← Сияса и кади

Сияса и кади · id 7235

المنهج المسلوك في سياسة الملوك

عبد الرحمن بن نصر الشيرزي

Полный текст (560 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

الْوَصْف الْعَاشِر الْكبر اعْلَم أَن الْكبر خَارج بِالنَّفسِ عَن حد الِاعْتِدَال وَحَقِيقَته استعظام النَّفس واحتقار الْغَيْر وَسَببه علو الْيَد والتمييز بالمنصب وَالنّسب أَو الْفضل وَمَتى جَاوز حَده وتعدى طوره

стр. 247

إِلَى الْبَغي والعتو سلب الدّين وأفسد الْإِيمَان وخفض الْمنزلَة وَحط الرُّتْبَة لِأَنَّهُ يطمس من المحاسن مَا انْتَشَر ويسلب من الْفَضَائِل مَا اشْتهر ويوغر الصُّدُور وَيُوجب النفور وَقد قَالَ رَسُول الله ﷺ لَا يدْخل الْجنَّة من فِي قلبه مِثْقَال ذرة من كبر وَقَالَ رَسُول الله ﷺ لِعَمِّهِ

стр. 248

الْعَبَّاس ﵁ أَنهَاك عَن الشّرك بِاللَّه وَعَن الْكبر فَإِن الله تَعَالَى يحتجب عَنْهُمَا وَحكي أَن سُلَيْمَان بن دَاوُد ﵉ جلس يَوْمًا على بساطة بجُنُوده من الْإِنْس وَالْجِنّ وَالطير والوحش ثمَّ أَمر الرّيح فَرفعت الْبسَاط نَحوا السَّمَاء حَتَّى سمعُوا زجل اللائكة بالتسبيح وسمعوا صَوت قَائِل يَقُول لَو كَانَ فِي قلب صَاحبكُم مِثْقَال ذرة من كبر لخسفنا بِهِ اكثر مَا رفعناه وَقَالَ بعض الْعلمَاء إِن للدولة أمراضا يخَاف أَن تَمُوت بهَا أخطرها أَرْبَعَة أَشْيَاء أَحدهَا مَا يعرض للْملك من الْكبر الثَّانِي مَا يعرض لَهُ من

стр. 249

الْغَضَب فَإِن دولته فِي هَاتين الْحَالَتَيْنِ تضطرب لِخُرُوجِهِ عَن حُدُود السياسة الثَّالِث مَا يعرض لَهُ من الْحِرْص فَإِنَّهُ إِذا حرص ظلم وعسف الرّعية الرَّابِع هيجان الرّعية فَإِذا عرض لَهُ شَيْء من ذَلِك فليبادر الحسم وَحكى الْمَدَائِنِي قَالَ رَأَيْت رجلا بِعَرَفَات وَهُوَ على بغلة بمركب من ذهب والغلمان والخدم بَين يَدَيْهِ وَالنَّاس حوله وَهُوَ لَا يعبأ بِأحد مِنْهُم فَنَظَرت إِلَيْهِ مُتَعَجِّبا وَقلت لَهُ يَا هَذَا لَيْسَ هَذَا مَوضِع التكبر إِنَّمَا هُوَ مَوضِع التَّعْظِيم والخشوع فَانْزِل عَن بغلتك واصرف الخدم من بَين يَديك فِي هَذَا الْوَقْت وَأَقْبل على الله تَعَالَى بخضوع وخشوع فَإِنَّهُ يقبل عَلَيْك برحمتة ورضوان قَالَ فَلم يلْتَفت إِلَى وَتركته وانصرفت فَلَمَّا كَانَ الْعَام الْمقبل عبرت الجسر بِبَغْدَاد فَوجدت ذَلِك الرجل أعمى يتَصَدَّق من

стр. 250

النَّاس فَقلت لَهُ أَنْت الَّذِي كنت فِي الْعَام الْمَاضِي على بغلة بِعَرَفَات قَالَ نعم قَالَ فَمَا بالك قَالَ لما تكبرت فِي مَوضِع يتواضع النَّاس فِيهِ وضعني الله فِي مَوضِع يتكبر عَن مثله النَّاس أَنْشدني بعض ال الْأَدَب (يَا مظهر الْكبر إعجابا بصورته ... مهلا فَإنَّك بعد الْكبر مسلوب) (لَو فكر النَّاس فِيمَا فِي بطونهم ... مَا استشعر الْكبر شُبَّان وَلَا شيب) (يَا ابْن التُّرَاب ومأكول التُّرَاب غَدا ... أقصر فَإنَّك مَأْكُول ومشروب) وَاعْلَم أَن من قطع أَسبَاب الْكبر عَنهُ وحسم مواده واعتاض بِهِ

стр. 251

تواضعا وتعظيما لله سُبْحَانَهُ وخشوعا وتعظيا وَتَعَالَى فقد أكد أَسبَاب ومواد النعم وأزاح عَنهُ المقت واستعطف إِلَيْهِ الْقُلُوب

