← Сияса и кади

Сияса и кади · id 7236

بدائع السلك في طبائع الملك

ابن الأزرق

Полный текст (992 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

حِكَايَة فِي ذَلِك ذكر الرشاطي أَن بعض وكلاء بن حَاتِم أَتَاهُ يَوْمًا فَقَالَ أعز الله الْأَمِير أَعْطَيْت بالْقَوْل الَّذِي زرعناه بفحص القيروان من المَال كَذَا وَكَذَا وَذكر مَالا كثيرا فَسكت عَنهُ ثمَّ أَمر ثمَّ أَمر قهرمانة وطباخه أَن يخرجَا إِلَى ذَلِك الْموضع وَأمر فراشيه أَن يضْربُوا الأخبية ويفرشوها ونادى فِي أَصْحَابه وَخرج وَنزل فِيهِ وَجلسَ كل قوم على مَرَاتِبهمْ وَجلسَ مَعَه خاصته ثمَّ دَعَا ذَلِك بالوكيل فَأمر بأدبه وَقَالَ يَا ابْن اللخنا أردْت أَن أعير بِالْبَصْرَةِ وَيُقَال يزِيد بن حَاتِم باقلاني أمثلي يَبِيع الفول لَا أم لَك ثمَّ نَادَى فِي أهل القيروان أَن بِالْخرُوجِ إِلَيْهِ بعده وأباحه لَهُم فَخرج النَّاس إِلَيْهِ من كل أَوب بَين آكل وشارب وناظر حَتَّى أَتَوا على جمعية مُوَافقَة حق قَالَ ابْن خلدون وَلَقَد كَانَ الْفرس لَا يملكُونَ عَلَيْهِم إِلَّا من أهل بَيت

стр. 177

المملكة ثمَّ يختارونه من أهل الدّين وَالْفضل وَالْأَدب والشجاعة وَالْكَرم ثمَّ يشترطون عَلَيْهِ مَعَ ذَلِك الْعدْل وَألا يتَّخذ ضَيْعَة فبضر بجيرانه وَلَا يتجر فيحب غلاء الأسعار فِي البضائع وَلَا يستخدم العبيد فأنهم لَا يَسِيرُونَ بِخَير وَلَا مصلحَة قلت وَبِذَلِك عمل خلفاء الْملَّة الإسلامية فقد روى عَن عمر ﵁ كَانَ يكْتب إِلَى عماله بِمَنْعه وَعَن عمر بن عبد الْعَزِيز ﵁ أَنه كَانَت لَهُ سفينة يحمل فِيهَا الطَّعَام وَهُوَ أَمِير الْمَدِينَة فيبيعه فِيهَا فنهان مُحَمَّد بن كَعْب الْقرظِيّ وَقَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ أَيّمَا وَال تجر فِي رَعيته فقد هَلَكت رَعيته قَالَ فَأمر بذلك الطَّعَام فَتصدق بِهِ وفككها وَتصدق بخشبها الآفة الرَّابِعَة نقص عَطاء السُّلْطَان وَوجه إخلاله بِمَال الجباية أَمر أَن أَحدهمَا أَن الدولة هِيَ السُّوق الْعظم للْعَالم والمادة الْمُتَّصِلَة لعمرانه فَإِذا احتجن السُّلْطَان المَال أَو فَقده قل مَا بيد الحامية وَانْقطع مأمنهم لإتباعهم فَقلت نفقاتهم الَّتِي هِيَ أكبر مَادَّة الْأَسْوَاق إذهم مُعظم السوَاد وَذَلِكَ مُوجب للكساد وَضعف أرباح المتاجر فتقل الجبايه لضعف مادتها وَيرجع وبال ذَلِك على الدولة من حَيْثُ قصد حسن النّظر لَهَا الثَّانِي أَن المَال مُتَرَدّد بَين الرّعية وَالسُّلْطَان وَهُوَ حِكْمَة إيجاده مِنْهُم إِلَيْهِ وَمِنْه إِلَيْهِم فَإِذا حَسبه السُّلْطَان فقدته الرّعية سنة الله فِي عباده الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة فِي الْوَقْت الَّذِي تعظم فِيهِ ثروة السُّلْطَان وحاشية وَذَلِكَ فِي وسط الدولة لَا فِي مبدأ ظُهُورهَا وَلَا عِنْدَمَا يُدْرِكهَا الْهَرم فهما إِذا حالتان

стр. 178

الْحَالة الأولى حُصُول الثروة فِي وسط الدولة وَسَببه أَن صَاحبهَا حِينَئِذٍ تستفحل طبيعة ملكه ويستبد على قومه فَيقبض أَيْديهم عَن الجبايات إِلَّا مَا يصير لَهُم فِي جملَة النَّاس لقلَّة عنائهم إِذْ ذَلِك واستوائهم فبالدولة مَعَ الموَالِي والصنائع فينفرد بالجباية أَو معظمها ويحتجبها للمهمات فتكثر ثروته ويتسع نطاق جاهه ويعتز على سَائِر قومه فيعظم حَال حَاشِيَته من وزراء وحجاب وَكتاب وموالي ويتسع حَالهم ويقتنون الْأَمْوَال ويتأثلونها الْحَالة الثَّانِيَة فَقده فِي مبدأ الدولة وعندما يُدْرِكهَا الْهَرم أما فِي الأولى فلوجهين أَحدهمَا أَن الجباية حِينَئِذٍ توزع على الْقَبَائِل وَذَوي العصبية بِمِقْدَار غنائهم وعصبيتهم الثَّانِي إِن رئيسهم لأجل الْحَاجة إِلَيْهِم فِي تمهيد الدولة يتجافى لَهُم عَمَّن يسمون إِلَيْهِ من الجباية فَلَا يصير لَهُ مِنْهَا إِلَّا الْأَقَل من حَاجته فحاشيته لذَلِك من وَزِير وَكَاتب وَمولى ومملقون غَالِبا وجاههم استمداده من جَاءَ مخدومهم المضائق بِمن يزاحمه فِيهِ ضَعِيف وَأما فِي الثَّانِي فلوجهين أَيْضا أَحدهمَا احْتِيَاج صَاحب الْأَمر إِذْ ذَاك إِلَى الأعوان وَالْأَنْصَار لِكَثْرَة الخارجين عَلَيْهِ من ثَائِر ومنازع فَيصْرف مُعظم الجباية عَلَيْهِم على قلتهَا فِي ذَلِك الْوَقْت كَمَا تقدم فيتقلص ظلّ النِّعْمَة عَن الْخَواص وَمن يليهم ويقل جاههم لضيق نطاقه عَن صَاحب الدولة الثَّانِي انْتِزَاعه عِنْد شدَّة احْتِيَاجه إِلَى المَال مَا يبد أَبنَاء البطانة والحاشية إِذْ يرى أَنه أولى بِهِ فيقتضيه مِنْهُم لنَفسِهِ شَيْئا فَشَيْئًا وواحدا بعد الْوَاحِد فيتلاشى مَا ورثوه من ذَلِك وتختل مباني الدولة بِفنَاء حاشيتها وَذَوي الثروة من بطانتها

стр. 179

اعْتِبَار قَالَ ابْن خلدون وَانْظُر مَا وَقع من ذَلِك لوزراء الدولة العباسية فِي بني قَحْطَبَةَ وَبني برمك وَبني سهل وَبني طَاهِر وأمثالهم فِي الدولة الأموية بالأندلس فِي بني شَهِيد وَبني أبي عُبَيْدَة وَبني حدير وَبني برد وأمثالهم قَالَ كَذَا فِي أول الدول الَّتِي أدركناها لعهدنا سِتَّة الله الَّتِي قد خلت فِي عباده وَلنْ تَجِد لسنة الله تبديلا القطب الثَّانِي مَا هُوَ نظر من وجهة التَّصَرُّف فِيهِ على النهج الْمُعْتَبر شرعا وسياسة وَقبل ذَلِك فَمِنْهَا مقدمتان الْمُقدمَة الأولى فِي مداخلة الشَّرْعِيَّة ونعني بهَا مَالا يتَعَيَّن مصرفه فِي جِهَة وَهِي أَصْنَاف أَولهَا أَمْوَال التركات حَيْثُ لَا يَسْتَحِقهَا وَارِث معِين ثَانِيهَا الْجِزْيَة المعنوية والصلحية ثَالِثهَا خراج الأَرْض كَمَا فعل عمر ﵁ بسواد الْعرَاق رَابِعهَا أَخْمَاس الْغَنَائِم دون زَائِد عَلَيْهَا خَامِسهَا عشر مَا يقدم بِهِ تجار المعاهدين وَأهل الذِّمَّة على شَرطه سادسها الموال الضائعة وَهِي الَّتِي لَا مَالك لَهَا سابعها خمس الرِّكَاز الْمُسلم لواجده أَرْبَعَة أَخْمَاس ثامنها مَا انجلى عَنهُ الْكفَّار دون قتال تاسعها أَمْوَال المستغرقي الذِّمَّة من الْوُلَاة وَغَيرهم الْمُقدمَة الثَّانِيَة فِي مدَاخِل السياسة وَالْمُعْتَبر مهنها شرعا على مَا قَرَّرَهُ الْغَزالِيّ وَابْن الْعَرَبِيّ مَا وظف على الْأَمْوَال للضَّرُورَة الداعية إِلَيْهِ عِنْد خلو

стр. 180

بَيت المَال من الْقدر الْمُحْتَاج إِلَيْهِ فِي إِقَامَة الْمصَالح الَّتِي فِي اختلالها خراب النظام قَالَ الْغَزالِيّ وَإِنَّمَا لم ينْقل ذَلِك عَن الْأَوَّلين لاتساع بَيت المَال فِي زمانهم قَالَ وَهُوَ مِمَّا يعلم من مَقْصُود الشَّرْع قبل النّظر فِي الشواهد قَالَ الشَّيْخ الْأَمَام أَبُو إِسْحَاق الشاطبي وَشرط ذَلِك عِنْدهم عَدَالَة الإِمَام وإيقاع التَّصَرُّف فِي أَخذ المَال وإعطائه على الْوَجْه الْمَشْرُوع قلت قد تمّ أَن تعذر عَدَالَة الإِمَام فِي أصل ولايتها يسْقط اعْتِبَارهَا وَكَذَا فِي هَذَا الْموضع وَإِلَّا لزم مَالا يخفى من مضاعفة الْمَحْذُور وَالْغَزالِيّ ممهد فِيمَن يشْهد بِاعْتِبَار ذَلِك كَمَا سبق النَّقْل عَنهُ

