← Сияса и кади

Сияса и кади · id 7235

المنهج المسلوك في سياسة الملوك

عبد الرحمن بن نصر الشيرزي

Полный текст (560 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

(فَإِذا استشرت فَكُن لنَفسك رائدا ... متثبتا تَجِد الرشاد وتهتدي) قَالَ فَإِذا تقرر الرَّأْي الصَّحِيح بعد الفكرة والروية شرع فِي إمضائه وَالْعَمَل بِهِ وينتهز فِيهِ الفرصة وليحذر مُخَالفَة النصحاء والاستهانة بنصائحهم فقد قيل من عصى ناصحا فقد اسْتَفَادَ عدوه وَكَانَ يُقَال يسْتَدلّ على إدبار أَمر الْملك بِخَمْسَة أَشْيَاء أَحدهمَا أَن يستكفي الْأَحْدَاث الَّذين لَا خبْرَة لَهُم بموارد الْأُمُور ومصادرها الثَّانِي أَن يقْصد أهل مودته بالأذى الثَّالِث أَن ينقص خراجه عَن قدر مُؤنَة ملكه الرَّابِع أَن يكون تقريبه وإبعاده للهوى لَا للرأي الْخَامِس استهانته بنصائح الْعُقَلَاء وآراء ذِي الحفلة قَالَ كسْرَى أنو شرْوَان حزم ذِي الرَّأْي وَمن لَا رَأْي لَهُ أَن يستشير عَالما ويطيعه قَالَ الشَّاعِر

стр. 317

(إِذا مَا أُمُور أعوزت فِي اعتيادها ... فَلَا تعص ذَا لب وَقل مثل قَوْله) وَقَالَ آخر (إِذا الْأُمُور عَلَيْك التوت ... فَشَاور لبيبا وَلَا تعصه) (وَإِن كنت فِي حَاجَة مرسة ... فَأرْسل حكيما وَلَا توصه) وَقَالَ أَبُو الْفَتْح البستي

стр. 318

(لَا تستشر غير ندب حَازِم يقظ ... قد اسْتَوَى فِيهِ أسرار وإعلان) (فللتدابير فرسَان إِذا ركضوا ... فِيهَا أبروا كَمَا للحرب فرسَان) (وللأمور مَوَاقِيت مقدرَة ... وكل أَمر لَهُ حد وميزان) (فَلَا تكن عجلا فِي الْأَمر تطلبه ... فَلَيْسَ يحمد قبل النضج بحران) وسنختم هَذَا الْبَاب بِثَلَاث حكايات مُوضحَة لما شرحناه الْحِكَايَة الأولى قيل إِن كسْرَى أنوشروان وصفت لَهُ أَرض من التخوم الْهِنْدِيَّة تقَارب أقْصَى بِلَاده بِحسن المنظر وَطيب الْهَوَاء وَالْمَاء وَكَثْرَة العمائر وحصانة المعاقل وَوصف لَهُ أهل تِلْكَ الأَرْض بِعظم الجسوم وبلاده الفهوم وشجاعة النُّفُوس وَقُوَّة الْأَبدَان وَالصَّبْر على مُلَازمَة الطَّاعَة لملكهم ولين الانقياد فشرهت نفس كسْرَى إِلَى

стр. 319

تملك تِلْكَ الأَرْض فَسَأَلَ عَن ملكهَا فَأخْبر أَنه عَظِيم الأراكنة وَأَنه شَاب منقاد لشهوته مقبل على لذته غير أَن رَعيته قد أشربت قلوبها وده وانصرفت آمالها إِلَى مَا عِنْده قَالَ فَجمع كسْرَى وزراءه وأعلمهم أَن نَفسه تائقة إِلَى تملك تِلْكَ الأَرْض وعرفهم صِفَات الأركن وإقبال رَعيته على طَاعَته ومحبته فَاجْتمع رَأْيهمْ على أَن ينتدب لاستفساد رعية ذَلِك الأركن رجَالًا يحسنون نصب الدَّعْوَات وقلب الدول قَالَ فَاحْضُرْ رجَالًا من دهاة الْفرس ونساكهم وأمدهم بالأموال وَنصب لَهُم مِثَالا يحذون عَلَيْهِ فنفذوا لما أَمرهم بِهِ وَتَفَرَّقُوا فِي تِلْكَ المملكة وأعمل كل مِنْهُم قوته فِيمَا انتدب فأحكموا أَمرهم عي عَاميْنِ وبثوا الدعْوَة فِي مَدِينَة الأركن وَغَيرهَا من قراه ورساتيقه ومعاقله وثغوره واستمالوا قُلُوب الرّعية ثمَّ كتبُوا بذلك

стр. 320

إِلَى كسْرَى فأحضر الْمَرْزُبَان الَّذِي يَلِي تِلْكَ الأَرْض وَأمره بالتجهيز إِلَيْهَا ثمَّ أَخذ ذَلِك المرزبات فِي الإعداد والحشد وَكَانَ عسكره خمسين ألف فَارس سوى أتباعها فَكتب إِلَى الأركن عيونه يخبرونه بِخُرُوج الْمَرْزُبَان إِلَيْهِ ثمَّ ظهر النِّفَاق ببلاده وهمس النَّاس فِيهِ فانتبه الأركن من غفلته وَبحث عَن الْأَمر فَوقف على حَقِيقَته وَكَانَ امْر مَمْلَكَته يقوم على خَمْسَة رجال أَرْبَعَة مِنْهُم وزراؤه وجلساؤه وسماره وَالْخَامِس رَئِيس الزمارمة الَّذين يَأْخُذُونَ عَنهُ الدّين وَكَانَ حكيما عَالما قَالَ فَجَمعهُمْ الأركن وأطلعهم على مَا انْتهى إِلَيْهِ من فَسَاد الرّعية وتجهيز جيوش أنو شرْوَان إِلَى جهتهم وَأمرهمْ فِي النّظر فِي ذَلِك وإمعان الْفِكر فِيهِ فجلسوا لإدارة الرَّأْي فَقَالَ أحد الوزراء الْأَرْبَعَة الرَّأْي أَن

