Полный текст (560 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
وَقد نظم هَذَا بعض الشُّعَرَاء فَقَالَ
(أَبى الطير لَا يتركن آثَار خَيْلنَا ... لأكل لُحُوم من أعَاد سواغب)
(وَمَا ذَاك من حب لنا غير عَادَة ... لَهُنَّ علينا فِي الْبَقَاء الْكَتَائِب)
(أرى الْملك الْمِقْدَام من تمّ أمره ... بِعشر خِصَال هن خير المناقب)
(سماحة ديك ثمَّ رأف دجَاجَة ... وحراسة كركي وحذرة ناعب)
(وَحَملَة خِنْزِير وقلب غضنفر ... وغارة ذِئْب ثمَّ روغ الثعالب)
(وصبر بَصِير حِين يقرع بالعصا ... وشقوة ضَب فِي بِلَاد سباسب)
(فَمن كَانَ هَذَا وَصفه فَهُوَ كَامِل ... عَظِيم وَإِلَّا فَهُوَ أخيب خائب)
وَقَالَ بعض الْعلمَاء خير الْمُلُوك من أشْرب قُلُوب رَعيته محبته كَمَا أشعرها هيبته وَلنْ ينَال ذَلِك مِنْهَا حَتَّى يكون عَاملا بِخمْس خِصَال إكرام شريفها وَرَحْمَة ضعيفها وإغاثة لهيفها وكف عدوان
стр. 142
عاديها وتأمين السبل لرائحها وغاديها وَمَتى أعدم الرّعية شَيْئا من ذَلِك فقد أحقدها بِقدر مَا أفقدها
стр. 143
الْوَصْف التَّاسِع الصَّبْر
إعلم أَن صَبر الْمُلُوك يتنوع أنواعا كَثِيرَة أليقها بكتابي هَذَا صَبر الْمُلُوك وَهُوَ عبارَة عَن ثَلَاث قوى الْقُوَّة الأولى قُوَّة الْحلم وثمرتها الْعَفو الْقُوَّة الثَّانِيَة قُوَّة الكلأة وثمرتها عمَارَة المملكة الثَّالِثَة قُوَّة الشجَاعَة وثمرتها فِي الْمُلُوك الثَّبَات لِأَن إقدامهم فِي المعارك تهور وطيش
стр. 144
وَالصَّبْر سيد الْأَوْصَاف الجليلة وأميرها وَلِهَذَا قَالَ رَسُول الله ﷺ الْعلم خَلِيل الْمُؤمن والحلم وزيره وَالْعقل دَلِيله وَالْعَمَل قائده والرفق وَالِده وَالْبر أَخُوهُ وَالصَّبْر أَمِير جُنُوده
وَلَيْسَ المُرَاد تَفْضِيل الصَّبْر على الْعلم وَالْعقل وَإِنَّمَا المُرَاد أَن الثَّبَات على هَذِه الخصائص إِنَّمَا يكون بِالصبرِ لِأَن معنى الصَّبْر الثَّبَات وَالْحَبْس والإمساك فَمن اتّصف بِشَيْء من هَذِه الْخِصَال
стр. 145
وَلم يصبر كَانَ عِنْد مزايلته كمن لم يَتَّصِف بِهِ فالصبر ضَابِط للأوصاف الشَّرِيفَة كَمَا يضْبط الْأَمِير جُنُوده
وَقيل كَانَ مَكْتُوبًا فِي الصَّحِيفَة الصَّفْرَاء الْمُعَلقَة فِي أعظم هياكل الْفرس كَمَا أَن الْحَدِيد يعشق المغناطيس فَكَذَلِك الظفر يعشق الصَّبْر فاصبر تظفر أَنْشدني بعض أهل الْعلم
(إِنِّي وجدت وَخير القَوْل أَحْمَده ... للصبر عَاقِبَة محمودة الْأَثر)
(وَقل من جد فِي أَمر يُطَالِبهُ ... واستصحب الصَّبْر إِلَّا فَازَ بالظفر)
стр. 146
