونَ أعواننا على ديننَا يَا رَسُول الله قَالَ يكفونكم أَعمال الدُّنْيَا وتتفرغون لِلْعِبَادَةِ فالراضي بِمَا يُؤْتى إِلَيْهِم كالفاعل والكاره بِمَا يُؤْتى إِلَيْهِم من الظُّلم كالمتنزه عَنْهُم وَعنهُ قَالَ قبط مصر أكْرم الْأَعَاجِم كلهَا وأسمحهم يدا وأفضلهم عنصرا وأقربهم رحما بالعرب عَامَّة وبقريش خَاصَّة وَمن أَرَادَ أَن ينظر الفردوس أَن ينظر إِلَى مثلهَا فِي الدُّنْيَا فَلْينْظر إِلَى أَرض مصر حِين تخضر زروعها وتنور ثمارها قَالَ وَعَن كَعْب الْأَحْبَار قَالَ من أَرَادَ أَن ينظر إِلَى شبه الْجنَّة فَلْينْظر إِلَى أَرض مصر إِذا

стр. 400

أخرفت أَو إِذا أزهرت قَالَ وَكَانَ مِنْهُم السَّحَرَة آمنُوا جَمِيعًا فِي سَاعَة وَاحِدَة وَلَا نعلم جمَاعَة أَسْلمُوا فِي سَاعَة وَاحِدَة أَكثر من جمَاعَة القبط قَالَ وَكَانُوا اثْنَي عشر ساحرا رُؤَسَاء وَتَحْت يَدي كل سَاحر مِنْهُم عشرُون عريفا تَحت يَدي كل عريف ألف من السَّحَرَة فَكَانَ جَمِيع السَّحَرَة مِائَتي ألف وَأَرْبَعين ألفا وَمِائَتَيْنِ واثنين وَخمسين إنْسَانا بالرؤساء والعرفاء فَلَمَّا عاينوا مَا عاينوا أيقنوا أَن ذَلِك من السَّمَاء وَأَن السحر لَا يقوم لأمر الله فَخر الرؤساء الاثْنَي عشر عِنْد ذَلِك سجدا فاتبعهم العرفاء وَاتبع العرفاء من بَقِي وَقَالُوا آمنا بِرَبّ الْعَالمين رب مُوسَى وَهَارُون وَلم يفتتن مِنْهُم أحد مَعَ من افْتتن من بني إِسْرَائِيل فِي عبَادَة الْعجل قَالَ وَمَا آمن جمَاعَة قطّ فِي سَاعَة وَاحِدَة مثل جمَاعَة القبط قَالَ يَعْنِي ابْن عبد الحكم وَعَن كَعْب الْأَحْبَار مثل قبط مصر كَمثل الغيضة كلما قطعت نَبتَت حَتَّى يخرب الله بهم وبصناعتهم جزائر الرّوم قَالَ وَكَانَ المَاء يجْرِي تَحت منَازِل مصر وأقنيتها فيحبسونه كَيفَ شاؤا ويرسلونه كَيفَ شاؤا فَذَلِك قَوْله تَعَالَى فِيمَا حكى من قَول فِرْعَوْن ﴿أَلَيْسَ لي ملك مصر وَهَذِه الْأَنْهَار تجْرِي من تحتي أَفلا تبصرون﴾ وَلم يكن فِي

стр. 401

الأَرْض يَوْمئِذٍ ملك أعظم من ملك مصر وَكَانَت الجنات بحافتي النّيل من أَوله إِلَى آخِره مَا بَين أسوان إِلَى رشيد وَكَانَ بهَا ألف مِنْبَر قَالَ أَبُو الْخطاب ابْن ذِي النسبين فِي كتاب مرج الْبَحْرين إِن فِرْعَوْن بالقبطية هُوَ التمساح وَهُوَ فِي اللُّغَة الْكثير الْأكل والكذاب والمسرف والمرتاب فَجمعت هَذِه المثالب فِي فِرْعَوْن وَعَن الْحسن الْبَصْرِيّ قَالَ مَا كَانَ طول فِرْعَوْن إِلَّا ذِرَاعا وَكَانَت لحيته أطول من قامته وروى ابْن عبد الحكم قَالَ حَدثنَا إِبْرَاهِيم بن سعيد البلوي قَالَ لما فتح عَمْرو بن الْعَاصِ الْإسْكَنْدَريَّة كتب إِلَى عمر بن الْخطاب ﵁ أما بعد فَإِنِّي فتحت مَدِينَة لَا أصف مَا فِيهَا غير أَنِّي أصبت فِيهَا أَرْبَعَة آلَاف منية بأَرْبعَة آلَاف حمام وَأَرْبَعين ألف يَهُودِيّ عَلَيْهِم الْجِزْيَة واثني عشر ألف بقال يبيعون البقل الْأَخْضَر ومائتي ألف من الرّوم سوى النِّسَاء وَالصبيان وَعدد

стр. 402

المأسورين من الرِّجَال سِتّمائَة ألف سوى النِّسَاء وَالصبيان فَأَرَادَ الْمُسلمُونَ قسمتهم فَبعث عَمْرو بن الْعَاصِ إِلَى عمر يُعلمهُ بِمَا أَرَادَ الْمُسلمُونَ فَكتب إِلَيْهِ لَا تقسمهم وذرهم يكون خراجهم فَيْئا للْمُسلمين وَقُوَّة لَهُم على جِهَاد عدوهم فأقرها عَمْرو وأحصى أَهلهَا يَعْنِي الْإسْكَنْدَريَّة وَفرض عَلَيْهِم الْخراج والجزية فَكَانَت مصر كلهَا صلحا إِلَّا الْإسْكَنْدَريَّة فَإِنَّهُم كَانُوا يؤدون الْخراج والجزية لِأَنَّهَا فتحت عنْوَة وَذكر الْحَافِظ السلَفِي فِي كتاب فَضَائِل مصر قَالَ فضل الله مصر على سَائِر الْبلدَانِ وَأَبَان فَضلهَا بآي من الْقُرْآن شهد لَهُ بذلك وَمَا خصها بِهِ من الْفضل وَالْخصب وَمَا أنزل فِيهَا من البركات وَمَا أخرج مِنْهَا من الْأَنْبِيَاء وَالْعُلَمَاء وَالْخُلَفَاء والحكماء والخواص والملوك والعجائب مِمَّا لم يخص بِهِ بَلَدا غَيرهَا وَلَا أَرضًا سواهَا قَالَ فَإِن اعْترض معترض بالحرمين الشريفين ففضلهما لَا

