← Сияса и кади

Сияса и кади · id 7235

المنهج المسلوك في سياسة الملوك

عبد الرحمن بن نصر الشيرزي

Полный текст (560 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

دَاء وَقَالَ ﵇ بشر مَال الْبَخِيل بحادث أَو وَارِث أَنْشدني بعض أهل الْعلم (يفني الْبَخِيل بِجمع المَال مدَّته ... وللحوادث والوراث مَا يدع) (كدودة القز مَا تبنيه يهلكها ... وَغَيرهَا بِالَّذِي تبنيه ينْتَفع)

стр. 212

قَالَ بعض الْحُكَمَاء الْبُخْل جِلْبَاب المسكنة وَقَالَ حَكِيم آخر لَا يدْخل الْبُخْل مسكنا إِلَّا أعقبه الْحَسْرَة وَلَا يدْخل الطمع مدخلًا إِلَّا أعقبته المذلة وَلَا يدْخل الشره مدخلًا إِلَّا أعقبه الْحيرَة وَقيل الْبَخِيل لَيْسَ لَهُ خَلِيل وَقيل المَال كَالْمَاءِ فَمن استكثر مِنْهُ وَلم يَجْعَل لَهُ مسربا يتسرب فِيهِ مَا زَاد على الْقدر الْكَافِي غرقه أَنْشدني بَعضهم (أَرَاك تؤمل حسن الثَّنَاء ... وَلم يرْزق الله ذَاك الْبَخِيل) (وَكَيف يسود أَخُو بطنة ... يمن كثيرا وَيُعْطِي قَلِيلا)

стр. 213

الْوَصْف الرَّابِع السَّرف إعلم أَن السَّرف فِي إِنْفَاق المَال وصف خَارج عَن حد السخاء الْمَحْمُود مجانس الْبُخْل فِي الذَّم والقبح لِأَن الله سَاوَى بَين حالتهيما فِي النَّهْي فَقَالَ ﴿وَلَا تجْعَل يدك مغلولة إِلَى عُنُقك وَلَا تبسطها كل الْبسط فتقعد ملوما محسورا﴾

стр. 214

فَنهى عَن بسطها سَرفًا كَمَا نهى عَن قبضهَا بخلا فَدلَّ ذَلِك على استوائهما ذما واتفاقهما لوما وَلِأَن المسرف فِي عطائه المبذر فِي سخائه لَا يفرق بَين مَحْمُود ومذموم وَلَا يُمَيّز بَين مُسْتَحقّ ومحروم وَهَذِه الْحَال تدل على خور الطَّبْع وطيش الرَّأْي وقصور التَّدْبِير وَذَلِكَ لَا يَلِيق بالملوك وَلِأَن بَيت المَال يقل عَن الْحُقُوق وَيقصر عَن الْوَاجِبَات فَإِذا أسرف فِي بذله فقد وضع الشَّيْء

стр. 215

بِزِيَادَتِهِ على قدر الْمُسْتَحق وَقَالَ بعض الْحُكَمَاء الْخَطَأ فِي إِعْطَاء مَا لَا يَنْبَغِي وَمنع مَا يَنْبَغِي وَقَالَ سُفْيَان الثَّوْريّ رَحْمَة الله الْحَلَال لَا يحْتَمل السَّرف وَقَالَ بعض الْعلمَاء ثَلَاثَة ترْتَفع عَنْهُم الرَّحْمَة وتنزل بهم الشماتة فِي ثَلَاثَة أَحْوَال أحدهم المبذر لمَاله حِين تنزل بِهِ الْفَاقَة الثَّانِي الشرة النهم حِين تصيبه المصيبه

стр. 216

الثَّالِث الظَّالِم المعتدي حِين تنزل بِهِ الْعقُوبَة أَنْشدني بَعضهم (وَكَانَ المَال بأتينا فَكُنَّا ... نبذره وَلَيْسَ لنا عقول) (فَلَمَّا أَن تولى المَال عَنَّا ... عقلنا حِين لَيْسَ لنا فضول)

стр. 217

الْوَصْف الْخَامِس خلف الميعاد إعلم أَن خلف الميعاد بِهِ اللئام وتأباه الْكِرَام لقبح صوري وشناعة سمعته وَهُوَ من أَرْكَان النِّفَاق ومساوىء الْأَخْلَاق قَالَ رَسُول الله ص = عَلامَة الْمُنَافِق ثَلَاث

