Полный текст (560 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
الْبَاب الْعَاشِر فِي معرفَة أصُول السياسة وَالتَّدْبِير
إعلم أَن الْملك الْعَظِيم يحسن بِهِ أَن يكون فِي تصاريف تَدْبيره وسياسة أُمُوره متشبها بطباع ثَمَانِيَة وَهِي الْغَيْث وَالشَّمْس وَالْقَمَر وَالرِّيح وَالنَّار وَالْمَاء وَالْأَرْض وَالْمَوْت
أما الْغَيْث فَإِنَّهُ ينزل متواترا فِي أَرْبَعَة أشهر من السّنة فيساوي بَين كل أكمة مشرفة وَمَوْضِع منخفض فتخزن تِلْكَ الْبِقَاع مَا تغذي مِنْهُ نباتها فِي الثَّمَانِية الْأَشْهر الْبَاقِيَة من السّنة وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي
стр. 352
للْملك أَن يُعْطي جنده وعماله فِي أَرْبَعَة أشهر للثمانية أشهر الْبَاقِي حسب مَا يرَاهُ من الْمصلحَة فَيجْعَل رفيعهم ووضيعهم فِي الْحق الَّذِي يستوجبه فِي الْقِسْمَة بَينهم على قدر مَرَاتِبهمْ كَمَا يُسَوِّي الْغَيْث بَين بقاع الأَرْض
стр. 353
وَأما الشَّمْس فَإِنَّهَا تستقض بحرها وحدة وقعها فِي الثَّمَانِية أشهر الْبَاقِيَة من السّنة نداوة الْغَيْث الَّذِي تَوَاتر فِي أَرْبَعَة أشهر كَذَلِك يَنْبَغِي أَن يستقضي قبض مَا حل من خراجه فِي الثَّمَانِية أشهر
стр. 354
الْبَاقِيَة من السّنة وَاسْتِيفَاء جَمِيع حُقُوقه من رَعيته من ثمن غلاتهم وَمَا شيتهم وَغير ذَلِك من الْحُقُوق الْوَاجِبَة لَهُ عَلَيْهِم كَمَا تستقض الشَّمْس نداوة الْغَيْث من الأَرْض
وَأما الْقَمَر فَإِنَّهُ إِذا طلع لتمامه انْتَشَر نوره على الْخلق وَأنس النَّاس لضوئة وإشراقه واستوى فِي ذَلِك الْقَرِيب والبعيد وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي للْملك أَن يكون فِي بهجته ورتبته وإشراقه فِي مَجْلِسه وإيناس الرّعية بِهِ وعدله مثل الْقَمَر فِي طلوعه وإشراقه فَلَا يخص شريفا دون وضيع بعدله وإيناسه وَلَا يحتجب عَنْهُم فتظلم أَحْوَالهم وَيَزُول أنسهم
стр. 355
ويقل انتعاشهم كَمَا إِذا احتجب الْقَمَر فِي اللَّيَالِي السود
وَأما الرّيح فَإِنَّهَا بلطفها مُحِيطَة بالعالم السفلي وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي للْملك أَن يكون بِلُطْفِهِ وحذق جواسيسه وعيونه محيطا بِمَعْرِِفَة أَحْوَال رَعيته وقواده وولاه ثغوره وأعماله وحاشيته وجنده عَارِفًا بأخبار أعدائه
стр. 356
ونظرائه عَالما بِمَا يعْملُونَ وَمَا يأتمرون بالعيون الثقاب والجواسيس المنتقاة
стр. 357
وَأما النَّار فَيكون مثلهَا فِي الحدة على أهل الدعارة وَالْفساد
стр. 358
وَأَصْحَاب الشَّرّ لايبقى أحدا مِنْهُم وَلَا يذر وَلَا يتْرك لَهُم عينا وَلَا أثرا
