← Сияса и кади

Сияса и кади · id 7236

بدائع السلك في طبائع الملك

ابن الأزرق

Полный текст (992 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

ليَوْم حَاجته إِلَيْهِ أحوط مِنْهُ على وَلَده وأخيه فَإِن عرضت فِي الشّغل فَلَا يضيعها إِلَّا على صَاحبه وَإِن عرضت مذمة فليحتملها هُوَ من دونه وليحذر السقطة والزلة والهلك عِنْد تغير الْحَال فَإِن الْعَيْب إِلَيْكُم معشر الْكتاب أسْرع مِنْهُ فِي الْقُرَّاء وَهُوَ لكم أفسد مِنْهُ لَهَا فقد علمْتُم أَن الرجل مِنْكُم إِذا صَحبه من يبْذل لَهُ نَفسه مَا يجب لَهُ عَلَيْهِ من حَقه فَوَاجِب عَلَيْهِ أَن يعْتَقد لَهُ من وفائه وشكره واحتماله وَصَبره ونصيحته وكتمان سره وتدبير أمره مَا هُوَ جَزَاء لحقه وَيصدق ذَلِك بفعاله عِنْد الْحَاجة إِلَيْهِ والاضطرار إِلَى مَا لَدَيْهِ فاستشعروا ذَلِك وفقكم الله فِي حَالَة الرخَاء والشدة والحرمان والمواساة وَالْإِحْسَان والسراء وَالضَّرَّاء فنعمة السمت هَذِه لمن بهَا من أهل هَذِه الصِّنَاعَة الشَّرِيفَة وَإِذا ولى الرجل مِنْكُم أَو صير إِلَيْهِ من أَمر خلق الله وَعِيَاله أمره فليراقب ربه وليؤثر طَاعَته وَليكن على الضَّعِيف رَفِيقًا وللمظلوم منصفا فَإِن الْخلق عِيَال الله وأحبهم إِلَيْهِ أرفقهم بعياله ثمَّ ليكن بِالْعَدْلِ حَاكما وللأشراف مكرما وللغنى موفرا وللبلاد عَامِرًا وللرعية متألقا وَعَن أذاهم مُتَخَلِّفًا وَليكن فِي مَجْلِسه متواضعا حَلِيمًا وَفِي سجلات خراجه واستقصاء حُقُوقه رَفِيقًا وَذَا صحب أحدكُم رجلا فليختبر خلائقه فَإِذا عرف حسنها وقبيحها أَعَانَهُ على مَا يُوَافقهُ من الْحسن واحتال بصرفه عَمَّا يهواه من الْقبْح بألطف حِيلَة وأجمل وَسِيلَة وَقد علمْتُم أَن سائس الْبَهِيمَة إِذا كَانَ عَالما بَصيرًا بسياستها التمس معرفَة أخلاقها فَإِن كَانَت رحوما لم يهجها إِذا ركبهَا وَإِن كَانَت شبوبا اتقاها من قبل يَدهَا وَإِن كَانَت شرودا توقاها من نَاحيَة رَأسهَا وَإِن كَانَت حرونا قمع بِرِفْق

