← Сияса и кади

Сияса и кади · id 7236

بدائع السلك في طبائع الملك

ابن الأزرق

Полный текст (992 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

النَّهر فتشكي إِلَى القَاضِي ابْن بَقِي ضَرُورَته إِلَيْهِ لقابلته منزهة وتأذيه برؤيتهم أَو أَن تطلعه من علالية فَقَالَ لَهُ ابْن بقى لَا حِيلَة عِنْدِي فِيهِ وَهُوَ أولى أَن يحاط لحُرْمَة الْحَبْس فَقَالَ لَهُ تكلم مَعَ الْفُقَهَاء فِيهِ وعرفهم رغبتي وَمَا أجزله لَهُ من أَضْعَاف الْقيمَة فِيهِ فلعلهم أَن يَجدوا فِي ذَلِك رخصَة فَتكلم ابْن بَقِي مَعَهم فَلم يَجدوا إِلَيْهِ سَبِيلا فَغَضب النَّاصِر عَلَيْهِم وَأمر الوزراء بالتوجيه فيهم إِلَى الْقصر وتوبيخهم فجرت فجرت بَينهم وَبَين الوزراء مكالمة وَلم يصل النَّاصِر مَعَهم إِلَى مَقْصُوده وَبلغ ابْن لبَابَة هَذَا الْخَبَر فَرفع إِلَى النَّاصِر من أَصْحَابه الْفُقَهَاء وَيَقُول إِنَّهُم حجروا عَلَيْهِ وَاسِعًا وَلَو كَانَ حَاضرا لأفتاه بِجَوَاز الْمُعَاوضَة وتقلدها وناظر أَصْحَابه فِيهَا فَوَقع الْأَمر بِنَفس النَّاصِر وَأمر بِإِعَادَة مُحَمَّد بن لبَابَة إِلَى الشورى إِلَى حَالَته الأولى ثمَّ أَمر القَاضِي بِإِعَادَة الشورى فِي الْمَسْأَلَة فَاجْتمع القَاضِي وَالْفُقَهَاء وَجَاء ابْن لبَابَة آخِرهم وعرفهم القَاضِي ابْن بَقِي بِالْمَسْأَلَة الَّتِي جمعهم من أجلهَا وغبطة الْمُعَاوضَة فِيهَا فَقَالَ جَمِيعهم بقَوْلهمْ الأول من الْمَنْع بتغيير الْحَبْس عَن وَجهه وَابْن لبَابَة سَاكِت فَقَالَ لَهُ القَاضِي مَا تَقول أَنْت يَا أَبَا عبد الله قَالَ أما قَول إمامنا مَالك بن أنس فَالَّذِي قَالَه أَصْحَابنَا الْفُقَهَاء وَأما أهل الْعرَاق فَإِنَّهُم لَا يجيزون الْحَبْس أصلا وهم عُلَمَاء أَعْلَام يَهْتَدِي بهم أَكثر الْأمة وَإِذ بأمير الْمُؤمنِينَ من الْحَاجة إِلَى هَذَا المجشر مَا بِهِ فَمَا يَنْبَغِي أَن يرد عَنهُ وَله فِي السّنة فسحة وَأَنا أَقُول بقول أهل الْعرَاق وأتقلد ذَلِك رَأيا فَقَالَ لَهُ الْفُقَهَاء سُبْحَانَ الله تتْرك قَول مَالك الَّذِي أفتى بِهِ أسلافنا ومضوا عَلَيْهِ واعتقدناه بعدهمْ وأفتينا بِهِ لَا نحيد عَنهُ بِوَجْه وَهُوَ رأى أَمِير

стр. 212

الْمُؤمنِينَ ورأي الْأَئِمَّة آبَائِهِ فَقَالَ لَهُم مُحَمَّد بن يحي ناشدتكم الله الْعَظِيم ألم تزل بِأحد مِنْكُم ملمة بلغت بكم أَن أَخَذْتُم فِيهَا بقول بِغَيْر قَول مَالك فِي خَاصَّة أَنفسكُم وأرخصتم لأنفسكم فِي ذَلِك قَالُوا بلَى قَالَ فَأمر أَمِير الْمُؤمنِينَ أولى بذلك فَخُذُوا بِهِ مأخذكم وتعلقوا بقول من يُوَافقهُ من الْعلمَاء فكلهم قدوة فَسَكَتُوا فَقَالَ للْقَاضِي أَنه إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ فتياي فَكتب القَاضِي إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ بِصُورَة الْمجْلس وَبَقِي مَعَ أَصْحَابه بمكانهم إِلَى أَن أَتَى الْجَواب بِأَن يُؤْخَذ لَهُ بِفُتْيَا مُحَمَّد بن يحيى بن لبَابَة وَينفذ ذَلِك ويعوض للمرضى من هَذَا المجشر بأملاك ثمينة عَجِيبَة وَكَانَت عَظِيمَة الْقدر جدا تزيد أضعافا على المجشر ثمَّ جِيءَ من عِنْد أَمِير الْمُؤمنِينَ بِكِتَاب مِنْهُ إِلَى أَيْن لبَابَة بولايته خطة الوثائق ليَكُون هُوَ الْمُتَوَلِي لعقد هَذِه الْمُعَاوضَة فهنيء بِالْولَايَةِ وأمضى القَاضِي الحكم بفتواه وَأشْهد عَلَيْهِ وَانْصَرفُوا فَلم يزل ابْن لبَابَة يتقلد خطة الوثائق الشورى إِلَى أَن مَاتَ سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وثلاثمائة قَالَ عِيَاض ذاكرت بعض مَشَايِخنَا بِهَذَا الْخَبَر فَقَالَ يَنْبَغِي أَن يُضَاف هَذَا إِلَى الْخَبَر الَّذِي حل مَحل السخطة إِلَى سجل السخطة فَهُوَ أولى ولأشد فِي السخطة مِمَّا تضمنه أَو كَمَا قَالَ توضيح قَالَ الشَّيْخ الإِمَام أَبُو إِسْحَاق الشاطبي وشأن مثل هَذَا لَا يحل لوَجْهَيْنِ أَحدهمَا أَنه لم يحِق الْمَذْهَب الَّذِي حكم بِهِ لن الْعِرَاقِيّين لَا يبطلون الإحباس مُطلقًا بل مَذْهَبهم قريب من مَذْهَب مَالك كَمَا فِي كتب الحنيفة الثَّانِي على تَسْلِيم صِحَّته بترجيح أحد الْقَوْلَيْنِ إِنَّمَا هُوَ بالوجوه الْمُعْتَبرَة شرعا اتِّفَاقًا لَا بالصحبة أَو الْإِمَارَة أَو قَضَاء الْحَاجة قَالَ فَكل من اعْتمد على تَقْلِيد قَول غير مُحَقّق أَو رجح بِغَيْر معنى مُعْتَبر فقد خلع الربقة واستبد إِلَى غير شرع عَافَانَا الله من ذَلِك بفضله

стр. 213

الخطة الثَّالِثَة التدريس وفيهَا على ذَلِك الْقَصْد مسَائِل الْمَسْأَلَة الأولى فَضِيلَة هَذَا المنصب من حَيْثُ شرف الْعلم أوضح فِي الظُّهُور من شمس الظهيرة وَيَكْفِي من ذَلِك مَا يدل علية قَوْله ﷺ وَإِنَّمَا بعثت معلما فَهُوَ نِيَابَة عَنهُ ﷺ فِي الْمَعْنى الَّذِي بعث من أَجله ومجلسه قَالَ ابْن الْحَاج هُوَ الْمَشْهُور خَيره الْمَعْرُوف بركته المستفيض بره واحترامه المسالة الثَّانِيَة الْمَسَاجِد الَّتِي يجلس فِيهَا الْمدرس إِن عظمت بِحَيْثُ ينظر السُّلْطَان فِي الْولَايَة عَلَيْهَا منا تقدم فبالإمامة فَلَا بُد فِي اسْتِئْذَانه فِي ذَلِك وَأَن كَانَت فِي مَسَاجِد الْعَامَّة فَلَا يتَوَقَّف على إِذن قَالَ ابْن خلدون على أَنه يَنْبَغِي لكل أحد من الْمُفْتِينَ والمدرسين أَن يكون زاجرا من نَفسه يمنعهُ من التصدي لما لَيْسَ لَهُ بِأَهْل فيضل بِهِ المستهدي ويزل بِهِ المسترشد فالسلطان فيهم لذَلِك من النّظر مَا توجبه الْمصلحَة من إجَازَة أَو ورد الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة على الإِمَام أَن يبلغ فِي تصفح من يقدمهُ لذَلِك صونا لإجتهاد الْأَئِمَّة عَن التَّقْصِير فقديما تشكى الْعلمَاء من ذَلِك وَمن إهمال النّظر فِي هَذَا المر بِالْجُمْلَةِ هَذَا ربيعَة يَقُول وَقد سُئِلَ عَن بكائه أبكاني

стр. 214

استفاء من لَا علم لَهُ وَيَقُول بعض من يُفْتِي هَا هُنَا أَحَق بالسجن من السراق قَالَ ابْن سهل وَجِنَايَة هَذَا على الْأُمَرَاء فِي إيثارهم لذَلِك من لَا فقه لَهُ وَلَا سبقت لَهُ عناية بِهِ على حسب مَا تحملهم اهواؤهم اعتداء بالجهال وإزراء بِأَهْل الْعلم قَالَ وَالله حسيب من يفعل هَذَا وَهُوَ حسبي وَنعم الْوَكِيل قلت وللشيخ أثير الدّين ابْن حَيَّان من قصيدة طَوِيلَة (بلينا بِقوم صدرُوا فِي الْمجَالِس ... لإقراء علم ضل عَنْهُم مراشده) (لقد أخر التدريس عَن مُسْتَحقّه ... وَقدم غمر خامد الذِّهْن جامده) (وسوف يلاقي من سعى فِي جلوسهم ... من الله عُقبى مَا أَكنت عقائده) (علا عقلة فيهم هَوَاهُ أما درى ... بِأَن هوى الْإِنْسَان للنار قائده) الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة إِذا صَدره الإِمَام دون تعرف مَا عِنْد غَيره فِيهِ قَالَ الشَّيْخ الإِمَام أَبُو اسحق الشاطبي هُوَ فَقِيه نَفسه والناظر لَهَا فَإِن رأى نَفسه أَهلا لذَلِك عمل عَلَيْهِ إِذا كَانَ من أهل الإجتهاد وَهُوَ مدرك مَالا

стр. 215

يُدْرِكهُ غَيره مِمَّن انتصب فِي زَمَانه وَلم ينْتَصب وَإِن كَانَ عِنْد نَفسه أَو دونهم فَلَا يَسعهُ ذَلِك وَمن صَدره فَنظر غَيره مِمَّن لَيْسَ من أهل الإجتهاد وَلكنه متصف بأوصاف الْعلمَاء فِي التَّقْوَى والورع فتصدر صَحِيح لِأَن سَببه شَهَادَة أهل الزَّمَان وَشَرطه مُطَابقَة الْأُمَرَاء انْتهى مُلَخصا الخطة الرَّابِعَة الْقَضَاء وَفِيه مسَائِل الْمَسْأَلَة الأولى قَالَ ابْن عَرَفَة الرِّوَايَات وأقوال الشُّيُوخ وَاضِحَة الدّلَالَة على جلالة الْقَضَاء وندور السَّلامَة فِيهِ قَالَ عَن ابْن سهل خطة الْقَضَاء من أعظم الخطط قدرا واجلها خطرا لاسيما إِذا جمعت إِلَيْهَا الصَّلَاة قَالَ ابْن عَرَفَة يُرِيد أَمَامه الصَّلَاة وَمُقْتَضَاهُ حسن اجْتِمَاعهمَا قلت وَعَن بَعضهم مَعْنَاهُ الدُّخُول بَين الْخَالِق والمخلوق ليؤدي فيهم أوامره وَأَحْكَامه بِوَاسِطَة الْكتاب وَالسّنة حَكَاهُ ابْن فَرِحُونَ وَفِي قَوَاعِد المقرى الفيتا أَخْبَار عَن حكم الله فَهُوَ كالمترجم وَالْحكم إنْشَاء لَهُ فَهُوَ كالنائب قلت وَلَا خَفَاء أَن رُتْبَة النَّائِب أشرف وَمن ثمَّ قَالَ الشَّيْخ عز الدّين

