← Сияса и кади

Сияса и кади · id 7236

بدائع السلك في طبائع الملك

ابن الأزرق

Полный текст (992 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

وزيرين وَفِي الأَرْض وزيرين فاللذان فِي السَّمَاء جِبْرِيل وَمِيكَائِيل واللذان فِي الأَرْض أَبُو بكر وَعمر ذكره التِّرْمِذِيّ الْحَكِيم فِي نَوَادِر الْأُصُول الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة أَن من لَوَازِم هَذَا الِاضْطِرَار اسْتِحَالَة تصور الِاسْتِغْنَاء عَن مُطلق الْمُشَاركَة المنوطة بِهِ فِي الْمَرَاتِب السُّلْطَانِيَّة لِامْتِنَاع تخلف مَا هُوَ طبيعي وَمن ثمَّ قيل لَا تعتقد أَن رياسة تقوم بِغَيْر وَزِير قَالَ (هَيْهَات لم تصدقك فكرتك الَّتِي ... قد أوهمتك غنى عَن الوزراء) (لم تغن عَن أحد سَمَاء لم تَجِد ... أَرضًا وَلَا أَرض بِغَيْر سَمَاء) نعم تمكن الْكِفَايَة بِمن تحصل بِهِ الْمُشَاركَة كَمَا فِي صد الْإِسْلَام لفقد رتب الْملك بسذاجته أما الِاسْتِغْنَاء عَن مُطلق الْمُشَاركَة فَلَا تتَصَوَّر الْبَتَّةَ الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة أَن لشرف هَذِه الرُّتْبَة يجب لَهَا أَمْرَانِ أدهما اعْتِقَاد تعظيمها فقد قَالَ الطرطوشي أشرف منَازِل الْآدَمِيّين ثمَّ الْخلَافَة ثمَّ الوزارة

стр. 142

قلت وَفِي الْيَهُود اليونانية كَانَ فِي السّنة الْجَارِيَة فِي اليونان تَعْظِيم الوزارة وتفضيلها عَن سَائِر الشؤون الثَّانِي انتخاب من يصلح لَهَا واختياره فَفِي العهود يحْتَاج من نصب لَهَا إِلَى كَمَال فِي الْفضل ورجاحة فِي الْمعرفَة يعدل بهَا مَا عسر على الْملك حَتَّى يخرج فِي أحسن صُورَة الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة أَن اخْتِيَاره على أكمل الصِّفَات من أسبق مَا يشْهد للسُّلْطَان بإحراز الْفَضِيلَة المستولية على أبعد غَايَة قَالَ أول مَا يظْهر من قبل السُّلْطَان وَقُوَّة تَمْيِيزه وجودة عقله فِي إستنخاب الوزارة واتقاء الجلساء ومحادثة الْعُقَلَاء قَالَ الطرطوشي وبهذه الخلان يحمد فِي الْخلق ذكره وَيجْعَل فِي الْعين قدره وترسخ فبالنفوس عَظمته قلت ويستدل على إقباله وسعادة زَمَانه قَالَه فِي الافلاطونيات وَكَذَا بَقَاء ملكه وأمنه عَلَيْهِ من الْفساد الناشيء عَن فَاقِد الضَّرُورِيّ مِنْهَا وَهِي الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة من كَلَام الْحُكَمَاء لَا يطعن ذُو الْكبر فِي الثَّنَاء وَلَا الخب فِي كَثْرَة الصّديق وَلَا السيىء الدب فبالشرق وَلَا الشحيح فِي الْبر والحريص فِي قلَّة الذُّنُوب وَلَا الْملك المتهاون الضَّعِيف والوزراء فِي بَقَاء الْملك

стр. 143

الْمَسْأَلَة أَن سَعَادَة السُّلْطَان متوقفة على وزارة الْوَزير الصَّالح عَن عَائِشَة ﵂ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ إِذا أَرَادَ الله بالأمير خيرا جعل لَهُ وَزِير صدق ذكره بِهِ وَأَن ذكر أَعَانَهُ وَإِذا أَرَادَ الله بِهِ غير ذَلِك جعل لَهُ وَزِير سوء إِن نسي لم يذكرهُ وَإِن ذكر لم يعنه رَوَاهُ أَبُو دَاوُود وَالنَّسَائِيّ وَلَفظه من ولي مِنْكُم عملا فَأَرَادَ الله بِهِ خيرا جعل لَهُ وزيرا صَالحا إِن نسي ذكره وَإِن ذكر أَعَانَهُ الْمَسْأَلَة السَّابِعَة أصلاح السُّلْطَان وفساده لَازم عَن صَلَاح الْوَزير وفساده قَالُوا موقع الْوَزير من الْملك موقع الْملك من الْعَامَّة وكما أَن السُّلْطَان إِذا صلح صلحت الرّعية وَإِذا فَسدتْ فَسدتْ الرّعية فَكَذَلِك الْوَزير إِذا صلح صلح الْملك وَإِذا فسد فسد الْملك وَإِذا كَانَ صَلَاح الرّعية بصلاح السُّلْطَان وَصَلَاح السُّلْطَان

стр. 144

بصلاح الْوَزير فصلاح الرّعية بصلاح الْوَزير ضَرُورَة وَكَذَا فِي الْعَسْكَر وَمن ثمَّ قَالَ أفلاطون طَاعَة الرّعية بسداد وَزِير الوزراء الْمَسْأَلَة الثَّامِنَة أَن من صَلَاح الْوَزير صَلَاح بطانته وأعوانه ضَرُورَة أَن كل ذِي بطانة صَلَاحه مُتَوَقف على صَلَاحهَا لقَوْله ﷺ مَا من وَال إِلَّا وَله بطانتان بطانة تَأمره بِالْمَعْرُوفِ وتنهاه عَن الْمُنكر وبطانة لَا تألوه خبالا فَمن وقِي شَرها ف وقِي وَهُوَ غلى من يغلب عَلَيْهِ مِنْهَا رَوَاهُ النَّسَائِيّ عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ الطرطوشي شَرّ الْأُمَرَاء من كَانَ لَهُ الشرار وزراء وبطانة وأخلاء الْمَسْأَلَة التَّاسِعَة أَن خلوص النَّصِيحَة الَّتِي هِيَ فِي الْجُمْلَة فعل مَا فِيهِ الصّلاح من أهم مَا يجب على الْوَزير أَن يبْذل فِيهِ غَايَة وَسعه ومقدوره أما أَولا فلموقعها من الدّين كَمَا يدل عَلَيْهِ حَدِيث أَن الدّين النَّصِيحَة وَأما ثَانِيًا فلوجهين أَحدهمَا أَن الصّلاح الْعَام مُتَوَقف الْحُصُول عَلَيْهَا فَفِي دمنة وكليلة يصلح السُّلْطَان إِلَّا الوزراء والأعوان وَلَا الوزراء والأعوان إِلَّا بالمودة والنصيحة وَلَا الْمَوَدَّة والنصيحة إِلَّا بِالرَّأْيِ والعفاف الثَّانِي أَن الوساطة بنقيضها بَين والرعية يفْسد التَّدْبِير وَيجْعَل هَلَاك من قصدت مضرته فقد قيل مثل السُّلْطَان كالطبيب وَمثل الرّعية كالمرضي وَمثل الْوَزير كالسفير بَين المرضى والأطباء فَإِن كذب السفير فقد بَطل التَّدْبِير وكما أَن السفير إِذا أَرَادَ أَن يقتل أحدا من المرضى وصف للطبيب نقيض دائه فَإِذا سقَاهُ الطَّبِيب على صفة السفير هلك العليل كَذَلِك الْوَزير ينْقل للْملك مَا لَيْسَ فِي الرجل فيقتله الْمَسْأَلَة الْعَاشِرَة أَن التَّعَلُّق بالوزير مِعْرَاج الْوُصُول إِلَى السُّلْطَان

стр. 145

ومرقاة الْفَوْز بتمكين الخطوة لبه قَالَ الطرطوشي وَلما كَانَت أزمة الْمُلُوك بأكف الوزراء سبق فيهم الْمثل ل تغتر بمودة الْأَمِير إِذا غشك الْوَزير وَإِذا أحبك الْوَزير فَلَا تخشى الْأَمِير قَالَ وَيُقَال الْخرق مماراة الْأُمَرَاء ومعاداة الوزراء وَأمر كرهه الْأَمِير يتمه الْوَزير كم من أَمر أَرَادَهُ الْأَمِير فثناه عَنهُ الْوَزير وَإِنَّمَا السُّلْطَان كَالدَّارِ والوزير بَابهَا فَمن أَتَى الدَّار من بَابهَا ولج وَمن أَتَاهَا من غير بَابهَا أزعج الْمُقدمَة الثَّانِيَة قد تقدم بَيَان اسْتِحَالَة الِاسْتِغْنَاء عَن الْإِعَانَة المنوطة بِهِ فِي الْمَرَاتِب السُّلْطَانِيَّة وَلذَلِك تدرجت الْعِنَايَة بهَا فِي الدول الإسلامية عِنْد انقلاب الْخلَافَة ملكا وَذَلِكَ فِي موضِعين الْموضع الأول الْمشرق وَذَلِكَ فِي دولتين الدولة الأولى الدولة الأموية فِي مبدأ استعجال ملكهَا ظهر اسْم الْوَزير وَأطلق على من خص لسمو مقَامه فِي الْمرتبَة السُّلْطَانِيَّة يَوْمئِذٍ بِعُمُوم النّظر ونطلق التَّفْوِيض بِحَسب رُتْبَة إِذْ ذَاك

стр. 146

قَالَ ابْن خلدون وَقَلبه مَا كَانُوا يعْرفُونَ مَا الْوَزير على مَا هُوَ عَلَيْهِ فِي مُطلق الْملك لذهاب رُتْبَة بسذاجته الإسلامية الدولة الثَّانِيَة دولة بني الْعَبَّاس وَلها فِي الْوُجُود أَحْوَال إِحْدَاهَا حَال استبدادها بشماخة الْملك وَالسُّلْطَان فَفِيهَا ازْدَادَ سمو الْوَزير بمصير النِّيَابَة إِلَيْهِ فِي الْحل وَالْعقد وَجعل النّظر لَهُ فِي ديوَان الحسبان ثمَّ فِي الْقَلَم والترسيل فَصَارَ اسْمه جَامعا لخطتي السَّيْف والقلم وَسَائِر مَعَاني المعاونة فعنت لَهُ الْوُجُوه وخضعت لَهُ الرّقاب قَالَ ابْن خلدون حَتَّى لقد دعى جَعْفَر بن يحي أَيَّام الرشيد بالسلطان إِشَارَة لعُمُوم نظره وَلم يخرج مِنْهُ إِلَّا الحجابة استنكافا عَن مثلهَا الثَّانِيَة حَال الاستبداد على سلطانها تَارَة واستقلاله بالآمر أُخْرَى وفيهَا انقسمت الوزارة إِلَى وزارة تَنْفِيذ وَهِي حَال قيام السُّلْطَان على نَفسه وَإِلَى وزارة تَفْوِيض وَهِي حَال استبداد الْوَزير عَلَيْهِ الثَّالِثَة حَال تَعْطِيل رسم خلافتها عِنْد مصير الْأَمر لملوك الْعَجم وَتعذر انتحالهم ألقاب الْخلَافَة واستنكفوا من مُشَاركَة الوزراء فِي اللقب فتسموا بالأمارة وَالسُّلْطَان إِلَى مَا يحيلهم بِهِ الْخَلِيفَة من ألقابه وَفَسَد اللِّسَان خلال ذَلِك وَصَارَ صناعَة ينتحلها بعض النَّاس فَترفع وزراؤه عَنْهَا لامتهانها بذلك مَعَ عجمة لسانهم فتخيروا لَهَا من الطَّبَقَات وَصَارَت خادمة للوزير