стр. 252

الْوَصْف الْحَادِي عشر الْحَسَد إعلم أَن الْحَسَد دَاء عَظِيم من أدواء النَّفس لَا يشفى سقيمه وَلَا يرقى سليمه مَعَ مَا فِيهِ من إِفْسَاد الدّين وإضرار الْبدن لِأَن الْحَاسِد يَدُوم همه وَيكثر غمَّة ويذوب جِسْمه وَيذْهل عقله عَن صَوَاب الرَّأْي ويشتغل قلبه عَن صَحِيح الْفِكر وَهُوَ أقبح من الْبُخْل لِأَن الْحَاسِد يحب أَن لَا ينَال أحد شَيْئا من مَالا يملكهُ فَكَانَ أعظم

стр. 253

قبحا وَأَشد ذما وَلَيْسَ شَيْء أعظم ضَرَرا من الْحَسَد قَالَ رَسُول الله ص = إِن الْحَسَد يَأْكُل الْحَسَنَات كَمَا تَأْكُل النَّار الْحَطب قَالَ بعض الْحُكَمَاء يَكْفِيك من الحسود أَنه يغتنم وَقت سرورك وَإِذا رزق الله الْمَحْسُود نعْمَة كَانَت على الْحَاسِد نقمة وَكَانَ يُقَال الْحَسَد نَار فِي الْجَسَد

стр. 254

وَكتب بعض الْحُكَمَاء إِلَى صديق لَهُ وَقد حسدك من لاينام دون الانتقام وطلبك من لَا يقصر دون الظفر بك فَلْيَكُن حذرك بعد الثِّقَة بِاللَّه تَعَالَى على حسب ذَلِك وَقيل كَانَ مَكْتُوبًا على فص خَاتم بعض الْمُلُوك الحسود لَا يسود أبدا وَالَّذِي خبث لَا يخرج إِلَّا نكدا وَقَالَ عَليّ بن ابي طَالب كرم الله وَجهه لن يصل الْحَسَد الى الْمَحْسُود حَتَّى يقتل الْحَاسِد نَفسه بغم دَائِم وعقل هائم وهم لَازم وَمَا رايت ظَالِما يتشبه بالمظلوم إِلَّا الْحَاسِد أَنْشدني بعض أهل الْعلم

стр. 255

(كم من حسود اطال الله حسرته ... فاغتاظ هما على الْأَيَّام من حسده) (وحاسد الْخَيْر طول الدَّهْر فِي تَعب ... يزِيدهُ الْحَسَد المذموم فِي كمده) وَقَالَ بعض الشُّعَرَاء (إِن الحسود الظلوم فِي كمد ... يخاله من يرَاهُ مَظْلُوما) (ذَا نفس دَائِم على نفس ... يظْهر مِنْهُ مَا كَانَ مكتوما) وَقَالَ آخر ٠ - إصبر على كيد الحسود ... فَإِن صبرك قَاتله) (فَالنَّار تَأْكُل بَعْضهَا ... إِن لم تَجِد مَا تَأْكُله) وَاعْلَم أَن أَسبَاب الْحَسَد ثَلَاثَة

стр. 256

أَحدهَا بعض الْمَحْسُود قبل ظُهُور النِّعْمَة عَلَيْهِ فَإِذا ظَهرت عَلَيْهِ نعْمَة أَو اشتهرت عَنهُ فَضِيلَة أثارت الْبغضَاء الْقَدِيمَة لَهُ حسدا على ذَلِك الثَّانِي أَن يظْهر على الْمَحْسُود نعْمَة شَامِلَة أَو فَضِيلَة كَامِلَة يعجز الْحَاسِد عَن تَحْصِيلهَا أَو تقصر همته عَن إِدْرَاكهَا وَيكرهُ تقدمه عَلَيْهِ بذلك واختصاصه بِهِ دونه فَيصير حسدا الثَّالِث أَن يكون بالحاسد شح بالفضائل المكتسبة وبخل بِالنعَم الْمَوْهُوبَة وَلَيْسَ يقدر على منعهَا مِنْهُ وَدفعهَا عَنهُ إِذا هِيَ لَيست فِي يَدَيْهِ وَلَا مفوضة إِلَيْهِ فيحسده على مَا منحه الله تَعَالَى من عطائه العميم وفضله الجسيم وَهَذَا السَّبَب دَاء لَيْسَ لَهُ دَوَاء فَإِن كَانَ الْحَاسِد ذَا قسوة

