Полный текст (560 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
حَتَّى قيل لَهُ وَقد شدد عَلَيْهِم إِنَّا نَخَاف عَلَيْك العواقب من ردهَا فَقَالَ كل يَوْم أخافه وأتقيه غير يَوْم الْقِيَامَة لَا وقيته
ثمَّ جلس لكشف الْمَظَالِم من خلفاء بني الْعَبَّاس الْمهْدي حَتَّى عَادَتْ الْأَمْلَاك إِلَى مستحقيها ثمَّ جلس لَهَا من بعده الْهَادِي ثمَّ
стр. 387
الرشيد ثمَّ الْمَأْمُون وَأخر من جلس لَهَا الْمُهْتَدي
ثمَّ احتجب الْخُلَفَاء لتظاهر التّرْك وَغَيرهم عَلَيْهِم ودفعوا أَمر الْمَظَالِم إِلَى وزرائهم وَلما أفْضى ملك الشَّام إِلَى الْملك الْعَادِل نور الدّين مَحْمُود بن زنكي ﵀ ابنتى لَهُ دَارا فِي قلعة دمشق وسماها دَار الْعدْل فَكَانَ يجلس فِيهَا يتصفح قصَص المظلومين ويفصل بَين المتنازعين ولديه الْفُقَهَاء وأئمة الدّين فَيرجع إِلَيْهِم عَمَّا أشكل عَلَيْهِ من أُمُور الشَّرْع ويبت القضايا ويفصل كلما انْتهى إِلَيْهِ فِي ذَلِك الْيَوْم
стр. 388
وَجعل هَذَا سنة فِي جَمِيع مَدَائِن الشَّام
حَدثنِي الْفَقِيه أَبُو طَاهِر إِبْرَاهِيم بن الْحسن بن الحصني الْحَمَوِيّ قَالَ كنت عِنْد الْملك الْعَادِل مَحْمُود بن زنكي فِي دَار الْعدْل بِدِمَشْق وَقد أخرج أَمْلَاك أهل الشَّام فَجعل ينظر فِيهَا فَلَمَّا انْتهى إِلَى ذكر خراج معرة النُّعْمَان قَالَ إِنِّي قد عزمت على انتزاع
стр. 389
أَمْلَاك أهل المعرة من أَيْديهم فقد رفع إِلَيّ أهل الْخَيْر من الثِّقَات أَن جَمِيع أهل المعرة يتقارضون الشَّهَادَة فَيشْهد أحدهم لصَاحبه فِي دَعْوَى ملك حَتَّى يشْهد ذَلِك مَعَه فِي دَعْوَى أُخْرَى وَأَن الْملك الَّذِي فِي أَيْديهم إِنَّمَا حصل لَهُم بِهَذِهِ الطَّرِيقَة قَالَ فَقلت لَهُ أَيهَا الْملك إِن الله تَعَالَى أوجب عَلَيْك الْعدْل فِي رعيتك فَانْظُر واكشف وَتوقف فِي الْأُمُور إِذا رفعت إِلَيْك فَإِن أهل المعرة خلق كثير يَسْتَحِيل تواطؤهم على شَهَادَة الزُّور وانتزاع الْأَمْلَاك من أَرْبَابهَا بِمُجَرَّد هَذَا القَوْل لَا يجوز قَالَ فَأَطْرَقَ سَاعَة ثمَّ رفع رَأسه وَقَالَ إِنِّي أمْسكهَا عَلَيْهِم ثمَّ أكشف عَنْهَا بعد ذَلِك والتفت إِلَى كَاتبه وَقَالَ اكْتُبْ كتابا إِلَى الْوَالِي فِي المعرة وليمسك جَمِيع الْملك الَّذِي فِي أَيدي أَهلهَا حَتَّى يَسْتَدْعِي الْبَيِّنَة
стр. 390
فِي ذَلِك فَكَتبهُ وَوَضعه بَين يَدَيْهِ ليضع علامته عَلَيْهِ وَإِذا صبي على شاطىء بردى يُغني وَيَقُول
(اعدلوا مَا دَامَ أَمركُم ... نَافِذا فِي النَّفْع وَالضَّرَر)
(واحفظوا أَيَّام دولتكم ... إِنَّكُم مِنْهَا على خطر)