стр. 321

يستصلح الْملك رَعيته فَيمْلَأ أيديها رغبات وقلوبها آمالا فَإِن الْعَدو إِذا علم كَانَ ذَلِك جَريا عَن الْإِقْدَام وَإِن أقدم لقيناه كلنا بِكَلِمَة مجتمعة وَقُلُوب سليمَة فَقَالَ لَهُ رَئِيس الزمارمة هَذَا لَو كَانَ فَسَاد الرّعية أوجبه جور وعسف سيره فيزال حكم الْفساد بإزاحة علته وَأما فَسَاد هَؤُلَاءِ فَإِنَّمَا أوردهُ عَلَيْهِم الْجَهْل بمواقع الصَّوَاب وَالنَّظَر لترادف النعم وَقد قيل أَرْبَعَة إِذا أفسدهم البطر لم تزدهم التكرمة إِلَّا فَسَادًا الْوَلَد وَالزَّوْجَة وَالْخَادِم والرعية فغن هَذِه الربعة إِذا هاجمت لم تزدهم المداراة والرفق إِلَّا هيجانا وطغيانا وَإِنَّمَا تعان بحسم موادها قَالَ الْملك صدق الْحَكِيم قَالَ الْوَزير الثَّانِي الرَّأْي أَن تضرب بِمن صلح من الرّعية من فسد مِنْهَا حَتَّى ترجع راغمة منقادة ثمَّ نلقي عدونا بِمن لَا نَخَاف

стр. 322

دغله فَقَالَ رَئِيس الزمارمة هَذَا أَنْفَع لعدوك من جَيْشه وأدعى إِلَى طَاعَته من دعاته لأَنا نعلم أَن رعيتنا لَا تَخْلُو من عَاقل محروم لم يمنعهُ من سل سَيْفه إِلَّا الْخَوْف وَإِذا فعل الْملك مَا أَشرت بِهِ فقد أَبَاحَهُ سل سَيْفه وَإِذا سَله لم يَسلهُ لنا بل إِنَّمَا يَسلهُ علينا ويتبعه الْجُمْهُور لما قد طبعوا عَلَيْهِ من حسد الْمُلُوك والتعصب للضعفاء وَقد قيل أَرْبَعَة من اسْتَقْبلهَا بالعنف والردع فِي أَرْبَعَة أَحْوَال هلك بهَا وَهِي الْملك فِي حَال غَضَبه والسيل فِي حَال هجومه والفيل فِي حَال غلمته والرعية فِي حَال هيجها وَقَالَت الْحُكَمَاء أشبه شَيْء يردع الْعَامَّة عِنْد هيجها معاناة الجدري فِي حَال إنبعاثه إِلَى سطح الْجَسَد بالأطلية الرادعة فَقَالَ الْملك صدق الْحَكِيم

стр. 323

وَقَالَ الْوَزير الثَّالِث الراي ان يطْلب الْملك تعْيين من فَسدتْ طَاعَته بالأمناء الثِّقَات من الجواسيس فَإِذا تعينُوا عوملوا بِمَا تَقْتَضِيه أَحْوَالهم من قلَّة أَو كَثْرَة فَقَالَ رَئِيس الزمارمة إِن الْبَحْث الان عَن هَذَا خطر لِأَنَّهُ لابد أَن يفْطن لَهُ وَإِذا فطن لَهُ خَافَ الْمُرِيب فحذر ثمَّ لايخلو أمره بعد ذَلِك من حَالين أما أَن يَتَحَرَّك إِلَى جِهَة عدونا فيعتمده بالنصائح وَالدّلَالَة على العورات ثمَّ يُقَاتل مَعَه بَصِيرَة لَيست لِلْعَدو لِأَنَّهُ يطْلب العودة إِلَى وَطنه وَأَهله وَمَاله وَأما أَن لَا ينْفَصل وَلَا يرهبنا بل يكاشفنا فِي الْعَدَاوَة ويتكثر علينا بإشكاله من الرّعية فينصرونه علينا وَإِن لم يَكُونُوا على مثل رَأْيه إِلَّا أَن فِي الرّعية من أعقده الحرمان وَمن أحقده التَّأْدِيب وَجُمْهُور الرّعية يتعصبون على الأجناد لأَنهم لن يعدموا مِنْهُم أَذَى واستطالة فَإِن سومحوا أفسدوا المملكة وَإِن قصد الْمُسِيء بالعقوبة خَافَ البريء أَن تتعدى الْعقُوبَة إِلَيْهِ فانحاز إِلَى الْمُسِيء لَعَلَّه المشاكلة لَهُ وَلَو كَانَ عدوا لَهُ كَمَا أَن الكلبين إِذا تهارشا

стр. 324

فرأيا ذئبا فَإِنَّهُمَا يتركان تهارشهما ويجتمعان على الذِّئْب وَإِن كَانَ مثلهمَا فِي الْخلقَة لكنهما يعاديانه فيصطلحان عِنْد التعاون عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ الْعَاميّ لاينظر الى الْملك من حَيْثُ تحَققه فِي الْخلق الإنساني بل ينظر إِلَيْهِ من حَيْثُ تفرده وأنفته وعلو همته وجرأته وشجاعته وَكَثْرَة مَاله فينافره ويألف بالعامي الَّذِي هُوَ يشاكله فِي جَهله وطبعه وَغير ذَلِك من أخلاقه وَلَا تَخْلُو الرّعية من ناسك أَحمَق يظنّ أَنه يغْضب للدّين فيحمله حمقه وجهله على الْخُرُوج من وَاجِب الطَّاعَة فَيكون أمره فِي الرّعية أنفذ من أَمر الْملك فِي الْجند وَقد قيل ثَلَاثَة إِن كاشفتهم فِي امتحان مَا عنْدك فِي ثَلَاثَة أَحْوَال خسرتهم أحدهم الْمُؤَدب لَك إِذا امتحنت ماعنده من الْعلم فِي حَال تأدبك