стр. 257

واقتدار حدث عَن حسده الانتقام من الْمَحْسُود وَإِن كَانَ ذَا عجز وَضعف حدث عَنهُ هم دَائِم وسقم لَازم فَيَنْبَغِي أَن يحسم عَنهُ أَسبَاب الْحَسَد ويأنف من تعاطيه ويستنكف من هجنة مُسَاوِيَة ليدفع ضَرَره ويتوقى شَره وَلَا يغالب قَضَاء الله تَعَالَى فَيرجع مَغْلُوبًا وَلَا يُعَارضهُ فِي أمره فَيصير مسلوبا وَسَنذكر من تَأْثِير الْحَسَد وضرر عواقبه حِكَايَة نختم بهَا هَذَا الْفَصْل ذكر أهل التواريخ أَن بهْرَام بن يزدجرد ملك الْفرس كَانَ صديقا لخاقان ملك التّرْك وَكَانَ بَينهمَا مهادلة وتلطف وَإِن بهْرَام اشْتهر أمره بِالْقُوَّةِ والشجاعة وَالْكَرم وَحسن السِّيرَة وَالْعدْل فِي الرّعية فحسده خاقَان على ذَلِك حسدا شَدِيدا وَكَانَ لَهُ وزيران فَذكر ذَلِك لأفضلهما وَسَأَلَهُ التَّدْبِير فِي هَلَاك بهْرَام فَقَالَ لَهُ الْوَزير إِن كتم الْملك ذَلِك سعيت لَهُ فِيهِ فَقَالَ سأكتمه فَلبث مُدَّة ثمَّ سَأَلَ الْوَزير عَمَّا صنع فِيهِ فاستصبره فَلَمَّا تكَرر ذَلِك مِنْهُمَا قَالَ لَهُ الْوَزير أَيهَا الْملك لَا حِيلَة لي فِيمَا كلفتنيه استصبرتك رَجَاء أَن يَزُول ذَلِك من قَلْبك فَإِنِّي رَأَيْت الْحَامِل لَك عَلَيْهِ

стр. 258

إِنَّمَا هُوَ فرط الْحَسَد وتدبير الْحَاسِد رَاجع عَلَيْهِ بالمضرة وأخاف أَن ينصب الْملك مكيدة فَيَقَع فِيهَا قَالَ فَغَضب خاقَان عَلَيْهِ ثمَّ أطلع وزيره الآخر على ذَلِك وَكَانَ فِيهِ شَرّ وخبث وحسد وحيلة فتكفل لخاقان بنيل مُرَاده ثمَّ ندب لَهُ فاتكا من فتاك التّرْك لم يكن فِي التّرْك أَشد باسا فِي الْحِيلَة مِنْهُ وَلَا أجرأ مِنْهُ فِي ذَلِك وَضمن لَهُ إِن قتل بهْرَام وَنَجَا أعطَاهُ رياسة الْجند وَجعل ذَلِك خَالِدا فِي وَلَده وَإِن هلك دون مرامه شرف وَلَده تَشْرِيفًا يخلد ذكره فِيهِ أبدا وَإِن الفاتك استصحب أَخَاهُ مَعَه وتوجها إِلَى دَار ملك بهْرَام فَلَمَّا وردا قصر بهْرَام قَالَ الفاتك لِأَخِيهِ بِعني من بعض خدمَة قصر بهْرَام فَلم يزل يتلطف الفاتك حَتَّى بَاعه من حَافظ الْقصر الْمُوكل بحراسته لَيْلًا فَجعل ذَلِك الفاتك يتحبب إِلَى مَوْلَاهُ بِحسن الطَّاعَة ونصح الْخدمَة حَتَّى نفق عِنْده واختص بِهِ وَإِن سَيّده

стр. 259

تخلف عَن حراسته لمَرض ناله فاستناب الفاتك فَعمد ذَلِك الفاتك إِلَى خَزَائِن سلَاح بهْرَام وَكَانَت بِإِزَاءِ قصره فَألْقى فِيهَا نَارا وثبط أَصْحَابه عَن الْمُبَادرَة إِلَى إطفائها حَتَّى اشْتَدَّ عَملهَا فارتفعت الضجة فَخرج بهْرَام من قصره على فرس لَهُ وَلَا سلَاح مَعَه فانتهز الفاتك فِيهِ الفرصة ودنا من بهْرَام وَفِي يَده خنجر وَقد أخفاه فِي كمه فَنظر إِلَيْهِ بهْرَام فِي ضوء من النَّار فَرَأى دَلَائِل الرِّيبَة ظَاهِرَة عَلَيْهِ فتفرس فِيهِ الشَّرّ فَجمع رجلَيْهِ ووثب عَن ظهر فرسه فَإِذا هُوَ على الفاتك وَقبض على يَدَيْهِ فَوجدَ الخنجر فأخده مِنْهُ بِيَمِينِهِ وَجمع يَدَيْهِ مَعًا فِي شِمَاله وَانْطَلق بِهِ يَقُودهُ حَتَّى أدخلهُ الْقصر فَخَلا عَنهُ وَسَأَلَهُ عَن أمره فَصدقهُ الحَدِيث فَقَالَ لَهُ بهْرَام أما أَنْت فلك ذمتنا على حفظ نَفسك وَالْإِحْسَان إِلَيْك إِذا كنت إِنَّمَا أتيت الَّذِي أتيت طَاعَة لخاقان ومناصحة لَهُ وبذلت نَفسك فِي مرضاته وَمثلك من يصطنع وَنحن نَحْفَظ عَلَيْك نَفسك الَّتِي ضيعها صَاحبك غير أَنا نُرِيد أَن نحبسك مُدَّة ثمَّ نطلقك ونحسن إِلَيْك لغَرَض نُرِيد أَن نفعله فدلنا على أَخِيك فدله عَلَيْهِ فَأرْسل إِلَيْهِ من قبض عَلَيْهِ وحسبهما فِي قصره