стр. 218

إِذا حدث كذب وَإِذا وعد اخلف وَإِذا ائْتمن خَان وَقَالَ طَلْحَة الطلحات مَا بَات رجل مني على وعد إِلَّا وَبكر إِلَى الظفر بحاجته وبكرت إِلَى قَضَائهَا تخوفا من عَارض الْخلف وَإِن الْخلف من النِّفَاق وَلَيْسَ من أَخْلَاق الْكِرَام قَالَ أَبُو الْحسن الْمَدَائِنِي كَانَ عمر بن عبد الْعَزِيز لَا يكَاد يُوجب حَاجَة توقيا للخلف

стр. 219

وَقَالَ دواد بن عبد الله فِي وَصِيَّة أنْجز إِذا وعدت وَاتَّقِ الْخلف فَإِنَّهُ يزِيل الهيبة وَيذْهب ببهاء الْوَجْه قَالَ بعض الْحُكَمَاء من أخلف وعده فقد صعر خَدّه وجفاه الْقَرِيب وتحاماه الْغَرِيب انشدني بَعضهم (لَا تكسبن عَدَاوَة ومذمة بعد الصفاء ... فببذل وعد مخلف أصل الْعَدَاوَة والجفاء) وَكَانَ يُقَال الْخلف نتيجة اللؤم وأقبح كل خلق مَذْمُوم

стр. 220

وَاعْلَم أَن الْخلف من فروع الْكَذِب وسنذكره إِن شَاءَ الله تَعَالَى

стр. 221

الْوَصْف السَّادِس الْكَذِب اعْلَم أَن الْكَذِب وصف ذميم وَخلق لئيم لَا يَنْفَكّ صَاحبه عَن الفضيحة لمناقضته كَلَامه بالسهو وَلَا يكَاد متعاطيه تسمو لَهُ رُتْبَة وَلَا تعلو لَهُ منزلَة لاحتقار النَّاس لَهُ واستصغارهم إِيَّاه ونفورهم عَنهُ وَقلة ركونهم إِلَيْهِ لِأَنَّهُ إِن عَاقد لم يوثق بعقده وَإِن نزل أوعد لم يركن إِلَى وعده وَإِن ذكر شَيْئا تسارعت إِلَيْهِ التُّهْمَة وَإِن نزل بِهِ مَكْرُوه تراجعت عَنهُ الرَّحْمَة كل ذَلِك لما قد عَلمته النُّفُوس

стр. 222

من مهانته وَقلة أَمَانَته وَإِن كَانَ صَادِقا وَفِي الْمَعْنى بَيت مُفْرد (وَمن آفَة الْكذَّاب نِسْيَان كذبه ... وتلقاه ذَا حفظ إِذا كَانَ صَادِقا) وَقد سلب الله تَعَالَى وصف الْكَذِب عَن الْمُؤمنِينَ فَقَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا يفتري الْكَذِب الَّذين لَا يُؤمنُونَ﴾ وَقَالَ رَسُول الله ص الْكَذِب مُجَانب الْإِيمَان

стр. 223

وَكَانَ يُقَال لايقوم على الْكَذِب دين وَلَا دنيا وَكتب عمر بن عبد الْعَزِيز إِلَى بعض عماله إياك أَن تستعين بكذوب فِي أَمر تحْتَاج فِيهِ إِلَى الْحِيلَة فَإنَّك إِن تُطِع الكذوب تهْلك وَقَالَ عبد الْملك بن مَرْوَان اللّحن هجنة الشريف

стр. 224

وَالْعجب آفَة الرَّأْي وَالْكذب فَسَاد كل شَيْء وَحكي أَن قَيْصر كتب إِلَى كسْرَى أَن عرفني بِمَا ضبطت بِهِ ملكك فَكتب إِلَيْهِ بثمان خِصَال لم أكذب فِي جد ولاهزل قطّ وَلم أخلف فِي وعد وَلَا وَعِيد قطّ وَوليت للعنا وركنت لَا للهوى وعاقبت للأدب لَا للغضب وأشربت قُلُوب الرّعية الْمحبَّة من غير جرْأَة وأودعت قلوبها هَيْبَة من غير ضغينة وغمرت بالكفاف ومنعت الفضول وَقيل لعدي بن حَاتِم أَي الْأَشْيَاء أثقل عَلَيْك قَالَ