стр. 181

تركيب إِذا تقرر هَذَا فَمِنْهَا مسَائِل الْمَسْأَلَة الأولى فِي وُجُوه مصارفه الْكُلية وَهِي جملَة أَحدهمَا المرتزقة من الْجند لما سبق أَنه لَا جند إِلَّا بِمَال فحقهم فِيهِ لابد مِنْهُ إِذْ هُوَ قوامهم الثَّانِي الْعلمَاء وَالْفُقَهَاء قَالَ الإِمَام الْغَزالِيّ لأَنهم حراس الدّين بِالدَّلِيلِ والبرهان كَمَا أَن الْجَيْش حراسه بِالسَّيْفِ والسنان قَالَ فِي الْأَحْيَاء وَيدخل مَعَهم المؤدبون وَطلب الْعلم الْمُتَعَلّق بمصالح الدّين لأَنهم إِن لم يكفوا لم يتمكنوا من الطّلب الثَّالِث محاويج الْخلق الَّذين قصرت بهم الضَّرُورَة عَن اكْتِسَاب قدر الْكِفَايَة الرَّابِع سَائِر الْمصَالح الْعَامَّة كأرزاق الْوُلَاة والقضاة والعمال والحساب وسد الثغور وَبِنَاء القناطر والمساجد والمدارس وَسَائِر الْمصَالح وَمَا فِي معنى ذَلِك فَائِدَة فِي تَنْبِيه المصاريف الْمعينَة الْجِهَة شرعا قد يدْخل بَعْضهَا على بعض على وَجه اسْتِيفَاء حق من فحش فِي جِهَة على مَا قَرَّرَهُ الشَّيْخ عز الدّين فِي أَخذ الْفُضَلَاء من الْجِزْيَة من غير تورع برعاية خلاف من عينهَا الْجند قَائِلا فِي تَوْجِيهه أَن الْجند قد أكلُوا من أَمْوَال الْمصَالح الْمُسْتَحقَّة للْعُلَمَاء وَغَيرهم مِمَّن يجب تَقْدِيم أَكْثَرهَا فَيُؤْخَذ من الْجِزْيَة مَا يكون قصاصا بِبَعْض مَا أَخَذُوهُ وأكلوه فَيصير كَمَسْأَلَة الظفر انْتهى الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة فِي تعديد مَا يعْطى مِنْهُ أما أَرْبَاب الْوَاجِبَات فبقدر الْكِفَايَة الَّتِي يسْتَغْنى بهَا عَن التمَاس مَا يَنْقَطِع بِهِ عَن الْمصلحَة الَّتِي يقوم بهَا فَيعْتَبر من الْجند

стр. 182

قَالَ الْمَاوَرْدِيّ من ثَلَاثَة أوجه عدد مَا يعوله من ذُرِّيَّة ومملوك وَمَا يرتبطه من الْخَيل وَالظّهْر والموضع الَّذِي يجلبه فِي الغلاء والرخص قلت وَفِي غَيره بِنِسْبَة حَاله وَأَن من لَا مُرَتّب لَهُ فبقدر مَا يسد خلته أَو بِمَا فَوق ذَلِك بِحَسب الوسع وَالْحَال وَحَيْثُ يكون هُنَاكَ فضل وَقد قَالَ الْمَاوَرْدِيّ ينظر فِي إصْلَاح القناطر وتسهيل الطّرق وَقطع ثغراتها المخوفة وبنيان مَا تأمن بِهِ الْمَارَّة بهَا الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة فِي التبذير فِيهِ والتقتير وَكِلَاهُمَا مذمومان فالتبذير لإتلافه قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَلَا تبذر تبذيرا إِن المبذرين كَانُوا إخْوَان الشَّيَاطِين﴾ والتقتير لتَقْصِيره عَن الْوَاجِب وَصِحَّة الْإِنْصَاف بمصدره الَّذِي هُوَ الْبُخْل قَالَ أرسطو الْبُخْل بالجبلة اسْم لَا يَلِيق بالملوك وَلَا يقْتَرن بالمملكة وَحسن التَّدْبِير فِي ذَلِك وسط بَينهمَا وَإِن كَانَ الْعدْل ضيقا لما يرْوى ﵁ سَأَلَ رجلا عَن عَطاء زِيَاد قَالَ يُعْطي حَتَّى يُقَال جواد وَيمْنَع حَتَّى يُقَال بخيل فَقَالَ إِن الْعدْل لضيق المسالة الرَّابِعَة فِي اعْتِبَار خرجه بدخله قَالَ فِي العهود اليونانية وَاعْلَم أَن حَاصِل المملكة إِذا كَانَ بازاء مؤونتها كَانَت السَّفِينَة فِي وسط الْبَحْر الَّتِي قد أحكم أمرهَا على هدوئه وَلم يُؤمن عَلَيْهَا الْغَرق فِي اهتياجه وَإِذا كَانَ حاصلها دون مَا يلْزم لَهَا حملت قَومهَا على قبح المماطلة وقسوة المحاجزة وَعدلت بهم عَن تَدْبِير أمرهَا إِلَى الْمُطَالبَة بالعاجل مِنْهَا وأخطرت بدمائهم وَأَمْوَالهمْ فِيهَا وَكَانَ مَا يجْرِي فِيهَا من سَعْيهمْ مُفْسِدا لأمرها فِي مُسْتَقْبل الْأَزْمِنَة وَهُوَ أقبح مَا يعرض فِي المهالك وَإِذا كَانَ حاصلها أَكثر فَمَا يلْزم لَهَا فَهُوَ أوضح صلاحا من أَن يحْتَاج إِلَى تَمْثِيل أَو تعديد لواحق

стр. 183

تَمْثِيل قَالَ وَقد كَانَ شبه مَا كَانَ حَاصله أَكثر مِمَّا يلْزم لَهُ بأجساد الْأَحْدَاث الَّتِي تُوجد بالنمو زَائِدَة على مَا كَانَت عَلَيْهِ وَمَا كَانَ حَاصله مكافئا لما يلْزم لَهُ بأجساد الكهول الَّتِي ارْتَفع مِنْهَا النمو وقارب صُورَة الانحلال فِيهَا وَمَا كَانَ حَاصله مقصرا عَمَّا يلْزمه بأجساد من هرم من الْمَشَايِخ فَإِن الانحلال مستول عَلَيْهَا والتماسك بعيد مِنْهَا قلت هم معنى قَول أفلاطون الدولة تشب وتكتهل وتخرف فَإِن كَانَ عائدها أَكثر مِمَّا يسْتَحقّهُ الْملك وَأَتْبَاعه فَهِيَ شَابة تنذر بطول الْبَقَاء وَإِذا كَانَ عائدها بِمِقْدَار مَا تحْتَاج إِلَيْهِ كَانَت مكتهلة وَإِذا كَانَ عائدها أقل مِمَّا تحْتَاج إِلَيْهِ فَهِيَ خرفة مولية الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة فِي رِعَايَة الْمصلحَة فِيمَا يصرف إِلَيْهِ وتمثيل ذَلِك فِيهَا أَيْضا وَاعْلَم أَن إِنْفَاق الْأَمْوَال يحي موَات مَا انصرفت إِلَيْهِ ويعظم صغيره فَإِن كَانَ فِي عَائِد المملكة كَانَ كَالْمَاءِ المنصب إِلَى الْأَشْجَار المثمرة والمزارع الزاكية الَّتِي يخصب بمصلحتها الزَّمَان وتمرع الْبِلَاد وَإِن كَانَ فِي غير عائدها انبتت مَا يضر نَبَاته وَلَا ينفع ريعه وبسوقه فَكُن فِيهِ كالطيب الحاذق الَّذِي يضع الدَّوَاء حَيْثُ يكون الدَّاء يحسن فِيهِ أثرك ويطل بِهِ استمتاعك انْتهى

стр. 184

الرُّكْن الْخَامِس تَكْثِير الْعِمَارَة وَفِيه مقدمتان وَثَلَاثَة مَقَاصِد الْمُقدمَة الأولى اتّفق الْأَولونَ وَالْآخرُونَ من المتشرعين وعيرهم على اعْتِبَاره فِي مناني الْملك وشروط الِاجْتِمَاع الإنساني قَالَ ابْن حزم يَأْخُذ السُّلْطَان النَّاس بالعمارة وَكَثْرَة الْغِرَاس ويقطعهم الإقطاعات فِي الأَرْض الْموَات وَيجْعَل لكل أحد ملك مَا عمره ويعنيه على ذَلِك فِيهِ لترخص الأسعار بعيش النَّاس وَالْحَيَوَان ويعظم الْأجر وَيكثر الْأَغْنِيَاء وَمَا تجب فِيهِ الزَّكَاة قلت وتكرر عَن الْحُكَمَاء الْملك بالجند والجند - بِالْمَالِ وَالْمَال بالعمارة الْمُقدمَة الثَّانِيَة مُوجب هَذَا الِاعْتِبَار على مَا قرر ابْن خلدون أَن الدولة الْملك للعمران بِمَنْزِلَة الصُّورَة للمادة وَهُوَ الشكل الْحَافِظ لنوعه بِوُجُود وإنفكاك أَحدهمَا عَن الْأُخَر عير مُمكن على مَا تقرر فِي المحكمة فالدولة دون الْعمرَان لَا تتَصَوَّر والعمران دونهَا مُتَعَذر كَمَا تقدم وَحِينَئِذٍ فاحتلال أَحدهمَا مُسْتَلْزم لاختلال الآخر كَمَا أَن عَدمه مُؤثر فِي عَدمه تَعْرِيف قَالَ والخلل الْعَظِيم إِنَّمَا يكون من هلل الدولة الْكُلية كدولة الْفرس أَو الرّوم أَو الْعَرَب عُمُوما أَو بني أُميَّة أَو بَين الْعَبَّاس كَذَلِك وَأما الشخصية كدولة أنو شرْوَان وهرقل وَعبد الْملك بن مَرْوَان والرشيد فأشخاصها متعاقبة على الْعمرَان حافظة لوُجُود قريبَة الشّبَه بَعْضهَا من

стр. 185

بعض فر تُؤثر كثير اختلال وَالله قَادر على مَا يَشَاء إِ يَشَأْ يذهبكم وَيَأْتِ بِخلق جَدِيد الْقَصْد الأول فِي بَيَان وفور المَال على الْجُمْلَة بِكَثْرَة الْعِمَارَة وَبِالْعَكْسِ وَذَلِكَ فِي موضِعين الْموضع الأول القطار لِأَن تعدد الْأَعْمَال بهَا الَّتِي هِيَ سَبَب الْكسْب مُقْتَض لحُصُول الثروة بِمَا يفضل عَنْهَا بعد الضروريات من الفضلة الزَّائِدَة وينشأ عَن ذَلِك شماخة الْملك بنمو الجباية وَصرف مَا يفضل مِنْهَا إِلَى اتِّخَاذ المعاقل والحصون واختطاط المدن والأقطار برهَان وجود قَالَ ابْن خلدون وَاعْتبر ذَلِك بأقطار الْمشرق كمصر وَالشَّام وعراق الْعَجم والهند والصين وناحية الشمَال كلهَا وَرَاء الْبَحْر الرُّومِي لما كثر عمرانها كثر مَالهَا وعظمت دولتها وتعددت مدنها وحواضرها قَالَ فَالَّذِي نشاهد من تجار الْأُمَم النَّصْرَانِيَّة الواردين على الْمُسلمين بالمغرب فِي الرفه واتساع الْأَحْوَال أَكثر من أَن يُحِيط بِهِ الْوَصْف وَكَذَا تجار أهل الْمشرق فِيمَا يبلغ عَنْهُم قَالَ وأبغ من ذَلِك أهل الْمشرق الْأَقْصَى من عراق الْعَجم والصين فَإِنَّهُ يبلغنَا عَنْهُم فِي بَاب الْغنى والرفه غرائب يسير بهَا الركْبَان وَرُبمَا تتلقى بالإنكار فِي غال لأمر انْتهى المُرَاد مِنْهُ الْموضع الثَّانِي الْأَمْصَار لذَلِك السَّبَب بِعَيْنِه وَعنهُ ترسخ فِيهَا عوائد الترف فِي التأنق فِي المساكن والملابس وإستجادة الْآنِية والماعون واتخاذ الخدم ولمراكب وكل ذَلِك مستدع لنفاق الْأَعْمَال والصنائع لموجب كسبها لمزيد كَثْرَة المَال ونمو الجباية بِسَبَبِهِ وبحسب تفَاوت

