← Сияса и кади

Сияса и кади · id 7236

بدائع السلك في طبائع الملك

ابن الأزرق

Полный текст (992 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وَأم سَلمَة وثوبان وقرة ابْن ياس وعَلى الْهِلَالِي وَعبد الله بن الْحَارِث بن جد

стр. 107

الْحَاتِمِي فِي كتاب عنقاء مغرب وَابْن سبعين ابْن قسي الطَّرِيقَة الثَّانِيَة للصوفية الْمُتَأَخِّرين وهم الَّذين أَحْدَثُوا الْكَلَام فِي الْكَشْف وَفِيمَا وَرَاء الْحجاب الْحسي وطهر مِنْهُم القَوْل بالحلول والوحدة مُشَاركَة للأمامية من الرافضة فِي القَوْل بالأئمة وحلول الاله فيهم وَالْقَوْل بالقطب والإبدال محاكاة لمَذْهَب الرافضة فِي الإِمَام والنقباء فانخرطوا بذلك فِي الشِّيعَة وتوغلوا فِي الدّيانَة بمذاهبهم فامتلأت كتب الْفَرِيقَيْنِ مِنْهُم بالْكلَام فِي الفاطمي المنتظر كَانَ بَعضهم يميله على بعض ويلتقفه مِنْهُ وَرُبمَا يسْتَند بَعضهم فِي ذَلِك إِلَى كَلَام المنجمين فِي القرانات وَهُوَ نوع من الْكَلَام فِي الْمَلَاحِم تَعْرِيف أَكثر من تكلم من هَؤُلَاءِ المتصرفة فِي شَأْن الفاطمي ابْن الْعَرَبِيّ

стр. 108

فِي كتاب خلع النَّعْلَيْنِ وَابْن أبي وَاصل فِي شَرحه إِيَّاه وَأكْثر كلماتهم فِي شانه ألغاز وأمثال وَرُبمَا صَرَّحُوا فِي الْأَقَل بذلك تَحْصِيل حَاصِل حِكَايَة مَذْهَبهم انه رَاجع لتقرير أُمُور أَحدهَا حِكْمَة ظُهُوره قَالُوا النُّبُوَّة وَمَا بعْدهَا فِي الْوُجُود ثَلَاث مَرَاتِب النُّبُوَّة ثمَّ الْخلَافَة ثمَّ الْملك وعَلى تِلْكَ النِّسْبَة لرجوع الْأُمُور إِلَى مَا كَانَت علية كَمَا هُوَ الْمَعْهُود من سنة الله زَعَمُوا أَن يكون الشَّأْن فِي الفاطمي أَحيَاء النبوءة بِهِ ثمَّ خلَافَة أمره بعده ثمَّ الدجل وَهُوَ الْبَاطِل المكني عَنهُ بالدجال زَعَمُوا ثمَّ يعود الْكفْر كَمَا كَانَ قبل النبوءة الثَّانِي تعْيين نسبه قَالُوا لما كَانَت الْخلَافَة لقريش بالحكم الشَّرْعِيّ وَجب أَن تكون الْإِمَامَة فِيمَن هُوَ أخص من قُرَيْش بِالنَّبِيِّ ﷺ وهم آله الأقربون الثَّالِث دَرَجَته فِي مقَام الْولَايَة قَالُوا وَهُوَ خَاتم الْأَوْلِيَاء المكنى عَنهُ بلبنة الْفضة كَمَا أَن النَّبِي ﷺ لبنة الذَّهَب إِشَارَة إِلَى أَن كَمَال الْولَايَة لَهُ ككمال النبوءة بِالنَّبِيِّ ﷺ حَيْثُ أَشَارَ إِلَى ذَلِك بقوله ﷺ مثلي

стр. 109

فِيمَن قبلي من الْأَنْبِيَاء كَمثل رجل ابتنى بَيْتا وأكمله حَتَّى إِذا لم يبْق مِنْهُ إِلَّا مَوضِع لبنة فانا تِلْكَ اللبنه خرجه البُخَارِيّ فِي بَاب خَاتم النَّبِيين وَحِينَئِذٍ فَهُوَ خَاتم الْأَوْلِيَاء كَمَا أَن النَّبِي ﷺ خَاتم الْأَنْبِيَاء الرَّابِع وَقت ظُهُوره قَالَ ابْن الْعَرَبِيّ مِنْهُم من قَالَ فِي سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ وسِتمِائَة وَقَالَ ابْن أبي وَاصل لم تزل الْبُشْرَى تتَابع بِهِ من أول الْيَوْم المحمدي وَهُوَ عِنْدهم ألف سنة من يَوْم وَفَاته ﷺ إِلَى قبيل الْخَمْسمِائَةِ نصف الْيَوْم وتضاعفت تباشير الْمَشَايِخ بِقرب وقته وازدلاف زَمَانه مُنْذُ انْقَضتْ إِلَى الْآن غلى غير هَذَا من الْأَوْقَات الَّتِي تَنْقَضِي وَلَا اثر لشَيْء من ذَلِك وَإِذ ذَاك يرجعُونَ إِلَى تَجْدِيد رَأْي آخر منتحل من أُمُور لَا تقوم على سَاق بِهَذَا انْقَضتْ أَعمار الآخر مِنْهُم وَالْأول الْخَامِس تعْيين مَا يفتح من الأَرْض قَالَ يفتح جَزِيرَة الأندلس ويصل إِلَى رومة فيفتحها وَيفتح قسطنطينية ويسير إِلَى الشرق فيفتحه وَيصير لَهُ ملك الأَرْض فيتقوى الْمُسلمُونَ ويعلوا الْإِسْلَام وَيظْهر دين الحنيفة السَّادِس مُدَّة بَقَائِهِ قَالُوا أَرْبَعُونَ سنة وَسَبْعُونَ لَهُ ولخلفائه من بعده وَمِائَة وَتِسْعَة وَخَمْسُونَ أَرْبَعُونَ سنة وَسَبْعُونَ خلَافَة وَعدل وَالْبَاقِي ملك وسلطان تَعْرِيف قَالَ ابْن خلدون وَأما المتصوفة الَّذين عاصرناهم فأكثرهم يُشِير إِلَى ظُهُور رجل مُجَدد لأحكام الْملَّة ومراسم الْحق ويتحينون ظُهُوره مِمَّا قرب من عصرنا فبعضهم يَقُول من ذُرِّيَّة فَاطِمَة وَبَعْضهمْ يُطلق القَوْل فِيهِ سمعناه من جمَاعَة أكبرهم أَبُو يَعْقُوب البادسي كَبِير الْأَوْلِيَاء بالمغرب كَانَ فِي أول هَذِه الْمِائَة الثَّامِنَة

стр. 110

قَالَ اخبرني بذلك عَنهُ حفيده أَبُو زَكَرِيَّا يحيى عَن أَبِيه أبي مُحَمَّد عبد الله عَن أَبِيه الْوَلِيّ أبي يَعْقُوب الْمَذْكُور قلت وَهَذِه سنة اثْنَيْنِ وَثَمَانِينَ من الْمِائَة التَّاسِعَة وَلم يظْهر من ذَلِك خبر وَلَا أثر وَالله بِكُل شَيْء عليم الْمقَام الثَّالِث جَوَاب مَا تمسك بِهِ الْفَرِيقَانِ فَأَما متمسك أُولَئِكَ الصُّوفِيَّة فعينه فراره قلت وَقد كَانَ لمغتر بهم أَن يَقُول الْقَوْم إِنَّمَا ذكرُوا ذَلِك من حَيْثُ الْكَشْف وَلَا برهَان عَلَيْهِ لغير أَهله إِلَّا أَن عدم وُقُوع مَا عينوا من وَقت ظُهُوره يُنَادي عَلَيْهِ بالخزي والفضيحة وَهُوَ من أوضح دَلِيل على أَن مَا خَاضُوا فِيهِ من ذَلِك مَبْنِيّ على مُجَرّد الدَّعْوَى المسلوك بهَا فِي هَذَا الْمقَام مَسْلَك الإمامية من الشِّيعَة وان سلم لَهُم كشف فعلى غير السلوك المتين كَمَا قَرَّرَهُ الْمُحَقِّقُونَ وَأما متمسك الْقَائِلين بِهِ بِمَا خرج الْأَئِمَّة فِي شانه فَقَالَ ابْن خلدون أَن الْمُنكر ين تعرضوا لَهَا بالطعن فِي رجال أسانيدها قَالَ الْمَعْرُوف عِنْد أهل الحَدِيث أَن الْجرْح مقدم على التَّعْدِيل وَقد تنزل لكل وَاحِد من تِلْكَ الْأَحَادِيث الَّتِي نقلهَا مِمَّا لائمة الحَدِيث فِيهَا من الْكَلَام قَائِلا بعد ذَلِك هَذِه جملَة الْأَحَادِيث الَّتِي خرجها الْأَئِمَّة فِي شَأْن الْمهْدي