стр. 247

مصاحب هَواهَا فِي طرقها فَإِن استمرت عطفها يَسِيرا فيسلس لَهُ قيادها وَفِي هَذَا الْوَصْف من السياسة دَلَائِل لمن سَاس النَّاس وعاملهم وخارجهم وداخلهم وَالْكَاتِب بِفضل أديه وشريف صَنعته ولطيف حيلته ومعاملته لمن يحاوره من النَّاس ويناظره وَيفهم عَنهُ أَو يخَاف سطوته أولى بالرفق لصَاحبه ومداراته وتقويم أوده من سائس الْبَهِيمَة الَّتِي لَا تحير جَوَابا وَلَا تعرف صَوَابا وَلَا تفهم حطابا إِلَّا بِقدر مَا يصيرها إِلَيْهِ صَاحبهَا الرَّاكِب عَلَيْهَا أَلا فارفقوا رحمكم الله فِي النّظر وَاعْمَلُوا فِيهِ مَا أمكنكم من الروية والفكر تأمنوا بِإِذن الله مِمَّن صحبتموه النُّبُوَّة والاستثقال والجفوة وَيصير مِنْكُم إِلَى الْمُوَافقَة وتصيرون مِنْهُ إِلَى المواخاة والشفقة إِن شَاءَ الله وَلَا يجاوزون الرجل مِنْكُم فِي هَيْئَة مَجْلِسه وملبسه ومركبه ومطعمه ومشربه وثيابه وخدمه وَغير ذَلِك من فنون أمره قدر حَقه فَإِنَّكُم مَعَ مَا فضلْتُمْ بِهِ من شرف صناعتكم خدمَة لَا تحملون فِي خدمتكم على التَّقْصِير وَحفظه لَا تحْتَمل مِنْكُم أَفعَال التصنيع والتبذير وَاسْتَعِينُوا على عفافكم بِالْقَصْدِ فِي كل مَا ذكرته لكم وقصصته عَلَيْكُم واحذروا متالف السَّرف وَسُوء عَاقِبَة الترف فَإِنَّهُمَا يعقبان الْفقر ويذلان الرّقاب ويفضحان أهلهما وَلَا سِيمَا الْكتاب وأرباب الْآدَاب وللأمور أشباه بَعْضهَا دَلِيل على بعض فاستدلوا على مؤتنف أَعمالكُم بِمَا سبقت إِلَيْهِ تجربتكم ثمَّ اسلكوا من مسالك التَّدْبِير أوضحها محجة واحمدها عَاقِبَة واعلوا أَن للتدبير آفَة متلفة وَهُوَ

стр. 248

الْوَصْف الشاغل لصَاحبه عَن إِنْفَاذ علمه ورويته فليقصد الرجل مِنْكُم فِي مَجْلِسه قصد الْكَافِي من منْطقَة وليوجز فِي ابْتِدَائه وُجُوبه وليأخذ بِمَجَامِع حججه فَإِن ذَلِك مصلحَة لفعله ومدفعة للتشاغل عَن إكثاره وليضرع إِلَى الله فِي صلَة توفيقه وإمدامه بتسديده مَخَافَة وُقُوعه فِي الْغَلَط المضر بِبدنِهِ وعقله وأدبه فَإِنَّهُ إِن ظن مِنْكُم ظان أَو قَالَ قَائِل أَن الَّذِي برز من جميل صَنعته وَقُوَّة حركته إِنَّمَا هُوَ بِفضل حيلته وَحسن تَدْبيره فقد تعرض بظنه أَو مقَالَته إِلَى أَن يكله الله إِلَى نَفسه فَيصير مِنْهَا إِلَى غير كَاف وَذَلِكَ على من تَأمله غير خَافَ وَلَا يقل أحد مِنْكُم أَنه أبْصر بالأمور وأحمل لعبء التَّدْبِير من مرافقه فِي صناعته ومصاحبه فِي خدمته فَإِن أَعقل الرجلَيْن عِنْد ذَوي الْأَلْبَاب من رمى بالعجب وَرَاء ظَهره وَرَأى أَن صَاحبه أَعقل مِنْهُ وَأحمد فِي طَرِيقَته وعَلى كل وَاحِد من الْفَرِيقَيْنِ أَن يعرف فضل نعم الله جلّ ثَنَاؤُهُ من غير اغترار بِرَأْيهِ وَلَا تزكيه لنَفسِهِ وَلَا يكابر على أَخِيه أَو نَظِيره وَصَاحبه وعشيرته وَحمد الله وَأوجب على الْجَمِيع ذَلِك بالتواضع لعظمته والتذلل لعزته والتحدث بنعمته وَأَنا أَقُول فِي كتابي هَذَا مَا سبق بِهِ الْمثل من تلْزمهُ النَّصِيحَة يلْزمه الْعَمَل وَهُوَ جَوْهَر الْكتاب وغرة كَلَامه بعد الَّذِي فِيهِ من ذكر الله فَلذَلِك جعلته آخِره وختمته بِهِ تولانا الله وَإِيَّاكُم يَا معشر الطّلبَة والكتبة بِمَا يتَوَلَّى بِهِ من سبق علمه فِي إسعاده وإرشاده فَإِن ذَلِك إِلَيْهِ وَبِيَدِهِ وَالسَّلَام عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله

