Полный текст (560 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
الْخَامِس الإستحياء من الله تَعَالَى وَمن الْحَاضِرين ان يُجيب السَّفِيه بِسَفَه مثله
وَيَنْبَغِي للْملك ان يعرض على نَفسه هَذِه الْأَسْبَاب عِنْد هيجان الْغَضَب ليجلب إِلَيْهِ الْحلم وَاحِدًا مِنْهَا
وَاعْلَم أَن الْحلم لَيْسَ بمحمود فِي كل المواطن لِأَنَّهُ قد يطْرَأ على الْملك من الْأُمُور مايكون الْحلم مَعهَا مفْسدَة والتراخي عَنْهَا مضرَّة لِأَن الرّعية على قسمَيْنِ قسم لَا يخْشَى فسادهم وَلَا يضرّهُ مَا صدر عَنْهُم فإطراح الْملك لَهُم والترفع عَن مجازاتهم أليق والاستهانة بهم أصون وَقسم لَا يُمكن للْملك إهمال أَمرهم وإطراح جانبهم إِمَّا لخوف شرهم أَو للُزُوم أَمرهم فردعهم بالأفعال الزاجرة أولى للْملك من الْحلم عَنْهُم حَتَّى لَا يزدادون بالحلم شرا وتمردا
стр. 177
وَقد سَأَلَ يزِيد بن مُعَاوِيَة أَبَاهُ فَقَالَ يَا امير الْمُؤمنِينَ هَل ذممت عَاقِبَة حلم قطّ أَو حمدت عَاقِبَة إقدام قطّ فَقَالَ مَا حلمت من لئيم قطّ وَإِن كَانَ وليا إِلَّا أعقبني ندما وَلَا أقدمت على عُقُوبَة كريم قطّ وَإِن كَانَ عدوا إِلَّا وأعقبني أسفا
وَقَالَ بعض الْحُكَمَاء إِن الْحلم يفْسد من اللَّئِيم بِقدر إِصْلَاحه من الْكَرِيم
وَقَالَ بعض أهل الْعلم لَيْسَ الْحلم بمحمود فِي كل المواطن كَمَا أَن الْجَهْل لَيْسَ بمذموم فِي جَمِيع الْأَحْوَال وَأنْشد
(لَئِن كَانَ حلم الْمَرْء عون عَدو ... عَلَيْهِ فَإِن الْجَهْل أعنى وأروح)
(وَفِي الْحلم ضعف والعقوبة قُوَّة ... إِذا كنت تخشى كيد من عَنهُ تصفح)
стр. 178
وَقَالَ لَهُم بن الْمهْدي
(إِذا كنت بَين الْحلم وَالْجهل ماثلا ... وخيرت أَنِّي شِئْت فالحلم افضل)
(وَلَكِن إِذا أنصفت من لَيْسَ منصفا ... وَلم يرض مِنْك الْحلم فالجهل أمثل)
وَيَنْبَغِي للْملك ان يتلطف فِي تَدْبِير من هَذِه صفته على وَجه يحصل بِهِ الردع والزجر من غير مُبَالغَة فِي النكاية على مَا تَقْتَضِيه الْمصلحَة فِي تَدْبِير السياسة
стр. 179
العفاف
الْوَصْف الرَّابِع عشر
غعلم ان العفاف هُوَ ضبط النَّفس عَن الرذائل وكف الْجَوَارِح عَن الْأَذَى والمحارم وَذَلِكَ غَايَة السؤدد وَكَمَال الْمُرُوءَة وختام مَكَارِم الْأَخْلَاق
قَالَت السيدة عَائِشَة ﵂ كَانَ الْجَاهِلِيَّة لَا يسودون رجلا حَتَّى يجْتَمع فِيهِ سِتّ خِصَال ثمَّ زَادَت فِي الْإِسْلَام خصْلَة سبعا السماحة والنجدة وَالصَّبْر والحلم
стр. 180
وَالْبَيَان والتواضع وتمامهن فِي الْإِسْلَام العفاف
وَكَانَ يُقَال من عف فِي جماله وَعدل فِي سُلْطَانه حشر فِي زمرة الْأَبْرَار
