Полный текст (560 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
رضَا الله ورضا النَّاس جَمِيعًا قَالَ رَسُول الله ص = السخي قريب من الله قريب من النَّاس قريب من الْجنَّة بعيد من النَّار والبخيل بعيد من الله بعيد من النَّاس بعيد من الْجنَّة قريب من النَّار
стр. 107
وَقَالَ رَسُول الله ص = تجافوا عَن ذَنْب الْكَرِيم فَإِن الله يَأْخُذ بِيَدِهِ كلما عتر
وَقَالَت السيدة عَائِشَة ﵂ الْجنَّة دَار الأسخياء وَالنَّار دَار البخلاء
стр. 108
وَقيل اوحى الله إِلَى مُوسَى ﵇ أَلا تقتل السامري فَإِنَّهُ كريم
وَحدث أَبُو قَاسم قَالَ حضرت الحكم بن الْمطلب لما
стр. 109
مَاتَ بِمَدِينَة منبج فَلَمَّا أَخذ فِي النزع وأشخص ببصره قَالَ أَبُو معيوف الْحِمصِي اللَّهُمَّ أرْفق بِهِ فقد كَانَ جوادا شجاعا صواما قواما قَالَ فأفاق من غَشيته ثمَّ نظر إِلَيْنَا وَقَالَ من الْمُتَكَلّم فَقَالَ أَبُو معيوف أَنا قَالَ إِن ملك الْمَوْت يسلم وَيَقُول لَك إِن الله تَعَالَى أَمرنِي أَن أرْفق بِقَبض روح كل كريم ثمَّ اضْطجع فَكَأَنَّهُ كَانَ فَتِيلَة طفئت ﵀
وَكَانَ يُقَال سؤدد بِلَا جود كملك بِلَا جنود
وَقيل من جاد سَاد وَمن أَضْعَف ازْدَادَ وَكَانَ يُقَال جود الرجل يحببه إِلَى أضداده وبخله يبغضه إِلَى أَوْلَاده
стр. 110
وَاعْلَم أَن السخاء على نَوْعَيْنِ النَّوْع الأول هُوَ أَن يَبْتَدِئ بِهِ الْإِنْسَان من غير سُؤال وَهَذَا أطبع السخاء وأشرف الْعَطاء لِأَن عَليّ بن أبي طَالب ﵁ سُئِلَ عَن السخاء فَقَالَ مَا كَانَ مِنْهُ ابْتِدَاء فَأَما مَا كَانَ مِنْهُ عَن مَسْأَلَة فحياء وتكريم
وَقَالَ بعض الْحُكَمَاء أجل النوال مَا كَانَ قبل السُّؤَال وَقَالَ بعض الشُّعَرَاء
стр. 111
(وفتى خلا من مَاله ... وَمن الْمُرُوءَة غير خَال)
(أَعْطَاك قبل سُؤَاله ... وَكَفاك مَكْرُوه السُّؤَال)
وَهَذَا النَّوْع من السخاء قد يكون لأسباب ثَلَاثَة
أَحدهَا أَن يكون قد يرى حلَّة يقدر على سدها أَو فاقة يتمكنمن إِزَالَتهَا فَلَا يَدعه الْكَرم وسماحة النَّفس والطبيعة أَن يهمل ذَلِك بل يكون متكفلا بنجازها رَغْبَة فِي الْأجر
الثَّانِي أَن يرى فِي مَاله فَضله عَن حَاجته فَيرى انتهاز الفرصة
стр. 112
بهَا فَيَضَعهَا عِنْد من يكون لَهُ ذخْرا
الثَّالِث أَن يفعل ذَلِك سجية قد فطر عَلَيْهَا فَلَا يُمَيّز بَين مُسْتَحقّ ومحروم وَلَا يفرق بَين مَحْمُود ومذموم وَهَذَا هُوَ السخي طبعا غير أَن هَذَا لَا يصلح بِالْملكِ لِأَنَّهُ خَارج إِلَى السَّرف والتبذير
وَبَيت المَال قد يقل عَن الْحُقُوق وَيقصر عَن الْوَاجِبَات فَإِذا أعْطى غير مُسْتَحقّ فقد يمْنَع مُسْتَحقّا وَحَال الْمُلُوك لَا تَقْتَضِي ذَلِك