وَأما المَاء فَإِنَّهُ مَعَ لينه وسلاسته يقْلع الْأَشْجَار الْعَظِيمَة ويقهر من قاومه بالسباحة وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي للْملك أَن يكون لينًا لمن لاينه شَدِيدا على من خَالفه ينصب لأعدائه الغوائل مَعَ لينه ورفقه حَتَّى يقلعهم
стр. 359
كَمَا يفعل المَاء
وَأما الأَرْض فَإِنَّهَا تُوصَف بكتمان السِّرّ وَاحْتِمَال الْأَذَى وَالصَّبْر على المكاره وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي للْملك أَن يكون مثلهَا فِي جَمِيع ذَلِك
وَأما الْمَوْت فَإِنَّهُ يَأْتِي بَغْتَة ويعافص أهل اللَّذَّات على مَا هم عَلَيْهِ وَلَا يقبل مِمَّن نزل بِهِ رشوة وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي للْملك أَن يبغت
стр. 360
عدوة من حَيْثُ لَا يشْعر بِهِ ويعافص أهل الْعَدَاوَة والدعارة فِي غفلاتهم كَمَا يفعل الْمَوْت
وَاعْلَم أَن المملكة مثلهَا مثل الْبُسْتَان فَيَنْبَغِي أَن يسوسها الْملك فِي غَالب الْأَحْوَال كَمَا يسوس صَاحب الْبُسْتَان بستانه فَمن ذَلِك أَنه ينتخب أهل الشكيمة من جنده وَذَوي الشَّوْكَة من أعوانه فيجعلهم فِي
стр. 361
أقاصي بِلَاده وأطرف مَمْلَكَته ليحفظ بهم الرّعية كَمَا يفعل صَاحب الْبُسْتَان فَإِنَّهُ يخرج الشّجر ذَوَات الشوك وَمَا فضل من العيدان فيحيط بهَا على الشَّجَرَة المثمرة والزرائع الطّيبَة لقيها من أهل الْفساد وَالدَّوَاب المؤدية ثمَّ يطهر رَعيته من أهل الْفساد والدعارة ويخرجهم من بَينهم أَو يصلحهم بِإِقَامَة الْحُدُود وَإِظْهَار السياسة فَإِنَّهُ إِذا فعل ذَلِك صلحت أَحْوَال الرّعية وانتعشوا وَكثر خَيرهمْ كَمَا يفعل صَاحب الْبُسْتَان فَإِنَّهُ ينقي بستانه من الْحَشِيش الَّذِي لَا فَائِدَة فِيهِ وَيخرج مَا فِيهَا من الشوك والنبات الْخَبيث فينتعش زَرعهَا وينموا شَجَرهَا ويطيب ثَمَرهَا وَمَتى حل خراج الْملك أَو تعين لَهُ حق على رَعيته من أَمْوَال الثِّمَار والغلات فَلَا يُؤَخر قَبضه عَن وَقت مَحَله فَيكون معرضًا للهلاك بآفات الزَّمَان كَمَا يفعل صَاحب الْبُسْتَان فَإِنَّهُ لَا يُؤَخر اجتناء مَا نضج من ثمره وَمَا طلع من ورده لِأَنَّهُ إِن لم يُبَادر ألى الْتِقَاطه سقط على الأَرْض
стр. 362
وأحاطت بِهِ الْآفَات وَيَنْبَغِي أَن يتَعَاهَد أَبنَاء جنده وأعوانهم الَّذين مَاتُوا فِي خدمته وطاعته ويرضخ لَهُم من بَيت مَاله رزقا يقوم بكفايتهم فَإِنَّهُم أَرْجَى للْملك عِنْد بلوغهم وَأَشد نصحا فِي خدمته من غَيرهم كَمَا يتَعَاهَد صَاحب الْبُسْتَان خوالف شَجَرَة الهالكة بالسقي والتربية
стр. 363