وَقد قدمنَا فِي صدر الْكتاب ان من لَا يقدر على ضبط نَفسه من الرذائل لم يقدر على ضبط خاصته وهم نصب عَيْنَيْهِ وَمن لم يقدر على ضبط خاصته من أعوانه لم يقدر على ضبط رَعيته وهم فِي أقاصي بِلَاده
فَإِذا عف نَفسه وجوارحه فقد انتظم امْر مَمْلَكَته فِي دُنْيَاهُ وينقلب إِلَى الْملك الدَّائِم فِي عقباه فَأَما أعفاف الْجَوَارِح فَهُوَ أَن يعف بَصَره عَن النّظر إِلَى الْمَحَارِم
٣٤٨
- وَأَن يتْرك التطلع إِلَى مَا حجب عَنهُ وَنهي
لِأَن رَسُول الله ﷺ قَالَ النظرة سهم مَسْمُوم من سِهَام إِبْلِيس فَمن تَركه من خوف الله آتَاهُ الله تَعَالَى إِيمَانًا يجد حلاوته فِي قلبه وَقَالَ أَبوهُ الدَّرْدَاء ﵁ من غض بَصَره عَن نظر الْحَرَام زوجه الله تَعَالَى من الْحور الْعين حَيْثُ أحب وَمن أطلع فَوق بَيت من بيُوت النَّاس حشر يَوْم الْقِيَامَة أعمى
стр. 181
وَأَن يتْرك التطلع إِلَى مَا حجب عَنهُ وَنهي
لِأَن رَسُول الله ﷺ قَالَ النظرة سهم مَسْمُوم من سِهَام إِبْلِيس فَمن تَركه من خوف الله آتَاهُ الله تَعَالَى إِيمَانًا يجد حلاوته فِي قلبه وَقَالَ أَبوهُ الدَّرْدَاء ﵁ من غض بَصَره عَن نظر الْحَرَام زوجه الله تَعَالَى من الْحور الْعين حَيْثُ أحب وَمن أطلع فَوق بَيت من بيُوت النَّاس حشر يَوْم الْقِيَامَة أعمى
стр. 182
ثمَّ يعف سَمعه عَن سَماع الْكَلَام الْقَبِيح والغيبة والنميمة وَسَمَاع الْمحرم من الملاهي وينزه مَجْلِسه عَن جَمِيع ذَلِك
стр. 183
فقد قَالَ عبد الله بن عمر ﵄ نهينَا عَن الْغَيْبَة
стр. 184
وَالِاسْتِمَاع إِلَيْهَا والنميمة وَالِاسْتِمَاع لَهَا وَقَالَ ص = من اسْتمع إِلَى قينة صب فِي أُذُنَيْهِ الأنك يَوْم الْقِيَامَة
ثمَّ يعف لِسَانه عَن قَول الْكَذِب والغيبة والنميمة والسخف من
стр. 185
الْكَلَام فقد قَالَ رَسُول الله ﷺ من ضمن لي مَا بَين لحييْهِ وَمَا بَين رجلَيْهِ ضمنت لَهُ على الله الْجنَّة
وَقد قَالَ رَسُول الله ﷺ لِمعَاذ بن جبل ﵁ وَهل يكب النَّاس على مناخرهم فِي النَّار إِلَّا حصائد ألسنتهم
ثمَّ يعف يَده فَلَا يتَنَاوَل بهَا مَا لايحل لَهُ من أَمْوَال الرّعية
стр. 186
وَلَا يبسطها إِلَى مَحْظُور فِي عُقُوبَة وَلَا نكاية مُحرمَة فِي حد وَلَا تَعْزِير فقد قَالَ رَسُول الله
стр. 187
صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حُرْمَة مَال الْمُسلم كَحُرْمَةِ دَمه
стр. 188
وَقَالَ ﷺ بئس الزَّاد إِلَى الْمعَاد الْعدوان على الْعباد ثمَّ قَالَ يعف رجلَيْهِ فَلَا يسْعَى بهما إِلَى مَكْرُوه فقد قَالَ مَسْرُوق مَا خطا العَبْد خطْوَة إِلَّا كتب لَهُ بهَا حَسَنَة أوسيئة