(إِنَّمَا الدُّنْيَا وَزينتهَا طيب ... مَا يبْقى من الْأَثر)
стр. 391
فَلَمَّا سَمعه الْملك الْعَادِل تغير لَونه عَيناهُ بالدموع ثمَّ نظر إِلَيّ وَقَالَ ﴿فَمن جَاءَهُ موعظة من ربه فَانْتهى فَلهُ مَا سلف وَأمره إِلَى الله﴾ ثمَّ اسْتَدَارَ نَحْو الْقبْلَة وَقَالَ اللَّهُمَّ إِنِّي استغفرك وَأَتُوب إِلَيْك مِمَّا عزمت عَلَيْهِ الْآن ثمَّ تنَاول الْكتاب فمزقه وَجعل يسْتَغْفر الله تَعَالَى جَمِيع ذَلِك الْيَوْم
وَيَنْبَغِي للْملك إِذا جلس لكشف الْمَظَالِم أَن يستكمل مَجْلِسه بِحُضُور خَمْسَة أَصْنَاف من النَّاس لَا غنى لَهُ عَن حضورهم وَلَا يَنْتَظِم أُمُور نظره إِلَّا بهم الصِّنْف الأول الْفُقَهَاء وَالْعُلَمَاء أَصْحَاب الْفَتْوَى ليرْجع إِلَيْهِم فِيمَا أشكل ويسألهم عَمَّا أشتبه عَلَيْهِ وأعضل
стр. 392
الصِّنْف الثَّانِي الْقُضَاة والحكام لاستعلام مَا يثبت من الْحُقُوق وَمَعْرِفَة مَا يجْرِي فِي مجَالِسهمْ بَين الْخُصُوم وتنفيذ القضايا وَالْأَحْكَام
الصِّنْف الثَّالِث الْعُدُول ومشايخ الْبَلدة ليشهدهم على مَا أوجبه من الْحُقُوق وأمضاه من الحكم
الصِّنْف الرَّابِع الْكتاب ليثبتوا مَا يجْرِي بَين الْخُصُوم وَمَا يُوجِبهُ الشَّرْع المطهر لَهُم أَو عَلَيْهِم من الْحُقُوق
الصِّنْف الْخَامِس الْكِبَار من حَملَة دولته وأعوانه وخاصته لتظهر بهم الرهبة وَتحصل بهم الهيبة فيخاف المعتدي فينزجر ويشتد أزر الْمَظْلُوم فينتصر
стр. 393
فَإِذا اسْتكْمل مجْلِس نظره بِمن ذَكرْنَاهُ شرع حِينَئِذٍ فِي تصفح الْقَصَص وتنفيذ الْأُمُور وَالنَّظَر فِي أُمُور الرّعية والولاة والعمال على مَا قدمْنَاهُ
стр. 394
فِي وصف الْعدْل فِي الْبَاب الْخَامِس وَالله الْمُوفق للصَّوَاب
стр. 395
الْبَاب الثَّانِي عشر
فِي آدَاب صُحْبَة الْمُلُوك
إِذا أخلصك الْأَمِير لخاصته وجعلك من أهل مُجَالَسَته فَالْزَمْ الصمت وَاسْتعْمل الْوَقار وَلَا تحدثه باديا وَلَا تعد حَدِيثك عَلَيْهِ ثَانِيًا وَلَا تصل حَدِيثا بِحَدِيث وَلَا تعَارض أحدا فِي حَدِيث واخفض من
стр. 396
صَوْتك وَاخْتصرَ فِي لفظك وَلَا تَعب أحدا عِنْده وَإِن كثرت عيوبه وعظمت ذنُوبه
وَإِذا جالست الْملك فغض عَيْنَيْك وَضم شفتيك وَلَا تقولن فِي غيبته مَا لَا تَقوله فِي حَضرته وَلَا تأمن أَن يكون لَهُ عَلَيْك عُيُون ترفع إِلَيْهِ أخبارك وتورد عَلَيْهِ أسرارك
وأنشدني بَعضهم فِي الْمَعْنى يَقُول شعرًا
стр. 397
(إِذا صَحِبت الْمُلُوك فالبس ... من التواقي أجل ملبس)
(وادخل إِذا مَا دخلت أعمى ... واخرج إِذا مَا خرجت أخرس)
