Полный текст (601 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
وَقَالَ القتبي كَانَ قصَّة تبع قبل الْإِسْلَام بسبعمائة عَام
قَالَ السُّهيْلي ﵀ وَقَالَ ابْن إِسْحَاق فِي غير هَذَا الْموضع أول من كسا الْكَعْبَة الديباج الْحجَّاج وَذكر جمَاعَة سواهُ مِنْهُم الدَّارَقُطْنِيّ أَن نتيلة بنت جناب أم الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب كَانَت قد أضلت الْعَبَّاس صَغِيرا فنذرت إِن وجدته أَن تكسو الْكَعْبَة الديباج فَفعلت ذَلِك حِين وجدته وَكَانَت من بَيت مملكة وَقَالَ الزبير النسابة بل أول من كساها الديباج عبد الله بن الزبير
قَالَ السُّهيْلي الْأَقْيَال الْمُلُوك الَّذين دون التبابعة واحدهم قيل وَقد صرفُوا من القيل فعلا فَقَالُوا قَالَ علينا فلَان أَي ملك والقيالة الْإِمَارَة وَمِنْه قَول النَّبِي ﷺ فِي تسبيحه الَّذِي رَوَاهُ عَنهُ التِّرْمِذِيّ سُبْحَانَ الَّذِي لبس الْعِزّ وَقَالَ بِهِ أَي ملك بِهِ وقهر هَكَذَا فسر الْهَرَوِيّ فِي الغريبين
قَالَ وَكَانَ بِنَاء الْكَعْبَة فِي الدَّهْر خمس مَرَّات الأولى حِين بناها شِيث بن آدم وَالثَّانيَِة حِين بناها إِبْرَاهِيم على الْقَوَاعِد الأولى وَالثَّالِثَة حِين بنتهَا قُرَيْش قبل الْإِسْلَام بِخَمْسَة أَعْوَام وَالرَّابِعَة حِين احترقت فِي عهد ابْن الزبير بشرارة طارت من أبي قبيس فَوَقَعت فِي أستارها وَقيل
стр. 492
إِن امْرَأَة أَرَادَت أَن تجمرها فطارت شرارة من المجمر فِي الأستار فاحترقت فَهَدمهَا وبناها وَالْخَامِسَة فِي زمن عبد الْملك بن مَرْوَان لما قتل الْحجَّاج عبد الله بن الزبير هدمها وردهَا على مَا كَانَت عَلَيْهِ فِي عهد رَسُول الله ﷺ فَلَمَّا بلغه حَدِيث عَائِشَة ﵂ حِين قَالَ لَهَا النَّبِي ﷺ ألم ترى قَوْمك حِين بنوا الْكَعْبَة اقتصروا على قَوَاعِد إِبْرَاهِيم حِين عجزت بهم النَّفَقَة ثمَّ قَالَ ﵇ لَوْلَا حدثان عهد قَوْمك بالجاهلية لهدمتها ولجعلت لَهَا خلفا وألصقت بَابهَا بِالْأَرْضِ وأدخلت فِيهَا الْحجر فعلى مُقْتَضى حَدِيث عَائِشَة ﵂ بناها عبد الله بن الزبير على مَا ذكرت عَائِشَة فَقَالَ عبد الْملك وددت أَنِّي تركت ابْن الزبير وَمَا تحمل من ذَلِك فَلَمَّا ولي أَبُو جَعْفَر الْمَنْصُور الْخلَافَة أَرَادَ أَن يبنيها على مَا بناها ابْن الزبير فَقَالَ لَهُ مَالك بن أنس أنْشدك الله أَن تجْعَل هَذَا الْبَيْت ملعبة للملوك بعْدك لَا يَشَاء أحد أَن يُغَيِّرهُ إِلَّا غَيره فتذهب هيبته من قُلُوب النَّاس فَصَرفهُ عَن ذَلِك وَقيل إِنَّه بني فِي أَيَّام جرهم مرّة أَو مرَّتَيْنِ لِأَن السَّيْل كَانَ قد صدع حَائِطه وَلم يكن ذَلِك بنيانا على نَحْو مَا قدمْنَاهُ إِنَّمَا كَانَ إصلاحا
стр. 493
لما وَهِي مِنْهُ وجدارا بني بَينه وَبَين السَّيْل قَالَ وَكَانَت الْكَعْبَة قبل أَن يبنيها شِيث ﵇ خيمة من ياقوتة حَمْرَاء يطوف بهَا آدم ﵇ ويأنس بهَا لِأَنَّهَا أنزلت إِلَيْهِ من الْجنَّة
فصل فِي خبر مِفْتَاح الْكَعْبَة
وَإِن لم يكن من مَقْصُود الْكتاب وَإِنَّمَا أوردته لما فِيهِ من إِظْهَار معجزته ﷺ
قَالَ السُّهيْلي ذكر ابْن سعد فِي الطَّبَقَات عَن عُثْمَان بن طَلْحَة الحَجبي قَالَ كُنَّا نفتح الْكَعْبَة فِي الْجَاهِلِيَّة يَوْم الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيس فَأقبل النَّبِي ﷺ يَوْمًا يُرِيد أَن يدْخل الْكَعْبَة مَعَ النَّاس فأغلظت لَهُ ونلت مِنْهُ فحلم عني ثمَّ قَالَ يَا عُثْمَان لَعَلَّك سترى هَذَا الْمِفْتَاح يَوْمًا بيَدي أَضَعهُ حَيْثُ شِئْت فَقلت لَهُ هَلَكت قُرَيْش يَوْمئِذٍ وذلت قَالَ بل عمرت وعزت يَوْمئِذٍ وَدخل الْكَعْبَة فَوَقَعت كَلمته مني موقعا ظَنَنْت يَوْمئِذٍ أَن الْأَمر سيصير إِلَى مَا قَالَ فَلَمَّا كَانَ يَوْم فتح مَكَّة وركزت رايته بالحجون عِنْد مَسْجِد الْفَتْح ونهض ﷺ والمهاجرون وَالْأَنْصَار حوله وَبَين
стр. 494
يَدَيْهِ وَخَلفه حَتَّى دخل الْمَسْجِد فَأقبل إِلَى الْحجر الْأسود فاستلمه ثمَّ طَاف بِالْبَيْتِ وَبِيَدِهِ قَوس وَكَانَ طَوَافه على رَاحِلَته وَلم يكن محرما يَوْمئِذٍ فاقتصر على الطّواف حول الْبَيْت وَعَلِيهِ ثَلَاثمِائَة وَسِتُّونَ صنما فَجعل يطعنها بِالْقَوْسِ وَيَقُول ﴿جَاءَ الْحق وزهق الْبَاطِل إِن الْبَاطِل كَانَ زهوقا﴾ ﴿جَاءَ الْحق وَمَا يبدئ الْبَاطِل وَمَا يُعِيد﴾ والأصنام تتساقط على وجوهها وَرُوِيَ أَنَّهَا كَانَت مثبتة أرجلها بالرصاص وَبعث رَسُول الله ﷺ إِلَى الْأَصْنَام الَّتِي كَانَت حول الْكَعْبَة فَكسرت كلهَا مِنْهَا اللات والعزى وَمَنَاة الثَّالِثَة الْأُخْرَى ونادى مناديه بِمَكَّة من كَانَ يُؤمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر فَلَا يدع فِي بَيته صنما إِلَّا كَسره
قَالَ وهم فضَالة بن عُمَيْر بن الملوح أَن يقتل رَسُول الله ﷺ وَهُوَ يطوف بِالْبَيْتِ فَلَمَّا دنا مِنْهُ قَالَ رَسُول الله ﷺ أفضالة قَالَ فضَالة نعم يَا رَسُول الله قَالَ مَاذَا كنت تحدث بِهِ نَفسك قَالَ لَا شَيْء كنت أذكر الله فَضَحِك النَّبِي ﷺ ثمَّ قَالَ اسْتغْفر الله ثمَّ وضع يَده على صَدره فسكن قلبه وَكَانَ فضَالة يَقُول وَالله مَا رفع يَده عَن صَدْرِي حَتَّى مَا خلق الله شَيْئا أحب إِلَيّ مِنْهُ قَالَ فضَالة فَرَجَعت إِلَى أَهلِي فمررت بِامْرَأَة كنت أتحدث إِلَيْهَا فَقَالَت هَلُمَّ إِلَى الحَدِيث فَقلت لَا وانبعث فضَالة يَقُول
стр. 495
(قَالَت هَلُمَّ إِلَى الحَدِيث فَقلت لَا ... يَأْبَى عَلَيْك الله وَالْإِسْلَام)