стр. 216

أجره أعظم لِأَنَّهُ يُفْتِي وَيلْزم فتياه فَلهُ أجر فتياه وَأجر إِلْزَامه قَالَ وتصدى الْحَاكِم للْحكم من تصدي الْمُفْتِي للفتيا وَأجر الإِمَام الْأَعْظَم أعظم من أجرهما قلت وَحَاصِل التَّفْضِيل يرجع إِلَى عُمُوم الْمصلحَة وخصوصها وَعَلِيهِ فيتصور أَن يكون الْمُفْتِي أعظم أجرا من الْحَاكِم حَيْثُ تكون مصلحَة فتياه أعظم من مصلحَة حكم الْحَاكِم وَقد صرح بِهِ بعد كَلَام لَهُ الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة قَالَ ابْن رَاشد حِكْمَة مَشْرُوعِيَّة حفظ النظام وَدفع الضَّرَر الْعَام قلت وبسطة غَيره فَقَالَ رفع التهارج ورد التوائب وقمع الظَّالِم وَنصر الْمَظْلُوم وَقطع الْخُصُومَات وَالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة قَالَ ابْن عَرَفَة حكمه بِالنِّسْبَةِ إِلَى إنشائه وَاجِب قَالَ عَن اللَّخْمِيّ إِقَامَة حكم للنَّاس وَاجِب لما فِيهِ من رفع التهارج وَالظُّلم فعلى الْوَالِي على بلد النّظر فِي أحكامهم إِن كَانَ أَهلا لذَلِك فَإِن لم يكن أَهلا أَو اشْتغل عَن ذَلِك وَجب عَلَيْهِ أَن يقدم من هُوَ أهل لذَلِك وَإِن لم يكن بالموضع وَال كَانَ ذَلِك لِذَوي الرَّأْي

стр. 217

الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة قَالَ المتيطي صَحِيح إِذا ذهب من ولاه الله تَعَالَى أُمُور الْمُسلمين إِلَى تَقْدِيم قَاض فليجتهد وليتخير أهل الدّين وَالْفضل والوزع وَالْعلم كَمَا فعل أَبُو بكر فِي استخلافه عمر ﵁ قلت وعزيز أَن نجد من اشْتَمَل على أشتات الْفَضَائِل المفضلة فِيهِ هَذَا مَالك رَحمَه الله تَعَالَى يَقُول فِي زَمَانه لَا أرى الْيَوْم خِصَال الْقَضَاء تَجْتَمِع فِي أحد فَإِن اجْتمع مِنْهَا خصلتان ولي الْقَضَاء وَهِي الْعلم والورع قلت وعَلى أَن الْمُسَامحَة فِيهِ مضرَّة بِالدّينِ وَالْملك وَالِاجْتِهَاد إِنَّمَا هُوَ بِحَسب الْإِمْكَان عَسى أَن يكون مخلصا فَفِي الأفلاطونيات إِذا تسومح فِي دولة فِي التَّجَوُّز فِي الْقُضَاة والأطباء فقد أَدْبَرت وَقرب انحلالها وفيهَا عِنْد ادبار الدولة يغْفل أَمر بيُوت الْعِبَادَة وَتجوز فِي الْقُضَاة ويتحامل الأقوياء على الضُّعَفَاء والأغنياء على الْفُقَرَاء الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة قَالَ ابْن خلدون كَانَ القَاضِي فِي عصر الْخُلَفَاء إِنَّمَا لَهُ الْفَصْل بَين الْخُصُوم فَقَط ثمَّ دفع لَهُ بعد أُمُور آخر على التدريج بِحَسب انشغال الْخُلَفَاء والملوك بالسياسة الْكُبْرَى وَاسْتقر منصبه آخر الْأَمر على أَن جمع لَهُ على ذَلِك اسْتِبْقَاء بعض الْحُقُوق الْعَامَّة قلت لذَلِك عرف ابْن عَرَفَة الْقَضَاء بقوله هوة صفة حكمِيَّة توجب لموصوفها نُفُوذ حكمه الشَّرْعِيّ وَلَو بتعديل أَو بترجيح لَا فِي عُمُوم مصَالح الْمُسلمين فَيخرج التَّحْكِيم وَولَايَة الشرطة وَأَخَوَاتهَا والإمامة قلت يَعْنِي الْمَظَالِم وَالرَّدّ وَالْمَدينَة والحسبة قَالَ الْبُرْزُليّ وَقَيَّدنَا عَنهُ حِين قَرَأنَا عَلَيْهِ ابْن الْحَاجِب الفرعي

стр. 218

إِنَّه ولَايَة تَنْفِيذ حكم شَرْعِي مُسْتَند لولاية سلطانية وَعند قراءتنا التَّهْذِيب عَلَيْهِ قَالَ مرّة هُوَ حكم شَرْعِي مُسْتَند لولاية سلطانية أَو صفة توجب قبُول حكم موصوفها قبولا كليا بِولَايَة إِمَام أَو جمَاعَة لفقده تَحْقِيق قَالَ ابْن فَرِحُونَ الَّذِي يَنْبَغِي أَن يعول عَلَيْهِ فِي ذَلِك الْعرف وَقد قَالَ الإِمَام شمس الدّين ابْن قيم الجوزية الْحَنْبَلِيّ أعلم أَن عُمُوم الولايات وخصوصها وَمَا يستفيده الْمُتَوَلِي بِالْولَايَةِ يتلَقَّى من الْأَلْفَاظ وَالْأَحْوَال وَالْعرْف وَلَيْسَ لذَلِك حد فِي الشَّرْع فَلَا يدْخل فِي ولَايَة الْقَضَاء فِي بعض الْأَمْكِنَة وَفِي بعض الْأَزْمِنَة مَا يدْخل ولَايَة الْحَرْب وَقد سُكُون فِي بعض الْأَمْكِنَة والأزمنة قَاصِرَة على الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة فَقَط فيستفاد من ولَايَة الْقَضَاء فِي كل قطر مَا جرت بِهِ الْعَادة واقتضاء الْعرف وَهَذَا هُوَ التَّحْقِيق فِي الْمَسْأَلَة

стр. 219

الْمَسْأَلَة السَّادِسَة قَالَ ابْن عَرَفَة يجب تفقد الإِمَام حَال قُضَاته فيعزل من فِي بَقَائِهِ مفْسدَة وجوبا فَوْرًا وَمن تخشى مفسدته استجابا وَمن غَيره أولى عَزله رَاجِح قَالَ عَن الشَّيْخ ابْن حبيب عَن أَشهب ومطرف يَنْبَغِي للْإِمَام أَن لَا يفعل عَن تفقد قُضَاته كَانَ عمر ﵁ يقدم كل عَام أمراءه وَمَعَهُمْ من عَمَلهم رجال فَإِن رأى بدل عَامل عَزله وَأمر غَيره قَالَ عَن أصبغ يعْزل من يخْشَى ضعفه ووهنه وبطانة السوء وَأَن أَمن جوره فِي نَفسه تَنْبِيه نقل الْقَرَافِيّ عَن الْعلمَاء أَن الإِمَام إِذا وجد من هُوَ أصلح للْقَضَاء مِمَّن هُوَ متول الْآن عزل الأول وَولى الثَّانِي وجوبا لِئَلَّا يفوت على الْمُسلمين مصلحَة الْأَفْضَل مِنْهُمَا وَيحرم عَلَيْهِ عزل الْأَعْلَى بالأدنى لِئَلَّا يفوت على الْمُسلمين مصلحَة الْأَعْلَى قَالَ ابْن الشَّاط يَنْبَغِي أَن يحمل على أَن المتولى مقصر عَن

стр. 220

الْأَهْلِيَّة لَا على أَنه أهل وَلَكِن غَيره أحسن مِنْهُ بالأهلية بِدَلِيل أَن الْمصلحَة الْمَقْصُودَة بِالْقضَاءِ تحصل من الْمَفْضُول المتصف بالأهلية كَمَا تحصل من الْفَاضِل المتصف بهَا فَلَا وَجه لقَوْله قلت يُرِيد وجوبا وَأما من طَرِيق الأولى فَعَزله مَطْلُوب كَقَوْل ابْن عَرَفَة وَمن غَيره أولى عَزله رَاجِح وَهُوَ التَّحْقِيق فِي الْمَسْأَلَة الْمَسْأَلَة السَّابِعَة إِذا تظاهرت الشكوى بِالْقَاضِي فَلَا يَنْبَغِي للْإِمَام أَن يعزله إِ كَانَ مَشْهُورا بِالْعَدَالَةِ لما فِي ذَلِك من الْفساد على الْقُضَاة وَقَالَ أصبغ يعزله إِذا وجد مثله فقد عزل عمر سَعْدا بالشكية وَهُوَ أنفذ حجَّة وَأظْهر بَرَاءَة مِمَّن بعده إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَإِن لم يكن مَشْهُورا بِالْعَدَالَةِ فليعزله إِذا وجد بَدَلا مِنْهُ وَإِلَّا سَأَلَ عَن حلّه بسؤال من يَثِق بِهِ من أهل بَلَده سرا فَإِن صدقُوا مَا رفع عَنهُ عَزله وَنظر فِي أقضيته وَإِن قَالُوا مَا نعلم إِلَّا خيرا بَقَاءَهُ وَنظر فِي أقضيته فَمَا وجد مِنْهَا بَاطِلا رده وَحمله على الْخَطَأ لَا تعمد الْجور الْمَسْأَلَة الثَّامِنَة قَالَ أصبغ وَيَنْبَغِي للأمام أَن يُوسع على القَاضِي فِي رزقه من بَيت مَال الْمُسلمين لِأَنَّهُ أجِير لَهُم قَالَ المتيطي وأجرى عمر بن عبد الْعَزِيز للْقَاضِي أَرْبَعمِائَة دِينَار فِي السّنة وَكَانَ يَقُول ذَلِك قَلِيل لَهُم إِذا أَقَامُوا كتاب الله وَعدلُوا قَالَ ويجرى لَهُ ذَلِك من الْخمس أَو الْجِزْيَة أَو عشر أهل الذِّمَّة إِذا جَاءَ ذَلِك بِغَيْر ظلم