стр. 147

واختص الْأَمِير بِصَاحِب الْحَرْب والجند وَيَده مَعَ ذَلِك عالية على أهل الرتب وَأمره نَافِذ فِي الْكل نِيَابَة واستقلالا الرَّابِعَة حَال حجر سلطانها بمجيء دولة التّرْك آخر بِمصْر وعندما رَأَوْا تَبْدِيل الوزارة بترفع من سبقهمْ عَنْهَا وَدفعهَا لمن يقوم بهَا للخليفة الْمَحْجُور مَعَ تعقب نظره لنظر الْأَمِير استنكفوا عَنْهَا وَصَارَ صَاحب الْأَحْكَام وَالنَّظَر فِي الْجند يُسمى بالنائب واختص اسْم الْوَزير عِنْدهم بِالنّظرِ فِي الجباية الْموضع الثَّانِي فِي الْمغرب وَذَلِكَ فِي دوَل الدولة الأولى الدولة الأموية بالأندلس أَبقوا فِيهَا إسم الْوَزير فِي مَدْلُوله أول الدولة ثمَّ قسموا خطته اقتساما كوزارة حسبان المَال وَالْكِتَابَة وَالنَّظَر فِي الْمَظَالِم وأحوال الثغور وَجعل بَيت يَجْلِسُونَ فِيهِ على فرش منضدة لتنفيذ أَمر السُّلْطَان هُنَاكَ كل فِيمَا جعل لَهُ وأفرد للتدبير بَينهم وَبَين الْخَلِيفَة وَاحِد مِنْهُم ارْتَفع بذلك عَنْهُم حَتَّى فِي الْمجْلس وخصوه باسم الْحَاجِب إِلَى آخر دولتهم وَعند مصير الْأَمر لملوك الطوائف انتحلوا ذَلِك اللقب مَعَ مَا أختص بِهِ من الْجَلالَة الدولة الثَّانِيَة دولة الشِّيعَة بإفريقية والقيروان أغفلوا أَولا هَذِه الخطة لرسوخهم فِي البداوة وعندما أدْركْت دولتهم الحضارة تبعوا من سبفهم فِي وضع أسمائها بِحَسب تفَاوت رتبتها

стр. 148

الدولة الثَّالِثَة دولة الْمُوَحِّدين من بعد ذَلِك أهملوها أَولا للبداوة ثمَّ صَارُوا إِلَى انتحال السَّمَاء والألقاب وَكَانَ إسم الْوَزير فِي مَدْلُوله ثمَّ اتبعُوا الأموية وقلدوها فِي مَذَاهِب السُّلْطَان واختاروا اسْم الْوَزير لمن يحجب السُّلْطَان فِي مَجْلِسه وَيقف بالوفود الداخلين عَلَيْهِ عِنْد الْحُدُود فبالتحية وَالْخطاب والآداب اللَّازِمَة بَين يَدَيْهِ وَرفعُوا خطة الْحجاب مَا شاؤا وَالله ولي الْأُمُور الْمطلب الأول فِي شُرُوطه الضرورية والمكملة وَهِي لفضائل نفسية وكمالات بدنية وسعادات خارجية فَهِيَ ثَلَاثَة أَنْوَاع النَّوْع الأول الْفَضَائِل النفسية وَهِي جملَة إِحْدَاهَا الْعلم وأكده الْعلم بأيام النَّاس وسير الْمُلُوك وسياسة الرياسة وأدب الْخدمَة وَمَعْرِفَة الْخط وَالْكِتَابَة والحساب الثَّانِيَة جودة الْفَهم ليتصور الْأُمُور على حقائقها وَيحكم عَلَيْهَا بِمَا يجب لَهَا نفيا وإثباتأ الثَّالِثَة الذكاء والفطنة لِئَلَّا يتدلس عَلَيْهِ الْأُمُور فتشتبه وَلَا تموه فتلبس قيل وَلَا يَصح مَعَ إشتباهها غرم وَلَا يتم مَعَ التباسها حزم الرَّابِعَة قُوَّة الْحِفْظ ليتذكر مَا يلقى إِلَى السُّلْطَان أَو ينْقل عَنهُ لِأَنَّهُ شَاهد لَهُ وَعَلِيهِ وَشرط الشَّهَادَة الْعلم بمتعلقها أَدَاء وتحملا الْخَامِسَة الْمعرفَة بضروب الجبايات بِحَيْثُ لَا تخفى عَلَيْهِ وُجُوه

стр. 149

الْمصلحَة فِيهَا وَلَا تَشْتَكِي الرّعية إِلَيْهِ إِلَّا علم مُوجب شكايتها مداواتها وَفِي السياسة المنسوبة لارسطو إِذا علم الْخدمَة أَن الْوَزير عَالم بهم لم يقدموا على إِدْخَال دَاخِلَة السَّادِسَة الحنكة والتجربة ليحمل على صَحِيح الرَّأْي وصواب التَّدْبِير لما فِي التمرن بذلك خُصُوصا مَعَ طول الْمُبَاشرَة من الْخِبْرَة بمواقع الْأُمُور ومقابلة الْحَوَادِث السَّابِعَة الصَّبْر على تحمل مَا يقوم بِهِ عَن سُلْطَانه لاسيما مُبَاشرَة الْعَامَّة فَفِي محَاسِن البلاغة لَا يحْتَاج سائس النَّاس إِلَى سَعَة الصَّدْر واستشعار الصَّبْر فِي احْتِمَال نَوَادِر الْعَامَّة وإفهام الْجَاهِل وإرضاء الْمَحْكُوم عَلَيْهِ والممنوع مِمَّا سَأَلَ وتعريفه من أَيْن حكم عَلَيْهِ وَمنع مَا سَأَلَهُ الثَّامِنَة قُوَّة الْعَزِيمَة على فَقل مَا يَنْبَغِي بِحَيْثُ لَا يثنيه عَنهُ ضعف نفس وَلَا خور طبع جسارة عَلَيْهِ وإقداما لتاسعة حب الْعدْل وَأَهله وبغض الْجور وَذَوِيهِ ليعطي النصفة لأَهْلهَا ويرثي للمظلوم وينصره وان سخط الظَّالِم وَعز عَلَيْهِ ارضاء للحق وارغاما للباطل الْعَاشِرَة رَحْمَة الْخلق ليداوي بهَا مَا يجرحه السُّلْطَان بغلطته قلت كَمَا كتب مُعَاوِيَة رضى الله عَنهُ إِلَى زِيَادَة أَنه لَا يَنْبَغِي لنا أَن

стр. 150

نسوس النَّاس سياسة وَاحِدَة لَا نلين جَمِيعًا فَنَجْعَل النَّاس فِي الْمعْصِيَة وَلَا نشتد جَمِيعًا فنحمل النَّاس على المهالك وَلَكِن لتكن أَنْت للشدة والغلظة وأكون أَنا للرأفة وَالرَّحْمَة الْحَادِيَة عشرَة النزاهة قَالَ ابْن رضوَان وَهِي من آكِد شُرُوطه الثَّانِيَة عشرَة طَهَارَة الْقلب من خبث السريرة ليَكُون نقي الجيب نَاصح الْغَيْب قَالَ بعض الْمُلُوك لوزيره لتكن إِلَى مَا يسرني مِنْك أسْرع مبادرة مِنْك إِلَى إنذاري فِيمَا تخَاف عَليّ مِنْهُ وَقَالَ آخر أعْط من أَتَاك بِمَا تكره كَمَا تُعْطِي من أَتَاك بِمَا تحب فَإِن من انذرك كمن بشرك الثَّالِثَة عشرَة حسن الْمُعَامَلَة بسماحة الْخلق ولين الْجَانِب وسهولة اللِّقَاء وَاسْتِعْمَال التَّوَاضُع تحمد عاقبته فَفِي العهود اليونانية أَن المتواضع المتقلل من الوزراء فِي أَكثر الْأُمُور طَوِيل الْعُمر مظفر بأعدائه قريب من الْأَحْوَال المرضية عِنْد ربه الرَّابِعَة عشرَة كبر النَّفس وعلو الهمة لَيُحِب الْكَرَامَة ويأنف من الفضيحة فتعز بِهِ الدولة ويحنى جَانبهَا من طوارق الذل والمهانة

стр. 151

الْخَامِسَة عشرَة اعْتِدَال الْخلق والسيرة قَالَ الطرطوشي من شُرُوطه أَن يكون معتدلا كليل تهَامَة لَا حر وَلَا قر قلت وَإِن انحرفت سيرة السُّلْطَان تلطف هُوَ فِي ردهَا إِلَى اعْتِدَال كَمَا يدل عَلَيْهِ مَا سبق فِي كتاب مُعَاوِيَة ﵁ إِلَى زِيَاد وَمثله قَالَ أفلاطون إِن أخلاقه تَأمل مُعَاملَة الْملك فَإِن كَانَت شَدِيدَة عَامل النَّاس بِدُونِهَا وَإِن كَانَت لينَة عاملهم بأقوى مِنْهَا ليقرب من الْعدْل فِي سَعْيه النَّوْع الثَّانِي الكمالات الْبَدَنِيَّة وَهِي جملَة أَحدهمَا تَمام الْأَعْضَاء لتتأتي لَهُ الْأُمُور الَّتِي من شَأْنهَا أَن يكون بهَا وَمِنْهَا قلت وَلِأَن النَّقْص مِنْهَا شين يتنزه عَنهُ جمال الْملك بِهِ وزينته الثَّانِي جمال الْوَجْه وبهاؤه خُصُوصا مَعَ الْبشر وَالْحيَاء لدلَالَة ذَلِك على شرف النَّفس عكس القباحة المنفرة لَا سِيمَا مَعَ الصلف والوقاحة الثَّالِث صدق اللِّسَان لما فِي الْكَذِب من الْمَفَاسِد الْخلَّة بمصالح الدّين وَالدُّنْيَا وَقد من ذَلِك فِي تمثيله بالسفير بَين الطَّبِيب وَالْمَرِيض الرَّابِع حسن الْعبارَة المؤدية لما فِي النَّفس بأوجز لفظ وأوضع بَيَان