النَّوْع الثَّانِي من السخاء مَا كَانَ عَن طلب وسؤال وعلامة السخي عِنْد ذَلِك أَن يلقى السَّائِل بالترحيب وطلاقة الْوَجْه وَأَن يَكْتَفِي بالتلويح وَلَا يلجىء السَّائِل إِلَى التَّصْرِيح كَمَا قَالَ الشَّاعِر
стр. 113
(تلقى الْكَرِيم فتستدل ببشره ... وَترى العبوس على اللَّئِيم دَلِيلا)
(وَاعْلَم بأنك عَن قريب صائر ... خَبرا فَكُن خَبرا تنَال جزيلا)
وَيَنْبَغِي لَهُ عِنْد السُّؤَال أَن يعجل بالوعد قولا ثمَّ يعقبه بالإنجاز فعلا ليَكُون السَّائِل مَسْرُورا بعاجل الْوَعْد ثمَّ بآجل الإنجاز كَمَا حكى أَن الْفضل بن سهل سَأَلَهُ رجل فَقَالَ لَهُ إِنِّي أعدك الْيَوْم وأحبوك غدالتذوق حلاوة الأمل وَلَكِن لَا تطيل الْوَعْد على السَّائِل فَلَا تفي حلاوة الْإِعْطَاء بمرارة الِانْتِظَار
وَقَالَ بَعضهم
(إِن الْعَطِيَّة لَا تكون هنيَّة ... حَتَّى تكون قَصِيرَة الْأَعْمَار
стр. 114
وَقد قَالَ بَعضهم
(إِن الْعَطِيَّة رُبمَا أزرى بهَا ... عِنْد الَّذِي تَقْتَضِي لَهُ تطويلها)
(فَإِذا ضمنت لصَاحب لَك حَاجَة ... فَاعْلَم بِأَن تَمامهَا تَعْجِيلهَا)
وَقد مَضَت سنة الْخُلَفَاء الرَّاشِدين وملوك الْمُسلمين بصلَة المسترفدين على وَجه الشَّرْح من غير إِسْرَاف وَلَا إقتار وَذَلِكَ مَشْهُور فاعرضنا عَن شَرحه
стр. 115
الْوَصْف الْخَامِس الرِّفْق
إعلم أَن الرِّفْق من أفضل أَوْصَاف الْملك وَأحمد خلائقه فِي التَّدْبِير لِأَنَّهُ يبلغ بِهِ جباية الْأَمْوَال من الرّعية مَا لَا يبلغ بالخرق
стр. 116
فَإِن الرّعية قد تعامل بالرفق فتزول أحقادها ويذل مقادها وَقد تعامل بالخرق فتكاشف بِمَا أضمرت وَتقدم على مَا نهيت ثمَّ إِن غلبت كَانَ غلبها دمارا وَإِن غلبت لم يحصل بغلبها افتخار وَقد قَالَ رَسُول الله ص = لَو أَن الرِّفْق رجلا لَكَانَ حسنا وَلَو كَانَ الْخرق رجلا لَكَانَ قبيحا
وَقد يبلغ الْملك برفقة وَلينه فِي التَّدْبِير مَا لَا يبلغهُ بخرقه أَلا ترى أَن الرّيح العاصف بقوتها وهول صَوتهَا كَيفَ يتداخل الشّجر وَلَا يقْلع الْمُسْتَخْلف مِنْهُ وَالْمَاء بلينه وسلاسته يبلغ فِي أصل الشّجر فيقلع الْمُسْتَخْلف من أُصُوله
стр. 117
والعلقة تنَال من الدَّم بِغَيْر أَذَى وَلَا سَماع صَوت مَا لَا تنَال الْبَعُوضَة بهول صَوتهَا واليم لسعتها وبالرفق ولين التَّدْبِير يَنْقَلِب الْعَدو صديقا كالسم الْقَاتِل إِذا رفق بِهِ الْمُقدر لَهُ وَأحسن فِي تَقْدِيره ولطف فِي تَدْبيره صَار دَوَاء وانقلب شِفَاء
قَالَ الله ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أحسن﴾
стр. 118