стр. 221

الْمَسْأَلَة التَّاسِعَة قَالَ الْعلمَاء حكم أَحْكَام هَذِه الخطة دَائِرَة على الْكتاب الْمَشْهُور الَّذِي كتب بِهِ عمر إِلَى أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ ﵄ لما ولاه قَضَاء الْكُوفَة وَنَصه من عبد الله عمر أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَى عبد الله بن قيس سَلام عَلَيْك أما بعد فَإِن الْقَضَاء فَرِيضَة محكمَة وَسنة متبعة فَإِنَّهُم إِذا أدلى إِلَيْك وأنفذ إِذا تبين لَك فَإِنَّهُ لَا ينفع تكلم بِحَق لَا نفاد لَهُ وسو بَين النَّاس بِوَجْهِك وعدلك ومجلسك حَتَّى لَا يطْمع شرِيف فِي حيفك وَلَا ييأس ضَعِيف فِي عدلك الْبَيِّنَة على من ادّعى وَالْيَمِين على من أنكر وَالصُّلْح جَائِز بَين الْمُسلمين إِلَّا صلحا أحل حَرَامًا أَو حرم حَلَالا وَلَا يمنعك قَضَاء قَضيته بالْأَمْس فتراجعت فِيهِ الْيَوْم عقلك وهديت فِيهِ لرشدك أَن ترجع إِلَى الْحق فَإِن الْحق قويم ومراجعة الْحق خير من التَّمَادِي على الْبَاطِل الْفَهم الفخم فِيمَا تلجلج فِي صدرك مِمَّا لَيْسَ فِي كتاب وَلَا سنة ثمَّ أعرف الْأَشْبَاه والأمثال فقس الْأُمُور عِنْد بنظائرها واعمد إِلَى أقربها إِلَى الله وأشبهها بِالْحَقِّ وَاجعَل لمن ادّعى حَقًا غَائِبا أَو بَيِّنَة أمدا يَنْتَهِي إِلَيْهِ فَإِن احضر بَينه أخذت لَهُ بِحَق وَإِلَّا سجلت الْقَضِيَّة عَلَيْهِ فَإِنَّهُ أنفى للشَّكّ وَأجلى للعمى

стр. 222

الْمُسلمُونَ عدُول بَعضهم على بعض إِلَّا مجلودا فِي حد أَو مجريا عَلَيْهِ شَهَادَة زور أَو وظنينا فِي وَلَاء أَو نسب فَإِن الله تولى مِنْكُم السرائر وَدَرَأَ بِالْبَيِّنَاتِ والأيمان وَإِيَّاك والقلق والضجر والتأذي بالخصوم والتنكر عِنْد الْخُصُومَات فَإِن اسْتِقْرَار الْحق فِي مَوَاطِن الْحق يعظم الله بِهِ الْأجر وَيحسن عَلَيْهِ الذخر فَمن صحت نِيَّته وَأَقْبل على نَفسه كَفاهُ الله جلّ ذكره مَا بَينه وَبَين النَّاس وَمن تخلق النَّاس بِمَا يعلم الله أَنه لَيْسَ من نَفْيه شانه الله فَمَا ظَنك بِثَوَاب الله فِي عَاجل رزقه وخزائن رَحمته وَالسَّلَام الْمَسْأَلَة الْعَاشِرَة قَالَ ابْن عَرَفَة وَعلم الْقَضَاء أخص من الْعلم بفقهه لِأَن مُتَعَلق فقهه كلي من حَيْثُ هُوَ كلي ومتعلق علنه كلي من حَيْثُ صدق كُلية على جزئيات وَكَذَا فقه الْفَقِيه من حَيْثُ كَونه فَقِيها مفتيا هُوَ أَعم من فقه الْفَقِيه من حَيْثُ كَونه مفتيا قَالَ وَقد اُخْبُرْنَا بعض شُيُوخنَا فِي تدريسه عَن الشَّيْخ الْفَقِيه المحصل أبي عبد الله بن شُعَيْب أَنه كَانَ ولي قَضَاء القيروان وَمحل تَحْصِيله فِي الْفِقْه وأصوله شهير ببلدنا فَلَمَّا جلس الْخُصُوم إِلَيْهِ وَفصل بَينهم دخل منزله مَقْبُوضا فَقَالَت لَهُ زَوجته مَا شَأْنك فَقَالَ لَهَا عسر عَليّ الْقَضَاء فَقَالَت لَهُ قد شاهدت سهول أَمر الْفَتْوَى عَلَيْك فَاجْعَلْ الْخَصْمَيْنِ كمستفتيين سألاك قَالَ فاعتبرت ذَلِك فسهل عَليّ مزِيد اعْتِبَار قَالَ وَإِذا تَأَمَّلت ذَلِك علمت أَن حَال الْفَقِيه من حَيْثُ هُوَ فَقِيه كَحال عَالم

стр. 223

بكبرى قِيَاس الشكل الأول فَقَط وَحَال القَاضِي والمفتي كَحال عَالم بهَا مَعَ صغراه ولإخفاء أَن الْعلم بهَا أشق وأخص من الْعلم بالكبرى فَقَط قلت لما فِي تَحْقِيق المناط من التنزل قَالَ وَأَيْضًا فَقِيها الْقَضَاء والفتيا يبنيان على إِعْمَال النّظر فِي الصُّور الْجُزْئِيَّة وَإِدْرَاك مَا اشْتَمَلت عَلَيْهِ من الْأَوْصَاف الكائنة فيلغى طرديها وَيعْمل معتبرها حِكَايَة قَالَ وَلذَا ذكر ابْن الدَّقِيق أَن أَمِير إفريقية استفتى أَسد ابْن الْفُرَات فِي دُخُوله فِي جواريه الْحمام دون سَاتِر لَهُ ولهن فَأَجَابَهُ بِجَوَازِهِ لِأَنَّهُنَّ ملكه وأجابه ابْن مُحرز بِمَنْع ذَلِك قَائِلا لَهُ إِن جَازَ لَك نظرهن كَذَلِك ونظرهن إِلَيْك كَذَلِك لم يجز نظر بَعضهنَّ إِلَى بَعضهنَّ كَذَلِك فأغفل أَسد إِعْمَال النّظر فِي هَذِه الصُّورَة الْجُزْئِيَّة فَلم يدْرك حالهن فِيمَا بَينهُنَّ واعتبره ابْن مُحرز فَأصَاب تَكْمِلَة التَّعْرِيف الْعَصْر الَّذِي كَانَ فِيهِ خلَافَة كَانَت هَذِه الخطة لمَكَان أَنَّهَا من الدّين بِالْمحل الَّذِي لَا يخفى لَا يُولى فِيهَا إِلَّا من هُوَ من أهل عصبيتهم بِنسَب أَو ولَايَة حلف أَوْرَق أَو اصطناع مِمَّن يوثق بِهِ كِفَايَة وغناء

стр. 224

قَالَ ابْن خلدون وَلما انقرضت الْخلَافَة وانقلبت ملكا بَعدت الخطط الدِّينِيَّة عَنهُ بعض الشَّيْء لخروجها من ألقابه وَمن اسْمه ثمَّ لما خرج الْأَمر جملَة عَن الْعَرَب وَصَارَ لسواهم من التّرْك والبربر ازدادت بعدا عَنْهُم لِأَن تَعْظِيم الْعَرَب لَهَا مِمَّا يُقَوي الْبَاعِث الديني عَلَيْهِ لِأَن النَّبِي ﷺ مِنْهُم وَأَن شريعتهم نحلتهم بَين الْأُمَم وَغَيرهم بمعزل عَن ذَلِك إِنَّمَا يولونها جانبا مِنْهُ لما دانوا بِهِ من فِي الْملَّة خَاصَّة فَلَا جرم قلدوها من غير عصبيتهم إِذا كَانَ أَهلا فَقَط وَعند ذَلِك صَار أَهلهَا مستضعفين فِي أهل الْأَمْصَار ولحقهم من الاحتقار مَا يلْحق من بعد عَن الْمُشَاركَة فِي عصبية الدولة وَصَارَ اعتبارهم فِيمَا من آجل قِيَامهَا بالملة لأَنهم الحاملون لأحكامها وَلم يكن إيثارهم إِذْ ذَاك إِكْرَاما لدولتهم بل لما يتلمح من التجمل بمكانهم فِي مجَالِس الْملك فَحسب إِذْ لَا حل لَهُم فِيهَا وَلَا عقد وَإِن حَضَرُوهُ بِحُضُور رسمي لَا حَقِيقَة وَرَاءه انْتهى المُرَاد مِنْهُ الخطة الْخَامِسَة الْعَدَالَة وفيهَا مَسْأَلَتَانِ الْمَسْأَلَة الأولى قَالَ ابْن خلدون وَهِي وَظِيفَة دينية تَابِعَة للْقَضَاء حَقِيقَتهَا قيام عَن إِذن القَاضِي بِالشَّهَادَةِ بَين النَّاس فِيمَا لَهُم وَعَلَيْهِم تحملا عِنْد الْأَدَاء وَأَدَاء عِنْد التَّنَازُع وكتابا فِي السجلات لحفظ الْحُقُوق والمعاملات قلت وَهُوَ حِكْمَة مشروعيتها قَالَه ابْن رَاشد

стр. 225

الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة قَالَ ابْن رَاشد هِيَ صناعَة جليلة شريفة وبضاعة عالية منيفة تحتوي على ضبط أُمُور النَّاس على القوانين الشَّرْعِيَّة وَحفظ دِمَاء الْمُسلمين وَأَمْوَالهمْ والاطلاع على أسرارهم وأحوالهم ومجالسة الْمُلُوك والاطلاع على عِيَالهمْ وأمورهم وَبِغير هَذِه الصِّنَاعَة لَا ينَال أحد ذَلِك وَلَا يسْلك هَذِه المسالك الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة قَالَ ابْن خلدون وَشرط هَذِه الْوَظِيفَة الاتصاف بِالْعَدَالَةِ الشَّرْعِيَّة ثمَّ الْقيام بكتب السجلات والعقود من حَيْثُ عباراتها وَأَحْكَام شُرُوطهَا الشَّرْعِيَّة قلت وَهُوَ معنى قَول ابْن لبَابَة لابد لَهُ من فقه فِي الْوَثِيقَة ليضع فِيهِ كل شَيْء فِي مَوْضِعه وترسيل يحسن بِهِ مساقها وَنَحْو يجْتَنب بِهِ اللّحن قَالَ وَلأَجل هَذِه الشُّرُوط وَمَا يحْتَاج إِلَيْهِ من المران عَلَيْهِ وممارسة لَهُ اخْتصَّ دلك بِبَعْض الْعُدُول وصاروا كَأَنَّهُمْ المختصون بِالْعَدَالَةِ وَلَيْسَ كَذَلِك وَإِنَّمَا الْعَدَالَة من شُرُوط اختصاصهم بالوظيفة المسالة الربعة قَالَ ابْن المناصف إِذا رأى السُّلْطَان فِي النّظر للْمُسلمين قصر الوثائق على موثوق بِهِ فِي الدّين والمعرفة لقُصُور غَيره عَن ذَلِك فَهُوَ سَائِغ حسن بذلك الشَّرْط لَا لقصد منفعَته بذلك فَقَط وَأَن ذَلِك لهَذَا الْقَصْد فَهُوَ فِيهِ حُرْمَة