لما يرجوه من خَيرهَا واستطابة ثَمَرهَا وَمَتى تباغض قائدان من قواده وَكَانَا متجاورين فِي مَوضِع فَيَنْبَغِي أَن يفرق بَينهمَا لِأَن خيرهما لَا يُرْجَى مَا داما متجاورين وَرُبمَا نتج مِنْهُمَا أَو من أَحدهمَا مَا لَا يُمكن تلافيه كَمَا يفرق صَاحب الْبُسْتَان بَين الشجرتين إِذا تداخلت أغصانهما لعلمه أَن خيرهما لَا يُرْجَى مَا دامتا كَذَلِك وَاعْلَم أَن الرّعية وَإِن كَانَت ثمارا مجتناة وذخائر مقتناة وسيوفا منتقاة وأحراسا مرتضاة فَإِن لَهَا نفارا كنفار الوحوش وطغيانا كطغيان السُّيُول وَمَتى قدرت على أَن تَقول قدرت على أَن تصول
стр. 364
وهم ثَلَاثَة أَصْنَاف يَنْبَغِي للْملك أَن يسوسهم بِثَلَاث سياسات
صنف من أهل الْعقل والديانة وَالْفضل يعلمُونَ فضل الْملك وَطول عنائه ويرثون لَهُ من ثقل أعبائه فسياسة هَؤُلَاءِ تحصل بالبشر عِنْد لقائهم واستماع أَحَادِيثهم وَحسن الإصغاء إِلَيْهِم
وصنف فيهم خير وَشر فسياسة هَؤُلَاءِ تحصل بالترغيب والترهيب
стр. 365
وصنف هم السفلة الرعاع أَتبَاع كل دَاع فسياسة هَؤُلَاءِ بإخافة غير مقنطعة وعقوبة غير مفرطة وَلَا يتَحَقَّق ذَلِك مِنْهُ إِلَّا أَن يكون أغلب أَوْصَافه عَلَيْهِ الرَّحْمَة للرعية لِأَن الْملك إِنَّمَا يتَمَيَّز عَن السوقة بفضيلتين فَضِيلَة ذَاته وفضيلة آلاته
أما فَضِيلَة ذَاته فَخمس خِصَال رَحْمَة تشد رَعيته ويقظة تحوطهم وصولة تذب عَنْهُم وفطنة يكيد بهَا الْأَعْدَاء وحزامه ينتهز بهَا الفرص إِذا أمكنته وَأما فَضِيلَة آلاته فستة وَهِي وفور أَمْوَاله وَكَثْرَة
стр. 366
أجناده وحصانه معاقله واتخاذ المباني الْوَثِيقَة وإعداد الملابس السّنيَّة وَتَحْصِيل الذَّخَائِر النفيسة وَلَا يَنْبَغِي للْملك أَن يعْتَمد على فطنته وَقُوَّة حيلته وَكَثْرَة مَاله وجنده وحصانه معاقلة فَيتْرك الاستعداد للنوازل وَلكُل مَا يجوز وُقُوعه من الْحَوَادِث فَيكون مثله كَمثل خطيب اعْتمد على فصاحة لِسَانه وَقُوَّة بديهته فَترك تزوير القَوْل وترتيبه ثمَّ صعد فيوشك أَن يستولي عَلَيْهِ العي عِنْد الْحَاجة
بل يَنْبَغِي أَن يتَقَدَّم فِي الْحِيلَة لِلْأَمْرِ قبل نُزُوله فَإِن الْأُمُور إِذا
стр. 367
نزلت ضَاقَتْ عَنْهَا الْحِيَل فَهُوَ فِي الْمثل كالسكر الَّذِي يسكر على الأَرْض الَّتِي يخَاف غرقها فَإِنَّهُ إِن عمل قبل وُصُول المَاء إِلَيْهَا فَإِنَّهُ يثبت وَيمْنَع الضَّرَر عَنْهَا وَإِن وصل المَاء إِلَيْهَا فَلَا حِيلَة فِيهِ بالسكر أَنْشدني بعض أهل الْعلم
(أقدر بغيرك أَمر نَفسك وَاعْتبر ... وَانْظُر وَأَنت من الْأُمُور بمنظر)
(وَإِذا هَمَمْت بورد أَمر فالتمس ... من قبل مورده طَرِيق الْمصدر)