وبالخرق يَنْقَلِب الصّديق عدوا كالطعام الَّذِي هُوَ غذَاء الْإِنْسَان وقوام جسده إِذا أَسَاءَ الْمُقدر لَهُ فِي تَقْدِيره وأفرط فِي تنَاوله صَار دَاء وانقلب أَذَى
وَحكى أَن كسْرَى أنوشروان سَأَلَ حكيما منى حكمائهم فَقَالَ مَا عز الْملك قَالَ الطَّاعَة قَالَ فَمَا سَبَب الطَّاعَة قَالَ التودد إِلَى الْخَاصَّة وَالْعدْل على الْعَامَّة قَالَ فَمَا صَلَاح الْملك قَالَ الرِّفْق بالرعية وَأخذ الْحق مِنْهُم فِي غير مشقة وأداؤه إِلَيْهِم عِنْد أَوَانه وَحكى شُجَاع للأحمر قَالَ
стр. 119
دخلت على المتَوَكل وَبَين يَدَيْهِ نصر بن عَليّ الْجَهْضَمِي وَهُوَ يحث المتَوَكل على الرِّفْق بالرعية ويرغبه فِيهِ والمتوكل سَاكِت فَلَمَّا فرغ من كَلَامه الْتفت إِلَيْهِ المتَوَكل وَقَالَ حَدثنِي مؤدبي الْفضل قَالَ حَدثنِي أبي عَن جدي وَرَفعه إِلَى عمر بن الْخطاب
стр. 120
رَضِي الله عَنهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن أفضل عباد الله تَعَالَى عِنْد الله يَوْم الْقِيَامَة إِمَام عَادل وَإِن شَرّ عباد الله عِنْد الله يَوْم الْقِيَامَة إِمَام جَائِر ثمَّ الْتفت إِلَى يحيى بن أَكْثَم فَقَالَ وَأَنت حَدَّثتنِي حَدِيثا ورفعته إِلَى رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ من يحرم الرِّفْق يحرم الْخَيْر ثمَّ سكت
стр. 121
سَاعَة وَأنْشد
(الرِّفْق يمن والأناة سَعَادَة ... فاستأن فِي رفق تلاق نجاحا)
(لَا خير فِي حزم بِغَيْر روية ... وَالشَّكّ وَهن إِن أردْت سراحا)
وَقَالَ بَعضهم دخلت على المتَوَكل فَسَمعته يمدح الرِّفْق فَقلت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أَنْشدني الْأَصْمَعِي
стр. 122
(لم أر مثل الرِّفْق فِي لينه ... أخرج للعذراء من خدرها)
(من يستعن بالرفق فِي أمره ... يسْتَخْرج الْحَيَّة من جحرها)
قَالَ فَدَعَا بداوة وكتبها مني
(فَلَا تقطع أَخا لَك عِنْد ذَنْب ... فَإِن الذَّنب يغفره الْكَرِيم)
(وَلَا تعجل على أحد بظُلْم ... فَإِن الظُّلم مرتعه وخيم)
(وَلَا تخرق عَلَيْهِ وَكن رَفِيقًا ... فقد بالرفق يلتئم الكليم)
(فَإِن الرِّفْق فِيمَا قيل يمن ... وَإِن الْخرق فِيمَا قيل شُؤْم)
وَاعْلَم أَنه لَا يَنْبَغِي للْملك أَن يسْتَعْمل الرِّفْق واللين فِي جَمِيع المواطن بل يَجْعَل الرّعية ثَلَاث طَبَقَات ويسوسهم بِثَلَاث سياسات طبقَة
стр. 123
هم الْخَواص من الْأَبْرَار فيسوسهم بالرفق واللين وطبقة هم خَواص الأشرار فيسوسهم بالعنف والشدة وطبقة هم الْعَامَّة فيسوسهم باللين تَارَة وبالشدة تَارَة أُخْرَى