стр. 226

قلت هَذَا جَوَاب ابْن عتاب قَائِلا لَا أَكثر الله من أَمْثَال هَذَا الْفَقِيه إِذْ طلب مَالا يحل لَهُ وَإِذ قد طلب ذَلِك فَلَا تجوز إِمَامَته وَلَا شَهَادَته قَالَ ابْن سهل وَهُوَ مُسْتَند ابْن المناصف وَلَو كَانَ السُّلْطَان قصر الناي على هَذَا الْإِنْسَان لبصره فِي الْعُقُود وثقته لتقصير غَيره عَن إِدْرَاكه فِيهَا وَلم يطْلب هُوَ ذَلِك وَلَا رغب فِيهِ لَكَانَ حسنا انْتهى المُرَاد مِنْهُ الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة قَالَ ابْن خلدون وَيجب على القَاضِي تصفح أَحْوَالهم والكشف عَن يسيرهم رِعَايَة لشرط الْعَدَالَة وَلما يتَعَيَّن عَلَيْهِ من حفظ الْحُقُوق فالعهدة فِي ذَلِك عَلَيْهِ وَهُوَ ضَامِن دركه قلت فِي تَنْبِيه ابْن المناصف وَقد ذكر أمورا تعقبها على بعض أهل هَذِه الطَّبَقَة قَالَ وَأكْثر مَا ذكر مِنْهَا أَو لم يذكر لَا يُسْتَطَاع الِانْفِصَال عَنهُ إِلَّا باعتناء القَاضِي بِهِ وموالاة الْبَحْث عَنهُ والتعنيف لمن يُوَافقهُ فِيهِ لِأَن مَا يعتاده الْجُمْهُور لَا يصرف عَنهُ توقى الْوَاحِد والاثنين لَهُ وَلَا تَعْلِيم المعلمين وَلَا وعظ الواعظين مَا لم يكن فِيهِ إرهاب من السُّلْطَان فيحق على القَاضِي الاعتناء بِمثلِهِ والتنقيب عَنهُ ورد مسَائِل الشَّرْع إِلَى أُصُولهَا انْتهى مُلَخصا

стр. 227

الْمَسْأَلَة السَّادِسَة قَالَ ابْن خلدون إِذا تعين هَؤُلَاءِ لهَذِهِ الْوَظِيفَة عَمت الْفَائِدَة بهم على تَعْدِيل من تخفى عَدَالَته على الْقُضَاة لاتساع الْأَمْصَار واشتباه الْأَحْوَال فيعول عَلَيْهِم غَالِبا فِي الوثوق بِالْبَيِّنَاتِ الْمُضْطَر إِلَيْهَا فِي فصل الْقَضَاء بَين المتنازعين قَالَ وَلَهُم فِي سَائِر الْأَمْصَار دكاكين ومصاطب يختصون بِالْجُلُوسِ فِيهَا للشَّهَادَة بَين المتعاملين وتقييدها بِالْكتاب قَالَ وَصَارَ مَدْلُول هَذِه الفظة مُشْتَركا بَين هَذِه الْوَظِيفَة الَّتِي تبين مدلولها وَبَين الْعَدَالَة الشَّرْعِيَّة الَّتِي هِيَ أُخْت الْجرْح وَقد يتواردان ويفترقان يعرفونه عينا واسما إِن شهدُوا على غَائِب وَإِن لم يكن ذَلِك مَنْصُوصا فِي العقد فَمَتَى لم يكن ذَلِك مَنْصُوصا بَطل العقد فِي مَسْأَلَتي الْمَيِّت وَالْغَائِب بِحَيْثُ ذكر فَأَما على الْحَاضِر وَمَا فِي مَعْنَاهُ من الْقَرِيب الْغَيْبَة فَإِنَّهُ إِن تضمن العقد ذَلِك وَأنكر الْمُقَوّم عَلَيْهِ جَمِيع مضمنه أعذر إِلَيْهِ فِي الثَّبَات وَإِن لم يضمن العقد ذَلِك وَلَا يعرفونه وَلَا وصلوا أدائهم الشَّهَادَة بِأَنَّهُم يعرفونه وَلَا يعينونه وَقَالُوا هَذَا هُوَ الَّذِي أشهدنا بِهِ العقد وَحضر مجْلِس الحكم وَقَالُوا لَا نَعْرِف أَهَذا أشهدنا أم غَيره بطلت تِلْكَ الشَّهَادَة فَإِن كَانَ الْمَشْهُود عَلَيْهِ يعرف الْغَائِب وَأَنه قريب الْغَيْبَة أَو يعرف ذَلِك وَلم يتَضَمَّن العقد معرفَة شهدائه بِهِ وَلَا يعرفونه سَأَلَ القَاضِي الشُّهُود عَن ذَلِك فَإِن قَالُوا نعرفه وَإِن حضر عَيناهُ خَاطب بِالْعُقُودِ وَذكر ذَلِك بِالْخِطَابِ فَإِذا وصل القَاضِي الْمُخَاطب بِهِ أثْبته وَإِن أنكر الْمُقَوّم عَلَيْهِ أعذر إِلَيْهِ وتوثق بالمضامن أَو الرَّهْن مِنْهُ ريثما يدْفع فِي شَهَادَتهم أَو يَأْتِي بِشَهَادَتِهِم هُوَ أَنه لَيْسَ هُوَ الَّذِي أشهدهم وَإِن قَالَ الشُّهُود أَولا للْقَاضِي لَا نعرفه وَلَا نعوته تحفظ لم يثبت العقد وَلَا خَاطب بِهِ وَالْأَصْل يُرَاعِي فِيهِ أَن يكون نَصه يَقْتَضِي حكما وَيعْتَبر فِيهِ تَارِيخ التَّحَمُّل للشَّهَادَة لَا تَارِيخ أَدَائِهَا فِي حكم مُقْتَضى العقد أبدا وَلَا اعْتِبَار بتاريخ الْأَدَاء إِلَّا فِي مَسْأَلَة طلب حل الأَصْل بِإِثْبَات الْعَدَاوَة من الشُّهُود وَمن الْمَحْكُوم عَلَيْهِ كَمَا تقدم الذّكر لَهُ

стр. 228

والاسترعاء يعْتَبر فِيهِ أَن يكون شهدائه بِإِثْبَات أَمر أَو إِضَافَة شي غلى شَيْء أَو صفة أَو نِسْبَة إِلَى مَوْصُوف وَأَن يكون إِيرَاد ذَلِك وسياقه على الْبَتّ وَمَتى شهدُوا فِي نفي على الْبَتّ بَطل الاسترعاء فِي القَوْل الَّذِي عَلَيْهِ الْأَحْكَام لِأَنَّهَا شَهَادَة غموس وزور وَمَتى شهدُوا فِي مَكَان الْبَتّ وَهُوَ الْإِثْبَات على الْعلم دون الْبَتّ كَانَ وَهنا فِي العقد ووصما فِي تَضْمِينه وَلَا يبطل وَلَكِن يستفسر الشُّهُود فَإِن فَاتَ استفسار الشُّهُود بموتهم أَو غيبتهم قضي بِهِ إِن كَانُوا من أهل الْعلم بطرِيق الشَّهَادَة وَالْفِقْه فِي ذَلِك وَبَطلَت إِن كَانُوا من أهل الْجَهْل والمشهد على نَفسه بِمَا يَقْتَضِي لغيره حَقًا من طَرِيق الْمُعَاوَضَات يشْتَرط فِي الشَّهَادَة صِحَّته وَجَوَاز فعله خوف الْمَرَض لحق الوراثة فِي الزَّائِد على الثُّلُث وَخَوف التحجير لحق الْمُقدم أَو الْوَصِيّ وَخَوف السَّفه لحق نفس السَّفِيه الَّذِي يجب على الْحَاكِم النّظر لَهُ والمشهد بِحُقُوق الْغَيْر بِغَيْر الْمُعَارضَة لَا يشْتَرط فِيهِ إِلَّا الصِّحَّة فيمت زَاد على الثُّلُث لحق الْوَارِث ولابد فِيهَا من اشْتِرَاط الْعقل والشهد بِالتَّوْكِيلِ عَن مُوكله يشْتَرط فِيهِ معرفَة ثُبُوته بإشهاد الْمُثبت معرفَة عين الْوَكِيل وَنَصّ التَّوْكِيل إِقَامَته فِيمَا شهد فِيهِ مقَام الْمُوكل بالتنصيص على ذَلِك الْفَصْل والمشهد بالحكم لَا يشْتَرط فِي إِلَّا فِي كَونه فِي تَارِيخ الْإِشْهَاد حَامِلا فِي ذَلِك وَكَون إشهاده فِي مَكَان يجوز لَهُ فِيهِ والمشهد على شَهَادَته يشْتَرط فِيهِ كَونه عدلا وَكَونه فِي عقله انْتهى الخطة السَّادِسَة الْحِسْبَة وفيهَا مسَائِل الْمَسْأَلَة الأولى قَالَ ابْن خلدون وَهِي وَظِيفَة دينية فِي بَاب الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر الَّذِي هُوَ فرض على الْقَائِم بِأُمُور الْمُسلمين يعين

стр. 229

لذَلِك من يرَاهُ أَهلا فَيتَعَيَّن فَرْضه عَلَيْهِ ويتخذ الأعوان على ذَلِك ويبحث عَن النكرات ويعزز ويؤدب على قدرهَا قلت قَالَ الْمَاوَرْدِيّ هِيَ وَاسِطَة بَين الْمَظَالِم وَالْقَضَاء قَالُوا وموضوعها الرهبة وموضوع الْقَضَاء النصفة الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة قَالَ ابْن رضوَان مُلَخصا لما شرطُوا فِي متقلدها من شُرُوطه الْعَدَالَة والنزاهة وَمَعْرِفَة فقه الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر وَمَعْرِفَة طرف من الْحساب لاختبار قيم المبيعات وَنسب الأسعار وَنَحْو ذَلِك والتيقظ لإِقَامَة الموازين بِالْقِسْطِ والشعور بغش المنتحلين والصرامة فِي الحكم وَعدم الِالْتِفَات إِلَى الشفاعات لِأَن نظره مَنُوط بِحُقُوق عَامَّة الْمُسلمين وَإِسْقَاط حق جمَاعَة لإرضاء وَاحِد لَيْسَ بصواب الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة لَا حكم لصَاحب هَذِه الحطة فِي الدعاوي مُطلقًا بل فِيمَا يتَعَلَّق بالغش والتدليس فِي المعايش وَغَيرهَا وَفِي المكائيل والموازين وَشبه ذَلِك وَلَا يتَوَقَّف حكمه على تنَازع أَو استعداد بل مَا وصل إِلَيْهِ من ذَلِك ينظر فِيهِ تَوْجِيه قَالَ ابْن خلدون وَكَأَنَّهَا أَحْكَام ينزه عَنْهَا الْقَضَاء لعمومها وسهولة أغراضها فَترفع إِلَى صَاحب هَذِه الْوَظِيفَة ليقوم بهَا فَهِيَ خادمة لمنصب الْقَضَاء