وَقَالَ بعض حكماء الْعَرَب مَا ميز الرجل بَين صَبر وجزع إِلَّا وجدهما متفاوتين الصَّبْر حسن الْعَلَانِيَة مَحْمُود الْعَاقِبَة والجزع غير معوض شَيْئا وَلَو كَانَ فِي صُورَة لَكَانَ الصَّبْر أولاهما بالغلبة بِحسن الْخلقَة وكرم الطبيعة
وَقَالَ بعض الْحُكَمَاء الْحَوَادِث النَّازِلَة نَوْعَانِ أَحدهمَا لَا حِيلَة فِيهِ فَدفعهُ بِالصبرِ الدَّائِم والإعراض عَنهُ الثَّانِي يُمكن فِيهِ الْحِيلَة فَدفعهُ بِالصبرِ عَنهُ إِلَى حِين نُفُوذ الْحِيلَة فِيهِ
وَقَالَ بعض الْفُضَلَاء
(من يمتطي الصَّبْر يضع رجله ... فِي ساحة الرَّاحَة واليسر)
(الصَّبْر يمن وَبِه للفتى ... صِيَانة النَّفس عَن الْغدر)
وَقَالَ آخر
(إصبر إِذا تدهيك نائبة ... مَا خَابَ مُنْقَطع إِلَى الصَّبْر)
(فالصبر أولى مَا اعتصمت بِهِ ... ولنعم حَشْو جَوَانِب الصَّدْر)
стр. 147
وَقَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ ﵁ جربنَا وجرب المجربون فَلم نر شَيْئا أَنْفَع من الصَّبْر بِهِ تداوى الْأُمُور وَهُوَ لَا يداوى بِغَيْرِهِ
وَرُوِيَ عَن سُلَيْمَان بن دَاوُد ﵉ أَنه قَالَ إِنَّا وجدنَا خير عيشنا الصَّبْر
وَكَانَ عِيسَى بن مَرْيَم ﵇ يَقُول يَا معشر الحواريين إِنَّكُم لَا تدركون مَا تأملون إِلَّا بِالصبرِ على مَا تَكْرَهُونَ
وَقَالَ نهشل بن حري
стр. 148
(وَيَوْم كَأَن المصطلين بحرة ... وَإِن لم تكن نَار قيام على الْجَمْر)
(صَبرنَا لَهُ حَتَّى يبوخ وَإِنَّمَا ... تفرج ايا الكريهة بِالصبرِ) وَقَالَ آخر
(إِنِّي رايت مغبة الصَّبْر ... تُفْضِي بصاحبها إِلَى الْيُسْر)
(لابد من عسر وميسرة ... بهما تَدور دوائر الدَّهْر)
(فَكَمَا يلذ الْيُسْر صَاحبه ... فكذاك فليصبر على الْعسر وَقَالَ آخر
(الصَّبْر أولى بوقار الْفَتى ... من قلق يهتك ستر الْوَقار
(من لزم الصَّبْر على حَالَة ... كَانَ على أَيَّامه بِالْخِيَارِ) وَقَالَ آخر
стр. 149
(لَا تيأسن وَإِن طَالَتْ مُطَالبَة ... إِذا استغنت بصبر أَن ترى فرجا)
(أخلق بِذِي الصَّبْر أَن يحظى بحاجته ... ومدمن القرع للأبواب أَن يلجا)
стр. 150
الْوَصْف الْعَاشِر الْعَفو
اعْلَم أَن وصف الْعَفو خليق بِالْملكِ لما فِيهِ من المزية وَكَمَال مصلحَة الرّعية لِأَن الْملك مَتى عاقب على الزلة وقابل على الهفوة وَأخذ بالجرم الصَّغِير وَلم يتَجَاوَز عَن الْكَبِير قبحت سي رته وفسدت سَرِيرَته قَالَ عمر بن الْخطاب ﵁ أفضل الْقَصْد عِنْد
стр. 151
الحدة وَأفضل الْعَفو عِنْد الْقُدْرَة وَمَا أقبح مجازاة الْقَادِر على سوء صَنِيع الْمَقْدُور عَلَيْهِ وَكَانَ مُعَاوِيَة ﵁ يَقُول إِن أولى النَّاس بِالْعَفو أقدرهم على الْعقُوبَة وَإِن أنقص النَّاس عقلا من ظلم من هُوَ دونه وَقيل إِن عَظِيما من عُظَمَاء قُرَيْش فِي سالف الدَّهْر كَانَ يطْلب