стр. 325

الثَّانِي صديقك إِذا امتحنت مَا عِنْده من الْبَذْل فِي حَال فاقتك الثَّالِث زَوجتك إِذا امتحنت مَا عِنْدهَا من محبتك فِي حَال كهولتك وامتحان الرّعية فِي هَذِه الْحَال أشبه شَيْء بِمَا ذَكرْنَاهُ وَقد قَالَ الْحُكَمَاء إِن للدولة أمراضا يخَاف أَن تَمُوت بهَا أخطرها أَرْبَعَة أَشْيَاء مايعرض للْملك من الْكبر وَمَا يعرض من لَهُ من الْغَضَب فَإِن دولته فِي هَاتين الْحَالَتَيْنِ تضطرب لِخُرُوجِهِ عَن حد الِاعْتِدَال فِي السياسة وَالثَّالِث مَا يعرض لَهُ من الْحِرْص فَإِنَّهُ إِذا حرص عسف وظلم وَالرَّابِع هيج الرّعية فَقَالَ الْملك صدق الْحَكِيم قَالَ الْوَزير الرَّابِع وَكَانَ أوسعهم علما وأفضلهم رَأيا إِنِّي وأصحابي كأصابع الرَّاحَة فِي حَاجَة بَعْضهَا إِلَى بَعْضهَا وَقوم بَعْضهَا بِبَعْض وكل منا يستمد من نور عقل الْملك ينظره إِلَيْنَا استمداد النُّجُوم الدراري من نور الشَّمْس وَإِنِّي أرى غير رَأْي أَصْحَابِي لَا مترفعا عَلَيْهِم

стр. 326

وَلَا عائبا لآرائهم لِأَن الْقبُول وَالرَّدّ إِلَى الْملك لَا إِلَى غَيره فَإِن أذن الْملك ذكرته فَقَالَ الْملك قل أَيهَا الْوَزير الناصح فلك ولأصحابك عندنَا الثِّقَة بكم والكرامة لأنكم من المناصحة لنا وَالْأَدَاء إِلَيْنَا كالحواس الْخمس للقلب فسجدوا لَهُ ثمَّ رفعوا رؤوسهم فَقَالَ الْوَزير إِن الرّعية قَليلَة النّظر فِي العواقب غير متحفظة من المعاطب وَقد دب فِيهَا اسْم الْفساد ومكاشفتها الْآن خطر وَالظفر بهَا وَهن فِي الْملك والعدو قوي الطمع شَدِيد الْحِرْص مستشعر بالظفر وَلَا يرضيه إِلَّا الغلب فَإِن رأى الْملك أَن يصرف همته أَولا إِلَى الِاسْتِظْهَار باتخاذ معقل حَرِير يَأْمَن فِيهِ على أَهله وخواصه وذخائره وَمن خلصت نِيَّته من رَعيته فَإِنِّي أعرف فِي مَمْلَكَته عقلا شاهقا يطلّ على أهل الأَرْض إطلال زحل على الْكَوَاكِب وَهُوَ مَعَ ذَلِك لذيذ الْهَوَاء فرات المَاء وَقد كَانَ بعض أسلاف الْملك أثر فِيهِ آثارا محكمَة فَإِن رأى الْملك أَن يتم بِهِ سعى سلفه ثمَّ يودعه ذخائره ويجعله للإقامة استظهارا ثمَّ يلق عدوه إِن أقدم على بِلَاده فَإِن ظَهرت

стр. 327

خِيَانَة أنصاره انجاز بأوليائه إِلَى ذَلِك المعقل وألزم نَفسه الصَّبْر وانتظار الْفرج قَالَ فسر الْملك بِرَأْي الْوَزير وَوَقع إِجْمَاعهم على تَرْجِيحه ثمَّ ركب فِي خاصته وحماته حَتَّى أَتَى ذَلِك المعقل فحشد إِلَيْهِ الأعوان وألزمهم الْإِسْرَاع فِي إِكْمَال بنائِهِ وبادر من فوره فَنقل إِلَيْهِ خَاص بيُوت أَمْوَاله ونفائس ذخائره وخزائن سلاحه وشحنه بالأقوات والأطعمة وَهُوَ مَعَ ذَلِك يسد الثغور وَأَن الْمَرْزُبَان اقتحم أَطْرَاف بِلَاده بالجيوش المتوافرة ونازل الثغور وَظَهَرت دعاة كسْرَى فِي تِلْكَ النَّاحِيَة فِيمَن استمالوه من أَهلهَا فَظهر الْمَرْزُبَان على من نازله ثمَّ جعل يطوي بِلَاد الأركن لَا يمْتَنع عَلَيْهِ مرام حَتَّى وافته جنود الأركن فدافعته بعض المدافعه فَانْهَزَمَ من فَسدتْ نِيَّته فِي الأركن وَانْهَزَمَ المناصحون بإنهزامهم وَاسْتولى الْمَرْزُبَان على تِلْكَ الأَرْض وإنحاز الأركن وَأَتْبَاعه المناصحون إِلَى ذَلِك المعقل فَسَار خَلفه الْمَرْزُبَان حَتَّى أشرف على معقله فَرَآهُ منْظرًا رائعا ومعقلا مَانِعا فَلم يُمكنهُ النُّزُول بساحته فَرجع من فوره إِلَى الْبِلَاد فولي فِيهَا الْوُلَاة والعمال واستقامت المملكة للمرزبان