стр. 403

يدْفع وَمَا خصهما الله بِهِ مِمَّا لَا يُنكر وَلَيْسَ مَا فضلهما الله بِهِ بباخس فضل مصر وَأَن مَنَافِعهَا فِي الْحَرَمَيْنِ لبينة لِأَنَّهَا تميرهما بطعامها وكسوتها وَسَائِر مرافقها فلهَا بذلك فضل كَبِير وَمَعَ ذَلِك أَنَّهَا تطعم أهل الدُّنْيَا مِمَّن يرد إِلَيْهَا من الْحَاج طول مقامهم يَأْكُلُون ويتزودون من طعامها من أقْصَى جنوب الأَرْض وشمالها فِيمَا بَين بِلَاد الْهِنْد والأندلس لَا يُنكر هَذَا مُنكر وَلَا يَدْفَعهُ مدافع وَكفى بذلك فضلا وبركة فِي دين وَدُنْيا فَمن ذَلِك قَوْله تَعَالَى ﴿وأوحينا إِلَى مُوسَى وأخيه أَن تبوآ لقومكما بِمصْر بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتكُمْ قبْلَة﴾ ﴿وَقَالَ ادخُلُوا مصر إِن شَاءَ الله آمِنين﴾ قَالَ وَجَعَلنَا ابْن مَرْيَم وَأمه آيَة وآوينهما إِلَى ربوة ذَات قَرَار ومعين قَالَ بعض الْمُفَسّرين هِيَ مصر وَقيل دمشق وَقَالَ بعض عُلَمَاء مصر هِيَ البهنسا وقبط مصر مجمعون على أَن الْمَسِيح وَأمه ﵉ كَانَا بالبهنسا وانتقلا عَنْهَا إِلَى الْقُدس وافتخر فِرْعَوْن بقوله ﴿أَلَيْسَ لي ملك مصر﴾ على سَائِر الْمُلُوك وَقَوله فاخرجنهم من جنت وعيون الْآيَة فَهَل يعلم أَن بَلَدا من الْبِلَاد أثنى عَلَيْهِ الْكتاب الْعَزِيز بِمثل هَذَا الثَّنَاء أَو وَصفه بِمثل هَذَا الْوَصْف أَو شهد

стр. 404

بِالْكَرمِ غير مصر وَقد تقدم مَا رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ من فَضلهَا ودعائه لَهُم وروى عَن ابْن عَبَّاس ﵄ أَنه قَالَ دَعَا نوح ربه لولد وَلَده مصر بن بيصر بن حام وَبِه سميت مصر وَهُوَ أَبُو القبط فَقَالَ اللَّهُمَّ بَارك فِيهِ وَفِي ذُريَّته وَأَسْكَنَهُ الأَرْض الْمُبَارَكَة الَّتِي هِيَ أم الْبِلَاد وغوث الْعباد الَّتِي نهرها أفضل أَنهَار الدُّنْيَا وَاجعَل فِيهَا أفضل البركات وسخر لَهُ ولولده الأَرْض وذللها لَهُم وَرُوِيَ أَن الْبَيْت الْحَرَام هدم فِي الْجَاهِلِيَّة فَوَلَّتْ قُرَيْش بناءه رجلا من القبط يُقَال لَهُ ياقوم وأدركه الْإِسْلَام وَهُوَ على ذَلِك الْبناء وَرُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ مصر أطيب الْأَرْضين تُرَابا وعجمها أكْرم الْعَجم أنسابا وَقَالَ بعض أهل الْعلم لم يبْق من الْعَجم أمة إِلَّا وَقد اخْتلطت بغَيْرهَا إِلَّا قبط مصر وَأما مَا اخْتصّت بِهِ وأوثرت على غَيرهَا فروى أَبُو بصرة الْغِفَارِيّ ﵁ قَالَ مصر خزانَة الأَرْض كلهَا قَالَ الله تَعَالَى ﴿اجْعَلنِي على خَزَائِن الأَرْض إِنِّي حفيظ عليم﴾ وَلم تكن تِلْكَ الخزائن بِغَيْر مصر فَذكرهَا سُبْحَانَهُ بخزائن الأَرْض فأغاث الله بِمصْر وخزائنها كل حَاضر وباد فِي جَمِيع الْأَرْضين وَجعلهَا وسط الدُّنْيَا وَهِي فِي الإقليم الثَّالِث وَالرَّابِع

стр. 405

فَسلمت من حر الإقليم الأول وَالثَّانِي وَمن برد الإقليم السَّادِس وَالْخَامِس فطاب هَواهَا وَضعف حرهَا وخف بردهَا فَسلم أَهلهَا من مشاتي الْجبَال ومصائف عمان وصواعق تهَامَة ودماميل الجزيرة وجرب الْيمن وطواعين الشَّام وَغَلَاء الْعرَاق وطحلب الْبَحْرين وأمنوا من غارات التّرْك وجيوش الرّوم وقحط الأمطار قَالَ سعيد بن أبي هِلَال وَذكر أَن مصر مصورة فِي كتب الْأَوَائِل وَسَائِر المدن مَادَّة أيديها إِلَيْهَا تستطعمها وَقَالَ عَمْرو بن الْعَاصِ ولَايَة مصر جَامِعَة تعدل الْخلَافَة وَأجْمع أهل الْعلم والمعرفة أَن أهل الدُّنْيَا مضطرون إِلَى مصر يسافرون إِلَيْهَا وَيطْلبُونَ الرزق مِنْهَا وَذكر أهل الْعلم أَنه مَكْتُوب فِي التَّوْرَاة بلد مصر خزانَة الله فَمن أرادها قصمه الله قَالَ وَمِمَّا ذكر من عجائب مصر أَن مَدِينَة الفرما كَانَ مِنْهَا طَرِيق إِلَى جَزِيرَة قبرص فِي الْبر فغلب عَلَيْهِ الْبَحْر وَكَانَ فِيمَا غلب عَلَيْهِ الْبَحْر مقطع الرخام الْأَبْيَض والأبلق وَكَانَ بَينهَا وَبَين الْبَحْر قريب من يَوْم فعلا الْبَحْر إِلَى أَن قرب مِنْهَا وَوجه بعض الْعمَّال أَن يقْلع من بَابهَا الشَّرْقِي حِجَارَة يعْمل مِنْهَا جيرا فَخرج أهل الفرما فمنعوه من ذَلِك وَقَالُوا هَذِه الْأَبْوَاب الَّتِي قَالَ الله على لِسَان يَعْقُوب ﴿وَقَالَ يَا بني لَا تدْخلُوا من بَاب وَاحِد وادخلوا من أَبْوَاب مُتَفَرِّقَة﴾