ثمَّ يعف فرجه عَن مقارفة الزِّنَا وَذَلِكَ اصل العفاف وَتَمام الْمُرُوءَة وحصانة الدّين قَالَ رَسُول الله ص = من ضمن لي مَا بَين لحييْهِ وَمَا بَين رجلَيْهِ ضمنت لَهُ على الله الْجنَّة فَإِذا
стр. 189
فعل جَمِيع ذَلِك كَانَ عفيفا وَكَانَ للسيادة مُسْتَحقّا ولمزيد النِّعْمَة مستوجبا
стр. 190
الْوَصْف الْخَامِس عشر الْوَقار
إعلم أَن وقار الْملك وسكينته من أعظم سياسات المملكة لما يتَعَلَّق بِهِ من إِظْهَار الهيبة وتعظيم الْحُرْمَة وَقيام الأبهة وإرهاب الْعَدو واهل الدعارة
وسنوضح ذَلِك فِي الْبَاب السَّابِع إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَهَذِه أصُول مَكَارِم الخلاق ومحاسنها الَّتِي تقوم بهَا السياسة وتدوم بهَا الرياسة وسنزيدها إيضاحا بِذكر قبائح أضدادها فِي الْبَاب السَّادِس إِن شَاءَ الله تَعَالَى
стр. 191
الْبَاب السَّادِس فِي معرفَة الْأَوْصَاف الذميمة وَالنَّهْي عَنْهَا
لما ذكرنَا من مَكَارِم الْأَخْلَاق أوصافا جميلَة وأخلاقا حميدة يزْدَاد المتصف بهَا إجلالا وتعظيما أحببنا أَن نوضح مَا ذَكرْنَاهُ من محَاسِن بشرح قبائح أضدادها المذمومة الْخَارِجَة بِالنَّفسِ عَن حد الِاعْتِدَال الى مَا يعقبها من الِاضْطِرَاب فِي تَأتي الْحَال ليجتنبها الْملك ونختم هَذَا الْبَاب بِذكر أغراض ردية رُبمَا عرضت الْملك فَأَخْرَجته عَن قانون الِاعْتِدَال وَهِي خَمْسَة عشر وَصفا وَثَلَاثَة أَعْرَاض
أما الْأَوْصَاف فَهِيَ الْجور وَالْجهل وَالْبخل والسرف وَالْخلف والكذل والغيبة وَالْغَضَب وَالْعجب وَالْكبر والحسد والعجلة والمزاح والضحك والغدر
وَأما الْأَعْرَاض فَهِيَ الْهم وَالْغَم وَالسكر
стр. 192
الْوَصْف الأول الْجور
إعلم أَن الْجور هُوَ الْعُدُول عَن الْحق واستمراره يخل بنظام الطَّاعَة
стр. 193
من الرّعية ويبعثهم على ترك المناصحة وَعدم النُّصْرَة ويحملهم على نصب الغوائل وتربص الدَّوَائِر وَلَيْسَ شَيْء أسْرع فِي خراب الأَرْض وَلَا أفسد لضمائر الْخلق مِنْهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ يقف على حد وَلَا يَنْتَهِي إِلَى
стр. 194
غَايَة وَقد قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن أَشد النَّاس عذَابا يَوْم الْقِيَامَة من أشركه الله فِي سُلْطَانه فجار فِي حِكْمَة
وَقَالَ ص = لن تهْلك الرّعية وَإِن كَانَت ظالمه اَوْ مسيئة إِذا كَانَت الْوُلَاة هادية مهدية وتهلك الرّعية وَإِن كَانَت هادية مهدية إِذا كَانَت الْوُلَاة ظالمة مسيئة
وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاة السَّلَام قَالَ الله تَعَالَى لانتقمن من
стр. 195