стр. 225

تجربة الصّديق ورد السَّائِل قيل فَأَي الْأَشْيَاء أوضع للرِّجَال قَالَ كَثْرَة الْكَلَام والثقة بِكُل أحد وَاللِّسَان الكذوب وَقيل الصدْق عز وَالْكذب ذل وَكَانَ يُقَال الْكَذِب من ذهَاب الْمُرُوءَة ومهانة النَّفس وَقلة الْحيَاء أَنْشدني بَعضهم فِي ذَلِك (لايكذب الْمَرْء إِلَّا من مهانته ... أَو عَادَة السوء أَو من قلَّة الْأَدَب)

стр. 226

(فجيفة الْكَلْب عِنْدِي خير رَائِحَة ... من كذبة الْمَرْء فِي جد وَفِي لعب) وَقَالَ آخر (وَمَا شَيْء إِذا فَكرت فِيهِ ... با ذهب للمروءة وَالْجمال) (من الْكَذِب الَّذِي لاخير فِيهِ ... وَأبْعد بالبهاء من الرِّجَال) وَاعْلَم أَن دواعي الْكَذِب ثَلَاثَة أَشْيَاء أَحدهَا أَن يجتلب بِهِ نفعا أَو يدْفع بِهِ ضَرَرا فَيرى أَن الْكَذِب أسلم لَهُ أَو أغنم فيرخص لنَفسِهِ فِيهِ لأجل ذَلِك الثَّانِي أَن يُؤثر أَن يكون حَدِيثه مستعذبا وَكَلَامه مستظرفا وَلَا يجد من الصدْق مَا يزين بِهِ حَدِيثه فيستمد من الْكَذِب الثَّالِث هُوَ أَن يقْصد بِالْكَذِبِ وصمة عدوه فيصمه بالقبائح وينسب إِلَيْهِ الفضائح وَهَذِه الدَّوَاعِي تأباها النُّفُوس الأبية والهمم

стр. 227

الْعلية سِيمَا نفوس الْمُلُوك لشرفها عَن الرذائل وترفعها عَن النقائص إِلَّا أَنه رُبمَا مست الْحَاجة إِلَى اسْتِعْمَال قَلِيل الْكَذِب فِي كيد الْأَعْدَاء وتألف الْبعدَاء فَإِن مثله مثل السمُوم القاتلة تقتل على انفرادها وَتدْخل فِي بعض الْأَدْوِيَة المركبة فَتَصِير دَوَاء شافيا

стр. 228

الْوَصْف السَّابِع الْغَيْبَة إعلم أَن الْغَيْبَة مَعَ تَحْرِيمهَا شرعا وعقلا هِيَ عين الْعَجز وَنَفس اللؤم وَدَلِيل النَّقْص تأباها الْعُقُول الْكَامِلَة والنفوس الفاضلة لما فِيهَا من انحطاط الرُّتْبَة وانخفاض الْمنزلَة قَالَ عَليّ بن الْحُسَيْن الْغَيْبَة إدام كلاب النَّاس

стр. 229

وَقَالَ عدي بن حَاتِم الْغَيْبَة مرعى اللئام قَالَ وَسمع قُتَيْبَة بن مُسلم رجلا يغتاب رجلا فَقَالَ أما وَالله لقد تلفظت بمضغة ظَالِما لفظتها الْكِرَام وَقَالَ بعض الْحُكَمَاء من أَكثر من عُيُوب النَّاس سهل عَلَيْهِ الْإِكْثَار لِأَنَّهُ إِنَّمَا يطْلبهَا بِقدر مَا فِيهِ مِنْهَا وَلَقَد أحسن الْقَائِل حَيْثُ يَقُول

стр. 230

(إِذا أَنْت عبت النَّاس عابوا وَأَكْثرُوا ... عَلَيْك وأبدوا مِنْك مَا كنت تستر) (إِذا مَا ذكرت النَّاس فاترك عيوبهم ... فَلَا عيب إِلَّا دون عيبك يذكر) (فَإِن عبت قوما بِالَّذِي فِيك مثله ... فَذَلِك عِنْد الله وَالنَّاس أكبر) (وَإِن عبت قوما بِالَّذِي فِيك مثله ... فَكيف يعيب العور من هُوَ أَعور) وَقَالَ الْوَلِيد بن عتبَة بن أبي سُفْيَان كنت أَسِير مَعَ أبي فِي موكب فلصق إِلَيّ رجل وَجعل يغتاب رجلا غَائِبا فَسَمعهُ أبي فَالْتَفت إِلَيّ وَقَالَ وَيحك أما علمت أَن الْمُلُوك ينزهون أسماعهم عَن الْخَنَا كَمَا ينزهون ألسنتهم عَن الْكَلَام بِهِ فَإِن المستمع شريك الْقَائِل وَقد نظر إِلَى أَخبث مَا فِي وعائه فأفرغه فِي وعائك ويحكى أَن بهْرَام ملك الْعَجم ولى قائدا من قواده