стр. 328

ثمَّ إِن اغتام الْفرس جعلُوا يعاملون أهل الْهِنْد بالقسوة والفظاظة ويعبثون بهم ويسخرون مِنْهُم فبدت الشحناء فِي النُّفُوس وَرَأى أهل الْهِنْد خراج بِلَادهمْ يحمل وَيصرف إِلَى غَيرهم وَقد دخلُوا تَحت حكم الْأَعَاجِم فداخلتهم الْغيرَة وَالْحمية فعرفوا فضل مَا كَانُوا فِيهِ ومشقة مَا صَارُوا إِلَيْهِ فبسطوا ألسنتهم بالتسخط وَتوقف الْمَرْزُبَان عَن ردعهم لِئَلَّا يوحشهم فَكَانَ أَمرهم إِلَى زِيَادَة وَأما الأركن فَإِن وزرائه أشاروا عَلَيْهِ بِالصبرِ وكف الْأَذَى وَبسط الْعدْل وَالْإِحْسَان وبذل المَال والصفح عَن المجرم وتألف المستوحش فَكَانَت سمعته تزداد حسنا والنفوس إِلَيْهِ ميلًا والألسنة لَهُ شكرا والمرزبان بعكس ذَلِك وَاتفقَ أَن غُلَاما من عُمَّال الْمَرْزُبَان على بعض الثغور أَسَاءَ السِّيرَة فَقَامَ إِلَيْهِ ناسك من نساك الْهِنْد يعظه فَغَضب عَلَيْهِ وَأمر بقتْله فثار أهل الْبَلَد على الْعَامِل فَقَتَلُوهُ فَبلغ الْخَبَر إِلَى الْمَرْزُبَان فَجَاءَهُ بجُنُوده فانحاز أهل تِلْكَ النَّاحِيَة إِلَى حصن الأركن ثمَّ ثارت الهنود فِي الْبِلَاد وَسَار الْمَرْزُبَان رَاجعا إِلَى بِلَاده لما قَامَت الرّعية وَخرج من تِلْكَ المملكة وَعَاد الأركن إِلَى دَار ملكه فَجرى على سنَن الْعدْل قامعا للشهوات باذلا للراحات مُسْتَعْملا مَا أفادته التجارب من الأداب حَتَّى بلغ أَجله

стр. 329

الْحِكَايَة الثَّانِيَة قيل لما عزم الْأمين على انتزاع الْعَهْد بالخلافة عَن أَخِيه الْمَأْمُون وَكَانَ الْمَأْمُون أَمِيرا بخراسان كتب إِلَيْهِ الْأمين يستدعيه

стр. 330

وَيذكر حَاجته إِلَيْهِ وَأَنه يُريدهُ لأمر مُهِمّ تضيق عَنهُ الْكتب وَإِن جواسيس الْمَأْمُون وعيونه بِبَغْدَاد كتبُوا إِلَيْهِ يعرفونه أَن أَخَاهُ الْأمين يُرِيد تَحْويل الْخلَافَة عَنهُ إِلَى وَلَده مُوسَى النَّاطِق فَاطلع الْمَأْمُون خاصته على الْخَبَر واستشارهم فِي أمره فأشاروا عَلَيْهِ أَن يثبت مَكَانَهُ وينتظر الْفرج وَيكْتب إِلَى أَخِيه يعْتَذر إِلَيْهِ ويتعلل بأعلال فَفعل ذَلِك فَعلم الْأمين أَنه قد فطن

стр. 331

لما يُرَاد بِهِ وأيس من نجح مكيدته فَحِينَئِذٍ دَعَا النَّاس إِلَى خلع الْمَأْمُون من عهد الْخلَافَة ثمَّ الْتفت إِلَى عَليّ بن عِيسَى بن ماهان وشاوره فِي أَمر خُرَاسَان وَكَانَ عَليّ بن عِيسَى قد ولى خُرَاسَان قبل ذَلِك واصطنع إِلَى أَهلهَا جلائل الصَّنَائِع وغمرهم بِالْإِحْسَانِ وَالْعدْل

стр. 332

فضمن لَهُ مَا يُريدهُ مِنْهَا فجهزه الْأمين بِأَحْسَن جهاز وولاه خُرَاسَان وجهز مَعَه جُمْهُور جُنُوده فَخرج عَليّ بن عِيسَى بالجيوش طَالبا خُرَاسَان فَبلغ ذَلِك إِلَى الْمَأْمُون فاضطرب أمره وَعلم أَنه يعجز عَن مقاومة عَليّ بن عِيسَى لميل أهل خُرَاسَان إِلَيْهِ ومحبتهم لَهُ فَركب إِلَى متنزه لَهُ ليشاور وزراءه فِي تَدْبِير أمره فعارضه فِي الطَّرِيق شيخ مَجُوسِيّ قد احدودب من هرمه وَكبره فناداه بِالْفَارِسِيَّةِ مستعينا بِهِ من مظْلمَة نالته فَلَمَّا نظر الْمَأْمُون إِلَى هرمه وَكبر سنه رق لَهُ وَأمر أَن يحمل على دَابَّة إِلَى الْموضع الَّذِي هُوَ قاصده وَيدخل عَلَيْهِ بِغَيْر اسْتِئْذَان وَلما اسْتَقر الْمَأْمُون ووزراءه

стр. 333

فِي ذَلِك الْموضع أَدخل عَلَيْهِ ذَلِك الشَّيْخ الْمَجُوسِيّ فَأمره بِالْجُلُوسِ فِي حَاشِيَة الْمجْلس ثمَّ أقبل على خاصته وَأخْبرهمْ بِمَا انْتهى إِلَيْهِ من أَمر عَليّ بن عِيسَى وَأمرهمْ بإدارة الْفِكر فِي الرَّأْي فِي ذَلِك وَهُوَ يظنّ أَن ذَلِك الشَّيْخ لَا يحسن الْعَرَبيَّة إِلَى أَن قَالَ أحد الوزراء الرَّأْي اصطناع أجناد من الأغنام الَّذين لَا يعْرفُونَ عَليّ بن عِيسَى فنلقاه بهم قبل دُخُوله أَرض خُرَاسَان فَقَالَ الْوَزير الثَّانِي الرَّأْي أَن تبادر بِالْإِرْسَال إِلَى أَخِيك معتذرا ومنقادا لما يُريدهُ مِنْك الْيَوْم ومنتظرا نصر الله تَعَالَى فِي غَد فَإنَّك مكره على الْخُرُوج