стр. 249

الْمرتبَة الثَّالِثَة ديوَان الْعَمَل والجباية وفيهَا مسَائِل الْمَسْأَلَة الأولى قَالَ ابْن خلدون وَهِي وَظِيفَة ضَرُورِيَّة للْملك وجزء عَظِيم مِنْهُ بل هِيَ ثَلَاثَة أَرْكَانه لِأَنَّهُ لَا بُد لَهُ من الْجند وَالْمَال والمخاطبة لمن غَابَ عَنهُ فَيحْتَاج صَاحبه إِلَى أَوَان فِي أَمر السَّيْف والقلم وَالْمَال فينفرد صَاحبهَا بِجُزْء من رياسة الْملك فِي الْقيام على أَعمال الجباية وَحفظ حُقُوق الدولة فِي الدُّخُول وَالْخُرُوج وإحصاء العساكر وَتَقْدِير أَرْزَاقهم وَصرف أَعطيتهم فِي وَقتهَا وَالرُّجُوع فِي ذَلِك إِلَى القوانين الَّتِي لَا يقوم بهَا إِلَّا المهرة من أَرْبَاب يلك الْعمَّال وَيُسمى كتابها بالديوان وَكَذَا مَكَان جُلُوس الْعمَّال والمباشرين لَهما الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة فِي أصل هَذِه التَّسْمِيَة وَجْهَان أَحدهمَا أَن كسْرَى نظر يَوْمًا إِلَى كتاب ديوانه وَهُوَ يحسبون مَعَ أنفسهم كَأَنَّهُمْ يحادثون فَقَالَ ديوانه أَي مجانين بلغَة الْفرس فَسمى موضعهم بذلك وحذفت الْهَاء لِكَثْرَة الِاسْتِعْمَال فَقيل ديوَان ثمَّ نقل هَذَا الِاسْم كتاب الْأَعْمَال الثَّانِي أَنه اسْم للشَّيْطَان بِالْفَارِسِيَّةِ فَسمى الْكتاب بِهِ لسرعة نفوذهم فِي فهم الْأُمُور ووقوفهم على الجلى مِنْهَا والخفى وجمعهم مَا شَذَّ مِنْهَا وتفرق ثمَّ نقل إِلَى مَوضِع جلوسهم

стр. 250

قَالَ ابْن خلدون فعلى هَذَا يتَنَاوَل اسْم الدِّيوَان كتاب الرسائل وَمَكَان جلوسهم بِبَاب السُّلْطَان الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة قَالَ فقد تفرد هَذِه الْوَظِيفَة بناظر وَاحِد ينظر فِي سَائِر الْأَعْمَال وَقد ينْفَرد كل صنف مِنْهَا بناظر كَمَا يفرد فِي بعض الدول فِي أعطيات العساكر أَو غير ذَلِك على حسب مصَالح الدولة وَمَا قره أسلافنا قلت قَالَ ابْن حزم إِن رَأْي الإِمَام أَن يفرق الْأَعْمَال فَحسن كَمَا ولي رَسُول الله ﷺ أَعمال الْيمن جمَاعَة وَإِن رأى أَن يجمعها أَو بَعْضهَا لوَاحِد فِي بلد وَاحِد فَحسن كَمَا جمع رَسُول الله ﷺ عمان كلهَا لعَمْرو بن الْعَاصِ ﵁ الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة أَن أول من وضع ديوَان الْجَيْش فِي الدولة الإسلامية عمر ﵁ وَذكر فِي سَببه وَجْهَان أَحدهمَا أَن أَبَا هُرَيْرَة ﵁ أَتَاهُ بِمَال من الْبَحْرين فاستكثروه وتعبوا فِي قسمه فتشوفوا إِلَى إحصاء المَال وَضبط عطائه فَأَشَارَ خَالِد بن الْوَلِيد ﵁ بالديوان قَائِلا رَأَيْت مُلُوك الشَّام يدونون فَقبل مِنْهُ عمر ﵁ الثَّانِي الهرمزان الَّذِي أَشَارَ بذلك لما رأى بعث الْبعُوث بِغَيْر