стр. 152

الْخَامِسَة صمت اللِّسَان عَن هذر القَوْل وَكَثْرَة المزاح والتعريض بِالنَّاسِ وَالِاسْتِخْفَاف بهم غيبَة وحضورا السَّادِس الفروسية ليحسن بهَا مَعَ الشجَاعَة الَّتِي هِيَ أم الْفَضَائِل مُبَاشرَة الحروب ومدافعة الْعَدو فِي مَوَاطِن اللِّقَاء السَّابِع ظُهُور أثر الْعِفَّة عَلَيْهِ فِي التقاء شَره الْأكل وَالنِّكَاح فَفِي الافلاطونيات اقبح مَا يشنع على الزير تَشَاغُله بلذة أَو شرب أَو خُرُوجه إِلَى غضب فَإِن وَاحِدَة من هَذِه تفْسد ناموسة الَّذِي قَامَ بِهِ النَّوْع الثَّانِي السَّعَادَة الخارجية وَهِي جملَة إِحْدَاهَا شرف الْبَيْت وكرم المنشأ لَا سِيمَا أَكَانَ أَبوهُ وزيرا لنه إِذْ ذَاك وَارِث حَالَة نَشأ علنها ودرب على ممارستها الثَّانِيَة أَمَانَة بطانته وبصيرتها بِمَا يرام مِنْهُم فِي مصلحَة الِاخْتِصَاص بِهِ وَقدم تقدم أَن صَلَاحه مَشْرُوط بصلاحهم الثَّالِثَة حسن الملبس وجمال الزي عملا على مشاكلة الرُّتْبَة وأبهة الْمقَام ليجمل فِي الْعُيُون ويعظم فِي الصُّدُور الرَّابِعَة إِبَاحَة مَجْلِسه لِذَوي الْمَقَاصِد والحاجات ليصغى إِلَيْهِم وَيُؤْنس من وحشيتهم ويصبر على تحاملهم الْخَامِسَة اسْتِوَاء ليله ونهاره فِي حسن النّظر وسداد التَّدْبِير قيَاما بِمَا نصب لَهُ ووفاء بِمَا شَرط عَلَيْهِ

стр. 153

تَكْمِلَة فِي تَنْبِيه حذروا فِي هَذَا الْمقَام من وزارة رجلَيْنِ أَحدهمَا فِي طَرِيق الضعة وَهُوَ اللَّئِيم قَالَ الطرطوشي يحذر الْملك أَن يولي الوزارة لئيما إِن اللَّئِيم إِذا ارْتَفع جَفا أَقَاربه وَأنكر معارفه واستخف بالأشراف وتكبر على ذَوي الْفضل والإنصاف الثَّانِي فِي طرق الرّفْعَة وَهُوَ المنتمي لقرابة السُّلْطَان وَعلله فِي السياسة المنسوبة لارسطو بِمَا بَين الْقَرَابَة من الْحَسَد الَّذِي لَا يَقع فِيمَا بَينهم إِلَّا بِالروحِ قَائِلا وَهُوَ لَازم فِي الطبيعة مُنْذُ بَدْء الخليقة كَمَا وَقع بَين ابْني آدم قابيل وهابيل الْمطلب الثَّانِي أُمَّهَات من فَوَائِد زَائِدا على مَا تقدم مها وَهِي جملَة الْفَائِدَة الأولى تنزله من السُّلْطَان منزلَة أَعْضَاء الْبدن وَآخر مَا بِهِ تركب وجوده قَالُوا الْوَزير مَعَ الْملك بِمَنْزِلَة سَمعه وبصره وَلسَانه وَقَلبه الْفَائِدَة الثَّانِيَة وُقُوعه مَعَ الْملك موقع مَا يبْدَأ بِهِ الْكَمَال وَالنُّقْصَان قَالُوا موقع الْوَزير من المملكة كموقع الْمرْآة من الْبَصَر كَمَا أَن من لم ينظر فِي الْمرْآة لَا يرى محَاسِن وَجهه وعيوبه كَذَلِك السُّلْطَان إِذا لم يكن لَهُ وَزِير لَا يعلم محَاسِن دولته وَلَا عيوبها قَالَ الطرطوشي وكما أَن الْمرْآة لَا تريك وَجهك إِلَّا بصفاء جوهرها ونقائها من الصدأ كَذَلِك الْوَزير لَا يكمل أمره إِلَّا بجودة عقله ونقاء قلبه

стр. 154

الْفَائِدَة الثَّالِثَة النَّفْع بِهِ فِي تَحْصِيل مَا ينشرح الصَّدْر بقبوله وتتضح بِهِ حقائق الْأُمُور وَيَا لَهَا من طَلِيعَة تعلم بِمَا وَرَاءَهَا من الْفَوَائِد الجمة وَالْمَنَافِع الَّتِي لَا تَنْحَصِر بزمام قَالُوا أول مَا يستفيده الْملك من الوزراء أَمْرَانِ علم مَا كَانَ يجهله وَزَوَال الشَّك فِيمَا يُقَوي علمه الْفَائِدَة الرَّابِعَة صون اللِّسَان بِهِ عَن الامتهان وترفعه بِهِ عَن التبذل لكفايته مَا لَا يَلِيق بِهِ أَن يَلِيهِ نَفسه وَينزل بمباشرته على عَليّ مقَامه وشريف رتبته لاسيما عِنْد عرُوض مَا شرع لأَجله إِقَامَة صورته وَحفظ جَلَاله وجماله قَالَ ابْن سَلام الْوَزير يصون الْملك عَن الامتهان وَيَرْفَعهُ عَن التبذل فِي كل مَكَان الْفَائِدَة الْخَامِسَة وفاؤه بِكُل مَا يُرَاد لَهُ ويعد للْقِيَام بِهِ على الْإِطْلَاق والعموم وَقد عبر عَن ذَلِك التدميري فِي محَاسِن البلاغة بقوله الْوَزير عون على الْأُمُور وَشريك فِي التَّدْبِير وظهير على السياسة ومفزع عِنْد النَّازِلَة

стр. 155

الْفَائِدَة التَّاسِعَة قِيَامه بوظائف الْملك عِنْد استراحة السُّلْطَان من كد التَّعَب بهَا دَائِما فَفِي الأفلاطونيات وَزِير الْملك هُوَ الَّذِي يَخْدمه بالفضائل إِذا انْصَرف إِلَى نقيضها لاحتياج المملكة أَلا يغيب عَنْهَا الصَّوَاب وَحسن الرَّأْي فِي وَقت من الْأَوْقَات وَالْملك لَا يُطيق ذَلِك ولابد لَهُ من انْصِرَافه من جد إِلَى هزل وَمن تَعب إِلَى رَاحَة فاضطر إِلَى مؤازرته على المملكة بجد فِيهَا إِذا هزل ويفكر فِيهَا إِذا لهى لِئَلَّا يغيب عَنهُ نور الْعقل الْفَائِدَة السَّابِعَة إِشَارَته بِمُقْتَضى الرَّأْي وَافق غَرَض السُّلْطَان أَو خَالفه فَفِي الأفلاطونيات لَيْسَ يستخدم للْملك رَأْيه أجمع فِي مصلحَة المملكة غير وزيره فَإِنَّهُ يرِيه عواقب أُمُوره ويمانعه عَمَّا خَالف الصَّوَاب فِيهِ الْفَائِدَة الثَّامِنَة غناء الثِّقَة بِرَأْيهِ وراحة الْإِفْضَاء إِلَيْهِ بأسرار الْملك فيحكى أَن امْرَأَة أوصت ابْنهَا وَكَانَ ملكا فَقَالَت يَا بني يَنْبَغِي للْملك أَن يكون لَهُ سِتَّة أَشْيَاء جليلة وَزِير يَثِق بِرَأْيهِ ويفضي إِلَيْهِ بأسراره وحصن يلجأ إِلَيْهِ إِذا فزع وَسيف إِذا نَازل الأقران لم يخفي عَلَيْهِ أَن يخونه وذخيرة خَفِيفَة الْحمل إِذا نابته نائبة كَانَت مَعَه وَامْرَأَة إِذا دخلت عَلَيْهِ أذهبت همه وطباخ إِذا لم يشته طَعَاما صنع لَهُ طَعَاما يشتهيه الْفَائِدَة التَّاسِعَة ازدياد السُّلْطَان بِهِ عقلا وإدراكا فَفِي سياسة أرسطو يزْدَاد الْملك الحازم بِرَأْي وزرائه كَمَا يزْدَاد الْبَحْر بمواده من الْأَنْهَار وينال بالحزم والرأي مَالا ينَال بِالْقُوَّةِ والجند

стр. 156

الْفَائِدَة الْعَاشِرَة جمال المملكة بِهِ زَائِدا على ضَرُورِيّ الْحَاجة عَلَيْهِ فقد كَانَ يُقَال حِيلَة الْمُلُوك وزينتهم وزرائهم وَفِي وَصِيَّة أرسطو للإسكندر أرع وزيرك أَكثر من مراعاتك لنَفسك وشاوره قليلك وكثيرك أدنه من مجلسك فَإِنَّهُ زينك فِي الملا وأنسك فِي الخلا وساترك فِي البأساء وَالضَّرَّاء الْمطلب الثَّالِث فِيمَا يجب لَهُ مُرَتبا على ذَلِك وَحَاصِله أَمْرَانِ أَحدهمَا مشورته فِي كثير من الْأَمر وقليله فقد تقدم آنِفا قَول أرسطو أرع وزيرك أَكثر من مراعاتك لنَفسك وشاوره فِي قليلك وكثيرك الثَّانِي مُوَافَقَته على إِمْضَاء مَا ظهر صَوَاب رَأْيه فِيهِ إِذْ الْمُخَالفَة وَالْحَالة هَذِه تَفْوِيت لمصْلحَة الرَّأْي وَنقض للغرض الْمَقْصُود بالوزارة وَلَا يخفي مَا فِي ذَلِك من الْفساد الْكَبِير الْتِفَات مشورة السُّلْطَان لوزيره لَا تَنْحَصِر فِي ضَرُورَة الِاحْتِيَاج لإشارته وَذَلِكَ لِأَن مُوجب الطّلب فِيهِ ثَلَاثَة أَحدهمَا تألف الْقُلُوب بهَا كَمَا فِي حق النَّبِي ﷺ حَيْثُ قيل لَهُ ﴿وشاورهم فِي الْأَمر﴾ الثَّانِي امتحان عقل المستشار فِيمَا يُشِير بِهِ هَل يُوفي بِإِصَابَة الصَّوَاب أَو يقصر عَنهُ الثَّالِث عجز الْوُقُوف على الرَّأْي الْمُعْتَمد عَلَيْهِ فيستعان بالمشورة على الْوُصُول إِلَيْهِ وَكلهَا متصورة فِي السُّلْطَان مَعَ الْوَزير وَغَيره على مَا قَرَّرَهُ الْبَلْخِي وَغَيره وَهُوَ ظَاهر