стр. 111

وَخُرُوجه آخر الزَّمَان وَهِي كَمَا رَأَيْت وَهِي كَمَا رَأَيْت وَلم يخلص مِنْهَا على النَّقْض إِلَّا الْقَلِيل أَو الْأَقَل مِنْهُ قلت الَّذِي جزم بِهِ الذَّهَبِيّ صِحَة مَا دلّت عَلَيْهِ تِلْكَ الْأَحَادِيث لبلوغها عَن التَّوَاتُر الَّذِي لاشك فِيهِ وَالله أعلم الْمقَام الرَّابِع كشف الغطي على الْمُعْتَمد فِي ذَلِك قَالَ فِي تَقْرِيره وَالْحق الَّذِي يَنْبَغِي أَن يَتَقَرَّر لديك أَنه لَا تتمّ دَعْوَة دين أَو ملك إِلَّا بعصبية تظهره وتدافع عَنهُ حَتَّى يتم أَمر الله فِيهِ لما قَررنَا من الْبَرَاهِين القطعية وعصبية الفاطمين والطالبيين وقريش أجمع قد تلاشت من جَمِيع الْآفَاق وَوجدت عصبية أُخْرَى واستقلت عصبيهم أَلا مَا بَقِي بالحجاز فِي مَكَّة والينبوع وَالْمَدينَة من الطالبيين من بني حسن وحسين وَبني جَعْفَر فَلهم فِي تِلْكَ الْبِلَاد ظُهُور وَغلب على أَهلهَا وهم عصائب بدوية مفترقون فِي المواطن والإمارة وَالرَّاء يبلغون الآلاف كَثْرَة فان صَحَّ ظُهُور هَذَا الْمهْدي فَلَا وَجه لذَلِك إِلَّا بِأَن يكون مِنْهُم ويؤلف الله بَين قُلُوبهم فِي اتِّبَاعه حَتَّى تتمّ لَهُ شَوْكَة وعصبية وافية بِإِظْهَار كلمنه وَيحمل النَّاس عَلَيْهَا وَأما آفَاق الأَرْض من غير هَذَا الْوَجْه كَأَن يَدْعُو النَّاس فاطمي مِنْهُم إِلَى مثل ذَلِك الْأَمر فِي أفق من آفَاق الأَرْض من غير عصبية وَلَا شَوْكَة إِلَّا بِمُجَرَّد نِسْبَة فِي أهل الْبَيْت فَلَا يتم ذَلِك وَلَا يُمكن بِمَا تقرر من الْبَرَاهِين الصَّحِيحَة انْتهى مُلَخصا قلت ولابد فِي هَذِه العصبية كَيْفَمَا تصورت لَهُ أَن صَحَّ أمره كَمَا ذكر من

стр. 112

مزِيد قوتها بالتأكيد الإلهي كَمَا سلف ذكره لَا سِيمَا وَالدَّعْوَى بهَا الْعَظِيمَة وزمان وجودهَا مبدأ ظُهُور الخوارق الَّتِي هِيَ مشوبة بِظُهُور السَّاعَة وَالله أعلم بحقائق الْأُمُور الْمقَام الْخَامِس تحذير المنقلب فِي الْأُمُور عَن الإصغاء للمبتدعة والعامة والأغمار من الدهماء مِمَّن لَا برجع فِي ذَلِك إِلَى عقل يهديه ملا علم يبصره فَإِنَّهُم يتحينون ذَلِك على غير نِسْبَة وَفِي غير مَكَان تقليدا لما اشْتهر من ظُهُور رجل فاطمي وَلَا يعلمُونَ حَقِيقَة الْأَمر فِيهِ قَالَ وَأكْثر مَا يتحينونه فِي قاصية الممالك وأطراف الْعمرَان لبعدها من الدول ومنال أَحْكَامهَا كالزاب من إفريقيا والسوس من الْمغرب وتجد الْكثير من ضعفاء البصائر يقصدون رِبَاطًا لماسة من أَرض السوس يرصدون هُنَاكَ لِقَائِه زعما مِنْهُم أَنه يظْهر بذلك الرِّبَاط ويبايع فِيهِ قَالَ وَلَقَد يقْصد ذَلِك الْموقع كثير من ضعفاء الْعُقُول للتلبيس بدعوة تمنية النَّفس تَمامهَا وسواسا وحمقا وَقتل كثير مِنْهُم قلت وَذكر من ذَلِك بِاعْتِبَار من نجا مِنْهُم بِنَفسِهِ حكايتين الْحِكَايَة الأولى قَالَ أَخْبرنِي شَيخنَا مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم الابلى يَعْنِي الإِمَام الْعَلامَة رَحمَه الله تَعَالَى قَالَ خرج برباط ماسة لأوّل الْمِائَة الثَّامِنَة عمر السُّلْطَان يُوسُف بن يَعْقُوب رجل من منتحلي التصوف يعرف التويزيري

стр. 113

نِسْبَة إِلَى تويزر مصغرة وَادّعى أَنه الفاطمي المنتظر وَتَبعهُ كثير من أهل السوس وَعظم أمره وَكَانَ يستفحل وخافه المصامدة على أَمرهم فَدس عَلَيْهِ السكسوي من قَتله بياتا وانحل أمره الْحِكَايَة الثَّانِيَة قَالَ وَأخْبرنَا شَيخنَا الْمَذْكُور بغريبة فِي مثل هَذَا وَهُوَ أَنه صحب فِي حجه من رِبَاط الْعباد مدفن الشَّيْخ أبي مَدين فِي جبل تلمسان المطل عَلَيْهَا رجلا من أهل الْبَيْت من سكان كربلاء كَانَ متبوعا مُعظما كثير التلميذ وَالْخَادِم قَالَ وَكَانَ الرجل من موطنه يتلقونه بالنفقات فِي أَكثر الْبلدَانِ قَالَ وتأكدت الصُّحْبَة بَيْننَا فِي تِلْكَ الطَّرِيق وتكشفت لي حَقِيقَة أَمرهم وَأَنَّهُمْ إِنَّمَا جَاءُوا من موطنهم لطلب هَذَا الْأَمر وانتحال دَعْوَة الفاطمي بالمغرب فَلَمَّا عاين دولة بني مرين ويوسف بن يَعْقُوب يَوْمئِذٍ نَازل بتلمسان قَالَ لأَصْحَابه ارْجعُوا فقد أزرى بِنَا الْغَلَط وَلَيْسَ هَذَا الْوَقْت وقتنا دلَالَة قَالَ ابْن خلدون وَيدل هَذَا القَوْل من هَذَا الرجل على أَنه مستبصر فِي أَن الْأَمر لَا يتم إِلَّا بالعصبية المكافئة لأهل الْوَقْت فَلَمَّا أَنه غَرِيب فِي ذَلِك الوطن وَلَا شَوْكَة لَهُ وَأَن عصبية بني مرين لذَلِك الْعَهْد لَا يقاومها أحد من أهل الْمغرب استكان وأقصر عَن مطامعه قَالَ وَبَقِي عَلَيْهِ أَن يستيقن أَن عصبية الفواطم وقريش أجمع قد ذهبت

стр. 114

لاسيما فِي الْمغرب إِلَّا أَن التعصب لشأنه لم يتْركهُ لهَذَا القَوْل وَالله يعلم وَأَنْتُم لَا تعلمُونَ الْمَسْأَلَة الْعشْرُونَ إِن من متمات النّظر فِي هَذَا الْكتاب الْبَحْث عَن حدثان الدول وَعَن مُسَمّى الجفر والملاحم قلت وتلخيص مَا لِابْنِ خلدون فِي ذَلِك مجموعا من كَلَام يظْهر بِفَرْض مبَاحث الْبَحْث الأول فِي تَوْطِئَة مَا هُوَ كمقدمة الْمَقْصُود من ذَلِك وَهُوَ أُمُور أَحدهمَا أَن من خَواص النُّفُوس البشرية التشوف إِلَى مَا سيحدث لَهُم فِي عواقب أُمُورهم من حَيَاة أَو موت أَو خير أَو شَرّ لاسيما الْحَوَادِث الْعَامَّة كمعرفة الدول وَمَا بَقِي من الدُّنْيَا وَلذَلِك يُوجد فِي المدن صنف من النَّاس ينتحلون المعاش من ذَلِك وَهُوَ من الْمُنْكَرَات الفاشية فِي الْأَمْصَار لما علم من ذمَّة شرعا وَأَنه لَا يعلم الْغَيْب إِلَّا الله أَو من اطلع عَلَيْهِ بنبوة أَو ولَايَة الثَّانِي إِن أَكثر من يعتني بذلك يتطلع إِلَيْهِ الْمُلُوك والأمراء استكشافا لآماد الدول لمن يصير أمرهَا وَلذَلِك انصرفت إِلَيْهَا عناية المشتغلين بِهِ من الْعلمَاء الثَّالِث إِن كل أمة يُوجد لَهُم الْكَلَام فِي ذَلِك مُطلقًا كعلم الكوائن الْمُسْتَقْبلَة خُصُوصا مَا يعم الجيل مِنْهَا كانقلاب الْملك وَوُقُوع الحروب والملاحم مَعَ الْأُمَم وَذَلِكَ من نَاحيَة مَا يُوجد من كَاهِن وعراف ومنجم وَغير ذَلِك كشق وسطيح فِي الْعَرَب ومُوسَى بن صَالح من بني

стр. 115

مرين يفرح وَيُقَال من بني عمْرَة فِي البربر الْبَحْث الثَّانِي فِي مُسْتَند الركون إِلَى ذَلِك فِي الدولة الإسلامية وَهُوَ فِي الْأَكْثَر أَمْرَانِ أَحدهمَا وَهُوَ خَاص بصدرها مَا يتناقل فِي ذَلِك من آثَار عَن الصَّحَابَة وخصوصا من عاصرهم من مسلمة بني إِسْرَائِيل ككعب الْأَحْبَار ووهب بن مُنَبّه وَوَقع لجَعْفَر الصَّادِق وَأَمْثَاله من أهل الْبَيْت كثير من ذَلِك ومستندهم فِيهِ وَالله أعلم الْكَشْف لما كَانُوا عَلَيْهِ من الْولَايَة الثَّانِي وَهُوَ حَادث بعد ذهَاب صدرها وَحين عكف النَّاس الْعُلُوم التَّرْجَمَة من كَلَام الْحُكَمَاء مَا نقل عَن ذَلِك عَن المنجمين فِي الْأَكْثَر ككلامهم فِي