стр. 186

الْأَمْصَار فِي الْعمرَان يظهربون مَا بَين أَهلهَا فِي ذَلِك القَاضِي مَعَ القَاضِي والتاجر مَعَ التَّاجِر والصانع مَعَ الصَّانِع والسوقي مَعَ السوقي والأمير مَعَ الْأَمِير والشرطي مَعَ الشرطي تَصْدِيق وَاقع قَالَ ابْن خلدون وَاعْتبر ذَلِك فِي الْمغرب هُنَا بِحَال فاس ون غَيرهَا من أَمْصَار هـ فتجد بَينهمَا بونا كثيرا على الْجُمْلَة وَالْخُصُوص فحال القَاضِي بفاس أوسع من حَال القَاضِي بتلمسان وَكَذَا وَكَذَا كل صنف مَعَ صنفه وَاعْتبر ذَلِك حَتَّى فِي الْفُقَرَاء وَالسُّؤَال فَلَقَد شاهدتهم بفاس يسْأَلُون أَيَّام الْأَضَاحِي أَثمَان ضحاياهم وَكَثِيرًا من أَحْوَال الترف واقتراح المآكل وعلاج طبخها وَلَو سَأَلَ سَائل مثل هَذَا فِي غَيرهَا لعنف وزجر قَالَ وبلغنا لهَذَا الْعَهْد عَن أَحْوَالهم بِمصْر مَا يقْضِي مِنْهُ الْعجب حَتَّى أَن كثيرا من فُقَرَاء الْمغرب ينزعون إِلَى النقلَة إِلَيْهَا لما يبلغهم من ذَلِك شَاهد الْعَكْس حَيْثُ بقل الْعِمَارَة فَفِي الْموضع الأول فطر إفريقية وبرقة مثلا قَالَ لما تناقص عمرانها تلاشت أَحْوَال أَهلهَا وانتهوا إِلَى الْفقر والخصاصة وضعفت جبايتها وَقلت أَحْوَال دولها بعد أَن كَانَت دوَل الشِّيعَة وصنهاجة بهَا على مَا بلغك من الرفه وَكَثْرَة الجباية واتساع الْحَال فِي النَّفَقَة وَالعطَاء قَالَ وقطر الْمغرب وَإِن كَانَ فِي الْقَدِيم دون إفريقية فَلم يكن بِالْقَلِيلِ فِي ذَلِك لَا سِيمَا فِي دوَل الْمُوَحِّدين وَهُوَ لهَذَا الْعَهْد قد أقصر عَن ذَلِك التَّنَاقُض عمرانيا بعد أَن كَانَ مُتَّصِلا من الْبَحْر الرُّومِي إِلَى بِلَاد السودَان فِي طول مَا بَين السوس الْأَقْصَى وبرقة وَهِي الْيَوْم كلهَا أَو أَكثر قفار أَو صحارى إِلَّا مَا هُوَ بِسيف الْبَحْر أَو مَا يُقَارِبه من التلول وَالله وَارِث

стр. 187

الأَرْض وَمن عَلَيْهَا وَهُوَ خير الْوَارِثين وَفِي الْموضع الثَّانِي الْأَمْصَار الصَّغِيرَة الَّتِي لَا تفي أَعمالهَا بضرورتها قَالَ فتجد لذَلِك أَهلهَا ضعفاء الْأَحْوَال متقاربين فِي الْفقر والخاصة إِلَّا فِي النَّادِر إِذْ لَا فضل لَهُم يتأثلون بِهِ كسبا الْمَقْصد الثَّانِي فِيمَا تحفظ بِهِ الْعِمَارَة وَذَلِكَ الْعدْل الَّذِي قَامَت بِهِ السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَأُمَّهَات الْوَصِيَّة بِهِ أَمْرَانِ أَحدهمَا مُطلق الْعِمَارَة قَالُوا لَا جباية إِلَّا بعمارة وَلَا عمَارَة إِلَّا بِعدْل وَفِي السياسة بِالْعَدْلِ عمرت الأَرْض وَقَامَت الممالك الثَّانِي المزارعون يُقَال أَحْسنُوا إِلَى المزارعين فأنكم لم تزالوا سمانا مَا سمنوا تَنْبِيه قَالَ ابْن خلدون أقوى الْأَسْبَاب فِي الاعتمار تقليل مِقْدَار الْوَظَائِف على المعتمرين مَا أمكن فبذلك تنشط النُّفُوس إِلَيْهِ ليقينها بادراك الْمَنْفَعَة فِيهِ وَالله مَالك الْأُمُور تَمْثِيل فِي العهود اليونانية مَا حَاصِلَة أَنه منا لَا يحسن من مَالك دَار أَن يكون كَسبه من بيع أنقاضها كَذَلِك لَا يحسن من الْملك أَن يكون اكتسابه من تخريب بلدانه وَأخذ مَا ل رعينه ونصله قَول أبي مَنْصُور الثعالبي أَن الْملك إِذا كثرت أَمْوَاله بِمَا يَأْخُذ من رَعيته كَانَ كمن يعمر سطح بَيته بِمَا يقتلع من قَوَاعِد بُنْيَانه الْمَقْصد الثَّالِث فِيمَا يخل بِحِفْظ الْعِمَارَة وَهُوَ الظُّلم الْمُؤَذّن بخرابها وَفِيه مسَائِل الْمَسْأَلَة الأولى فِي حِكَايَة الموبذان فِي ذَلِك واعظا بهَا من خرج عَن

стр. 188

سنَن الْعدْل من مُلُوك الْفرس إِذْ كَانَ صَاحب الدّين عِنْدهم يضْرب بِهِ الْمثل فيذلك على لِسَان البوم حِين سمع الْملك أصواتها وَسَأَلَهُ عَن فهم كَلَامهَا فَقَالَ أَن بوما ذكرا يروم نِكَاح بوم أُنْثَى وَأَنَّهَا شرطت عَلَيْهِ عشْرين قَرْيَة من الخراب فِي أَيَّامه لتنوح فِيهَا فَقبل شَرطهَا وَقَالَ لَهَا إِن دَامَت أَيَّام الْملك أقطعتك ألف فِرْيَة وَهَذَا أسهل مرام فتنبيه الْملك من فقلته وهلا بالموذبان وَسَأَلَهُ عَن مُرَاده فَقَالَ لَهُ أَيهَا الْملك إِن الْملك لَا يتم عزه إِلَّا بالشريعة وَالْقِيَام لله بِطَاعَتِهِ وَالتَّصَرُّف تَحت أمره وَنَهْيه وَلَا قوام للشريعة إِلَّا بِالْملكِ وَلَا عز للْملك إِلَّا بِالرِّجَالِ وَلَا قوام للرِّجَال إِلَّا بِالْمَالِ وَلَا سَبِيل إِلَى المَال إِلَّا بالعمارة وَلَا سَبِيل للعمارة إِلَّا بِالْعَدْلِ وَالْعدْل الْمِيزَان الْمَنْصُوب بَين الخليقة نَصبه الرب وَجعل لَهُ قيمًا وَهُوَ الْملك وَأَنَّك أَيهَا الْملك عَمَدت إِلَى الضّيَاع فانتزعتها من أَرْبَابهَا وعمارها وهم أَرْبَاب الْخراج وَمن تُؤْخَذ مِنْهُم الْأَمْوَال وأقطعتها الْحَاشِيَة والخدم وأرباب البطالة فتركوا الْعِمَارَة وَالنَّظَر فِي العواقب وَمَا يصلح الضّيَاع وسومحوا فِي الْخراج لقربهم من الْملك وَوَقع الحبف على من بَقِي من أَرْبَاب الْخراج وعمار الضّيَاع فانجلوا عَن ضياعهم وخلوا دِيَارهمْ وآووا إِلَى مَا بعد أَو تعذر من الضّيَاع فسكنوها فَقلت الْعِمَارَة وهربت الضّيَاع وَقلت الْأَمْوَال وَهَلَكت الْجنُود والرعية وطمع فِي ملك فَارس الضّيَاع وَقلت الْأَمْوَال وَهَلَكت الْجنُود والرعية وطمع فِي ملك فَارس من جاورهم من الْمُلُوك لعلمهم بِانْقِطَاع الْموَاد الَّتِي لَا يَسْتَقِيم دعائم الْملك إِلَّا بهَا فَلَمَّا سمع الْملك ذَلِك أقبل على النّظر فِي ملكه وانتزعت الضّيَاع من أَيدي الْخَاصَّة وَردت إِلَى أَرْبَابهَا وَحملهَا على رسومهم السالفة وَأخذُوا بالعمارة وقوى من ضعف مِنْهُم فعمرت الأَرْض وأخصبت الْبِلَاد وَكَثُرت الموال عِنْد جباة الْخراج وقويت الْجنُود وَقطعت مواد الْأَعْدَاء

стр. 189

وأشحنت الثغور وَأَقْبل على مُبَاشرَة أمره بِنَفسِهِ فحسنت أَيَّامه وانتظم ملكه الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة فِي وَجه افضاء الظُّلم لخراب الْعمرَان وَبَيَانه أَن وفوره إِنَّمَا هُوَ بالعمال العائدة بِفضل المكاسب النافقة الْأَسْوَاق والعدوان على النَّاس فِي أَمْوَالهم ذَاهِب بِأَمْوَالِهِمْ فِي تِلْكَ الْأَعْمَال لمصير كستها بأيدي المنتهبين لَهُ وَعند ذَلِك يَقْعُدُونَ عَن المعاش وتنقبض أَيْديهم عَن المكاسب فتكسد أسواق الْعمرَان ويخف سَاكن قطره فِرَارًا عَنهُ لتَحْصِيل الوزق فِي غير أيالته فتخرب أمصاره وتقفر دياره وتختل بإخلاله الدولة وَالسُّلْطَان لما تقدم أه صورته فَيفْسد لفساد مادتها ضَرُورَة الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة فِي أَن ذَلِك هُوَ الْحِكْمَة الْمَقْصُودَة للشارع فِي تَحْرِيم الظُّلم لما يُؤَدِّي إِلَيْهِ من انْقِطَاع النَّوْع البشري وَهُوَ الْحِكْمَة الْعَامَّة والمراعاة لَهُ فِي جَمِيع مقاصده الضرورية على مَا سبق من همستها الْمُتَّفق على حفظهَا فِي الشَّرَائِع وَهِي الدّين النَّفس وَالْعقل والنسل وَالْمَال وَالْعرض على رَأْي وَلذَلِك كَانَ تَحْرِيمه أَي الظُّلم مهما وأدلته فِي الْكتاب والسنه لَا تخْتَص بِزَمَان قَالَ ابْن خلدون وَلَو قدر عَلَيْهِ كل أحد لوضع بازائه من الْعقُوبَة الزاجرة مَا وضع بازاء غَيره من المفسدات للنوع الْقَادِر علنها كل أحد كَالزِّنَا وَالْقَتْل وَالسكر لَكِن لما لم يقدر عَلَيْهِ إِلَّا من لَا يقدر على غَيره من ذَوي قدرَة أَو سُلْطَان بولغ فِي ذمَّة بتكرير الْوَعيد عَسى أَن يكون الْوَازِع فِيهِ للقادر عَلَيْهِ من نَفسه