وَإِذا كَانَ لَك إِلَى الْملك حَاجَة فَلَا ترفعها إِلَيْهِ مَا لم يكن وَجهه بسيطا وَقَلبه نشيطا وَليكن على مِقْدَار حَقك لَا على مِقْدَار عزمك وَإِذا طلبتها مِنْهُ فقصر الْمقَال وتوق الملال وَلَا يحملك فرط ميله إِلَيْك على التبسط عَلَيْهِ فِي السُّؤَال فتنحط رتبتك وَتذهب حرمتك وَإِذا تحدث الْملك فاقبل عَلَيْهِ بِوَجْهِك واصغ إِلَيْهِ بسمعك واشغل بحَديثه خاطرك وبمنظره ناظرك واسمعه اسْتِمَاع مستظرف لَهُ مُسْتَبْشِرٍ بِهِ وَاحْذَرْ أَن تعاقب الْملك على تَقْصِير أَو تلومه فِي تَدْبِير فَإِن ذَلِك يُفْضِي إِلَى مَقَتك وبعدك مِنْهُ بعد قربك وَلَا تكاشفه بِالنَّصِيحَةِ فِي الْخلْوَة وَلَا تنبسط عَلَيْهِ فَإِن النصح فِي الْمَلأ تقريع والتبسط عَلَيْهِ تَضْييع
стр. 398
أَنْشدني بعض أهل الْعلم
(تعمدني بنصح فِي انْفِرَاد ... وجنبني النَّصِيحَة فِي الْجَمَاعَة)
(فَإِن خالفتني لتريد نقصي ... فَلَا تغْضب إِذا لم تعط طَاعَة)
(فَإِن النصح بَين النَّاس ضرب ... من التوبيخ لَا أرْضى استماعه)
وَإِذا قربك بأنسه وأدناك من مَجْلِسه فَالْزَمْ الاحترام وقابله بالإعظام وَلَا يخْرجك مَا ترَاهُ من أنسه إِلَى الصياح ومكروه المزاح وَإِيَّاك وَإِزَالَة الحشمة وإضاعة الْحُرْمَة والهزل فِي الْكَلَام والشره فِي أكل الطَّعَام فَإِن هَذِه الْأَحْوَال تَدْعُو الْملك إِلَى الملال وَلَا تسارر فِي مَجْلِسه إنْسَانا وَلَا تحدق إِلَى أحد من الغلمان وَإِذا دخلت على الْملك فحيه بِأَحْسَن تَحِيَّة وتواضع لَهُ بِالْكُلِّيَّةِ وَلَا تكْثر من الدُّعَاء لَهُ بِحَضْرَتِهِ وَلَا تسأله عَن حَالَته وَلَا عَن مبيته فِي ليلته وَلَا تكْثر مدحه وَتظهر نصحه فِي
стр. 399
حَضرته فَجَمِيع ذَلِك من مساوىء الْأَخْلَاق والتملق والنفاق وَإِذا جَلَست على مَوَائِد الْمُلُوك فَلَا تكن فِي الطَّعَام شَرها وَلَا فِي الْأكل نهما وكل مِمَّا يليك وأطل المضغ فِي فِيك وَاجعَل نظرك إِلَى الطَّعَام الَّذِي بَين يَديك وَلَا تنظر إِلَى من حواليك وَلَا تَأْكُل بِكُل الْأَصَابِع وقم عَن الْمَائِدَة وَأَنت جَائِع وَلَا تحذف ببصرك إِلَى الطَّعَام وَلَا إِلَى مَا حضر من طرائف الألوان بل يكون نظرك إِلَى الْملك عِنْد كَلَامه والإطراق عِنْد مضغه لطعامه وَلَا تنقل من الصحفة إِلَى الرَّغِيف شَيْئا من اللَّحْم وَلَا تتعرض لمشمشة الْعظم وَلَا تحول لقمتك من جَانب فِيك إِلَى الْجَانِب الآخر وَلَا يسمع لمضغك وبلعك صَوت ظَاهر لِأَن الْمَقْصُود من طَعَام الْملك الشّرف بمواكلته والتجمل بلطف كرامته وَمن قَامَ عَن الطَّعَام لغسل يَده فسبيله أَن يبعد عَن حَضرته إِلَى الْموضع الَّذِي خص بمرتبته وَلَا يبصق
стр. 400