стр. 251

ديوَان قَالَ وَمن يعلم بغيبة من يغيب مِنْهُم وَإِنَّمَا يضْبط ذَلِك الْكتاب فَأثْبت الدِّيوَان وَسَأَلَ عمر ﵁ عَن اسْمه ففسر لَهُ وَلما أجمع عَلَيْهِ أَمر عقيل بن أبي طَالب ومخرمة بن نَوْفَل وَجبير بن مطعم فَكَتَبُوا ديوَان العساكر على تَرْتِيب الْأَنْسَاب مُبْتَدأ من قرَابَة رَسُول الله ﷺ وَمَا بعْدهَا الْأَقْرَب فَالْأَقْرَب وَكَانَ ذَلِك فِي الْمحرم سنة عشْرين الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة قَالَ ابْن خلدون وَأما ديوَان الْخراج والجبايات فبقى بعد الْإِسْلَام على مَا كَانَ عَلَيْهِ ديوَان الْعرَاق بِالْفَارِسِيَّةِ وديوان الشَّام بالرومية وَكتاب الدَّوَاوِين من الْفَرِيقَيْنِ فَلَمَّا اسْتَحَالَ الْأَمر ملكا وَأَنْتَقِلَ من غَضَاضَة البداوة إِلَى رونق

стр. 252

الحضارة وَمن سذاجة الأمية إِلَى حذق الْكِتَابَة والحسبان أَمر عبد الْملك بن مَرْوَان سُلَيْمَان بن سعد وَالِي الْأُرْدُن أَن ينْقل ديوَان الشَّام إِلَى الْعَرَبيَّة فأكمله لسنة يَوْم من ابْتِدَائه ووقف عَلَيْهِ سرجون كَاتب عبد الْملك فَقَالَ لكتاب الرّوم اطْلُبُوا الْعَيْش فِي غير هَذِه الصِّنَاعَة فقد قطعهَا الله عَنْكُم قَالَ وَأما ديوَان الْعرَاق فَأمر الْحجَّاج كَاتبه صَالح بن عبد الرَّحْمَن وَكَانَ يكْتب بِالْعَرَبِيَّةِ والفارسية أَن يَنْقُلهُ من الفارسية إِلَى الْعَرَبيَّة فَفعل وَرَغمَ لذَلِك كتاب الْفرس وَكَانَ عبد الحميد بن يحي يَقُول لله در صَالح مَا أعظم مننه على الْكتاب قَالَ ثمَّ جعلت هَذِه الْوَظِيفَة فِي دولة بني الْعَبَّاس مُضَافَة إِلَى من كَانَ

стр. 253

لَهُ النّظر فِيهَا كبني برمك وَبني سهل وَغَيرهم من وزراء تِلْكَ الدولة الْمَسْأَلَة السَّادِسَة إِذا كَانَ الْقَصْد بِهَذِهِ الْوَظِيفَة حفظ المَال فَمن الْحق فِيهِ بعد ذَلِك قَالَ الطرطوشي أَن يُؤْخَذ من حق وَيُوضَع فِي حق وَيمْنَع من سرف وَلَا يُؤْخَذ من الرّعية إِلَّا مَا فصل من معاشها ومصالحها ثمَّ ينْفق فِي الْوُجُوه الَّتِي يعود عَلَيْهَا نَفعهَا قلت وَفِي العهود اليونانية وَاعْلَم أَن الَّذِي يجب من الْخراج لَك هُوَ مَا وظفته الشَّرِيعَة عَلَيْهِم فِيمَا بِأَيْدِيهِم فَإِن اجتيح بِآفَة قصرت بِتِلْكَ الْوَظِيفَة كَانَ لَك من فضل من مؤونتها وكل مَا قصر عَن ذَلِك فَإِنَّهُ دَاعِيَة اختلال وتعطيل عمارتهم الْمَسْأَلَة السَّابِعَة الرِّفْق فِي استجباء مَال الجباية وَالْخَرَاج وَاجِب ونفعه فِي ذَلِك مشهود بِهِ قَالَ الطرطوشي مر جباة الْأَمْوَال بالرفق ومجانبة الْخرق فَإِن الْعلقَة تنَال من الدَّم بِغَيْر أَذَى وَلَا سَماع مَا لَا تناله الْبَعُوضَة بلسعتها وصوتها قَالَ وَفِي منثور الحكم من جَاوز فِي الْحَلب حلب الدَّم وَفِي الْمثل إِذا استقصى الْعجل مص أمه وقصته قلت وَفِي العهود اليونانية وَأعلم أَن استجباء الْخراج بالعنف ممحقة