وَإِذا عرف الْملك وَجه الكيد الَّذِي يكيد بِهِ عدوه فَيَنْبَغِي أَن
стр. 368
يحترس من مثلهَا لِأَنَّهُ إِذا لم يحترس من مثلهَا كَانَ بِمَنْزِلَة الرَّامِي
стр. 369
الخاسر فِي الْحَرْب الَّذِي لَا تصير مَعَه فَهُوَ إِن أصَاب برمية فَهُوَ مستهدف رمية غَيره وَكَذَلِكَ الْملك إِذا احتال على عدوه بضروب الْحِيَل ثمَّ لم يتحفظ من كل مايظن أَن يبلغهُ من عدوه كَانَ عمله مَعُونَة عَلَيْهِ غير نَافِع لَهُ فِي الْعَاقِبَة وَقد كَانَ يُقَال احترس من تدبيرك على عَدوك كَا حتراسك من تَدْبيره عَلَيْك
فَرب هَالك بِمَا دبر وساقط فِي الْبِئْر الَّذِي حفر وجريح بِالسِّلَاحِ الَّذِي شهر وَيَنْبَغِي للْملك أَن يَأْخُذ فِي سَائِر أُمُوره بالحزم وَصدق الْعَزْم وَلَا يتْرك الاحتراس
стр. 370
والحذر فقد رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ الحزم سوء الظَّن وَلَا يكون ظَنّه حَقِيقَة بل للحذر وَالِاحْتِيَاط
وَقيل لبَعض الْحُكَمَاء مَا الحزم قَالَ أَن تحذر من كل مَا يُمكن وُقُوعه قيل فَمَا الْعَجز قَالَ أَن تأمن مِمَّا يُمكن وُقُوعه
وَقَالَ بعض الشُّعَرَاء
(لاتترك الحزم فِي شَيْء تحاذره ... فَإِن سلمت فَمَا فِي الحزم من بَأْس)
(العجزذل وَترك الحزم منقصه ... واحزم الحزم سوء الظَّن بِالنَّاسِ)
وَإِذا حاول الْملك أمرا عرض لَهُ فليشمر فِي طلبه عِنْد إِمْكَان
стр. 371
الفرصة وَلَا يتراخ عَنهُ لصغره فَإِن وثبه الْأسد على الأرنب هِيَ الَّتِي يثب بهَا على الْفِيل وَمَتى استهان الْملك بِالْأَمر الصَّغِير عَاد كَبِيرا فَإِن القروح الَّتِي تظهر فِي الْجَسَد إِذا استهان بهَا الْإِنْسَان لصغرها صَارَت إِلَى أعظم العلاج وأكبر المداواة أَنْشدني بَعضهم
стр. 372
(لَا تحقرن عدوا رما ... ك وَإِن كَانَ فِي ساعديه قصر)
(فَإِن السيوف تحز الرقا ... ب وتعجز عَمَّا تنَال الابر)
وَإِذا وَقع الْملك فِي أَمر من عدوه يخَاف فِيهِ على نَفسه وسلطانه فَيَنْبَغِي أَن يُعْطي بِلِسَانِهِ كل مَا يُرْضِي عدوه مظْهرا للرقة والانقباض وَهُوَ مَعَ ذَلِك يكون متيقظا محترسا مستعدا للوثبة عَلَيْهِ إِذا أمكنته الفرصة كالصقر الَّذِي يظْهر الذلة والانقباض عِنْد صَيْده ثمَّ ينْقض انقضاضة إِذا أمكنته الفرصة ينَال فِيهَا حَاجته وَقد كَانَ يُقَال الحزم الْتِزَام مداجات الْعَدو مَا دَامَت لَهُ ريح هابة ودولة مقبلة كَمَا أَن الْعَجز إِضَاعَة الفرصة فِيهِ إِذا ركدت وأدبرت دولته وأنشدني بَعضهم
стр. 373
فِي هَذَا الْمَعْنى
(وَإِذا عجزت عَن الْعَدو فداره ... وامزح لَهُ إِن المزاح وفَاق)
(فَالنَّار بِالْمَاءِ الَّذِي هُوَ ضدها ... تُعْطِي النضاج وطبعها الإحراق)