стр. 260

مكرمين وَأخذ عَلَيْهِمَا أَن يكتما أَمرهمَا وَكَانَ قد رفع إِلَى بهْرَام أَن رجلا من عتبَة زراعا فِي بعض الرساتيق لَهُ ابْنه لم يسمع بِامْرَأَة خلقت على مثل صورتهَا طولهَا سِتَّة أَذْرع وشعرها يتسحب على مواطىء قدميها وَكَأن جلدهَا فِي لَونه وصفائه كَأَنَّهُ قشور الدّرّ وَهِي متناسبة الْخلق بديعة التَّرْكِيب دقيقة التخطيط لَا يَسْتَطِيع من رأى عضوا من أعضائها ان ينْقل بَصَره عَنهُ إِلَّا بعد مجاهدة النَّفس وَإِذا قابلت عَيناهَا عَيْني ذِي لب اضْطربَ قلبه فَلَا يسكن حَتَّى يضمها إِلَى صَدره ويرشف من رِيقهَا وَكَانَ لَهَا مَعَ ذَلِك الْجمال الباهر أدب وعقل وحزم فشرهت نفس بهْرَام إِلَيْهَا ثمَّ تنزه استنكافا أَن يكون

стр. 261

تَحْتَهُ ابْنة زراع فقمع نَفسه عَنْهَا أَنَفَة ونخوة ثمَّ نهى أَن يذكرهَا لَهُ أحد وَأمر الْعَامِل على الْبَلَد الَّذِي هِيَ فِيهِ أَن يتفقد أمرهَا وَمنع أَبَاهَا من إنكاحها حَتَّى إِذا حدث عَلَيْهِ من خاقَان وَمَا ذَكرْنَاهُ أحضر رجلا من أَصْحَابه ذَا دهاء ومكر وحيلة فندبه للمكيدة من خاقَان وَأمره بِمَا سَنذكرُهُ فِي أثْنَاء الْحِكَايَة وَأَعْطَاهُ من الذَّهَب وَالْفِضَّة ونفائس الْجَوَاهِر وذخائر مَا ظن أَنه يحْتَاج إِلَيْهِ فِي عمل المكيدة وَأمره أَن يسير متنكرا فِي زِيّ تَاجر لى وَالِد تِلْكَ الْجَارِيَة الَّتِي ذَكرنَاهَا فيشتريها مِنْهُ ليستعين بهَا على مَا نَدبه إِلَيْهِ وَأرْسل إِلَى الْعَامِل على بلد أَبِيهَا يَأْمُرهُ بِأَن يضيق على ابيها ويطالبه بِمَا يعجز عَنهُ من المَال فَفعل ذَلِك فجَاء التَّاجِر وَاشْترى مِنْهُ ابْنَته بوزنها ذَهَبا وَهَذَا شَيْء كَانَ يَفْعَله

стр. 262

أهل الْخراج من الْفرس إِذا ضيق السُّلْطَان عَلَيْهِم باعوا أَوْلَادهم

стр. 263

قَالَ ثمَّ إِن التَّاجِر قصد بهَا بِلَاد التّرْك حَتَّى حل بِمَدِينَة خاقَان فقصده إِلَى الْوَزير السَّاعِي إِلَيْهِ فِي المكيدة لبهرام فأهدى إِلَيْهِ هَدَايَا نفيسة وتنفق عِنْده بالتحف إِلَى أَن أنس بِهِ الْوَزير وخف على قلبه فَلبث عِنْده عَاما ثمَّ إِنَّه قَالَ لَهُ إِنَّنِي أحببتك أَيهَا الْوَزير حبا شَدِيدا ولي عَام أنازع نَفسِي فِي إتحافك بتحفة لم يظفر أحد بِمِثْلِهَا وَكَانَت نَفسِي تضن بهَا ثمَّ قد سمحت بإيثارك فَقَالَ وَمَا هَذِه التُّحْفَة قَالَ جَارِيَة طولهَا سِتَّة أَذْرع وشعرها يتسحب على مواطىء قدميها كَأَنَّمَا كسا جلدهَا قشور الدّرّ قَالَ فَلَمَّا سمع الْوَزير الصّفة استفزه الْهوى إِلَيْهَا وَجعل يتقاضاه بإحضارها فَلَمَّا أحضرها وَوَقع بَصَره عَلَيْهَا لم يملك نَفسه أَن وثب عَلَيْهَا فعانقها وَضمّهَا وَقبلهَا ثمَّ الْتفت إِلَى سَيِّدهَا وَقَالَ لَهُ سل مَا سئت واحتكم فَقَالَ حكمي الْقرب مِنْك والحضور عنْدك قَالَ هَذَا لَك وَخذ من المَال مَا شِئْت قَالَ لَا حَاجَة لي فِيهِ ثمَّ خرج من عِنْده