فِي الطشت بصاقا يَعْلُو صَوته وَلَا يسْتَعْمل بيدَيْهِ التفرقع وَلَا بِفِيهِ التنخع وَلَا يدلك بالمنديل يَدَيْهِ بل يمسح بِهِ فَمه وشفتيه وَلَا يظْهر فِي يَدَيْهِ شَيْئا من الْخلال على حَال من الْأَحْوَال وسبيل من ساير الْملك أَن لَا يُسَاوِيه فِي محجته وَلَا يدني رَأس دَابَّته من دَابَّته وَلَا يَأْخُذ عَلَيْهِ مهب الرّيح فِي مسايرته وَلَا يركب فرسا شغبا وَلَا حرونا فيقف عَنهُ وَلَا كثير الصهيل وَلَا مَا فِيهِ عيب يضْحك مِنْهُ
стр. 401
وَيَنْبَغِي أَن يكون عَارِفًا بالمنازل والمناهل داريا بِكُل مَا يَقع عَلَيْهِ عين الْملك وَيسْأل عَنهُ من الْمِيَاه والأنهار والنبات وَالْأَشْجَار وَمضى سَاعَات اللَّيْل وَالنَّهَار عَارِفًا بالكواكب وانتقالاتها ومنازل الْقَمَر وهيآتها وَأَن لَا يظْهر التَّعَب والكلال وَإِن يخفي العطا والسعال وَليكن متفقد النُّكْتَة ظريفا فِي محادثته صبورا على السهر غير متشاغل بالفكر حَافِظًا للأسرار وَمَا يطلع عَلَيْهِ من الْأَخْبَار ومعتمدا على الصيانة مُؤديا للأمانة فَإِذا لاعب الْملك بالشطرنج فَلَا يظْهر فِي لعبه التحاذق عَلَيْهِ فَأَما فِي حَال الفروسية وَلعب الصولجان
стр. 402
فقد أطلق الْمُلُوك التحاذق عَلَيْهِم فِي الميدان وَالله اعْلَم بِالصَّوَابِ
стр. 403
الْبَاب الثَّالِث عشر
فِي معرفَة مَا تكَاد بِهِ الْمُلُوك فِي غَالب الْأَحْوَال
اعْلَم أَن مَكَائِد الْأَعْدَاء وغوائل الحساد وطرق المضار وَأَسْبَاب الدَّوَاهِي كَثِيرَة وَلَا يُحِيط بطرقها علم الْبشر وَلَا يحصرها مَعْقُول ذَوي الْفِكر فَيجب على الْملك الِاحْتِرَاز والتحفظ من كل مَا يتَصَوَّر عمله من المكائد وَيُمكن فعله من نصب الغوائل وَيعْتَبر بِمن سلفه من أَرْبَاب الممالك وَمَا نصب لَهُم من المكائد والمهالك فيحسم عَنهُ موادها وَيقطع أَسبَابهَا ويحذر من مثلهَا وَقد ذكرنَا فِي الْبَاب السَّادِس فِي وصف الْحَسَد من حِكَايَة بهْرَام وخاقان وَمَا نصب كل وَاحِد مِنْهُمَا لصَاحبه من المكائد مَا فِيهِ اعْتِبَار لِذَوي البصائر والأفكار وَأكْثر مَا رَأينَا الْمُلُوك ذهبت فِي غَالب الْأَحْوَال من أُمُور نَحن ذاكروها إِن شَاءَ الله فَمن ذَلِك السمُوم القاتلة الَّتِي يتلطف بهَا الْأَعْدَاء فِي الْحِيلَة بوصولها إِلَى الْمُلُوك على يَد النسوان والغلمان
стр. 404
وَهِي تصنع غَالِبا فِي عشرَة أَشْيَاء فِي السرج والسرير والكرسي
стр. 405
والحلي والآنية وَالطَّعَام وَالشرَاب والفاكهة وَالثيَاب والفراش الَّذِي ينَام عَلَيْهِ