الظَّالِم فِي عاجله وآجله ولأنتقمن مِمَّن رأى مَظْلُوما فَقدر على ان ينصره فَلم يفعل
وَقَالَ ﵊ بئس الزَّاد الى الْمعَاد الْعدوان على الْعباد
وَقَالَ بعض الْحُكَمَاء الْملك يبْقى على الْكفْر وَلَا يبْقى على الْجور
وَقَالَ حَكِيم آخر الْجور مسْلبَةٌ للنعم وَالْبَغي مجلبة النقم
стр. 196
وَقَالَ افلاطون بِالْعَدْلِ ثبات الْأَشْيَاء وبالجور زَوَالهَا وَقَالَ أَيْضا إيَّاكُمْ والجور فَإِنَّهُ أَدَاة العطب وَعلة خراب الْبِلَاد ويحكي ان الرشيد
стр. 197
حبس ابا الْعَتَاهِيَة وَأقسم أَن لَا يُخرجهُ من حَبسه فَبَقيَ فِي السجْن مُدَّة طَوِيلَة فَلَمَّا ضَاقَ بِهِ الْأَمر كتب على حَائِط الْحَبْس هَذِه الأبيات
(أما وَالله إِن الظُّلم شُؤْم ... وَمَا زَالَ الْمُسِيء هُوَ الظلوم
(تنام وَلم تنم عَنْك المنايا ... تنبه للمنية يَا نَؤُم
(إِلَى ديان يَوْم الدّين نمضي ... وَعند الله تَجْتَمِع الْخُصُوم)
قَالَ فَأخْبر الرشيد بذلك فَبكى وأحضر أَبَا الْعَتَاهِيَة واستحله
ألف دِينَار وَأطْلقهُ وَكفر عَن يَمِينه
وأنشدني بَعضهم لأبي الْفَتْح البستي
стр. 198
(عَلَيْك بِالْعَدْلِ إِن وليت مملكة ... وَاحْذَرْ من الْجور فِيهَا غَايَة الحذر) ٣ (فالملك يبْقى على الْكفْر البهيم وَلَا ... يبْقى مَعَ الْجور فِي بدور وَلَا حضر)
وَقَالَ بعض الْحُكَمَاء لَيْسَ للجائر جَار وَلَا تعمر لَهُ دَار
وَقَالَ حَكِيم آخر اقْربْ الْأَشْيَاء صرعة الظلوم وأنفذ السِّهَام دَعْوَة الْمَظْلُوم
وَقَالَ بَعضهم فِي الْمَعْنى شعرًا
стр. 199
(لَا تظلمن إِذا مَا كنت مقتدرا ... فالظلم مرتعة يَدْعُو إِلَى الوخم)
(تنام عَيْنك والمظلوم منتبه ... يَدْعُو عَلَيْك وَعين الله لم تنم)
ويحكي ان يزدجرد الأثيم لما كثر عسفه لرعيته وَاشْتَدَّ جوره عَلَيْهِم باغتصاب الْأَمْوَال وامتهانهم بِالْعَذَابِ وَطَالَ ذَلِك عَلَيْهِم اجْتمع جمَاعَة من المظلومين فِي بعض الهياكل ثمَّ دعوا الله أَن يريحهم مِنْهُ فَمَكثَ بعد ذَلِك خَمْسَة أَيَّام أَو سَبْعَة فَجَاءَهُ حَاجِبه فَأخْبرهُ أَن فرسا مستوحشا جمع محَاسِن صِفَات الْخَيل قد جَاءَ
стр. 200
يشْتَد عدوا حَتَّى وقف بِبَاب الْملك وَقد تهيبه النَّاس فَلم يجترىء اُحْدُ عَلَيْهِ وَقد نفرت مِنْهُ الْخَيل فَلَا تقرب مِنْهُ فَلَمَّا سمع ذَلِك يزدجرد خرج من قصره فَنظر الى الْفرس قَائِما فَرَأى منْظرًا عجيبا فَدَنَا مِنْهُ فخضع لَهُ الْفرس فخامره الْإِعْجَاب بِنَفسِهِ فمسك بناصيته فَمسح وَجهه ثمَّ أَمر بإسراجه وإلجامه ثمَّ اسْتَدَارَ بِهِ وَمسح كفله فرمحه رمحة خر مِنْهَا مَيتا وَقيل بل رَكبه وحركه فَجمع بِهِ وَسبق الْأَبْصَار عدوا حَتَّى أَتَى الْبَحْر فاقتحمه بِهِ فَكَانَ ذَلِك آخر مَا علم من خَبره