стр. 406

وَبهَا النّخل العجيب الَّذِي يُثمر حِين يَنْقَطِع الْبُسْر وَالرّطب من سَائِر الأَرْض وَيكون طول البسرة مِنْهُ قريب فتر وَفِي هَذَا كِفَايَة لِئَلَّا يخرجنا عَن مَقْصُود الْكتاب وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق

стр. 407

بَاب فِي كِتَابه ﷺ إِلَى كسْرَى أبرويز ملك الْفرس وَمَا يتَعَلَّق بِهِ من الْفَوَائِد روينَا فِي السِّيرَة الشَّرِيفَة النَّبَوِيَّة عَن مُحَمَّد بن إِسْحَاق قَالَ بعث رَسُول الله ﷺ عبد الله بن حذافة بن قيس إِلَى كسْرَى ابْن هُرْمُز ملك فَارس وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي كِتَابه الوفا عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ بعث رَسُول الله ﷺ عبد الله بن حذافة بكتابه إِلَى عَظِيم الْبَحْرين يَدْفَعهُ إِلَى كسْرَى فَلَمَّا قَرَأَهُ خرقه فَدَعَا عَلَيْهِم رَسُول الله ﷺ أَن يمزقوا كل ممزق قَالَ السُّهيْلي أما كسْرَى فاسمه أبرويز بن هُرْمُز بن أنوشروان وَمعنى أبرويز المظفر وَهُوَ الَّذِي كَانَ غلب الرّوم فَأنْزل الله تَعَالَى

стр. 408

فِي قصتهم ﴿الم غلبت الرّوم فِي أدنى الأَرْض﴾ وَأدنى الأَرْض هِيَ بصرى وفلسطين وَأَذْرعَات من أَرض الشَّام قَالَ فَلَمَّا قدم عبد الله على كسْرَى قَالَ يَا معشر الْفرس إِنَّكُم عشتم بأحلامكم لعدة أيامكم بِغَيْر نَبِي وَلَا كتاب ثمَّ قَالَ مُخَاطبا للْملك وَلَا تملك من الأَرْض إِلَّا مَا فِي يَديك وَمَا لَا تملك مِنْهَا أَكثر وَقد ملك الأَرْض قبلك مُلُوك أهل دنيا وَأهل آخِرَة فَأخذ أهل الْآخِرَة بحظهم من الدُّنْيَا وضيع أهل الدُّنْيَا حظهم من الْآخِرَة فَاخْتَلَفُوا فِي سعي الدُّنْيَا واستووا فِي عدل الْآخِرَة وَقد صغر هَذَا الْأَمر عنْدك إِنَّا أَتَيْنَاك بِهِ وَقد وَالله جَاءَك من حَيْثُ خفت وَمَا تصغيرك إِيَّاه بِالَّذِي يَدْفَعهُ عَنْك وَلَا تكذيبك بِهِ بِالَّذِي يخْرجك مِنْهُ وَفِي وقْعَة ذِي قار على ذَلِك دَلِيل فَأخذ الْكتاب فمزقه ثمَّ قَالَ لي ملك هنيء لَا أخْشَى أَن أغلب عَلَيْهِ وَلَا أشارك فِيهِ وَقد ملك فِرْعَوْن بني إِسْرَائِيل ولستم بِخَير مِنْهُم فَمَا يَمْنعنِي أَن أملككم وَأَنا خير مِنْهُ فَأَما هَذَا الْملك فقد علمنَا أَنه يصير إِلَى الْكلاب وَأَنْتُم أُولَئِكَ تشبع بطونكم وتأبى عيونكم فَأَما وقْعَة ذِي قار فَهِيَ بوقعة الشَّام فَانْصَرف عَنهُ عبد الله قَوْله ذِي قار قَالَ الْجَوْهَرِي القارة الْقَبِيلَة سموا قارة لِاجْتِمَاعِهِمْ والتفافهم والقار الْإِبِل إِذا اجْتمعت وَكَانَ ذَلِك يَوْم ذِي قار يَوْم لبني شَيبَان وَكَانَ أبرويز أغزاهم جَيْشًا فظفرت بَنو

стр. 409

شَيبَان وَهُوَ أول يَوْم انتصرت فِيهِ الْعَرَب من الْعَجم قَالَ الطَّبَرِيّ كَانَ شعارهم يَا مُحَمَّد فنصروا قَالَ رَسُول الله ﷺ فَبِي نصروا قَالَ وَإِنَّمَا خص رَسُول الله ﷺ عبد الله بن حذافة بارساله إِلَى كسْرَى لِأَنَّهُ كَانَ يتَرَدَّد عَلَيْهِم كثيرا وَيخْتَلف إِلَى بِلَادهمْ وَمن شعر عبد الله بن حذافة فِي رسَالَته إِلَى كسْرَى وقدومه عَلَيْهِ (أَبى الله إِلَّا أَن كسْرَى فريسة ... لأوّل دَاع بالعراق مُحَمَّدًا) (تقاذف فِي فحش الْجَواب مُصَغرًا ... لأمر العريب الخائضين لَهُ الردى) (فَقلت لَهُ أرود فَإنَّك دَاخل ... من الْيَوْم فِي الْبلوى ومنتهب غَدا) (فَأقبل وَأدبر حَيْثُ شِئْت فإننا ... لنا الْملك فابسط للمسالمة اليدا) (وَإِلَّا فَأمْسك قارعا نادم ... أقرّ بذلك الخرج أَو مت موحدا) (سفهت بتمزيق الْكتاب وَهَذِه ... بتمزيق ملك الْفرس يَكْفِي مبددا) قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ وَكَانَ الْكتاب بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم من مُحَمَّد رَسُول الله إِلَى كسْرَى