(لَو قد رَأَيْت مُحَمَّدًا وقبيله ... بِالْفَتْح يَوْم تكسر الْأَصْنَام)
(لرأيت دين الله أضحى بَيْننَا ... والشرك يغشى وَجهه الأظلام)
ثمَّ دَعَا ﷺ عُثْمَان بن طَلْحَة فَأخذ مِنْهُ مِفْتَاح الْكَعْبَة فَأمر بهَا ففتحت فَدَخلَهَا فَرَأى الصُّور فَأمر بهَا فمحيت ثمَّ صلى وَدَار فِي الْبَيْت وَكبر فِي نواحيه ووحد الله ثمَّ فتح الْبَاب وقريش قد مَلَأت الْمَسْجِد صُفُوفا ينظرُونَ مَاذَا يصنع فَأخذ بِعضَادَتَيْ الْبَاب وهم تَحْتَهُ فَقَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ صدق وعده وَنصر عَبده وَهزمَ الْأَحْزَاب وَحده أَلا كل مأثرة أَو دم أَو مَال فَهُوَ تَحت قدمي هَاتين إِلَّا سدانة الْبَيْت وسقاية الْحَاج ثمَّ قَالَ يَا معشر قُرَيْش إِن الله قد أذهب عَنْكُم نخوة الْجَاهِلِيَّة وتعظيمها بِالْآبَاءِ النَّاس من آدم وآدَم من تُرَاب ثمَّ تَلا هَذِه الْآيَة يأيها النَّاس إِنَّا خلقنكم من ذكر وَأُنْثَى الْآيَة ثمَّ قَالَ يَا معشر قُرَيْش مَا ترَوْنَ أَنِّي فَاعل بكم قَالُوا بل خيرا أَخ كريم وَابْن أَخ كريم قَالَ فَإِنِّي أَقُول لكم كَمَا قَالَ يُوسُف لإخوته ﴿لَا تَثْرِيب عَلَيْكُم الْيَوْم﴾ اذْهَبُوا فَأنْتم
стр. 496
الطُّلَقَاء ثمَّ قَامَ إِلَيْهِ عَليّ وَفِي رِوَايَة الْعَبَّاس فِي رجال من بني هَاشم ومفتاح الْكَعْبَة فِي يَده فَقَالَ يَا رَسُول الله اجْمَعْ لنا الحجابة مَعَ السِّقَايَة صلى الله عَلَيْك فَقَالَ رَسُول الله ﷺ أَيْن عُثْمَان بن طَلْحَة فدعى لَهُ فَقَالَ هاك مفتاحك يَا عُثْمَان الْيَوْم يَوْم بر ووفاء خذوها خالدة تالدة لَا يَنْزِعهَا مِنْكُم إِلَّا ظَالِم يَا عُثْمَان إِن الله استأمنكم على بَيته فَكُلُوا مِمَّا يصل إِلَيْكُم من هَذَا الْبَيْت بِالْمَعْرُوفِ قَالَ فَلَمَّا وليت ناداني فَرَجَعت إِلَيْهِ فَقَالَ ألم يكن الَّذِي قلت لَك قَالَ فَذكرت قَوْله فِي الْجَاهِلِيَّة قبل الْهِجْرَة لَعَلَّك سترى هَذَا الْمِفْتَاح بيَدي أَضَعهُ حَيْثُ شِئْت فَقلت بلَى أشهد أَنَّك رَسُول الله
стр. 497
حرف الْجِيم
ذكر إرْسَاله ﷺ إِلَى جبلة بن الْأَيْهَم الغساني
قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ كتب رَسُول الله ﷺ إِلَى جبلة بن الْأَيْهَم ملك غَسَّان بِالشَّام يَدعُوهُ إِلَى الْإِسْلَام فَأسلم وَكتب بِإِسْلَامِهِ إِلَى رَسُول الله ﷺ وَأهْدى لَهُ هَدِيَّة ثمَّ لم يزل مُسلما حَتَّى كَانَ فِي زمن عمر بن الْخطاب ﵁ فَطَافَ بِالْبَيْتِ فوطئ إزَاره رجل من بني فَزَارَة فانحل فَرفع جبلة يَده فَلَطَمَهُ فهشم أَنفه فاستعدى عَلَيْهِ عمر فَقَالَ لَهُ عمر إِمَّا أَن ترْضى الرجل وَإِمَّا أَن أقيده مِنْك قَالَ وَاخْتلفت الرِّوَايَات فِيهِ قيل أسلم وَأهْدى هَدِيَّة كَمَا ذكرنَا وَقيل أَقَامَ على دينه إِلَى أَيَّام عمر ثمَّ أوقع الله الْإِسْلَام فِي قلبه فَأسلم وَقدم على عمر ثمَّ ارْتَدَّ
стр. 498
قَالَ السُّهيْلي قدم شُجَاع بن وهب على جبلة بن الْأَيْهَم بن الْحَارِث بن أبي شمر وَكَانَ طوله اثْنَي عشر شبْرًا وَكَانَ يمسح برجليه الأَرْض وَهُوَ رَاكب فَقَالَ لَهُ يَا جبلة إِن قَوْمك نقلوا هَذَا النَّبِي الْأُمِّي من دَاره إِلَى دَارهم يَعْنِي الْأَنْصَار فآووه ومنعوه وَأَن هَذَا الدّين الَّذِي أَنْت عَلَيْهِ لَيْسَ بدين آبَائِك وَلَكِنَّك ملكت الشَّام وجاورت بهَا الرّوم وَلَو جَاوَرت كسْرَى دنت بدين الْفرس لملك الْعرَاق وَقد أقرّ بِهَذَا النَّبِي من أهل دينك من أَن فضلناه عَلَيْك لم يغضبك وَإِن فضلناك عَلَيْهِ لم يرضك فَإِن أسلمت أَطَاعَتك الشَّام وهابتك الرّوم وَإِن لم يَفْعَلُوا كَانَت لَهُم الدُّنْيَا وَلَك الْآخِرَة وَكنت قد استبدلت الْمَسَاجِد بِالْبيعِ وَالْأَذَان بالناقوس وَالْجمع بالسعانين والقبلة بالصليب وَكَانَ مَا عِنْد الله خير وَأبقى فَقَالَ لَهُ جبلة إِنِّي وَالله لَوَدِدْت أَن النَّاس اجْتَمعُوا على هَذَا النَّبِي اجْتِمَاعهم على خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَلَقَد سرني اجْتِمَاع قومِي لَهُ وأعجبني قَتله أهل الْأَوْثَان وَالْيَهُود واستبقاءه النَّصَارَى وَلَقَد دَعَاني قَيْصر إِلَى قتال أَصْحَابه يَوْم مُؤْتَة فأبيت عَلَيْهِ فَانْتدبَ مَالك بن نَافِلَة من سعد الْعَشِيرَة فَقتله الله وَلَكِنِّي لست أرى حَقًا يَنْفَعهُ وَلَا بَاطِلا يضرّهُ وَالَّذِي يمدني إِلَيْهِ أقوى من الَّذِي يختلجني عَنهُ وسأنظر
стр. 499
قَالَ صَاحب زبدة الفكرة وَلما أسلم فِي أَيَّام عمر كتب إِلَيْهِ يُخبرهُ بِإِسْلَامِهِ ويستأذنه فِي الْقدوم عَلَيْهِ فسر عمر بذلك وَأذن لَهُ فَخرج من خمسين وَمِائَتَيْنِ من أهل بَيته حَتَّى إِذا قَارب الْمَدِينَة عمد إِلَى أَصْحَابه فحملهم على الْخَيل وقلدها قلائد الْفضة وَالذَّهَب وألبسها الديباج الْحَرِير وَوضع على رَأسه تاجه وَكَانَ فِيهِ قرطا مَارِيَة جدته فَلم يبْق بكر وَلَا عانس إِلَّا خرجت تنظر إِلَيْهِ وَإِلَى زيه فَلَمَّا دخل على عمر ﵁ رحب بِهِ وَأدنى مَجْلِسه وَأقَام بِالْمَدِينَةِ مكرما