стр. 230

قَالَ وَقد كنت فِي كثير من الدول كالعبيديين بِمصْر وَالْمغْرب والأموية بالأندلس دَاخِلَة فِي ولَايَة القَاضِي يولي فِيهَا باختباره وَلما انْفَرَدت وَظِيفَة السُّلْطَان عَن الْخلَافَة وَصَارَ نظره عَاما فِي السياسة اندرجت فِي وظائف الْملك وأفردت بِالْولَايَةِ الخطة السَّابِعَة السِّكَّة وفيهَا مسَائِل الْمَسْأَلَة الأولى قَالَ ابْن خلدون هِيَ نظر فِي حفظ النُّقُود المتعامل بهَا عَن الْغِشّ أَو النَّقْص إِن كَانَ التَّعَامُل بهَا عددا وَفِي وضع عَلامَة السُّلْطَان دَلِيلا على الْجَوْدَة المصطلح على تَسْمِيَتهَا إِمَامًا وعيارا بِحَيْثُ كل مَا نقص عَن ذَلِك زيفا قَالَ وَهِي دينية بِهَذَا الِاعْتِبَار ومندرجة تَحت الْخلَافَة وضرورية فِي الْملك إِذْ بهَا يتَمَيَّز الْخَالِص من الْبيُوع فِي النُّقُود الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة قَالَ لفظ السِّكَّة كَانَ اسْما للطابع وَهِي الحديدة المتخذة للختم على الدِّينَار وَالدِّرْهَم بِمَا ينقش عَلَيْهِمَا من صور أَو كَلِمَات ثمَّ نقل إِلَى أَثَرهَا وَهُوَ النقوش المائلة على الدِّينَار وَالدِّرْهَم ثمَّ إِلَى الْقيام على ذَلِك وَالنَّظَر فِي شُرُوطه ومكملاته وَهِي الْوَظِيفَة فَصَارَ علما عَلَيْهَا فِي عرف الدول الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة قَالَ كَانَ مُلُوك الْعَجم ينقشون عَلَيْهَا تماثيل يخْتَص بهَا كتمثال

стр. 231

السُّلْطَان لعهدها أَو تِمْثَال حصن أَو حَيَوَان أَو غير ذَلِك وَلما جَاءَ الْإِسْلَام أغفل ذَلِك لسذاجة الدّين وبداوة الْعَرَب واقتصروا غلى التَّعَامُل بسكة الْفرس إِلَى أَن تفاحش غشها لغفلة الدولة عَن ذَلِك فَأمر عبد الْملك الْحجَّاج بِضَرْب الدَّرَاهِم سنة أَربع وَسبعين ثمَّ أَمر بضربها فِي سَائِر النواحي سنة سِتّ وَسبعين وَكتب عَلَيْهَا الله أحد الله الصَّمد ثمَّ ولى ابْن هُبَيْرَة الْعرَاق فِي أَيَّام يزِيد بن عبد الْملك فجود السِّكَّة ثمَّ بَالغ خَالِد الْقَسرِي فِي تجويدها ثمَّ يُوسُف بن عمر بعده وَقيل أول من ضرب الدَّنَانِير وَالدَّرَاهِم مُصعب بن الزبير بالعراق

стр. 232

سنة سبعين بِأَمْر أَخِيه لما ولي بالحجاز وَكتب عَلَيْهَا فِي أحد الْوَجْهَيْنِ بركَة وَفِي الآخر من الله ثمَّ غَيرهَا الْحجَّاج بعد ذَلِك بِسنة وَكتب علها بِسم الله الْحجَّاج الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة قَالَ وقدروا وَزنهَا على مَا اسْتَقَرَّتْ عَلَيْهِ أَيَّام عمر ﵁ ونقشوا فِيهَا كَلِمَات لَا صورا لِأَن الْعَرَب أقرب المناحي إِلَيْهِم الْكَلَام والبلاغة مَعَ نهي الشَّرْع عَن الصُّور وَجعلُوا شكل الدِّينَار وَالدِّرْهَم مدورا وَالْكِتَابَة عَلَيْهِ فِي دوائر موازية أحد الْوَجْهَيْنِ يكْتب فِيهِ أَسمَاء الله تهليلا وتحميدا وَصَلَاة على النَّبِي ﷺ الثَّانِي يرسم فِيهِ التَّارِيخ وَاسم الْخَلِيفَة وَهَكَذَا أَيَّام العباسيين والعبيديين والأمويين وَأما صنهاجة فَلم يتخذوا سكَّة إِلَّا آخر المر اتخذها الْمَنْصُور صَاحب بجاية وَلما جَاءَ الموحدون كَانَ مِمَّا سنّ لَهُم الْمهْدي

стр. 233

توسيع شكل الدَّرَاهِم وَأَن يرسم فِي دَائِرَة الدِّينَار شكل مربع فِي ويطه ويملأ بَين أحد الْجَانِبَيْنِ تهليلا وتحميدا وَمن الآخر يكْتب اسْمه وَاسم الْخُلَفَاء من بعده فَفَعَلُوا ذَلِك إِلَى هَذَا الْعَهْد وَقد كَانَ الْمهْدي ينعَت قبل ظُهُوره بِصَاحِب الدِّرْهَم المربع وَأما أهل الْمشرق لهَذَا الْعَهْد فسكتهم غير مقدرَة وتعاملهم بهَا إِنَّمَا هُوَ بِالْوَزْنِ بالصنجات وينقشون عَلَيْهَا تهليلا وَصَلَاة وَاسم السُّلْطَان كَمَا يَفْعَله أهل الْمغرب ذَلِك تَقْدِير الْعَزِيز الْعَلِيم إنتتهى مُلَخصا الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة مَا تقدم من أَن مَوضِع هَذِه الخطة حفظ النُّقُود مِمَّا يخل بهَا غشا ونقصا يَقْتَضِي بأكيد الْعِنَايَة بِهَذَا الْحِفْظ وَهُوَ كَذَلِك بِلَا شكّ عِنْد الْأَوَائِل والأواخر فَفِي العهود اليونانية وَأما مَا يتعامل بِهِ النَّاس فَإِن كَانَ ذَهَبا أَو فضَّة كَانَ على أَجود عيار وَإِن كَانَ سلْعَة أُخْرَى كَانَت من فضل أجناسها لِأَن مَا وَردت إِلَيْهِ الْقيمَة فِي الْبيُوع حقيق أَن يكون على أفضل مَنَازِله قلت فِي الافلاطونيات مَا ردَّتْ إِلَيْهِ قيمَة الْأَشْيَاء وتعامل بِهِ النَّاس فِي الْبلدَانِ فَهُوَ شَبيه بالملوك يصلح الْملك بصلاحه وإستجادته وَيفْسد بفساده واستعماله التَّجَوُّز فِيهِ موعظة قَالَ فِي العهود وَمن الْمَأْثُور أَنه مَا اعْتمد أحد الْمُلُوك إِفْسَاد مَا يتعامل النَّاس بِهِ فِي مَمْلَكَته وَتجوز فِي أمره إِلَّا سَقَطت مَنْزِلَته وانقرض نَسْله ثمَّ ذكر مَا تقدم من أفلاطون خَاتِمَة لهَذَا الرُّكْن قَالَ انحصار هَذِه الخطط فِيمَا ذكر بِحَسب مَا بَقِي مِنْهَا

стр. 234

الهذا الْعَهْد وَإِلَّا فَمِنْهَا مَا ذهب بذهاب مَا ينظر فِيهِ كالجهاد فِي الأقطار الَّتِي عدوها غير كَافِر وَمَا صَار سلطانيا كالإمارة والوزارة وَالْحَرب وَالْخَرَاج والشرطة قَالَ ابْن خلدون وَبِالْجُمْلَةِ فقد اندرجت رسوم الْخلَافَة ووظائفها فِي رسوم الْملك والسياسة فِي سَائِر الدول لهَذَا الْعَهْد وَالله مصرف الْأُمُور بِحِكْمَتِهِ الرُّكْن الثَّامِن تَرْتِيب الْمَرَاتِب السُّلْطَانِيَّة الْمُقدمَة الأولى أَن السُّلْطَان كَمَا سبقت الْإِشَارَة إِلَيْهِ لابد لَهُ من الِاسْتِعَانَة بِغَيْرِهِ فِيمَا يحمل من الْأَمر الثقيل فِي سياسة من استرعاه الله تَعَالَى من خلقه وعباده لاسيما مَا فَوق الْغَايَة فِي ذَلِك من معاناة الْقُلُوب كَمَا قيل لمعاناة نقل الْجبَال من أماكنها أَهْون من معاناة قُلُوب الرِّجَال الْمُقدمَة الثَّانِيَة إِن الْوَظَائِف الَّتِي بهَا استعانة السُّلْطَان فِي الْملَّة الإسلامية مندرجة فِي الْخلَافَة الْمُشْتَملَة على حفظ الدّين وَالدُّنْيَا كَمَا تقدم وَحِينَئِذٍ فَلَا بُد من نظر الْفَقِيه فِيهَا وَفِي شُرُوط تقليدها وَصِحَّة السياسة بهَا شَأْن نظره فِي سَائِر أَفعَال الْمُكَلّفين وَعَلِيهِ فَلَا فرق بَينهمَا وَبَين الْوَظَائِف الخلافية فِي تِلْكَ الْجِهَة وَمن حَيْثُ الْكَلَام عَلَيْهَا بِمَا يَقْتَضِيهِ طبيعة الْعمرَان فالرفق بَينهمَا زَاهِر

стр. 235

الْمُقدمَة الثَّالِثَة أَن هَذِه الِاسْتِعَانَة إِمَّا بِصَاحِب رَأْي أَو سيف أَو قلم أَو حجابة وَإِلَى رتبها الْأَرْبَع يرجع جَمِيع رتب الْملك وَالسُّلْطَان قَالَ ابْن خلدون أَلا إِن الأرفع مِنْهَا مَا كَانَت الْإِعَانَة فِيهِ عَامر وَالْخَاص مِنْهَا دون ذَلِك كقيادة ثغر أَو ولَايَة جباية خَاصَّة قَالَ وَمَا زَالَ الْأَمر على ذَلِك حَتَّى جَاءَ الْإِسْلَام فَذَهَبت تِلْكَ الخطط بذهاب رسم الْملك إِلَّا مَا هُوَ طبيعي من المعاونة بِالرَّأْيِ والمفاوضة فِيهِ وَعند انقلاب الْخلَافَة ملكا رَجَعَ المر إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ قلت وَالْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة مَعَ ذَلِك مُتَعَلقَة بهَا كَمَا تقدم إِذا تقرر هَذَا فأمهات الْمَرَاتِب السُّلْطَانِيَّة على التَّفْصِيل خُصُوصا بِهَذِهِ القطار المغربية خمس مَرَاتِب الحجابة وَالْكِتَابَة وديوان الْعَمَل والجباية والشرطة قلت وأولها هِيَ الوزارة ألحقناها بالأركان المستقلة وَقد تقدم الْكَلَام عَلَيْهَا أَولا وَحقّ لَهَا ذَلِك الْمرتبَة الأولى الحجابة وفيهَا مسَائِل الْمَسْأَلَة الأولى لَا يُوجد لهَذِهِ الخطة فبأيام الْخلَافَة الدِّينِيَّة لما فِي الشَّرِيعَة من منع مدافعة ذَوي الْحَاجَات عَن بَاب الْخَلِيفَة وَعند انقلاب الْخلَافَة ملكا كَانَ أول شَيْء بِهِ شَأْن الْبَاب وسده عَن الجهور لما يخْشَى من اغتيال