стр. 410

عَظِيم فَارس سَلام على من اتبع الْهدى وآمن بِاللَّه وَرَسُوله وأدعوك بِدِعَايَةِ الله فَإِنِّي رَسُول الله إِلَى النَّاس كَافَّة لأنذر من كَانَ حَيا ويحق القَوْل على الْكَافرين وَأسلم تسلم فَإِن أَبيت فَإِن إِثْم الْمَجُوس عَلَيْك فَلَمَّا قَرَأَ كتاب رَسُول الله ﷺ شققه وَقَالَ يكْتب إِلَيّ بِهَذَا الْكتاب وَهُوَ عَبدِي فبلغني أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ مزق ملكه ثمَّ كتب كسْرَى إِلَى باذان وَهُوَ على الْيمن أَن ابْعَثْ إِلَى هَذَا الرجل الَّذِي بالحجاز رجلَيْنِ جدرين فليأتياني بِهِ فَبعث باذان قهرمانه وَهُوَ بابويه وَكَانَ كَاتبا حاسبا وَبعث مَعَه بِرَجُل من الْفرس وَكتب مَعَهُمَا إِلَى رَسُول الله ﷺ يَأْمُرهُ أَن ينْصَرف مَعَهُمَا إِلَى كسْرَى وَقَالَ لبابويه وَيلك انْظُر مَا الرجل وَكَلمه وائتني بِخَبَرِهِ فَخَرَجَا حَتَّى قدما الطَّائِف فسألا عَنهُ فَقيل لَهما هُوَ بِالْمَدِينَةِ واستبشر الْمُشْركُونَ وَقَالُوا لقد نصب لَهُ كسْرَى وكفاكم الرجل

стр. 411

فَتوجه الرسولان إِلَى الْمَدِينَة وَلما قدما على رَسُول الله ﷺ كَلمه بابويه وَقَالَ إِن شاهان شاه ملك الْمُلُوك كسْرَى كتب إِلَى الْملك باذان يَأْمُرهُ أَن يبْعَث إِلَيْك من يَأْتِيهِ بك وَقد بَعَثَنِي إِلَيْك لتنطلق معي فَإِن فعلت كتب فِيك إِلَى ملك الْمُلُوك كتابا ينفعك ويكف عَنْك وَإِن أَبيت فَهُوَ من قد علمت وَهُوَ مهلكك ومهلك قَوْمك وَيخرب بلادك وَكَانَا قد دخلا على رَسُول الله ﷺ وحلقا لحاهما وأعفيا شواربهما فكره النّظر إِلَيْهِمَا وَقَالَ ويلكما من أمركما بِهَذَا قَالَا رَبنَا أمرنَا بِهَذَا يعنيان كسْرَى فَقَالَ رَسُول الله ﷺ لَكِن رَبِّي أَمرنِي باعفاء لحيتي وقص شاربي ثمَّ قَالَ لَهما ارْجِعَا حَتَّى تأتياني غَدا وأتى جِبْرِيل إِلَى رَسُول الله ﷺ فاخبره أَن الله سلط على كسْرَى ابْنه شيرويه فَقتله فِي شهر كَذَا وَكَذَا لكذا وَكَذَا من اللَّيْل فَلَمَّا أَتَيَا رَسُول الله ﷺ قَالَ لَهما إِن رَبِّي قتل رَبكُمَا لَيْلَة كَذَا وَكَذَا من شهر كَذَا وَكَذَا بعد مَا مضى من اللَّيْل سلط عَلَيْهِ شيرويه فَقتله فَقَالَا هَل تَدْرِي مَا تَقول إِنَّا قد نقمنا مِنْك مَا هُوَ أيسر من هَذَا

стр. 412

أفنكتب بهَا عَنْك ونخبر الْملك قَالَ نعم أخبراه ذَلِك عني وقولا لَهُ إِن ديني وسلطاني سيبلغ مَا بلغ ملك كسْرَى وَيَنْتَهِي إِلَى مُنْتَهى الْخُف والحافر وقولا لَهُ إِنَّك إِن أسلمت أَعطيتك مَا تَحت يَديك وملكتك على قَوْمك من الْأَبْنَاء ثمَّ أعطاهما رَسُول الله ﷺ منْطقَة فِيهَا ذهب وَفِضة كَانَ أهداها لَهُ بعض الْمُلُوك فَخَرَجَا من عِنْده حَتَّى قدما على باذان وأخبراه الْخَبَر فَقَالَ وَالله مَا هَذَا بِكَلَام ملك وَإِنِّي لأرى الرجل نَبيا كَمَا يَقُول ولننظرن مَا قد قَالَ فَإِن كَانَ حَقًا فَإِنَّهُ لنَبِيّ مُرْسل وَإِن لم يكن فسنرى فِيهِ رَأينَا فَلم يلبث باذان أَن قدم عَلَيْهِ كتاب شيرويه أما بعد فَإِنِّي قد قتلت أبي كسْرَى وَلم أَقتلهُ إِلَّا غَضبا لفارس لما كَانَ اسْتحلَّ من قتل أَشْرَافهم وتجهيزهم فِي بعوثهم فَإِذا جَاءَك كتابي هَذَا فَخذ لي الطَّاعَة مِمَّن قبلك وَانْظُر الرجل الَّذِي كَانَ كسْرَى كتب إِلَيْك فِيهِ فَلَا تهجه حَتَّى يَأْتِيك أَمْرِي فِيهِ فَلَمَّا انْتهى كتاب شيرويه إِلَى باذان قَالَ إِن هَذَا الرجل لرَسُول الله فَأسلم وَأسْلمت الْأَبْنَاء من فَارس مِمَّن كَانَ مِنْهُم بِالْيمن قَالَ السُّهيْلي ﵀ كَانَ قتل كسْرَى لَيْلَة الثُّلَاثَاء لعشر من جُمَادَى الأولى سنة سبع من الْهِجْرَة وَأسلم باذان سنة عشر