قَالَ مُسلم بن قُتَيْبَة ملاك السُّلْطَان الشدَّة على الْمُرِيب واللين على المحسن وَسَأَلَ ملك من مُلُوك الْفرس بزرجمهر فَقَالَ مَا أَحْمد سير الْمُلُوك فَقَالَ أَن يعاملوا أَحْرَار النَّاس بمحض الْمَوَدَّة ويعاملوا الْعَامَّة بالرغبة والرهبة ويعاملوا السفلة بالمخافة صراحا أَنْشدني بَعضهم
(إِذا كُنْتُم للنَّاس فِي الأَرْض قادة ... فسوسوا كرام النَّاس بالحلم وَالْعدْل)
(وسوسوا لئام النَّاس بالذل وَحده ... صَرِيحًا فَإِن الذل أصلح للنذل)
стр. 124
الْوَصْف السَّادِس الْوَفَاء
لما كَانَ الْوَفَاء من الْأَوْصَاف الْعلية والشيم السّنيَّة أَمر الله تَعَالَى الْخلق بِهِ ومدحهم على فعله فَقَالَ تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا أَوْفوا﴾
стр. 125
بِالْعُقُودِ) وَقَالَ تَعَالَى ﴿يُوفونَ بِالنذرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَره مُسْتَطِيرا﴾
وَالْوَفَاء خليق بِالْملكِ لما فِيهِ من إِيصَال الرَّاحَة واستعطاف الْقُلُوب بإنجاز الْوَعْد أَو دوَام الْعَهْد قَالَ بعض الْحُكَمَاء لملك فِي
стр. 126
زَمَانه أوصيك بِأَرْبَع خِصَال ترضي بِهن رَبك وَتصْلح بِهن رعيتك لَا تعدن وَعدا لَيْسَ فِي يَديك وفاءه وَلَا تتواعدن من لَا تنفذ فِيهِ الْفِعْل فَإِن بِالْأولَى تذْهب عظمتك وَبِالثَّانِي يجتزىء عَلَيْك وَلَا يغرنك ارتقاء السهل إِذا كَانَ المنحدر وعرا ولالا تستغشن ناصحا فتستتر عَنْك أُمُور الرّعية
وَكَانَ يُقَال من أحسن الْوَفَاء اسْتوْجبَ الصفاء وَكَانَ يُقَال الْوَفَاء من أَخْلَاق الْكِرَام وَالْخلف من أَخْلَاق اللئام وَقَالَ أَبُو الْحسن الْمَدَائِنِي كَانَ عمر بن عبد الْعَزِيز ﵁ لَا يكَاد
стр. 127
يُوجب حَاجَة تخوفا من الْخلف فَإِذا أوجب وَقَالَ نعم لم يقر لَهُ قَرَار حَتَّى يَفِي بِهِ وَأنْشد رجل من بني تَمِيم فِي الْمَعْنى شعرًا
(إِذا قلت فِي شَيْء نعم فأتمه ... فَإِن نعم دين على الْحر وَاجِب)
(وَإِلَّا فَقل لَا تسترح وترح بهَا ... لِئَلَّا يَقُول النَّاس إِنَّك كَاذِب)
وَأنْشد بَعضهم
(لَزِمت نعم حَتَّى كَأَنَّك لم تكن ... عرفت من الْأَشْيَاء شَيْئا سوى نعم)
(وَأنْكرت لَا حَتَّى كَأَنَّك لم تكن ... سَمِعت بِلَا فِي سالف الدَّهْر والأمم)
стр. 128
وَكَانَ يُقَال وعد الْكَرِيم نقد وتعجيل ووعد اللَّئِيم مطل وتسويف وَكَانَ يُقَال الْعَاقِل لَا يعد بِمَا لَا يَسْتَطِيع إنجازه وَلَا يسْأَل مَا يخَاف مَنعه أَنْشدني بعض أهل الْعلم
(لَا تقولن إِذا لم ترد ... أَن تتمّ فِي شَيْء نعم)
(وَإِذا قلت نعم فاصبر لَهَا ... بنجاح الْوَعْد إِن الْخلف ذمّ)
(حسن قَول نعم من بعدلا ... وقبيح قَول لَا بعد نعم)
(إِن لَا بعد نعم فَاحِشَة ... فبلا فأبدا إِذا خفت النَّدَم)
стр. 129
الْوَصْف السَّابِع الصدْق