فجَاء أَوَان الْحَج فَخرج عمر حَاجا وَخرج مَعَه فَبَيْنَمَا هُوَ يطوف بِالْبَيْتِ وَهُوَ محرم وطئ إزَاره رجل من بني فَزَارَة فانحل فَرفع جبلة يَده فلطم الْفَزارِيّ فهشم أَنفه فاستعدى عَلَيْهِ عمر ﵁ فَبعث إِلَى جبلة فَأَتَاهُ فَقَالَ لم هشمت أَنفه فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِنَّه تعمد حل إزَارِي وَلَوْلَا حُرْمَة الْكَعْبَة لضَرَبْت وَجهه بِالسَّيْفِ فَقَالَ لَهُ أما أَنْت فقد أَقرَرت إِمَّا أَن ترضيه وَإِلَّا أقدته مِنْك قَالَ جبلة فيصنع بِي مَاذَا قَالَ يهشم أَنْفك كَمَا فعلت بِهِ قَالَ وَكَيف ذَلِك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ وهوسوقة وَأَنا ملك قَالَ إِن الْإِسْلَام جمعك وإياه فلست تفضله إِلَّا بالتقى والعافية قَالَ جبلة قد ظَنَنْت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أَنِّي أكون فِي الْإِسْلَام أعز مني فِي الْجَاهِلِيَّة قَالَ عمر دع عَنْك هَذَا فَإنَّك إِن لم
стр. 500
ترض الرجل أقدته مِنْك قَالَ إِذا أتنصر قَالَ إِن تنصرت ضربت عُنُقك لِأَنَّك قد أسلمت فَإِن ارتددت قتلتك فَلَمَّا رأى جبلة الصدْق من عمر قَالَ أمهلني اللَّيْلَة حَتَّى أنظر فَلَمَّا أَمْسوا أذن لَهُ عمر فِي الإنصراف
فَلَمَّا كَانَ من اللَّيْل تحمل هُوَ وَأَصْحَابه بخيله وَرِجَاله إِلَى الشَّام فَأَصْبَحت مَكَّة مِنْهُم بَلَاقِع وَسَار على طَرِيق السَّاحِل فَلَمَّا انْتهى إِلَى الشَّام تحمل فِي خَمْسمِائَة من قومه حَتَّى أَتَوا الْقُسْطَنْطِينِيَّة فَدخل على هِرقل فَتَنَصَّرَ هُوَ وَقَومه فسر بذلك هِرقل وَظن أَنه فتح من الْفتُوح عَظِيم وأقطعه مَا شَاءَ وزوجه ابْنَته وقاسمه ملكه وَجعله من سماره وَأقَام مَدِينَة قلت هِيَ جبلة مَدِينَة فِي سَاحل الشَّام بَين طرابلس واللاذقية يذكر أَن فِيهَا قبر إِبْرَاهِيم بن أدهم دَخَلتهَا فِي عَام تسع وَثَلَاثِينَ وَسَبْعمائة
ثمَّ إِن عمر ﵁ كتب كتابا إِلَى هِرقل فِي أَمر يخص الْمُسلمين وَبعث بِهِ مَعَ رَسُول إِلَيْهِ قيل إِن اسْمه جثامة بن مساحق الْكِنَانِي فَلَمَّا قدم الرَّسُول على هِرقل أجَاب بِمَا أَرَادَ عمر فَلَمَّا عزم الرَّسُول على الرُّجُوع قَالَ لَهُ هِرقل هَل لقِيت ابْن عمك جبلة قَالَ
стр. 501
لَا قَالَ فالقه
قَالَ فَأتيت بَاب جبلة فَرَأَيْت عَلَيْهِ من الْبَهْجَة والخدم مَا لم أره على بَاب الْملك فاستأذنت عَلَيْهِ فَأذن لي فَلَمَّا دخلت قَامَ فاعتنقني وعاتبني فِي ترك النُّزُول عَلَيْهِ وَإِذا هُوَ فِي بهو عَظِيم قَالَ الْجَوْهَرِي البهو الْبَيْت الْمُقدم أَمَام الْبيُوت على سَرِير من ذهب وَحَوله من التماثيل مَا لَا أحسن أصفه وَإِذا هُوَ أصهب ذُو سبال وَقد ذَر الذَّهَب فِي لحيته ثمَّ أَمرنِي أَن أَجْلِس على كرْسِي من ذهب فأبيت وَقلت إِن رَسُول الله ﷺ نَهَانَا أَن نجلس على مثل هَذَا ثمَّ سَأَلَني عَن عمر ﵁ وَعَن الْمُسلمين والطف فِي الْمَسْأَلَة وألحف فِي السُّؤَال وَظهر على وَجهه آثَار الْحزن قلت فَمَا يمنعك من الرُّجُوع إِلَى الْإِسْلَام فَقَالَ هَيْهَات هَيْهَات بعد الَّذِي كَانَ قلت نعم ارْتَدَّ الْأَشْعَث بن قيس وجالدهم بِالسُّيُوفِ وَمنع الزَّكَاة ثمَّ عَاد إِلَى الْإِسْلَام وزوجه أَبُو بكر ﵁ أُخْته فَقَالَ دع عَنْك هَذَا
وَأَوْمَأَ إِلَى وصيف على رَأسه فولى وَحضر فَمَا شعرنَا إِلَّا بالصناديق تحملهَا الرِّجَال وَوضعت أمامنا مائدة من ذهب فَقلت لَا آكل عَلَيْهَا فَوضعت أَمَامِي مائدة من خلنج ومالوا علينا بالحار والبارد فِي صحاف الذَّهَب وَالْفِضَّة ودارت الْخمر فاستعففت وَغسل يَده فِي طست من ذهب
ثمَّ أَشَارَ إِلَى وصيف آخر فولي فَمَا كَانَ بأسرع من أَن أقبل عشر جوَار فَقعدَ خمس عَن يَمِينه وَخمْس عَن يسَاره على كراسي الذَّهَب
стр. 502
وَأَقْبَلت جَارِيَة وَفِي يَدهَا الْيُمْنَى جَام من ذهب فِيهِ طَائِر أَبيض وَفِي الْجَام مسك وَعَنْبَر سحيقان وَفِي يَدهَا الْأُخْرَى جَام آخر لم أر مثله فتقرب الطَّائِر فتقلب فِي الْجَام ثن انْتقل إِلَى الْجَام الآخر ثمَّ طَار فَسقط على صَلِيب فِي تَاج جبلة ثمَّ حرك جناحيه فنثر ذَلِك الْمسك على رَأس جبلة ولحيته ثمَّ شرب أقداحا واستهل واستبشر ثمَّ قَالَ للجواري أطربنني فحفقن بعيدانهن واندفعن يغنين هَذِه الأبيات
(لله در عِصَابَة نادمتهم ... يَوْمًا بجلق فِي الزَّمَان الأول)
(أَوْلَاد جَفْنَة حول قبر أَبِيهِم ... قبر ابْن مَارِيَة الْكَرِيم الْمفضل)
(يسقون من ورد البريض عَلَيْهِم ... بردي يصفق بالرحق السلسل)
(بيض الْوُجُوه كَرِيمَة أحسابهم ... شم الأنوف من الطّراز الأول)
(يغشون حَتَّى مَا تهر كلابهم ... لَا يسْأَلُون عَن السوَاد الْمقبل)
فطرب ثمَّ قَالَ أتعرف هَذَا الشّعْر لمن هُوَ قلت لَا قَالَ لحسان بن ثَابت قَالَه فِينَا وَفِي ملكنا قلت نعم إِنَّه لشيخ كَبِير ضَرِير ثمَّ قَالَ أطربنني فغنين
(لمن الدَّار أقفرت بمعان ... بَين فرع اليرموك فالخمان)
стр. 503
(ذَاك مغنى لآل جَفْنَة فِي الدَّهْر محاه تعاقب الْأَزْمَان ... )
قَالَ الْبكْرِيّ خمان نَاحيَة بالبثنية من أَرض الشَّام
ثمَّ قَالَ للجواري أبكينني فوضعن عيدانهن ونكسن رؤوسهن وقلن
(تنصرت الْأَشْرَاف من عَار لطمة ... وَمَا كَانَ فِيهَا لَو صبرت لَهَا ضَرَر)
(تكنفني فِيهَا لجاج ونخوة ... وبعت بهَا الْعين الصَّحِيحَة بالعور)
(فيا لَيْت أُمِّي لم تلدني وليتني ... رجعت إِلَى القَوْل الَّذِي قَالَه عمر)
(وَيَا لَيْتَني أرعى الْمَخَاض بقفرة ... وَكنت أَسِيرًا فِي ربيعَة أَو مُضر)
(وَيَا لَيْت لي بِالشَّام أدنى معيشة ... أجالس قومِي ذَاهِب السّمع وَالْبَصَر)
(أديني بِمَا دانوا بِهِ من شَرِيعَة ... وَقد يصبر الْعود الْكَبِير على الدبر)