стр. 152
رجلا فَلَمَّا ظفر بِهِ قَالَ لَهُ لَوْلَا أَن الْقُدْرَة تذْهب الحفيظة لَا نتقمت مِنْك ثمَّ أطلقهُ فحسنت سيرة الرجل بعد ذَلِك
وَغَضب سُلَيْمَان بن عبد الْملك على خَالِد بن عبد الله الْقَسرِي فَلَمَّا دخل عَلَيْهِ قَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن الْقُدْرَة تذْهب الحفيظة وَإنَّك تجل عَن الْعقُوبَة فَإِن تعف فَأهل ذَلِك أَنْت وَإِن تعاقب فاهل ذَلِك أَنا فَعَفَا عَنهُ وَالله أعلم
стр. 153
وَحكي أَن الْمَأْمُون لما طفر بعم إِبْرَاهِيم بن الْمهْدي أحضر عِنْده جمَاعَة من خواصه ثمَّ قَالَ عَليّ بِهِ فَأدْخل إِلَيْهِ وَهُوَ يحجل فِي قيوده فَقَالَ السَّلَام عَلَيْك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ قَالَ لَا سلم الله عَلَيْك وَلَا رعاك فَقَالَ إِبْرَاهِيم على رسلك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ
стр. 154
ثمَّ أنْشد يَقُول
стр. 155
(أَنا المذنب الْخَطَأ وَالْعَفو وَاسع ... وَلَو لم يكن ذَنْب لما عرف الْعَفو)
(سكرت فأبدت مني الكأس بعض مَا ... كرهت وَمَا إِن يَسْتَوِي السكر والصحو)
(فَإِن تعف عني تلف خطوي وَاسِعًا ... وَإِلَّا تداكرني فقد قصر الخطو)
ثمَّ قَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ انت ولي ثَأْرِي وَإِن الْقُدْرَة تذْهب الحفيظة وَإِنِّي قد أَصبَحت فَوق كل ذِي ذَنْب كَمَا أصبح كل ذِي عَفْو دُونك فَإِن تعاقب فبحقك وَإِن تعف فبفضلك قَالَ فاطرق الْمَأْمُون ثمَّ رفع رَأسه وَقَالَ إِن هذَيْن اشارا عَليّ بقتلك يَعْنِي الْعَبَّاس والمعتصم فَقَالَ إنَّهُمَا أشارا بِمَا يُشِير بِهِ مثلهمَا على مثلك إِذْ كَانَ مني الَّذِي كَانَ فَقَالَ الْمَأْمُون يَا ثُمَامَة إِن من الْكَلَام كلَاما كالدر فِي لبات
стр. 156
الغواني وَإِن هَذَا الْكَلَام مِنْهُ يَا غُلَام حل الْقُيُود عَن عمي
وَكَانَ الْمَأْمُون يَقُول لَيْسَ عَليّ فِي الْعَفو مُؤنَة وَإِنِّي وددت أَن اهل الجرائم علمُوا حلمي وَرَأى فِي الْعَفو فَيذْهب عَنْهُم الْخَوْف
وَكَانَ يُقَال أقبح المجازاة المكافاة بالإساءة
وَقيل إِن عبد الْملك بن مَرْوَان اشْتَدَّ غَضَبه على رجل فَلَمَّا صَار
стр. 157
فِي يَده قَالَ لَهُ يَا فَاجر لَأُمَثِّلَن بك أشر مثله فَقَالَ لَهُ رَجَاء بن حَيْوَة
إِن الله تَعَالَى قد صنع مَا أَحْبَبْت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فَاصْنَعْ مَا يُحِبهُ الله من الْعَفو عَنهُ قَالَ فَعَفَا عَنهُ وَأطْلقهُ
وَكَانَ الْمَأْمُون يَقُول لَو علم النَّاس رغبتي فِي الْعَفو مَا تقربُوا إِلَيّ إِلَّا بِالذنُوبِ وأنشدني بَعضهم فِي الْمَعْنى