стр. 157

الرُّكْن الثَّانِي إِقَامَة الشَّرِيعَة وَذَلِكَ لِأَن الْمَقْصُود بِالْحلقِ لَيْسَ الدُّنْيَا فَقَط لِأَنَّهَا من حَيْثُ فنائها عَبث وباطل وَهُوَ تَعَالَى يَقُول ﴿أفحسبتم أَنما خَلَقْنَاكُمْ عَبَثا﴾ وَقَالَ تَعَالَى وَمَا خلقنَا السَّمَوَات وَالْأَرْض وَمَا بَينهمَا بَاطِلا بل الدّين المفضي بهم إِلَى السَّعَادَة الآخروية وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا خلقت الْجِنّ وَالْإِنْس إِلَّا ليعبدون﴾ والشرائع هِيَ الْحمالَة لَهُم عَلَيْهِ حَتَّى فِي الْملك الطبيعي لِاجْتِمَاع الْإِنْسَان فَلَا جرم أجرته على نهجه ليمون الْعقل محوطا بنظرها وَأَيْضًا فقد تقدم أَن الْملك الديني مندرج فِي الْخلَافَة الَّتِي هِيَ نِيَابَة عَن الشَّارِع فِي حراسة الدّين وسياسة الدُّنْيَا بِهِ إِذا تقرر هَذَا فَهُنَا لتشييد هَذَا الرُّكْن الْعَظِيم ثَلَاثَة أصُول الأَصْل الأول فِيمَا يحمل عَن ذَلِك ويرغب فِيهِ وَيَكْفِي من ذَلِك ترغيبان التَّرْغِيب الأول أَنه دَلِيل أَنه دَلِيل على اسْتِحْقَاق الرياسة بِحَق فقد تقدم أَن من عَلامَة ملكهَا التنافس فِي خلال الْخَيْر وَلَا خير إِلَّا فِي إتباع الشَّرِيعَة كَمَا من هُنَاكَ من أَمْثِلَة وَفِي سياسة أرسطو أَي ملك أخدم ملكة دينية فَهُوَ مُسْتَحقّ فِي الرياسة وَأي ملك جعل دينه خَادِمًا لملكه فَهُوَ مستخف بناموسه وَمن استخف بالناموس قتلة الناموس وَفِي الأفلاطونيات فضل الْمُلُوك على مِقْدَار خدمتهم لشريعتهم ونقصهم على قدر إغفالهم لَهَا

стр. 158

التَّرْغِيب الثَّانِي أَنه الْكَفِيل بإرضاء الْخلق وإنزال الساخط مِنْهُم منزلَة الراضي قَالَ ابْن المقفع الْمُلُوك ثَلَاثَة ملك دين ملك حزم وَملك هوى فَأَما ملك الدّين فَإِنَّهُ إِذا أَقَامَ للرعية دينهم فَكَانَ دينهم هُوَ الَّذِي يعطيهم الَّذِي لَهُم وَيلْحق بهم الَّذِي عَلَيْهِم أرضاهم ذَلِك وَأنزل الساخط مِنْهُم منزلَة الراضي فِي الْإِقْرَار وَالتَّسْلِيم وَأما ملك الحزم فَإِنَّهُ تقوم بِهِ الْأُمُور وَلَا يسلم من الطعْن والسخط وَلنْ يضر طعن الذيل مَعَ حزم القوى وَأما ملك الْهَوَاء فلعب سَاعَة ودمار دهر تَمْثِيل قَالَ الْحُكَمَاء الْملك بَيت أسه الْإِيمَان وسقفه التَّقْوَى وأركانه الشَّرَائِع وفرشه الْعدْل وأستاره السّير المحمودة فَإِذا قعد فِيهِ الْملك ابتهجت بِهِ الدُّنْيَا وتألفت بِهِ النُّفُوس وعمرت بِهِ الْبِلَاد وَشَمل الصّلاح الْعباد الأَصْل الثَّانِي فِيمَا يكف عَن الْإِخْلَال بِهِ وَيَكْفِي من ذَلِك أَيْضا ترهيبان التَّرْهِيب الأول خشيَة سريان الْفساد بِهِ إِلَى سَائِر الطَّبَقَات قَالَ ابْن المقفع ليعلم الْملك أَن النَّاس على دينه إِلَّا أَنه من لَا يُبَالِي بِهِ

стр. 159

فَلْيَكُن للدّين والمرؤة عِنْده نفاق فسيكيد بذلك الْفُجُور والدناءة فِي آفَاق الأَرْض التَّرْهِيب الثَّانِي توقع زَوَال الْملك الأموية طبعا وَشرعا فَمن كَلَام أفلاطون إِذا تخلى الْملك عَن الدّين حاربته الشَّرِيعَة بأشخاصها وَلم تمهله إِلَّا بِمِقْدَار مَا يعد ملكا طبيعيا موعظة يرْوى أَن آخر الْمُلُوك الأموية بالمشرق لما هرب غلى النّوبَة سمع بِهِ ملكهَا فَجَاءَهُ وَقعد على الأَرْض فَقَالَ لَهُ إِلَّا تقعد على فراشنا فَقَالَ لَهُ النوبي لَا قَالَ وَلم قَالَ لِأَنِّي ملك وَحقّ على كل ملك أَن يتواضع لمر الله سُبْحَانَهُ إِذْ رَفعه ثمَّ قَالَ لَهُ وَلم تشربون الْخمر وَهِي مُحرمَة عَلَيْكُم وَلم تطأون الزَّرْع بدوابكم وَالْفساد محرم عَلَيْكُم وَلم تستعملون الذَّهَب وَالْفِضَّة وتلبسون الديباج وَهُوَ محرم عَلَيْكُم فَقَالَ لَهُ انتصرنا بِقوم من الْأَعَاجِم حِين قل أنصارنا وَلنَا عبيد وَاتِّبَاع فعلوا ذَلِك على كره منا فَأَطْرَقَ النوبي مَلِيًّا ثمَّ قَالَ لَيْسَ كَمَا ذكرت وَلَكِن أتتم قوم استحللتم مَا حرم الله عَلَيْكُم وظلمتم فِيمَا ملكتم فسلتكم الله الْعِزّ بذنوبكم وَالله فِيكُم نقمة لم تبلغ غايتها وأخاف أَن يُصِيبكُم الْعَذَاب وَأَنْتُم ببلدي فيصيبني مَعكُمْ وَإِنَّمَا الضِّيَافَة ثَلَاثَة أَيَّام فتزودوا مَا احتجتم وَانْصَرفُوا عَن بلدي الأَصْل الثَّالِث فِي كليات مَا تحفظ بِهِ الشَّرِيعَة تشيدا لركن الْملك بِهِ وَهِي الضروريات الْخمس الْمُتَّفق على رعايتها فِي جَمِيع الشَّرَائِع الدّين وَالنَّفس وَالْعقل والنسل وَالْمَال لِأَن مصَالح الدّين وَالدُّنْيَا مَبْنِيَّة على الْمُحَافظَة عَلَيْهَا بِحَيْثُ لَو انخرمت لم يبْق للدنيا وجود من حَيْثُ الْإِنْسَان الْمُكَلف وَلَا

стр. 160

للآخرة من حَيْثُ مَا وعد بهَا فَلَو عدم الدّين عدم ترَتّب الْجَزَاء المرتجى وَلَو عدم الْإِنْسَان لعدم من يتدين وَلَو عدم الْعقل لارتفع التَّدْبِير وَلَو عدم النَّسْل لم يُمكن الْبَقَاء عَادَة وَلَو عدم المَال لم يبْق عَيْش تركيب إِذا عرفت هَذَا فَهُنَا بِحَسب القَوْل الْكُلِّي وظيفتان الْوَظِيفَة الأولى حفظهَا من جَانب الْوُجُود وأركانها ورعاية مكملاتها فالدين بِإِظْهَار شعائره وَبث الدعْوَة إِلَيْهِ بالترغيب والترهيب وَالنَّفس بِحِفْظ بقاءها بالمآكل والمشارب من دَاخل والملابس والمساكن من خَارج وَالْعقل يتَنَاوَل مَالا يعود عَلَيْهِ بسكر أَو فَسَاد والنسل بِإِقَامَة أَصله الْمَشْرُوع وَاجْتنَاب وَضعه فِي الْحَرَام وَالْمَال برعاية دُخُوله فِي الْملك أَولا وتثميره بعد ثَانِيًا الْوَظِيفَة الثَّانِيَة حفظهَا من جَانب الْعَدَم وَذَلِكَ يدْرك الْخلَل الْوَاقِع والمتوقع فِيهَا فالدين بجهاد الْكَافِر وَقتل الْمُرْتَد والزنديق وقمع الضال المبتدع وَالنَّفس بِالْقصاصِ وَالدية وَالْعقل بِالْحَدِّ فِي الْمَكْر وَالْأَدب فِي الْمُفْسد والنسل بِالْحَدِّ وتضمين قيم الْأَوْلَاد فِي الزِّنَا وَالْمَال بِالْقطعِ والتضمين تَنْبِيه من الْأُصُولِيِّينَ من الْحق بِهَذِهِ الْخَمْسَة سادسا وَهُوَ الْعرض وَعَلِيهِ بحفظه من جَانب الْوُجُود باعتقاد سَلَامَته عَن المطاعن والقوادح وَمن جَانب الْقدح بِالْحَدِّ فِي الْقَذْف وَاللّعان

стр. 161

الرُّكْن الثَّالِث إعداد الْجند وَقبل بَيَان مَا يَتَّضِح بِهِ تلخيصه فَهُنَا مقدمتان الْمُقدمَة الأولى قد سبقت إِشَارَة إِلَى أَن الْجند قد يعز بِهِ عَن العصبية المشترطة فِي حُصُول الْملك وَمَا توقف الْملك عَلَيْهِ فَلَا يخفى موقعه مِنْهُ وَمن ثمَّ قيل قد اتّفق حكماء الْعَرَب والعجم على هَذِه الْكَلِمَة الْملك بِنَاء والجند أساسه فَإِذا قوى الأساس تمّ الْبناء وَإِذا ضعف الأساس انهار الْبناء فَلَا سُلْطَان إِلَّا بجند وَفِي الشكل الدوري الَّذِي وَضعه أرسطو للإسكندر وَالْملك رَاع يعضده الْجَيْش وَسَيَأْتِي نَقله بتمامة فِي مَوضِع آخر إِن شَاءَ الله الْمُقدمَة الثَّانِيَة إِذا كَانَ من الْملك بِهَذِهِ الْمنزلَة فالعناية بِهِ لاشك متأكده لاسيما حَيْثُ الْجِهَاد والرباط كَمَا فِي وطننا الأندلس أيده الله بسيوف أجناده فَفِي العهود اليونانية اصرف أَكثر اهتمامك إِلَى تَقْوِيم الْمُقَاتلَة وَاسْتَوْفِ عَلَيْهِم شَرَائِط الْخدمَة ووفهم مَالهم من الْأُجْرَة الَّتِي فَرضهَا لَهُم الِاسْتِحْقَاق وَمن عهد عقدَة بعض الْمُلُوك لِابْنِهِ من إنْشَاء الْكتاب أبي الْحسن بن جودي الخول الخول والجند الْجند فَإِن الله تَعَالَى قد حمى بِهِ الْحَوْزَة وَجعله نكالا للباغي وبلاء لِلْعَدو وظهيرا وعماد للعز إِذا عرفت هَذَا فلتشييد الْملك بِهِ عنايات