وَانْصَرف الْجَوَارِي وَوضع كمه على وَجهه وَبكى حَتَّى نظرت إِلَى دُمُوعه تجول على خديه كَأَنَّهَا اللُّؤْلُؤ الرطب وبكيت مَعَه حَتَّى رَحمته قَالَ يَا جَارِيَة هَاتِي خَمْسمِائَة دِينَار هِرَقْلِيَّة فَجَاءَت بهَا فَقَالَ خُذْهَا لَك صلَة فَقلت لَا وَالله لَا لأقبل صلَة رجل ارْتَدَّ عَن الْإِسْلَام
стр. 504
فَقَالَ اقْرَأ على عمر مني السَّلَام
قَالَ فَلَمَّا قفلت على عمر ﵁ ذكرت لَهُ ذَلِك فَقَالَ قَاتله الله بَاعَ بَاقِيا بفان
تَفْسِير مَا فِي الشّعْر من الْغَرِيب
قَوْله عِصَابَة قَالَ الْجَوْهَرِي الْعِصَابَة الْجَمَاعَة من الْخَيل وَالنَّاس وَالطير والعصبة من الرِّجَال مَا بَين الْعشْرَة إِلَى الْأَرْبَعين وَقَوله بجلق قَالَ الْبكْرِيّ جلق بِكَسْر أَوله وثانيه وتشديده مَوضِع بِالشَّام مَعْرُوف وَرُوِيَ بِفَتْح اللَّام ومارية تقدم الْكَلَام عَلَيْهِ عِنْد ذكر الْمُقَوْقس قَوْله البريض قَالَ الْجَوْهَرِي التبرض التبلغ بالعيش وتبرضت الشَّيْء إِذا أَخَذته قَلِيلا والبرض الْقَلِيل يُقَال مَاء برض أَي قَلِيل قَوْله يصفق قَالَ ابْن فَارس صفق الشَّرَاب حوله من إِنَاء إِلَى إِنَاء وصفق الْإِبِل إِذا حولهَا من مرعى إِلَى مرعى قَوْله بالرحيق قَالَ الْجَوْهَرِي الرَّحِيق صفوة الْخمر قَوْله السلسل قَالَ الْجَوْهَرِي تسلسل المَاء فِي الْحَوْض جرى وَمَاء سلسل وسلسال سهل الدُّخُول فِي الْحلق لعذوبته وصفائه قَوْله شم الأنوف قَالَ الْجَوْهَرِي الشمم
стр. 505
ارْتِفَاع فِي قَصَبَة الْأنف مَعَ اسْتِوَاء أَعْلَاهُ فَإِن كَانَ فِيهَا احديداب فَهُوَ القنا وَرجل أَشمّ الْأنف وجبل أَشمّ أَي طَوِيل الرَّأْس بَين الشمم فيهمَا أَبُو عَمْرو أَشمّ الرجل يشم إشماما وَهُوَ أَن يمر رَافعا رَأسه قَوْله من الطّراز الأول قَالَ الْجَوْهَرِي الطّراز الْهَيْئَة وَاسْتشْهدَ بِبَيْت حسان قَوْله اليرموك قَالَ الْبكْرِيّ اليرموك حَيْثُ التقى جمع الرّوم الْأَعْظَم والمسلمون وأميرهم أَبُو عُبَيْدَة وَهُوَ مَعْرُوف بِالشَّام قَوْله فالصمان قَالَ الْبكْرِيّ الصمان بِفَتْح أَوله وَتَشْديد ثَانِيه على وزن فعلان هُوَ جبل على طَرِيق الْبَصْرَة لمن أَرَادَ مَكَّة لَيْسَ لَهُ ارْتِفَاع سمي الصمان لصلابته قَوْله وَقد يصبر الْعود قَالَ الْجَوْهَرِي الْعود المسن من الْإِبِل وَهُوَ الَّذِي جَاوز فِي سنه البازل والمخلف وَجمعه عودة وَفِي الْمثل إِن جرجر الْعود فزده ثقلا وَيُقَال زاحم بِعُود أَو دع أَي اسْتَعِنْ على حربك بِأَهْل السن والمعرفة فَإِن رأى الشَّيْخ خير من مشْهد الْغُلَام وَالْعود أَيْضا الطَّرِيق الْقَدِيم وَقَالَ (عود على عود لأقوام أول ... )
أَي بعير مسن على طَرِيق قديم
стр. 506
وَعَن عبد الله بن مسْعدَة الْفَزارِيّ قَالَ بَعَثَنِي مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان إِلَى ملك الرّوم فَدخلت عَلَيْهِ فَإِذا عِنْده رجل على سَرِير من ذهب فكلمني فَقلت من أَنْت فَقَالَ رجل غلب عَلَيْهِ الشَّقَاء أَنا جبلة بن الْأَيْهَم الغساني إِذا صرت إِلَى منزلي فالحقني قَالَ فَأَتَيْته قَالَ أَتَرَى صَاحبك يبْقى لي إِن رجعت إِلَيْهِ قَالَ قلت اشْترط مَا شِئْت قَالَ يعطيني البثنية فَإِنَّهَا كَانَت مَنَازلنَا وَعشْرين قَرْيَة من قرى الغوطة وَيحسن جوارنا وجوائزنا ويفرض لجماعتنا قَالَ الْبكْرِيّ البثنية مَعْرُوفَة بَين كور دمشق والبثنة والبثنة الأَرْض السهلة وَبِذَلِك سميت الْمَرْأَة بثينة قَالَ عبد الله فَلَمَّا قدمت على مُعَاوِيَة أخْبرته فَكتب إِلَيْهِ يجِيبه إِلَى مَا سَأَلَ فأدركه الرَّسُول قد مَاتَ وَقيل إِن الرَّسُول الَّذِي بَعثه مُعَاوِيَة إِلَى ملك الرّوم تَمِيم ابْن بشر بن الْبَراء بن معْرور الْأنْصَارِيّ
وَعَن ابْن الْكَلْبِيّ عَن أَبِيه قَالَ حاصر الْمُسلمُونَ مَدِينَة من مَدَائِن الرّوم وَكَانَ جبلة فِيهَا فَاطلع عَلَيْهِم وَقَالَ أفيكم أحد من أهل الْمَدِينَة
стр. 507
من الْأَنْصَار قَالَ رجل نعم قَالَ فَمَا فعل بِحسان بن ثَابت قَالَ تركته وَقد كف بَصَره فَرمى بصرة فِيهَا ألف دِينَار وَقَالَ احملها إِلَيْهِ فَإِن وجدته حَيا فأقرئه مني السَّلَام وادفعها إِلَيْهِ وَإِن كَانَ قد مَاتَ فانثرها على قَبره فَقدم الرجل الْمَدِينَة فَأتى حسانا فَقَالَ لَهُ إِنِّي لأجد مِنْك ريح آل جَفْنَة فَأخْبرهُ الْخَبَر فَقَالَ حسان وددت أَنَّك وجدتني مَيتا فنثرتها على قَبْرِي وَأَعْطَاهُ نصفهَا
وَقَالَ مُحَمَّد بن سعد فِي كتاب الطَّبَقَات الْكَبِير وَكتب رَسُول الله ﷺ إِلَى جبلة بن الْأَيْهَم ملك غَسَّان يَدعُوهُ إِلَى الْإِسْلَام فَأسلم وَكتب بِإِسْلَامِهِ إِلَى رَسُول الله ﷺ وَأهْدى لَهُ هَدِيَّة ثمَّ لم يزل مُسلما حَتَّى كَانَ فِي زمن عمر بن الْخطاب ﵁ فَبَيْنَمَا هُوَ فِي سوق دمشق إِذْ وطئ رجلا من مزينة فَوَثَبَ الْمُزنِيّ فَلَطَمَهُ وَأخذ فَانْطَلق بِهِ إِلَى أبي عُبَيْدَة بن الْجراح فَقَالُوا هَذَا لطم جبلة قَالَ فليلطمه قَالُوا وَمَا يقتل قَالَ لَا يقتل فَقَالُوا فَمَا تقطع يَده قَالَ
стр. 508
لَا إِنَّمَا أَمر الله تَعَالَى بالقود قَالَ جبلة أَتَرَوْنَ أَنِّي جَاعل وَجْهي ندا لوجه جدي جَاءَ من عمق بئس الدّين هَذَا ثمَّ ارْتَدَّ نَصْرَانِيّا وترحل بقَوْمه حَتَّى دخل أَرض الرّوم فَبلغ ذَلِك عمر ﵁ فشق عَلَيْهِ وَقَالَ لحسان بن ثَابت أَبَا الْوَلِيد أما علمت أَن صديقك جبلة بن الْأَيْهَم ارْتَدَّ نَصْرَانِيّا قَالَ إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون وَلم قَالَ لطمه رجل من مزينة قَالَ وَحقّ لَهُ فَقَامَ إِلَيْهِ عمر بِالدرةِ فَضَربهُ بهَا