(إقبل معاذير من يَأْتِيك معتذرا ... واغفر لَهُ ذَنبه إِن بر أَو فجرا)
(فقد أطاعك من يرضيك ظَاهره ... وَقد أَجلك من يعصيك مستترا)
стр. 158
ويحكي أَنه جرى بَين شهرام الْمروزِي وَبَين أبي مُسلم الْخُرَاسَانِي كَلَام شَدِيد ومنازعة فمازال أَبُو مُسلم يقاوله إِلَى أَن قَالَ لَهُ شهرام يالقيط فَلَمَّا قَالَ ذَلِك سكت أَبُو مُسلم ثمَّ إِن شهرام نَدم فَأقبل على أبي مُسلم معتذرا وخاضعا ومتنصلا فَلَمَّا رأى أَبُو مُسلم ذَلِك مِنْهُ قَالَ لِسَان سبق وَوهم أَخطَأ وَإِنَّمَا الْغَضَب من الشَّيْطَان والعذر يسعك وَقد عَفَوْنَا عَنْك فَقَالَ شهرام أَيهَا الْأَمِير إِن عَفْو مثلك لَا يكون غرُورًا قَالَ أجل فَقَالَ إِن عظم ذَنبي لَا يدع قلبِي يسكن فَقَالَ أَبُو مُسلم يَا عجبا
стр. 159
كنت تسىء وَأَنا أحسن فَإِذا إحسنت أسىء أَنْشدني بَعضهم
(تَعْفُو الْمُلُوك عَن الْعَظِيم ... من الْأُمُور لفضلها)
(وَلَقَد تعاقب فِي الْيَسِير ... وَلَيْسَ ذَاك لجهلها) (إِلَّا ليعرف فَضلهَا ... وَيخَاف شدَّة نكلها)
ويحكي أَن الْمَنْصُور بعث إِلَى جَعْفَر بن مُحَمَّد فَلَمَّا أَتَاهُ قَالَ إِنِّي أُرِيد أَن أستشيرك فِي أَمر قد رَأَيْت أطباق أهل الْمَدِينَة على حَرْبِيّ وَقد نهيتهم مرّة بعد أُخْرَى فَمَا رَأَيْتهمْ ينتهون وَقد رَأَيْت أَن أبْعث إِلَيْهِم من يقطع نخلها ويغور عيونها فَمَا ترى أَنْت فَسكت جَعْفَر فَقَالَ لَهُ مَا لَك لَا تَتَكَلَّم قَالَ أَتكَلّم آمنا قَالَ نعم قَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن
стр. 160
سُلَيْمَان ﵇ أعْطى فَشكر وَإِن أَيُّوب ﵇ أبتلى فَصَبر
وَإِن يُوسُف ﵇ قدر فغفر وَإِن مُحَمَّد ﷺ أوذي فَاحْتمل وَقد جعلك الله من نسل الَّذين يغفرون ويعفون ويصفحون فانطفأ غيظه وَأمْسك عَنْهُم
أَنْشدني بَعضهم
(أَشْكُو إِلَيْك هموما لَيْسَ يكشفها ... إِلَّا رضاك فقوم بِالرِّضَا أودي)
(إِن تعف عني فَأهل الْعَفو أَنْت ... وَإِن عاقبتني فبمَا تجني عَليّ يَدي)
وَقَالَ آخر
(وَلَقَد ناديت عفوك من قريب ... كَمَا سالمت شخصك من بعيد
(فَإِن عاقبتني فبسوء فعلي ... وَمَا ظلمت عُقُوبَة مستفيد)
(وَإِن تمنن فإحسان جَدِيد ... مننت بِهِ على شكر جَدِيد)
стр. 161
الْوَصْف الْحَادِي عشر
= الشُّكْر =
إعلم أَن الشُّكْر يَنْقَسِم إِلَى ثَلَاثَة أَقسَام عقد بالجنان وثناء بِاللِّسَانِ
стр. 162
ومكافاة بالأفعال الحسان
أما العقد بالجنان فَهُوَ ان يضمر إعظام الْمُنعم واجلاله والخشية لَهُ والإقبال عَلَيْهِ وَالْعجز عَن الْقيام بحقيقه شكره واستكثار النِّعْمَة مِنْهُ وَإِن قلت واستقلالها فِي غَيره وَإِن جلت