стр. 236

الْخَوَارِج وَغَيرهم كَمَا وَقع بعمر وَعلي وَمُعَاوِيَة وَعَمْرو بن الْعَاصِ ﵃ وبغيرهم من بعدهمْ مُنْضَمًّا إِلَى مَا فِي فَتحه من تزاحم النَّاس على بَاب السُّلْطَان وشغله بهم عَن الْمُهِمَّات وَاتَّخذُوا من يقوم بذلك وسموه بالحاجب قلت وَعند وجود الْمُقْتَضِي لاتخاذه يكون مَشْرُوعا مَعَ أَن عمر ﵁ كَانَ يُوكل غُلَاما بِبَابِهِ لَا ليدفع ذَوي الْحَاجَات عَنهُ إهمالا لَهُم وإطراحا بل لما هُوَ مَأْذُون فِيهِ مِمَّا لَا تخفى صِحَة الْقَصْد إِلَيْهِ الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة لهَذِهِ الْمرتبَة فِي الدول الشهيرة تفَاوت كثير فِي الْعِنَايَة بهَا أما فِي دولة بني أُميَّة وَبني الْعَبَّاس بالمشرق فاقتصروا بهَا على من يحجب السُّلْطَان عَن الْعَامَّة ويغلق بَابه دونهم أَو يَفْتَحهُ لَهُم على قدره وَفِي وقته فَكَانَت بذلك مرؤوسة للخطط النبيهة خُصُوصا للوزارة لتصرفها فِيهَا بِمَا يرَاهُ قَالَ ابْن خلدون وَإِلَى هَذَا الْعَهْد فَهِيَ بِمصْر مرؤوسة لصَاحب هَذِه الخطة الْعليا الْمُسَمّى بالناشب وَأما فِي الدولة الأموية بالأندلس فَكَانَت لمن يَحْجُبهُ عَن الْخَاصَّة والعامة وَيكون وَاسِطَة بَينه وَبَين الوزراء فَمن دونهم فَلَا جرم كَانَت عِنْدهم أرفع الْمَرَاتِب وأبعدها غَايَة وَعند ظُهُور الاستبداد على الدولة اخْتصَّ المستبد باسم الحجابة لشرفها كالمنصور بن أبي عَامر وابنيه من بعده ثمَّ بعد انْتِهَاء الْأَمر إِلَى مُلُوك الطوائف وانتحالهم ألقاب

стр. 237

الْملك وأسمائه مَا تركُوا لقبها بل عدوه أشرف مَا تحلوا بِهِ مَعَ ذَلِك وَأما فِي دوَل الْمغرب وإفريقية فَلم يكن فِيهَا ذكر لهَذَا الإسم لبداوتهم وَرُبمَا يُوجد قَلِيلا فِي دولة العبيديين بِمصْر عِنْد استعظامها وحضارتها وَكَذَا لَا عهد بِهِ فِي الدول الْحَادِثَة بعد كدولة الْمُوَحِّدين وَبني أبي حَفْص بإفريقية ودول زناتة كبني مرين وَبني عبد الواد الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة تقدم أَنَّهَا حَادِثَة الْوُجُود فِي الدول الإسلامية عِنْد إنقلاب الْخلَافَة ملكا لقِيَام مُقْتَضى مَشْرُوعِيَّة اعْتِبَارهَا وَأَن التَّفَاوُت فِي الْعِنَايَة بهَا بعد ذَلِك بِحَسب بداوة الدولة وحضارتها وقديما قبل الْإِسْلَام كَانَ لَهَا من الْملك موقع عَظِيم فَفِي العهود اليونانية وَأعلم أَن حجابك صفحة مملكتك الَّتِي تسْتَقْبل بهَا الصَّادِر والوارد والبادي والحاضر فَأحْسن اخْتِيَاره الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة ذكرُوا لصَاحب هَذِه الْمرتبَة شُرُوطًا ضَرُورِيَّة وكمالية أَحدهَا الْمعرفَة بأوقات محجوبة وانبساطه ومنازل النَّاس مِنْهُ حَتَّى يكون وَجهه عنوانا عَن وجهة من غضب ورضا وإبعاد وإدناء الثَّانِي صِحَة الرَّأْي ليضع الْأُمُور موَاضعهَا وَيعْتَذر إِلَى من مَنعه بِمَا يَقْضِيه وَلَا ينقص من جَانب محجوبه الثَّالِث الرأفة لتحجزه عَن ابتذال الْأَحْرَار وامتهانهم بطول انْتِظَار الْإِذْن الرَّابِع النزاهة لتمنعه من فَسَاد تَرْتِيب القاصدين وَتَقْدِيم أدانيهم لما يتعجله مِنْهُم

стр. 238

الْخَامِس حسن الْإِبَانَة عَن توصيل مَا يلقى إِلَيْهِ وتبليغ التوقيع عَلَيْهِ السَّادِس بسط الْوَجْه مَعَ هَيْبَة الْجَانِب لمُؤْمِن ته مَحْذُور النفار والإدلال السَّابِع سَلامَة الْجَوَارِح من الافات القادحة فِي إختياره لتِلْك الْمنزلَة الثَّامِن الصدْق فِيمَا ينفل للسُّلْطَان أَو يبلغ عَنهُ الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة من جَوَامِع مَا يُؤْخَذ بِهِ أُمَرَاء ونهيا قَول أبرويز لحاجية لَا تقدس مستغنيا وَلَا تضعن شريفا لصعوبة حجاب وَلَا ترفعن ذَا ضعة لسهولته ضع الرِّجَال على مَوَاضِع أخطارهم عَمَّن كَانَ مُتَقَدما لَهُ شرف ثمَّ ازدرعه وَلم يهدمه من بعد آبَائِهِ فقدمه على شرفه الأول وَحسن رَأْيه الْأُخَر وَمن كَانَ لَهُ شرف مُتَقَدم فَلم يصن ذَلِك إبلاغا بِهِ وَلم يزدرعه تثميرا لَهُ لألحق بآبائه مهلة لسبقهم فِي خواصهم وَالْحق بِهِ فِي خاصته مَا الْحق بِنَفسِهِ وَلَا تَأذن لَهُ إِلَّا دبرا وَإِذا ورد عَلَيْك كتاب عَامل من عمالي فَلَا تحبسه عني طرفَة عين إِلَّا أَن أكون على حَالَة لَا تَسْتَطِيع الْوُصُول إِلَيّ وَأَن أَتَاك مُدع لنصيحة فليكتبها سرا ثمَّ ادخله من بعد أَن تستأذن لَهُ حَتَّى إِذا كَانَ مني بِحَيْثُ أرَاهُ فأدفع إِلَى كِتَابه فَإِن حمدت قبلت وَإِن كرهت رفضت وَلَا ترفعن إِلَيّ طلبة أحد إِن منعته بخلني وَإِن أَعْطيته إزدراني إِلَّا بمؤامرة مني بِغَيْر أَن تعلمه أَنَّك فد أعلمتني وَإِن أَتَاك علم يسْتَأْذن عَليّ بِالْعلمِ فَاسْأَلْهُ مَا علمه ذَلِك ثمَّ اسْتَأْذن لَهُ فَإِن الْعلم كاسمه وَلَا تحجبن سخطَة وَلَا تأذنن رضَا اخصص بذلك الْملك وَلَا تخصص بِهِ نَفسك اخْتِلَاف سيرة اشد من هَذَا فِي التحجير عَلَيْهِ قَول مَرْوَان لِابْنِهِ

стр. 239

عبد الْعَزِيز حِين ولاه مصر يَا بني مر حاجبك يُخْبِرك من قصد بابك كل يَوْم فَتكون أَنْت تَأذن وتحجب وَأقرب مِنْهُ إِلَى التَّوَسُّط قَول زِيَاد لحاجبه وليتك مَا وَرَاء بَابي وعزلتك عَن أَرْبَعَة طَارق ليل مَا جَاءَ بِهِ وَخبر رَسُول صَاحب الثغر فَإِنَّهُ إِن تَأَخّر سَاعَة أبطل عمل سنة وَهَذَا الْمُنَادِي للصَّلَاة وَصَاحب الطَّعَام فَإِن الطَّعَام إِذا اعمد عَلَيْهِ التسخين فسد نَوَادِر أَسْتَأْذن أَبُو سُفْيَان على عُثْمَان بن عَفَّان ﵁ فحجبه لبَعض مَا نابه من أُمُور الْمُسلمين فَقيل لَهُ حجبك أَمِير الْمُؤمنِينَ فَقَالَ لَا عدمت من قومِي من إِذا شَاءَ حجبني

стр. 240

الثَّانِيَة قَالَ عبد الله بن مُصعب الزبيرِي كُنَّا بِبَاب الْفضل وهم يأذنون لِذَوي الشارات والهيآت وأعرابي يدنو فَكلما دنا صرخَ بِهِ فَقَامَ نَاحيَة ثمَّ قَالَ أَبْيَات (رَأَيْت آذننا يعتام بزتنا ... وَلَيْسَ للحسب الزاكي بمعتام) (مَتى رَأَيْت الصقور الجدل يقدمهَا ... خلطان من رخم قرع وَمن رَاجِح نَام) (وَلَو دعينا على الأحساب قد مني ... مجد تليد وَفضل رَاجِح نَام) الثَّالِثَة قَالَ مُعَاوِيَة ﵁ لحضين بن الْمُنْذر وَكَانَ يدْخل فِي أخريات النَّاس يَا أَبَا ساسان كَأَنَّهُ لَا يحسن إذنك فَأَنْشَأَ يَقُول (وكل خَفِيف الرَّأْي يمشي مشمرا ... إِذا فتح البواب بابك أصعبا) (وَنحن الْجُلُوس الماكثون رزانة ... وحلما إِلَى أَن يفْتَتح الْبَاب أجمعا)

стр. 241

الْمرتبَة الثَّانِيَة الْكِتَابَة وفيهَا مسَائِل الْمَسْأَلَة الأولى قَالَ ابْن خلدون هَذِه الْوَظِيفَة غير ضَرُورِيَّة فِي الْملك لاستغناء كثير من الدول عَنْهَا كالدول رَأْسا فِي البدو والبعد عَن تَهْذِيب الحضارة واستحكام الصَّنَائِع وَإِنَّمَا أكد الْحَاجة إِلَيْهَا فِي الدولة الإسلامية شَأْن اللِّسَان الْعَرَبِيّ وبلاغة الْعبارَة عَن الْمَقَاصِد فَكَانَ الْكَاتِب يُؤَدِّي كنه الْحَاجة بأبلغ من الْعبارَة اللسانية فِي الْأَكْثَر وَكَانَ يخْتَار إِذْ ذَاك من أهل نسب الْأَمِير وَمن عُظَمَاء قَبيلَة لصدق أمانتهم وخلوص أسرارهم وَلما فسد اللِّسَان وَصَارَ صناعَة اخْتصَّ بِمن يُحسنهُ قَالَ وَكَانَت عِنْد بني الْعَبَّاس رفيعة قلت وَكَذَا عِنْد الْأَوَائِل كَمَا يدل عَلَيْهِ وَصِيَّة حكمائهم هَذَا أرسطو يَقُول فِي فضل الْعِنَايَة بهَا وَمَا تفاخرت الْمُلُوك عَن قديم الْأَيَّام إِلَّا بكتابها وَلَا رفعت إِلَى عَظِيم الْمنَازل إِلَّا بهم الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة قَالَ وَمن خطط الْكِتَابَة التوقيع وَهُوَ أَن يجلس الْكَاتِب بَين يَدي السُّلْطَان فِي مجَالِس حِكْمَة ويوفق الْقَصَص المرفوعة إِلَيْهِ أَحْكَامهَا متلقات من السُّلْطَان بأوجز لفظ وأبلغه فيصدر كَذَلِك أَو يحذو الْكَاتِب على مثالها فِي سجل سُكُون بيد صَاحب الْقِصَّة وَيحْتَاج إِلَى عارضة من البلاغة يَسْتَقِيم بهَا توقيعه