стр. 162

الْعِنَايَة الأولى فِيمَا يتكفل بحفظه الْعَائِد نَفعه على الدولة وَذَلِكَ أُمُور أَحدهَا إنصافهم من مرتباتهم فقد قيل من أهم الْأُمُور الأنصاف لأرباب المرتبات من غير مطل إِذْ لابد من إعطائها فتعجيلها لحين وُجُوبهَا أحسن لِأَن تَأْخِيرهَا يحوجهم إِلَى المدينات فيضعفهم وتقل فَائِدَة الْعَطاء عِنْد التَّأْخِير الثَّانِي ملك قُلُوبهم بعد ذَلِك بِالْإِحْسَانِ الزَّائِد فَفِي العهود اليونانية وَأعلم أَنهم لَا يبذلون مهجهم إِلَّا لمن ملك قُلُوبهم بِالْإِحْسَانِ وحركاتهم بالتقويم وَلمن تثق بإشفاقه على من تخلفه بعْدهَا وترضى طَاعَته لمعادها فاستشعر هَذِه الْخِصَال فَإِنَّهَا تسبقك إِلَى المخاوف وَتَكون رِدَاء لَك من المكاره فَإِن لم تبلغ الْقَصْد من ذَلِك فَبسط الْوَجْه وَطيب الْكَلَام يقوم مقَامه قلت وَهُوَ المر الثَّالِث أَنكُمْ لن تسمعوا النَّاس بأموالكم فسعوهم ببسط الْوُجُوه وَحسن الْبشرَة وَقيل من أبلغ السياسة معرفَة أَمِير الْجَيْش منَازِل طَاعَة أَصْحَابه الثَّالِث استدعائه مجتمعهم بلين الْكَلِمَة وخفض الْجنَاح من طيب الْكَلَام ورد السَّلَام وَإِعْطَاء الْحق وَاسْتِعْمَال الصدْق فِي الْوَعْد والوعيد

стр. 163

الرَّابِع تفقدهم بِالنّظرِ فيهم إِثْبَاتًا وإسقاطا قَالَ الطرطوشي يَنْبَغِي للْملك أَن يتفقد جُنُوده كتفقد صَاحب الْبُسْتَان بستانه فِي قلع مَالا ينفع من العشب وَمَعَ ذَلِك يضر بالنبات النافع الْخَامِس تَمْكِين الرهبة فِي قُلُوبهم ليتم مَا يُرَاد مِنْهُم فَفِي سياسة ارسطو يجب أبن يكون عَلَيْهِم مِنْك رَقَبَة تبعثهم على مهابتك والتعظيم لَك السَّادِس اتخاذهم من أَجنَاس مُخْتَلفَة قَالُوا يسْتَحبّ للسُّلْطَان أَن يكون جنده أجناسا مُتَفَرِّقَة وقبائل شَتَّى بِحَيْثُ لَا يتهيأ لَهُم الِاتِّفَاق على رَأْي وَاحِد فِي الْخلاف والعداوة فان المرين جَمِيعًا يعودان عَلَيْهِ بالمضرة قلت هَذَا بعد اسْتِقْرَار الدولة واستغنائها بِمثل ذَلِك عَن العصبية الملتحمة كَمَا مر السَّابِع أَخذهم بِصَرْف مَا يفضل عَن عطائهم فِي زيهم وسلاحهم فَفِي العهود اليونانية لتسمح لأحد مِنْهُم بإغفال شَيْء من عدته وَليكن مَا فضل من نفقاتهم مصروفا إِلَى زيهم وسلاحهم والتزين فِي مراكبهم وغلمانهم الثَّامِن معرفَة مَالهم من حُقُوق الْخدمَة فقد قيل يجب على السُّلْطَان أَن يعرف لكل وَاحِد مِنْهُم حق نجدته ول ينسى لَهُ مَحْمُود أَفعاله وليعلمهم بالغرض الَّذِي يجرونَ إِلَيْهِ فِي خدمته وَالْقدر الَّذِي يسْتَحقُّونَ عَلَيْهِ من كرامته وَأَن لم يعلمهُمْ ذَلِك بِلِسَانِهِ أعلمهم إِيَّاه بعادته التَّاسِع حفظهم عَن مضرَّة من يرى نَفسه فَوق غنائه فينذر مِنْهُ مَا يعظم

стр. 164

بِهِ موقع ضَرَره فَفِي العهود اليونانية وَأحذر مِنْهُم من كَانَ عِنْده اكثر من موقعه فِي الدفاع عَنْك وَلم يستح من التزايد فِي ملابسه وَاقْتضى أَضْعَاف مَا أبلى وشكى البخس فِي يسير مَا يتَعَذَّر عَلَيْهِ وقايس بَين سيرة صَاحبه وسيرة أعدائه وَأظْهر الْكَرَاهَة لما هُوَ فِيهِ وَكَانَ التطوف والثقل غَالِبين عَلَيْهِ فانه من مواد الْفِتَن وَعقد الضلال الْعَاشِر إطعامهم فِي الأعياد والفصول فَفِي سياسة أرسطو وأطعمهم فِي الْفُصُول والأعياد فَإِن هَذَا عِنْدهم من أكْرم مَا تكرمهم بِهِ وتتحبب إِلَيْهِم من أَجله قلت وَشرط ذَلِك أَن سيلم من الْوُقُوع فِي الْبِدْعَة وَالْمُنكر المنهى عَنهُ وَلَا يخفى من أَيْن يدْخل ذَلِك على ذِي بَصِيرَة بالسنن الشرعيات الْعِنَايَة الثَّانِيَة فِيمَا يعرف بمداخل الْخلَل عَلَيْهِ ليتقى مِنْهَا وَهِي أَيْضا أُمُور أَحدهَا حبس مرتباتهم اتكالا على قَول الْمَنْصُور يَوْمًا لقواده صدق الْأَعرَابِي حَيْثُ يَقُول اجْمَعْ كلبك يتبعك فَإِن بَعضهم قَالَ لَهُ أَلا تخشى أَن يلوح لَهُ غَيْرك برغيف فيتبعه ويدعك قلت بل الْمَحْذُور فَوق ذَلِك كَمَا يرْوى إِن بعض الْأُمَرَاء كَانَ ظَالِما لرعيته فَأخذ أَمْوَالهم فعوتب فِي ذَلِك كَمَا فَقَالَ أجعَل كلبك يتبعك فَوَثَبُوا عَلَيْهِ فَقَتَلُوهُ فَمر بِهِ بعض الْحُكَمَاء فَقَالَ رُبمَا أكل الْكَلْب صَاحبه إِذا لم يجد شُعْبَة الثَّانِي توفير واجبهم أَو تقتيره قَالَ ابرويز لِابْنِهِ لَا توسع على جنودك فيستغنوا عَنْك وَلَا تضيق عَلَيْهِم فيضحوا بك أعطهم عَطاء

стр. 165

قصدا وامنعهم منعا جميلا ووسع عَلَيْهِم فِي الرخَاء وَلَا تسرف لَهُم فِي الْعَطاء الثَّالِث إِيثَار بَعضهم بِمَا لَا يَلِيق بِهِ وَلَا يسْتَحقّهُ بِعَمَلِهِ قَالُوا لِأَن ذَلِك مُفسد للمفضل والمفضل عَلَيْهِ فَالْأول لِثِقَتِهِ أَن ذَلِك بالهوى فيخاف انْتِقَاله عَنهُ وَالثَّانِي لَا عَلامَة أَن غَيره آثر مِنْهُ بِغَيْر اسْتِحْقَاق فيتكل على المصادفة وَترك الْجد الَّذِي ينَال بهَا الْمنزلَة وَقد قيل منع الْجَمِيع أرْضى للْجَمِيع الرَّابِع إذلالهم بِمَا يخْشَى بِهِ عاديتهم وفسادهم فَفِي السياسة لَا تمكنهم من الْقرب مِنْك عِنْد السَّلَام عَلَيْك وَلَا تجْعَل لَهُم سَبِيلا إِلَى مكالمتك جَهرا فَكيف سرا فَإِن هَذَا سَبَب إِلَى الانبساط عَلَيْك وَالِاسْتِخْفَاف بك وَرُبمَا كَانَ فِي ذَلِك الهلكة فِي الْغدر على مَا جرى لناسطوس الْملك وَغَيره قلت وانقلاب الخلفة ملكا مُوجب لاعتباره شرعا الْخَامِس تسليطهم على الرّعية بالعنف والتحامل فقد قيل لَا يُمكن أهل الْغناء مِنْهُم من التدلل عَلَيْهِ وَلَا من الإفتيات على رَعيته وليرضيهم رياضة تُؤدِّي بِكُل وَاحِد مِنْهُم إِلَى الْوُقُوف عِنْد حكمه والمبادرة إِلَى امْتِثَال أمره السَّادِس تقويتهم بإضعاف الرّعية قَالُوا إِذا قوي السُّلْطَان جنده بإضعاف رَعيته فَهُوَ مضيع لجنده متْلف لملكه وَكَذَا بِالْعَكْسِ فَلْيَكُن غَرَضه الْعدْل فِي سيرته وجبايته بَين جنده ورعيته السَّابِع إهمالهم عَن التدريب بالحركة فَفِي العهود قَومهمْ على الْمسير فِي بعوثك والتنقل فِي حروبك وَلَا توطن منسرا مِنْهُم بَلَدا من