стр. 231

تخوم أرضه مِمَّا يَلِي أَرض التّرْك فَبَلغهُ عَنهُ أَنه يكثر من غيبَة خاقَان فَقَالَ هَذَا دَلِيل عَجزه وَضَعفه عَن مقاومته ثمَّ عَزله وَولى غَيره وَقَالَ أَبُو الْأسود فِي ذَلِك (وَذي حسد يغتابني حَيْثُ لَا يرى ... مَكَاني ويثني صَالحا حَيْثُ أسمع) (تورعت أَن أغتابه من وَرَائه ... بِمَا لَيْسَ فِيهِ وَهُوَ لَا يتورع)

стр. 232

الْوَصْف الثَّامِن الْغَضَب إعلم أَن الْغَضَب وصف طبعي رَكبه الله فِي الْحَيَوَان ليَكُون لَهُ بِهِ الانتقام من المؤذي لَهُ وَسَببه هجوم مَا تكرههُ النَّفس مِمَّن هُوَ دونهَا والحادث عَن الْغَضَب السطوة والإنتقام فَإِذا أفرط وَجَاوَزَ حَده سلب الْعقل وحجب عَن صَوَاب الرَّأْي فَيصير

стр. 233

صَاحبه مَقْطُوع الْحجَّة قَلِيل الْحِيلَة وَرُبمَا عَاد ضَرَر الْغَضَب على الغضبان دون المغضوب عَلَيْهِ وَقد يظْهر ذَلِك فِي نَفسه وَجَسَده والعاقل فِي حَال شدَّة غَضَبه لَيْسَ بَينه وَبَين الْمَجْنُون فرق ولهذه الْأَوْصَاف صَار قبيحا مذموما وَقَالَ رَسُول الله ﷺ الْغَضَب يفْسد الْإِيمَان كَمَا يفْسد الصَّبْر الْعَسَل

стр. 234

قَالَ ﵊ لَيْسَ الشَّديد بالصرعة إِنَّمَا الشَّديد من ملك نَفسه عِنْد الْغَضَب وَقَالَ ﵊ من كظم غيظا وَهُوَ قَادر على إِنْفَاذه مَلأ الله قلبه أمنا وإيمانا

стр. 235

وَقَالَ بعض الْحُكَمَاء الْغَضَب أَوله جُنُون وَآخره نَدم وَقَالَ آخر الْغَصْب على من لَا تملك عجز وعَلى من تملك لؤم وَكَانَ يُقَال مَا كثر من كثره الْبَغي إياك وَعزة الْغَضَب فَإِنَّهَا تُفْضِي بك إِلَى ذل الْعذر وَكَانَ يُقَال لَيْسَ للْملك أَن يغْضب مَا كثر من كثره الْبَغي وَلَا قوي من قواه الظُّلم وَلَا ملك من ملكه الْغَضَب

стр. 236

وَكَانَ يُقَال لَيْسَ للْملك أَن يغْضب لِأَن الْقُدْرَة من وَرَاء حَاجته وَلَيْسَ لَهُ أَن يكذب لِأَنَّهُ لَا يقدر أحد على استكراهه على غير مَا يُرِيد وَلَيْسَ لَهُ أَن يكون حقودا لِأَن خطره عَظِيم عَن المجازاة وَاعْلَم أَن الَّذين كَانَ مِنْهُم الْفِعْل الْقَبِيح لشدَّة الإنتقام فِي وَقت غيظهم إِنَّمَا كَانَ ذَلِك مِنْهُم لفقد عُقُولهمْ فِي ذَلِك الْوَقْت فَيَنْبَغِي لمن ثار بِهِ عِنْد هجوم مَا يغْضب أَن يكف صورته بحزمه ويطفىء ناره بحلمه ليسلم من النَّدَم فِي العواقب وَالَّذِي يسكن الْغَضَب عِنْد هيجانه خَمْسَة أَسبَاب أَحدهمَا أَن يذكر الله تَعَالَى عِنْد غَضَبه فَإِن ذَلِك يَدعُوهُ إِلَى الْخَوْف مِنْهُ وَالْخَوْف يَبْعَثهُ على الطَّاعَة أَو بِالْعَفو فيزول عَنهُ الْغَضَب فقد ذكر