стр. 413

وَعَن المَقْبُري قَالَ جَاءَ فَيْرُوز الديلمي إِلَى رَسُول الله ﷺ فَقَالَ إِن كسْرَى كتب إِلَى باذان بَلغنِي أَن فِي أَرْضك رجلا تنبأ فاربطه وَابعث بِهِ إِلَيّ فَقَالَ إِن رَبِّي غضب على رَبك فَقتله فدمه سخن السَّاعَة فَخرج من عِنْده فَسمع الْخَبَر فَأسلم وَحسن إِسْلَامه قَالَ ابْن عبد الْبر فَيْرُوز الديلمي يكنى بِأبي عبد الله وَيُقَال لَهُ الْحِمْيَرِي لنزوله بحمير وهم من أَبنَاء فَارس من فرس صنعاء الْيمن وَقيل إِن الْأَبْنَاء ينسبون فِي بني ضبة وفيروز قَاتل الْأسود الْعَنسِي الْكذَّاب الَّذِي ادّعى النُّبُوَّة قَتله بِصَنْعَاء فَأتى الْخَبَر من السَّمَاء إِلَى النَّبِي ﷺ فِي مَرضه الَّذِي توفّي فِيهِ فَخرج يبشر النَّاس فَقَالَ قتل الْأسود البارحة قَتله رجل مبارك من أهل بَيت مباركين قيل من هم يَا رَسُول الله قَالَ فَيْرُوز الديلمي وَذَلِكَ سنة إِحْدَى عشرَة من الْهِجْرَة وَتُوفِّي فَيْرُوز ﵁ فِي خلَافَة عُثْمَان ﵁ وروى الثعالبي فِي تَفْسِير سُورَة الْأَنْعَام عَن ابْن عَبَّاس قَالَ أهْدى كسْرَى بغلة لرَسُول الله ﷺ فركبها بِحَبل من شعر

стр. 414

وأردفه خَلفه قَالَ عبد الْكَرِيم قَالَ الدمياطي وَهَذَا بعيد لِأَنَّهُ مزق الْكتاب يَقُول مُؤَلفه عَفا الله عَنهُ وَأَن صَحَّ هَذَا لِأَن الْبَغَوِيّ ذكره أَيْضا فِي سُورَة الْأَنْعَام فَيحْتَمل أَن يكون الَّذِي أرسل البغلة شيرويه وَلَده أَو ابْن عَمه كسْرَى بن قباذ بن هُرْمُز أَو أزدشير بن شيرويه أَو جرهان هَؤُلَاءِ كلهم ملكوا بعد قتل أبرويز ثمَّ ملك بعدهمْ بوران بنت كسْرَى وَبلغ النَّبِي ﷺ أمرهَا فَقَالَ لن يفلح قوم أسندوا أَمرهم إِلَى امْرَأَة قَالَه ابْن قُتَيْبَة فِي المعارف وَالله أعلم أَي ذَلِك كَانَ فصل فِي ذكر سراقَة بن مَالك بن جعْشم فِي الْهِجْرَة وإعلامه ﷺ لَهُ بِأَنَّهُ يلبس سواري كسْرَى وتاجه وَمَا فِيهِ من عجائب معجزاته ﷺ روينَا عَن ابْن إِسْحَاق عَن عبد الرَّحْمَن بن مَالك بن جعْشم

стр. 415

المدلجي الْكِنَانِي حدث عَن أَبِيه عَن عَمه سراقَة قَالَ لما خرج رَسُول الله ﷺ من مَكَّة مُهَاجرا إِلَى الْمَدِينَة جعلت قُرَيْش فِيهِ مائَة نَاقَة لمن رده عَلَيْهِم قَالَ فَبينا أَنا جَالس فِي نَادِي قومِي أقبل رجل منا حَتَّى وقف علينا وَقَالَ وَالله لقد رَأَيْت ركبة ثَلَاثَة مروا عَليّ آنِفا إِنِّي لأراهم مُحَمَّدًا وَأَصْحَابه قَالَ فأومأت إِلَيْهِ بعيني أَن اسْكُتْ ثمَّ قلت إِنَّمَا هم بَنو فلَان يَبْغُونَ ضَالَّة لَهُم قَالَ لَعَلَّه ثمَّ سكت فَمَكثت قَلِيلا ثمَّ قُمْت فَدخلت بَيْتِي ثمَّ أمرت بفرسي فقيد إِلَى بطن الْوَادي وَأمرت بسلاحي فَأخْرج من دبر حُجْرَتي ثمَّ أخذت قداحي الَّتِي أستسقم بهَا ثمَّ انْطَلَقت فَلبِست لأمتي ثمَّ أخرجت قداحي فاستسقمت بهَا فَخرج السهْم الَّذِي أكره لَا يضرّهُ قَالَ وَكنت أَرْجُو أَن أرده على قُرَيْش فآخذ الْمِائَة النَّاقة قَالَ فركبت على أَثَره فَبينا فرسي يشْتَد بِي عثر بِي فَسَقَطت عَنهُ قَالَ فَقلت مَا هَذَا قَالَ ثمَّ أخرجت قداحي

стр. 416

فاستسقمت بهَا فَخرج السهْم الَّذِي أكره لَا يضرّهُ فأبيت إِلَّا أَن أتبعه فركبت فِي أَثَره كل ذَلِك ثَلَاث مَرَّات قَالَ فَلَمَّا بدا لي الْقَوْم فرأيتهم عثر بِي فرسي فَذَهَبت يَدَاهُ فِي الأَرْض وَسَقَطت عَنهُ قَالَ ثمَّ انتزع يَده من الأَرْض وتبعها دُخان كالأعصار قَالَ الْجَوْهَرِي الإعصار ريح تثير الْغُبَار ويرتفع إِلَى السَّمَاء كَأَنَّهُ عَمُود وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿فأصابها إعصار فِيهِ نَار فاحترقت﴾ قَالَ سراقَة فَعرفت حِين رَأَيْت ذَلِك أَنه قد منع مني وَأَنه ظَاهر قَالَ فناديت الْقَوْم أَنا سراقَة بن جعْشم انظروني أكلمكم فوَاللَّه لَا أريبكم وَلَا يأتيكم مني شَيْء تكرهونه قَالَ فَقَالَ رَسُول الله ﷺ لأبي بكر قل لَهُ مَا تبغي منا قَالَ فَقَالَ لي ذَلِك أَبُو بكر قَالَ قلت تكْتب لي كتابا يكون آيَة بيني وَبَيْنك قَالَ اكْتُبْ لَهُ يَا أَبَا بكر قَالَ فَكتب لي كتابا فِي عظم أَو فِي رقْعَة أَو فِي خزفة ثمَّ أَلْقَاهُ إِلَيّ فَأَخَذته فَجَعَلته فِي كِنَانَتِي ثمَّ رجعت فَسكت فَلم أذكر شَيْئا مِمَّا كَانَ حَتَّى إِذا كَانَ فتح مَكَّة على رَسُول الله ﷺ وَفرغ من حنين والطائف خرجت وَمَعِي الْكتاب لألقاه فَلَقِيته بالجعرانة قَالَ