стр. 166

بلدانك فيركن إِلَى الدعة ويستوطئ مهاد المعجزة ويختزله الإيثار للراحة وَكره إِلَيْهِم خدمَة الْعَاقِبَة فِي الْجدّة الثَّامِن اشتغالهم بِالتِّجَارَة وَكسب المستغلات فَفِيهَا وانعهم من المتجر والمستغلات وَمَا يتكسب بِهِ من لَا سلَاح لَهُ وَلَا قُوَّة مَعَه وَليكن اكتسابهم من الْجِهَاد عَن المملكة والإغارة على أعدائها فَإِنَّهُم كالجوارح الَّتِي يضر بهَا ويفسدها أَن تطعم مَا لم تصده قلت وَلَا بُد من رِعَايَة السياسة الشَّرْعِيَّة فِي ذَلِك وَسَيَأْتِي إِن شَاءَ الله مَا فِي تِجَارَة السُّلْطَان وَمن يَلِيهِ التَّاسِع تضييعهم فِي السّلم إِلَى وَقت الْحَاجة إِلَيْهِم وَحِينَئِذٍ ينظر فيهم قَالُوا من أضاع الْجند فِي السّلم لم يجدهم فِي الْحَرْب وَلَا ينفع الْعَطاء عِنْد الْحَاجة فَإِنَّهُم يعلمُونَ أَن المَال إِلَى الإقلال عاطفة تَكْمِيل بِذكر حكايتين أَحدهمَا لبَيَان أَن الْجند هُوَ عُمْدَة الْملك وَأَن الْمَخْصُوص بسعادته يكيف لَهُ من حمل جنده مَا لم يخْطر لَهُ على بَال والأحرى لظُهُور خطأ من رجح توفير المَال على أعداد الْجند الْحِكَايَة الأولى ذكر أَن عماد الدولة أَبَا الْحسن عَليّ بن بويه اتّفقت لَهُ أَشْيَاء عَجِيبَة كَانَت سَببا لثبات ملكه مِنْهَا أَنه لما ملك شيراز فِي أول ملكه

стр. 167

اجْتمع أَصْحَابه وطالبوه بالأموال وَلم يكن عِنْده مَا يرضيهم بِهِ وأشرف أمره على الانحلال واغتم لذَلِك فَبَيْنَمَا هُوَ مفكر قد اسْتلْقى على ظَهره فِي مجْلِس قد خلى فِي للفكرة وَالتَّدْبِير إِذْ رأى حَيَّة قد خرجت من مَوضِع من سقف ذَلِك الْمجْلس وَدخلت موضعا آخر مِنْهُ فخاف أَن تسْقط عَلَيْهِ فَدَعَا الفراشين وَأمرهمْ بإحضار سلم وَأَن تخرج الْحَيَّة فَلَمَّا صعدوا وَبَحَثُوا عَن الْحَيَّة وجدوا ذَلِك السّقف يُفْضِي إِلَى غرفَة بَين سقفين فعرفوه ذَلِك فَأَمرهمْ بِفَتْحِهَا ففتحت فَوجدَ فِيهَا عدَّة صناديق من المَال والمصاغات قدر خَمْسمِائَة ألف دِينَار فَجعل المَال بَين يَدَيْهِ فسر بِهِ وأنفقه فِي رِجَاله وَثَبت أمره بعد أَن كَانَ قد أشفى على الانحلال وَمِنْهَا أَنه قطع ثيابًا وَسَأَلَ عَن خياط حاذق فوصف لَهُ الْخياط كَانَ لصَاحب الْبَلَد قبله فَأمر بإحضاره وَكَانَ أطرش فَوَقع بِبَالِهِ أَنه قد سعي بِهِ إِلَيْهِ فِي وَدِيعَة كَانَت عِنْده لصَاحبه وَأَنه طلبه لهَذَا السَّبَب فَلَمَّا خاطبه حلف أَنه لَيْسَ عِنْده إِلَّا اثْنَا عشر صندوقا لَا يدْرِي مَا فِيهَا فَعجب عماد الدولة من جَوَابه وَوجه مَعَه من حملهَا فَوجدَ فِيهَا أَمْوَالًا وثيابا فَكَانَت هَذِه الْأَشْيَاء من أقوى دَلَائِل سعادته الْحِكَايَة الثَّانِيَة فِي أَخْبَار بعض الْمُلُوك أَن وزيره أَشَارَ عَلَيْهِ بِجمع الْأَمْوَال واقتناء الْكُنُوز وَقَالَ إِن الرِّجَال وَإِن نفروا عَنْك الْيَوْم فَمَتَى احتجتهم وَعرضت عَلَيْهِم الْأَمْوَال تساقطوا عَلَيْك قَالَ لَهُ الْملك هَل لهَذَا من شَاهد قَالَ نعم هَل يحضر السَّاعَة ذُبَاب قَالَ لَا قَالَ فَأمر باحضار جَفْنَة فِيهَا عسل فَحَضَرت فتساقط عَلَيْهَا الذُّبَاب لوَقْتهَا فَاسْتَشَارَ السُّلْطَان بعض أَصْحَابه فَنَهَاهُ عَن ذَلِك وَقَالَ لَا تغير قُلُوب الرِّجَال فَلَيْسَ فِي

стр. 168

كل وَقت أردتهم حَضَرُوا قَالَ هَل لذَلِك من دَلِيل قَالَ نعم إِذا أمسينا سأخبرك فَلَمَّا أظلم اللَّيْل قَالَ للْملك هَات الْجَفْنَة فَحَضَرت فَلم تظهر ذُبَابَة وَاحِدَة قلت وَإِذ هِيَ من ذَلِك أَن المَال الْمُرَجح على الرِّجَال لَا يبْقى هُوَ وَلَا مرجحه قيل كَانَ بعض الْمُلُوك يجمع الْأَمْوَال وَلَا يحفل بِالرِّجَالِ فَقَالَ لَهُ أَصْحَابه أَن ضدك يتوعدك وكأنك بِهِ قدم عَلَيْك فاستعد الرِّجَال وانفق المَال عَلَيْهِم فَأومى إِلَى الصناديق الْمَوْضُوعَة عَهده وَقَالَ الرِّجَال فِي الصناديق فغزاة ضِدّه وَقَتله وَلم تسلم الصناديق وَلَا الْملك قَالَ الطرطوشي وَكَانَ رَأْيه فَاسِدا لِأَن يقيمهم لوقته ويجمعهم عِنْد حَاجته إِنَّمَا يكونُونَ أخيافا لَيْسَ فيهم غناء وَلَا عِنْدهم دفاع الْعِنَايَة الثَّالِثَة فِي اخْتِيَار قَائِم الْجند ورئيسه وفيهَا مسَائِل الْمَسْأَلَة الأولى قَالَ الطرطوشي الشَّأْن كل الشَّأْن فِي استجادة القواد وانتخاب المراء وَأَصْحَاب الْأَوْلَوِيَّة وَفِي العهود اليونانية وَرَأس عَلَيْهِم خيارهم وَذَوي النباهة فيهم الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة أهم مَا يشْتَرط فِيهِ أَوْصَاف أَرْبَعَة

стр. 169

أَحدهَا الشجَاعَة قَالُوا أَسد يَقُود ألف ثَعْلَب خير من ثَعْلَب يَقُود ألف أَسد الثَّانِي الحزم قَالُوا الْقَائِد الحازم كالتاجر الحاذق أَن رأى ريحًا تجر وَإِلَّا تحفظ بِرَأْس مَاله وَلَا يطْلب الْغَنِيمَة حَتَّى يحرز السَّلامَة الثَّالِث حسن التَّدْبِير قَالُوا رَئِيس الْعَسْكَر أَن لم يكن شجاعا مديرا كَانَ على من مَعَه آفَة وَلمن لَيْسَ مَعَه عونا الرَّابِع السخاء فَفِي محَاسِن البلاغة لَا يصلح لقيادة الجيوش إِلَّا من اشْتهر بِحسن الْمُوَاسَاة للإتباع وسخاء النَّفس ببذل المَال الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة استحبوا فِيهِ بعد ذَلِك أَن يكون شريفا متواضعا ناصحا خَبِيرا بِالْحَرْبِ ممارسا لَهَا عَارِفًا بمواضع الفرص من غير تغرير لين الأكناف للجند مُقَومًا لَهُم على صَالح الْأَدَب مَانِعا لَهُم من العداء على الرّعية شاغلا لَهُم بِمَا يُرَاد بهم اعْتِبَار فِي الخليقة قَالُوا وَيَنْبَغِي للقائد الْعَظِيم القيادة أَن يكون فِيهِ عشرَة أَخْلَاق من أَخْلَاق الْبَهَائِم سخاوة الديك وتحنن الدَّجَاجَة وشجاعة الْأسد وَحَملَة الْخِنْزِير وروغان الثَّعْلَب وصبر الْكلاب على الْجرْح وحراسة الكركي وغارة الذِّئْب وَسمن تعرو وَهِي دويبة بخراسان تسمن على التَّعَب والشقاء الْعِنَايَة الرَّابِعَة فِي انتخاب كَاتبه قَالَ فِي السياسة ولابد لأجنادك

стр. 170

من كتاب حَازِم عَالم ثِقَة مأمول بَصِير بِالصِّفَاتِ نَافِذ فِي الفراسة عَالم بالفروسية لِئَلَّا يدْخل على الْجند دَاخِلَة فِي أعطياتهم فتفسد لذَلِك ضمائرهم وَمَتى اطَّلَعت على شَيْء من ذَلِك فَاطْرَحْهُ عَنْهُم واجمعهم لذَلِك فخيرا لَهُم أَنَّك إِنَّمَا اطَّلَعت على دَاخِلَة لَهُم تَضُرهُمْ لم تَرضهَا لَهُم فيهم وَيجب أَن يكون سمح الْخلق لين الْجَانِب سهل اللِّقَاء لَا يغيب وَلَا يشْتَغل بِغَيْر خدمَة أَحْوَالهم وتعهد أُمُورهم وحسم عللهم الرُّكْن الرَّابِع حفظ المَال وَهُوَ من أعظم مباني الْملك وقواعد أُصُوله فقد قَالَ المَال حصن السُّلْطَان ومادة الْملك وتكرار معنى قَوْلهم لَا مَال إِلَّا بجند وَلَا جند إِلَّا بِالْمَالِ إِذا عرفت هَذَا فَالْكَلَام فِيهِ يَدُور على قطبين القطب الأول مَا هُوَ النّظر فِيهِ من حَيْثُ طبيعة الْملك وَفِيه مسَائِل الْمَسْأَلَة الأولى فِي سَبَب كَثْرَة المَال وحاصلة أُمُور أَحدهَا وَهُوَ أَصْلهَا الْعَام كَثْرَة الْعمرَان الْمَحْفُوظ برعاية الْعدْل فقد قَالُوا المَال بالخراج وَالْخَرَاج بالعمارة والعمارة بِالْعَدْلِ وَسَيَأْتِي وَجهه إِن شَاءَ الله الثَّانِي وَهُوَ خَاص بِأول الدولة أَن جبايتها حِينَئِذٍ قَليلَة الوزائع كَثِيرَة الْجُمْلَة وَآخِرهَا بِالْعَكْسِ على مَا يذكر بعد إِن شَاءَ الله فالدينية