стр. 237

أَنه مَكْتُوب فِي التَّوْرَاة يَا بن آدم أذكرني حِين تغْضب أذكرك حِين أغضب وَقيل إِن ملكا من مُلُوك الْفرس كتب كتابا وناوله لوزيره وَقَالَ لَهُ إِذا رَأَيْتنِي قد غضِبت فَاتْرُكْهُ بَين يَدي وَكَانَ فِيهِ مَكْتُوب مَا لَك وَالْغَضَب إِنَّمَا أَنْت شَرّ إرحم من فِي الأَرْض يَرْحَمك من فِي السَّمَاء

стр. 238

قَالَ فَكَانَ إِذا غضب ذَلِك الْملك نَاوَلَهُ الْوَزير الْكتاب فيسكن غَضَبه وَقيل إِن ملكا من مُلُوك الرّوم أَخذ جمجمة ملك كَانَ قبله فوضعها فِي طشت وناولها بعض حجابه وَقَالَ لَهُ إِذا رَأَيْتنِي قد غضِبت على إِنْسَان فضعها بَين يَدي قَالَ فَكَانَ إِذا غضب وَضعهَا الْحَاجِب بَين يَدَيْهِ فيسكن غَضَبه السَّبَب الثَّانِي أَن يتَذَكَّر عِنْد الْغَضَب ثَوَاب الْعَفو وَحسن جَزَاء الصفح فيقهر نَفسه على ردع الْغَضَب رَغْبَة فِي الثَّوَاب وَمَا وعد الله بِهِ العافين عَن النَّاس فقد قَالَ رَسُول الله ﷺ يُنَادي مُنَاد يَوْم الْقِيَامَة من لَهُ أجر على الله تَعَالَى فَليقمْ فَيقوم الْعَافُونَ عَن النَّاس

стр. 239

ثمَّ تلى فَمن عَفا وَأصْلح فَأَجره على الله الثَّالِث أَن يتَذَكَّر إنعطاف الْقُلُوب عَلَيْهِ وميل النُّفُوس إِلَيْهِ عِنْد الْعَفو وكظم الغيظ فيمنعه التألف وَجَمِيل الثَّنَاء من إِنْفَاذ الْغَضَب الرَّابِع أَن ينْتَقل من الْحَالة الَّتِي هُوَ عَلَيْهَا إِلَى حَالَة أُخْرَى فَإِنَّهُ إِذا فعل ذَلِك زَالَ عَنهُ الْغَضَب وَقد كَانَ شعار الْمَأْمُون إِذا غضب الْخَامِس أَن يتَذَكَّر مَا يؤول إِلَيْهِ الْغَضَب من النَّدَم ومذمة الانتقام لَا سِيمَا إِنْفَاذه فِيمَن لَا يَسْتَطِيع الدّفع عَن نَفسه فَهَذِهِ الْأَسْبَاب الْخَمْسَة إِذا تدبرها الْملك وتذكرها فِي أَوْقَات الرِّضَا كَانَ أَحْرَى أَن يتذكرها فِي أَوْقَات الْغَضَب فتصده عَن إِنْفَاذ الْفِعْل والإفراط فِي النكال والانتقام

стр. 240

الْوَصْف التَّاسِع الْعجب اعْلَم أَن الْعجب وصف رَدِيء يسلب الْفَضَائِل ويجلب الرذائل وَيظْهر الْحمل وَيُوجب المقت ويخفي المحاسن ويشهر المساوىء ويفضي إِلَى المهالك قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَيَوْم حنين إِذْ﴾

стр. 241

أَعجبتكُم كثرتكم فَلم تغن عَنْكُم شَيْئا وَضَاقَتْ عَلَيْكُم الأَرْض بِمَا رَحبَتْ ثمَّ وليتم مُدبرين وَقَالَ عَليّ بن أبي طَالب ﵁ الْإِعْجَاب ضد الصَّوَاب وَآفَة الْأَلْبَاب وَقَالَ بعض الْحُكَمَاء إعجاب الْمَرْء بِنَفسِهِ أحد حساد عقله وَقَالَ آخر الْعجب حمق وتيه ينتجه الْكبر وَكَانَ يُقَال مَا أعجب بِنَفسِهِ عَاقل لِأَن الْعجب فضل حمق