إعلم أَن الصدْق من أَسْنَى السمات وأشرف الصِّفَات وَأسلم مناهج الصِّفَات يَدْعُو إِلَيْهِ الشَّرْع الْمُوجب وَالْعقل الْمُؤَكّد لِأَن الشَّرْع ورد بِاتِّبَاع الصدْق وَلَو كَانَت الهلكة فِيهِ
стр. 130
وحظر الْكَذِب وَلَو جر نفعا أَو دفع
стр. 131
ضَرَرا علما من الشَّارِع بِمَا يَنْقَلِب إِلَيْهِ عاقبتهما
وَالْعقل يَدْعُو إِلَى فعل مَا كَانَ مستحسنا وَيمْنَع من إتْيَان مَا كَانَ مستقبحا وَالْكذب مستقبح عقلا لَا سِيمَا إِذا كَانَ لَا يجلب نفعا وَلَا يدْفع ضَرَرا
وَقد قَالَ رَسُول الله ﷺ تحروا الصدْق وَإِن
стр. 132
رَأَيْتُمْ الهلكة فِيهِ فَإِن النجَاة فِيهِ وتجنبوا الْكَذِب وَإِن رَأَيْتُمْ أَن النجَاة فية فَإِن فية الهلكة
وَقَالَ بعض الْحُكَمَاء دع الْكَذِب حِين ترى أَنه ينفعك فَإِنَّهُ يَضرك وات الصدْق حِين ترى أَنه يَضرك فَإِنَّهُ ينفعك
وَكَانَت الْعَرَب تَقول لِسَان صدق مَعَ الْعشْرَة خير من سوء الذّكر مَعَ الميسرة أَنْشدني بَعضهم
(عود لسَانك صدق القَوْل تحظ بِهِ ... إِن اللِّسَان لما عودت مُعْتَاد)
(مُوكل بتقاضي مَا سننت لَهُ ... فَارْتَد لنَفسك وَانْظُر كَيفَ تزداد)
قَالَ الْمُهلب مَا يكون السَّيْف الصارم بيد الْملك الشجاع بِأَعَز لَهُ من الصدْق
стр. 133
وَكَانَ يُقَال يَنْبَغِي للْملك أَن يكون صَدُوقًا ليثق الأعوان بوعده وَأَن يكون شكُورًا فيستوجب الزِّيَادَة
وَقَالَ الْأَحْنَف بن قيس كل النَّاس حقيق بِالصّدقِ وأحقهم بِهِ الْمُلُوك لِأَن الَّذِي يَدْعُو إِلَى الْكَذِب مهانة النَّفس وَالْملك لَا يكون مهينا
وَقَالَ بعض أهل الْأَدَب فَكُن صَادِقا فِي كل شَيْء تَقوله وَلَا تكن كذابا فَتُدْعَى منافقا
وَقَالَ بعض الْحُكَمَاء أول سَعَادَة الْملك صدقه وَأول هَلَاكه جوره
стр. 134
الْوَصْف الثَّامِن الرأفة
إعلم أَن الرأفة حلية كَرِيمَة تقتضيها حَال الْمُلُوك لِأَنَّهَا تبعثهم على حراسة الْأمة وَكَمَال الشَّفَقَة على الرّعية والتحنن على ضعفائهم واصطناع الْمَعْرُوف إِلَيْهِم وكف الأذية عَنْهُم وَقد قَالَ رَسُول الله ص = اطْلُبُوا الْمَعْرُوف عِنْد الرُّحَمَاء من امتي وعيشوا فِي أَكْنَافهم
стр. 135
وَقَالَ ص = إِن الله رَحِيم وَلَا يرحم من عباده إِلَّا الرُّحَمَاء إرحموا من فِي الارض يَرْحَمكُمْ من فِي السَّمَاء وروى مَالك أَن عمر بن الْخطاب ﵁ دَعَا رجلا يَسْتَعْمِلهُ على بعض
стр. 136
مَدَائِن الشَّام فجَاء ولد صَغِير لعمر ﵁ فَأَخذه عمر إِلَى صَدره ثمَّ قبله فَقَالَ ذَلِك الرجل يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أتقبله قَالَ نعم فَقَالَ وَالله إِن لي أَوْلَادًا مَا قبلت وَاحِدًا مِنْهُم قطّ فَقَالَ لَهُ عمر أَنْت لَا ترحم أولادك وَلَا تتحنن عَلَيْهِم فَأَنت للنَّاس أقل رَحْمَة وتحننا ثمَّ صرفه وَلم يَسْتَعْمِلهُ ثمَّ قَالَ لَا يصلح وَال لَا رَحْمَة عِنْده لرعيته