стр. 116

الْملك والدول وَسَائِر الْعُلُوم الْعَامَّة والخاصة الْبَحْث الثَّالِث فِي مُسَمّى الجفر فِي ذَلِك الْمُسْتَند والجفر لُغَة الْجلد الصَّغِير وأصل تَسْمِيَة الْحدثَان بِهِ أَن هَارُون بن سعد الْعجلِيّ رَأس الزبيدية كَانَ لَهُ كتاب يرويهِ عَن جَعْفَر الصَّادِق فِيهِ علم مَا سيقع لأهل الْبَيْت عُمُوما ولبعض مِنْهُم خُصُوصا كَانَ مَكْتُوبًا عِنْده فِي جلد ثَوْر صَغِير مِمَّا يَقع لَهُ ولنظرائه من رجالاتهم كشفا وكرامة فَكَتبهُ هَارُون وَسَماهُ الجفر باسم الْجلد الَّذِي كتب مِنْهُ فَصَارَ علما عَلَيْهِ وَكَانَ فِيهِ من تَفْسِير بَاطِن الْقُرْآن غرائب وَهُوَ كتاب لم تتصل رِوَايَته وَلَا عرف عَيْنَيْهِ وَإِنَّمَا يظْهر مِنْهُ شواذ من الْكَلِمَات لَا يصحبها دَلِيل وَلَو صَحَّ سَنَده إِلَى جَعْفَر لَكَانَ فِيهِ نعم الْمُسْتَند مِنْهُ أَو من رجال قومه ﵃ تَعْرِيف وَقع بالمغرب جُزْء يُسمى بالجفر الصَّغِير وَالظَّاهِر وَضعه لبني عبد الْمُؤمن لذكر أَوَائِل مُلُوكهمْ على التَّفْصِيل ومطالبة مَا تقدم من ذَلِك لحدثانه وَكذب مَا بعده وهم مَنْسُوب إِلَى كتاب وَضعه الْكِنْدِيّ المنجم فِي القرانات الكائنة فِي الْملَّة سَمَّاهُ بالجفر اتبَاعا للشيعة فِي ذَلِك قَالَ ابْن خلدون وَلم نقف على شَيْء من خبر هَذَا الْكتاب وَلَا رَأينَا من

стр. 117

وقف عَلَيْهِ وَلَعَلَّه غرق فِي كتبهمْ الَّتِي طرحها ملك التتر فِي دجلة عِنْد استيلاءهم على بَغْدَاد وَقتل المستعصم آخر الْخُلَفَاء الْبَحْث الرَّابِع فِي معنى الْمَلَاحِم من جملَة ذَلِك وَهُوَ مَا كتب مِنْهُ بعد الْمُسَمّى بالجفر فِي حدثان الدول نظما ونثرا عُمُوما فِيهَا وخصوصا وَمَعَ نسبتها إِلَى مشاهير من الْخَلِيفَة فَلَيْسَ مِنْهَا مَا تصح فِيهِ الرِّوَايَة عَن وَاضعه قلت يُرِيد فِي الْأَكْثَر قَالَ وبأيدي النَّاس مِنْهَا كثير كقصيدة ابْن مرانة وملعبة الْيَهُودِيّ الْمَقْتُول بفاس كَمَا أخبر فِيمَا زَعَمُوا أَو ملعبة الهوشني وَذكر غير ذَلِك مِمَّا حكم على أَكْثَره بِالْوَضْعِ وَالْكذب قلت وَرُبمَا صدق بَعْضهَا استنادا لمدرك صَحِيح وَإِن تردد فِي تَعْيِينه كَمَا حكى الْمَازرِيّ فِي تَعْلِيقه على أَحَادِيث الجوزقي عَن عبد

стр. 118

الْكَافِي بن سُلَيْمَان قَالَ كُنَّا عِنْد ابْن مُحرز حِين وصل الْخَبَر بِكَسْر الْمعز وَأخذ أمه وأخيه فَقَامَ عَنَّا فِي الْحَال وَأخرج ملحمة فِيهَا جَمِيع مَا جرى هَذِه الْقَضِيَّة فعجبنا من ذَلِك ثمَّ ذكر انه سَأَلَ عَن ذَلِك الشَّيْخ أَبَا عمرَان فَأجَاب بِمَا يُقَال فِي ذَلِك وَمِنْه التنجيم قَالَ الْمَازرِيّ وَهُوَ أقرب قلت وَفِيه نظر لما يرد إنْشَاء الله الْبَحْث الْخَامِس فِيمَا يجب اعْتِقَاده فِي هَذَا الْبَاب قَالَ فِي مَوضِع آخر وَالتَّحْقِيق الَّذِي يَنْبَغِي أَن يكون نصب فكرك أَن الغيوب لَا تدْرك بصناعة الْبَتَّةَ وَلَا سَبِيل إِلَى تعرفها إِلَّا للخواص من الْبشر المفطورين على النُّزُوع عَن عَالم الْحس إِلَى عَالم الرّوح وَقَررهُ بِمَا يُشَاهد من وجود أشخاص يخبرون بالكائنات قبل وُقُوعهَا بِمُقْتَضى الْفطْرَة الَّتِي فطروا عَلَيْهَا العارفين والناظرين فِي الْأَجْسَام الشفافة كالمرايا وطاس المَاء وَأهل الطّرق بالحصى والحبوب والمجانين والنائم وَالْمَيِّت لأوّل نَومه أَو مَوته وَأهل الرياضة من الصُّوفِيَّة على طَرِيق الْكَرَامَة قلت وتلخيص مَا برهن بِهِ على ذَلِك يخرج عَن الْمَقْصُود تَنْبِيه مَا يدل على أَن أَكثر الْحدثَان مَمْنُوعَة مَا حكى فِي أَخْبَار

стр. 119

بَغْدَاد أَنه كَانَ بهَا أَيَّام المقتدر وراق ذكي يدعى بالدانيالي يبل الأوراق وَيكْتب فِيهَا بِخَط عَتيق ويرمز فِيهِ بحروف من أَسمَاء أهل الدولة وَيُشِير بهَا إِلَى مَا يعرف ميلهم إِلَيْهِ من أَحْوَال الرّفْعَة والجاه كَأَنَّهَا ملاحم وَيحصل بذلك على مُرَاده مِنْهُم وَأَنه وضع فِي بعض دفاتيره صُورَة مِيم مكررة ثَلَاث مَرَّات وَجَاء بِهِ إِلَى مُفْلِح مولى المقتدر وَكَانَ عَظِيما فِي الدولة فَقَالَ لَهُ هَذَا كِنَايَة عَنْك وَهُوَ مُفْلِح مولى المقتدر مِيم من كل وَاحِدَة وَذكر عِنْدهَا مَا يعلم فِيهِ رِضَاهُ مِمَّا يَنَالهُ من الْملك وَالسُّلْطَان وَنصب لَهُ عَلَامَات لذَلِك من أَحْوَاله المتعارفة موه بهَا عَلَيْهِ فبذل لَهُ مَا أغناه بِهِ وانْتهى الْمَقْصُود مِنْهُ قلت وَلَا أدل على ذَلِك من ظُهُور كذب كثير مِمَّا يحتوي عَلَيْهِ عيَانًا ﴿وَالله يهدي من يَشَاء إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم﴾ تَقْرِير وَاجِب على الْمُوفق فِي هَذَا الْمقَام ثَلَاث وظائف قررها الْأُسْتَاذ أَبُو سعيد فِي بعض تقاييده حَسْبَمَا وجدت بِخَط الشَّيْخ أبي اسحق الشاطبي رحمهمَا الله فلنذكرها ملخصاي من كَلَامه الْوَظِيفَة الأولى أَن لَا يتعاطى شَيْئا من علم الْغَيْب وَلَا يصف بِهِ نَفسه فقد كَانَ ﷺ لَا يصف بِهِ نَفسه وَيَردهُ على من وَصفه بِهِ كَقَوْلِه ﷺ لمن سَمعه يَقُول إِنَّه يعلم مَا غَد لَا يعلم مَا فِي

стр. 120

غَد إِلَّا الله تَعَالَى مَعَ اطِّلَاعه على كثير مِمَّا علمه الله من ذَلِك قَالَ وَقد سد الشَّرْع هَذَا الْبَاب فِي وُجُوه الْخلق غير من ارتضى مِنْهُم للرسالة حَتَّى أَن الْعلمَاء نهوا عَن النّظر فِيمَا لَيْسَ من بَاب علم الْغَيْب لظن الْجَاهِل أَنه مِنْهُ كالإخبار بالكسوف الْمدْرك بطرِيق الْحساب كَمَا نَص عَلَيْهِ مَالك فِي الْعُتْبِيَّة قَائِلا إِنَّه من حبائل الشَّيْطَان الْوَظِيفَة الثَّانِيَة أَن لَا يتَعَرَّض لطلب ذَلِك بِشَيْء من الْأَسْبَاب المقتحمة لبابه كالخط وَالْحب والسبك والقرعة والعيافة والطيرة والسانح والبارح والاستصحاب والاستكهان والاستنجام لِأَنَّهَا من معنى الاستقسام بالأزلام قَالَه الطرطوشي فِي مُخْتَصر التعليقة قَالَ الْأُسْتَاذ وَاسْتثنى بعض الْعلمَاء الْخط بِنَاء على أَنه المُرَاد فِي قَوْله تَعَالَى ﴿أَو أثارة من علم﴾ وَفِي الحَدِيث كَانَ نَبِي من الْأَنْبِيَاء يخط فَمن وَافق خطه فَذَاك قيل جَاءَ للْإِبَاحَة الضَّرْب بِهِ وَقيل للنَّهْي عَنهُ إِذْ لَا سَبِيل إِلَى معرفَة طَرِيق النَّبِي الْمُتَقَدّم بِهِ قَالَ وَهُوَ الصَّحِيح الْمعول عَلَيْهِ عِنْد الْأَئِمَّة وَأهل الْحق