стр. 242

قَالَ وَقد كَانَ جَعْفَر بن يحيى يُوقع فِي الْقَصَص بَين يَدي الرشيد وَيَرْمِي بالقصة إِلَى صَاحبهَا فَكَانَ البلغاء يتنافسون فِي تَحْصِيل الْوُقُوف على توقيعاته الْمُشْتَملَة على أساليب البلاغة وفتونها حَتَّى قيل إِ كل قصَّة مِنْهَا كَانَت تبَاع بِدِينَار الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة قَالَ وَلَا بُد أَن يتَخَيَّر من أرفع طَبَقَات النَّاس وَأهل الْمُرُوءَة والحشة مِنْهُم وَزِيَادَة الْعلم وعارضة البلاغة فَإِنَّهُ معرض للنَّظَر فِي أصُول الْعلم لما يعرض فِي مجَالِس الْمُلُوك ومقاعد أحكامهم من أَمْثَال ذَلِك مَعَ مَا تَدْعُو إِلَيْهِ عشرتهم من الْآدَاب والتخلق بالفضائل الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة من أثر الْعِنَايَة بِهَذِهِ الرُّتْبَة رِعَايَة مَا يجب للقائم بهَا من حُقُوق الْحَاجة إِلَيْهِ فَفِي سياسة ارسطو كَمَا أَنه يترجم عَن إرادتك ويطلع على أسرارك وَيُقِيم فِي المحافل عِنْد نظرائك جاهك فَكَذَلِك يجب أَن ترعى من أُمُوره بِقدر مَا يَخْدمه من إرادتك ويحتمله من أعباء رياستك وَأَن تنزله منزلَة الْجُزْء مِنْك الَّذِي صَلَاحه بصلاحك وَعَن بعض الْمُلُوك لِلْكَاتِبِ الناصح ثَلَاث خلال رفع الْحجاب عَنهُ واتهام الوشاة عَلَيْهِ وَدفع غائلة الْغدر عَنهُ حِكَايَة نقل ابْن رضوَان أَنه لما توفّي كَاتب السِّرّ لعبد الْمُؤمن بن عَليّ

стр. 243

اهتم لذَلِك حَتَّى ظهر علبه التَّأْثِير لَهُ قَالَ مَسْعُود بن سُلْطَان الريَاحي فَسَأَلت مَا الَّذِي أهمه فَقَالَ لي إِن كَاتب سرنا قد مَاتَ واحتجنا إِلَى من نقيمه مقَامه وَمَا وَجَدْنَاهُ لِأَنَّهُ يحْتَاج فِي كَاتب السِّرّ أَن يكون على صفة كَذَا وَمن نعت كَذَا قَالَ فَقلت لَهُ بِشِرَاك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ هَذَا الرجل ببجاية أَبُو الْفضل ابْن مُحَمَّد بن عَليّ بن طَاهِر وَوصف لَهُ من صِفَاته مَا وَقع موقع الْقبُول وَكتب لَهُ الْأَمِير عبد الْمُؤمن من حِينه وَأمر وَالِي بجاية أَن يتحفي بِهِ ويحمله خير محمل فَلم يُمكنهُ بعد وُصُول الْأَمر إِلَّا طَاعَته وَلم يَسعهُ التَّخَلُّف وَلما وصل إِلَى حَضْرَة مراكش وَمثل بَين يَدي الْأَمِير عبد الْمُؤمن فَرَأى من حسن سمته ووقاره مَا أغناه عَن اخْتِيَاره فَأكْرم نزله وَرفع مَنْزِلَته وَمحله وَلما وَقع الِاطِّلَاع على مَا عِنْده من فنون الْعلم علم أَن الْكتاب الَّتِي وَقع استدعائه بِسَبَبِهَا إِنَّمَا هِيَ بعض صِفَاته وَإِحْدَى آلاته وأدواته وَكَانَ من عَادَته أَنه إِذا وَجه إِلَيْهِ أَمِير الْمُؤمنِينَ ليَأْتِي إِلَى مَحَله يتأنى ويتربص وَيَأْتِي على التؤدة وَالْوَقار وَإِصْلَاح الْهَيْئَة وَلم يزل ذَلِك دأبه إِلَى أَن وشى بِهِ عِنْد الْملك من غص مِنْهُ فَقَالَ إِنَّه لَا يَأْتِي إِلَّا عَن قعُود من الْخَلِيفَة وَقَالَ مَا شَاءَ الله أَن يَقُول فَوَقع فِي نفس الْملك من ذَلِك شَيْء فاستدعاه يَوْمًا وأعجله فتأنى وَجرى على عَادَته وَلما حضر بَين يَدَيْهِ عاتبه وَقَالَ لَهُ يَا فَقِيه كثيرا مَا تبطىء إِلَيْنَا إِذا استدعيناك فَمَا هَذَا مِنْك فَقَالَ

стр. 244

يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أَنْت إِمَام الْمُسلمين وَمَا أَحسب مَحل الْإِمَامَة إِلَّا كمحل الصَّلَاة فَكَمَا آتِي الصَّلَاة آتِي هَذَا الْمحل وَقد قَالَ رَسُول الله ﷺ إِذا أتيتم الصَّلَاة فَلَا تأتوها وَأَنْتُم تسعون وأتوها وَعَلَيْكُم السكينَة وَالْوَقار فَمَا أدركتم فصلوا وَمَا فاتكم فَأتمُّوا فَاسْتحْسن ذَلِك مِنْهُ أَمِير الْمُؤمنِينَ وَزَاد فِي تقريبه وَتَركه على حَاله وحاجة الْخَلِيفَة كَانَت إِلَيْهِ أَكثر من حَاجته هُوَ إِلَيْهِ تتميمة بَيَان قَالَ ابْن خلدون وَأما الشُّرُوط الَّتِي يلاحظها السُّلْطَان فِي اخْتِيَار صَاحب هَذِه الرُّتْبَة وانتقائه من أَصْنَاف النَّاس فَهِيَ كَثِيرَة وَأحسن من استوعبها عبد الحميد الْكَاتِب فِي رسَالَته إِلَى الْكتاب وَهِي هَذِه أما بعد حفظكم الله يَا أهل الصِّنَاعَة والبدعة وحاطكم ووفقكم وأرشدكم فَإِن الله تَعَالَى جعل النَّاس بعد الْأَنْبِيَاء وَالْمُرْسلِينَ صلوَات الله عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ وَمن بعد الْمُلُوك الْمُكرمين أصنافا وأركانا وَإِن كَانُوا فِي الْحَقِيقَة سَوَاء وصرفهم فِي صنوف الصناعات وضروب المحاولات إِلَى أَسبَاب معائشهم وأبواب أَرْزَاقهم فجعلكم معشر الْكتاب فِي أشرف الْجِهَات من أهل الْأَدَب والمروءة وَالْعلم وَالرِّوَايَة فبكم تنتظم الْخلَافَة محاسنها وتستقيم أمورها وبنصائحكم يصلح الله لِلْخلقِ سلطانهم وتعمر بلدانهم لَا يَسْتَغْنِي الْملك عَنْهُم وَلَا يجد كَاف إِلَّا مِنْكُم فموقعكم من الْمُلُوك موقع أسماعهم الَّتِي يسمعُونَ بهَا وأبصارهم الَّتِي يبصرون بهَا وألسنتهم الَّتِي بهَا ينطقون

стр. 245

وأيديهم الَّتِي بهَا يبطشون فأمتعكم الله بِنَا خصكم من فضل صناعتكم وَلَا نزع عَنْكُم مَا أفضاه من النِّعْمَة عَلَيْكُم وَلَيْسَ أحد من أهل الصناعات كلهَا أحْوج إِلَى اجْتِمَاع خلال الْخَيْر المحمودة وخصال الْفضل الْمَذْكُورَة المعدودة مِنْكُم أَيهَا الْكتاب إِذا كُنْتُم على مَا] أُتِي من هَذَا الْكتاب من صفتكم فَإِن الْكَاتِب يحْتَاج من نَفسه وَيحْتَاج مِنْهُ صَاحبه الَّذِي يَثِق بِهِ فِي مهمات أُمُوره أَن يكون حَلِيمًا فِي مَوضِع الْحلم فهما فِي مَوضِع الحكم ومقداما فِي مَوضِع الْإِقْدَام ومحجاما فِي مَوضِع الإحجام مؤثرا للعفاف وَالْعدْل والإنصاف كتوما للأسرار وفيا عِنْد الشدائد عَالما بِمَا يَأْتِي عِنْد النَّوَازِل يضع الْأُمُور موَاضعهَا والطوارق أماكنها قد نظر فِي كل فن من فنون الْعلم فأحكمه وَإِن لم يحكمه أَخذ مِنْهُ بِمِقْدَار مَا يَكْتَفِي بِهِ يعرف بغريزة عقله وَحسن أدبه وَفضل تجربته مَا يرد عَلَيْهِ قبل وُرُوده وعاقبة مَا يصدر عَنهُ قبل صدوره فيعد لكل مَا أَمر عدته وعتاده ويهيء لكل وَجه أهبته وعتاده فتنافسوا يَا معشر الْكتاب فِي صنوف الْأَدَب وتفقهوا فِي الدّين وابدأوا بِعلم كتاب الله والفرائض ثمَّ الْعَرَبيَّة فَإِنَّهَا ثقاف أَلْسِنَتكُم ثمَّ أجيدوا الْخط فَإِنَّهُ حلية كتبكم وارووا الْأَشْعَار واعرفوا غريبها ومعانيها وَأَيَّام الْعَرَب والعجم وأحاديثها فَإِن ذَلِك معِين لكم على مَا تسموا إِلَيْهِ همتكم وَلَا تضيعوا النّظر فِي الْحساب فَإِنَّهُ قوام كتاب الْخراج وارغبوا بِأَنْفُسِكُمْ عَن المطامع سنيها ودينها وسفساف الْأُمُور ومحاقرها فَإِنَّهَا مذلة للرقاب مفْسدَة للْكتاب ونزهوا صناعتكم عَن الدناءة واربأوا بِأَنْفُسِكُمْ عَن السّعَايَة والنميمة وَمَا فِيهِ أهل الجهالات وَإِيَّاكُم وَالْكبر والسخف وَالْعَظَمَة فَإِنَّهَا عَدَاوَة مجتلبة من غير أحنة وتحابوا فِي الله وَفِي صناعتكم وَتَوَاصَوْا عَلَيْهَا بِالَّذِي هُوَ أليق بِأَهْل الْفضل وَالْعدْل والنبل من سلفكم وَإِن نبا الزَّمَان بِرَجُل مِنْكُم فاعطفوا فليه وواسوه حَتَّى يرجع إِلَيْهِ حَاله ويؤوب إِلَيْهِ أمره وَإِن أقعد أحدكُم الْكبر عَن مكسبه ولقاء إخوانه فزوروه وعظموه وشاوروه واستظهروا بِفضل تجربته وقديم مَعْرفَته وَليكن الرجل مِنْكُم على من اصطنعه وَاسْتظْهر بِهِ