وروى مَالك أَن عمر بن الْخطاب ﵁ مر بطرِيق مَكَّة فأبصر رَاعيا يرْعَى غنمه فِي مَكَان جَدب فناداه وَقَالَ انْظُر مَكَانا خصبا
стр. 137
فَالْحق بِهِ ثمَّ قَالَ على إِثْر ذَلِك كل رَاع مسؤول عَن رَعيته وروى أسلم مولى عمر بن الْخطاب ﵁ قَالَ طَاف عمر لَيْلَة فِي الْمَدِينَة وَأَنا مَعَه فَإِذا هُوَ بِامْرَأَة فِي جَوف دارها وحولها صبية يَبْكُونَ وَهِي توقد تَحت قدر لَهَا فَأَتَاهَا من الْبَاب وَقَالَ يَا أمة الله مِم بكاء هَؤُلَاءِ الصّبيان فَقَالَت من الْجُوع قَالَ فَمَا فِي هَذَا الْقدر قَالَت إِنِّي جعلت فِيهِ مَاء أوهمهم أَن فِيهَا طَعَاما وأعللهم حَتَّى يَنَامُوا
стр. 138
قَالَ فَجَلَسَ عمر ﵁ وَبكى بكاء شَدِيدا ثمَّ قَامَ وَجَاء إِلَى بَيت الصَّدَقَة فَأخذ غرارة وَجعل فِيهَا دَقِيقًا وشحما وَسمنًا وَتَمْرًا وثيابا ودراهم حَتَّى مَلأ الغرارة ثمَّ قَالَ يَا أسلم إحمل على ظَهْري قَالَ فَقلت لَهُ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أَنا أحملهُ عَنْك فَقَالَ لَا أم لَك يَا أسلم احْمِلْ عَليّ فَأَنا المطالب عَنْهُم يَوْم الْقِيَامَة قَالَ فَحمل الغرارة على صلبه حَتَّى أَتَى بهَا منزل الْمَرْأَة فَأخذ الْقدر وَجعل فِيهَا شَيْئا من دَقِيق وشحم وتمر وَجعل يحركه وينفخ تَحت الْقدر قَالَ أسلم وَكَانَت لَهُ لحية عَظِيمَة فَلَقَد رَأَيْت الدُّخان يخرج من خلالها حَتَّى طبخ لَهُم ثمَّ جعل يغْرف لَهُم بِيَدِهِ ويطعمهم حَتَّى شَبِعُوا قَالَ ثمَّ خرج وربض بحذائهم على الْبَاب كَأَنَّهُ سبع فَخفت مِنْهُ أَن ُأكَلِّمهُ فَلم يزل كَذَلِك حَتَّى لعب الصّبيان وَضَحِكُوا ثمَّ قَامَ وَقَالَ يَا أسلم هَل تَدْرِي لم ربضت بحذائهم قلت لَا يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فَقَالَ كنت رَأَيْتهمْ يَبْكُونَ فَكرِهت أَن أذهب حَتَّى أَرَاهُم يَضْحَكُونَ فَلَمَّا ضحكوا طابت نَفسِي
وَحكى أَن عمر بن عبد الْعَزِيز ﵁ لما ولى الْخلَافَة
стр. 139
أحضر عِنْده مُحَمَّد بن كَعْب القرضي وَقَالَ لَهُ دلَّنِي عَن النجَاة فِي سياسة الرّعية فَقَالَ لَهُ إِن أردْت النجَاة من عَذَاب الله فَلْيَكُن كَبِير الْمُسلمين لَك أَبَا وأوسطهم عنْدك أَخا وأصغرهم ولدا فوقر أَبَاك وَارْحَمْ أَخَاك وتحنن على ولدك
وَقَالَ نصر بن سيار الْكِنَانِي كَانَ عُظَمَاء التّرْك يَقُولُونَ يَنْبَغِي للْملك
стр. 140