فَإِن دهمه أَمر لَا طَاقَة لَهُ بِهِ فِي أَمر من أُمُور مَمْلَكَته وأشرف مِنْهُ على أَن يذهب كُله وَرَأى أَن يتلطف بالحيلة فِي أَن يرجع إِلَيْهِ بعضه فَلْيفْعَل ذَلِك وَيكون رابحا وَلَا يذهب بِهِ الأسف والأنفة والتمادي حَتَّى يذهب كُله فَيكون مغبونا فَإِن الْعَاقِل إِذا أشرف لَهُ ابْنَانِ على الهلكة وطمع فِي نجاة أَحدهمَا بِمَوْت الآخر فَإِن نَفسه تسمح مَوته لنجاة أَخِيه وَلَا يداخله الإشفاق عَلَيْهِمَا والجزع فيهلكا جَمِيعًا
وَإِذا عادى الْملك رجلا فَلَا يعادي كل جنسه فَإِنَّهُ رُبمَا انْتفع
стр. 374
ببعضهم انتفاعه بِأَهْل مودته فَإِن السَّيْف الَّذِي يقتل بحده وَيقطع بمضاوته هُوَ من جنس الدرْع الَّذِي يتحصن بِهِ عَن مضاوة حد السَّيْف
وَلَا يَنْبَغِي للْملك أَن يشْتَد جزعه على مَا فَاتَهُ وَذهب عَنهُ فَإِن فعل ذَلِك تعجلت لَهُ المساءة بِمَا لَا يقدر على ارتجاعه ويستسلف الْحَسْرَة على مَا لَا يقدر على استدراكه ثمَّ يشْغلهُ ذَلِك عَن تَدْبِير مُسْتَأْنف أمره وَإِصْلَاح بَاقِي شَأْنه وَرُبمَا أفْضى بِهِ الْحَال إِلَى الْهَلَاك فَإِن شدَّة الْجزع مهلك فقد حُكيَ أَن ملكا من مُلُوك الْفرس جلس على سَرِيره فِي يَوْم نيروز وَجعل النَّاس يهْدُونَ لَهُ أَصْنَاف الْهَدَايَا فَدخل عَلَيْهِ
стр. 375
الموبذ وَمَعَهُ ظرف مغطى فأهداه إِلَيْهِ فَلَمَّا كشف عَنهُ رأى فِيهِ فحمتين فَقَالَ الْملك مَا هَذَا فَقَالَ أَيهَا الْملك إِن إِحْدَاهمَا بازي وَالْآخر دراجة وَإِنِّي رَأَيْت الْبَازِي أرسل على الدراجة فَلم يزل يتبعهَا وَهِي تطير بَين يَدَيْهِ إِلَى أَن أَتَيَا أجمة قد وَقعت فِيهَا نَار فَحمل الْجزع الدراجة على اقتحامها وَحمل الْبَازِي الْحِرْص على إتباعها فاحترقا جَمِيعًا فَرَأَيْت أَن خير الْهَدَايَا هَذِه الموعظة فأهديتها لَك فاجتنب أَيهَا الْملك الإفراط فِي الْجزع والحرص فَإِنَّهُمَا
стр. 376
سائقان إِلَى الهلكة فَقَالَ الْملك مَا أهديت لي هَدِيَّة أَنْفَع من هَذِه الْهَدِيَّة
وَمَتى صنع الْملك بخطأ الرَّأْي شَيْئا فَأصَاب فِيهِ فَلَا يعاودنه ثَانِيًا طَمَعا فِيمَا ناله أَولا فَإِن من وطىء حَيَّة فنجا مِنْهَا جدير أَن لَا يتَعَرَّض لَهَا بِالْوَطْءِ مرّة أُخْرَى
وَاعْلَم أَن كبار أعوان الْملك مَشَايِخ دولته الَّذين صحبوا أسلافه من الْمُلُوك لأَنهم وَإِن برأهم الزَّمَان بحده فقد بَقِي كرم جوهرهم ومحض مَوَدَّتهمْ فهم يزدادون فِي النصح اجْتِهَادًا وَفِي الْبُؤْس صبرا وجلادا وَمثلهمْ كَمثل دعائم الساج للبيت فَإِنَّهَا كلما مر عَلَيْهَا الزَّمَان ازدادت قُوَّة وصلابة حَتَّى أَن الأرضة لَو حاولت نقب عودهَا لم ينفذ عَملهَا فِيهَا فَيكون الْبَيْت بهَا أقوم وَأثبت