стр. 190

﴿وَمَا رَبك بظلام للعبيد﴾ لَا يُقَال قد وضعت الْعقُوبَة بازاء الْحِرَابَة وَهِي من ظلم الْقَادِر إِذْ الْمُحَارب فِي زَمَاننَا قَادر لأَنا نقُول الْعقُوبَة الْمَوْضُوعَة هِيَ بأزاء مَا يقترفه من جِنَايَته فِي نفس أَو مَال على مَا ذهب إِلَيْهِ كثير وَلم تكن إِلَّا بعد الْقُدْرَة عَلَيْهِ والمطالبة بِجِنَايَتِهِ وَنَفس الْحِرَابَة خلو من الْعقُوبَة وَأَيْضًا لَا نسلم وصف الْمُحَارب بِالْقُدْرَةِ لن الْمَعْنى بقدرة الظَّالِم الْيَد المبسوطة الَّتِي لَا نعارض وَهِي المؤذنة بالخراب وقدرة الْمُحَارب غايتها إخافة يتوسل بهَا إِلَى أَخذ المَال والمدافعة عَنْهَا بيد الْكل مَوْجُود شرعا وسياسة فَلَيْسَتْ من الْقُدْرَة المؤذنة بالخراب الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة فِي أَن نقص الْعمرَان لَا لظلم إِنَّمَا يَقع بالتدريج وَذَلِكَ لِأَنَّهُ قد يُوجد بالأمصار الْعَظِيمَة من أهل دولها وَلَا يَقع فِيهَا خراب وَسَببه من قبل الْمُنَاسبَة بَينه وَبَين حَال الْمصر لعظمه واستبحار عمرانه لَا يظْهر فِيهِ من شُؤْم الظُّلم كَبِير أثر وَإِنَّمَا يظْهر بالتدريج بعد حِين وَقد تذْهب تِلْكَ الدولة الظالمة قبل خرابه وَيَجِيء غَيرهَا يجْبر مَا خفى من النَّقْص فَلَا يكَاد يشْعر بِهِ إِلَّا أَن ذَلِك نَادِر لِأَن حُصُوله فِي الْعمرَان عَن الاعتداء لابد مِنْهُ لما تقدم ووباله عَائِد على الدولة الله غَالب على أمره الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة فِي المُرَاد بالظلم الْمُؤَذّن بالخراب وَذَلِكَ أَنه لَا يَعْنِي بِهِ أَخذ المَال أَو الْملك من غير عوض وَلَا سَبَب فَقَط على مَا هُوَ الْمَشْهُور لِأَنَّهُ أعلم من ذَلِك فَكل من أَخذ ملك أحد أَو غصبه فِي عمله أَو طَالبه بِغَيْر حَتَّى أَو فرض عَلَيْهِ مَا لم يفرضه الشَّارِع فقد ظلمه قَالَ ابْن خلدون فجباة الْأَمْوَال بِغَيْر حَقّهَا ظلمَة والممعتدون علنها

стр. 191

ظلمه والمنتهبون لَهَا ظلمَة والمانعون لحقوق النَّاس ظلمَة وغصاب الْملاك على الْعُمُوم ظلمَة ووبال ذَلِك عَائِد الدولة بخراب الْعمرَان الَّذِي هُوَ مادتها لذهاب الْأَمْوَال من أَهله الْمَسْأَلَة السَّادِسَة فِي تَقْسِيم هَذَا الظُّلم وَهُوَ أَولا على ضبين الضَّرْب الأول مَا يَقع عِنْد خراب دفْعَة وانتقاض الدولة سَرِيعا وَهُوَ أَخذ أَمْوَال النَّاس مجَّانا والعدوان عَلَيْهِم فِي الْحرم والدماء والإبشار والإعراض لما ينشأ عَن ذَلِك من الْهَرج المفضي لذَلِك قلت فِي سياسة أرسطو لم يكن سَبَب خراب ملك هُنَا نيج إِلَّا أَن همتهم شفت على جباياهم فامتدوا إِلَى أَمْوَال النَّاس فَقَامَتْ الْجَمَاعَة عَلَيْهِم فَكَانَ فِي ذَلِك فَسَاد ملكهم قَالَ هَذَا أَمر لَازم لِأَن المَال عِلّة الْبَقَاء للنَّفس الحيوانية فَهُوَ جُزْء مِنْهَا وَلَا بَقَاء للنَّفس بِفساد الْجُزْء انْتهى الضَّرْب الثَّانِي مَا يَقع الخراب بالتدريج كَمَا سلف وَمن مراتبه الْوَاقِعَة ثَلَاث أَحدهَا ذرائعه المتوسل بهَا إِلَى أَخذ المَال كالوظائف الْبَاطِلَة والمكوس الْمُحرمَة وَهِي أدنى ظلما وعدوانا الثَّانِيَة وَهِي من أَشد أَنْوَاعه العائدة بِفساد الْعمرَان تَكْلِيف الْعمَّال وتسخير الرعايا بهَا لِأَنَّهَا من قبيل التمولات الَّتِي بهَا المعاش فَإِذا كلفوا عملا فيغير شَأْنهمْ وَاتَّخذُوا سخريا فبغير معاشهم أبطل كسبهم واغتصبوا

стр. 192

قيمَة عَمَلهم وَذهب معاشهم بِالْجُمْلَةِ وَأَن تكَرر عَلَيْهِم أفسد آمالهم فِي الْعِمَارَة وقعدوا عَن السَّعْي فِيهَا جملَة فتأدى إِلَى خرابها لامحالة الثَّالِثَة وَهِي أعظم من ذَلِك فِيمَا ذكر التسلط على النَّاس فِي شِرَاء مَا بِأَيْدِيهِم بأبخس ثمن ثمَّ فَرْضه عَلَيْهِم بأرفع قيمَة وَرُبمَا كَانَ الْفَرْض على التَّرَاخِي فيتعللون فبالخسارة بِمَا يطْمع فِيهِ من جبرها بحوالة السواق فيطالبون بِالْقيمَةِ مُعجلَة فيضطرون إِلَى البيع بأبخس الثّمن وَيعود خسارة مَا بَين الصفتين على رُؤُوس أَمْوَالهم تَعْمِيم فَسَاد قَالَ ابْن خلدون وَقد يعم ذَلِك تجار الْمَدِينَة وَمن يرد علنها من لآفاق وَسَائِر السوقة وَأهل الصَّنَائِع فتشمل الخسارة جَمِيع الطَّبَقَات وتجحف برؤوس أمولهم فيقعدون عَن السواق ويتناقل ذَلِك الواردون فَيقطع ترددهم وَعند ذَلِك يَقع الكساد وَيبْطل المعاش وتنقص الجباية وتفسد ويؤول إِلَى تلاشي الدولة وَفَسَاد عمرَان الْمَدِينَة الْمَسْأَلَة السَّابِعَة فِي أَن نِيَّة الظُّلم كَافِيَة فِي نقص بَرَكَات الْعِمَارَة فَعَن وهب بن مُنَبّه إِذا هم الْوَلِيّ بِالْعَدْلِ أَدخل الله البركات فِي أهل مَمْلَكَته حَتَّى فِي الْأَسْوَاق والأرزاق وَإِذا هم بالجور أَدخل الله النَّقْص فِي مَمْلَكَته حَتَّى فِي الْأَسْوَاق والأرزاق حكايات فِي تَصْدِيق ذَلِك وقوعا الْحِكَايَة الأولى قَالَ الطرطوشي من الْمَشْهُور فِي الْمغرب أَن السُّلْطَان بلغَة أَن امْرَأَة لَهَا حديقة فِيهَا الْقصب الحلو وَأَن قَصَبَة مِنْهَا تعصر قدحا فعزم على أَخذهَا مِنْهَا ثمَّ أَتَاهَا وسألها عَن ذَلِك فَقَالَت نعم ثمَّ أَنَّهَا عصرت قَصَبَة فَلم يبلغ نصف الْقدح فَقَالَ لَهَا أَيْن الَّذِي كَانَ يُقَال فَقَالَت هُوَ الَّذِي بلغك إِلَّا أَن يكون السُّلْطَان عزم على أَخذهَا مني فارتفعت

стр. 193

بركتها فَتَابَ السُّلْطَان وأخلص لله نِيَّته أَن لَا يَأْخُذهَا أبدا فعصرت قَصَبَة فَجَاءَت ملْء قدح قلت قَالَ ابْن رضوَان وَقد حكى مُحَمَّد بن عبد الْملك الْهَمدَانِي أَن واعظا دخل على أبي الْفَتْح ملك شاه بن البارسلان فوعظه بِمثل هَذِه الْحِكَايَة مَنْسُوبا إِلَى أحد الأكاسرة وَالله اعْلَم بِحَقِيقَة ذَلِك

стр. 194

الْحِكَايَة الثَّانِيَة روى عَن عَبَّاس ﵄ أَن ملكا خرج يسير فِي مَمْلَكَته مستخفيا بمكانه فَنزل على رجل لَهُ بقرة فراحت الْبَقَرَة فحلبت قدر قُلَّتَيْنِ فَعجب الْملك لذَلِك وَحدث نَفسه بأخذها فَلَمَّا راحت من الْغَد خلبت على النّصْف فَقَالَ الْملك مَا بَال حلابها قد نقص أرعت فِي غير مرعاها بالْأَمْس قَالَ لَا وَلَكِن أَظن أَن ملكناهم بأخذها فنقص لَبنهَا فَإِن الْملك إِذا ظلم أَو هم بالظلم ذهبت الْبركَة فعاهد الله فِي نَفسه فراحت من الْغَد فحلبت حلاب قُلَّتَيْنِ فَتَابَ الْملك وَعَاهد ربه لأعدلن مَا بقيت انْتهى قَالَ الطرطوشي وَهَكَذَا تتعدى سَائِر الْمُلُوك وعزائمهم ومكنون ضمائرهم إِلَى الرَّغْبَة أَن خيرا فَخير وَأَن شرا فشر الرُّكْن السَّادِس إِقَامَة الْعدْل وَهُوَ أساس مَا تقدم من الْأَركان وَقَاعِدَة مبناها وَقد سبق أَنه لَا عمَارَة إِلَّا بِالْعَدْلِ قَالُوا فَصَارَ الْعدْل أساس الْجَمِيع والشكل الدوري الَّذِي وَضعه ارسطو وَأعظم القَوْل فِيهِ شَاهد بذلك وَهُوَ قَوْله الْعَالم ستان سياجه الدولة الدولة سُلْطَان تحيا بِهِ النُّفُوس السّنة سياسة يسوسها الْملك الْملك نظام يعضده الْجند الْجند أعوان يكلفهم المَال المَال رزق تجمعه الرّعية الرّعية عبيد يكتنفهم الْعدْل الْعدْل مألوف وَبِه قوام الْعَالم الْعَالم بُسْتَان سياجه الدولة وَهُوَ هَكَذَا مُتَّصِل بعضه بِبَعْض ومرتبط بِهِ تركيب إِذا تقرر هَذَا فلتلخيص فِي الرُّكْن مسلكان

стр. 195

المسلك الأول فِي الْعدْل وَفِيه مَسْأَلَتَانِ الْمَسْأَلَة الأولى فِي فَوَائده الدِّينِيَّة وَهِي جملَة الْفَائِدَة الأولى الْمُسَابقَة بِهِ إِلَى الْمحبَّة من الله تَعَالَى يَوْم الْقِيَامَة فَفِي التِّرْمِذِيّ عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ أحب النَّاس إِلَى الله يَوْم الْقِيَامَة وأدناهم مِنْهُ مَجْلِسا إِمَام عَادل وَأبْغض النَّاس إِلَى الله يَوْم الْقِيَامَة وأبعدهم مِنْهُ مَجْلِسا إِمَام جَائِر الْفَائِدَة الثَّانِيَة اسْتِحْقَاق التَّقَدُّم على من يظلهم الله فِي ظله يَوْم لَا ظلّ إِلَّا ظله فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ سَبْعَة يظلهم الله فِي ظله يَوْم لَا ظلّ إِلَّا ظله إِمَام عَادل وشاب نَشأ فِي عبَادَة الله وَرجل مُعَلّق قلبه بالمساجد ورجلان تحابا فِي الله اجْتمعَا عَلَيْهِ وتفرقا عَلَيْهِ وَرجل دَعَتْهُ امْرَأَة ذَات منصب وجمال فَقَالَ لَا إِنِّي أَخَاف الله وَرجل ذكر الله خَالِيا فَفَاضَتْ عَيناهُ قَالَ الشَّيْخ عز الدّين بدأبه لعلو مرتبته الْفَائِدَة الثَّالِثَة اسْتِحْقَاق الْعُلُوّ بِهِ على مَنَابِر من نور عَن يَمِين الرَّحْمَن وكلتا يَدَيْهِ يَمِين فَفِي الصَّحِيح عَن عبد الله بن عمر ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن المقسطين عِنْد الله تَعَالَى على مَنَابِر من نور عَن يَمِين الرَّحْمَن وكلتا يَدَيْهِ يَمِين الَّذين يعدلُونَ فِي حكمهم وأهلهم وَمَا ولدُوا الْفَائِدَة الرَّابِعَة إِجَابَة الدُّعَاء فَفِي التِّرْمِذِيّ عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ ثَلَاثَة لَا ترد دعوتهم الصَّائِم حَتَّى يفْطر وَالْإِمَام الْعَادِل ودعوة الْمَظْلُوم يرفعها الله فَوق الْغَمَام وتفتح لَهَا أَبْوَاب السَّمَاء وَيَقُول الرب وَعِزَّتِي وَجَلَالِي لأنصرنك وَلَو بعد حِين