стр. 121

قلت وَفِي نَوَازِل الْبر زلي أدْركْت بعض الْفُقَهَاء أدْركْت بعض الْفُقَهَاء يستخفه ويستعمله وعَلى ظَنِّي أَنِّي سَمِعت الشَّيْخ الإِمَام يَعْنِي ابْن عَرَفَة يَقُول فعله لَيْسَ بجرحه وَكَأَنَّهُ يستخفه قَالَ وَالصَّوَاب تَركه الْوَظِيفَة الثَّالِثَة أَلا يصدق من يخبر بذلك غير مُسْتَند لخَبر نبوي لقَوْله ﷺ من أَتَى كَاهِنًا فَصدقهُ فِيمَا يَقُول فقد بَرِيء مِمَّا انْزِلْ على مُحَمَّد ﷺ رَوَاهُ أَبُو دَاوُود قَالَ ابْن رشد وَأَنِّي يجمع فِي قلب مُسلم تَصْدِيقه مَعَ قَوْله تَعَالَى ﴿قل لَا يعلم من فِي السَّمَاوَات وَالْأَرْض الْغَيْب إِلَّا الله﴾ فَائِدَة قَالَ الشَّيْخ أَبُو اسحاق الشاطبي فِي بعض تقاييده مفاتح الْغَيْب تِسْعَة مفاتح علم بِلَا اكْتِسَاب وَلَا أَعْلَام وَهُوَ علم الله تَعَالَى ومفاتح اطلَاع وَهُوَ اطلَاع الله من يَشَاء من خلقه على من شَاءَ من غيبه مفاتح أَخْبَار وَهُوَ مَا علم الله مِنْهُم بأخبار الله وأخبار رَسُوله مفاتح الْهَام وَهُوَ أَن يلهم اله من شَاءَ من خلقه مَا شَاءَ من غيبه دون اسْتِدْلَال كَقَوْلِه فاحمده بِمَحَامِد يلهمنيها فِي حَدِيث الشَّفَاعَة مفاتح نفث فِي الْقلب كَقَوْلِه إِن روح الْقُدس نفث فِي روعي الحَدِيث وَهُوَ الْهَام بِوَاسِطَة الْملك مفاتح توسم وَهِي الفراسة وَانْظُر فِي التَّعْرِيف تعمر بن عبد الْعَزِيز لِابْنِ حبيب مفاتح دلَالَة وَتَقْدِيم وَهِي أَن يسْتَدلّ بحاضر على مغيب كَقَوْلِه إِذا أنشأت بحريّة

стр. 122

الحَدِيث وإنذارات الْأَطِبَّاء وَنَحْوه مفاتح رجم وتنجيم وَهُوَ اسْتِدْلَال على غيب بعير مَا وضع لَهُ كالخط والطرق والسبك وَالْحب والزجر والسانح والبارح والطيرة والعيافة وَالْكهَانَة والعرافة والتنجيم انْتهى الطّرف الثَّالِث فِي الحروب الَّتِي تُفْضِي إِلَيْهَا العصبية فِي طلب الْملك والدفاع عَنهُ أَو غير ذَلِك وَفِيه ذكر مَذَاهِب المم فِي ترتيبها وَمَا يلْزم فِي تدييرها من الْآدَاب والمكائد ويتلخص الْغَرَض من ذَلِك فِي ثَلَاث مُقَدمَات وَسِتَّة فُصُول وتتميمتين الْمُقدمَة الأولى أَنَّهَا وَسَائِر أَنْوَاع الْمُقَاتلَة من الْأُمُور الطبيعية للبشر فَذَلِك لَا يخلوا عَنْهَا أمة وَلَا جيل وَلم تزل وَاقعَة فِي الخليقة مُنْذُ برأها الله تَعَالَى وابتلى بَعضهم بِبَعْض الْمُقدمَة الثَّانِيَة أَن أصل وُقُوعهَا إِرَادَة انتقام بعض الْبشر من بعض لأسباب توجب ذَلِك وَتحصل عَلَيْهِ فَإِذا تواقفت الطائفتان بِمَا لكل مِنْهُمَا من العصبية أَحدهمَا تطلب الانتقام وَالْأُخْرَى تدافعه كَانَت الْحَرْب وَاقعَة الْمُقدمَة الثَّالِثَة أَن أَسبَاب هَذَا الانتقام فِي الْأَكْثَر أُمُور أَرْبَعَة أَحدهمَا الْغيرَة والمنافسة وَأكْثر مَا تجْرِي بَين الْقَبَائِل المتجاورة والعشائر المتناظرة الثَّانِي الْبَغي الْعدوان وَأكْثر مَا يكون من المم الوحشية كالعرب وَالتّرْك والأكراد وأشباههم لأَنهم جعلُوا أَرْزَاقهم فِي رماحهم ومعاشهم فِيمَا بأيدي غَيرهم وَمن دافعهم عَن مَتَاعه آذنوه بِالْحَرْبِ وَلَا بغية لَهُم فِيمَا وَرَاء ذَلِك من رُتْبَة وَلَا ملك الثَّالِث الْغَضَب لله تَعَالَى ولدينه القويم وَهُوَ الْمُسَمّى فِي الشَّرِيعَة الْجِهَاد

стр. 123

قلت وَسَيَأْتِي إِن شَاءَ الله مَا يَخُصُّهُ من الْآدَاب الْكُلية الرَّابِع الْغَضَب فِي الْملك وَالسَّعْي فِي تمهيده والحروب الدولية مَعَ الخارجين عَلَيْهَا والمانعين لطاعتها قَالَ ابْن خلدون والأولان مِنْهَا حروب بغي وفتنة والآخران جِهَاد وَعدل قلت الْجِهَاد فِي الْخَيْر مُقَيّد بعدالة السُّلْطَان وَفِيه نظر يَأْتِي إِن شَاءَ الله هَذَا إِن كَانَ الْقَصْد تمهيد الْملك الْحَاصِل كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ وَأما طلب مَا وَرَاءه لغير مَا يشيره إِلَيْهِ الشَّرْع أَو السياسة الْمُعْتَبرَة كقصد لَذَّة الْغَلَبَة والانتقام لشفاء غيظ فَقَط أَو ليجري على من غلب عَلَيْهِ حكم الْغَرَض والهوى فقد قَالَ الفارابي من الْحُكَمَاء أَن الْحَرْب وَلأَجل ذَلِك جور وَهُوَ ظَاهر

стр. 124

الْفَصْل الأول فِي صفة الحروب وَهِي وَاقعَة بَين الْخَلِيفَة من أول وجودهم على نَوْعَيْنِ أَحدهمَا بالزحف صُفُوفا وَهُوَ قتال الْعَجم كلهم على تعاقب اجيالهم ٣ قَالَ ابْن خلدون وَهُوَ أوثق وَأَشد لترتيب الصُّفُوف فيهم كَالصَّلَاةِ وَالْمَشْي فِيهَا غلى الْعَدو قدما وَذَلِكَ أصبت عمد المصارعة وأرهب لِلْعَدو لِأَنَّهُ كالحائط الممهد لَا مطمع فِي إِزَالَته وَفِي التَّنْزِيل أَن الله يحب الَّذين يُقَاتلُون فِي سَبِيل الله صفا كَأَنَّهُمْ بُنيان مرصوص أَي يشد بَعضهم بَعْضًا بالثبات الثَّانِي بالكر والفر وَهُوَ قتال الْعَرَب والبربر من أهل الْمغرب قَالَ وَلَيْسَ فِيهِ من الشدَّة والمن من الْهَزِيمَة والهرب مَا فِي قتال الزَّحْف غلا أَنهم قد يتحينون وَرَاءَهُمْ صفا ثَانِيًا يلجأون إِلَيْهِ فَيقوم مقَام الزَّحْف تعري قَالَ كَانَ الْحَرْب أول الْإِسْلَام بالزحف لأمرين أَحدهمَا أَن عدوهم كَانَ يُقَاتل زحفا فاضطروا إِلَى مُقَاتلَتهمْ كَذَلِك الثَّانِي أَنهم كَانُوا مستميتين فِي جهادهم لرسوخ إِيمَانهم والزحف غلى الاستماتة أقرب قَالَ أول من أبطل الصَّفّ فِي الْحَرْب وَصَارَ إِلَى التعبئة كراديس مَرْوَان بن الحكم فِي قتال الضَّحَّاك الْخَارِجِي وَمن بعده فِيمَا ذكر

стр. 125

الطَّبَرِيّ فتنوسي الزَّحْف بأبطال الصَّفّ الْفَصْل الثَّانِي فِي تعبئة العساكر وَفِيه نظران أَحدهمَا فِي مُوجبهَا وَهُوَ مَا يخْشَى عِنْد اخْتِلَاط الجيوش الْكَثِيرَة فِي الْحَرْب من التدافع فِيمَا بَينهم لجهل بَعضهم بِبَعْض فَإِذا قسموا جموعا وَضم المتعارفون إِلَى بعض أَمن ذَلِك الْمَحْذُور الثَّانِي فِي صورتهَا وَهُوَ أَن يَجْعَل بَين يَدي الْملك عَسْكَر مُنْفَرد بصفوفه متميز بَقَائِهِ ورايته يُسمى الْمُقدمَة ثمَّ آخر عَن يَمِينه يُسمى الميمنة ثمَّ اخر عَن شِمَاله يُسمى الميسرة ثمَّ اخر من وَرَائه يُسمى السَّاقَة وَيقف الْملك وَأَصْحَابه وسط هَذِه الْأَرْبَعَة ترتيبها من التَّرْتِيب الطبيعي فِي الْجِهَات الْأَرْبَع وَيُسمى الْقلب تدريج قَالَ ابْن خلدون فَإِذا تمّ التَّرْتِيب الْمُحكم أما فِي مدى وَاحِد الْبَصَر أَو على مَسَافَة وَاحِدَة أَكْثَرهَا الْيَوْم واليومان بَين كل عسكرين مِنْهَا أَو كَيفَ أعطَاهُ حَال الْعَسْكَر فِي الْقلَّة وَالْكَثْرَة فَحِينَئِذٍ يكون الزَّحْف قَالَ وَانْظُر ذَلِك فِي أَخْبَار الفتوحات وأخبار الدولتين تَنْبِيه