وَأما الثَّنَاء بِاللِّسَانِ فَهُوَ إِظْهَار الْحَمد للمنعم وَالثنَاء عَلَيْهِ والتحدث بِمَا خوله من تَوَاتر النعم وبلوغ الْمَقَاصِد وَحُصُول الْأَغْرَاض وَغير ذَلِك مِمَّا خصّه بِهِ الْمُنعم دون كثير من النَّاس
واما الْمُكَافَأَة بالأفعال فَهِيَ الإقبال على طَاعَته وَالْوُقُوف عِنْد حُدُوده ومنهياته وان يواسي الضُّعَفَاء من نعْمَته ويعمهم بعدله ويخصهم ببذله سِيمَا لمن نَاصح فِي دولته وأخلص فِي خدمته وَصدق فِي ولائه من أعوانه وخاصته أَو لمن أظهر نكاية فِي عداته أَو لمن
стр. 163
سارع فِي مرضاته وَغير ذَلِك مِمَّا يجلب بِهِ المسرة اَوْ يدْفع عَنهُ بِهِ الْمضرَّة فَإِنَّهُ إِذا فعل ذَلِك من نِيَّة وَقَول وَعمل سمي شاكرا على الْحَقِيقَة وَكَانَ لمزيد النِّعْمَة مُسْتَحقّا ولتتابع الْإِحْسَان مستوجبا لقَوْله ﴿لَئِن شكرتم لأزيدنكم﴾
وَقد قَالَ بعض الْحُكَمَاء لَا يكون الْملك شاكرا للنعمة حَتَّى يجْتَمع فِيهِ أَرْبَعَة أَشْيَاء الْمُوَاسَاة فِيهَا والاستعانة بهَا على طَاعَة مَوْلَاهَا والإشادة بذكرها وتيقن الْعَجز عَن الْقيام بِحَقِيقَة شكرها
стр. 164
وَكَانَ يُقَال لَا زَوَال للنعمة مَعَ الشُّكْر وَلَا بَقَاء لَهَا مَعَ الْكفْر
وَقيل الشُّكْر قيد النِّعْمَة
وَقيل الشُّكْر مثمر النعم وعصمة من النقم
وَقَالَ بعض الْحُكَمَاء من لم يشْكر على الإنعام فاعدده من الْأَنْعَام
وَقَالَ بعض مُلُوك الْهِنْد خير الْمُلُوك الشكُور على حسن الْأَعْمَال والصبور على تحمل الأثقال
стр. 165
وَكَانَ يُقَال من كفر النِّعْمَة اسْتوْجبَ حرمَان الْمَزِيد
وَقَالَ عَليّ بن طَالب ﵁
(من جاور النِّعْمَة بالشكر لم ... يخْش على النِّعْمَة مَا اغتالها)
(لَو شكروا النِّعْمَة زادتهم ... مقَالَة الله الَّتِي قَالَهَا)
(لَئِن شكرتم لأزيدنكم ... لكنما كفرهم غالها)
(وَالْكفْر بِالنعْمَةِ يَدْعُو إِلَى ... زَوَالهَا وَالشُّكْر ابقى لَهَا)
وَقَالَ بعض البلغاء الشُّكْر وَإِن قل ثمن كل نوال وَإِن جلّ وَأنْشد
стр. 166
(لَو كنت أعرف فَوق الشُّكْر منزلَة ... أَعلَى من الشُّكْر عِنْد الله فِي الثّمن)
(إِذا منحتكما مني مهذبة ... حذوا على حَذْو مَا واليت من حسن)
وَقَالَ آخر
(فَلَو كَانَ يَسْتَغْنِي عَن الشُّكْر ماجد ... لرفعة حَال أَو علو مَكَان)
(لما أَمر الرَّحْمَن بالشكر خلقه ... فَقَالَ اشكروني أَيهَا الثَّقَلَان)
стр. 167
الْوَصْف الثَّانِي عشر الأناة
إعلم أَن الأناة من أَحْمد أَوْصَاف الْملك وأكمل أخلاقه وعلامة توفيقه لِأَنَّهُ يتَعَلَّق بهَا صَوَاب الرَّأْي فِي التَّدْبِير واتضاح الْأُمُور فِي السياسة وَلَا يقْتَرن بهَا زلل وَلَا يعقبها ندامة وَلَا فشل فقد قَالَ رَسُول الله ﷺ التوءدة من الرَّحْمَن والعجلة من الشَّيْطَان