стр. 254

على من طُولِبَ بِهِ ويستهلك مَنَافِعه وبركته وَاسْتِعْمَال الهوينا فِيهِ يطْمع فِي عشيرة وَيمْنَع من دروره وتوفيره حِكَايَة لما عزل عُثْمَان عَمْرو بن الْعَاصِ ﵄ عَن مصر وَاسْتعْمل عَلَيْهَا ابْن أبي السَّرْح فَحمل من المَال أَكثر مِمَّا كَانَ يحملهُ عَمْرو فَقَالَ عُثْمَان يَا عمر أشعرت أَن اللقَاح درت فَقَالَ عَمْرو وَذَلِكَ لأنكم أجحفتم أَوْلَادهَا قلت المظنون بعثمان غير هَذَا وَلَكِن عمروا أعلمهُ بعاقبة الِاسْتِقْصَاء دفعا للتُّهمَةِ عَن نَفسه وهم برَاء مِنْهَا ﵃ الْمَسْأَلَة الثَّامِنَة يجب أَن يكون الِاعْتِدَاد بِمَا يبْقى بأيدي الرّعية فَوق يستخلص مِنْهَا لبيت المَال بِهَذَا الْحِفْظ لِأَنَّهَا مَادَّة وفوره ونمائه قَالَ الطرطوشي كن بِمَا يبْقى فِي أَيدي رعيتك أفرح مِنْك بِمَا يَأْخُذ مِنْهَا فَلَا يقل مَعَ الصّلاح شَيْء وَلَا يبْقى مَعَ الْفساد شَيْء وصيانة الْقَلِيل تربية للجيل فَلَا مَال لَا خرق وَلَا عيلة لمصلح الْمَسْأَلَة التَّاسِعَة التَّعَدِّي فِي جباية الْأَمْوَال بِمَا يخل بِحِفْظ الْعِمَارَة قَاض بخراب الدول فَأَجره على مَا تقدم برهانه فَيجب هُنَا استحضاره وَقد قَالَ جَعْفَر بن يحي الْخراج عَمُود الْملك وَمَا استغزر بِمثل الْعدْل وَمَا استنزر بِمثل الْعدْل وَمَا استنزر بِمثل الظُّلم وأسرع الْأُمُور فِي خراب الْبِلَاد وتعطيل الْأَرْضين وانكسار الْخراج الْجور والتحامل

стр. 255

تَمْثِيل قيل مثل السُّلْطَان إِذا حمل على أهل الْخراج حَتَّى ضعفوا عَن عمَارَة الْأَرْضين كَمثل من يقطع لَحْمه ويأكله من الْجُوع فَهُوَ وَإِن قوى من نَاحيَة ضعف من نَاحيَة وَمَا أَدخل على نَفسه من الضعْف أعظم مِمَّا دفع عَنْهَا من ألم الْجُوع الْمرتبَة الرَّابِعَة الشرطة وفيهَا مسَائِل الْمَسْأَلَة الأولى قَالَ ابْن خلدون يُسمى صَاحبهَا لهَذَا الْعَهْد بإفريقية الْحَاكِم وبالأندلس صَاحب الْمَدِينَة وَفِي التّرْك الْوَالِي قَالَ وَهِي مرؤوسة لصَاحب السَّيْف فِي الدولة العباسية وَحكمهَا نَافِذ فِي صَاحبهَا بعض الأحيان الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة قَالَ وَكَانَ أصل وَضعهَا فِي الدولة العباسية لمن يُقيم أَحْكَام الجرائم إستبراء وحدا لَان تهمها لَا نظر للشَّرْع الا فِي اسْتِيفَاء حُدُودهَا وللسياسة نظر فِي اسْتِبْرَاء موجباتها بِإِقْرَار يكره عَلَيْهِ عِنْد قيام الْقَرَائِن لما توجبه الْمصلحَة الْعَامَّة فِي ذَلِك قلت تِلْكَ الْمصلحَة الْعَامَّة فِي الْجُمْلَة لَا يخْتَلف فِيهَا نظر الشَّرْع والسياسة فِي إستبرائهم الجرائم حَسْبَمَا يَأْتِي تَقْرِيره إِن شَاءَ الله تَعَالَى قَالَ وَعند تنزه القَاضِي عَن ذَلِك أقيم لَهُ صَاحب هَذِه الْوَظِيفَة وَرُبمَا جعل لَهُ النّظر فِي الدِّمَاء والجدود بِإِطْلَاق دون القَاضِي قَالَ ونوهوا بِهَذِهِ الرُّتْبَة وقلدوها كبار القواد وَعُظَمَاء الْخَاصَّة من الموَالِي