стр. 126

كَانَت هَذِه التعبئة أَيَّام الدول الْقَدِيمَة لِكَثْرَة جنودهم وحشودهم من قاصية النواحي وَذَلِكَ مُوجب لجهل بَعضهم لبَعض كَمَا تقدم قَالَ ابْن خلدون وَكَانَ فِي الدولة الأموية بالأندلس كثير مِنْهُ وَهُوَ مَجْهُول فِيمَا لدينا لأَنا إِنَّمَا أدركنا دولا قَليلَة العساكر لَا تَنْتَهِي فِي مجَال الْحَرْب إِلَى التناكر بل أَكثر الجيوش من الطَّائِفَتَيْنِ يجمعهُمْ لدينا حلَّة أَو مَدِينَة وَيعرف كل وَاحِد مِنْهُم قرنه ويناديه بإسمه ولقبه فاستغنى عَن تِلْكَ التعبئة تَكْمِيل مِمَّا ذكرُوا من صفة هَذِه التعبئة صُورَتَانِ الصُّورَة الأولى قَالَ الطرطوشي أحسن تَرْتِيب رَأَيْنَاهُ فِي بِلَادنَا فِي صفة اللِّقَاء وَهُوَ أَرْجَى تدير فِي ذَلِك أَن يتَقَدَّم الرجالة بالدرق الْكَامِلَة والرماح الطوَال والمزارق النافذة فيصفوا صفوفهم ويركزوا مراكز رماحهم خلف ظُهُورهمْ فِي الأَرْض وصدورها شارعة إِلَى الْعَدو جاثين على ركبهمْ الْيُسْرَى وترسهم قَائِمَة بَين أَيْديهم وخلفهم الرُّمَاة الخارقة سِهَامهمْ للدروع وَالْخَيْل خَلفهم فَإِذا جَاءَ الْعَدو لم يتزحزح الرجالة عَن هيئتها وَلَا قَامَ وَاحِد مِنْهُم على قدم وَإِذ قرب رشفتهم الرُّمَاة بِالسِّهَامِ والرجالة بالمزارق وصدور الرماح تلقاهم فَيَأْخُذُونَ يمنة ويسرة فَتخرج خيل الْمُسلمين فتنال مِنْهُم مَا شَاءَ الله الصُّورَة الثَّانِيَة قَالَ ابْن خلدون بلغنَا عَن التّرْك لهَذَا الْعَهْد وقتالهم مناضلة بِالسِّهَامِ أَن تعبئة حربهم بالمصاف يقسمون العساكر ثَلَاثَة صُفُوف صفا وَرَاء صف يترجلون عَن خيولهم ويفرغون سِهَامهمْ بَين أَيْديهم ثمَّ يتناضلون جُلُوسًا وكل صف رِدَاء للَّذي أَمَامه مَخَافَة أَن يكسبهم الْعَدو إِلَى أَن يتهيء النَّصْر لإحدى الطَّائِفَتَيْنِ على الْأُخْرَى قَالَ وَهِي تعبية محكمَة غَرِيبَة

стр. 127

الْفَصْل الثَّالِث فِي ضرب المصاف وَرَاء العساكر وَفِيه نظر من وُجُوه أَحدهمَا أَن مَا يضْرب مِنْهُ المصاف جمادات أَو حيوانات عجم كَمَا يَأْتِي بعض مَا وَقع مِنْهُ مفصلا إِن شَاءَ الله الثَّانِي أَن أهل الْكر والفر هم الَّذين كَانُوا يتخذونه فِي حَال الحروب دَائِما وَأهل الزَّحْف رُبمَا اعتمدوه فِي مواقعهم الثَّالِث أَن حكمته فِي مَذَاهِب الْأَوَّلين اتِّخَاذه ملْجأ للخيالة فِي كرهم وفرهم وليكون أدوم للحرب وَأقرب للغلب وَفِي مَذْهَب الآخرين ليزيدهم ثباتا وَشدَّة الرَّابِع غن الْفرس من أهل الزَّحْف كَانُوا يتخذون فِيهِ الفيلة مَحْمُولا عَلَيْهَا أَفْوَاج من الْخشب أَمْثَال الصروح مشحونة بالمقاتلة وَالسِّلَاح والرايات ويصفوها وَرَاءَهُمْ كَأَنَّهُمْ الْحُصُون فتقوى نُفُوسهم ويزداد وثوقهم كَمَا وَقع من ذَلِك فِي الْقَادِسِيَّة وَفِي الْيَوْم الثَّالِث اشتدوا على الْمُسلمين فخالطها رجالات من الْعَرَب وضربوها بِالسُّيُوفِ على خراطمها وَنَكَصت على أعقابها إِلَى مرابضها بِالْمَدَائِنِ فخف معسكر فَارس لذَلِك وانهزموا فِي الْيَوْم الرَّابِع وَكَانَ أَكْثَرهم الْعَجم كالروم وملوك القوط بالأندلس يتخذون الأسرة ينصبون للْملك سَرِيره ويحتف بِهِ من حَاشِيَة وجنود من هُوَ زعيم بالاستماتة

стр. 128

دونه وترفع الرَّايَات فِي أَرْكَان السرير ويحدق بِهِ سياج آخر من الرُّمَاة بالرجالة فيعظم هيكله وَيصير فِئَة للمقاتلة وملجأ للفر وَالْكر وَفعل ذَلِك الْفرس أَنَام الْقَادِسِيَّة وَكَانَ رستم جَالِسا فِيهِ على سَرِير نَصبه لجلوسه حَتَّى اختلت صُفُوف فَارس وخالطه الْعَرَب فِيهِ فَعدل عَنهُ إِلَى الْفُرَات وَقتل وَكَانَ اكثر أهل الْكر والفر من الْعَرَب وَأكْثر المم البدوية الرجالة يصفونَ ابلهم وَالظّهْر الْحَامِل لطعامهم فَيكون فِئَة لَهُم ويسمونه المجهود تَعْرِيف قَالَ ابْن خلدون وَلَيْسَ أمة من المم إِلَّا وَهِي تفعل ذَلِك فِي حروبها وتراه أوثق من الجولة وَهُوَ أَمر مشَاهد قَالَ وَقد أغفلته الدول لعهدنا بِالْجُمْلَةِ واعتاضوا عَنهُ بِالظّهْرِ الْحَامِل للأثقال والفساطيط يجعلونه ساقة من خَلفهم وَلَا تغني عَنْهَا الفيلة وَالْإِبِل فَصَارَت العساكر بذلك عرضة للهزائم مستندة للفرار فِي المواقف الْفَصْل الرَّابِع فِي مَكَائِد مَا قبل الْقِتَال وآدابه وَقبل تعديد المهم من ذَلِك فَلَا بُد من استحضار المكايدة والحيل من انفع مَا يعْتَمد عَلَيْهِ فِي الحروب وَالْوَصِيَّة بذلك مكررة والنفع بِهِ مشَاهد وَقَالُوا إِذا طالبت عَدوك بِالْقُوَّةِ فَلَا تقدمن عَلَيْهِ حَتَّى تعلم ضعفه عَنْك وَإِذا طالبته بالمكيدة فَلَا يعظمن أمره عنْدك وَإِن كَانَ عَظِيما وَفِي التَّمْثِيل والمحاضرة الكيد ابلغ من الأيد

стр. 129

وَفِي الصَّحِيح الْحَرْب خدعة أَي يَنْقَضِي أمره بخدعة وَاحِدَة قَالَ الزَّرْكَشِيّ الْمَعْنى أَن المماكرة فِي الْحَرْب أَنْفَع من المكابرة إِذا تقرر هَذَا فقد نذْكر من ذَلِك جملَة المكيدة الأولى وَهِي أهم مَا يبْدَأ بِهِ قبل الْقِتَال بَث الجواسيس الثقاة فِي عَسْكَر الْعَدو وبلاده لتعرف أخبارهم مَعَ السَّاعَات وَمَا عِنْدهم من الْعدة وَالْعدَد وَمَا لَهُم من المكائد والحيل وَكم عدد رُؤَسَائِهِمْ وشجعانهم وَمَا مَنْزِلَتهمْ عِنْد صَاحبهمْ ويدس إِلَيْهِم مَا يخدعون يه من صلَة أَو ولَايَة حَتَّى يغدروا صَاحبهمْ أَو يهربوا عَنهُ ويخذلوه عِنْد لِقَائِه قَالَ الطرطوشي ووجوه الْحِيَل لَا تحصى والحاضر فِيهَا أبْصر من الْغَائِب المكيدة الثَّانِيَة أَن يلقى على السّنة كبراء الْعَدو أَنهم يكاتبون بِالْخدمَةِ ووعد الْوَفَاء بإظهارها ويشاع مَا يزور من ذَلِك لتقوى بِهِ الْقُلُوب ويتحدث النَّاس بمضمونه وَإِذا بلغ الْعَدو ذَلِك لَا بُد أَن يتأثر لَهُ وَإِن علم كذبه وَكَذَا فِيمَا يُرْسل إِلَيْهِم كَأَنَّهُ جَوَاب مَا يُرْسل مِنْهُم المكيدة الثَّالِثَة أَن يعمى الْأَخْبَار عَن الْعَدو ويسد دونه أَبْوَاب الْعلم بهَا حَتَّى يطلع مَا يحملهُ على اغتنام فرْصَة أَو يحاول بِهِ إبِْطَال مكيدة عَلَيْهِ وَذَلِكَ بإذكاء الْعُيُون على الجواسيس المترددة إِلَيْهِ فِي مراصد العثور عَلَيْهِم وأماكن الشُّعُور بهم وَانْظُر إِلَى دُعَاء النَّبِي ﷺ حِين توجه إِلَى فتح مَكَّة اللَّهُمَّ أَعم عَن قُرَيْش الْأَخْبَار