فَيَنْبَغِي للْملك أَن يكون متيقظا لذَلِك محترسا مِنْهُ وَسَنذكر من العلامات الْوَاضِحَة على مصير السم فِي هَذِه الْأَشْيَاء مَا فِيهِ كِفَايَة للفطن بِحَيْثُ إِذا رَآهَا علم أَن ذَلِك الشَّيْء مَسْمُوم
فَيَنْبَغِي للْملك أَن يتفقد ثِيَابه فِي كل يَوْم وفراشه أَيْضا وغاشيته الَّذِي على سرج الحصان وكرسيه الَّذِي يجلس عَلَيْهِ فَإِن عَلامَة ذَلِك إِن كَانَ مسموما أَن يظْهر فِي صفاء ألوانها لمع كالوسخ يضْرب إِلَى سَواد من غير وسخ وَيكون هدبها وحواشيها فِي نظر الْعين كَأَنَّهَا بالية وَأما عود السرج والسرير والكرسي إِذا كَانَ
стр. 406
ملطوخا بالسم فَإِنَّهُ يكمد لَونه ويعلوه كالغبرة
وَأما الحلى والآنية وَمَا يسْتَخْرج من معادن الأَرْض كالذهب وَالْفِضَّة والنحاس والرصاص وَالْحَدِيد والجواهر فَإِن ذَلِك كُله إِذا كَانَ مسموما يعلوه كالوسخ وَأما أواني الخزف والفخار فَإِنَّهَا إِذا كَانَت مَسْمُومَة تحدث دسومة وزهومة وَرُبمَا أفرط صفاء لَوْنهَا حَتَّى يظْهر فِيهَا بريق لَيْسَ من ذَاتهَا وَرُبمَا ذهب بريقها الَّذِي هُوَ من ذَاتهَا وَأما الطَّعَام المسموم فيستدل عَلَيْهِ من وَجْهَيْن أَحدهمَا بالنَّار فَإِن الطَّعَام المسموم إِذا وضعت مِنْهُ شَيْئا فِي النَّار لم يصعد دخانه مستطيلا إِلَى الْهَوَاء بل يَدُور على ذَلِك الطَّعَام يسمع لَهُ صَوت شرار وَأَيْضًا يكون طرف
стр. 407
مَا ينبعث من النَّار كَأَنَّهُ عنق الطاووس وَأَيْضًا رُبمَا ظهر مِنْهُ إِذا احْتَرَقَ رَائِحَة مُنْتِنَة
الْوَجْه الثَّانِي أَن يعرض الطَّعَام على الطير وَالدَّوَاب الَّتِي هِيَ معدة فِي دَار الْملك لمعْرِفَة الطَّعَام المسموم وَأما الطير فَمِنْهَا الْغُرَاب فَإِنَّهُ إِذا أكل من الطَّعَام المسموم انْكَسَرَ صَوته وَمِنْهَا الصرد والقفعا فَإِنَّهُمَا إِذا شما رَائِحَة الطَّعَام المسموم صَوتا بأعلا صوتيهما وَمِنْهَا طَائِر من جنس
стр. 408
الأوز الصيني يُقَال لَهُ الهيس فَإِنَّهُ إِذا رأى الطَّعَام المسموم أَو شم رَائِحَته هرب مِنْهُ وَجعل يعثر فِي مشيته وَمِنْهَا الكركي فَإِنَّهُ إِذا شم رَائِحَة الطَّعَام المسموم وَأكله فَإِنَّهُ يَدُور حَتَّى يظنّ أَنه مغشي عَلَيْهِ وَمِنْهَا الفواخت والعقعق فَإِنَّهُمَا يموتان بِأَكْل الطَّعَام المسموم وَكَذَلِكَ إِذا شما رَائِحَته
стр. 409
أَيْضا وَمِنْهَا الطاووس فَإِنَّهُ إِذا رأى الطَّعَام المسموم تشوف إِلَيْهِ وطفق يَأْكُلهُ ويهواه وَمِنْهَا طَائِر من طيور المَاء أَحْمَر الْعَينَيْنِ يُقَال لَهُ حسون فَإِنَّهُ إِذا نظر إِلَى الطَّعَام المسموم أَو شم رَائِحَته ذهب حمرَة عَيْنَيْهِ وَمِنْهَا طَائِر من طيور المَاء أَيْضا يُقَال لَهُ حوصل فَإِنَّهُ إِذا رأى الطَّعَام المسموم خر إِلَى الأَرْض مغشيا عَلَيْهِ