стр. 196

الْفَائِدَة الْخَامِسَة ضَمَان الْجنَّة بِهِ فَفِي الصَّحِيح عَن حَمَّاد ﵁ قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول أهل الْجنَّة ثَلَاثَة ذوسلطان مقسط وَرجل رَحِيم رَقِيق الْقلب لكل ذِي قربى مُسلم وعفيف متعفف ذُو عِيَال الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة فِي مَصَالِحه الدُّنْيَوِيَّة وَهِي جملَة الْمصلحَة الأولى ظُهُور رُجْحَان الْعقل بِهِ قيل لبَعْضهِم من أرجح الْمُلُوك عقلا وأكملهم أدبا وفضلا قَالَ من صحب أَيَّامه بِالْعَدْلِ وتحرز جهده من الْجور وَلَقي النَّاس بالمجاملة وعاملهم بِالْمَسْأَلَة وَلم يُفَارق السياسة مَعَ لين فِي الحكم وصلابة فِي الْحق فَلَا يَأْمَن مَا الجريء بطشه وَلَا يُخَالف البريء سطوته الْمصلحَة الثَّانِيَة كَمَال النِّعْمَة الطائلة بِهِ قَالُوا إِذا رَأَيْت الْحُكَّام يتنافسون فِي الْعَدَالَة ويجتنبون الفسوق والجهالة فَتلك نعْمَة طائلة وَإِذا رَأَيْت الْجور فاشيا وَالْعدْل مطرحا مُنْكرا فَتلك نعْمَة زائلة قلت وَقد تقدم أَن التنافس فِي خلال الْخَيْر من عَلَامَات الترشح للْملك وَبِالْعَكْسِ الْمصلحَة الثَّالِثَة دوَام الْملك بِهِ فَفِي بعض الحكم أَحَق النَّاس بدوام الْملك وباتصال الْولَايَة أقسطهم بِالْعَدْلِ فِي الرّعية وأخفهم عَنْهَا كلا ومؤونة وَمن أمثالهم من جعل الْعدْل عدَّة طَالَتْ بِهِ الْمدَّة

стр. 197

طَلْحَة على عبد الْملك بن مَرْوَان وَكَانَ الْحجَّاج لما ولي الْحَرَمَيْنِ بعد قتل ابْن الزبير استحضر إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن طَلْحَة فقربه وَأعظم مَنْزِلَته فَلم تزل تِلْكَ حَالَة حَتَّى خرج بِهِ إِلَى عبد الْملك فَخرج بِهِ مَعَه معادلا لَهُ لَا يقصر لَهُ فِي بر وَلَا إكرام حَتَّى حضر بَاب عبد الْملك فَلَمَّا دخل عيه لم يبْدَأ بِشَيْء بعد السَّلَام أَن قَالَ لَهُ قدمت عَلَيْك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ بِرَجُل الْحجاز لم أدع لَهُ بهَا نظيرا فِي الْفضل وَالْأَدب والمروءة وَحسن الْمَذْهَب مَعَ قرَابَة الرَّحِم وَوُجُوب الْحق وَعظم قدر الْأُخوة وَمَا بلوت مِنْهُ فِي الطَّاعَة والنصيحة وَحسن المؤازرة وَهُوَ إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن طَلْحَة وَقد أحضرته ببابك ليسهل عَلَيْهِ إذنك وتعرف لَهُ مَا عرفتك قَالَ أذكرتنا رحما قريبَة وَحقا وَاجِبا يَا غُلَام أيأذن لَهُ فَلَمَّا دخل عَلَيْهِ أدناه حَتَّى أجلسه على فرَاشه ثمَّ قَالَ لَهُ يَا ابْن طَلْحَة إِن أَبَا مُحَمَّد أذكرنا مَا لم نزل نعرفك بِهِ من الْفضل وَالْأَدب وَحسن الْمَذْهَب مَعَ قرَابَة الرَّحِم وَوُجُوب الْحق وَعظم قدر الْأُخوة وبلاده مِنْك بِالطَّاعَةِ وَحسن المؤازرة فَلَا تدعن حَاجَة فِي خاصتك وعامتك إِلَّا ذكرتها فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أَن أولى الْحَوَائِج وأحق مَا قدم بَين يَدي الإِمَام مَا كَانَ لله رضى ولخق نبيه ﷺ أَدَاء وَلَك فِيهِ ولجماعة الْمُسلمين نصيحة وَعِنْدِي نصيحة لَا أجد بدا من ذكرهَا وَلَا أقدر على ذَلِك وَلَا أَنا خَال فأخلني يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ ترد عَلَيْك نصيحتي قَالَ دون أبي مُحَمَّد قَالَ دون أبي مُحَمَّد فَقَالَ عبد الْملك للحجاج قُم فَلَمَّا تخطرف السّتْر أقبل عَليّ فَقَالَ يَا ابْن طَلْحَة قل نصيحتك قلت تالله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِنَّك عَمَدت إِلَى الْحجَّاج فِي تغطرسه وتعجرفه وعده من الْحق وقربه من الْبَاطِل فوليته الْحَرَمَيْنِ وهما هما وَبِهِمَا من بهما من الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار والموالي البررة الأخيار يطأهم بالعسف ويسومهم

стр. 198

الْمصلحَة الرَّابِعَة ملك سرائر الرّعية بِهِ فَعَن أفلاطون من قَامَ من الْمُلُوك بِالْعَدْلِ وَالْحق ملك سرائر رعاياه وَمن قَامَ فيهم بالجور والقهر لم يملك إِلَّا الأجساد وَلم يرى إِلَّا المتصنع والقلوب عيه مُخْتَلفَة فَإِن السرائر تطلب من يملكهَا بِالْإِحْسَانِ الْمصلحَة الْخَامِسَة قِيَامه فِي الأَرْض مقَام الْمَطَر الوابل بل هُوَ أَنْفَع فَمن كَلَامهم سُلْطَان عَادل خير من مطر وابل وَقَالُوا عدل السُّلْطَان خير من خصب الزَّمَان وَفِي بعض الحكم مَا أَمْحَلت أَرض سَالَ عدل السُّلْطَان فِيهَا وَلَا محيت بقْعَة فَاء ظله عَلَيْهَا المسلك الثَّانِي نقيضه وَهُوَ الْجور وَفِيه مَسْأَلَتَانِ الْمَسْأَلَة الأولى فِي وعيده الديني والوارد مِنْهُ جملَة الْوَعيد الأول شدَّة الْعَذَاب عَلَيْهِ يَوْم الْقِيَامَة فَفِي رِوَايَة عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ أَشد النَّاس عذَابا يَوْم الْقِيَامَة إِمَام جَائِر قلت وَعَن هَذَا قَالَ طَاوُوس لِسُلَيْمَان بن عبد الْملك هَل تَدْرِي من أَشد النَّاس عذَابا يَوْم الْقِيَامَة من أشركه الله فِي ملكه فجار فِي حكمه فاستلقى سُلَيْمَان على سَرِيره فَمَا زَالَ باكيا حَتَّى قَامَ جُلَسَاؤُهُ

стр. 199

الْوَعيد الثَّانِي رَجْفَة الصِّرَاط بِأَصْحَابِهِ فَعَن حُذَيْفَة ﵁ أَنه قَالَ مَا أَنا مثن على وَال خيرا جائرهم وعادلهم فَقيل لَهُ لم فَقَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول يُؤْتى بالولاة يَوْم الْقِيَامَة جائرهم وعادلهم فيوقفون على الصِّرَاط فَيُوحِي الله تَعَالَى إِلَى الصِّرَاط فيرجف بهم رَجْفَة لَا يبْقى مِنْهُم جَائِر فِي حكمه وَلَا مرتش فِي قَضَائِهِ وَلَا مُمكن سَمعه لأحد الْخَصْمَيْنِ مَا لم يكن للْآخر إِلَّا مَا زلت قدماه سبعين عَاما فِي جَهَنَّم الْوَعيد الثَّالِث مَجِيء مقترف الْإِثْم بِهِ وَيَده مغلولة إِلَى عُنُقه فَعَن أبي أُمَامَة ﵁ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ مَا من رجل يَلِي أَمر عشرَة فَمَا فَوق ذَلِك إِلَّا أَتَى الله يَوْم الْقِيَامَة يَده إِلَى عُنُقه فكه بره أَو أوثقه إثمه أَولهَا ملامة وأوسطها ندامة وَآخِرهَا خزي يَوْم الْقِيَامَة الْوَعيد الرَّابِع التَّعَرُّض بِهِ للعنة الله وسد بَاب الْقبُول دونه فَعَن أبن عَبَّاس ﵄ أَن الرَّسُول ﷺ قَالَ الْأَئِمَّة من قُرَيْش مَا قَامُوا فِيكُم بِثَلَاث مَا إِن استرحموا رحموا ومت أَن حكمُوا عدلوا وَمن أَن قَالُوا أَوْفوا وَمن لم يفعل ذَلِك فعيه لعنة الله وَالنَّاس أَجْمَعِينَ لَا يقبل الله مِنْهُ صرفا وَلَا عدلا الْوَعيد الْخَامِس حرمَان شَفَاعَة النَّبِي ﷺ بشؤمه

стр. 200

فَعَن معقل بن يسَار ﵁ أَنه قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ رجلَانِ من أمتِي لَا تنالهم شَفَاعَتِي إِمَام ظلوم غشوم وغال فِي الدّين مارق مِنْهُ الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة فِي مفاسده الدُّنْيَوِيَّة وَهِي جملَة الْمفْسدَة الأولى فَوَات الطَّاعَة والمحبة فَعَن أزدشير إِذا رغب الْملك عَن الْعدْل رغبت الرّعية عَن الطَّاعَة فَفِي العهود اليونانية وَاعْلَم أَن الطَّاعَة تنقاد المقهر وان الْمحبَّة لَا تنقاد إِلَّا للعدل فغلب الْعدْل على رعيتك تظفر مِنْهُم بالمحبة الْبَاقِيَة بعدلك الْمفْسدَة الثَّانِيَة فنَاء الْكَرَامَة بِسَبَبِهِ ودثورها فَفِي العهود اليونانية وَاعْلَم أَن كَرَامَة الْخَوْف دَائِرَة وكرامة الْعدْل بَاقِيَة فاختر لنَفسك فَضِيلَة الْعدْل وَبَقَاء الْكَرَامَة الْمفْسدَة الثَّالِثَة تَقْصِير مُدَّة الْملك وَالسُّلْطَان فَفِي الأفلاطونيات زمَان الجائر من الْمُلُوك أقصر من زمَان الْعَادِل لِأَن الجائر مُفسد والعادل مصلح وإفساد الشَّيْء أسْرع من إِصْلَاحه وَمن كَلَامهم سِتَّة أَشْيَاء لَا ثبات لَهَا ظلّ الْغَمَام وخلة الأشرار وعشق النِّسَاء وَالثنَاء الْكَاذِب وَالسُّلْطَان الجائر وَالْمَال الْكثير الْمفْسدَة الرَّابِعَة شدَّة الْخَوْف بِسَبَبِهِ وَبِالْعَكْسِ بِالْعَدْلِ كَمَا يرْوى عَن يزدجر آخر مُلُوك الْفرس أَنه بعث رَسُولا إِلَى عمر بن الْخطاب ﵁ وَأمره أَن ينظر فِي شمائله فَلَمَّا دخل الْمَدِينَة قَالَ أَيْن ملككم قَالُوا