стр. 417

فَدخلت فِي كَتِيبَة من خيل الْأَنْصَار فَجعلُوا يقرعوني بِالرِّمَاحِ وَيَقُولُونَ إِلَيْك إِلَيْك مَاذَا تُرِيدُ قَالَ فدنوت من رَسُول الله ﷺ وَهُوَ على نَاقَته وَالله لكَأَنِّي أنظر إِلَى سَاقه فِي غرزه كَأَنَّهَا جمارة قَالَ فَرفعت يَدي بِالْكتاب ثمَّ قلت يَا رَسُول الله هَذَا كتابك لي أَنا سراقَة بن جعْشم قَالَ فَقَالَ رَسُول الله ﷺ يَوْم وَفَاء وبر ادنه قَالَ فدنوت مِنْهُ فَأسْلمت ثمَّ تذكرت شَيْئا أسأَل رَسُول الله ﷺ عَنهُ فَمَا أذكرهُ إِلَّا أَنِّي قلت يَا رَسُول الله الضَّالة من الْإِبِل تغشى حياضي وَقد ملأتها لإبلي هَل لي من أجر فِي أَن أسقيها قَالَ نعم فِي كل ذَات كبد حرى أجر قَالَ ثمَّ رجعت إِلَى قومِي فسقت إِلَى رَسُول الله ﷺ صدقتي قَالَ السُّهيْلي وَذكر غير ابْن إِسْحَاق أَن أَبَا جهل لامه حِين رَجَعَ بِلَا شَيْء فَقَالَ وَكَانَ شَاعِرًا (أَبَا حكم وَالله لَو كنت شَاهدا ... لأمر جوادي إِذْ تسوح قوائمه)

стр. 418

(علمت وَلم تشكك بِأَن مُحَمَّدًا ... رَسُول ببرهان فَمن ذَا يقاومه) (عَلَيْك بكف الْقَوْم عَنهُ فانني ... أرى أمره يَوْمًا ستبدو معالمه) (بِأَمْر يود النَّاس فِيهِ بأسرهم ... بِأَن جَمِيع النَّاس طرا يسالمه) وروى الْوَاقِدِيّ أَنه لما كَانَ فِي خلَافَة عمر بن الْخطاب ﵁ وافتتح سعد بن أبي وَقاص مَدَائِن كسْرَى وَكَانَ بهَا خزائنه وذخائره فَلَمَّا غلب عَلَيْهَا فر إِلَى إصطخر هَارِبا وَأخذت أَمْوَاله ونفائس عدده وتاجه وسواراه ومنطقته وبساطه وَكَانَ سِتُّونَ ذِرَاعا فِي سِتِّينَ ذِرَاعا منظوما بِاللُّؤْلُؤِ والجواهر الملونة على ألوان زهر الرّبيع كَانَ يبسط لَهُ فِي إيوانه وَيشْرب عَلَيْهِ إِذا عدمت الزهور وَأما تاجه فَكَانَ مكللا بالجواهر النفيسة الَّتِي لَا نَظِير لَهَا وَكَانَ يعلق فِي صدر الإيوان وَيجْلس تَحْتَهُ من ثقله فَبعث بِجَمِيعِ ذَلِك سعد بن أبي وَقاص إِلَى عمر بن الْخطاب ﵁ مَعَ الْخمس وَابْنَة الْملك فِي زينتها وجمالها فَأمر بِالْمَالِ فسكب فِي صحن الْمَسْجِد وأظهروا زِيّ كسْرَى

стр. 419

ولباسه فَلَمَّا نظر عمر إِلَى تِلْكَ الْأَمْوَال والجواهر والبساط قَالَ إِن الَّذِي أدّى إِلَيْنَا هَذَا لأمين قَالَ السُّهيْلي ودعا عمر بسراقة وَكَانَ أزب الذراعين فحلاه حلية كسْرَى وَقَالَ لَهُ ارْفَعْ يَديك وَقل الْحَمد لله الَّذِي سلب هَذَا كسْرَى الْملك الَّذِي كَانَ يزْعم أَنه رب النَّاس وَكَسَاهَا أَعْرَابِيًا من بني مُدْلِج فَقَالَ ذَلِك سراقَة وَإِنَّمَا فعل ذَلِك عمر لِأَن رَسُول الله ﷺ كَانَ قد بشر بهَا سراقَة حِين أسلم وَأخْبرهُ أَن الله سيفتح عَلَيْهِ بِلَاد فَارس ويغنمه ملك كسْرَى فاستبعد ذَلِك سراقَة فِي نَفسه وَقَالَ أكسرى ملك الْمُلُوك إِن حليته ستجعل عَلَيْهِ فَأخْبرهُ ﷺ أَن حليته ستجعل عَلَيْهِ تَحْقِيقا للوعد وَإِن كَانَ أَعْرَابِيًا بوالا على عقبية وَلَكِن الله يعز بِالْإِسْلَامِ أَهله ويسبغ على مُحَمَّد ﷺ وَأمته نعْمَته وفضله وروى ابْن عبد الْبر أَن سراقَة ﵁ يكنى أَبَا سُفْيَان وَرُوِيَ عَن الْحسن أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ لسراقة ابْن مَالك كَيفَ بك إِذا لبست سواري كسْرَى قَالَ فَلَمَّا أَتَى عمر بِسوَارِي كسْرَى ومنطقته وتاجه دَعَا سراقَة فألبسه إِيَّاهَا وَكَانَ أزب كثير شعر