стр. 168
وَقَالَ بعض الْحُكَمَاء على الْملك أَن يعْمل بخصال ثَلَاث تَأْخِير الْعقُوبَة فِي سُلْطَان الْغَضَب وتعجيل مُكَافَأَة المحسن وَالْعَمَل بالأناة فِيمَا يحدث من الْأُمُور فَإِن لَهُ فِي تَأْخِير الْعقُوبَة إِمْكَان الْعَفو وَفِي تَعْجِيل الْمُكَافَأَة بِالْإِحْسَانِ المسارعة إِلَى الطَّاعَة من الرّعية وَفِي الأناة اتضاح الرَّأْي وانفساح الصَّوَاب
وَسَأَلَ ملك من الْمُلُوك حكيما فَقَالَ أَي خلائق الْملك أَحْمد العواقب قَالَ الأناة قَالَ فأيها أجلب لمودة الرّعية قَالَ الْكَرم قَالَ فَأَي الْمُلُوك أخرق
стр. 169
قَالَ أنهكهم عُقُوبَة للرعية قَالَ فَأَي الْخلال أجمع للمكارم والمناقب قَالَ الْعدْل قَالَ أوصني وَصِيَّة أنتفع بهَا فِي ملكي قَالَ قد فعلت
ويحكى أَن عَليّ بن أبي طَالب ﵁ سَأَلَ كَبِيرا من كبراء فَارس فَقَالَ أَي ملوككم كَانَ أَحْمد عنْدكُمْ سيرة قَالَ إِن أردشير لَهُ فَضِيلَة السَّبق فِي المملكة غير أَن أحمدهم سيرة أنوشروان قَالَ فَأَي خلاله كَانَ أغلب عَلَيْهِ قَالَ الْحلم والأناة
وَقَالَ عَليّ ﵁ إِن الأناة والحلم توأمان ينتجهما علو الهمة وَالله أعلم
стр. 170
الْوَصْف الثَّالِث عشر الْحلم
إعلم أَن الْحلم ضبط النَّفس عِنْد هيجان الْغَضَب وَهُوَ خليق بالملوك لما فِيهِ من الرَّاحَة واجتلاب الْحَمد وَحسن الْعَاقِبَة ورضا الْخَالِق قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن الله يحب الْحَلِيم
стр. 171
وَيبغض الْفَاحِش وَقَالَ عَليّ بن أبي طَالب ﵁ من حلم سَاد وَمن تفهم ازْدَادَ
وَقَالَ بعض الْحُكَمَاء كل ملك لَا يجْتَمع فِيهِ ثَلَاث قوى فملكه مسلوب الْقُوَّة الأولى قُوَّة الْحلم وثمرتها الْعَفو الْقُوَّة الثَّانِيَة قُوَّة حفظ الرّعية وثمرتها عمَارَة المملكة الْقُوَّة الثَّالِثَة قُوَّة الشجَاعَة وثمرتها فِي الْمُلُوك الثَّبَات وَفِي الْجند الْإِقْدَام وَكَانَ يُقَال
стр. 172
أوكد أَسبَاب الْحلم رَحْمَة الْجُهَّال
وَقَالَ بعض الْحُكَمَاء الْحلم حجاب الْآفَات
وَقَالَ مُعَاوِيَة إِنِّي لَا رفع نَفسِي أَن يكون لي ذَنْب أوسع من حلم
وَكَانَ يُقَال لَيْسَ الْحَلِيم من إِذا ظلم حلم حَتَّى إِذا قدر انتقم وَلَكِن الْحَلِيم من إِذا ظلم حلم حَتَّى إِذا قدر عفى وَمِمَّا حفظ من وَصِيّه أنوشروان لوَلَده يَا بني إِن من أَخْلَاق الْمُلُوك الأنفة وَعزة النَّفس وَإنَّك ستبلى بمدارات أَقوام وَإِن سفه السَّفِيه رُبمَا بلغك فَإِن
стр. 173