стр. 264

مبادرا إِلَى بَاب قصر الْملك خاقَان فَقَالَ لبَعض ثقاته إِن عِنْدِي نصيحة نَخَاف فَوتهَا فَأدْخلهُ على خاقَان فِي الْحَال فَسَأَلَهُ عَن نصيحته فَقَالَ إِنِّي قصدت الْملك بتحفة لَا تصلح إِلَّا لَهُ فَسَأَلت الْوَزير فلَان أَن يوصلها إِلَى الْملك فاستأثر بهَا واعتدى وبذل مَالا كثيرا على كتمان ذَلِك فَلم أفعل قَالَ مَا هَذِه التُّحْفَة قَالَ هِيَ جَارِيَة صفتهَا كَذَا وَكَذَا فَأرْسل خاقَان من فوره رجَالًا من ذَوي النّسك فِي دينه وَأمرهمْ بالهجوم عَلَيْهِ وَحفظ الْحَال الَّتِي يرونه عَلَيْهَا والإتيان بِهِ وبالجارية محجوبة عَن الْأَبْصَار فَفَعَلُوا ذَلِك وَقَالُوا إِنَّهُم أبصروها بَين يَدَيْهِ جالسة متجردة فَسَأَلَهَا خاقَان عَمَّا نَالَ مِنْهَا فَقَالَت عانقني وقبلني وجردني وَنظر إِلَى سَائِر بدني وهم أَن يفتضني فهجم هَؤُلَاءِ الْقَوْم عَلَيْهِ فَأمر خاقَان أَن تقطع يَدَاهُ وتقلع عَيناهُ وَيقطع لِسَانه وشفتاه فَفَعَلُوا ذَلِك بالوزير ثمَّ إِن خاقَان خلا بالجارية وسألها أبكر هِيَ أم ثيب

стр. 265

فَقَالَت بل بكر فَلم يملك نَفسه أَن افترعها فَلَمَّا نزع مِنْهَا أزالت عَن رَأسهَا قناعا فمسحت بِهِ ذكره فأحس بِهِ من سَاعَته تنملا ثمَّ بعد ذَلِك ظهر فِيهِ نفخ ثمَّ ابْتَدَأَ بِهِ الوجع الشَّديد فَعلم أَنه سم فَتَنَاول موسا فَقطع بِهِ ذكره وَأمر بالجارية فنحيت عَنهُ وحفظت وطلبوا مَوْلَاهَا فَلم يظفروا بِهِ وَإِن خاقَان عالج نَفسه حَتَّى برِئ ثمَّ أحضر الْجَارِيَة فَسَأَلَهَا عَن نَفسهَا وَأَهْلهَا وبلدها فَأَخْبَرته وَأَنَّهَا لم تكن تعلم من أَمر مَوْلَاهَا أَكثر من أَنه رجل تَاجر اشْتَرَاهَا من أَبِيهَا بوزنها ذَهَبا وسألها عَن القناع فَقَالَت كسانيه سَيِّدي وعرفني أَنه يهديني للْملك وَإِن من شَأْن الْمُلُوك إِذا وَقع وَاحِد مِنْهُم على جَارِيَة وَنزع مِنْهَا أَن تسمح ذكره بِمَا على رَأسهَا كَائِنا مَا كَانَ فَإِن لم تفعل ذَلِك سَقَطت من عين الْملك وتعرضت لسخطه فَعلم خاقَان أَنَّهَا مخدوعة فَلم يتَعَرَّض لَهَا بشر وَلما عَاد صَاحب بهْرَام إِلَيْهِ وَأخْبرهُ بِمَا تمّ لَهُ من المكيدة

стр. 266

أَمر بهْرَام بإحضار الفاتك وأخيه وَأحسن إِلَيْهِمَا وَكتب مَعهَا كتابا إِلَى خاقَان يَقُول فِيهِ إِن الْحَسَد وَالْبَغي أورداك وأوردا وزيرك وَزِير السوء موارد النَّدَم وَقد كُنَّا أنزلناك بِمَنْزِلَة الاخ قبل أَن نَعْرِف خبث نيتك فِينَا وحسدك لنا فَلَمَّا علمنَا ذَلِك أردنَا بك مَا أردته بِنَا فَقضى الله لنا عَلَيْك بنجاح السَّعْي لعلمه بصلاح نيتنا وخبث نيتك والآن فَاتق الله على نَفسك فلسنا نعرض لَك بِسوء إِذا لَزِمت حسن النّظر لنَفسك بمسالمتنا قَالَ فَلَمَّا انْتهى الْكتاب إِلَى خاقَان عرف من أَيْن أَتَى ثمَّ إِنَّه داخلته الحمية والأنفة فتجهز لقِتَال بهْرَام فِي أُمَم من التّرْك لَا تحصى وَسَار إِلَى أَرض فَارس فانتخب لَهُ بهْرَام أجنادا من أساورة الْفرس ولقيه فَهَزَمَهُ بهْرَام وَقتل رِجَاله وَنهب أَمْوَاله وَاسْتولى على بِلَاده وَكَانَ سَبَب إثارة هَذِه الْفِتْنَة الْحَسَد وَالْبَغي