стр. 334

من عهد الْخلَافَة إِكْرَاها لم يخف على أحد من النَّاس فَهُوَ حق لَك مَتى أمكنك طلبه وَكنت فِيهِ على حجَّة ظَاهِرَة قَالَ الْوَزير الثَّالِث الرَّأْي أَن تجمع من تثق بموالاته من ذِي النجدة والشجاعة فتزيح عللهم وتقصد بهم بعض هَذِه الممالك الْكَافِرَة الْمُجَاورَة لنا فتصدقهم الْقِتَال فَلَعَلَّ الله تَعَالَى أَن يظفرنا بهم فنصير إِلَى مَمْلَكَته منيعة قَوِيَّة ويفزع إِلَيْنَا من كَانَ على مِثَال أمرنَا ونجاهد حَتَّى يقْضِي الله أمره قَالَ الْوَزير الرَّابِع الرَّأْي أَن تنحاز إِلَى ملك

стр. 335

التّرْك مستجيرا بِهِ ومستيعنا على اخيك الغادر فَهَذَا أَمر لم تزل الْمُلُوك تَفْعَلهُ إِذا دهمها مَالا قبل لَهَا بِهِ فَلَمَّا سمع الْمَأْمُون كَلَامهم جَمِيعًا قَالَ لَهُم قومُوا عني حَتَّى أنظر فِيمَا ذكره كل وَاحِد مِنْكُم ثمَّ إِنَّه الْتفت إِلَى الشَّيْخ فناداه ورفق بِهِ وَسَأَلَهُ عَن حَاجته فَقَالَ لَهُ بِالْعَرَبِيَّةِ جِئْت لحَاجَة فَعرض لي مَا هُوَ أوكد مِنْهَا فَقَالَ لَهُ المامون تكلم بِمَا فِي نَفسك قَالَ أَيهَا الْأَمِير لَا تصدنك حقارة قدري فَإِن الدرة النفسية لَا يزري بهَا حقارة الغواص

стр. 336

فَقَالَ الْمَأْمُون مَا بِنَا عَنْك أَيهَا الشَّيْخ رَغْبَة فَتكلم بِمَا عنْدك قَالَ إِنِّي سَمِعت مَا أَشَارَ بِهِ الْقَوْم عَلَيْك وكل مِنْهُم متجهد فِي الْإِصَابَة وَإِنِّي لست أرضي شَيْئا مِمَّا قَالُوهُ وَإِنِّي وجدت فِي الحكم الَّتِي أَخذهَا آبَائِي عَن آبَائِهِم أَنه يَنْبَغِي للعاقل إِذا دهمه مَا لَا قبل لَهُ بِهِ أَن يلْتَزم نَفسه التَّسْلِيم لأحكام الْحَكِيم واهب الْعقل وقاسم الحظوظ وَلَا يتْرك بذلك الدفاع بِحَسب طاقته فَإِنَّهُ إِن لم يحصل على الظفر حصل على الْعذر فَقَالَ لَهُ الْمَأْمُون إِن هَذَا الرجل الَّذِي هُوَ قاصدنا أملك منا بالبلاد وَلَا يمكننا مقاومته قَالَ الشَّيْخ يَنْبَغِي أَن تمحو هَذَا من نَفسك وَلَا تصغي إِلَى من ينْطق بِهِ فَإِنَّهُ مَا كثر من كَثْرَة الْبَغي وَلَا قوي من قواه الظُّلم وَإِن أَخَاك ظَالِم بَاغ عَلَيْك فَهُوَ هَالك لَا محَالة وَأَنت مَنْصُور عَلَيْهِ ظافر بِهِ

стр. 337

وسأحدثك حَدِيثا إِن حذوت مِثَاله نلْت مناله فَقَالَ الْمَأْمُون هَات يَا شيخ قَالَ إِن اخشنوار ملك الهياطلة لما أسر فَيْرُوز بن يزدجرد ملك الْفرس وَأَرَادَ إِطْلَاقه أَخذ عَلَيْهِ عهدا أَن لَا يَغْزُو بِلَاده وَلَا يَقْصِدهُ بمكروه وَلَا يتَعَرَّض إِلَيْهِ بِسوء وَوضع فِي أقْصَى تخوم أَرض الهياطلة صَخْرَة وواثق فَيْرُوز أَن لَا يتَجَاوَز أحد مِنْهُمَا تِلْكَ الصَّخْرَة بِجَيْش وَلَا مَكْرُوه لصَاحبه ثمَّ أطلقهُ بَعْدَمَا استوثق مِنْهُ الخشنوار بالعهود فَلَمَّا وصل فَيْرُوز إِلَى دَار ملكه داخلته الحمية والأنفة وعزم على غَزْو الخشنوار وعَلى أَخذ بِلَاده وَاسْتِيفَاء ثَأْره فَجمع وزراءه وشاورهم فِي ذَلِك فحذروه النكث وخوفوه عَاقِبَة الْبَغي والغدر فَمَا ردعه ذَلِك عَمَّا عزم عَلَيْهِ فاذكروه أيمانه الَّتِي حَلفهَا لَا خشنوار والصخرة الَّتِي بَين المملكتين فَقَالَ لَهُم إِنِّي عاهدته بِأَن لَا أتجاوزها بجيوشي وَإِذا أَنا بلغتهَا حملتها على