стр. 201

لَيْسَ لنا ملك وَإِنَّمَا لنا أَمِير خرج فَخرج الرجل فِي إثره فَوَجَدَهُ نَائِما فِي الشَّمْس ودرته تَحت رَأسه قد عرق جَبينه حَتَّى ابتلت مِنْهُ الأَرْض فَلَمَّا رَآهُ على حَالَته قَالَ عدلت فأمنت فَنمت وصاحبنا جَار فخاف فسهر أشهد أَن الدّين دينكُمْ وَلَوْلَا أَنِّي رَسُول لأسلمت وسأعود إِن شَاءَ الله الْمفْسدَة الْخَامِسَة ذهَاب الرزق بشؤمه برا وبحر حكى الطرطوشي أَنه كَانَ بصعيد مصر نَخْلَة تحمل عشرَة أرادب وَلم يكن فِي الزَّمَان نَخْلَة تحمل نصف ذَلِك فغصبها السُّلْطَان فَلم تحمل ثَمَرَة وَاحِدَة فِي ذَلِك الْعَام قَالَ وَشهِدت أَنا بالإسكندرية وَالصَّيْد فِي الخليج مُطلق للرعية والسمك فِيهِ يغلي المَاء بِكَثْرَة ويصيده الْأَطْفَال بالخرق ثمَّ حجره السُّلْطَان وَمنع النَّاس من صَيْده فَذهب السّمك مِنْهُ حَتَّى لَا يكَاد يُوجد فِيهِ إِلَّا وَاحِدَة بعد وَاحِدَة إِلَى يَوْمنَا هَذَا قلت وَقد سبق أَن الْبركَة ترْتَفع بِمُجَرَّد نِيَّة الظُّلم فَكيف بِهِ الْفِعْل تَنْبِيه يجب على الرّعية مُلَاحظَة أَن جور السُّلْطَان وعماله نتيجة أَعمالهَا الْحَائِل عَن نهج الصِّرَاط السوي لما سبق من تَقْرِير مَدْلُول قَوْلهم كَمَا تَكُونُوا يُولى عَلَيْكُم وَبِذَلِك أجَاب ابْن الجزار السَّرقسْطِي عَن المستعين بن هود وَقد تشكى إِلَيْهِ بعض رعاياه من بعض عماله (نسبتم الْجور لعمالكم ... ونمتم عَن سوء أعالكم) (لَا تنسبوا الْجور إِلَيْهِم فَمَا ... عمالكم إِلَّا بأعمالكم) (تا لله لَو ملكتم سَاعَة ... لم يخْطر الْعدْل على بالكم)

стр. 202

تَكْمِلَة من جمع بَين الْعدْل والجور فِي ولَايَة هَل يقوم عدله بجوره أم لَا قَالَ الشَّيْخ عز الدّين مَا فَوت من المَال مَضْمُون عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا فَإِن أَدَّاهُ بَرِئت ذمَّته مِنْهُ وَبَقِي عُهْدَة إِثْم الْحَيْلُولَة وَإِن لم يؤده أَخذ فِي الْآخِرَة من حَسَنَاته فَإِن فنيت طرح عَلَيْهِ من سيئات من ظلم ثمَّ طرح فِي النَّار قَالَ وَكَذَا فِي الدِّمَاء والأبضاع والأعراض وَفِيمَا أخر من الْحُقُوق الْوَاجِب تَقْدِيمهَا أَو قدم مِمَّا يجب تَأْخِيره من ذَلِك لقد قَالَ رب الْعَالمين ﴿وَنَضَع الموازين الْقسْط ليَوْم الْقِيَامَة فَلَا تظلم نفس شَيْئا وَإِن كَانَ مِثْقَال حَبَّة من خَرْدَل أَتَيْنَا بهَا وَكفى بِنَا حاسبين﴾ الرُّكْن السَّابِع تَوْلِيَة الخطط الدِّينِيَّة قد تقدم أَن حَقِيقَة الْخلَافَة نِيَابَة عَن الشَّارِع فِي حفظ الدّين وسياسة الدُّنْيَا بِهِ وَأَن الْملك مندرج فِيهَا وتابع للقصد بهَا وَعمد ذَلِك فتمام الْقيام بِهِ إتباعا لقاصد الْخلَافَة مَا أمكن مُتَوَقف على تَوْلِيَة خططها من يقوم بهَا على التَّعْيِين لتعذر وَفَاء السُّلْطَان بهَا مُبَاشرَة وَأُمَّهَات مَا يذكر مِنْهَا جملَة الخطة الأولى إِمَامَة الصَّلَاة وفيهَا مسَائِل الْمَسْأَلَة الأولى قَالَ ابْن خلدون هِيَ أرفع الخطط كلهَا وَأَرْفَع من الْملك بِخُصُوصِهِ المندرج مَعهَا تَحت الْخلَافَة

стр. 203

قَالَ وَيشْهد لذَلِك اسْتِدْلَال الصَّحَابَة باستخلاف أبي بكر ﵁ فِي الصَّلَاة على استخلافه فِي السياسة فِي قَوْلهم ارْتَضَاهُ رَسُول الله ﷺ لديننا أَفلا نرضاه لدنيانا فلولا أَن الصَّلَاة أرفع من السياسة لما صَحَّ الْقيَاس قلت قَالَ الْقَرَافِيّ لَا يلْزم من التَّقْدِيم فِي الصَّلَاة من حَيْثُ هُوَ تَقْدِيم فِيهَا التَّقْدِيم فِي الْأَمَانَة الْعُظْمَى لاشتمالها على سياسة الْأمة وَمَعْرِفَة معاقد الشَّرِيعَة وَضبط الجيوش وَذكر من هَذَا مَا هُوَ من وظائفها ثمَّ أجَاب عَن اسْتِدْلَال الصَّحَابَة بِوُجُوه مِنْهَا أَن الْقَصْد بذلك تسكين الثائرة وردع الْأَهْوَاء بِحجَّة ظَاهِرَة يسكن لَهَا أَكثر النَّاس ليندفع الْفساد الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة وَهِي من أثر اعْتِقَاد رفعتها أَن الْجُمْلَة من الْأَوَّلين إِلَى انْقِرَاض الدولة الأموية كَانُوا لَا يستخلفون فِيهَا غَيرهم بل يباشرونها بِأَنْفسِهِم استيثارا بهَا واستعظاما لرتبتها فيحكى عَن عبد الْملك أَنه قَالَ لحاجبه وَقد جعلت حجاية بِأبي بِيَدِك إِلَّا عَن ثَلَاثَة صَاحب الطَّعَام فَإِنَّهُ يفْسد بِالتَّأْخِيرِ وَالْإِذْن للصَّلَاة فَإِنَّهُ دَاع إِلَى الله والبريد فان فِي تَأْخِيره فَسَاد القاصية تَعْرِيف قَالَ ابْن خلدون فَلَمَّا جَاءَت طبيعة الْملك وعوارضه من الغلظة والترفع عَن مُسَاوَاة النَّاس فِي دينهم ودنياهم استنابوا فِي الصَّلَاة فَكَانُوا يستأثرون بهَا فِي الأحيان وَفِي الصَّلَوَات الْعَامَّة كالعيدين وَالْجُمُعَة اشادة وتنويها فعل ذَلِك كثير من خلفاء بني الْعَبَّاس والعبيديين صدر دولتهم قلت قَالَ ابْن الْعَرَبِيّ هِيَ أصل فِي نَفسهَا وَفرع للإمارة وَلَكِن لما فسد الْوُلَاة وَلم يكن فيهم من ترْضى حَالَته للْإِمَامَة بقيت الْولَايَة

стр. 204

فِي يَده بِحكم الْغَلَبَة وَقدم للصَّلَاة من ترْضى حَالَته سياسته مِنْهُم للنَّاس وإبقاء عَلَيْهِم فقد كَانَ بَنو أُميَّة حِين كَانُوا يصلونَ بِالنَّاسِ فَيخرج أهل الْفضل من الصَّلَاة خَلفهم وَيخرجُونَ على الْأَبْوَاب فتأخذهم سياط الحرس فيصبرون لَهَا حَتَّى يَفروا بِأَنْفسِهِم عَم الْمَسْجِد قَالَ وَهَذَا لَا يلْزم بل يصلى مَعَهم وَفِي الْإِعَادَة خلاف قلت وَمَعَ هَذَا فالترفع عَن الْمُسَاوَاة بهَا لَا يُنكر كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ أبن خلدون الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة الْمَسْجِد أعظم بِكَثْرَة غاشيته وإعداده للصلوت الْمَشْهُورَة فإمامته رَاجِعَة إِلَى الْخَلِيفَة أَو الْخَلِيفَة أَو من يُفَوض إِلَيْهِ من سُلْطَان أَو وَزِير أَو قَاض فِي الْخَمِيس وَالْجُمُعَة وَالْعِيدَيْنِ والخسوفين وَالِاسْتِسْقَاء لِئَلَّا يفتات عَلَيْهِ شَيْء من النّظر فِي الْمصَالح الْعَامَّة وَأَن اخبص بِقوم أَو محلّة فَأمرهَا رَاجع إِلَى الْجِيرَان قلت وَيبقى بعد ذَلِك تفقدهم فِي إلزامهم إِقَامَته واختبار صلاحيته لذَلِك الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة قَالَ ابْن حزم يَنْبَغِي للْإِمَام أَن يُولى الصَّلَاة رجلا قَارِئًا لِلْقُرْآنِ حَافِظًا لَهُ عَالما بِأَحْكَام الصَّلَاة وَالطَّهَارَة فَاضلا فِي دينه خَطِيبًا فصيحا مُعَرفا فَقِيها فِي جَمِيع ذَلِك قلت وَبَقِيَّة الشُّرُوط مقررة فِي موَاضعهَا فِي الفقهيات الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة من تَوَابِع هَذِه الخطة اتِّخَاذ مُؤذن للصَّلَاة قَالَ ابْن حزم يَأْخُذهُمْ الإِمَام بِإِقَامَة مُؤذن راتب لكل مَسْجِد فَإِن لم يكن فيهم من يقوم بذلك وَلَا الصَّلَاة يكفل لَهُم بِإِمَام ومؤذن يجْرِي علنهما مِمَّا يكفيهما إِن كَانَا فقيرين