وَقد يعلم قبح الْجور وعقلا وَشرعا فَيجب اجتنابه والورع عَنهُ لما فِيهِ من اختلال الرّعية واضطراب الدولة وخراب الْبِلَاد وَعَذَاب الْآخِرَة
стр. 201
الْوَصْف الثَّانِي
الْجَهْل
إعلم أَن الْجَهْل من الْأَوْصَاف الذميمة والأخلاق الردية لَا سِيمَا بالملوك فَإِن صَاحبه لَا يعرى عَن الفضيحة بالأفعال القبيحة ورأيه أبدا فِي ضلال وتدبيره فِي وبال يقْتَرن بِهِ الزلل ويحيط بِهِ الفشل قَالَ بعض الْحُكَمَاء الْجَهْل مَطِيَّة من ركبهَا زل وَمن صحبها ضل
وَقَالَ آخر خير الْمَوَاهِب الْعقل وَشر المصائب الْجَهْل
وَقيل الْجَاهِل يعْتَمد على أمله والعاقل يعْتَمد على عمله
وَقيل نظر الْجَاهِل بِعَيْنِه وناظره وَنظر الْعَاقِل بِقَلْبِه وخاطره
وَاعْلَم أَن للجاهل أوصافا تظهر عَلَيْهِ وخصالا ترشد إِلَيْهِ فَمن ذَلِك مَا رُوِيَ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ للجاهل خِصَال
стр. 202
يعرف بهَا يظلم من خالطه ويعتدي على من دونه ويتطاول على من فَوْقه وَيتَكَلَّم بِغَيْر تَدْبِير إِن عرضت عَلَيْهِ فتْنَة أردته وَإِذا رأى فضيله أعرض عَنْهَا
وَقَالَ زِيَاد يعرف الْجَاهِل بِثَلَاث عَلَامَات كَثْرَة الإلتفات وَسُرْعَة الْإِجَابَة وتحريك رَأسه إِذا مَشى
وَقَالَ بعض الْعلمَاء سِتّ خِصَال يعرف بهَا الْجَاهِل
стр. 203
الْغَضَب فِي كل شَيْء وَالْكَلَام فِي غير نفع والعطية فِي غير موضعهَا وإفشاء السِّرّ والثقة بِكُل أحد وَأَن لَا يعرف صديقه من عدوه
وَحكى صَالح بن حسان قَالَ كَانَ عبد الله بن جَعْفَر بن أبي طَالب ﵁ صديقا للوليد بن يزِيد بن عبد الْملك
стр. 204
وَكَانَ عبد الله يَأْتِيهِ فَخلوا يَوْمًا يلعبان الشطرنج فَأَتَاهُ الْحَاجِب فَقَالَ
стр. 205
إِن بِالْبَابِ رجلا سيدا من أخوالك من ثَقِيف قدم غازيا وَقد أحب التَّسْلِيم عَلَيْك قَالَ دَعه سَاعَة حَتَّى نفرغ من دستنا قَالَ عبد الله وَمَا عَلَيْك من ذَلِك إِن حضر ائْذَنْ لَهُ قَالَ لما علمت أَن اللّعب مُتَّجه عَلَيْك أردْت أَن تفسده قَالَ عبد الله فَادع منديلا وَضعه عَلَيْهَا حَتَّى يدْخل الرجل فَيسلم عَلَيْك ونعود إِلَى تَمام الدست فَفعل ذَلِك
ثمَّ قَالَ إئذن لَهُ فَدخل رجل مشمر لَهُ هَيْئَة حَسَنَة وَعَلِيهِ عِمَامَة فاخرة وَبَين عَيْنَيْهِ أثر السُّجُود وَقد رجل لحيته بِالْحِنَّاءِ فَقَالَ أصلح الله الْأَمِير قد قدمت غازيا فَكرِهت أَن أجاوزك حَتَّى أَقْْضِي حَقك قَالَ حياك الله وَبَارك فِيك ثمَّ سكت سَاعَة فَلَمَّا أنس بِهِ أقبل عَلَيْهِ الْوَلِيد وَقَالَ يَا خَالِي هَل جمعت الْقُرْآن قَالَ لَا قد كَانَت شَغَلَتْنَا عَنهُ شواغل قَالَ