стр. 338

فيل بَين يَدي جيوشي فَلَا يتجاوزها أحد مِنْهُم وَإِذا فعلت ذَلِك فَلَا أكون نَاكِثًا وَلَا غادرا فَلَمَّا سمعُوا ذَلِك مِنْهُ علمُوا أَن الْهوى قد وقف بِهِ على حد الرِّضَا بِهَذَا القَوْل والتأويل فامسكوا عَنهُ ثمَّ إِن فَيْرُوز جمع مرازبته وهم أَرْبَعَة مَعَ كل مرزبان مِنْهُم خَمْسُونَ ألف فَارس وامرهم بالتجهز لِحَرْب الهياطلة فَلَمَّا فعلوا ذَلِك سَار بهم فَيْرُوز وَظن أَن جيوشه لَا غَالب لَهَا لكثرتها وَشدَّة شوكتها فعارضه موبذان موبذ فِي طَريقَة فَقَالَ أَيهَا الْملك لَا تفعل فَإِن رب الْعِزَّة وخالق الْعَالم يُمْهل الْمُلُوك على الْجور وَلَا يمهلهم إِذا أخذُوا فِي هدم أَرْكَان الدّين وَإِن العهود من أَرْكَان الدّين فَلَا تعرض لَهُ بِسوء فتهلك فَلم يلْتَفت إِلَى كَلَامه وَسَار رَاكِبًا هَوَاهُ فِي مَعْصِيَته ومخالف نصحائه حَتَّى انْتهى إِلَى الصَّخْرَة الَّتِي جعلهَا حاجزا بَين أرضه وَأَرْض اخشنوار فحملها على فيل وسيرها بَين يَدي عسكره وَإِن الخشنوار لما بلغه مسير فَيْرُوز إِلَيْهِ حمل نَفسه على التثبت وفوض أمره إِلَى الرب الْأَعْلَى وَسَأَلَهُ أَن يغْضب لعهوده

стр. 339

ومواثيقه الَّتِي لم يرع حَقّهَا فَيْرُوز وَلَا خَافَ تبعه نكثها وَأخذ فِي ذَلِك بالحزم فِي سد ثغوره وَجمع جنده ثمَّ خرج إِلَى فَيْرُوز بَعْدَمَا توَسط أرضه وعاث فِي بِلَاده ففاجأه الخشنوار وَصدقه الحملة فانكشف فَيْرُوز مُنْهَزِمًا وَأسلم مَا كَانَ بِيَدِهِ فَقتل اخشنوار رِجَاله وغنم أَمْوَاله وأمعن فِي طلب فَيْرُوز فظفر بِهِ وَقَتله وَأسر أهل بَيته وحماة أَصْحَابه وَاسْتولى على بِلَاده كل ذَلِك بِسَبَب الْغدر وَنقص الْمِيثَاق وَكَذَلِكَ سَبَب أَخِيك لغدره بك وَنقض مِيثَاق أَبِيك وَأَنت ظافر بِهِ لَا محَالة فَلَمَّا سمع الْمَأْمُون كَلَام الشَّيْخ تهلل وَجهه وَطَابَتْ نَفسه وَقَالَ قد سَمِعت مَقَالَتك فصادفت منا قبولا وشكرا عَلَيْهَا وسرورا ثمَّ حَيَاة وأكرمه وَعمل بِرَأْيهِ فأنجح الله عمله وبلغه من الْخلَافَة أمله الْحِكَايَة الثَّالِثَة قيل إِن عبد الْملك بن مَرْوَان لما ندب

стр. 340

النَّاس لقِتَال عبد الله بن الزبير وَخرج بالجيش مُتَوَجها إِلَى مَكَّة شرفها الله تَعَالَى وعظمها وَكَانَ قد استصحب مَعَه عَمْرو بن سعيد بن الْعَاصِ

стр. 341

وَكَانَ عَمْرو قد اطوى على دغل نِيَّة وَفَسَاد طوية وطماعية فِي نيل الْخلَافَة فَلَمَّا كَانَ بِبَعْض الطّرق تمارض عَمْرو بن سعيد وَاسْتَأْذَنَ عبد الْملك بن مَرْوَان فِي الْعود إِلَى دمشق فَأذن لَهُ فَلَمَّا دخل دمشق صعد الْمِنْبَر فَخَطب النَّاس خطْبَة نَالَ فِيهَا من عبد الْملك ودعا النَّاس إِلَى خلعه من الْخلَافَة فَأَجَابُوهُ إِلَى ذَلِك وَبَايَعُوهُ

стр. 342

وَاسْتولى على دمشق وحصن سورها وَحمى ثغورها وبذل الرغائب ثمَّ اتَّصل الْخَبَر إِلَى النُّعْمَان بن بشير أميرحمص فَنزع يَده من الطَّاعَة أَيْضا وَكَذَلِكَ صنع زفر بن الْحَارِث أَمِير

стр. 343

قنسرين وَكَذَلِكَ نائل بن قيس أَمِير فلسطين ثمَّ تشوف أهل الثغور للْخلاف فَبلغ ذَلِك عبد الْملك بن مَرْوَان فَخرج على وزرائه وَأهل خاصته فا طلعهم على مَا بلغه وَقَالَ هَذِه دمشق دَار ملكنا قد استولى عَلَيْهَا عَمْرو بن سعيد وَهَذَا عبد الله بن الزبير قد استولى على الْحجاز وَالْعراق واليمن وَهَذَا النُّعْمَان بن بشير أميرحمص وَزفر أَمِير قنسرين ونائل بن قيس أَمِير فلسطين قد نزعوا أَيْديهم من الطَّاعَة وَبَايع النَّاس لِابْنِ سعيد وَقد تشوف أهل الثغور للْخلاف فَمَا عنْدكُمْ من الرَّأْي