стр. 242

لم يدر صَاحبه أَيْن يذهب بِهِ فيصرفه إِلَى الْكبر وَحكي أَن رجلا نظر إِلَى الْمُهلب بن أبي صفرَة وَعَلِيهِ حلَّة فاخرة يسحبها وَيَمْشي بالخيلاء فَقَالَ لَهُ يَا أَبَا عبد الله مَا هَذِه المشية الَّتِي يبغضها الله وَرَسُوله فَقَالَ لَهُ الْمُهلب أَو مَا تعرفنِي قَالَ بلَى أعرفك أَو لَك نُطْفَة مذرة وآخرك جيفة قذرة وحياتك فِيمَا بَين ذَلِك بَوْل وعذرة قَالَ فَخَجِلَ الْمُهلب وأطرق مِنْهُ حَيَاء وَقد نظم هَذَا الْكَلَام مَحْمُود الْوراق فَقَالَ (عجبت من معجب بصورته ... وَكَانَ بالْأَمْس نُطْفَة مذرة)

стр. 243

(وَفِي غَد بعد حسن هَيئته ... يصير فِي اللَّحْد جيفة قذرة) (وَهُوَ على تيهه وتخوته ... مَا بَين جَنْبَيْهِ يحمل الْعذرَة) وَقَالَ بعض البلغاء عجب الْملك بتدبيره مفض بِهِ إِلَى تدميره أَنْشدني بَعضهم (إِذا الْمَرْء لم يرض مَا أمكنه ... وَلم يَأْتِ من أمره أزينه) (وأعجب بالعجب فاقتاده ... وتاه بِهِ التيه فَاسْتَحْسَنَهُ)

стр. 244

(فَدَعْهُ فقد سَاءَ تَدْبيره ... سيضحك يَوْمًا ويبكي سنه) وَاعْلَم أَن من لم يحسم عَنهُ أَسبَاب الْعجب المفضية إِلَيْهِ وَقع فِيهِ فَيهْلك فِي غَالب الْأَحْوَال وَمن أقوى أَسبَابه مدح المتملقين الَّذين يجْعَلُونَ التملق دأبهم والنفاق مسكنهم فَيمْنَع نَفسه من تَصْدِيق الْمَدْح ليسَا فَإِن للنَّفس ميلًا إِلَى سَماع الْمَدْح وَمَتى كثر الْمَدْح وَجَاوَزَ الْحَد صَار كذبا وملقا وَقد نهى رَسُول الله ﷺ فَقَالَ إيَّاكُمْ وَكَثْرَة الْمَدْح فَإِنَّهُ الذّبْح

стр. 245

وَقَالَ بعض الْحُكَمَاء من رَضِي أَن يمدح بِمَا لَيْسَ فِيهِ فقد أعَان الساخر مِنْهُ وَقَالَ بعض الْعلمَاء قبح باللبيب أَن يعجب بِنَفسِهِ عِنْد مدح المادح أَو يغْضب عِنْد سَماع قدح القادح قبل أَن يتفقد أَعماله وَيعلم مَا عَلَيْهِ وَمَا لَهُ وَلَا يتْرك النِّسَاء أفضل مِنْهُ فَإِن إِحْدَاهُنَّ إِذا وصف وَجههَا بِمَا تحب أَو تكره امتحنت ذَلِك بالاطلاع فِي الْمرْآة وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي للعاقل أَن يمْتَحن أَحْوَاله بِأَن يكل نَفسه إِلَى غَيره من أهل الثِّقَة وَالْأَمَانَة وَالْأَدب والديانة فِي اختبار محاسنه ومساويه وعيوب نَفسه الَّتِي فِيهِ ويستنصحهم فِي ذَلِك فَإِن الْإِنْسَان قد يخفى عَلَيْهِ عيب نَفسه لاستيلاء الْهوى على عقله فَإِذا أزاح عَن نَفسه ذَلِك فقد نَالَ غَايَة الشّرف بانعطاف الْقُلُوب عَلَيْهِ وميلها إِلَيْهِ