стр. 256

قَالَ وَلم تكن عَامَّة التَّنْفِيذ فِي طَبَقَات النَّاس إِنَّمَا كَانَ حكمه على الدهماء وَأهل الرتب وَالضَّرْب على أَيدي الدعار والفجرة الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة قَالَ ثمَّ عظمت نباهتها فِي دولة بني أُميَّة بالأندلس ونوعت إِلَى شرطة كبرى وصغرى وَجعل حكم لصغرى على الْعَامَّة فَقَط وَجعل حكم الْكُبْرَى على الْخَاصَّة والدهماء وَذَوي الْمَرَاتِب السُّلْطَانِيَّة وَالضَّرْب على أَيْديهم فِي الظلامات وعَلى أَيدي أقاربهم وَمن إِلَيْهِم ذَوي الجاه وَنصب لَهُ كرْسِي بِبَاب السُّلْطَان وَرِجَال يتبوأون المقاعد بَين يَدَيْهِ لَا يبرحون عَنْهَا إِلَّا فِي تصريفه وَكَانَت ولايتها للأكابر من رجالات الدولة حَتَّى كَانَت ترشيحا للوزارة والحجابة قَالَ وَأما فِي دولة الْمُوَحِّدين بالمغرب فَكَانَ لَهَا حَظّ من التنويه وَإِن لم تكن عَامَّة وَكَانَ لَا يَليهَا إِلَّا رجالات الْمُوَحِّدين وكبراؤهم وَلم يكن لَهُ تحكم على ذَوي الْمَرَاتِب السُّلْطَانِيَّة ثمَّ فسد الْيَوْم منصبها وَصَارَت لمن قَامَ بهَا من المصطنعين قَالَ وَأما فِي الدولة بني مرين لهَذَا الْعَهْد فولايتها فِي بيُوت مواليهم وَأهل اصطناعهم وَفِي دولة التّرْك فِي رجالاتها وأعقاب أهل الدولة قبلهم من الكرد لما يظْهر فيهم من الصلابة والمضاء فِي الْحُكَّام لقطع مواد الْفساد وتخريب مَوَاطِن الفسوق وتفريق مجامعه مَعَ الْإِقَامَة الْحُدُود الشَّرْعِيَّة والسياسة كَمَا يَقْتَضِيهِ رِعَايَة الْمصَالح الْعَامَّة فِي الْمَدِينَة وَالله مُقَلِّب اللَّيْل وَالنَّهَار

стр. 257

قَالُوا يجب على الإِمَام أَن يولي ذَلِك ثِقَة دينا صَارِمًا فِي الْحُقُوق وَالْحُدُود متيقظا غير مُغفل قَالَ ابْن حزم وَيلْزمهُ الإِمَام أَن لَا يبْحَث عَن شَيْء من الْحُدُود إِلَّا أَن يُجَاهر بهَا صَاحبهَا أَو يشتكي إِلَيْهِ بهَا وَحِينَئِذٍ يلْزمه السُّؤَال عَن ذَلِك الرُّكْن السَّابِع رِعَايَة السياسة وللنظر فِيهَا منهجان أَحدهمَا بِسَبَب الْمُعْتَمد مِنْهُ عقلا وَلآخر من جِهَة الْمُعْتَبر مِنْهَا شرعا وَقبل ذَلِك فَهُنَا مقدمتان الْمُقدمَة الأولى أَن أَحْكَام الْملك القاهر بِمُقْتَضى الْغَضَب لما كَانَت مائلة عَن الْحق غَالِبا تحمل صَاحبهَا على مَا فَوق الطَّاقَة من أغراضه وشهواته وَإِذ ذَاك فتعسر الطَّاعَة وتخشى الْمعْصِيَة المؤذنة بِفساد الِاجْتِمَاع الإنساني وَجب الْمرجع فِي ذَلِك إِلَى قوانين سياسية الْوَضع يسلكها الكافة وينقاد لحكمها الْمَفْرُوض الْمُقدمَة الثَّانِيَة أَن هَذِه القوانين الْمَفْرُوضَة إِن كَانَت من الْعُقَلَاء وَذَوي البصيرة بتدبير الدولة كَانَت سياسة عقلية نافعة فِي الدُّنْيَا فَقَط وَإِن كَانَت عَن الله تَعَالَى بِوَاسِطَة شَارِع يشرعها كَانَت سياسة دينية نافعة فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة لما سبق من تَقْرِير حمل الْخلق على حمل الدّين الَّذِي خلقُوا لَهُ عَاجلا أم آجلا