والذباب إِذا سقط على الطَّعَام المسموم مَاتَ من سَاعَته وَأما
стр. 410
الدَّوَابّ الْمعدة لذَلِك فَمِنْهَا السنور فَإِنَّهُ إِذا أكل من الطَّعَام المسموم أَو شم رَائِحَته نفر من مَوْضِعه وَلم يسْتَقرّ فِيهِ وَمِنْهَا القرد فَإِنَّهُ إِذا قدم إِلَيْهِ الطَّعَام المسموم أَيْضا لم يَتَمَالَك حَتَّى يهرب مِنْهُ ويصعد فِي الْأَشْجَار والحيطان فَهَذَا كُله يسْتَدلّ بِهِ على الطَّعَام المسموم فَيَنْبَغِي للخادم الْمُقدم للطعام أَن يمْتَحن بالنَّار ويعرضه على الطير وَالدَّوَاب الَّتِي ذَكرنَاهَا قبل إِحْضَاره بَين يَدي الْملك وَإِذا كَانَ الطباخ بَصيرًا حاذقا عرف السم إِذا طرح فِي الْقدر بالأمارات الدَّالَّة عَلَيْهِ فَإِن قدر الْأرز إِذا وضع فِيهَا السم أَبْطَأَ نضجها وَإِذا أنزل عَن النَّار انْعَقَد فِيهَا سَرِيعا
стр. 411
وصلب حبها ويفور من الْقدر بخار كلون عنق الطاووس وقدور المرق إِذا وضع فِيهَا السم فَإِن تلبث إِلَّا قَلِيلا حَتَّى ينشف المرقة مِنْهَا وَيبقى اللَّحْم يَابسا لَا مرقة عَلَيْهِ وَمهما بَقِي مِنْهُ تغير لَونه وكدر
وَأما دَلِيل معرفَة الشَّرَاب المسموم فَإِن كل شراب حُلْو إِذا طرح فِيهِ السم يظْهر فِيهِ خطّ مستطيل كلون النّحاس وَيظْهر فِي المخيض خطوط من الخضرة والصفرة والسمرة وَيظْهر فِي مَاء الْعَسَل خطّ كلون شُعَاع الشَّمْس وَيظْهر فِي المَاء والنبيذ خطّ أسود
وَأما معرفَة الفواكة المسمومة فَإِن الَّذِي لم يدْرك مِنْهَا يظْهر للعين كَأَنَّهَا مدركة وَالَّتِي قد أدْركْت مِنْهَا تظهر كَأَنَّهَا لم تدْرك لتغيرها وانقباضها وكل رطب مِنْهَا ترَاهُ كَأَنَّهُ منهري وكل يَابِس ترَاهُ منقبضا متسيسا
стр. 412
وَجَمِيع الْفَاكِهَة يذهب صفاء لَوْنهَا ويعلوها غبرة وكدرة
واللين مِنْهَا يصلب والصلب مِنْهَا يلين
وَاعْلَم أَن من وضع السم فِي بعض هَذِه الْأَشْيَاء أَو صنع مكيدة من مَكَائِد الْأَعْدَاء من النسوان والغلمان والخدام وَغَيرهم لَا بُد أَن يظْهر عَلَيْهِ من الرِّيبَة أَمَارَات لَا يخفى بهَا عَن الفطن اللبيب فَيَنْبَغِي للْملك أَن يتصفح وُجُوه خدمه وغلمانه وجواريه ونسائه فِي كل وَقت فَإِن الْمُرِيب لَا يملك نَفسه أَن يصفر لَونه أَو يخضر أَو يبتلع رِيقه أَو يخْفق فُؤَاده أَو يعَض على شفته السُّفْلى أَو يُدِير عَلَيْهَا لِسَانه أَو يكثر تلفته وترعد فرائصه أَو يعثر فِي مشيته أَو يكثر تثاؤبه ويعرق جَبينه أَو يفتل هدب ثِيَابه وَيبْعَث بهَا أَو ينكش الأَرْض بأبهام رجله أَو يَنْقَطِع عَمَّا يُرِيد أَن يتَكَلَّم بِهِ أَو يكثر الْقيام من الَّذِي بِعِلْمِهِ مثله وَلم يتمه بِغَيْر عذر فَجَمِيع هَذِه أَمَارَات تدل على الرِّيبَة فليراعها الْملك من مُتَوَلِّي