وَيَنْبَغِي للْملك أَن لَا يصحب فِي أعوانه كذابا وَلَا مطبوعا على شَرّ لِأَن الْكذَّاب إِذا حدث كذب وَإِذا حَدثهُ الْملك لم يصدقهُ لما يظنّ فِي
стр. 377
نَفسه والمطبوع على الشَّرّ غير تَارِك لطباعه لِأَنَّهَا أملك بِهِ فَيكون الْملك مَعَه على خطر وَلَا يطْمع الْملك فِي استصلاحهما ونقلهما عَن طباعهما فَإِنَّهُمَا بِمَنْزِلَة القرد الَّذِي يطعم الدسم والحلاوة ليسمن جِسْمه وَيحسن وَجهه فَهُوَ وَإِن سمن جِسْمه لَا يزْدَاد وَجهه إِلَّا قبحا
وَمَتى كَانَ الْملك يضْبط أُمُوره ويصول على عدوه بِقوم لَيْسَ مِنْهُم على ثِقَة من رأى وَلَا حفاظ فَهُوَ مِنْهُم على أعظم خطر حَتَّى يحملهم إِن اسْتَطَاعَ على الرَّأْي وَالْأَدب الَّذِي بِمثلِهِ تكون الثِّقَة أَو يسْتَبْدل بهم وَلَا يغرنه مِنْهُم قوته بهم على غَيرهم فَإِنَّمَا هُوَ كراكب الْأسد الَّذِي يهابه من ينظر إِلَيْهِ وَهُوَ لمركبه أهيب
وَمَتى أسرف الْملك فِي توسعة الأرزاق على جنده أبطرهم وَمَتى ضيق عَلَيْهِم أحقدهم فَيكون فِي هَاتين الْحَالَتَيْنِ معرضًا للهلاك
стр. 378
فَإِن الْأَسْبَاب الَّتِي تجر الهلك إِلَى الْملك ثَلَاثَة أَسبَاب أَحدهَا من جِهَة الْملك وَهُوَ أَن تغلب شهواته على عقله فَلَا تسنح لَهُ لَذَّة إِلَّا افتضها وَلَا رَاحَة إِلَّا افترضها الثَّانِي الوزراء وَهُوَ تحاسدهم الْمُقْتَضِي لتعارض الآراء فَلَا يسْبق أحدهم إِلَى حق إِلَّا فندوه وعارضوه الثَّالِث من جِهَة الْجند وخواص الأعوان وَهُوَ النّكُول عَن الجلاد وَترك المناصحة فِي الْجِهَاد وهم صنفان
الصِّنْف الأول وسع الْملك عَلَيْهِم الأرزاق فأبطرهم الترف والتنعم وافتراص اللَّذَّات فضنوا بنفوسهم وخافوا عَلَيْهَا عِنْد لِقَاء الْأَعْدَاء فَمَنعهُمْ ذَلِك من الْإِقْدَام
الصِّنْف الثَّانِي قتر الْملك عَلَيْهِم الأرزاق فانطووا مِنْهُ على حقد ونفاق فنصبوا لَهُ الغوائل وأسلموه عِنْد النَّوَازِل
وَيَنْبَغِي للْملك أَن يتعرف أَسبَاب الْفِتَن ونتائجها المفضية إِلَى
стр. 379
اخْتِلَاف الْكَلِمَة وَالْخُرُوج عَن الطَّاعَة ليحسم موادها وَيقطع أَسبَابهَا
فقد قيل إِن ملكا من مُلُوك الْعَجم كتب إِلَى حَكِيم من حكمائهم يَقُول إِن الْحُكَمَاء قد أَكْثرُوا من وصف أَسبَاب الْفِتَن فَاكْتُبْ إِلَيّ بِمَا ينشئها وَبِمَا يميتها فَكتب إِلَيْهِ يَقُول ينشئها ضغائن وينتجها أطماع لم يقمعها هَيْبَة وجرأة عَامَّة يولدها استخفاف بالخاصة وآكدها انبساط الألسن بضمائر الْقُلُوب وغفلة أَمِير ملتذ ويقظة قوى