стр. 171

لضيقها عَن اتساع الوزائع والمتغلبة لبداوة أَولهَا تَتَجَافَى عَن الْأَمْوَال فتقل وزائعها كَذَلِك وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فتنبسط الْأَمْوَال فَبِي الْأَعْمَال الَّتِي بهَا كَثْرَة الْعمرَان الْمُفِيد لوفور مَال الجباية الثَّالِث وَهُوَ أَيْضا خَاص بالدولة القوية الأَصْل لِأَنَّهَا لتِلْك الْقُوَّة يجْتَمع لَهَا من المَال مَا هُوَ بنسبتها وَشَاهد ذَلِك أَثَره فِي الْعَطاء والاستعداد لَهُ وَهَؤُلَاء البرامكة كَانُوا إِذا أكسبوا معدما إِنَّمَا هُوَ الْملك وَالْولَايَة وَالنعْمَة آخر الدَّهْر لإعطاء الَّذِي يَسْتَفِيد يَوْم أَو بعض يَوْم وَهَذَا جَوْهَر الْكَاتِب قَائِد جيوش بني عبيد لما ارتحل إِلَى فتح مصر استعد من القيروان بِأَلف حمل من المَال قَالَ ابْن خلدون وَلَا تَنْتَهِي الْيَوْم دولة لمثل هَذَا الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة فِي سَبَب نَقصه بعد الْكَثْرَة وحاصلة الْعُدُول عَن الْعدْل الَّذِي بِهِ كَثْرَة المَال ونماؤه وتلخيص بَسطه بِذكر آفَات مِنْهُ طبيعية تَكْفِي الْوَاحِدَة مِنْهَا فِي ذَلِك وَأولى إِذا اجْتمعت الآفة الأولى تَكْثِير الْوَظَائِف عِنْد ذهَاب بداوة الدولة لتعاقب مددها فِي ترف الْملك والعضوض واستحالة خلقهَا الساذج إِلَى الحضارة الحاملة على التَّوَسُّع فِي مَا وَرَاء الضروريات وَلَا تزَال مزيدا فِيهَا مِقْدَارًا بعد آخر لتدرج الدولة فِي عوائد الترف وَكَثْرَة الْإِنْفَاق بِسَبَبِهِ حَتَّى تثقل على الرّعية وتفرط فِي الْخُرُوج عَن الِاحْتِمَال فتذهب غبطتها فِي الاعتمار لعدم فَائِدَته إِذا قوبل مَا بَين نفعة ومغارمه وَبَين ثَمَرَته وَفَائِدَته وتنقبض أَيدي الْكثير عَنهُ فتنقص الجباية لَا محَالة

стр. 172

سوء تَدْبِير قَالَ ابْن خلدون وَرُبمَا يزِيدُونَ فِي مِقْدَار الْوَظَائِف إِذْ رَأَوْا ذَلِك النَّقْص ظنا مِنْهُم أَنه جبر لَهُم حَتَّى يَنْتَهِي إِلَى غَايَة لَا نفع وَرَاءَهَا لِكَثْرَة الْإِنْفَاق حِينَئِذٍ فِي الاعتمار وَكَثْرَة المغارم وَعدم وَفَاء الْفَائِدَة الْمَوْجُودَة بِهِ فَلَا تزَال الجباية فِي نقص وَمِقْدَار الْوَظَائِف فِي زِيَادَة إِلَى أَن ينتقص الْعمرَان بذهاب الْأَمْوَال فِي الاعتمار وَيعود وبال ذَلِك على الدولة لِأَن فَائِدَته إِلَيْهَا ترجع الآفة الثَّانِيَة ضرب المكوس أَوَاخِر الدول وموجبه فِي الْأَكْثَر بعد تَضْعِيف الْوَظَائِف لما تقدم سَببه أُمُور أَرْبَعَة أَحدهمَا كَثْرَة نَفَقَة السُّلْطَان فِي خاصته لانغماسه فِي نعيم الترف وعوائد الحضارة الثَّانِي كَثْرَة مَا يحْتَاج إِلَيْهِ فِي عَطاء الْجند أَو إِقَامَة أَرْبَاب الْوَاجِبَات وَسَائِر من ينزل بِهِ من عوارض الْملك وعوائد الدولة الثَّالِث كَثْرَة نَفَقَة أَرْبَاب الدولة لأخذهم بِمَا أَخذ السُّلْطَان فِي ذَلِك وسلوكهم على نهج مَا تقدمهم من المترفين الرّبع ضعف الحامية عَن جباية الْأَمْوَال من الْأَعْمَال القاصية لما أدْرك الدولة من الْهَرم فتقل الجباية بِمَجْمُوع ذَلِك وعَلى أَعْيَان السّلع فِي أَبْوَاب الْمَدِينَة تَعْرِيف قَالَ ابْن خلدون وَرُبمَا يزِيد ذَلِك فِي أَوَاخِر الدول زِيَادَة بَالِغَة فتكسد الْأَسْوَاق بِفساد الْأَمْوَال وتؤذن باختلال الْعمرَان وَلَا تزَال تتزايد إِلَى أَن تضمحل الدولة قَالَ وَقد كَانَ وَقع مِنْهُ بأمصار الْمشرق فِي أخريات الدولة العباسية

стр. 173

والعبيدية كثير وفرضت المغارم حَتَّى على الْحَاج فِي الْمَوْسِم وَأسْقط صَلَاح الدّين بن أَيُّوب ذَلِك كُله وأعضه بآثار الْخَيْر وَوَقع بالأندلس لعهد الطوائف حَتَّى محا رسمه يُوسُف بن تاشفين وبأمصار الجريد بإفريقية لهَذَا الْعَهْد حِين استبد بهَا رؤساؤها وَالله لطيف بعباده الآفة الثَّالِثَة تِجَارَة السُّلْطَان وَهِي من أعظم الْآفَات الْمضرَّة بالرعية الْمفْسدَة للجباية وَالْحَامِل عَلَيْهَا مَا تقدم من مُوجب نقص الجباية عَن الْوَفَاء بخارجها فَيقدم على استحداثها باكتساب الْحَيَوَان والنبات لاستغلاله وَشِرَاء البضائع المترصدة بهَا حِوَالَة الْأَسْوَاق ظنا مِنْهُم أَن بذلك يجْبر نقص الجباية وتستجلب الْفَوَائِد الْكَثِيرَة قَالَ ابْن خلدون وَهنا غلظ عَظِيم وَإِدْخَال الضَّرَر على الرعايا من وُجُوه مُتعَدِّدَة قلت وَمُلَخَّص مَا ذكر من ذَلِك أُمُور أَحدهَا مضايقة الفلاحين والتجار فِي شِرَاء الْحَيَوَان والبضائع إِذْ لَا يكَاد وَاجِد مِنْهُم يحصل على غَرَض من ذَلِك مَعَ مرافقة السُّلْطَان لَهُ إِذْ مَاله أعظم بِكَثِير وَيدخل عَلَيْهِ من الْغم مَا يضعف بِهِ أمله فِي الِاكْتِسَاب

стр. 174

الثَّانِي إِن السُّلْطَان قد ينْزع الْكثير من ذَلِك إِذا مَا تعرض لَهُ غصبا أَو بأيسر ثمن لفقد من ينافسه فيخس ثمنه على بَائِعه الثَّالِث أَن مَا يحصل لَهُ من مستغلات الفلاحة وبضائع التِّجَارَة لَا ينْتَظر بِهِ حِوَالَة الْأَسْوَاق لما تَدعُوهُ إِلَيْهِ تكاليف الدولة فيكلف التِّجَارَة والفلاحين شِرَاءَهُ بأرفع قيمَة ويستخلص بِهِ مَا عِنْدهم من الناض فَيبقى بِأَيْدِيهِم عرُوضا خامدة وسلعا بائرة الرَّابِع أَنهم وَالْحَالة هَذِه رُبمَا تدعوهم الضَّرُورَة فيبيعون تِلْكَ السّلع بأبخس ثمن لكساد سوقها وَرُبمَا يتَكَرَّر ذَلِك على التَّاجِر أَو الْفَلاح مِنْهُم حَتَّى يذهب رَأس مَاله ووبال المضايقة بِهِ عَائِد على الجباية بِالنَّقْصِ وَالْفساد فَإِن معظمها إِنَّمَا هُوَ من التاجرين والفلاحين لَا سِيمَا بعد وضع المكوس ونموها بالعوائد فَإِذا انقبض الْفَلاح عَن الفلاحة وَقعد التَّاجِر عَن التِّجَارَة دخلت الجباية جملَة أَو دَخلهَا النَّقْص المتفاحش مقاسة قَالَ ابْن خلدون فَإِذا قايس السُّلْطَان بَين مَا يحصل لَهُ من الجباية وَبَين هَذِه الأرباح القليلة وجدهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ أقل من الْقَلِيل قلت وَالْعجب بعد ذَلِك من الْغَفْلَة عَن مُوجب الْعَمَل بِهِ الْخَامِسَة أَنه على تَقْدِير حُصُول الْفَائِدَة بِالتِّجَارَة فَيذْهب بهَا حَظّ عَظِيم من الجباية من جِهَة مَا يفوت من عِنْد المغرم عِنْدَمَا يكون غير السُّلْطَان هُوَ الَّذِي يعاني البيع وَالشِّرَاء تَحْصِيل لَا خَفَاء عِنْد ثبات هَذِه الْأُمُور أَن تِجَارَة السُّلْطَان تُؤدِّي إِلَى ضَرَر الرّعية وَفَسَاد الجباية وَأَنَّهَا تؤول بآخرة إِلَى خراب الْعمرَان ونفاذ الدولة

стр. 175

وَمن ثمَّ ورد النَّهْي عَنْهَا مُصَرحًا فِيهِ بإفضائها إِلَى هَذَا الْمَحْذُور فَمن عمر بن عبد الْعَزِيز ﵁ أَنه كتب لبَعض عماله أَن تِجَارَة الْوُلَاة لَهُم مفْسدَة وللرعية مهلكة فامنع نَفسك وَمن قبلك عَن ذَلِك وَمن الْمُبَالغَة فِي ذَلِك أَمْرَانِ أَحدهمَا اسْتِحْقَاق اللَّعْنَة وَهُوَ أعظم مَا يكون من الْوَعيد الثَّانِي الْإِنْذَار بِوُقُوع الْفساد بَين يَدي السَّاعَة وَهُوَ دَلِيل على عظم الْمُخَالفَة من حَيْثُ هُوَ وَاقع فِي أشر زمَان فَعَن عبد الله بن عمر ﵄ قَالَ من أَشْرَاط السَّاعَة تِجَارَة السُّلْطَان مضاعفة فَسَاد قَالَ ابْن خلدون وَلَقَد انْتهى الْحَال بالمنتحلين للتِّجَارَة والفلاحة من الْأُمَرَاء والمتغلبين أَنهم يعرضون لشراء الغلات والسلع من الواردين بهَا ويبيعونها فِي الْوَقْت لمن تَحت أَيْديهم من الرّعية بِمَا يفرضونه من الثّمن وَهَذِه أَشد من الأولى وَأقرب إِلَى الْفساد تحذير قَالَ وَرُبمَا يحمل السُّلْطَان على ذَلِك من يداخله من التُّجَّار والفلاحين ليضْرب مَعَه بِسَهْم لنَفسِهِ فَيحصل على غَرَضه من جمع المَال سَرِيعا إِذْ التِّجَارَة بِلَا مغرم تسرع بنمو المَال وتثمره وَلَا يلْتَفت مَعَ ذَلِك إِلَى مَا يدْخل على السُّلْطَان من تَقْصِير الجباية قَالَ فَيَنْبَغِي للسُّلْطَان أَن يحذر من هَؤُلَاءِ ويعرض عَن سعايتهم الْمضرَّة لجبايته وسلطانه قلت لَا سِيمَا أَن ترفع عَن ذَلِك أَنَفَة من مُشَاركَة الرّعية فِي مهنة معالجة مَالا خطر لَهُ