стр. 258

الْمنْهَج الأول وَفِيه مسَائِل الْمَسْأَلَة الأولى الْجَارِي على الْحِكْمَة من السياسة الْعَقْلِيَّة مَا روعيت فِيهِ الْمصَالح عُمُوما ومصالح السُّلْطَان فِي استقامة ملكه خُصُوصا كالمنقول ذَلِك عَن الْفرس وَقد أغْنى الله عَنْهُم بِأَحْكَام الْملَّة الإسلامية لاشتمالها على الْمصَالح الْعَامَّة والخاصة واندراج أَحْكَام الْملك فِيهَا تعم أَن أهمل الْعَمَل بِمَا اشْتَمَلت عَلَيْهِ من ذَلِك فالسياسة الْعَقْلِيَّة أَنْفَع مِنْهَا فِي الدُّنْيَا وَهِي الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة قَالَ الطرطوشي وَلِهَذَا يُقَال أَن السُّلْطَان الْكَافِر الْحَافِظ لشروط السياسة الإصلاحية أبقى وَأقوى من السُّلْطَان الْمُؤمن الْعدْل المهمل إِذْ لَا أصلح للسُّلْطَان من تَرْتِيب الْأُمُور وَلَا أفسد لَهُ من الحكم وَلَا يقوم سُلْطَان إِيمَان أَو كفر إِلَّا بِعدْل نبوي أَو تَرْتِيب اصطلاحي الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة السياسة الَّتِي لسَائِر مُلُوك الْعَالم من مُسلم وَكَافِر من هَذَا النَّوْع الْعقلِيّ مِنْهَا مَا يُرَاعِي فِيهِ مصلحَة السُّلْطَان فِي استقامة ملكه قهرا واستطالة الْمصَالح الْعَامَّة بِحكم التبع لذَلِك إِلَّا إِن مُلُوك الْإِسْلَام يسلكون فِيهَا على مُقْتَضى الشَّرِيعَة الإسلامية بِحَسب جهدهمْ تَحْصِيل قَالَ ابْن خلدون فقوانينها إِذا مجتمعة من أَحْكَام شَرْعِيَّة وآداب خلقية وقوانين فِي الِاجْتِمَاع طبيعية وَأَشْيَاء من مُرَاعَاة الشَّوْكَة والعصبية ضَرُورِيَّة ولاقتداء فِيهَا بِالشَّرْعِ أَولا ثمَّ بالحكماء فِي آدابهم والملوك فِي سيرهم الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة الْمُوجب لانقياد الكافة لأحكام الساسة الْعَقْلِيَّة مَا يتوقعون من ثَوَاب الْحَاكِم بهَا بعد مَعْرفَته بمصالحهم