стр. 267

الْوَصْف الثَّانِي عشر العجلة اعْلَم أَن العجلة ردية الساقبة مذومة الْأَثر يتنجها طيش وتهور أَولهَا ملامة واخرها لَا يفارقها الزلل وَلَا يتعداها الفشل وَقد قَالَ رَسُول الله ص = العجلة من الشَّيْطَان وَكَانَ يُقَال لَا يُوجد العجول مَحْمُودًا وَلَا الغضوب مَسْرُورا وَلَا الشره غَنِيا وَقيل اجْتمع أَرْبَعَة مُلُوك من الرّوم عِنْد حَكِيم من حكمائهم

стр. 268

فَقَالُوا أوصنا يها الْحَكِيم وَصِيَّة ننتفع بهَا فِيمَا صَار إِلَيْنَا من أَمر الْملك فَقَالَ من اسْتَطَاعَ مِنْكُم أَن يمْنَع نَفسه من أَرْبَعَة أَشْيَاء فَهُوَ حقيق أَن لَا ينزل بِهِ مَكْرُوه وَهِي العجلة واللجاجة وَالْعجب والتواني فثمرة العجلة الندامة وَثَمَرَة اللجاجة الْحيرَة وَثَمَرَة الْعجب البغضة وَثَمَرَة التواني الذلة وَكَانَ يُقَال التثبت فِي النوائب معقل اهل التجارب والعجلة فِي الْأُمُور دَاعِيَة إِلَى كل مَحْذُور وَأوصى ملك من مُلُوك الْيمن من يخلفه من بعده فَقَالَ أوصيك بتقوى الله تَعَالَى فَإنَّك إِن تتقيه يهدك ويكفك ويرض عَنْك وَمَتى رضى الرب عَن عَبده أرضاه وأمرك أَن لَا تعجل فِيمَا تخَاف فِيهِ الْفَوْت فَإِن العجلة ندامة وَإِذا شَككت فِي أَمر فَشَاور وَإِذا اتهمت

стр. 269

فاستبدل وَإِذا استكفيت فاختبر وَإِذا قلت فاصدق وَإِذا وعدت فانجز وَإِذا أوعدت فِي حق فانفذ وَاعْلَم انك إِذا ضبطت حاشيتك ضبطت قاصيتك وَالسَّلَام وَاعْلَم أَن العجلة مذمومة إِلَّا فِي أَفعَال الْبر وصنائع الْمَعْرُوف فَإِنَّهَا حَسَنَة محمودة قَالَ بعض الْحُكَمَاء على الْملك أَن يعْمل بخصال ثَلَاث تَأْخِير الْعقُوبَة فِي سُلْطَان الْغَضَب وتعجيل مُكَافَأَة المحسن والأناة فِيمَا يحدث فَإِن لَهُ فِي تَأْخِير الْعقُوبَة إِمْكَان الْعَفو وَفِي تَعْجِيل الْمُكَافَأَة بالأحسان المسارعة فِي الطَّاعَة من الرّعية وَفِي الأناة اتضاح الرَّأْي وانفساح الصَّوَاب وَذكر بعض الْمُلُوك فِي وَصِيَّة لَهُ لوَلِيّ عَهده إِذا هَمَمْت بِخَير فعجله وَإِذا هَمَمْت بِخِلَافِهِ فتأن فِيهِ وَارْحَمْ ترحم وَكَانَ يُقَال

стр. 270

العجلة مكروهه قبيحة إِلَّا فِي ثَلَاثَة أَشْيَاء فِي اصطناع الْمَعْرُوف إِذا أمكن وَفِي تَزْوِيج الْبكر إِذا خطبت وَفِي دفن الْمَيِّت إِذا مَاتَ

стр. 271

الْوَصْف الثَّالِث عشر المزاح إعلم أَن المزاح شاغل عَن الْأُمُور المهمة مذهل عَن النوائب الملمة يذهب الهيبة وَالْوَقار وَلَيْسَ لمن وسم بِهِ مِقْدَار يزيح عَن الْحُقُوق ويفضي إِلَى العقوق ويوغر صُدُور الْأَصْحَاب ويجانب محَاسِن الْآدَاب وَيذْهب الْبَهَاء ويجرئ السُّفَهَاء أَوله حلاوة وَآخره عَدَاوَة وَقَالَ عمر بن عبد الْعَزِيز ﵁ اتَّقوا المزاح فَإِنَّهُ حمقة تورث الضغينة وَقَالَ أَكْثَم بن صَيْفِي

стр. 272

يذهب بالبهاء والمهابة فَاحْذَرُوهُ وَأوصى مُسلم بن قُتَيْبَة أَوْلَاده فَقَالَ لَا تمازحوا فيستخف بكم نظراؤكم ويجترئ عَلَيْكُم أكفاوكم وَهُوَ مسْلبَةٌ للهيبة مقطعَة للصحبة أَوله فَرح وَآخره ترح وَقيل إِذا مازح السُّلْطَان هان عِنْد رَعيته وَإِذا سفه ذهبت حرمته وَقيل فِي منثور الْحِكْمَة من قل عقله كثر هزله