стр. 344

قَالَ فَلَمَّا سمعُوا مقَالَته ذهلت عُقُولهمْ ونكسوا رؤوسهم فَقَالَ لَهُم مالكم لَا تنطقون فَهَذَا وَقت الْحَاجة إِلَيْكُم هَل ترَوْنَ الرُّجُوع إِلَى دمشق أصوب أم التَّوَجُّه إِلَى ماخرجنا إِلَيْهِ أحزم أم اللحاق بفلسطين أَجود أم النُّزُول على حمص واستنزال النُّعْمَان مِنْهَا آكِد أم الانحياز فِي هَذَا الْوَقْت إِلَى مصر أغنم كَيفَ ترَوْنَ الرَّأْي فَقَالَ لَهُ أفضلهم لَا أرى عندنَا فِي هَذَا وَالله لقد وددت أَن أكون حرباء

стр. 345

على عود من أَشجَار تهَامَة حَتَّى تَنْقَضِي هَذِه الْفِتْنَة قَالَ فَلَمَّا سمع عبد الْملك كَلَامه علم أَنه لَا غنى لَهُ عِنْدهم فَقَامَ عَنْهُم وَأمرهمْ بِلُزُوم مواضعهم وَركب من فوره مُنْفَردا وَهُوَ يَقُول (تكاثرت الظباء على خرَاش ... فَمَا يدْرِي خرَاش من يصيد) وَأمر جمَاعَة من أَصْحَابه أَن يركبُوا متباعدين مِنْهُ بِحَيْثُ يرَوْنَ إِشَارَته إِذا أَشَارَ إِلَيْهِم وَسَار ثمَّ تبعه الْقَوْم فَلم يزل سائرا مُنْفَردا حَتَّى أَتَى إِلَى شيخ كَبِير السن ضَعِيف الْجِسْم يجتني العفص من الْأَشْجَار

стр. 346

فَسلم عَلَيْهِ عبد الْملك ثمَّ قَالَ لَهُ أَيهَا الشَّيْخ أَلَك علم بمنزل هَذَا الْعَسْكَر فَقَالَ بَلغنِي أَنهم نزلُوا بِأَرْض كَذَا وَكَذَا قَالَ فَهَل بلغك شَيْء مِمَّا يَقُول النَّاس فِي أَمر الْخَلِيفَة قَالَ فَمَا سؤالك عَن ذَلِك قَالَ لِأَنِّي أُرِيد اللحاق بِهِ وَالدُّخُول عَلَيْهِ وَقد سَمِعت أَن عَمْرو بن سعيد قد خَالفه إِلَى دمشق وَاسْتولى عَلَيْهَا فَقَالَ الشَّيْخ إِنِّي أَرَاك أديبا وأحسبك حسيبا فَهَل تحب أَن أنصح لَك قَالَ نعم أَيهَا الشَّيْخ قَالَ يَنْبَغِي لَك أَن تصرف نَفسك عَن هَذَا الْأَمر الَّذِي ترغب إِلَيْهِ فَإِن الْأَمِير الَّذِي أَنْت قاصده قد انْحَلَّت عرى ملكه وَقد نابذه أَتْبَاعه واضطربت أُمُوره وَإِن السُّلْطَان فِي حَال اضْطِرَاب أُمُوره كالبحر فِي حَال هيجه لاينبغي أَن يقرب أحد مِنْهُ فَقَالَ لَهُ عبد الْملك إِن الحنكة لم تبلغ بِي فِي مغالبة نَفسِي فِي كل مَا نزعت إِلَيْهِ وَإِنِّي أَجدهَا تنْزع إِلَى صُحْبَة

стр. 347

هَذَا الْأَمِير نزاعا شَدِيدا وَلَا بُد لي من ذَلِك فَهَل لَك أَن تُخبرنِي بِمَا ترَاهُ من الرَّأْي فِي تَدْبيره لهَذِهِ الخطوب الَّتِي دهمته حَتَّى أعرض ذَلِك الرَّأْي عَلَيْهِ وأتنفق بِهِ عِنْده فَلَعَلَّهُ أَن يكون سَببا لقربي مِنْهُ فَقَالَ الشَّيْخ إِن حِكْمَة الله تَعَالَى وعزته لتقضيان بحجب الْعُقُول والأراء عَن النّفُوذ فِي بعض النَّوَازِل وَإِنِّي لأَظُن أَن هَذِه النَّازِلَة الَّتِي نزلت بالخليفة من النَّوَازِل الَّتِي لَا ينفذ فِيهَا الرَّأْي وَإِنِّي أكره مَعَ ذَلِك أَن أرد مسألتك بالخيبة فها أَنا أَقُول لَك فِيمَا سَأَلتنِي عَنهُ قولا أَقْْضِي بِهِ حَقك وَإِن كَانَ الْخطب عَظِيما قَالَ عبد الْملك إِنِّي لأرجوا أَن يرشدك الله ويرشدني بك فَقَالَ الشَّيْخ إِن عبد الْملك خرج لمحاربة عبد الله بن الزبير فَظهر من مَشِيئَة الله تَعَالَى مَا صده عَن ذَلِك وَإِنِّي مشير عَلَيْك أَن تتفقد حَال عبد الْملك فَإِن رَأَيْته قد قصد عبد الله بن الزبير فَاعْلَم أَنه مخذول لامحالة لِأَنَّهُ لج فِي طلب مَا منع مِنْهُ وَإِن رَأَيْته رَجَعَ من حَيْثُ