стр. 413
طَعَامه وَشَرَابه ومتولي خزانَة ثِيَابه وفراشه وسورج دوابه وَغَيرهم من خدم دَاره وَأما الاحوال الَّتِي يترصدها أهل المكائد فِي الْغَالِب فَمِنْهَا الْمَوَاضِع الضيقة والطرقات المجهولة فَلَا يَنْبَغِي أَن يسلكها حَتَّى يكون أَمَامه دَلِيل خَبِير بذلك الْموضع ويتقدمه فِي حَال سلوكه جمَاعَة من أعوانه وَمِنْهَا ازدحام الموكب عَلَيْهِ فِي الْمَوَاضِع الضيقة أَو فِي الأعياد والمحافل فَلَا يَأْمَن أَن يلج بَين خواصه من يُرِيد بِهِ شرا وَمِنْهَا الإمعاء فِي طلب الصَّيْد والانفراد فِيهِ عَن الْخَاصَّة وثقات الأعوان فَلَا يَأْمَن أَن يدس عَلَيْهِ أهل الْعَدَاوَة من يُوقع بِهِ الْفِعْل أَو يكمن لَهُ الاعداء على الْخُيُول السريعة فِي الْمَوَاضِع الوعرة أَو يعرض لَهُ أحد السبَاع الضارية عِنْد انْفِرَاده
وَمِنْهَا الْوُرُود إِلَى الْأَنْهَار فَإِن اغتيال الْمَرْء صَاحبه فِي المَاء الْجَارِي من أيسر الْحِيَل وأسهلها على المغتال لِأَن المَاء معِين لَهُ على هربه لَا سِيمَا إِذا كَانَ رجال الْملك من وَرَاء ظَهره فَيَنْبَغِي أَن لَا يردهَا حَتَّى يتقدمه من أعوانه من يختبر شطوطها ومشارعها وَمِنْهَا حَالَة شدَّة الْمَطَر وَحَال شدَّة الْحر وَحَال ظلام اللَّيْل لِأَن فِي هَذِه الْأَحْوَال تقل الْحفظَة ويشتغل كل وَاحِد مِنْهُم بمصلحة نَفسه وَمِنْهَا حَال سروره ولهوه وطربه فِي
стр. 414
مَجْلِسه وسكره من شرابه فَإِن الْحفظَة أَيْضا يسكرون أَو ينامون فيتمكن مِنْهُ المغتال وَمِنْهَا الثِّقَة إِلَى النسوان والركون إلَيْهِنَّ فَإِن مكر النِّسَاء وحيلهن أَكثر من أَن تسطر مَعَ ضعفهن ونقصان عقولهن فَلَا يَأْمَن مكرهن وغيرتهن وجرأتهن فقد يقدمن من الْأَهْوَال على مَا يكنع مِنْهُ الرِّجَال فليراعي الْملك جَمِيع مَا ذَكرْنَاهُ وَمَا يخْطر بِبَالِهِ من أشباه ذَلِك أَو أَمْثَاله مَعَ تَسْلِيمه لأمر الله سُبْحَانَهُ وقضائه وَقدره
стр. 415
الْبَاب الرَّابِع عشر فِيمَا يَنْبَغِي للْملك من سياسة الْجَيْش وتدبير الْجنُود
إِذا فصل الْملك بجُنُوده مُتَوَجها إِلَى أعدائه فَيَنْبَغِي لَهُ ان يضع فِي تدبيرهم وسياسة أُمُورهم سَبْعَة عشر حَقًا ليتم بذلك مصلحتهم
стр. 416
وينتظم بِهِ الْفَهم
أَحدهَا استعراضهم قبل السّير بهم فيتفقد خيلهم الَّتِي يجاهدون عَلَيْهَا فَلَا يدْخل عَلَيْهِم كَبِيرا وَلَا كسيرا وَلَا صَغِيرا وَلَا حطيما كسيرا لِأَن ذَلِك كُله وَهنا فِي الْمُجَاهدين وَإِنَّمَا يستعد للأعداء الْقُوَّة وَمَا يظْهر بِهِ الهيبه والرهبة قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَأَعدُّوا لَهُم﴾