стр. 273

وَقيل المزاح معضل الدَّاء عَزِيز الدَّوَاء وَقيل خير المزاح لَا ينَال وشره لَا يُقَال وَقَالَ عمر بن الْخطاب ﵁ من كثر من شَيْء عرف بِهِ وَمن مزح استخف بِهِ وَمن كثر ضحكه ذهبت هيبته وَمن عرض نَفسه إِلَى التُّهْمَة فَلَا يَلُومن من أَسَاءَ بِهِ الظَّن وَقَالَ سعيد بن الْعَاصِ لِابْنِهِ يَا بني لَا تمازح الشريف فيحقد عَلَيْك وَلَا الدنيء فيجترىء عَلَيْك وَكَانَ يُقَال لكل شَيْء بذر وبذر الْعَدَاوَة المزاح أَنْشدني بَعضهم

стр. 274

(اترك مزاح الرِّجَال إِن مزحوا ... وَلم أر قوما تمازحوا سلمُوا) (يفنى مزاح الْفَتى مرؤته ... وَرب قَول يسيل مِنْهُ دم) وَقَالَ آخر (فإياك إياك المزاح فَإِنَّهُ ... يجْرِي عَلَيْك الطِّفْل والدنس النذلا) (وَيفْسد مَاء الْوَجْه بعد حيائه ... ويعقبه من بعد عزته ذلا) وَقَالَ آخر (وَلَقَد حبوتك يَا بني وصيتي ... فاسمع مقَال أَب عَلَيْك شفيق) (أما المزاحة والمراء فدعهما ... خلقان لَا أرضاهما لصديق)

стр. 275

(إِنِّي بلوتهما فَلم أحمدهما ... لمجاور جَار وَلَا لرفيق) (وَالْجهل قد يضع الْفَتى فِي قومه ... وعروقه فِي النَّاس أَي عروق) (مَتى رَآهُ مجانبا ذَا بغضة ... فِي الْحَيّ غير مجنب وموق) وَاعْلَم أَن النُّفُوس مَتى سلك بهَا الْجد والتزمت بِهِ سئمت مِنْهُ وضجرت واستثقلت حمل الْحق وَرُبمَا أفْضى بهَا ذَلِك إِلَى ضيق العطن وَسُوء الْخلق فَيَنْبَغِي أَن يريحها بِقَلِيل المزاح ويسير الرِّعَايَة وَليكن كَمَا قَالَ أَبُو الْفَتْح البستي (أفد طبعك المكدود بالجد رَاحَة ... ترحه وَعلله بِشَيْء من المزح) (وَلَكِن إِذا أَعْطيته المزح فَلْيَكُن ... بِمِقْدَار مَا تُعْطِي الطَّعَام من الْملح)

стр. 276

وَقَالَ رَسُول الله ﷺ إِنِّي لأمزح وَلَا أَقُول إِلَّا حَقًا وَقَالَ سعيد بن الْعَاصِ لِابْنِهِ يَا بني اقتصد فِي مزاحك فَإِن الإفراط فِيهِ يذهب الْبَهَاء ويجريء عَلَيْك السُّفَهَاء والاقتصاد مِنْهُ بِالْكُلِّيَّةِ يبغضك إِلَى أَصْحَابك ومؤنسيك فامزح مَعَهم وَليكن بِمِقْدَار مَا يحصل لَهُم بِهِ الْأنس مِنْك من غير إفراط وليحذر مَعَ هَذِه الشريطة أَن يمازح عدوه فَيصير ذَلِك طَرِيقا لَهُ إِلَى إعلان المساوىء فقد قَالَ بعض الْحُكَمَاء إِذا مازحت عَدوك ظَهرت عيوبك

стр. 277

الْوَصْف الرَّابِع عشر الضحك إعلم أَن كَثْرَة الضحك يضاهي المزح فِي المذمة والقبح وَلَا تَقْتَضِيه حَال الْمُلُوك وأرباب المناصب لما فِيهِ من زَوَال الهيبة وَذَهَاب الْوَقار وَقلة الْأَدَب وَقد قَالَ رَسُول الله ﷺ لأبي ذَر الْغِفَارِيّ ﵁ إياك وَكَثْرَة الضحك فَإِنَّهُ يُمِيت الْقلب وَيذْهب ببهاء الْوَجْه

стр. 278

وَقَالَ عمر بن الْخطاب ﵁ من كثر ضحكه قلت هيبته وَمن أَكثر من شَيْء عرف بِهِ وَلَكِن لَا بُد أَن يرى الْإِنْسَان أَو يسمع مَا يغلب عَلَيْهِ الضحك مِنْهُ أَو تمسه الْحَاجة إِلَيْهِ لَا يناس الجليس فَيَنْبَغِي إِذا طَرَأَ شَيْء من ذَلِك أَن يَجعله تبسما من غير قهقهة واسترسال وليراع فِيهِ الشريطة الَّتِي قدمناها فِي المزح