стр. 205

قلت وَالنَّظَر الْآن فِي ذَلِك مَصْرُوف إِلَى الْقُضَاة أَو الْأَئِمَّة تَتِمَّة من مؤكدات مَا على صَاحب هَذِه الخطة أَن يُرَاعِي أمورا نبه عَلَيْهَا ابْن الْحَاج فِي مدخله أَحدهَا أَن ينوى عِنْد ولايتها مَعَ إخلاص النِّيَّة مَعَ الله تَعَالَى أَنه يقوم بِمَا وَجب على الْمُسلمين أَن يوفوا بِهِ قَالَ لِأَن الْإِمَامَة من أكبر مهمات الدّين وَفرض على الْكِفَايَة الثَّانِي أَن يتحفظ على منصبها من الْأُمُور الَّتِي تزرى بصاحبها كالمزاح وَكَثْرَة الضحك لاسيما مَعَ الْجَانِب وَالْمَشْي فِي السواق لغير عذر شَرْعِي وَنَحْو ذَلِك الثَّالِث أَن يكون أعظم الْجَمَاعَة خوفًا وقلقا وَأَكْثَرهم علما وخشية قَالَ فقد ورد أَن الصَّلَاة ترفع على أتقى قلب رجل من الْجَمَاعَة فَيَنْبَغِي أَن يكون متصفا بذلك ليحصل جَمِيع من خَلفه فِي صَحِيفَته وَفِي خفارته

стр. 206

الرَّابِع أَن يرى لنَفسِهِ فضلا على من تقدمه بل يرى الْفضل عَلَيْهِ ويتخوف على ذمَّته قَالَ لقَوْله ﷺ الإِمَام ضَامِن والمؤذن مؤتمن الْخَامِس أَن يكون أكبر اهتمامه التحفظ من الْبدع المحدثة لنه علم للعامة فِي الإقتداء بِهِ خُصُوصا مَا يَقع من ذَلِك فِي الْمَسْجِد الَّذِي هُوَ من رَعيته الخطة الثَّانِيَة الْفتيا وفيهَا بِحَسب الْوَضع مسَائِل الْمَسْأَلَة الأولى شرف هَذِه الْمنزلَة فِي الْمَرَاتِب الدِّينِيَّة لَا يحفى على متأمل وَيَكْفِي من ذَلِك أَن صَاحبهَا قَائِم فِي الْأمة مقَام النَّبِي ﷺ لمرين أَحدهمَا صَرِيح النَّص بذلك فَفِي الحَدِيث الْعلمَاء وَرَثَة الْأَنْبِيَاء وَأَن الْأَنْبِيَاء لم يورثوا دِينَار وَلَا درهما وَإِنَّمَا ورثوا الْعلم وَمن ثمَّ قيل الْمُفْتِي موقع عَن الله الثَّانِي نيابته عَنهُ ﷺ فِي تَبْلِيغ الْأَحْكَام لقَوْله أَلا ليبلغ الشَّاهِد مِنْكُم الْغَائِب وَقَالَ بلغُوا عني وَلَو آيَة وَهُوَ معنى كَونه يقوم مقَامه ﷺ فِي التَّبْلِيغ والتعليم اعْتِرَاف بِفضل روى سهل بن عبد الله أَنه قَالَ من أَرَادَ أَن ينظر إِلَى مجَالِس

стр. 207

الْأَنْبِيَاء عيهم السَّلَام فَلْينْظر إِلَى مجَالِس الْعلمَاء يَجِيء الرجل فَيَقُول مَا تَقول فِي رجل حلف على امْرَأَته بِكَذَا فَيَقُول طلقت امْرَأَته وَهَذَا مقَام الْأَنْبِيَاء فاعرفوا لَهُم ذَلِك الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة ابْن خلدون للخليفة تصفح أهل الْعلم والتدريس ورد الْفتيا إِلَى من هُوَ أهل لَهَا وإعانته على ذَلِك وَمنع من لَيْسَ بِأَهْل لَهَا وزجرها لِأَنَّهَا من مصَالح الْمُسلمين فِي أديانهم فَيجب عيه مراعاتها لِئَلَّا يتَعَرَّض لذَلِك من لَيْسَ بِأَهْل فيضل النَّاس انْتهى قلت لقَوْله ﷺ إِن الله لَا يقبض الْعلم الحَدِيث الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة إِذا كَانَ الإِمَام لَا يسْتَقلّ بِهَذَا التصفح لفَوَات الْعلم بِهِ فَيَكْفِي استطلاع مَا عِنْد عُلَمَاء الْوَقْت فِي أَهْلِيَّة الْمصدر للْفَتْوَى مَعَ علمه هُوَ ذَلِك من نَفسه وَهُوَ معنى قَوْلهم لَا يُفْتى حَتَّى يرَاهُ النَّاس أَهلا لذَلِك وَيرى هُوَ نَفسه أَهلا لذَلِك فَإِن فقدوا أَو كَانَت معرفتهم لَا توفى بذلك وَرَأى هَذَا الْمُقدم أَنه أهل فولايته صَحِيحَة لوَجْهَيْنِ أَحدهمَا أَن تعْيين الْأُمَرَاء من يقوم بِوَاجِب التَّنْفِيذ حَتَّى يثبت أَنه لَيْسَ بِأَهْل وَإِلَّا انخرم نظام الدُّنْيَا الثَّانِي أَن اعْتِقَاد هَذَا المبدأ أَهْلِيَّته لذَلِك كَافِيَة فِي انتصابه حَيْثُ لَا يكون هُنَاكَ غَيره وَلَو لم يقدم أحد فَكيف بِهَذَا قَالَه الشَّيْخ الإِمَام أَبُو اسحق الشاطبي فِي بعض تقييداته الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة قَالَ ابْن الصّلاح يشْتَرط فِيهِ أَن يكون مُكَلّفا

стр. 208

مُسلما ثِقَة مَأْمُونا منزها عَن أَسبَاب الفسوق ومسقطات الْمُرُوءَة لِأَن من لم يكن كَذَلِك فَقَوله غير صَالح للاعتماد وَإِن كَانَ من أهل الِاجْتِهَاد وَيكون فَقير النَّفس سليم الذِّهْن رصين الْفِكر صَحِيح التَّصَرُّف والاستنباط متيقظا قلت ودرجاته بعد ذَلِك مقررة فِي موَاضعهَا من كتب الْأُصُول وَغَيرهَا الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة قَالَ الشَّيْخ أَبُو اسحاق الشاطبي الْمُفْتِي البالع ذرْوَة الدرجَة هُوَ الَّذِي يحمل النَّاس على الْمَعْهُود الْوسط فِيمَا يَلِيق بالجمهور فَلَا يذهب يهم الشدَّة وَلَا يمِيل بهم إِلَى طرف الإنحلال قلت مِمَّا اسْتدلَّ بِهِ على صِحَة ذَلِك أَمْرَانِ أَحدهمَا أَن من قصد الشَّارِع حمل الْمُكَلف على التَّوَسُّط من إفراط وَلَا تَفْرِيط وَهُوَ الطَّرِيق الْمُسْتَقيم الَّذِي جَاءَ بِهِ وَحِينَئِذٍ فالخروج عَن ذَلِك فِي المستفتي انحراف عَن ذَلِك الْمَقْصد قَالَ لذَلِك كَانَ مَا خرج عَن الْمَذْهَب الْوسط مذموما عِنْد الْعلمَاء الراسخين الثَّانِي أَن الْخُرُوج إِلَى الْأَطْرَاف حائد عَن الْعدْل وناكب عَن صراطه وَحِينَئِذٍ فَلَا مصلحَة فِيهِ الْبَتَّةَ أما فِي طرف التَّشْدِيد فَلَمَّا فِيهِ من الْحَرج الْمُؤَدِّي لِبُغْض الدّين والانقطاع عَن التزود بِهِ إِلَى الْمعَاد وَأما فِي طرف الانحلال فَلَمَّا فِيهِ من اتِّبَاع الْهوى والشهوة

стр. 209

قلت وَعند ذَلِك فَمن عرف بالتساهل فِي فتياه من هَذِه الْجِهَة منع استفتاؤه وَهِي الْمَسْأَلَة السَّادِسَة كَمَا صرح بِهِ ابْن الصّلاح قَائِلا أَن من فعل ذَلِك بِأَن تحمله الْأَغْرَاض الْفَاسِدَة على تتبع الْحِيَل الممنوعة والتمسك بالشبه طلبا للترخيص على من يُرِيد نَفعه أَو التَّغْلِيظ على من يقْصد ضره فقد هان عَلَيْهِ دينه ونسأل الله الْعَفو والعافية الْتِفَات قَالَ وَإِذا صَحَّ قَصده فِي تطلب حِيلَة لَا شُبْهَة فِيهَا وَلَا تجر إِلَى مفْسدَة ليتخلص بهَا المستفتي من ورطة يَمِين أَو نَحْوهَا فَذَلِك حسن جميل فقد قَالَ سُفْيَان الثَّوْريّ إِنَّمَا الْعلم عندنَا الرُّخْصَة من ثِقَة فَأَما التَّشْدِيد فيحسنه كل أحد الْمَسْأَلَة السَّابِعَة إِذا كَانَ التساهل فِي الْفتيا مَانِعا من استفتاء من عرف بِهِ فَمن الْوَاجِب على السُّلْطَان أَن يكون أول مُمْتَنع من ذَلِك فِي نَفسه وَأولى أَن لَا يكلفه التمَاس رخصَة على غير شَرطهَا يطبق بهَا غَرَضه بِتَقْدِير أَنه مَا كَانَ يساعده لَوْلَا هَذَا التَّكْلِيف أما أَولا فَلَمَّا يخْشَى من وزر ذَلِك فِي الْجُمْلَة وَفِي حكم الْهِنْد وَهُوَ ظَاهر من التمس من الإخوان الرُّخْصَة عِنْد المشورة وَمن الْأَطِبَّاء عِنْد الْمَرَض وَمن الْفُقَهَاء عِنْد الشُّبْهَة أَخطَأ الرَّأْي وأزداد مَرضا أَو تحمل الْوزر أما ثَانِيًا فَلَمَّا ينشأ عَنهُ من إِدْخَال الْفساد بِهِ على الدّين من وُجُوه لَا تخفى مَعَ التَّأَمُّل وَهُوَ لَا محَالة مُوجب لتضعيف وزره أضعافا مضاعفة وَفِي مثل ذَلِك قَالَ ابْن الْمُبَارك (وَهل افسد الدّين إِلَّا الْمُلُوك ... وأخبار سوء ورهبانها) (وَبَاعُوا النُّفُوس وَلم يربحوا ... وَلم تغل فِي البيع أثمانه) ا (لقد رتع الْقَوْم فِي جيفة ... يبين لذِي الْعقل أنتانها)

стр. 210

تَعْرِيف من مَشْهُور مَا وَقع من تساهل طلب الرُّخْصَة فِي الْفتيا على غير شَرطهَا إرضاء للسُّلْطَان بِمَا يُتَابع هَوَاهُ مَا حَكَاهُ عِيَاض وَغَيره عَن مُحَمَّد بن يحي بن لبَابَة أخي الشَّيْخ ابْن لبَابَة الشهير وَذَلِكَ أَنه عزل عَن قَضَاء البيرة لرفع أَهلهَا عَلَيْهِ ثمَّ عَن الشورى لأمور نقمت عَلَيْهِ وسجل بسخطه القَاضِي حبيب ابْن زِيَاد وَأمر بِإِسْقَاط عَدَالَته وإلزامه بَيته وَأَن لَا يُفْتِي أحدا فَأَقَامَ على ذَلِك وقتا ثمَّ إِن النَّاصِر احْتَاجَ إِلَى شِرَاء مجشر من أحباس المرضى بقرطبة بعدوة