стр. 130

المكيدة الرَّابِعَة مُوالَاة طَائِفَة من الْعَدو ومصالحتهم مَتى قدر على ذَلِك وأمكنت الخديعة بِهِ فقد قيل ليكن السُّلْطَان لفريق من أعدائه مصاحبا ومداهنا ليعرف بِهِ أَخْبَار بغيتهم ويهدم بِهِ اتِّفَاق جَمِيعهم ويتسبب بِهِ إِلَى خلافهم وتشتيت رَأْيهمْ وَقيل الصُّلْح أحد الحروب الَّتِي يدْفع بهَا الْأَعْدَاء عَن الْمضرَّة فَإِذا كثر أعداؤك فَصَالح بَعضهم وأطمع بَعضهم بصلحك واستقبل بَعضهم بحربك المكيدة الْخَامِسَة تَوْلِيَة بعض رُؤَسَاء الْعَدو المتمردين على السُّلْطَان وتضرب بَعضهم بِبَعْض فقد قيل إِذا ابتلى السُّلْطَان بِقوم ذَوي نفاق وَشدَّة وَقلة انقياد إِلَى الطَّاعَة فَليقمْ مِنْهُم رُؤَسَاء ويلق بَينهم الْخلاف حَتَّى يكفيهم بَعضهم مؤونة بعض وَيبقى هُوَ فِي أَمن وراحة فَإِنَّهُ إِن صلح مَا بَينهم رجعُوا كلهم عَلَيْهِ فليدبرهم بِهَذَا التَّدْبِير قبل تدبيرهم رجعُوا كلهم عَلَيْهِ فليدبرهم بِهَذَا التَّدْبِير قبل تدبيرهم الْحَرْب تَمْثِيل فِي العهود اليونانية شبهت الْخَوَارِج بالماس الَّذِي يقطع أَصْلَب الْأَحْجَار ويبطله أَضْعَف الْأَجْسَام فمراوغة الناجم والتدريب من مكافحته انْتهى

стр. 131

الْفَصْل الْخَامِس فِيمَا يخدع بِهِ الْعَدو عِنْد الْقِتَال وَهِي أَيْضا جملَة الخدعة الأولى إِعْمَال الْجهد فِي أَن تكون الشَّمْس فِي أعين الْعَدو وَالرِّيح فِي وَجهه قَالَ بَعضهم فَإِن سبق الْعَدو إِلَى ذَلِك وَلم تمكن إِزَالَته عَنهُ فليزحف بالعساكر عرضا ليَكُون الْأَمر لَهُ وَعَلِيهِ الخدعة الثَّانِيَة جعله آخر النَّهَار قَالَت الْعَجم أخر الْحَرْب مَا اسْتَطَعْت فَإِن لم تَجِد فَاجْعَلْ ذَلِك آخر النَّهَار قلت كَانَ أحب أَوْقَات اللِّقَاء إِلَى رَسُول الله ﷺ إِذا زَالَت الشَّمْس وحلت الصَّلَاة وهبت الرِّيَاح ودعا الْمُسلمُونَ الخدعة الثَّالِثَة وَهِي من أهم مَا يعتني بِهِ الكمين وَإِن كَانَ عددا يَسِيرا قَالَ بَعضهم أَنه إِذا ظهر أثر فِي الْقُلُوب رعْبًا وَفِي الْأَعْضَاء ضعفا وَفِي الْعقل جمودا وَفِي الْإِقْدَام وَقْفَة قَالَ وَلَا يَدُوم إقبال مقَاتل على خَصمه إِلَّا إِذا آمن من وَرَائه وَلَو من رجل وَاحِد وَلَا تحصى كَثْرَة العساكر المهزومة بالكمين فِي الْجَاهِلِيَّة وَالْإِسْلَام الخدعة الرَّابِعَة إخفاء مَكَان صَاحب الْجَيْش من الْعَدو وتحويله لخواصه وَقت الْقِتَال من موقف لآخر كَيْلا يقْصد الْعَدو غرته كَمَا وَقع لطارق حِين اجتاز إِلَى الأندلس فِي ألف وَسَبْعمائة رجل وتحصين بجبل

стр. 132

الْفَتْح وَوصل إِلَيْهِ الْملك لذريق فِي تسعين ألف عنان فَلَقِيَهُمْ طَارق واقتتلوا ثَلَاثَة أَيَّام أَشد قتال فَرَأى مَا بِالنَّاسِ من الشدَّة فحثهم على الصَّبْر ورعتهم فِي الشَّهَادَة وَبسط آمالهم فَقَالَ أَيْن المفر الْبَحْر من وَرَائِكُمْ والعدو أمامكم فَلَيْسَ إِلَّا الصَّبْر مِنْكُم والنصر من ربكُم وَأَنا فَاعل شَيْئا فافعلوا كفعلي وَالله لاقصدن طاغيتهم فَأَما أم أَقتلهُ أَو أقتل دونه فاستوثق بِمَعْرِِفَة حِيلَة لذريق وعلامته وخيمه ثمَّ حمل مَعَ أَصْحَابه إِلَيْهِ حَملَة رجل وَاحِد فَقتل الله لذريق بعد قتل ذريع فِي الْعَدو وَحمى الله الْمُسلمين فَلم يقتل مِنْهُم كثير عدد وانهزمت الرّوم وَقتلُوا ثَلَاثَة أَيَّام وَأخذ طَارق رَأس لذريق فَبعث بِهِ إِلَى مُوسَى بن نصير وَهُوَ بإفريقيه فَبعث بِهِ إِلَى الْوَلِيد بن عبد الْملك الخدعة الْخَامِسَة إِظْهَار صَاحب الْعَسْكَر إخلاء نَاحيَة مِنْهُ من الحماة

стр. 133

المعتد بهم ليقصدها الْعَدو فيعطف عَلَيْهِ بِسَائِر الجموع رَجَاء الظفر بِهِ كَمَا ترك الْقلب دون حامية عمدا حَتَّى إِذا توَسط الْعَدو ليشغل بنهبه أطبق عَلَيْهِ الجناحين وأدار عَلَيْهِ الْجنُود من كل نَاحيَة قَالَ الطرطوشي وَقد فعله رجال من أهل الْحَرْب الْفَصْل السَّادِس فِي مَكَائِد حِصَار المدن والحصون قَالُوا أول مَا يجب أَن يبْدَأ بِهِ أهل الْحصن استمالتهم قبل المناهضة مَا داموا خَائِفين فَإِن الْحَرْب إِذا نشبت كَانُوا بعْدهَا أسكن روعا وآنس بهَا قَالُوا وَفِي استمالتهم خصلتان معرفَة أسرارهم وتمكين إخافتهم وَيَنْبَغِي أَن يدس فيهم من يصغر شَأْنهمْ ويؤيسهم من الْمَدّ وَيُعلمهُم أَن أسرارهم مكشوفة فِي مكيدتهم وَأَن يدار حول الْحصن ويشار إِلَيْهِ بِالْأَيْدِي كَأَن مِنْهَا مَوَاضِع حَصِينَة وَأُخْرَى ذليلة ومواضيع تنصب المنجانيق عَلَيْهَا وَأُخْرَى تهَيَّأ العرادات لَهَا ومواضع تنقب نقبا وَأخر تُوضَع السلاليم علنها ومواضع يتسور مِنْهَا وَأُخْرَى تضرم النَّار فِيهَا ليملهم بذلك رعْبًا وخوفا وَيكْتب على نشابة إيَّاكُمْ معشر أهل الْحصن والافترار وإقفال الحراسة عَلَيْكُم بِحِفْظ الْأَبْوَاب فَإِن الزَّمَان خَبِيث وَأَهله أهل غدر وَقد خدع أَكثر أهل الْحصن فاستميلوا برمى بِتِلْكَ النشابة فِي الْحصن ثمَّ يدس لمخاطبتهم المنطيق المهيب الداهية الْمُحْتَال غير المهذار وتؤخر الْحَرْب مَا أمكن فَإِن فِي ذَلِك جرْأَة مِنْهُم على من حارتهم ودليلا على الْحِيلَة والمكيدة فَإِن كَانَ لابد مِنْهَا فبأخف الْعدة وأيسر الْآلَة

стр. 134

التميمة الأولى الْوَصَايَا الْمُشْتَملَة على جزئيات آدَاب الحروب وَمَا ينفع فِيهَا من أَنْوَاع الْحِيَل والمكائد كَثِيرَة وَالْكَافِي مِنْهَا اثْنَتَانِ الْوَصِيَّة الأولى فِي محَاسِن البلاغة جمع الله تَعَالَى آدَاب الحروب فِي قَوْله ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِذا لَقِيتُم فِئَة فاثبتوا واذْكُرُوا الله كثيرا لَعَلَّكُمْ تفلحون وَأَطيعُوا الله وَرَسُوله وَلَا تنازعوا فتفشلوا وَتذهب ريحكم واصبروا إِن الله مَعَ الصابرين﴾ قَالَ صَاحب مشارع الأشواق من متأخري المشارقة وَلَقَد صدق هَذَا الْقَائِل فَإِن الله تَعَالَى أَمر المقاتلين فِيهَا بِخَمْسَة أُمُور مَا اجْتمعت بفئة إِلَّا نصرت وَإِن قلت وَكثر عدوها وَهِي الثَّبَات وَكَثْرَة ذكر الله وَطَاعَة الله وَرَسُوله وَعدم التَّنَازُع الْمُوجب للفشل والوهن فَإِنَّهُم إِذا اجْتَمعُوا كَانُوا كالحزمة من السِّهَام لَا يُسْتَطَاع كسرهَا جملَة فَإِذا تَفَرَّقت سهل كسرهَا سَهْما سَهْما الْخَامِسَة الصَّبْر وَهُوَ ملاذ الْأَمر والنصر وَسَببه وَمَتى فقد شَيْء من ذَلِك نقص من النَّصْر بِحَسبِهِ