стр. 246

ليَوْم حَاجته إِلَيْهِ أحوط مِنْهُ على وَلَده وأخيه فَإِن عرضت فِي الشّغل فَلَا يضيعها إِلَّا على صَاحبه وَإِن عرضت مذمة فليحتملها هُوَ من دونه وليحذر السقطة والزلة والهلك عِنْد تغير الْحَال فَإِن الْعَيْب إِلَيْكُم معشر الْكتاب أسْرع مِنْهُ فِي الْقُرَّاء وَهُوَ لكم أفسد مِنْهُ لَهَا فقد علمْتُم أَن الرجل مِنْكُم إِذا صَحبه من يبْذل لَهُ نَفسه مَا يجب لَهُ عَلَيْهِ من حَقه فَوَاجِب عَلَيْهِ أَن يعْتَقد لَهُ من وفائه وشكره واحتماله وَصَبره ونصيحته وكتمان سره وتدبير أمره مَا هُوَ جَزَاء لحقه وَيصدق ذَلِك بفعاله عِنْد الْحَاجة إِلَيْهِ والاضطرار إِلَى مَا لَدَيْهِ فاستشعروا ذَلِك وفقكم الله فِي حَالَة الرخَاء والشدة والحرمان والمواساة وَالْإِحْسَان والسراء وَالضَّرَّاء فنعمة السمت هَذِه لمن بهَا من أهل هَذِه الصِّنَاعَة الشَّرِيفَة وَإِذا ولى الرجل مِنْكُم أَو صير إِلَيْهِ من أَمر خلق الله وَعِيَاله أمره فليراقب ربه وليؤثر طَاعَته وَليكن على الضَّعِيف رَفِيقًا وللمظلوم منصفا فَإِن الْخلق عِيَال الله وأحبهم إِلَيْهِ أرفقهم بعياله ثمَّ ليكن بِالْعَدْلِ حَاكما وللأشراف مكرما وللغنى موفرا وللبلاد عَامِرًا وللرعية متألقا وَعَن أذاهم مُتَخَلِّفًا وَليكن فِي مَجْلِسه متواضعا حَلِيمًا وَفِي سجلات خراجه واستقصاء حُقُوقه رَفِيقًا وَذَا صحب أحدكُم رجلا فليختبر خلائقه فَإِذا عرف حسنها وقبيحها أَعَانَهُ على مَا يُوَافقهُ من الْحسن واحتال بصرفه عَمَّا يهواه من الْقبْح بألطف حِيلَة وأجمل وَسِيلَة وَقد علمْتُم أَن سائس الْبَهِيمَة إِذا كَانَ عَالما بَصيرًا بسياستها التمس معرفَة أخلاقها فَإِن كَانَت رحوما لم يهجها إِذا ركبهَا وَإِن كَانَت شبوبا اتقاها من قبل يَدهَا وَإِن كَانَت شرودا توقاها من نَاحيَة رَأسهَا وَإِن كَانَت حرونا قمع بِرِفْق

стр. 247

مصاحب هَواهَا فِي طرقها فَإِن استمرت عطفها يَسِيرا فيسلس لَهُ قيادها وَفِي هَذَا الْوَصْف من السياسة دَلَائِل لمن سَاس النَّاس وعاملهم وخارجهم وداخلهم وَالْكَاتِب بِفضل أديه وشريف صَنعته ولطيف حيلته ومعاملته لمن يحاوره من النَّاس ويناظره وَيفهم عَنهُ أَو يخَاف سطوته أولى بالرفق لصَاحبه ومداراته وتقويم أوده من سائس الْبَهِيمَة الَّتِي لَا تحير جَوَابا وَلَا تعرف صَوَابا وَلَا تفهم حطابا إِلَّا بِقدر مَا يصيرها إِلَيْهِ صَاحبهَا الرَّاكِب عَلَيْهَا أَلا فارفقوا رحمكم الله فِي النّظر وَاعْمَلُوا فِيهِ مَا أمكنكم من الروية والفكر تأمنوا بِإِذن الله مِمَّن صحبتموه النُّبُوَّة والاستثقال والجفوة وَيصير مِنْكُم إِلَى الْمُوَافقَة وتصيرون مِنْهُ إِلَى المواخاة والشفقة إِن شَاءَ الله وَلَا يجاوزون الرجل مِنْكُم فِي هَيْئَة مَجْلِسه وملبسه ومركبه ومطعمه ومشربه وثيابه وخدمه وَغير ذَلِك من فنون أمره قدر حَقه فَإِنَّكُم مَعَ مَا فضلْتُمْ بِهِ من شرف صناعتكم خدمَة لَا تحملون فِي خدمتكم على التَّقْصِير وَحفظه لَا تحْتَمل مِنْكُم أَفعَال التصنيع والتبذير وَاسْتَعِينُوا على عفافكم بِالْقَصْدِ فِي كل مَا ذكرته لكم وقصصته عَلَيْكُم واحذروا متالف السَّرف وَسُوء عَاقِبَة الترف فَإِنَّهُمَا يعقبان الْفقر ويذلان الرّقاب ويفضحان أهلهما وَلَا سِيمَا الْكتاب وأرباب الْآدَاب وللأمور أشباه بَعْضهَا دَلِيل على بعض فاستدلوا على مؤتنف أَعمالكُم بِمَا سبقت إِلَيْهِ تجربتكم ثمَّ اسلكوا من مسالك التَّدْبِير أوضحها محجة واحمدها عَاقِبَة واعلوا أَن للتدبير آفَة متلفة وَهُوَ

стр. 248

الْوَصْف الشاغل لصَاحبه عَن إِنْفَاذ علمه ورويته فليقصد الرجل مِنْكُم فِي مَجْلِسه قصد الْكَافِي من منْطقَة وليوجز فِي ابْتِدَائه وُجُوبه وليأخذ بِمَجَامِع حججه فَإِن ذَلِك مصلحَة لفعله ومدفعة للتشاغل عَن إكثاره وليضرع إِلَى الله فِي صلَة توفيقه وإمدامه بتسديده مَخَافَة وُقُوعه فِي الْغَلَط المضر بِبدنِهِ وعقله وأدبه فَإِنَّهُ إِن ظن مِنْكُم ظان أَو قَالَ قَائِل أَن الَّذِي برز من جميل صَنعته وَقُوَّة حركته إِنَّمَا هُوَ بِفضل حيلته وَحسن تَدْبيره فقد تعرض بظنه أَو مقَالَته إِلَى أَن يكله الله إِلَى نَفسه فَيصير مِنْهَا إِلَى غير كَاف وَذَلِكَ على من تَأمله غير خَافَ وَلَا يقل أحد مِنْكُم أَنه أبْصر بالأمور وأحمل لعبء التَّدْبِير من مرافقه فِي صناعته ومصاحبه فِي خدمته فَإِن أَعقل الرجلَيْن عِنْد ذَوي الْأَلْبَاب من رمى بالعجب وَرَاء ظَهره وَرَأى أَن صَاحبه أَعقل مِنْهُ وَأحمد فِي طَرِيقَته وعَلى كل وَاحِد من الْفَرِيقَيْنِ أَن يعرف فضل نعم الله جلّ ثَنَاؤُهُ من غير اغترار بِرَأْيهِ وَلَا تزكيه لنَفسِهِ وَلَا يكابر على أَخِيه أَو نَظِيره وَصَاحبه وعشيرته وَحمد الله وَأوجب على الْجَمِيع ذَلِك بالتواضع لعظمته والتذلل لعزته والتحدث بنعمته وَأَنا أَقُول فِي كتابي هَذَا مَا سبق بِهِ الْمثل من تلْزمهُ النَّصِيحَة يلْزمه الْعَمَل وَهُوَ جَوْهَر الْكتاب وغرة كَلَامه بعد الَّذِي فِيهِ من ذكر الله فَلذَلِك جعلته آخِره وختمته بِهِ تولانا الله وَإِيَّاكُم يَا معشر الطّلبَة والكتبة بِمَا يتَوَلَّى بِهِ من سبق علمه فِي إسعاده وإرشاده فَإِن ذَلِك إِلَيْهِ وَبِيَدِهِ وَالسَّلَام عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله

стр. 249

الْمرتبَة الثَّالِثَة ديوَان الْعَمَل والجباية وفيهَا مسَائِل الْمَسْأَلَة الأولى قَالَ ابْن خلدون وَهِي وَظِيفَة ضَرُورِيَّة للْملك وجزء عَظِيم مِنْهُ بل هِيَ ثَلَاثَة أَرْكَانه لِأَنَّهُ لَا بُد لَهُ من الْجند وَالْمَال والمخاطبة لمن غَابَ عَنهُ فَيحْتَاج صَاحبه إِلَى أَوَان فِي أَمر السَّيْف والقلم وَالْمَال فينفرد صَاحبهَا بِجُزْء من رياسة الْملك فِي الْقيام على أَعمال الجباية وَحفظ حُقُوق الدولة فِي الدُّخُول وَالْخُرُوج وإحصاء العساكر وَتَقْدِير أَرْزَاقهم وَصرف أَعطيتهم فِي وَقتهَا وَالرُّجُوع فِي ذَلِك إِلَى القوانين الَّتِي لَا يقوم بهَا إِلَّا المهرة من أَرْبَاب يلك الْعمَّال وَيُسمى كتابها بالديوان وَكَذَا مَكَان جُلُوس الْعمَّال والمباشرين لَهما الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة فِي أصل هَذِه التَّسْمِيَة وَجْهَان أَحدهمَا أَن كسْرَى نظر يَوْمًا إِلَى كتاب ديوانه وَهُوَ يحسبون مَعَ أنفسهم كَأَنَّهُمْ يحادثون فَقَالَ ديوانه أَي مجانين بلغَة الْفرس فَسمى موضعهم بذلك وحذفت الْهَاء لِكَثْرَة الِاسْتِعْمَال فَقيل ديوَان ثمَّ نقل هَذَا الِاسْم كتاب الْأَعْمَال الثَّانِي أَنه اسْم للشَّيْطَان بِالْفَارِسِيَّةِ فَسمى الْكتاب بِهِ لسرعة نفوذهم فِي فهم الْأُمُور ووقوفهم على الجلى مِنْهَا والخفى وجمعهم مَا شَذَّ مِنْهَا وتفرق ثمَّ نقل إِلَى مَوضِع جلوسهم

стр. 250

قَالَ ابْن خلدون فعلى هَذَا يتَنَاوَل اسْم الدِّيوَان كتاب الرسائل وَمَكَان جلوسهم بِبَاب السُّلْطَان الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة قَالَ فقد تفرد هَذِه الْوَظِيفَة بناظر وَاحِد ينظر فِي سَائِر الْأَعْمَال وَقد ينْفَرد كل صنف مِنْهَا بناظر كَمَا يفرد فِي بعض الدول فِي أعطيات العساكر أَو غير ذَلِك على حسب مصَالح الدولة وَمَا قره أسلافنا قلت قَالَ ابْن حزم إِن رَأْي الإِمَام أَن يفرق الْأَعْمَال فَحسن كَمَا ولي رَسُول الله ﷺ أَعمال الْيمن جمَاعَة وَإِن رأى أَن يجمعها أَو بَعْضهَا لوَاحِد فِي بلد وَاحِد فَحسن كَمَا جمع رَسُول الله ﷺ عمان كلهَا لعَمْرو بن الْعَاصِ ﵁ الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة أَن أول من وضع ديوَان الْجَيْش فِي الدولة الإسلامية عمر ﵁ وَذكر فِي سَببه وَجْهَان أَحدهمَا أَن أَبَا هُرَيْرَة ﵁ أَتَاهُ بِمَال من الْبَحْرين فاستكثروه وتعبوا فِي قسمه فتشوفوا إِلَى إحصاء المَال وَضبط عطائه فَأَشَارَ خَالِد بن الْوَلِيد ﵁ بالديوان قَائِلا رَأَيْت مُلُوك الشَّام يدونون فَقبل مِنْهُ عمر ﵁ الثَّانِي الهرمزان الَّذِي أَشَارَ بذلك لما رأى بعث الْبعُوث بِغَيْر
следующие страницы →