رفعت قدري عَنهُ وَإِن كَانَ نظيري تفضلت عَلَيْهِ فَأخذ مَحْمُود الْوراق هَذَا الْكَلَام ونظمه شعرًا
(سألزم نَفسِي الصفح عَن كل مذنب ... وَإِن عظمت مِنْهُ عَليّ الجرائم)
(وَمَا النَّاس إِلَّا وَاحِد من ثَلَاثَة ... شرِيف ومشروف وَمثل مقاوم)
(فَأَما الَّذِي فَوقِي فاعرف قدره ... وأتبع فِيهِ الْحق وَالْحق لَازم)
(واما الَّذِي دوني فَإِن قَالَ صنت عَن ... إجَابَته عرضي وَإِن لَام لائم)
(وَأما الَّذِي مثلي فَإِن زل اَوْ هفا ... تفضلت إِن الْحلم بِالْفَضْلِ حَاكم)
стр. 174
وأنشدني بعض أهل الْعلم
(رجحنا وَقد خفت حلوم كَثِيرَة ... وعدنا على أهل السفاهة بِالْفَضْلِ)
(وَجَهل رددناه بِفضل حلومنا ... وَلَو اننا شِئْنَا رددناه بِالْجَهْلِ)
وَقَالَ عُبَيْدَة بن غاضرة الْعَنْبَري
(إِنَّا وَإِن كُنَّا أسنة قَومنَا ... وَكَانَ لنا فيهم مقَام مقدم)
(لنصفح عَن أَشْيَاء مِنْهُم تسؤنا ... ونصدف عَن ذِي الْجَهْل مِنْهُم ونحلم)
(
(ونمنح مِنْهُم معشرا يحسدوننا ... هنيء عَطاء لَيْسَ فِيهِ تندم)
(وتكلؤهم بِالْغَيْبِ منا حفيظة ... وأكبادنا وجدا عَلَيْهِم تضرم)
(وَلَا نسأم النعماء منا عَلَيْهِم ... وَإِن كثرت حَتَّى يملو ويسأموا)
(وَلَيْسَ بمحمود لَدَى النَّاس من جزي ... بسيىء مَا يَأْتِي المسبيء الملوم)
стр. 175
(سأحمل عَن قومِي جَمِيع كلومهم ... وأدفع عَنْهُم كل غرم وأغرم)
وَاعْلَم أَن كَمَال الْعقل وَشرف النَّفس وعلو الهمة يبْعَث على الْحلم عِنْد هيجان الْغَضَب لأسباب خَمْسَة
أَحدهَا الترفع عَن السفية والاستهانة بِهِ وإطراح جَانِبه
الثَّانِي أَن يكون السَّفِيه مِمَّن لَهُ خدمَة سالفة وَحُرْمَة لَازِمَة فيراعي مِنْهُ ذَلِك فيحلم عَنهُ لأَجله
الثَّالِث الرَّحْمَة لَهُ والرافة بِهِ لضَعْفه عَن الْقُدْرَة عَلَيْهِ
الرَّابِع أَن يتألفه بالحلم ويتفضل عَلَيْهِ بِهِ
стр. 176
الْخَامِس الإستحياء من الله تَعَالَى وَمن الْحَاضِرين ان يُجيب السَّفِيه بِسَفَه مثله
وَيَنْبَغِي للْملك ان يعرض على نَفسه هَذِه الْأَسْبَاب عِنْد هيجان الْغَضَب ليجلب إِلَيْهِ الْحلم وَاحِدًا مِنْهَا
وَاعْلَم أَن الْحلم لَيْسَ بمحمود فِي كل المواطن لِأَنَّهُ قد يطْرَأ على الْملك من الْأُمُور مايكون الْحلم مَعهَا مفْسدَة والتراخي عَنْهَا مضرَّة لِأَن الرّعية على قسمَيْنِ قسم لَا يخْشَى فسادهم وَلَا يضرّهُ مَا صدر عَنْهُم فإطراح الْملك لَهُم والترفع عَن مجازاتهم أليق والاستهانة بهم أصون وَقسم لَا يُمكن للْملك إهمال أَمرهم وإطراح جانبهم إِمَّا لخوف شرهم أَو للُزُوم أَمرهم فردعهم بالأفعال الزاجرة أولى للْملك من الْحلم عَنْهُم حَتَّى لَا يزدادون بالحلم شرا وتمردا