стр. 135

الْوَصِيَّة الثَّانِيَة قَالَ بَعضهم إِذا ابْتليت بِالْحَرْبِ فأذك الْعُيُون بِالنَّهَارِ وَبَالغ فِي الحرس بِاللَّيْلِ وَخَنْدَق إِن كنت مُقيما وحصن مضاربك وَليكن جندك عَلَيْك حصنا ولأنفسهم حرسا وَاجعَل الشَّمْس أَن تكون مَعَك عِنْد اللِّقَاء وَالرِّيح أَن تكون مَعَك فِي وَقت الهجوم وَالْمَاء والمرعى أَن يكون مَعَك فِي مَكَان النُّزُول أخف آثارك من عَدوك واعمل فِي حِين لقاءه على إراحة الظّهْر والكراع وثقف جِهَات الْعَدو بِمن تثق من رجالك احذر من الأفواج أَن يسْتَمر هزيمَة وَمن الكمين أَن يَأْتِيك غَفلَة وَمن رجالك أَن يُخَالف إِلَيْهِ وَأَن اسْتَطَعْت أَن تخَالف عَدوك إِلَى رجله فافعل وَإِذا هزمت قوما فقف ثبتا فِي محلتك وَإِذا غلبت فَعم آثارك وَاعْلَم أَن الْهَزِيمَة مَحل الْعَزِيمَة وَأَن الهارب لَا يعرج على صَاحب وَأَن الْفِرَار فِي وقته ظفر وَأَن الْقِتَال فِي غير مَكَانَهُ عناء قلت قَوْله وَخَنْدَق إِن كنت مُقيما قَالَ ابْن خلدون كَانَ من مَذَاهِب الأول فِي حروبهم حفر الْخَنَادِق على معسكرهم حذرا من معرة البيات والهجوم عَلَيْهِم لَيْلًا وَكَانَت للدول فِي أَمْثَال هَذِه قُوَّة وَعَلِيهِ اقتدار لجمع الْأَيْدِي عَلَيْهِ فِي كل منزل لَهَا بِمَا كَانُوا عَلَيْهِ من وفور الْعمرَان وضخامة الْملك فَلَمَّا خرب الْعمرَان وَتَبعهُ ضعف الدول وَقلت الْجنُود وَعدم الفعلة نسى هَذَا الشَّأْن جملَة كَأَنَّهُ لم يكن وَالله تَعَالَى خير القادرين التَّتِمَّة الثَّانِيَة قَالَ ابْن خلدون لاوثوق فِي الحروب بالغلب وَإِن حصلت أَسبَابه من الْعدة والعديد لنه فِيهَا من قبيل البخت والاتفاق قلت وَقَررهُ بِمَا حَاصله أَن أَسبَابه فِي الْأَكْثَر مجتمعة من أُمُور ظَاهِرَة وَهِي وفور الْجَيْش وَكَمَال السِّلَاح وَكَثْرَة الشجعان وترتيب المصاف وَصدق الْقِتَال وَنَحْو ذَلِك من أُمُور خُفْيَة من حيل الْبشر وخدعهم كالتخذيل بالإرهاب والتشانيع والتقدم إِلَى الْأَمَاكِن المرتفعة فيتوهم المنخفض ويتخاذل وَمَا فِي معنى ذَلِك أَو من أُمُور سَمَاوِيَّة لَا قدرَة للبشر علنها تلقى

стр. 136

فِي الْقُلُوب فيستولي الرعب علنها من أجلهَا فتتحل المراكز وَتَقَع الْهَزِيمَة قَالَ وَأكْثر مَا يَقع عَن هَذِه السباب الْخفية وَلذَلِك قَالَ ﷺ الْحَرْب خدعة وَمن أَمْثَال الْعَرَب رب حِيلَة أَنْفَع من قَبيلَة وَإِذا كَانَت وَاقعَة عَن أَسبَاب خُفْيَة فَهِيَ من قبيل مَا بالبخت والإتفاق كَمَا تقرر فِي مَوْضِعه فهم حَقِيقَة قَالَ وتفهم من وُقُوع الغلب عَن الْأُمُور السماوية معنى قَوْله ﷺ نصرت بِالرُّعْبِ مسيرَة شهر وَمَا وَقع من غَلَبَة للْمُشْرِكين فِي حَيَاته بِالْعدَدِ الْقَلِيل وَبعده كَذَلِك فِي الفتوحات معْجزَة لَهُ ﷺ بالقائه فِي الْقُلُوب سَببا للهزائم فِي الفتوحات الإسلامية كلهَا وَإِن خَفِي عَن الْعُيُون قلت قَالَ الشَّيْخ شهَاب الدّين ابْن حجر وَهَذِه الخصوصية حَاصِلَة لَهُ ﷺ على الْإِطْلَاق حَتَّى لَو كَانَ وَحده بِغَيْر عَسْكَر قَالَ وَهل هِيَ حَاصِلَة لأمته من بعده فِيهِ احْتِمَال تَنْبِيه على وهم قَالَ وَقد ذكر الطرطوشي أَن من أَسبَابه أَن يفضل عدَّة الفرسان الشجعان فِي أحد الْجَانِبَيْنِ على عدتهمْ فِي الْجَانِب الآخر وَلَو بِوَاحِد يكون لَهُ الغلب قَالَ وَهُوَ رَاجع إِلَى الْأَسْبَاب الظَّاهِرَة وَلَيْسَ بِصَحِيح وَإِنَّمَا الْمُعْتَبر

стр. 137

فِي الْقلب حَال العصبية أَن تمون فِي أحد الْجَانِبَيْنِ عصبية وَاحِدَة جَامِعَة لكلهم وَفِي عصائب مُتعَدِّدَة والجانبان متقاربان فِي الْعدة فَإِن الَّذِي عصبيته وَاحِدَة أقوى من الَّذِي عصائبه مُتعَدِّدَة لوُقُوع التخاذل بَينهم كَمَا فِي الوجدان المفترقين الفاقدين للعصبية لتنزل كل عِصَابَة مِنْهُم منزلَة الْوَاحِد فَيكون الْجَانِب الَّذِي عصابته مُتعَدِّدَة لَا يُقَام الَّذِي عصبيته وَاحِدَة لجل ذَلِك قلت فِي حَدِيث وَفد بني عبد الْحَرْث بن كَعْب أَن رَسُول ﷺ قَالَ لَهُم بِمَ كُنْتُم تغلبون من قاتلكم فِي الْجَاهِلِيَّة قَالُوا لم نَكُنْ نغلب أحدا قَالَ بلَى قد كُنْتُم تغلبون من قاتلكم قَالُوا نغلب من قاتلنا يَا رَسُول الله أَنا كُنَّا نَجْتَمِع وَلَا نتفرق وَلَا نَأْخُذ أحد بظُلْم قَالَ صَدقْتُمْ مغلطة قَالَ وَلم يحملهُ على ذَلِك إِلَّا نِسْيَان شَأْن العصبية فِي جيله وبلده وَأَنَّهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُونَ الدفاع والمطالبة إِلَى الوجدان وَالْجَمَاعَة الناشئة عَنْهُم لَا يفترقون فِي ذَلِك عصبية وَلَا نسبا مَعَ أَن هَذَا على تَقْرِير صِحَّته إِنَّمَا هُوَ من الْأَسْبَاب الظَّاهِرَة كاتفاق الجنسين فِي الْعدة وَصدق الْقِتَال وَشبه ذَلِك فَكيف يَجعله سَببا كَفِيلا بالغلب وَشَيْء من ذَلِك لَا يُعَارض الْأَسْبَاب الْخفية من الْحَبل والخدع وَلَا الْأُمُور السماوية من الرعب والخذلان الإلهي فاعلمه وتفهم أَحْوَال الْكَوْن فَالله يقدر اللَّيْل وَالنَّهَار انْتهى استطراد قَالَ وَيلْحق بِمَعْنى الغلب فِي أَن أَسبَابه خُفْيَة وَغير خُفْيَة طبيعية حَال الشُّهْرَة والصيت فَقل أَن يُصَادف موضعهَا قي أحد من

стр. 138

النَّاس من الْمُلُوك وَالْعُلَمَاء وَالصَّالِحِينَ أَو المنتحلين للفضائل على الْعُمُوم فكثير مِمَّن اشْتهر وَبعد صيته وَلَيْسَ هُنَاكَ وَكثير مِمَّن اشْتهر بِالشَّرِّ وَهُوَ بِخِلَافِهِ وَكثير مِمَّن تجاوزت عَنهُ الشُّهْرَة وَهُوَ أَحَق بهَا وَقد تصادف موضعهَا وَتَكون طبقًا على صَاحبهَا كشف حَقِيقَة قَالَ وَسبب ذَلِك أَن الشُّهْرَة إِنَّمَا هِيَ بالأخبار وَالْأَخْبَار يدخلهَا الذهول عَن الْمَقَاصِد عِنْد التناقل ويدخلها التعصب والتشيع والأوهام وَالْجهل بمطابقة الحكايات للأحوال لخفائها بالتلبيس والتصنع أَو بِجَهْل النَّاقِل ويدخلها التَّقَرُّب لأَصْحَاب الجاه والمراتب الدُّنْيَوِيَّة بالثناء والمديح وتحسين الْأَحْوَال وإشاعة الذّكر بذلك والنفوس مولعة بحب الثَّنَاء وَالنَّاس متطاولون إِلَى الدُّنْيَا وأسبابها من جاه أَو ثروة وَلَيْسوا فِي الْأَكْثَر براغبين فِي الْفَضَائِل وَلَا متنافسين فِي أَهلهَا وَأَيْنَ مُطَابقَة الْحق مَعَ هَذَا كلهَا فَتحصل الشُّهْرَة عَن أَسبَاب خُفْيَة من هَذِه وَتَكون غير مُطَابقَة وكل مَا يحصل بِسَبَب خَفِي فَهُوَ الْمعبر عَنهُ بالبخت وَالله أعلم انْتهى

стр. 139

الْكتاب الثَّانِي فِي أَرْكَان الْملك وقواعد مبناه ضَرُورَة وكمالا وَهِي رَاجِعَة إِلَى أَفعَال تَقْسِيم وجوده وصفات تصدر بهَا تِلْكَ الْأَفْعَال على أفضل نظام فَهُنَا بَابَانِ أَحدهمَا فِي الْأَفْعَال الَّتِي تُقَام بهَا صُورَة الْملك ووجوده وَالْآخر فِي الصِّفَات الَّتِي تصدر بهَا تِلْكَ الْأَفْعَال على أفضل نظام