стр. 246

الْوَصْف الْعَاشِر الْكبر اعْلَم أَن الْكبر خَارج بِالنَّفسِ عَن حد الِاعْتِدَال وَحَقِيقَته استعظام النَّفس واحتقار الْغَيْر وَسَببه علو الْيَد والتمييز بالمنصب وَالنّسب أَو الْفضل وَمَتى جَاوز حَده وتعدى طوره

стр. 247

إِلَى الْبَغي والعتو سلب الدّين وأفسد الْإِيمَان وخفض الْمنزلَة وَحط الرُّتْبَة لِأَنَّهُ يطمس من المحاسن مَا انْتَشَر ويسلب من الْفَضَائِل مَا اشْتهر ويوغر الصُّدُور وَيُوجب النفور وَقد قَالَ رَسُول الله ﷺ لَا يدْخل الْجنَّة من فِي قلبه مِثْقَال ذرة من كبر وَقَالَ رَسُول الله ﷺ لِعَمِّهِ

стр. 248

الْعَبَّاس ﵁ أَنهَاك عَن الشّرك بِاللَّه وَعَن الْكبر فَإِن الله تَعَالَى يحتجب عَنْهُمَا وَحكي أَن سُلَيْمَان بن دَاوُد ﵉ جلس يَوْمًا على بساطة بجُنُوده من الْإِنْس وَالْجِنّ وَالطير والوحش ثمَّ أَمر الرّيح فَرفعت الْبسَاط نَحوا السَّمَاء حَتَّى سمعُوا زجل اللائكة بالتسبيح وسمعوا صَوت قَائِل يَقُول لَو كَانَ فِي قلب صَاحبكُم مِثْقَال ذرة من كبر لخسفنا بِهِ اكثر مَا رفعناه وَقَالَ بعض الْعلمَاء إِن للدولة أمراضا يخَاف أَن تَمُوت بهَا أخطرها أَرْبَعَة أَشْيَاء أَحدهَا مَا يعرض للْملك من الْكبر الثَّانِي مَا يعرض لَهُ من

стр. 249

الْغَضَب فَإِن دولته فِي هَاتين الْحَالَتَيْنِ تضطرب لِخُرُوجِهِ عَن حُدُود السياسة الثَّالِث مَا يعرض لَهُ من الْحِرْص فَإِنَّهُ إِذا حرص ظلم وعسف الرّعية الرَّابِع هيجان الرّعية فَإِذا عرض لَهُ شَيْء من ذَلِك فليبادر الحسم وَحكى الْمَدَائِنِي قَالَ رَأَيْت رجلا بِعَرَفَات وَهُوَ على بغلة بمركب من ذهب والغلمان والخدم بَين يَدَيْهِ وَالنَّاس حوله وَهُوَ لَا يعبأ بِأحد مِنْهُم فَنَظَرت إِلَيْهِ مُتَعَجِّبا وَقلت لَهُ يَا هَذَا لَيْسَ هَذَا مَوضِع التكبر إِنَّمَا هُوَ مَوضِع التَّعْظِيم والخشوع فَانْزِل عَن بغلتك واصرف الخدم من بَين يَديك فِي هَذَا الْوَقْت وَأَقْبل على الله تَعَالَى بخضوع وخشوع فَإِنَّهُ يقبل عَلَيْك برحمتة ورضوان قَالَ فَلم يلْتَفت إِلَى وَتركته وانصرفت فَلَمَّا كَانَ الْعَام الْمقبل عبرت الجسر بِبَغْدَاد فَوجدت ذَلِك الرجل أعمى يتَصَدَّق من

стр. 250

النَّاس فَقلت لَهُ أَنْت الَّذِي كنت فِي الْعَام الْمَاضِي على بغلة بِعَرَفَات قَالَ نعم قَالَ فَمَا بالك قَالَ لما تكبرت فِي مَوضِع يتواضع النَّاس فِيهِ وضعني الله فِي مَوضِع يتكبر عَن مثله النَّاس أَنْشدني بعض ال الْأَدَب (يَا مظهر الْكبر إعجابا بصورته ... مهلا فَإنَّك بعد الْكبر مسلوب) (لَو فكر النَّاس فِيمَا فِي بطونهم ... مَا استشعر الْكبر شُبَّان وَلَا شيب) (يَا ابْن التُّرَاب ومأكول التُّرَاب غَدا ... أقصر فَإنَّك مَأْكُول ومشروب) وَاعْلَم أَن من قطع أَسبَاب الْكبر عَنهُ وحسم مواده واعتاض بِهِ
следующие страницы →