الْعَظِيم أَن يكون فِيهِ عشر خِصَال أَربع من خِصَال الطير وست من خِصَال الْوَحْش وَهِي سماحة الديك وتحنن الدَّجَاجَة وحراسة الكركي وحذر الْغُرَاب وَحَملَة الْخِنْزِير وقلب الْأسد وغارة الذِّئْب وروغان الثَّعْلَب وصبر الْكَلْب وشقاء الضَّب
стр. 141
وَقد نظم هَذَا بعض الشُّعَرَاء فَقَالَ
(أَبى الطير لَا يتركن آثَار خَيْلنَا ... لأكل لُحُوم من أعَاد سواغب)
(وَمَا ذَاك من حب لنا غير عَادَة ... لَهُنَّ علينا فِي الْبَقَاء الْكَتَائِب)
(أرى الْملك الْمِقْدَام من تمّ أمره ... بِعشر خِصَال هن خير المناقب)
(سماحة ديك ثمَّ رأف دجَاجَة ... وحراسة كركي وحذرة ناعب)
(وَحَملَة خِنْزِير وقلب غضنفر ... وغارة ذِئْب ثمَّ روغ الثعالب)
(وصبر بَصِير حِين يقرع بالعصا ... وشقوة ضَب فِي بِلَاد سباسب)
(فَمن كَانَ هَذَا وَصفه فَهُوَ كَامِل ... عَظِيم وَإِلَّا فَهُوَ أخيب خائب)
وَقَالَ بعض الْعلمَاء خير الْمُلُوك من أشْرب قُلُوب رَعيته محبته كَمَا أشعرها هيبته وَلنْ ينَال ذَلِك مِنْهَا حَتَّى يكون عَاملا بِخمْس خِصَال إكرام شريفها وَرَحْمَة ضعيفها وإغاثة لهيفها وكف عدوان
стр. 142
عاديها وتأمين السبل لرائحها وغاديها وَمَتى أعدم الرّعية شَيْئا من ذَلِك فقد أحقدها بِقدر مَا أفقدها
стр. 143
الْوَصْف التَّاسِع الصَّبْر
إعلم أَن صَبر الْمُلُوك يتنوع أنواعا كَثِيرَة أليقها بكتابي هَذَا صَبر الْمُلُوك وَهُوَ عبارَة عَن ثَلَاث قوى الْقُوَّة الأولى قُوَّة الْحلم وثمرتها الْعَفو الْقُوَّة الثَّانِيَة قُوَّة الكلأة وثمرتها عمَارَة المملكة الثَّالِثَة قُوَّة الشجَاعَة وثمرتها فِي الْمُلُوك الثَّبَات لِأَن إقدامهم فِي المعارك تهور وطيش
стр. 144
وَالصَّبْر سيد الْأَوْصَاف الجليلة وأميرها وَلِهَذَا قَالَ رَسُول الله ﷺ الْعلم خَلِيل الْمُؤمن والحلم وزيره وَالْعقل دَلِيله وَالْعَمَل قائده والرفق وَالِده وَالْبر أَخُوهُ وَالصَّبْر أَمِير جُنُوده
وَلَيْسَ المُرَاد تَفْضِيل الصَّبْر على الْعلم وَالْعقل وَإِنَّمَا المُرَاد أَن الثَّبَات على هَذِه الخصائص إِنَّمَا يكون بِالصبرِ لِأَن معنى الصَّبْر الثَّبَات وَالْحَبْس والإمساك فَمن اتّصف بِشَيْء من هَذِه الْخِصَال
стр. 145
وَلم يصبر كَانَ عِنْد مزايلته كمن لم يَتَّصِف بِهِ فالصبر ضَابِط للأوصاف الشَّرِيفَة كَمَا يضْبط الْأَمِير جُنُوده
وَقيل كَانَ مَكْتُوبًا فِي الصَّحِيفَة الصَّفْرَاء الْمُعَلقَة فِي أعظم هياكل الْفرس كَمَا أَن الْحَدِيد يعشق المغناطيس فَكَذَلِك الظفر يعشق الصَّبْر فاصبر تظفر أَنْشدني بعض أهل الْعلم
(إِنِّي وجدت وَخير القَوْل أَحْمَده ... للصبر عَاقِبَة محمودة الْأَثر)
(وَقل من جد فِي أَمر يُطَالِبهُ ... واستصحب الصَّبْر إِلَّا فَازَ بالظفر)
следующие страницы →