стр. 140

الْبَاب الأول فِي الْأَفْعَال الَّتِي تُقَام بهَا صُورَة الْملك ووجوده وَالْمَذْكُور مِنْهَا عشرُون ركنا ضَرُورِيَّة وكمالية الرُّكْن الأول نصب الْوَزير وَفِيه مقدمتان وَثَلَاثَة مطَالب الْمُقدمَة الأولى وفيهَا مسَائِل الْمَسْأَلَة الأولى أَن السُّلْطَان لما كَانَت قواه البشرية لَا تستقل قواه البشرية بِحمْل مَا قلد فَلَا جرم اضْطر لمشاركة معِين يتم بِهِ استقلاله وَهُوَ الْوَزير وَفِي التَّنْزِيل وَاجعَل وزيرا من أَهلِي هَارُون أخي أشدد بِهِ أزري وأشركه فِي أَمْرِي وَفِي الحَدِيث أَنه ﷺ قَالَ إِن لي فِي السَّمَاء

стр. 141

وزيرين وَفِي الأَرْض وزيرين فاللذان فِي السَّمَاء جِبْرِيل وَمِيكَائِيل واللذان فِي الأَرْض أَبُو بكر وَعمر ذكره التِّرْمِذِيّ الْحَكِيم فِي نَوَادِر الْأُصُول الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة أَن من لَوَازِم هَذَا الِاضْطِرَار اسْتِحَالَة تصور الِاسْتِغْنَاء عَن مُطلق الْمُشَاركَة المنوطة بِهِ فِي الْمَرَاتِب السُّلْطَانِيَّة لِامْتِنَاع تخلف مَا هُوَ طبيعي وَمن ثمَّ قيل لَا تعتقد أَن رياسة تقوم بِغَيْر وَزِير قَالَ (هَيْهَات لم تصدقك فكرتك الَّتِي ... قد أوهمتك غنى عَن الوزراء) (لم تغن عَن أحد سَمَاء لم تَجِد ... أَرضًا وَلَا أَرض بِغَيْر سَمَاء) نعم تمكن الْكِفَايَة بِمن تحصل بِهِ الْمُشَاركَة كَمَا فِي صد الْإِسْلَام لفقد رتب الْملك بسذاجته أما الِاسْتِغْنَاء عَن مُطلق الْمُشَاركَة فَلَا تتَصَوَّر الْبَتَّةَ الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة أَن لشرف هَذِه الرُّتْبَة يجب لَهَا أَمْرَانِ أدهما اعْتِقَاد تعظيمها فقد قَالَ الطرطوشي أشرف منَازِل الْآدَمِيّين ثمَّ الْخلَافَة ثمَّ الوزارة

стр. 142

قلت وَفِي الْيَهُود اليونانية كَانَ فِي السّنة الْجَارِيَة فِي اليونان تَعْظِيم الوزارة وتفضيلها عَن سَائِر الشؤون الثَّانِي انتخاب من يصلح لَهَا واختياره فَفِي العهود يحْتَاج من نصب لَهَا إِلَى كَمَال فِي الْفضل ورجاحة فِي الْمعرفَة يعدل بهَا مَا عسر على الْملك حَتَّى يخرج فِي أحسن صُورَة الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة أَن اخْتِيَاره على أكمل الصِّفَات من أسبق مَا يشْهد للسُّلْطَان بإحراز الْفَضِيلَة المستولية على أبعد غَايَة قَالَ أول مَا يظْهر من قبل السُّلْطَان وَقُوَّة تَمْيِيزه وجودة عقله فِي إستنخاب الوزارة واتقاء الجلساء ومحادثة الْعُقَلَاء قَالَ الطرطوشي وبهذه الخلان يحمد فِي الْخلق ذكره وَيجْعَل فِي الْعين قدره وترسخ فبالنفوس عَظمته قلت ويستدل على إقباله وسعادة زَمَانه قَالَه فِي الافلاطونيات وَكَذَا بَقَاء ملكه وأمنه عَلَيْهِ من الْفساد الناشيء عَن فَاقِد الضَّرُورِيّ مِنْهَا وَهِي الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة من كَلَام الْحُكَمَاء لَا يطعن ذُو الْكبر فِي الثَّنَاء وَلَا الخب فِي كَثْرَة الصّديق وَلَا السيىء الدب فبالشرق وَلَا الشحيح فِي الْبر والحريص فِي قلَّة الذُّنُوب وَلَا الْملك المتهاون الضَّعِيف والوزراء فِي بَقَاء الْملك

стр. 143

الْمَسْأَلَة أَن سَعَادَة السُّلْطَان متوقفة على وزارة الْوَزير الصَّالح عَن عَائِشَة ﵂ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ إِذا أَرَادَ الله بالأمير خيرا جعل لَهُ وَزِير صدق ذكره بِهِ وَأَن ذكر أَعَانَهُ وَإِذا أَرَادَ الله بِهِ غير ذَلِك جعل لَهُ وَزِير سوء إِن نسي لم يذكرهُ وَإِن ذكر لم يعنه رَوَاهُ أَبُو دَاوُود وَالنَّسَائِيّ وَلَفظه من ولي مِنْكُم عملا فَأَرَادَ الله بِهِ خيرا جعل لَهُ وزيرا صَالحا إِن نسي ذكره وَإِن ذكر أَعَانَهُ الْمَسْأَلَة السَّابِعَة أصلاح السُّلْطَان وفساده لَازم عَن صَلَاح الْوَزير وفساده قَالُوا موقع الْوَزير من الْملك موقع الْملك من الْعَامَّة وكما أَن السُّلْطَان إِذا صلح صلحت الرّعية وَإِذا فَسدتْ فَسدتْ الرّعية فَكَذَلِك الْوَزير إِذا صلح صلح الْملك وَإِذا فسد فسد الْملك وَإِذا كَانَ صَلَاح الرّعية بصلاح السُّلْطَان وَصَلَاح السُّلْطَان

стр. 144

بصلاح الْوَزير فصلاح الرّعية بصلاح الْوَزير ضَرُورَة وَكَذَا فِي الْعَسْكَر وَمن ثمَّ قَالَ أفلاطون طَاعَة الرّعية بسداد وَزِير الوزراء الْمَسْأَلَة الثَّامِنَة أَن من صَلَاح الْوَزير صَلَاح بطانته وأعوانه ضَرُورَة أَن كل ذِي بطانة صَلَاحه مُتَوَقف على صَلَاحهَا لقَوْله ﷺ مَا من وَال إِلَّا وَله بطانتان بطانة تَأمره بِالْمَعْرُوفِ وتنهاه عَن الْمُنكر وبطانة لَا تألوه خبالا فَمن وقِي شَرها ف وقِي وَهُوَ غلى من يغلب عَلَيْهِ مِنْهَا رَوَاهُ النَّسَائِيّ عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ الطرطوشي شَرّ الْأُمَرَاء من كَانَ لَهُ الشرار وزراء وبطانة وأخلاء الْمَسْأَلَة التَّاسِعَة أَن خلوص النَّصِيحَة الَّتِي هِيَ فِي الْجُمْلَة فعل مَا فِيهِ الصّلاح من أهم مَا يجب على الْوَزير أَن يبْذل فِيهِ غَايَة وَسعه ومقدوره أما أَولا فلموقعها من الدّين كَمَا يدل عَلَيْهِ حَدِيث أَن الدّين النَّصِيحَة وَأما ثَانِيًا فلوجهين أَحدهمَا أَن الصّلاح الْعَام مُتَوَقف الْحُصُول عَلَيْهَا فَفِي دمنة وكليلة يصلح السُّلْطَان إِلَّا الوزراء والأعوان وَلَا الوزراء والأعوان إِلَّا بالمودة والنصيحة وَلَا الْمَوَدَّة والنصيحة إِلَّا بِالرَّأْيِ والعفاف الثَّانِي أَن الوساطة بنقيضها بَين والرعية يفْسد التَّدْبِير وَيجْعَل هَلَاك من قصدت مضرته فقد قيل مثل السُّلْطَان كالطبيب وَمثل الرّعية كالمرضي وَمثل الْوَزير كالسفير بَين المرضى والأطباء فَإِن كذب السفير فقد بَطل التَّدْبِير وكما أَن السفير إِذا أَرَادَ أَن يقتل أحدا من المرضى وصف للطبيب نقيض دائه فَإِذا سقَاهُ الطَّبِيب على صفة السفير هلك العليل كَذَلِك الْوَزير ينْقل للْملك مَا لَيْسَ فِي الرجل فيقتله الْمَسْأَلَة الْعَاشِرَة أَن التَّعَلُّق بالوزير مِعْرَاج الْوُصُول إِلَى السُّلْطَان

стр. 145

ومرقاة الْفَوْز بتمكين الخطوة لبه قَالَ الطرطوشي وَلما كَانَت أزمة الْمُلُوك بأكف الوزراء سبق فيهم الْمثل ل تغتر بمودة الْأَمِير إِذا غشك الْوَزير وَإِذا أحبك الْوَزير فَلَا تخشى الْأَمِير قَالَ وَيُقَال الْخرق مماراة الْأُمَرَاء ومعاداة الوزراء وَأمر كرهه الْأَمِير يتمه الْوَزير كم من أَمر أَرَادَهُ الْأَمِير فثناه عَنهُ الْوَزير وَإِنَّمَا السُّلْطَان كَالدَّارِ والوزير بَابهَا فَمن أَتَى الدَّار من بَابهَا ولج وَمن أَتَاهَا من غير بَابهَا أزعج الْمُقدمَة الثَّانِيَة قد تقدم بَيَان اسْتِحَالَة الِاسْتِغْنَاء عَن الْإِعَانَة المنوطة بِهِ فِي الْمَرَاتِب السُّلْطَانِيَّة وَلذَلِك تدرجت الْعِنَايَة بهَا فِي الدول الإسلامية عِنْد انقلاب الْخلَافَة ملكا وَذَلِكَ فِي موضِعين الْموضع الأول الْمشرق وَذَلِكَ فِي دولتين الدولة الأولى الدولة الأموية فِي مبدأ استعجال ملكهَا ظهر اسْم الْوَزير وَأطلق على من خص لسمو مقَامه فِي الْمرتبَة السُّلْطَانِيَّة يَوْمئِذٍ بِعُمُوم النّظر ونطلق التَّفْوِيض بِحَسب رُتْبَة إِذْ ذَاك
следующие страницы →