تَفْسِير مَا فِي هَذَا الْخَبَر
قَوْله ندا قَالَ الْجَوْهَرِي الند بِالْكَسْرِ الْمثل والنظير وَكَذَلِكَ النديد قَوْله لوجه جدي قَالَ الْجَوْهَرِي الجدي من ولد الْمعز والجادي السَّائِل الْعَافِي وأجداه أعطَاهُ الجدوي وَقَوله جَاءَ من عمق قَالَ العمق الفخ والوادي والعمق والعمق أَيْضا مَا بعد من أَطْرَاف المفاوز والعمق بِضَم الْعين وَفتح الْمِيم منزل بطرِيق مَكَّة وَلَعَلَّه الَّذِي أَرَادَ جبلة قَالَ الْبكْرِيّ عمق بِفَتْح أَوله وَإِسْكَان ثَانِيه مَاء بِبِلَاد مزينة من أَرض الْحجاز وَكَانَ بِهِ بعض حروب بكر وتغلب وَذكر شواهده من شعر الْعَرَب قَالَ والعمق بِضَم أَوله وَفتح ثَانِيه منزل بطرِيق مَكَّة والعمق بِالْألف وَاللَّام عمق
стр. 509
أنطاكية وَهُوَ مَوضِع تصب إِلَيْهِ مياه كَثِيرَة لَا يجِف إِلَّا فِي الصَّيف
ذكر مكاتباته ﷺ إِلَى جَيْفَر وَعبد ابْني الجلندي ملكي عمان
قَالَ صَاحب كتاب الْهدى المحمدي ﷺ وَكتب إِلَى ملكي عمان وَبَعثه مَعَ عَمْرو بن العَاصِي
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم من مُحَمَّد بن عبد الله إِلَى جَيْفَر وَعبد ابْني الجلندي سَلام على من اتبع الْهدى أما بعد فَإِنِّي أدعوكما بِدِعَايَةِ الْإِسْلَام أسلما تسلما فَإِنِّي رَسُول الله إِلَى النَّاس كَافَّة لأنذر من كَانَ حَيا ويحق القَوْل على الْكَافرين وإنكما إِن أقررتما بِالْإِسْلَامِ وليتكما وَإِن أبيتما أَن تقرا بِالْإِسْلَامِ فَإِن ملككما زائل
стр. 510
عنكما وخيلي تحل بساحتكما وَتظهر نبوتي فِي ملككما وَكتب أبي بن كَعْب وَختم الْكتاب
قَالَ عَمْرو فَخرجت حَتَّى انْتَهَيْت إِلَى عمان فَلَمَّا قدمتها عَمَدت إِلَى عبد وَكَانَ أحلم الرجلَيْن وأسهلهما خلقا فَقلت إِنِّي رَسُول رَسُول الله ﷺ إِلَيْك وَإِلَى أَخِيك فَقَالَ أخي الْمُقدم عَليّ بِالسِّنِّ وَالْملك وَأَنا أوصلك إِلَيْهِ حَتَّى يقْرَأ كتابك ثمَّ قَالَ وَمَا تدعوا إِلَيْهِ قلت أَدْعُوك إِلَى الله وَحده لَا شريك لَهُ وتخلع مَا عبد من دونه وَتشهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله قَالَ يَا عَمْرو إِنَّك ابْن سيد قَوْمك وَقد تقدم كَلَامه مَعَه عِنْد ذكر النَّجَاشِيّ إِلَى قَوْله فَأَخْبرنِي مَا الَّذِي يَأْمر بِهِ وَينْهى عَنهُ قلت يَأْمر بِطَاعَة الله وَينْهى عَن مَعْصِيَته وَيَأْمُر بِالْبرِّ وصلَة الرَّحِم وَينْهى عَن الظُّلم والعدوان وَعَن الزِّنَا وَشرب الْخمر وَعَن عبَادَة الْحجر والوثن والصليب قَالَ مَا أحسن هَذَا الَّذِي يَدْعُو إِلَيْهِ لَو كَانَ أخي يتابعني لركبنا حَتَّى نؤمن بِمُحَمد ونصدق بِهِ وَلَكِن أخي أضن بِملكه من أَن يَدعه وَيصير ذَنبا قلت إِنَّه إِن أسلم ملكه رَسُول الله ﷺ على قومه فَأخذ
стр. 511
الصَّدَقَة من غنيهم فَردهَا على فقيرهم قَالَ إِن هَذَا لخلق حسن وَمَا الصَّدَقَة فَأَخْبَرته بِمَا فرض رَسُول الله ﷺ من الصَّدقَات فِي الْأَمْوَال حَتَّى انْتَهَيْت إِلَى الْإِبِل قَالَ يَا عَمْرو وَتُؤْخَذ من سوائم مواشينا الَّتِي ترعى الشّجر وَترد الْمِيَاه فَقلت نعم فَقَالَ وَالله مَا أرى قومِي فِي بعد دَارهم وَكَثْرَة عَددهمْ يطيعون بِهَذَا
قَالَ فَمَكثت بِبَابِهِ أَيَّامًا وَهُوَ يصل إِلَى أَخِيه فيخبره كل خبري ثمَّ إِنَّه دَعَاني يَوْمًا فَدخلت عَلَيْهِ فَأخذ أعوانه بضبعي فَقَالَ دَعوه فَأرْسلت فَذَهَبت لأجلس فَأَبَوا أَن يدعوني أَجْلِس فَنَظَرت إِلَيْهِ فَقَالَ تكلم بحاجتك فَدفعت إِلَيْهِ الْكتاب مَخْتُومًا ففض خَاتمه وقرأه حَتَّى انْتهى إِلَى آخِره ثمَّ دَفعه إِلَى أَخِيه فقرأه مثل قِرَاءَته إِلَّا أَنِّي رَأَيْت أَخَاهُ أرق مِنْهُ قَالَ أَلا تُخبرنِي عَن قُرَيْش كَيفَ صنعت فَقلت تبعوه إِمَّا رَاغِب فِي الدّين وَإِمَّا مقهور بِالسَّيْفِ قَالَ وَمن مَعَه قلت النَّاس قد رَغِبُوا فِي الْإِسْلَام واختاروه على غَيره وَعرفُوا بعقولهم مَعَ هدى الله إيَّاهُم أَنهم كَانُوا فِي ضلال فَمَا أعلم أحدا بَقِي غَيْرك فِي هَذِه الخرجة وَأَنت إِن لم تسلم الْيَوْم وتتبعه يوطئك الْخَيل ويبيد خضرأك فَأسلم تسلم ويستعملك على قوم
стр. 512
وَلَا تدخل عَلَيْك الْخَيل وَالرِّجَال قَالَ دَعْنِي يومي هَذَا وارجع إِلَيّ غَدا
فَرَجَعت إِلَى أَخِيه فَقَالَ يَا عَمْرو إِنِّي لأرجو أَن يسلم إِن لم يضن بِملكه حَتَّى إِذا كَانَ الْغَد أتيت إِلَيْهِ فَأبى أَن يَأْذَن لي فَانْصَرَفت إِلَى أَخِيه فَأَخْبَرته أَنِّي لم أصل إِلَيْهِ فأوصلني إِلَيْهِ فَقَالَ إِنِّي فَكرت فِيمَا دعوتني إِلَيْهِ فَإِذا أَنا أَضْعَف الْعَرَب إِن ملكت رجلا مَا فِي يَدي وَهُوَ لَا تبلغ خيله هَهُنَا وَإِن بلغت خيله ألفت قتالا لَيْسَ كقتال من لَاقَى قلت وَأَنا خَارج غَدا فَلَمَّا أَيقَن بمخرجي خلا بِهِ أَخُوهُ فَقَالَ مَا نَحن فِيمَا ظهر عَلَيْهِ وكل من أرسل إِلَيْهِ قد أَجَابَهُ فَأصْبح فَأرْسل إِلَيّ فَأجَاب إِلَى الْإِسْلَام هُوَ وَأَخُوهُ جَمِيعًا وصدقا النَّبِي ﷺ وخليا بيني وَبَين الصَّدَقَة وَبَين الحكم فِيمَا بَينهم وَكَانَا لي عونا على من خالفني
ذكر ابْن سعد هَذَا الْخَبَر وَزَاد فِيهِ فَأخذت الصَّدَقَة من أغنيائهم فرددتها فِي فقرائهم وَلم أزل مُقيما بَينهم حَتَّى بلغنَا وَفَاة النَّبِي ﷺ قَالَ ابْن سعد فِي أَوله بعث عَمْرو بن الْعَاصِ فِي ذِي الْقعدَة سنة ثَمَان
وروى أَبُو عبيد فِي كتاب الْأَمْوَال قَالَ وَكتب رَسُول الله ﷺ