стр. 420

الساعدين وَقَالَ لَهُ ارْفَعْ يَديك فَقَالَ الله أكبر الْحَمد لله الَّذِي سلبهما كسْرَى بن هُرْمُز الَّذِي كَانَ يَقُول أَنا رب النَّاس وألبسهما سراقَة الْأَعرَابِي من بني مُدْلِج وَرفع بهَا عمر صَوته وَكَانَ سراقَة شَاعِرًا مجيدا توفّي سنة أَربع وَعشْرين فِي صدر خلَافَة عُثْمَان ﵃ وروى الْوَاقِدِيّ أَن عمر دَعَا بجميل بن رَوَاحَة وَكَانَ أجسم عَرَبِيّ يَوْمئِذٍ بِالْمَدِينَةِ فألبسه زيا آخر وزيا آخر لكسرى حَتَّى أَتَى عَلَيْهَا كلهَا ثمَّ ألبسهُ سلاحه وقلده سَيْفه فَنظر النَّاس إِلَيْهِ كَأَنَّهُ كسْرَى فِي ملكه وَقسم الْبسَاط بَين الْمُسلمين فَأصَاب عليا مِنْهَا قِطْعَة بَاعهَا بِخَمْسِينَ ألف دِينَار وَمَا هِيَ بأجود تِلْكَ الْقطع وَأمر بابنة الْملك يزدجرد فأوقفت بَين يَدَيْهِ وَعَلَيْهَا من الْحلِيّ والزينة والجواهر الْكَثِيرَة مَا أَن اللِّسَان يقصر عَن وَصفه فَأمر الْمُنَادِي أَن يُنَادي عَلَيْهَا وَقَالَ أظهر عز الْإِسْلَام وأزل نقابها ليزِيد الْمُسلمُونَ فِي ثمنهَا فامتنعت ووكزت المنادى فِي صَدره فَغَضب عمر وهم أَن يعلوها بدرته وَهِي تبْكي فَقَالَ عَليّ ﵁ مهلا يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فَإِنِّي سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول ارحموا عَزِيز قوم ذل وغنى قوم افْتقر فسكن غَضَبه ثمَّ أَعْطَاهَا للحسين بن عَليّ ﵄ قَالَ

стр. 421

السُّهيْلي وَأخذ لكسرى خَمْسَة أسياف لم ير مثلهَا أَحدهَا سيف كسْرَى أبرويز وَسيف كسْرَى أنوشروان وَسيف النُّعْمَان بن الْمُنْذر استلبه مِنْهُ حِين غضب عَلَيْهِ وألقاه إِلَى الفيلة فخبطته بأيديها حَتَّى مَاتَ وَسيف خاقَان ملك التّرْك وَسيف هِرقل صَار إِلَيْهِ أَيَّام غلبته على الرّوم فِي الْمدَّة الَّتِي ذكرهَا الله تَعَالَى فِي قَوْله ﴿الم غلبت الرّوم﴾ فَهَذَا كَانَ سَبَب تصيير سيف النُّعْمَان إِلَى كسْرَى أبرويز ثمَّ إِلَى كسْرَى يزدجرد ثمَّ إِلَى عمر ﵁ وَكَانَ الَّذِي قتل النُّعْمَان أبرويز وَكَانَ لأبرويز فِيمَا ذكر ألف فيل وَخَمْسُونَ ألف فرس وَثَلَاثَة آلَاف امْرَأَة وَتَفْسِير أنوشروان مُجَدد الْملك قَالَ الْوَاقِدِيّ وَلما قسم سعد بن أبي وَقاص الْغَنَائِم على الْمُسلمين بِالْمَدَائِنِ بعد أَن أخرج الْخمس ولباس كسْرَى وتاجه وبساطه وَكَانَ عدَّة الْجَيْش ثَلَاثِينَ ألف فَارس وَلم يكن فيهم راجل أصَاب كل فَارس اثْنَا عشر ألف دِينَار وَأورد السُّهيْلي طرفا من أَخْبَار مُلُوك الْفرس وَذكر مِنْهُم سَابُور

стр. 422

ذُو الأكتاف الَّذِي وطئ أَرض الْعَرَب وَكَانَ يخلع أكتافهم حَتَّى مر بِأَرْض بني تَمِيم فَفرُّوا مِنْهُ وَتركُوا عَمْرو بن تَمِيم وَهُوَ ابْن ثَلَاثمِائَة سنة لم يقدر على الْفِرَار وَكَانَ فِي قفة مُعَلّقا فِي عَمُود الْخَيْمَة من الْكبر فَأخذ وجئ بِهِ الْملك فاستنطقه سَابُور فَوجدَ عِنْده رَأيا ودهاء فَقَالَ لَهُ أَيهَا الْملك لم تفعل هَذَا بالعرب فَقَالَ يَزْعمُونَ أَن ملكنا يصير إِلَيْهِم على يَد نَبِي يبْعَث فِي آخر الزَّمَان فَقَالَ لَهُ عَمْرو فَأَيْنَ حلم الْمُلُوك وعقلهم إِن يكن هَذَا الْأَمر بَاطِلا فَلَا يَضرك وَإِن يكن حَقًا ألفاك وَقد اتَّخذت عِنْدهم يدا يكافئونك عَلَيْهَا ويحفظونك بهَا فِي ذويك فَيُقَال إِن سَابُور انْصَرف عَنْهُم واستبقى بَقِيَّتهمْ وَأحسن إِلَيْهِم بعد ذَلِك وَأما أبرويز بن هُرْمُز وَهُوَ الَّذِي كتب إِلَيْهِ رَسُول الله ﷺ فَهُوَ الَّذِي عرض على الله فِي الْمَنَام فَقيل لَهُ سلم مَا فِي يَديك إِلَى صَاحب الهراوة فَلم يزل مذعورا من ذَلِك حَتَّى كتب إِلَيْهِ النُّعْمَان بِظُهُور النَّبِي ﷺ بتهامة فَعلم أَن الْأَمر سيصير إِلَيْهِ حَتَّى كَانَ من أمره مَا كَانَ وَهُوَ الَّذِي سُئِلَ عَنهُ رَسُول الله ﷺ ماحجة الله على كسْرَى فَقَالَ إِن الله تَعَالَى أرسل إِلَيْهِ ملكا فسلك يَده فِي جِدَار مَجْلِسه حَتَّى أخرجهَا إِلَيْهِ تلألأ نورا فارتاع كسْرَى فَقَالَ لَهُ الْملك لم ترع يَا كسْرَى إِن