стр. 380
محروم ويميتها عز السالب وذل المسلوب ودرك البغية وَمَوْت الأمل وَتمكن الرعب فَكتب إِلَيْهِ إِن الَّذِي وصفت كَمَا وصف فَأَي الْأُمُور أدفَع لما ذكرت فَكتب إِلَيْهِ الْحَكِيم أَخذ الْعدة لكل مَا يخَاف وُقُوعه وإيثار الْجد على الْهزْل وَالْعَمَل بِالْعَدْلِ فِي الرِّضَا وَالْغَضَب
وَكتب عبد الْملك بن مَرْوَان إِلَى الْحجَّاج بن يُوسُف أَن صف لي الْفِتْنَة حَتَّى كَأَنِّي أنظر إِلَيْهَا فَكتب إِلَيْهِ الْحجَّاج إِن الْفِتْنَة تلقح بالنجوى وتنتج بالشكوى وَيقوم بهَا الخطباء وحصارها بِالسَّيْفِ
وَحكي أَن عُثْمَان بن عَفَّان رَضِي الله عَنهُ
стр. 381
قَالَ يَوْمًا لجلسائه وَهُوَ مَحْصُور وددت لَو أَن رجلا صَدُوقًا أَخْبرنِي عَن نَفسِي وَعَن هَؤُلَاءِ الْقَوْم يَعْنِي الَّذين يحاصرونه فَقَامَ رجل من الْأَنْصَار فَقَالَ أَنا أخْبرك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِنَّك تطأطأت لَهُم فركبوك وتغافلت عَنْهُم فصلبوك وَمَا جرأهم على ظلمك إِلَّا إفراط حلمك قَالَ صدقت إجلس ثمَّ قَالَ لَهُ هَل تعلم مَا سَبَب ثيران الْفِتْنَة قَالَ نعم
стр. 382
سَأَلت عَن ذَلِك شَيخا باعقة فِي الْعلم فَقَالَ لي إِن الْفِتْنَة يثيرها أَمْرَانِ
أَحدهمَا أَثَرَة تضغن الْخَاصَّة
الثَّانِي حلم يجرىء الْعَامَّة
قَالَ فَهَل سَأَلته عَمَّا يخمدها قَالَ نعم إِن الَّذِي يخمدها فِي ابتدائها استقالة العثرة وتعميم الْخَاصَّة بالاثرة دون غَيرهم فَأَما إِذا استحكمت الْفِتْنَة فَلَا يخمدها غير الصَّبْر فَقَالَ عُثْمَان ﵁ هُوَ ذَاك حَتَّى يحكم الله بَيْننَا وَهُوَ خير الْحَاكِمين
стр. 383
الْبَاب الْحَادِي عشر
فِي الْجُلُوس لكشف الْمَظَالِم
اعْلَم أَن جُلُوس الْملك لكشف قصَص المظلومين والفصل بَين المتنازعين من أعظم قوانين الْعدْل الَّذِي لَا يعم الصّلاح إِلَّا
стр. 384
بمراعاته وَلَا يتم التناصف إِلَّا بِهِ وَقد كَانَت مُلُوك الْفرس يرَوْنَ ذَلِك من قَوَاعِد الْملك
стр. 385
وَأول من أفرد للظلامات يَوْمًا مَعْلُوما يتصفح فِيهِ قصَص المتظلمين من غير مُبَاشرَة للنَّظَر عبد الْملك بن مَرْوَان وَكَانَ إِذا وقف مِنْهَا على مُشكل رده إِلَى قاضية أبي إِدْرِيس الأودي فَينفذ فِيهِ الحكم
وَكَانَ أَبُو إِدْرِيس الْمُبَاشر وَعبد الْملك هُوَ الْآمِر ثمَّ زَاد ظلم الْوُلَاة وجور النواب بعد ذَلِك فافتقرت الحاله إِلَى الْمُبَاشرَة فَجَلَسَ عمر بن عبد الْعَزِيز ﵁ فكشف الْمَظَالِم وَهُوَ أول من بَاشر ذَلِك بِنَفسِهِ وَجعل يُرَاعِي السّنَن العادلة ورد مظالم بني أُميَّة على أَهلهَا
стр. 386