стр. 348

جَاءَ فارجوا لَهُ السَّلامَة والنصر لِأَنَّهُ مستقيل فَقَالَ لَهُ عبد الْملك أَيهَا الشَّيْخ أوضح لي مَا ذكرت لينطبع فِي فهمي صورته قَالَ الشَّيْخ إِن عبد الْملك إِذا قصد عبد الله بن الزبير كَانَ فِي صُورَة ظَالِم لَهُ لِأَن ابْن الزبير لم يُعْطه قطّ طَاعَة وَلَا وثب لَهُ على مملكة فَأَما إِذا قصد عَمْرو بن سعيد بِدِمَشْق فَإِنَّهُ يكون فِي صُورَة مظلوم لِأَن عمرا رجل من رَعيته طلب الْخلَافَة لنَفسِهِ واغتصب دَار ملك لم تكن لَهُ وَلَا لِأَبِيهِ بل كَانَت لعبد الْملك ولأبيه ثمَّ إِن عمروا بن سعيد ظَالِم لَهُ من وَجه آخر وَذَلِكَ أَنه ابْن عَم عبد الْملك وَعز عبد الْملك عز لَهُ وَقد كَانَ محسنا إِلَيْهِ فَلَمَّا خرج عبد الْملك لتشييد عز نصب عمروا بن سعيد مِنْهُ أوفر حَظّ غدر بِهِ ونكث عَهده فخذله ثمَّ سعى فِي اجتثاثه من

стр. 349

أَصله وأشمت بِهِ عدوهما فرجوع عبد الْملك إِلَى دمشق استقالة وَهُوَ أشبه بالتفويض وَالتَّسْلِيم لأمر الله تَعَالَى وَلَا شكّ أَنه يظفر بِمن خانه وبغى عَلَيْهِ وَنقض عَهده فَإِن الْبَاغِي مصروع وَإِذا ظفر بِهِ استقال النُّعْمَان وَزفر وَمن عَداهَا من أهل الثغور وَرَجَعُوا إِلَى الطَّاعَة عِنْد مُعَاينَة الظفر بِعَمْرو بن سعيد قَالَ فسر عبد الْملك بمقاله الشَّيْخ وعزم على اتِّبَاع رَأْيه وَقَالَ لَهُ جَزَاك الله خيرا يَا شيخ فقد أَحْسَنت فِيمَا أَشرت فاخبرني بِاسْمِك وَأَيْنَ مَنْزِلك فَقَالَ الشَّيْخ وَمَا تُرِيدُ من ذَلِك قَالَ لأقضي حَقك

стр. 350

فارفع إِلَيّ حوائجك فَإِنِّي أَنا عبد الْملك فَقَالَ الشَّيْخ وَأَنا أَيْضا عبد الْملك فَهَلُمَّ بِنَا نرفع حوائجنا جَمِيعًا إِلَى من أَنا وَأَنت لَهُ عَبْدَانِ ثمَّ تَركه الشَّيْخ وَانْصَرف قَالَ فَذهب عبد الْملك وَعمل بِرَأْي الشَّيْخ فأنجح وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق

стр. 351

الْبَاب الْعَاشِر فِي معرفَة أصُول السياسة وَالتَّدْبِير إعلم أَن الْملك الْعَظِيم يحسن بِهِ أَن يكون فِي تصاريف تَدْبيره وسياسة أُمُوره متشبها بطباع ثَمَانِيَة وَهِي الْغَيْث وَالشَّمْس وَالْقَمَر وَالرِّيح وَالنَّار وَالْمَاء وَالْأَرْض وَالْمَوْت أما الْغَيْث فَإِنَّهُ ينزل متواترا فِي أَرْبَعَة أشهر من السّنة فيساوي بَين كل أكمة مشرفة وَمَوْضِع منخفض فتخزن تِلْكَ الْبِقَاع مَا تغذي مِنْهُ نباتها فِي الثَّمَانِية الْأَشْهر الْبَاقِيَة من السّنة وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي

стр. 352

للْملك أَن يُعْطي جنده وعماله فِي أَرْبَعَة أشهر للثمانية أشهر الْبَاقِي حسب مَا يرَاهُ من الْمصلحَة فَيجْعَل رفيعهم ووضيعهم فِي الْحق الَّذِي يستوجبه فِي الْقِسْمَة بَينهم على قدر مَرَاتِبهمْ كَمَا يُسَوِّي الْغَيْث بَين بقاع الأَرْض

стр. 353

وَأما الشَّمْس فَإِنَّهَا تستقض بحرها وحدة وقعها فِي الثَّمَانِية أشهر الْبَاقِيَة من السّنة نداوة الْغَيْث الَّذِي تَوَاتر فِي أَرْبَعَة أشهر كَذَلِك يَنْبَغِي أَن يستقضي قبض مَا حل من خراجه فِي الثَّمَانِية أشهر

стр. 354

الْبَاقِيَة من السّنة وَاسْتِيفَاء جَمِيع حُقُوقه من رَعيته من ثمن غلاتهم وَمَا شيتهم وَغير ذَلِك من الْحُقُوق الْوَاجِبَة لَهُ عَلَيْهِم كَمَا تستقض الشَّمْس نداوة الْغَيْث من الأَرْض وَأما الْقَمَر فَإِنَّهُ إِذا طلع لتمامه انْتَشَر نوره على الْخلق وَأنس النَّاس لضوئة وإشراقه واستوى فِي ذَلِك الْقَرِيب والبعيد وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي للْملك أَن يكون فِي بهجته ورتبته وإشراقه فِي مَجْلِسه وإيناس الرّعية بِهِ وعدله مثل الْقَمَر فِي طلوعه وإشراقه فَلَا يخص شريفا دون وضيع بعدله وإيناسه وَلَا يحتجب عَنْهُم فتظلم أَحْوَالهم وَيَزُول أنسهم

стр. 355

ويقل انتعاشهم كَمَا إِذا احتجب الْقَمَر فِي اللَّيَالِي السود وَأما الرّيح فَإِنَّهَا بلطفها مُحِيطَة بالعالم السفلي وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي للْملك أَن يكون بِلُطْفِهِ وحذق جواسيسه وعيونه محيطا بِمَعْرِِفَة أَحْوَال رَعيته وقواده وولاه ثغوره وأعماله وحاشيته وجنده عَارِفًا بأخبار أعدائه
следующие страницы →