стр. 279

الْوَصْف الْخَامِس عشر الْغدر اعْلَم أَن الْغدر بعد عقد الْعَهْد حرَام وعاقبته هَلَاك ودمار وَلَا نقض

стр. 280

حَتَّى يَنْتَهِي أمده وتنفضي مدده

стр. 281

قَالَ تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا أَوْفوا بِالْعُقُودِ﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿فَمَا استقاموا لكم فاستقيموا لَهُم﴾

стр. 282

وروى عَن سُلَيْمَان بن عَامر قَالَ كَانَ بَين مُعَاوِيَة وَبَين الرّوم عهد فَسَار مُعَاوِيَة فِي أَرضهم كَأَنَّهُ يُرِيد أَن يُغير عَلَيْهِم فَقَالَ عَمْرو بن عبسة سَمِعت رَسُول الله ص = يَقُول من كَانَ بَينه وَبَين

стр. 283

قوم عهد فَلَا يحل عقده وَلَا يشدها حَتَّى يمْضِي أمدها أَو ينْبذ إِلَيْهِم على سَوَاء قَالَ فَانْصَرف مُعَاوِيَة ذَلِك الْعَام وَقَالَ بعض الْحُكَمَاء الْغدر يسْرع إِلَى الهلك ويفضي إِلَى زَوَال الْملك وَكَانَ يُقَال يَمِين الْغَضَب مهزول ووالي الْغدر مَعْزُول وجيش الْعدوان مفلول وعرنين الطغيان مشلول وَكَانَ يُقَال لكل عاثر رَاحِم إِلَّا الغادر فَإِن الْقُلُوب مجمعة على الشماتة بمصرعه وَقَالَ حَكِيم لبَعض مُلُوك زَمَانه أوصيك بِخمْس خِصَال ترضي بِهن رَبك وَتصْلح بِهن رعيتك لَا يغرنك ارتقاء السهل إِذا كَانَ المنحدر وعرا وَلَا تعدن وَعدا لَيْسَ فِي يدك وفاؤه وَاعْلَم أَن الْأُمُور بغتات فَكُن على حذر وَاعْلَم أَن للأمور جَزَاء ومكافأة فَاتق العواقب وَإِيَّاك والغدر فَإِنَّهُ أقرب الْأَشْيَاء صرعة وأوصي أَبُو مُسلم الخرساني قوما بَعثهمْ إِلَى منازلة قوم عَدو

стр. 284

لَهُم فَقَالَ أشعروا قُلُوبكُمْ الجرأة فَإِنَّهَا سَبَب الظفر وَأَكْثرُوا من ذكر الضغائن فَإِنَّهَا تبْعَث على الْإِقْدَام والزموا الطَّاعَة فَإِنَّهَا حصن الْمُحَارب واحذروا من الْغدر فَإِن الغادر مصروع ويحكى أَن موبذان قَالَ لفيروز ملك الْعَجم لما عزم على نقض الْعَهْد الَّذِي كَانَ بَينه وَبَين اخشنوار ملك الهياطلة وَخرج إِلَى بِلَاده أَيهَا الْملك إِن الرب تَعَالَى يُمْهل الْمُلُوك على الْجور مالم يشرعوا فِي هدم أَرْكَان الدّين فَإِذا شرعوا فِي ذَلِك لم يمهلهم وَإِن عقد الْمِيثَاق من أَرْكَان الدّين فَلَا تنقضه قَالَ فَلم يلْتَفت إِلَيْهِ فَيْرُوز وَخرج طَالبا اخشنوار فَهزمَ

стр. 285

جَيْشه وَقَتله وَاسْتولى على بِلَاده وَقد أوضحنا فِي هَذَا الْبَاب من الْأَوْصَاف الذميمة والأخلاق اللئيمة مَا احتمله كتَابنَا هَذَا وسنختمه بِذكر عوارض ردية رُبمَا عرضت للملوك أَو بَعْضهَا فأضرت بهم وأخرجتهم عَن حُدُود الِاعْتِدَال وَهِي ثَلَاثَة اعراض الْعرض الأول وَالثَّانِي الْهم وَالْغَم وَإِن هذَيْن العرضين إِذا طَرَأَ وَاشْتَدَّ إفراطهما فَإِنَّهُمَا يجلبان من الْأَلَم والأذى على النَّفس والجسم أمرا لَا يُمكن تلافيه ويؤديان إِلَى التَّقْصِير فِي المطالب والقصور فِي التَّدْبِير مَعَ مَا يظْهر فِي الْجِسْم من النحول وَفِي الْعقل من الذهول وَهَذَانِ العرضان لَا مندوحة لأحد عَنْهُمَا وَلَا بُد من طرؤهما فِي مُقَابلَة الْحَوَادِث الملمة والنوائب المهمة فالهم هُوَ مَا تتَوَقَّع النَّفس حُدُوثه وطروءه فِي الزَّمن الْمُسْتَقْبل من الْأُمُور المهمة
следующие страницы →