حَتَّى قيل لَهُ وَقد شدد عَلَيْهِم إِنَّا نَخَاف عَلَيْك العواقب من ردهَا فَقَالَ كل يَوْم أخافه وأتقيه غير يَوْم الْقِيَامَة لَا وقيته
ثمَّ جلس لكشف الْمَظَالِم من خلفاء بني الْعَبَّاس الْمهْدي حَتَّى عَادَتْ الْأَمْلَاك إِلَى مستحقيها ثمَّ جلس لَهَا من بعده الْهَادِي ثمَّ
стр. 387
الرشيد ثمَّ الْمَأْمُون وَأخر من جلس لَهَا الْمُهْتَدي
ثمَّ احتجب الْخُلَفَاء لتظاهر التّرْك وَغَيرهم عَلَيْهِم ودفعوا أَمر الْمَظَالِم إِلَى وزرائهم وَلما أفْضى ملك الشَّام إِلَى الْملك الْعَادِل نور الدّين مَحْمُود بن زنكي ﵀ ابنتى لَهُ دَارا فِي قلعة دمشق وسماها دَار الْعدْل فَكَانَ يجلس فِيهَا يتصفح قصَص المظلومين ويفصل بَين المتنازعين ولديه الْفُقَهَاء وأئمة الدّين فَيرجع إِلَيْهِم عَمَّا أشكل عَلَيْهِ من أُمُور الشَّرْع ويبت القضايا ويفصل كلما انْتهى إِلَيْهِ فِي ذَلِك الْيَوْم
стр. 388
وَجعل هَذَا سنة فِي جَمِيع مَدَائِن الشَّام
حَدثنِي الْفَقِيه أَبُو طَاهِر إِبْرَاهِيم بن الْحسن بن الحصني الْحَمَوِيّ قَالَ كنت عِنْد الْملك الْعَادِل مَحْمُود بن زنكي فِي دَار الْعدْل بِدِمَشْق وَقد أخرج أَمْلَاك أهل الشَّام فَجعل ينظر فِيهَا فَلَمَّا انْتهى إِلَى ذكر خراج معرة النُّعْمَان قَالَ إِنِّي قد عزمت على انتزاع
стр. 389
أَمْلَاك أهل المعرة من أَيْديهم فقد رفع إِلَيّ أهل الْخَيْر من الثِّقَات أَن جَمِيع أهل المعرة يتقارضون الشَّهَادَة فَيشْهد أحدهم لصَاحبه فِي دَعْوَى ملك حَتَّى يشْهد ذَلِك مَعَه فِي دَعْوَى أُخْرَى وَأَن الْملك الَّذِي فِي أَيْديهم إِنَّمَا حصل لَهُم بِهَذِهِ الطَّرِيقَة قَالَ فَقلت لَهُ أَيهَا الْملك إِن الله تَعَالَى أوجب عَلَيْك الْعدْل فِي رعيتك فَانْظُر واكشف وَتوقف فِي الْأُمُور إِذا رفعت إِلَيْك فَإِن أهل المعرة خلق كثير يَسْتَحِيل تواطؤهم على شَهَادَة الزُّور وانتزاع الْأَمْلَاك من أَرْبَابهَا بِمُجَرَّد هَذَا القَوْل لَا يجوز قَالَ فَأَطْرَقَ سَاعَة ثمَّ رفع رَأسه وَقَالَ إِنِّي أمْسكهَا عَلَيْهِم ثمَّ أكشف عَنْهَا بعد ذَلِك والتفت إِلَى كَاتبه وَقَالَ اكْتُبْ كتابا إِلَى الْوَالِي فِي المعرة وليمسك جَمِيع الْملك الَّذِي فِي أَيدي أَهلهَا حَتَّى يَسْتَدْعِي الْبَيِّنَة
стр. 390
فِي ذَلِك فَكَتبهُ وَوَضعه بَين يَدَيْهِ ليضع علامته عَلَيْهِ وَإِذا صبي على شاطىء بردى يُغني وَيَقُول
(اعدلوا مَا دَامَ أَمركُم ... نَافِذا فِي النَّفْع وَالضَّرَر)
(واحفظوا أَيَّام دولتكم ... إِنَّكُم مِنْهَا على خطر)
(إِنَّمَا الدُّنْيَا وَزينتهَا طيب ... مَا يبْقى من الْأَثر)
следующие страницы →