стр. 206
فَهَل حفظت من سنة رَسُول الله ومغازيه وَأَحَادِيثه شَيْئا قَالَ قد كَانَت أَمْوَالنَا تشغلنا عَن ذَلِك قَالَ فأحاديث الْعَرَب وأيامها وَأَشْعَارهَا قَالَ لَا لِأَنِّي كنت فِي شغل عَن ذَلِك قَالَ فأحاديث الْعَجم وآدابها قَالَ إِن ذَلِك لشَيْء مَا طلبته قَالَ فَهَل عرفت من أَقْوَال الْحُكَمَاء وسير الْمُلُوك مَا تسوس بِهِ قَوْمك قَالَ لَا إِن ذَلِك لشَيْء لم أكن أبحث عَنهُ قَالَ فَاسْتَدَارَ الْوَلِيد وَرفع المنديل وَقَالَ شاهك فَقَالَ عبد الله سُبْحَانَ الله قَالَ الْوَلِيد لَا يستحي مِنْهُ وَالله مَا مَعنا فِي الْبَيْت إِنْسَان فَلَمَّا خرج ذَلِك الرجل قَالَ الْوَلِيد أما علمت أَن الْجُهَّال كالأنعام لَا يستحي مِنْهُم
стр. 207
الْوَصْف الثَّالِث الْبُخْل
إعلم أَن الْبُخْل من أَذمّ الْخَلَائق وَأنكر الطرائق نهى عَنهُ الشَّرْع وَقضى بقبحه الْعقل وَحَقِيقَته منع الْحُقُوق الْوَاجِبَة وتقتير النَّفَقَات الْمُسْتَحقَّة وَفِي الْعرف وَالْعَادَة هُوَ خزن المَال وَمنع المسترفدين من فضوله
وَاعْلَم أَن الْبَخِيل لَا يزَال مسلوب الهيبه مَفْقُود الرهبة ثقيلا على
стр. 208
النُّفُوس بغيضا إِلَى الْقُلُوب ترمقه الْأَبْصَار بالإحتقار وبقلة الْوَقار وَذَلِكَ أَن الْبُخْل يَدعُوهُ إِلَى شدَّة الكدح وخزن المَال ويمنعه من إِيصَال الْحُقُوق إِلَى أَهلهَا وَهُوَ يُغطي الْفَضَائِل وَيظْهر الرذائل أَنْشدني بعض أهل الْعلم
(وَيظْهر عيب الْمَرْء فِي النَّاس بخله ... ويستره عَنْهُم جَمِيعًا سخاؤه)
стр. 209
(تغط بأثواب السخاء فإنني ... أرى كل عيب والسخاء غطاؤه)
وَقد ينْتج عَن الْبُخْل أَرْبَعَة أَخْلَاق مذمومة كل خلق مِنْهَا فِي نِهَايَة الْقبْح وَهِي الْحِرْص والشره وَسُوء الظَّن بِاللَّه وَمنع الْحُقُوق
أما الْحِرْص فَهُوَ شدَّة الكدح والإسراف فِي الكدح والإسراف فِي الطّلب وَالْمُبَالغَة فِي جمع المَال وَهَذَا رُبمَا أفْضى بِصَاحِبِهِ إِلَى اقتحام الْحَرَام وَأخذ الشُّبُهَات فَكَانَ مذموما
وَأما الشره فَهُوَ اسْتِقْلَال الْكِفَايَة والاستكثار من المَال لغير حَاجَة وَذَلِكَ مَذْمُوم لنزوعه إِلَى اللؤم
стр. 210
وَأما كَونه يسيء الظَّن بِاللَّه تَعَالَى فَإِن الْبَخِيل يعْتَقد أَن المَال يذهبه الْإِنْفَاق وَلَيْسَ خلف من الله تَعَالَى وَلَا عوض يرجع إِلَيْهِ فَيحصل على عدم الثِّقَة بِاللَّه تَعَالَى وَذَلِكَ غَايَة المذمة والقبح