من مُحَمَّد النَّبِي رَسُول الله ﷺ لعباد الله
стр. 513
الأسبذيين مُلُوك عمان وآسد عمان من كَانَ مِنْهُم بِالْبَحْرَيْنِ إِنَّهُم إِن آمنُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاة وَآتوا الزَّكَاة وأطاعوا الله وَرَسُوله وأعطوا حق النَّبِي ﷺ ونسكوا نسك الْمُسلمين فَإِنَّهُم آمنون وَإِن لَهُم مَا أَسْلمُوا عَلَيْهِ غير أَن مَال بَيت النَّار ثنيا لله وَرَسُوله وَإِن عشور التَّمْر صَدَقَة وَنصف عشور الْحبّ وَإِن للْمُسلمين نَصرهم ونصحهم وَإِن لَهُم على الْمُسلمين مثل ذَلِك وَإِن لَهُم أرحاءهم يطحنون بهَا مَا شاؤا
قَالَ أَبُو عبيد بَعضهم يرويهِ لعباد الله الأسديين أَرَادَ إسما أعجميا نسبهم إِلَيْهِ قَالَ وَإِنَّمَا سموا بذلك لأَنهم نسبوا إِلَى عبَادَة فرس وَهُوَ بِالْفَارِسِيَّةِ أسب فنسبوا إِلَيْهِ وَهُوَ قوم من الْفرس وَفِي رِوَايَة من الْعَرَب وَذَلِكَ أَنه قد كَانَ بهَا عرب وَيجوز أَن يكون الْكتاب لهَؤُلَاء وَهَؤُلَاء
قَالَ السُّهيْلي فَقَالَ لَهُ عَمْرو بن الْعَاصِ يَا جلندي إِنَّك وَإِن كنت منا بَعيدا فَإنَّك من الله غير بعيد إِن الَّذِي تفرد بخلقك أهل أَن
стр. 514
تفرده بعبادتك وَأَن لَا تشرك بِهِ من لم يشركهُ فِيك وَاعْلَم أَنه يُمِيتك الَّذِي أحياك ويعيدك الَّذِي بدأك فَانْظُر فِي هَذَا النَّبِي الْأُمِّي الَّذِي جَاءَ بالدنيا وَالْآخِرَة فَإِن كَانَ يُرِيد بِهِ أجرا فامنعه أَو يمِيل بِهِ هوى فَدَعْهُ ثمَّ انْظُر مَا يجِئ بِهِ هَل يشبه مَا يجِئ بِهِ النَّاس فَإِن كَانَ يُشبههُ فسله العيان وتخبر عَلَيْهِ فِي الْخَبَر وَإِن كَانَ لَا يُشبههُ فاقبل مَا قَالَ وخف مَا وعد قَالَ الجلندي إِنَّه وَالله لقد دلَّنِي على هَذَا النَّبِي الْأُمِّي أَنه لَا يَأْمر بِخَير إِلَّا كَانَ أول من أَخذ بِهِ وَلَا ينْهَى عَن شَرّ إِلَّا كَانَ أول تَارِك لَهُ وَأَنه يغلب فَلَا يبطر ويغلب فَلَا يضجر وَأَنه يَفِي بالعهد وينجز الْمَوْعُود وَأَنه لَا يزَال سر قد اطلع عَلَيْهِ يُسَاوِي فِيهِ أَهله وَأشْهد أَنه نَبِي
ذكر كِتَابه ﷺ لجنادة الْأَزْدِيّ وَقَومه
قَالَ ابْن سعد وَكتب كتابا لجنادة الْأَزْدِيّ وَقَومه وَمن تبعه مَا أَقَامُوا الصَّلَاة وَآتوا الزَّكَاة وأطاعوا الله وَرَسُوله وأعطوا من الْمَغَانِم خمس الله وَسَهْم النَّبِي ﷺ وفارقوا الْمُشْركين فَإِن لَهُم ذمَّة الله وَذمَّة مُحَمَّد بن عبد الله وَكتب أبي
стр. 515
وَمِنْهُم جفينة النَّهْدِيّ
قَالَ ابْن عبد الْبر كتب إِلَيْهِ النَّبِي ﷺ فرقع بكتابه الدَّلْو ثمَّ أَتَى بعد مُسلما
وَمِنْهُم جُزْء بن عمر العذري
قَالَ ابْن عبد الْبر يُقَال جرو قدم على رَسُول الله ﷺ فَكتب لَهُ كتابا
стр. 516
حرف الْحَاء
وَمِمَّنْ كتب إِلَيْهِ ﷺ من الْمُلُوك الْحَارِث بن أبي شمر الغساني
وَكَانَ بِدِمَشْق فَكتب إِلَيْهِ كتابا مَعَ شُجَاع بن وهب مرجعه من الْمَدِينَة
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم من مُحَمَّد رَسُول الله إِلَى الْحَارِث بن أبي شمر سَلام على من اتبع الْهدى وآمن بِهِ وَصدق وَإِنِّي أَدْعُوك إِلَى أَن تؤمن بِاللَّه وَحده لَا شريك لَهُ يبْقى لَك ملكك
قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ روى الْوَاقِدِيّ عَن أشياخه قَالُوا بعث رَسُول الله ﷺ شُجَاع بن وهب الْأَسدي إِلَى الْحَارِث بن أبي شمر يَدعُوهُ إِلَى الْإِسْلَام وَكتب مَعَه كتابا قَالَ شُجَاع فانتهيت إِلَيْهِ وَهُوَ بغوطة دمشق مَشْغُول بتهيئة الْإِنْزَال والإلطاف لقيصر وَهُوَ جَاءَ من حمص إِلَى
стр. 517
إيلياء فأقمت على بَابه يَوْمَيْنِ أَو ثَلَاثَة فَقلت لحاجبه إِنِّي رَسُول رَسُول الله ﷺ فَقَالَ لَا تصل إِلَيْهِ حَتَّى يخرج فِي يَوْم كَذَا وَكَذَا وَجعل حَاجِبه وَكَانَ روميا يسألني عَن رَسُول الله ﷺ فَكنت أحدثه عَن صفته وَمَا يَدْعُو إِلَيْهِ فيرق حَتَّى يغلبه الْبكاء وَيَقُول إِنِّي قَرَأت الْإِنْجِيل فأجد صفة هَذَا النَّبِي ونعته وَأَنا أومن بِهِ وأصدقه وأخاف من الْحَارِث أَن يقتلني وَكَانَ يكرمني وَيحسن ضيافتي
وَخرج الْحَارِث يَوْمًا فَجَلَسَ وَوضع التَّاج على رَأسه فَأذن لي عَلَيْهِ فَدفعت إِلَيْهِ كتاب رَسُول الله ﷺ فقرأه ثمَّ رمى بِهِ فَقَالَ من ينْزع مني ملكي أَنا سَائِر إِلَيْهِ زَاد ابْن سعد وَلَو كَانَ بِالْيمن جِئْته عَليّ بِالنَّاسِ فَلم يزل يعرض حَتَّى قَامَ وَأمر بالخيول تنعل ثمَّ قَالَ أخبر صَاحبك بِمَا ترى وَكتب إِلَى قَيْصر يُخبرهُ خبري وَمَا عزم عَلَيْهِ فَكتب إِلَيْهِ قَيْصر أَن لَا تسر إِلَيْهِ واله عَنهُ وائتنى بايلياء فَلَمَّا جَاءَ جَوَاب كِتَابه دَعَاني فَقَالَ مَتى تُرِيدُ أَن تخرج إِلَى صَاحبك فَقلت غَدا فَأمرنِي بِمِائَة مِثْقَال ذَهَبا ووصلني حَاجِبه بِنَفَقَة وَكِسْوَة وَقَالَ اقْرَأ على رَسُول الله ﷺ مني السَّلَام
فَقدمت على النَّبِي ﷺ فَأَخْبَرته فَقَالَ باد ملكه زَاد ابْن سعد وَأَقْرَأْته من مرى السَّلَام وَهُوَ الْحَاجِب وأخبرته بِمَا قَالَ فَقَالَ
стр. 518
رَسُول الله ﷺ صدق وَمَات الْحَارِث بن أبي شمر عَام الْفَتْح
وَمِمَّنْ كتب إِلَيْهِ من الْمُلُوك الْحَارِث بن عبد كلال
قَالَ مُحَمَّد بن سعد فِي الطَّبَقَات عَن الزُّهْرِيّ قَالَ كتب رَسُول الله ﷺ إِلَى الْحَارِث ومسروح ونعيم بن عبد كلال من حمير سلم أَنْتُم مَا آمنتم بِاللَّه وَرَسُوله وَإِن الله وَحده لَا شريك لَهُ بعث مُوسَى بآياته وَخلق عِيسَى بكلماته قَالَت الْيَهُود عُزَيْر ابْن الله وَقَالَت النصاري الله ثَالِث ثَلَاثَة عِيسَى ابْن الله