стр. 176

حِكَايَة فِي ذَلِك ذكر الرشاطي أَن بعض وكلاء بن حَاتِم أَتَاهُ يَوْمًا فَقَالَ أعز الله الْأَمِير أَعْطَيْت بالْقَوْل الَّذِي زرعناه بفحص القيروان من المَال كَذَا وَكَذَا وَذكر مَالا كثيرا فَسكت عَنهُ ثمَّ أَمر ثمَّ أَمر قهرمانة وطباخه أَن يخرجَا إِلَى ذَلِك الْموضع وَأمر فراشيه أَن يضْربُوا الأخبية ويفرشوها ونادى فِي أَصْحَابه وَخرج وَنزل فِيهِ وَجلسَ كل قوم على مَرَاتِبهمْ وَجلسَ مَعَه خاصته ثمَّ دَعَا ذَلِك بالوكيل فَأمر بأدبه وَقَالَ يَا ابْن اللخنا أردْت أَن أعير بِالْبَصْرَةِ وَيُقَال يزِيد بن حَاتِم باقلاني أمثلي يَبِيع الفول لَا أم لَك ثمَّ نَادَى فِي أهل القيروان أَن بِالْخرُوجِ إِلَيْهِ بعده وأباحه لَهُم فَخرج النَّاس إِلَيْهِ من كل أَوب بَين آكل وشارب وناظر حَتَّى أَتَوا على جمعية مُوَافقَة حق قَالَ ابْن خلدون وَلَقَد كَانَ الْفرس لَا يملكُونَ عَلَيْهِم إِلَّا من أهل بَيت

стр. 177

المملكة ثمَّ يختارونه من أهل الدّين وَالْفضل وَالْأَدب والشجاعة وَالْكَرم ثمَّ يشترطون عَلَيْهِ مَعَ ذَلِك الْعدْل وَألا يتَّخذ ضَيْعَة فبضر بجيرانه وَلَا يتجر فيحب غلاء الأسعار فِي البضائع وَلَا يستخدم العبيد فأنهم لَا يَسِيرُونَ بِخَير وَلَا مصلحَة قلت وَبِذَلِك عمل خلفاء الْملَّة الإسلامية فقد روى عَن عمر ﵁ كَانَ يكْتب إِلَى عماله بِمَنْعه وَعَن عمر بن عبد الْعَزِيز ﵁ أَنه كَانَت لَهُ سفينة يحمل فِيهَا الطَّعَام وَهُوَ أَمِير الْمَدِينَة فيبيعه فِيهَا فنهان مُحَمَّد بن كَعْب الْقرظِيّ وَقَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ أَيّمَا وَال تجر فِي رَعيته فقد هَلَكت رَعيته قَالَ فَأمر بذلك الطَّعَام فَتصدق بِهِ وفككها وَتصدق بخشبها الآفة الرَّابِعَة نقص عَطاء السُّلْطَان وَوجه إخلاله بِمَال الجباية أَمر أَن أَحدهمَا أَن الدولة هِيَ السُّوق الْعظم للْعَالم والمادة الْمُتَّصِلَة لعمرانه فَإِذا احتجن السُّلْطَان المَال أَو فَقده قل مَا بيد الحامية وَانْقطع مأمنهم لإتباعهم فَقلت نفقاتهم الَّتِي هِيَ أكبر مَادَّة الْأَسْوَاق إذهم مُعظم السوَاد وَذَلِكَ مُوجب للكساد وَضعف أرباح المتاجر فتقل الجبايه لضعف مادتها وَيرجع وبال ذَلِك على الدولة من حَيْثُ قصد حسن النّظر لَهَا الثَّانِي أَن المَال مُتَرَدّد بَين الرّعية وَالسُّلْطَان وَهُوَ حِكْمَة إيجاده مِنْهُم إِلَيْهِ وَمِنْه إِلَيْهِم فَإِذا حَسبه السُّلْطَان فقدته الرّعية سنة الله فِي عباده الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة فِي الْوَقْت الَّذِي تعظم فِيهِ ثروة السُّلْطَان وحاشية وَذَلِكَ فِي وسط الدولة لَا فِي مبدأ ظُهُورهَا وَلَا عِنْدَمَا يُدْرِكهَا الْهَرم فهما إِذا حالتان

стр. 178

الْحَالة الأولى حُصُول الثروة فِي وسط الدولة وَسَببه أَن صَاحبهَا حِينَئِذٍ تستفحل طبيعة ملكه ويستبد على قومه فَيقبض أَيْديهم عَن الجبايات إِلَّا مَا يصير لَهُم فِي جملَة النَّاس لقلَّة عنائهم إِذْ ذَلِك واستوائهم فبالدولة مَعَ الموَالِي والصنائع فينفرد بالجباية أَو معظمها ويحتجبها للمهمات فتكثر ثروته ويتسع نطاق جاهه ويعتز على سَائِر قومه فيعظم حَال حَاشِيَته من وزراء وحجاب وَكتاب وموالي ويتسع حَالهم ويقتنون الْأَمْوَال ويتأثلونها الْحَالة الثَّانِيَة فَقده فِي مبدأ الدولة وعندما يُدْرِكهَا الْهَرم أما فِي الأولى فلوجهين أَحدهمَا أَن الجباية حِينَئِذٍ توزع على الْقَبَائِل وَذَوي العصبية بِمِقْدَار غنائهم وعصبيتهم الثَّانِي إِن رئيسهم لأجل الْحَاجة إِلَيْهِم فِي تمهيد الدولة يتجافى لَهُم عَمَّن يسمون إِلَيْهِ من الجباية فَلَا يصير لَهُ مِنْهَا إِلَّا الْأَقَل من حَاجته فحاشيته لذَلِك من وَزِير وَكَاتب وَمولى ومملقون غَالِبا وجاههم استمداده من جَاءَ مخدومهم المضائق بِمن يزاحمه فِيهِ ضَعِيف وَأما فِي الثَّانِي فلوجهين أَيْضا أَحدهمَا احْتِيَاج صَاحب الْأَمر إِذْ ذَاك إِلَى الأعوان وَالْأَنْصَار لِكَثْرَة الخارجين عَلَيْهِ من ثَائِر ومنازع فَيصْرف مُعظم الجباية عَلَيْهِم على قلتهَا فِي ذَلِك الْوَقْت كَمَا تقدم فيتقلص ظلّ النِّعْمَة عَن الْخَواص وَمن يليهم ويقل جاههم لضيق نطاقه عَن صَاحب الدولة الثَّانِي انْتِزَاعه عِنْد شدَّة احْتِيَاجه إِلَى المَال مَا يبد أَبنَاء البطانة والحاشية إِذْ يرى أَنه أولى بِهِ فيقتضيه مِنْهُم لنَفسِهِ شَيْئا فَشَيْئًا وواحدا بعد الْوَاحِد فيتلاشى مَا ورثوه من ذَلِك وتختل مباني الدولة بِفنَاء حاشيتها وَذَوي الثروة من بطانتها

стр. 179

اعْتِبَار قَالَ ابْن خلدون وَانْظُر مَا وَقع من ذَلِك لوزراء الدولة العباسية فِي بني قَحْطَبَةَ وَبني برمك وَبني سهل وَبني طَاهِر وأمثالهم فِي الدولة الأموية بالأندلس فِي بني شَهِيد وَبني أبي عُبَيْدَة وَبني حدير وَبني برد وأمثالهم قَالَ كَذَا فِي أول الدول الَّتِي أدركناها لعهدنا سِتَّة الله الَّتِي قد خلت فِي عباده وَلنْ تَجِد لسنة الله تبديلا القطب الثَّانِي مَا هُوَ نظر من وجهة التَّصَرُّف فِيهِ على النهج الْمُعْتَبر شرعا وسياسة وَقبل ذَلِك فَمِنْهَا مقدمتان الْمُقدمَة الأولى فِي مداخلة الشَّرْعِيَّة ونعني بهَا مَالا يتَعَيَّن مصرفه فِي جِهَة وَهِي أَصْنَاف أَولهَا أَمْوَال التركات حَيْثُ لَا يَسْتَحِقهَا وَارِث معِين ثَانِيهَا الْجِزْيَة المعنوية والصلحية ثَالِثهَا خراج الأَرْض كَمَا فعل عمر ﵁ بسواد الْعرَاق رَابِعهَا أَخْمَاس الْغَنَائِم دون زَائِد عَلَيْهَا خَامِسهَا عشر مَا يقدم بِهِ تجار المعاهدين وَأهل الذِّمَّة على شَرطه سادسها الموال الضائعة وَهِي الَّتِي لَا مَالك لَهَا سابعها خمس الرِّكَاز الْمُسلم لواجده أَرْبَعَة أَخْمَاس ثامنها مَا انجلى عَنهُ الْكفَّار دون قتال تاسعها أَمْوَال المستغرقي الذِّمَّة من الْوُلَاة وَغَيرهم الْمُقدمَة الثَّانِيَة فِي مدَاخِل السياسة وَالْمُعْتَبر مهنها شرعا على مَا قَرَّرَهُ الْغَزالِيّ وَابْن الْعَرَبِيّ مَا وظف على الْأَمْوَال للضَّرُورَة الداعية إِلَيْهِ عِنْد خلو

стр. 180

بَيت المَال من الْقدر الْمُحْتَاج إِلَيْهِ فِي إِقَامَة الْمصَالح الَّتِي فِي اختلالها خراب النظام قَالَ الْغَزالِيّ وَإِنَّمَا لم ينْقل ذَلِك عَن الْأَوَّلين لاتساع بَيت المَال فِي زمانهم قَالَ وَهُوَ مِمَّا يعلم من مَقْصُود الشَّرْع قبل النّظر فِي الشواهد قَالَ الشَّيْخ الْأَمَام أَبُو إِسْحَاق الشاطبي وَشرط ذَلِك عِنْدهم عَدَالَة الإِمَام وإيقاع التَّصَرُّف فِي أَخذ المَال وإعطائه على الْوَجْه الْمَشْرُوع قلت قد تمّ أَن تعذر عَدَالَة الإِمَام فِي أصل ولايتها يسْقط اعْتِبَارهَا وَكَذَا فِي هَذَا الْموضع وَإِلَّا لزم مَالا يخفى من مضاعفة الْمَحْذُور وَالْغَزالِيّ ممهد فِيمَن يشْهد بِاعْتِبَار ذَلِك كَمَا سبق النَّقْل عَنهُ
следующие страницы →