وَأما منع الْحُقُوق فَإِن نفس الْبَخِيل لَا تسمح بِفِرَاق المَال إِذْ هُوَ محبوبها وَنِهَايَة مطلوبها فَلَا تنقاد إِلَى إِيصَال الْحق وَلَا تذعن بإنصاف الْخلق وَإِذا كَانَ الْبَخِيل بِهَذِهِ الْأَوْصَاف فَلَيْسَ عِنْده خير مَوْجُود وَلَا صَلَاح مأمول
وَقد قَالَ رَسُول الله ﷺ السخي قريب من الله قريب من الْجنَّة قريب من النَّاس بعيد من النَّار والبخيل بعيد من الله بعيد من النَّاس بعيد من الْجنَّة قريب من النَّار
وَقَالَ ﵇ طَعَام الْجواد دَوَاء وَطَعَام الْبَخِيل
стр. 211
دَاء وَقَالَ ﵇ بشر مَال الْبَخِيل بحادث أَو وَارِث أَنْشدني بعض أهل الْعلم
(يفني الْبَخِيل بِجمع المَال مدَّته ... وللحوادث والوراث مَا يدع)
(كدودة القز مَا تبنيه يهلكها ... وَغَيرهَا بِالَّذِي تبنيه ينْتَفع)
стр. 212
قَالَ بعض الْحُكَمَاء الْبُخْل جِلْبَاب المسكنة
وَقَالَ حَكِيم آخر لَا يدْخل الْبُخْل مسكنا إِلَّا أعقبه الْحَسْرَة وَلَا يدْخل الطمع مدخلًا إِلَّا أعقبته المذلة وَلَا يدْخل الشره مدخلًا إِلَّا أعقبه الْحيرَة
وَقيل الْبَخِيل لَيْسَ لَهُ خَلِيل
وَقيل المَال كَالْمَاءِ فَمن استكثر مِنْهُ وَلم يَجْعَل لَهُ مسربا يتسرب فِيهِ مَا زَاد على الْقدر الْكَافِي غرقه أَنْشدني بَعضهم
(أَرَاك تؤمل حسن الثَّنَاء ... وَلم يرْزق الله ذَاك الْبَخِيل)
(وَكَيف يسود أَخُو بطنة ... يمن كثيرا وَيُعْطِي قَلِيلا)
стр. 213
الْوَصْف الرَّابِع السَّرف
إعلم أَن السَّرف فِي إِنْفَاق المَال وصف خَارج عَن حد السخاء الْمَحْمُود مجانس الْبُخْل فِي الذَّم والقبح لِأَن الله سَاوَى بَين حالتهيما فِي النَّهْي فَقَالَ ﴿وَلَا تجْعَل يدك مغلولة إِلَى عُنُقك وَلَا تبسطها كل الْبسط فتقعد ملوما محسورا﴾
стр. 214
فَنهى عَن بسطها سَرفًا كَمَا نهى عَن قبضهَا بخلا فَدلَّ ذَلِك على استوائهما ذما واتفاقهما لوما وَلِأَن المسرف فِي عطائه المبذر فِي سخائه لَا يفرق بَين مَحْمُود ومذموم وَلَا يُمَيّز بَين مُسْتَحقّ ومحروم
وَهَذِه الْحَال تدل على خور الطَّبْع وطيش الرَّأْي وقصور التَّدْبِير وَذَلِكَ لَا يَلِيق بالملوك وَلِأَن بَيت المَال يقل عَن الْحُقُوق وَيقصر عَن الْوَاجِبَات فَإِذا أسرف فِي بذله فقد وضع الشَّيْء
стр. 215
بِزِيَادَتِهِ على قدر الْمُسْتَحق وَقَالَ بعض الْحُكَمَاء الْخَطَأ فِي إِعْطَاء مَا لَا يَنْبَغِي وَمنع مَا يَنْبَغِي
وَقَالَ سُفْيَان الثَّوْريّ رَحْمَة الله الْحَلَال لَا يحْتَمل السَّرف
وَقَالَ بعض الْعلمَاء ثَلَاثَة ترْتَفع عَنْهُم الرَّحْمَة وتنزل بهم الشماتة فِي ثَلَاثَة أَحْوَال أحدهم المبذر لمَاله حِين تنزل بِهِ الْفَاقَة
الثَّانِي الشرة النهم حِين تصيبه المصيبه
следующие страницы →