стр. 423

الله قد بعث رَسُوله فَأسلم تسلم فَقَالَ سَأَنْظُرُ ذكره الطَّبَرِيّ فِي أَعْلَام كَثِيرَة من النُّبُوَّة عرضت على أبرويز أضربنا عَن الإطالة بهَا وَيُسمى أَيْضا سَابُور بعد هَذَا سَابُور بن أبرويز أَخُو شيرويه وَقد ملك نَحوا من شَهْرَيْن فِي مُدَّة النَّبِي ﷺ وَملك أَخُوهُ شيرويه نَحوا من سِتَّة أشهر ثمَّ ملك بوران أختهما فملكت سنة وَهَلَكت وتشتت أَمرهم كل الشتات ثمَّ اجْتَمعُوا على يزدجرد بن شهريار بن أبرويز وَهُوَ آخر مُلُوك الْفرس وَكَانَ الْمُسلمُونَ قد غلبوا على أَطْرَاف أَرضهم ثمَّ كَانَت حروب الْقَادِسِيَّة مَعَهم إِلَى أَن قهرهم الْإِسْلَام وأستؤصل أَمرهم وَالْحَمْد لله وسابور تنْسب إِلَيْهِ الثِّيَاب السابرية قَالَه الْخطابِيّ وَقتل يزدجرد فِي أول خلَافَة عُثْمَان ﵁ وجد مستخفيا فِي رحى فَقتل وَطرح فِي قناة الرَّحَى وَذَلِكَ بمرو من أَرض فَارس وروى أَبُو عبيد الْقَاسِم بن سَلام عَن أبي البخْترِي قَالَ حاصر سلمَان ﵁ حصنا من حصون فَارس فَقَالَ حَتَّى أفعل بهم مَا فعل رَسُول الله ﷺ فَأَتَاهُم فَقَالَ إِنِّي رجل

стр. 424

مِنْكُم أسلمت فقد ترَوْنَ إكرام الْعَرَب إيَّايَ وَإِنَّكُمْ إِن أسلمتم كَانَ لكم مَا للْمُسلمين وَعَلَيْكُم مَا عَلَيْهِم فَإِن أَبَيْتُم فَعَلَيْكُم الْجِزْيَة وخاك بر سر يَعْنِي التُّرَاب على رؤوسكم بِالْفَارِسِيَّةِ فَإِن أَبَيْتُم قاتلناكم قَالَ لَا أعلمهُ إِلَّا قَالَ كَانَ يفعل ذَلِك ثَلَاثًا فَإِن أَبَوا قَاتلهم فصل فِي ذكر إبتداء ملك الْفرس فِي بِلَاد الْيمن وإسلامهم وَذكر تَاج كسْرَى وإيوانه ورؤيا الموبذان وَهُوَ القَاضِي بلغتهم قَالَ ابْن إِسْحَاق لما هلك أَبْرَهَة ملك الْحَبَشَة وَهُوَ صَاحب الْفِيل الَّذِي أنزل الله فِيهِ الْقُرْآن وقصته مَعْرُوفَة ملك بعده ابْنه يكسوم فَلَمَّا هلك ملك أَخُوهُ مَسْرُوق فَلَمَّا طَال الْبلَاء على أهل الْيمن من مُلُوك الْحَبَشَة خرج سيف بن ذِي يزن الْحِمْيَرِي وَهُوَ الَّذِي بشر عبد الْمطلب بِظُهُور رَسُول الله ﷺ وسأذكر خَبره فِيمَا بعد لتَعَلُّقه بِهَذَا الحَدِيث وَكَانَ يكنى بِأبي مرّة حَتَّى قدم على قَيْصر ملك الرّوم فَشكى إِلَيْهِ مَا

стр. 425

هُوَ فِيهِ وَسَأَلَهُ أَن يخرج الْحَبَشَة وَيبْعَث إِلَيْهِم من شَاءَ من الرّوم فَيكون لَهُ ملك الْيمن فَلم يشكه وَخرج حَتَّى أَتَى النُّعْمَان بن الْمُنْذر وَهُوَ عَامل كسْرَى على الْحيرَة وَمَا يَليهَا من أَرض الْعرَاق فَشَكا إِلَيْهِ أَمر الْحَبَشَة فَقَالَ لَهُ النُّعْمَان إِن لي وفادة على كسْرَى فِي كل عَام فأقم حَتَّى يكون ذَلِك فَفعل ثمَّ خرج مَعَه فَأدْخلهُ على كسْرَى وَكَانَ كسْرَى يجلس فِي إيوانه الَّذِي فِيهِ تاجه وَكَانَ تاجه مثل القنقل الْعَظِيم فِيمَا يَزْعمُونَ قَالَ الْجَوْهَرِي القنقل الْمِكْيَال الْعَظِيم الضخم يضْرب بِهِ الْيَاقُوت والزبرجد واللؤلؤ بِالذَّهَب وَالْفِضَّة مُعَلّقا بسلسلة من ذهب فِي رَأس طاق فِي إيوانه وَكَانَت عُنُقه لَا تحمل تاجه إِنَّمَا يستر بالثياب حَتَّى يجلس فِي مَجْلِسه ذَلِك ثمَّ يدْخل رَأسه فِي تاجه فاذا اسْتَوَى فِي مَجْلِسه كشفت عَنهُ الثِّيَاب فَلَا يرَاهُ رجل لم يره قبل ذَلِك إِلَّا برك هَيْبَة لَهُ فَلَمَّا دخل عَلَيْهِ سيف ابْن ذِي يزن برك وَقيل إِن سَيْفا لما دخل عَلَيْهِ طأطأ رَأسه فَقَالَ الْملك إِن هَذَا الأحمق يدْخل عَليّ من هَذَا الْبَاب الطَّوِيل
следующие страницы →