قَالَ وَبعث بِالْكتاب مَعَ عَيَّاش بن أبي ربيعَة المَخْزُومِي وَقَالَ إِذا جِئْت أَرضهم فَلَا تدخلن لَيْلًا حَتَّى تصبح ثمَّ تطهر فَأحْسن طهورك وصل رَكْعَتَيْنِ وسل الله النجاح وَالْقَبُول واستعذ بِاللَّه وَخذ كتابي بيمينك وادفعه بيمينك فِي أَيْمَانهم فانهم قابلون واقرأ عَلَيْهِم ﴿لم يكن الَّذين كفرُوا من أهل الْكتاب وَالْمُشْرِكين منفكين﴾ فَإِذا فرغت مِنْهَا فَقل آمن بِمُحَمد ﷺ وَأَنا أول الْمُؤمنِينَ فَلَنْ تَأْتِيك حجَّة
стр. 519
إِلَّا دحضت وَلَا كتاب زخرف إِلَّا ذهب نوره وهم قارئون عَلَيْك فَإِذا رطنوا فَقل ترجمو وَقل حسبي الله آمَنت بِمَا أنزل الله من كتب وَأمرت لأعدل بَيْنكُم الله رَبنَا وربكم لنا أَعمالنَا وَلكم أَعمالكُم لَا حجَّة بَيْننَا وَبَيْنكُم الله يجمع بَيْننَا وَإِلَيْهِ الْمصير فاذا أَسْلمُوا فسلهم قضبهم الثَّلَاثَة الَّتِي إِذا حَضَرُوا بهَا سجدوا وَهِي من الأثل قضيب ملمع ببياض وصفرة وقضيب ذُو عجر كَأَنَّهُ خيزران والأسد البهيم كَأَنَّهُ من ساسم ثمَّ أخرجهَا فحرقها بسوقهم
قَالَ عَيَّاش فَخرجت أفعل مَا أَمرنِي رَسُول الله ﷺ حَتَّى إِذا دخلت إِذا النَّاس قد لبسوا زينتهم قَالَ فمررت لأنظر إِلَيْهِم حَتَّى انْتَهَيْت إِلَى ستور عِظَام على أَبْوَاب دور ثَلَاث فَكشفت الستور وَدخلت الْبَاب الْأَوْسَط فانتهيت إِلَى قوم فِي قاعة الدَّار فَقلت أَنا رَسُول رَسُول الله ﷺ وَفعلت مَا أَمرنِي فقبلوا وَكَانَ كَمَا قَالَ ﷺ
قَالَ السُّهيْلي وَأما الْمُهَاجِرين أبي أُميَّة فَقدم على
стр. 520
الْحَارِث ابْن عبد كلال فَقَالَ لَهُ يَا حَارِث إِنَّك كنت أول من عرض عَلَيْهِ رَسُول الله ﷺ نَفسه فخطئت عَنهُ وَأَنت أعظم الْمُلُوك قدرا فَإِذا نظرت فِي غَلَبَة الْمُلُوك فَانْظُر فِي غَالب الْمُلُوك فَإِذا سرك يَوْمك فخف غدك وَقد كَانَ قبلك مُلُوك ذهبت آثارها وَبقيت أَخْبَارهَا عاشوا طَويلا وأملوا بَعيدا وتزودوا قَلِيلا مِنْهُم من أدْركهُ الْمَوْت وَمِنْهُم من أَكلته النقم وَإِنِّي أَدْعُوك إِلَى الرب الَّذِي إِن أردْت الْهدى لم يمنعك وَإِن أرادك لم يمنعهُ مِنْك أحد وأدعوك إِلَى النَّبِي الْأُمِّي الَّذِي لَيْسَ لَهُ شَيْء أحسن مِمَّا يَأْمر بِهِ وَلَا أقبح مِمَّا يُنْهِي عَنهُ وَأعلم أَن لَك رَبًّا يُمِيت الْحَيّ ويحيي الْمَيِّت وَيعلم خَائِنَة الْأَعْين وَمَا تخفي الصُّدُور فَقَالَ الْحَارِث قد كَانَ هَذَا النَّبِي عرض نَفسه عَليّ فخطئت عَنهُ وَكَانَ ذخْرا لمن صَار إِلَيْهِ وَكَانَ أمره أمرا بسق فحضره الْيَأْس وَغَابَ عَنهُ الطمع وَلم يكن لي قرَابَة أحتمله عَلَيْهَا وَلَا لي فِيهِ هوى أتبعه لَهُ غير أَنِّي أرى أمرا لم يوسوسه الْكَذِب وَلم يسْندهُ الْبَاطِل لَهُ بَدْء سَار وعاقبة نافعة وسأنظر
قَوْله أمرا بسق أَي علا يُقَال بسق فلَان على أَصْحَابه أَي علاهم الوسواس حَدِيث النَّفس قَالَه الْجَوْهَرِي
стр. 521
حرف الْخَاء
وَمِمَّنْ كتب إِلَيْهِ ﷺ خَالِد بن ضماد الْأَزْدِيّ
قَالَ ابْن سعد فِي الطَّبَقَات وَكتب رَسُول الله ﷺ لخَالِد بن ضماد الْأَزْدِيّ إِن لَهُ مَا أسلم عَلَيْهِ من أرضه على أَن يُؤمن بِاللَّه لَا شريك لَهُ وَيشْهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله وعَلى أَن يُقيم الصَّلَاة وَيُؤْتى الزَّكَاة ويصوم شهر رَمَضَان ويحج الْبَيْت وَلَا يؤوي مُحدثا وَلَا يرتاب وعَلى أَن ينصح لله وَلِرَسُولِهِ وعَلى أَن يحب أحباء الله وَيبغض أَعدَاء الله وعَلى مُحَمَّد النَّبِي ﷺ أَن يمنعهُ مِمَّا يمْنَع مِنْهُ نَفسه وَمَاله وَأَهله وَأَن لخَالِد الْأَزْدِيّ ذمَّة الله وَذمَّة مُحَمَّد النَّبِي ﷺ إِن وفى بِهَذَا وَكتب أبي
стр. 522
حرف الرَّاء
وَمِمَّنْ كتب إِلَيْهِ ربيعَة الْحَضْرَمِيّ
قَالَ ابْن سعد وَكتب رَسُول الله ﷺ لِرَبِيعَة بن ذِي مرحب الْحَضْرَمِيّ وَإِخْوَته وأعمامه ان لَهُم أَمْوَالهم ونحلهم ورقيقهم وآبارهم وشجرهم ومياههم وسواقيهم ونبتهم وشراجهم بحضرموت الشرج مسيل مَاء من الْحرَّة إِلَى السهل وَالْجمع شراج وشروج وشرج الْوَادي منفسحه وَالْجمع أشراج قَالَه الْجَوْهَرِي وكل مَال لآل ذِي مرحب وَإِن كل رهن بأرضهم يحْسب ثمره وسدره وقضبه من رَهنه الَّذِي هُوَ فِيهِ القضب الرّطبَة من القت وَهُوَ نوع من الْعلف للدواب يقطع والقضب الْقطع وَإِن كل مَا كَانَ فِي ثمارهم من خير فَإِنَّهُ لَا يسْأَله أحد عَنهُ وَأَن الله وَرَسُوله بُرَآء مِنْهُ وان نصر آل ذِي
стр. 523
مرحب على جمَاعَة الْمُسلمين وان أَرضهم بريئة من الْجور وان أَمْوَالهم وأنفسهم زَافِر حَائِط الْملك الَّذِي كَانَ يسيل إِلَى آل قيس وان الله وَرَسُوله جَار على ذَلِك وَكتب مُعَاوِيَة
وَمِمَّنْ كتب إِلَيْهِ ﷺ رِفَاعَة بن زيد الجذامي ثمَّ الضبيبي
قَالَ ابْن إِسْحَاق وَقدم على رَسُول الله ﷺ فِي الْحُدَيْبِيَة هدنة قبل خَيْبَر رِفَاعَة بن زيد الجذامي ثمَّ الضبيبي فأهدى لرَسُول الله ﷺ غُلَاما قَالَ ابْن الْبر غُلَاما أسود الْمُسَمّى بمدعم الْمَقْتُول بِخَيْبَر وَأسلم رِفَاعَة وَحسن أسلامه وَكتب لَهُ رَسُول الله ﷺ كتابا إِلَى قومه وَفِي كِتَابه بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم هَذَا كتاب من مُحَمَّد رَسُول الله لِرفَاعَة بن زيد اني بعثته إِلَى قومه عَامَّة وَمن دخل فيهم يَدعُوهُم إِلَى الله وَإِلَى رَسُوله فَمن أقبل مِنْهُم فَفِي حزب الله وحزب رَسُوله وَمن أدبر فَلهُ أَمَان شَهْرَيْن