стр. 417
﴿مَا اسْتَطَعْتُم من قُوَّة وَمن رِبَاط الْخَيل ترهبون بِهِ عَدو الله وَعَدُوكُمْ﴾
وَقَالَ رَسُول الله ص = أرتبطوا الْخَيل فَإِن ظُهُورهَا لكم عز
стр. 418
وبطونها لكم كنز ويتفقد جَمِيع أسلحتهم وَسَائِر آلاتهم وأمتعتهم ويامرهم باتخاذ قويها واستبدال ضعيفها
الثَّانِي أَن يرفق بهم فِي السّير الَّذِي يقدر عَلَيْهِ ضعيفهم ويحفظ بِهِ قُوَّة قويهم وَلَا يجد السّير فَيهْلك الضَّعِيف ويستفرغ قُوَّة الْقوي قَالَ رَسُول الله ص = إِن هَذَا الدّين متين فأوغلوا فِيهِ بِرِفْق فَإِن المنبت لَا أَرضًا قطع وَلَا ظهرا أبقى
стр. 419
الثَّالِث أَن يُرَاعِي من مَعَه من الْمُقَاتلَة وهم صنفان مسترزقه ومتطوعة أما المسترزقة فهم أَصْحَاب الدِّيوَان فيفرض لَهُم من الْعَطاء من بَيت المَال من الْفَيْء بِحَسب الْغَنِيّ والكفاية وَأما المتطوعة فهم الخارجون عَن الدِّيوَان الَّذين خَرجُوا فِي النفير فيعطوا من بَيت المَال من
стр. 420
الصَّدقَات دون الْفَيْء من سهم رَسُول الله ص = الْمَذْكُور فِي آيَة الصَّدقَات
الرَّابِع أَن يعرف عَلَيْهِم العرفاء وينقلب عَلَيْهِم النُّقَبَاء فَيكون عَارِفًا بِجَمِيعِ أَحْوَالهم من عرفائهم ونقبائهم وَقد فعل ذَلِك رَسُول الله ص =
стр. 421
الْخَامِس أَن يَجْعَل لكل قَائِد من قواده شعارا يتَمَيَّز بِهِ أَصْحَابه ليصيروا بِهِ عَن غَيرهم متميزين وبالاجتماع فِيهِ متظافرين
стр. 422
السَّادِس أَن يتصفح الْجَيْش عِنْد مسيره فَيخرج مِنْهُم من كَانَ بِهِ تخذيل للمجاهدين وإرجاف بِالْمُسْلِمين وَكَانَ عينا للْمُشْرِكين فقد فعل ذَلِك رَسُول الله ص = ورد عبد الله بن أبي بن سلول الْمُنَافِق فِي بعض غَزَوَاته لتخذيله الْمُسلمين
стр. 423
السَّابِع أَن يتَعَرَّض عِنْد اللِّقَاء لمن خَالفه فِي العقيدة وَالْمذهب أَو لمن عَلَيْهِ أَمَارَات الْبغضَاء أَو لمن أَسَاءَ أدبه على الْملك أَو قصر فِي خدمته لِأَن
стр. 424
التَّعَرُّض لهَؤُلَاء فِي مثل هَذَا الْوَقْت يُفْضِي إِلَى افْتِرَاق الْكَلِمَة وَحُصُول الفشل قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَلَا تنازعوا فتفشلوا وَتذهب ريحكم﴾ يَعْنِي دولتكم وَقيل مَعْنَاهُ قوتكم
стр. 425
الثَّامِن حراسة الْجَيْش من غرَّة يظفر بهَا الْعَدو فَيَنْبَغِي أَن ينتقي المكامن ويحفظها عَلَيْهِم ويحوط سوادهم بحرس يأمنون بِهِ على أنفسهم واموالهم وليسكنوا فِي وَقت الدعة ويأمنوا من وَرَاءَهُمْ فِي وَقت الْمُحَاربَة
следующие страницы →