стр. 177
وَقد سَأَلَ يزِيد بن مُعَاوِيَة أَبَاهُ فَقَالَ يَا امير الْمُؤمنِينَ هَل ذممت عَاقِبَة حلم قطّ أَو حمدت عَاقِبَة إقدام قطّ فَقَالَ مَا حلمت من لئيم قطّ وَإِن كَانَ وليا إِلَّا أعقبني ندما وَلَا أقدمت على عُقُوبَة كريم قطّ وَإِن كَانَ عدوا إِلَّا وأعقبني أسفا
وَقَالَ بعض الْحُكَمَاء إِن الْحلم يفْسد من اللَّئِيم بِقدر إِصْلَاحه من الْكَرِيم
وَقَالَ بعض أهل الْعلم لَيْسَ الْحلم بمحمود فِي كل المواطن كَمَا أَن الْجَهْل لَيْسَ بمذموم فِي جَمِيع الْأَحْوَال وَأنْشد
(لَئِن كَانَ حلم الْمَرْء عون عَدو ... عَلَيْهِ فَإِن الْجَهْل أعنى وأروح)
(وَفِي الْحلم ضعف والعقوبة قُوَّة ... إِذا كنت تخشى كيد من عَنهُ تصفح)
стр. 178
وَقَالَ لَهُم بن الْمهْدي
(إِذا كنت بَين الْحلم وَالْجهل ماثلا ... وخيرت أَنِّي شِئْت فالحلم افضل)
(وَلَكِن إِذا أنصفت من لَيْسَ منصفا ... وَلم يرض مِنْك الْحلم فالجهل أمثل)
وَيَنْبَغِي للْملك ان يتلطف فِي تَدْبِير من هَذِه صفته على وَجه يحصل بِهِ الردع والزجر من غير مُبَالغَة فِي النكاية على مَا تَقْتَضِيه الْمصلحَة فِي تَدْبِير السياسة
стр. 179
العفاف
الْوَصْف الرَّابِع عشر
غعلم ان العفاف هُوَ ضبط النَّفس عَن الرذائل وكف الْجَوَارِح عَن الْأَذَى والمحارم وَذَلِكَ غَايَة السؤدد وَكَمَال الْمُرُوءَة وختام مَكَارِم الْأَخْلَاق
قَالَت السيدة عَائِشَة ﵂ كَانَ الْجَاهِلِيَّة لَا يسودون رجلا حَتَّى يجْتَمع فِيهِ سِتّ خِصَال ثمَّ زَادَت فِي الْإِسْلَام خصْلَة سبعا السماحة والنجدة وَالصَّبْر والحلم
стр. 180
وَالْبَيَان والتواضع وتمامهن فِي الْإِسْلَام العفاف
وَكَانَ يُقَال من عف فِي جماله وَعدل فِي سُلْطَانه حشر فِي زمرة الْأَبْرَار
وَقد قدمنَا فِي صدر الْكتاب ان من لَا يقدر على ضبط نَفسه من الرذائل لم يقدر على ضبط خاصته وهم نصب عَيْنَيْهِ وَمن لم يقدر على ضبط خاصته من أعوانه لم يقدر على ضبط رَعيته وهم فِي أقاصي بِلَاده
فَإِذا عف نَفسه وجوارحه فقد انتظم امْر مَمْلَكَته فِي دُنْيَاهُ وينقلب إِلَى الْملك الدَّائِم فِي عقباه فَأَما أعفاف الْجَوَارِح فَهُوَ أَن يعف بَصَره عَن النّظر إِلَى الْمَحَارِم
٣٤٨
- وَأَن يتْرك التطلع إِلَى مَا حجب عَنهُ وَنهي
لِأَن رَسُول الله ﷺ قَالَ النظرة سهم مَسْمُوم من سِهَام إِبْلِيس فَمن تَركه من خوف الله آتَاهُ الله تَعَالَى إِيمَانًا يجد حلاوته فِي قلبه وَقَالَ أَبوهُ الدَّرْدَاء ﵁ من غض بَصَره عَن نظر الْحَرَام زوجه الله تَعَالَى من الْحور الْعين حَيْثُ أحب وَمن أطلع فَوق بَيت من بيُوت النَّاس حشر يَوْم الْقِيَامَة أعمى
следующие страницы →