стр. 211

النَّهر فتشكي إِلَى القَاضِي ابْن بَقِي ضَرُورَته إِلَيْهِ لقابلته منزهة وتأذيه برؤيتهم أَو أَن تطلعه من علالية فَقَالَ لَهُ ابْن بقى لَا حِيلَة عِنْدِي فِيهِ وَهُوَ أولى أَن يحاط لحُرْمَة الْحَبْس فَقَالَ لَهُ تكلم مَعَ الْفُقَهَاء فِيهِ وعرفهم رغبتي وَمَا أجزله لَهُ من أَضْعَاف الْقيمَة فِيهِ فلعلهم أَن يَجدوا فِي ذَلِك رخصَة فَتكلم ابْن بَقِي مَعَهم فَلم يَجدوا إِلَيْهِ سَبِيلا فَغَضب النَّاصِر عَلَيْهِم وَأمر الوزراء بالتوجيه فيهم إِلَى الْقصر وتوبيخهم فجرت فجرت بَينهم وَبَين الوزراء مكالمة وَلم يصل النَّاصِر مَعَهم إِلَى مَقْصُوده وَبلغ ابْن لبَابَة هَذَا الْخَبَر فَرفع إِلَى النَّاصِر من أَصْحَابه الْفُقَهَاء وَيَقُول إِنَّهُم حجروا عَلَيْهِ وَاسِعًا وَلَو كَانَ حَاضرا لأفتاه بِجَوَاز الْمُعَاوضَة وتقلدها وناظر أَصْحَابه فِيهَا فَوَقع الْأَمر بِنَفس النَّاصِر وَأمر بِإِعَادَة مُحَمَّد بن لبَابَة إِلَى الشورى إِلَى حَالَته الأولى ثمَّ أَمر القَاضِي بِإِعَادَة الشورى فِي الْمَسْأَلَة فَاجْتمع القَاضِي وَالْفُقَهَاء وَجَاء ابْن لبَابَة آخِرهم وعرفهم القَاضِي ابْن بَقِي بِالْمَسْأَلَة الَّتِي جمعهم من أجلهَا وغبطة الْمُعَاوضَة فِيهَا فَقَالَ جَمِيعهم بقَوْلهمْ الأول من الْمَنْع بتغيير الْحَبْس عَن وَجهه وَابْن لبَابَة سَاكِت فَقَالَ لَهُ القَاضِي مَا تَقول أَنْت يَا أَبَا عبد الله قَالَ أما قَول إمامنا مَالك بن أنس فَالَّذِي قَالَه أَصْحَابنَا الْفُقَهَاء وَأما أهل الْعرَاق فَإِنَّهُم لَا يجيزون الْحَبْس أصلا وهم عُلَمَاء أَعْلَام يَهْتَدِي بهم أَكثر الْأمة وَإِذ بأمير الْمُؤمنِينَ من الْحَاجة إِلَى هَذَا المجشر مَا بِهِ فَمَا يَنْبَغِي أَن يرد عَنهُ وَله فِي السّنة فسحة وَأَنا أَقُول بقول أهل الْعرَاق وأتقلد ذَلِك رَأيا فَقَالَ لَهُ الْفُقَهَاء سُبْحَانَ الله تتْرك قَول مَالك الَّذِي أفتى بِهِ أسلافنا ومضوا عَلَيْهِ واعتقدناه بعدهمْ وأفتينا بِهِ لَا نحيد عَنهُ بِوَجْه وَهُوَ رأى أَمِير

стр. 212

الْمُؤمنِينَ ورأي الْأَئِمَّة آبَائِهِ فَقَالَ لَهُم مُحَمَّد بن يحي ناشدتكم الله الْعَظِيم ألم تزل بِأحد مِنْكُم ملمة بلغت بكم أَن أَخَذْتُم فِيهَا بقول بِغَيْر قَول مَالك فِي خَاصَّة أَنفسكُم وأرخصتم لأنفسكم فِي ذَلِك قَالُوا بلَى قَالَ فَأمر أَمِير الْمُؤمنِينَ أولى بذلك فَخُذُوا بِهِ مأخذكم وتعلقوا بقول من يُوَافقهُ من الْعلمَاء فكلهم قدوة فَسَكَتُوا فَقَالَ للْقَاضِي أَنه إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ فتياي فَكتب القَاضِي إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ بِصُورَة الْمجْلس وَبَقِي مَعَ أَصْحَابه بمكانهم إِلَى أَن أَتَى الْجَواب بِأَن يُؤْخَذ لَهُ بِفُتْيَا مُحَمَّد بن يحيى بن لبَابَة وَينفذ ذَلِك ويعوض للمرضى من هَذَا المجشر بأملاك ثمينة عَجِيبَة وَكَانَت عَظِيمَة الْقدر جدا تزيد أضعافا على المجشر ثمَّ جِيءَ من عِنْد أَمِير الْمُؤمنِينَ بِكِتَاب مِنْهُ إِلَى أَيْن لبَابَة بولايته خطة الوثائق ليَكُون هُوَ الْمُتَوَلِي لعقد هَذِه الْمُعَاوضَة فهنيء بِالْولَايَةِ وأمضى القَاضِي الحكم بفتواه وَأشْهد عَلَيْهِ وَانْصَرفُوا فَلم يزل ابْن لبَابَة يتقلد خطة الوثائق الشورى إِلَى أَن مَاتَ سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وثلاثمائة قَالَ عِيَاض ذاكرت بعض مَشَايِخنَا بِهَذَا الْخَبَر فَقَالَ يَنْبَغِي أَن يُضَاف هَذَا إِلَى الْخَبَر الَّذِي حل مَحل السخطة إِلَى سجل السخطة فَهُوَ أولى ولأشد فِي السخطة مِمَّا تضمنه أَو كَمَا قَالَ توضيح قَالَ الشَّيْخ الإِمَام أَبُو إِسْحَاق الشاطبي وشأن مثل هَذَا لَا يحل لوَجْهَيْنِ أَحدهمَا أَنه لم يحِق الْمَذْهَب الَّذِي حكم بِهِ لن الْعِرَاقِيّين لَا يبطلون الإحباس مُطلقًا بل مَذْهَبهم قريب من مَذْهَب مَالك كَمَا فِي كتب الحنيفة الثَّانِي على تَسْلِيم صِحَّته بترجيح أحد الْقَوْلَيْنِ إِنَّمَا هُوَ بالوجوه الْمُعْتَبرَة شرعا اتِّفَاقًا لَا بالصحبة أَو الْإِمَارَة أَو قَضَاء الْحَاجة قَالَ فَكل من اعْتمد على تَقْلِيد قَول غير مُحَقّق أَو رجح بِغَيْر معنى مُعْتَبر فقد خلع الربقة واستبد إِلَى غير شرع عَافَانَا الله من ذَلِك بفضله

стр. 213

الخطة الثَّالِثَة التدريس وفيهَا على ذَلِك الْقَصْد مسَائِل الْمَسْأَلَة الأولى فَضِيلَة هَذَا المنصب من حَيْثُ شرف الْعلم أوضح فِي الظُّهُور من شمس الظهيرة وَيَكْفِي من ذَلِك مَا يدل علية قَوْله ﷺ وَإِنَّمَا بعثت معلما فَهُوَ نِيَابَة عَنهُ ﷺ فِي الْمَعْنى الَّذِي بعث من أَجله ومجلسه قَالَ ابْن الْحَاج هُوَ الْمَشْهُور خَيره الْمَعْرُوف بركته المستفيض بره واحترامه المسالة الثَّانِيَة الْمَسَاجِد الَّتِي يجلس فِيهَا الْمدرس إِن عظمت بِحَيْثُ ينظر السُّلْطَان فِي الْولَايَة عَلَيْهَا منا تقدم فبالإمامة فَلَا بُد فِي اسْتِئْذَانه فِي ذَلِك وَأَن كَانَت فِي مَسَاجِد الْعَامَّة فَلَا يتَوَقَّف على إِذن قَالَ ابْن خلدون على أَنه يَنْبَغِي لكل أحد من الْمُفْتِينَ والمدرسين أَن يكون زاجرا من نَفسه يمنعهُ من التصدي لما لَيْسَ لَهُ بِأَهْل فيضل بِهِ المستهدي ويزل بِهِ المسترشد فالسلطان فيهم لذَلِك من النّظر مَا توجبه الْمصلحَة من إجَازَة أَو ورد الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة على الإِمَام أَن يبلغ فِي تصفح من يقدمهُ لذَلِك صونا لإجتهاد الْأَئِمَّة عَن التَّقْصِير فقديما تشكى الْعلمَاء من ذَلِك وَمن إهمال النّظر فِي هَذَا المر بِالْجُمْلَةِ هَذَا ربيعَة يَقُول وَقد سُئِلَ عَن بكائه أبكاني

стр. 214

استفاء من لَا علم لَهُ وَيَقُول بعض من يُفْتِي هَا هُنَا أَحَق بالسجن من السراق قَالَ ابْن سهل وَجِنَايَة هَذَا على الْأُمَرَاء فِي إيثارهم لذَلِك من لَا فقه لَهُ وَلَا سبقت لَهُ عناية بِهِ على حسب مَا تحملهم اهواؤهم اعتداء بالجهال وإزراء بِأَهْل الْعلم قَالَ وَالله حسيب من يفعل هَذَا وَهُوَ حسبي وَنعم الْوَكِيل قلت وللشيخ أثير الدّين ابْن حَيَّان من قصيدة طَوِيلَة (بلينا بِقوم صدرُوا فِي الْمجَالِس ... لإقراء علم ضل عَنْهُم مراشده) (لقد أخر التدريس عَن مُسْتَحقّه ... وَقدم غمر خامد الذِّهْن جامده) (وسوف يلاقي من سعى فِي جلوسهم ... من الله عُقبى مَا أَكنت عقائده) (علا عقلة فيهم هَوَاهُ أما درى ... بِأَن هوى الْإِنْسَان للنار قائده) الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة إِذا صَدره الإِمَام دون تعرف مَا عِنْد غَيره فِيهِ قَالَ الشَّيْخ الإِمَام أَبُو اسحق الشاطبي هُوَ فَقِيه نَفسه والناظر لَهَا فَإِن رأى نَفسه أَهلا لذَلِك عمل عَلَيْهِ إِذا كَانَ من أهل الإجتهاد وَهُوَ مدرك مَالا

стр. 215

يُدْرِكهُ غَيره مِمَّن انتصب فِي زَمَانه وَلم ينْتَصب وَإِن كَانَ عِنْد نَفسه أَو دونهم فَلَا يَسعهُ ذَلِك وَمن صَدره فَنظر غَيره مِمَّن لَيْسَ من أهل الإجتهاد وَلكنه متصف بأوصاف الْعلمَاء فِي التَّقْوَى والورع فتصدر صَحِيح لِأَن سَببه شَهَادَة أهل الزَّمَان وَشَرطه مُطَابقَة الْأُمَرَاء انْتهى مُلَخصا الخطة الرَّابِعَة الْقَضَاء وَفِيه مسَائِل الْمَسْأَلَة الأولى قَالَ ابْن عَرَفَة الرِّوَايَات وأقوال الشُّيُوخ وَاضِحَة الدّلَالَة على جلالة الْقَضَاء وندور السَّلامَة فِيهِ قَالَ عَن ابْن سهل خطة الْقَضَاء من أعظم الخطط قدرا واجلها خطرا لاسيما إِذا جمعت إِلَيْهَا الصَّلَاة قَالَ ابْن عَرَفَة يُرِيد أَمَامه الصَّلَاة وَمُقْتَضَاهُ حسن اجْتِمَاعهمَا قلت وَعَن بَعضهم مَعْنَاهُ الدُّخُول بَين الْخَالِق والمخلوق ليؤدي فيهم أوامره وَأَحْكَامه بِوَاسِطَة الْكتاب وَالسّنة حَكَاهُ ابْن فَرِحُونَ وَفِي قَوَاعِد المقرى الفيتا أَخْبَار عَن حكم الله فَهُوَ كالمترجم وَالْحكم إنْشَاء لَهُ فَهُوَ كالنائب قلت وَلَا خَفَاء أَن رُتْبَة النَّائِب أشرف وَمن ثمَّ قَالَ الشَّيْخ عز الدّين
следующие страницы →