стр. 524
فَلَمَّا قدم رِفَاعَة على قومه أجابوا وَأَسْلمُوا ثمَّ سَار إِلَى الْحرَّة حرَّة الرجلاء فنزلها حرَّة الرجلاء بِفَتْح أَوله مَمْدُود فِي ديار جذام قَالَه الْبكْرِيّ قَالَ ابْن عبد الْبر أهل النّسَب يَقُولُونَ الضيني من بني ضين بالنُّون من جذام
стр. 525
حرف الزَّاي
وَمِمَّنْ كتب إِلَيْهِ ﷺ زرْعَة من أقيال حَضرمَوْت
قَالَ ابْن سعد وَكتب رَسُول الله ﷺ إِلَى أقيال حَضرمَوْت وعظمائهم كتب إِلَى زرْعَة وقهد والبسي والبحيري وَعبد كلال وَرَبِيعَة وَحجر وَقد مدح الشَّاعِر بعض أقيالهم فَقَالَ
(أَلا إِن خير النَّاس كلهم قهد ... وَعبد كلال خير سَائِرهمْ بعد)
وَقَالَ آخر يمدح زرْعَة
(أَلا إِن خير النَّاس بعد مُحَمَّد ... لزرعة إِن كَانَ الْبُحَيْرِي أسلما)
стр. 526
حرف السِّين
وَمِمَّنْ كتب إِلَيْهِ ﷺ ذُو الكلاع الْحِمْيَرِي سميفع
قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ كَانَ ذُو الكلاع من مُلُوك الطَّائِف واسْمه سميفع بن حَوْشَب وَكَانَ قد استعلى على ربه وَادّعى الربوبية فكاتبه رَسُول الله ﷺ على يَد جرير بن عبد الله البَجلِيّ وَمَات رَسُول الله ﷺ قبل عود جرير وَأقَام ذُو الكلاع على مَا هُوَ عَلَيْهِ إِلَى أَيَّام عمر ثمَّ رغب فِي الْإِسْلَام فوفد على عمر ﵁ وَمَعَهُ ثَمَانِيَة آلَاف عبد فَأسلم على يَده وعبيده كلهم وَقَالَ لعمر لي ذَنْب مَا أَظن أَن الله يغفره قَالَ مَا هُوَ قَالَ تواريت مرّة عَمَّن يتعبد لي ثمَّ أشرفت عَلَيْهِم فَسجدَ لي زهاء مائَة ألف فَقَالَ عمر التَّوْبَة بالإخلاص يُرْجَى بهَا الغفران
وَرُوِيَ عَن دَاوُد عَن رجل من قومه قَالَ بَعَثَنِي قومِي بهدية إِلَى
стр. 527
ذِي الكلاع فِي الْجَاهِلِيَّة فَمَكثت سنة لَا أصل إِلَيْهِ ثمَّ إِنَّه أشرف بعد ذَلِك من الْقصر فَلم يره أحد إِلَّا خر لَهُ سَاجِدا ثمَّ رَأَيْته بعد ذَلِك فِي الْإِسْلَام قد اشْترى لَحْمًا بدرهم فسمطه على فرسه ثمَّ أنشأ يَقُول
(أُفٍّ للدنيا إِذا كَانَت كَذَا ... أَنا مِنْهَا كل يَوْم فِي أَذَى)
(وَلَقَد كنت إِذا مَا قيل من ... أنعم النَّاس معاشا قيل ذَا)
(ثمَّ بدلت بعيشي شقوة ... حبذا هَذَا شقاء حبذا)
قَالَ ابْن سعد فِي الطَّبَقَات وَبعث رَسُول الله ﷺ جرير بن عبد الله البَجلِيّ إِلَى ذِي الكلاع بن ناكور بن حبيب بن مَالك بن حسان بن تبع وَإِلَى ذِي عَمْرو يدعوهما إِلَى الْإِسْلَام فَأَسْلمَا وَأسْلمت ضريبة بنت أَبْرَهَة بن الصَّباح امْرَأَة ذِي الكلاع وَتُوفِّي رَسُول الله ﷺ وَجَرِير عِنْدهم فَأخْبرهُ ذُو عَمْرو بوفاته ﷺ فَرجع جرير إِلَى الْمَدِينَة
وروى الْوَاقِدِيّ فِي فتوح مصر أَن ذَا الكلاع حضر مَعَ الصَّحَابَة ﵃ فتح مربوط بَلْدَة بِقرب الْإسْكَنْدَريَّة وَمَات وهم نزُول بهَا قَالَ وَكَانَ ملك حمير وَكَانَ قبل دُخُوله فِي الْإِسْلَام يركب
стр. 528
لَهُ اثْنَا عشر ألف مَمْلُوك من السودَان شري قَالَ أَبُو هُرَيْرَة ﵁ لقد رَأَيْته بعد تِلْكَ الحشمة يمشي فِي سوق الْمَدِينَة وَجلد شَاة على كتفه حِين قدم من الْيمن للْجِهَاد فِي أَيَّام أبي بكر الصّديق ﵁ فَلَمَّا مَاتَ رثاه وَلَده فرج بِمَا رثى بِهِ حمير لِأَبِيهِ سبأ بن يشجب حَيْثُ يَقُول
(عجبت ليومك مَاذَا فعل ... وسلطان عزك كَيفَ انْتقل)
(فَأسْلمت ملكك لَا طَائِعا ... وسلمت لِلْأَمْرِ لما نزل)
(فَلَا تبعدن فَكل امْرِئ ... سيدركه بالمنون الْأَجَل)
(بلغت من الْملك أقْصَى المنى ... نقلت وعزك لم ينْتَقل)
(صَحِبت الدهور فأفنيتها ... وَمَا شَاءَ سعيك فِيهَا فعل)
(بنيت الْقُصُور كَمثل الْجبَال ... ذهبت فَلم يبْق إِلَّا الطلل)
(نعمنا بأيامك الصَّالِحَات ... شربنا بسيحك وَبلا وطل)
стр. 529
(نؤمل فِي الدَّهْر أقْصَى المنى ... وَلم ندر بِالْأَمر حَتَّى نزل)
(فَزَالَتْ لعمرك شم الْجبَال ... وَلم يَك حزنك فِيهَا هُبل)
قَالَ وَحمله ابْن عَمه عجلَان بن مضاض الْحِمْيَرِي إِلَى مصر بعد أَن صبره وعول أَن يسير بِهِ إِلَى الْيمن
قَوْله بسيحك السيح المَاء الْجَارِي والوابل الْمَطَر الشَّديد وَقد وبلت السَّمَاء تبل وَالْأَرْض موبولة والطل أَضْعَف من الْمَطَر وَالْجمع الطلال تَقول طلت الأَرْض وطلها الندى فَهِيَ مطلولة قَالَه الْجَوْهَرِي
وَمِمَّنْ كتب إِلَيْهِ ﷺ سعيد بن سُفْيَان الرعلي
قَالَ ابْن سعد وَكتب رَسُول الله ﷺ لسَعِيد بن سُفْيَان الرعلي هَذَا مَا أعْطى رَسُول الله ﷺ سعيد بن سُفْيَان الرعلي أعطَاهُ نَخْلَة السوارقية وقصرها لَا يحاقه فِيهَا أحد وَمن حاقه
стр. 530
فَلَا حق لَهُ وَحقه حق وَكتب خَالِد ابْن سعيد
وَمِمَّنْ كتب إِلَيْهِ ﷺ سمْعَان الراقع
قَالَ ابْن سعد كتب رَسُول الله ﷺ إِلَى سمْعَان ابْن عَمْرو بن قريط بن عبيد بن أبي بكر بن كلاب مَعَ عبد الله بن عَوْسَجَة العرني فرقع بكتابه دلوه فَقيل لَهُم بَنو الراقع ثمَّ أسلم سمْعَان وَقدم على النَّبِي ﷺ وَقَالَ
(أَقلنِي كَمَا أمنت وردا وَلم أكن ... بِأَسْوَأ ذَنبا إِذْ أَتَيْتُك من ورد)
وروى ابْن سعد بِسَنَدِهِ عَن أبي إِسْحَاق الْهَمدَانِي أَن العرني أَتَاهُ بِكِتَاب رَسُول الله ﷺ فرقع بِهِ دلوه فَقَالَت لَهُ ابْنَته مَا أَرَاك إِلَّا ستصيبك قَارِعَة أَتَاك كتاب سيد الْعَرَب فرقعت بِهِ دلوك فَمر بِهِ جَيش لرَسُول الله ﷺ فاستباحوا كل شَيْء لَهُ فَأسلم وأتى النَّبِي ﷺ فَأخْبرهُ فَقَالَ لَهُ رَسُول الله ﷺ مَا أصبت من مَال قبل أَن تقسمه الْمُسلمُونَ فَأَنت أَحَق بِهِ
следующие страницы →