стр. 259

قلت وَمَا يتخوفون من عِقَابه بِتَقْدِير عدم الانقياد ويتحصل من ذَلِك أَن ملاك الطَّاعَة الرَّغْبَة والرهبة فَائِدَة فِي تَنْبِيه قَالَ ابْن خلدون وَمَا تسمعه من السياسة المدنية لَيْسَ من هَذَا الْبَاب وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ عِنْد الْحُكَمَاء مَا يجب أَن يكون عَلَيْهِ كل وَاحِد فِي نَفسه وخلقه حَتَّى يستغنوا عَن الْحُكَّام ويسمون الْمُجْتَمع الْحَاصِل فِيهِ ذَلِك بِالْمَدِينَةِ الفاضلة والقوانين المراعاة فِي ذَلِك بالسياسة المدنية وَغير السياسة الَّتِي يحمل عَلَيْهَا الْجُمْهُور بِالْأَحْكَامِ قَالَ وَهَذِه الْمَدِينَة الفاضلة عِنْدهم نادرة أَو بعيدَة الْوُقُوع وَالْكَلَام عَلَيْهَا على جِهَة الْفَرْض وَالتَّقْدِير الْمنْهَج الثَّانِي وَفِيه مسَائِل الْمَسْأَلَة الأولى قَالَ ابْن فَرِحُونَ السياسة نَوْعَانِ ظالمة تحرمها الشَّرِيعَة وعادلة توجب الْمصير إِلَيْهَا والاعتماد فِي إِظْهَار الْحق عَلَيْهَا وَهِي بَاب وَاسع فضل فِيهِ الإفهام وتزل فِيهِ الْإِقْدَام وإهمالها يضيع الْحُقُوق ويعطل الْحُدُود ويجرءي أهل الْفساد والتوسع فِيهِ يفتح أَبْوَاب الْمَظَالِم وَيُوجب سفك الدِّمَاء وَأخذ الْأَمْوَال بِغَيْر حق الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة أَن اعْتِبَارهَا على التَّوَسُّط اتقاء لمحذوري الإهمال والتوسع هُوَ الْحق فَلَا جَانب الِالْتِفَات إِلَيْهَا ظنا لِأَنَّهَا مُنَافِيَة للقواعد الشَّرْعِيَّة فينكر مَا شهد لَهُ الشَّرْع مِنْهَا بِالِاعْتِبَارِ قَالَ فَرِحُونَ وَهُوَ رد لنصوص الشَّرِيعَة وتغليظ للخلفاء الراشين وَلَا يفرط فِي التعويل عَلَيْهَا توهمه أَن الشَّرِيعَة وتغليظ مِنْهَا قَاصِرَة عَن رِعَايَة الْخلق فيجنى على الشَّرِيعَة ويرميها بِالنَّقْصِ وَهُوَ تَعَالَى يَقُول

стр. 260

الْيَوْم أكملت لكم دينكُمْ وَفِي الحَدِيث تركت فِيكُم مَاء أَن تمسكتم بِهِ لن تضلوا كتاب الله وسنتي قَالَ ابْن فَرِحُونَ وَهُوَ جهل وَغلظ فَاحش الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة من الدَّلِيل على مَشْرُوعِيَّة هَذِه السياسة اشْتِمَال أَحْكَامهَا على حكم يشْعر مَا أدْرك مِنْهَا بعناية الشَّارِع برعاية مصَالح الْعباد عَاجلا وآجلا لَا وجوبا وَهِي أَنْوَاع أَحدهَا مَا شرع لكسر النَّفس ومرورها تَحت حكم الانقياد كالعبادات الَّتِي لَا يلوح فِيهَا تَعْلِيل جزءي تَنْزِيلا عَن ذَلِك الثَّانِي مَا قصد بِهِ بَقَاء نوع الْإِنْسَان كالآذان فِي الْمُبَاحَات الحافظة لوُجُود كالطعام وَالشرَاب وَنَحْو ذَلِك الثَّالِث مَا وضع لدفع الضرورات كَالْبيع وَالْإِجَارَة والقراض والمساقات لاحتياج الْإِنْسَان إِلَى مَا لَيْسَ عِنْده واضطراره إِلَى اسْتِخْدَام غَيره تحصيلا لمصلحته الرَّابِع مَا نبه بِهِ على مَكَارِم الْأَخْلَاق كالمواساة والهبات وَالْعِتْق وَالْحَبْس وَالصَّدَََقَة وَنَحْو ذَلِك الْخَامِس مَا شرع للزجر الْمَانِع من الْإِخْلَال بِهَذِهِ الْمَقَاصِد قلت وَقد تقدم مَا يشْعر بذلك فِي كليات مَا تتحفظ بِهِ الشَّرِيعَة من جَانِبي الْوُجُود والعدم وَبَقِي من ذَلِك مَا هُوَ خَاص بِهَذَا الْموضع وَهُوَ الزّجر التعزيري بِحَسب الْجِنَايَة كَمَا دلّ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى ﴿ليذوق وبال أمره﴾ أَي جَزَاء فعله

стр. 261

الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة إِن التَّوسعَة بهَا على الْحُكَّام لَا تخْتَلف دَلِيل مشروعيتها بل هُوَ شَاهد لَهَا بِالِاعْتِبَارِ على أوضح دلَالَة وَبَينهَا الْقَرَافِيّ من وُجُوه يَكْفِي مِنْهَا اثْنَان أَحدهمَا أَن الْفساد الْمُنْتَشِر بعد الْعَصْر الأول مُوجب لاخْتِلَاف الحكم لَكِن بِحَيْثُ لَا يخرج عَن الشَّرْع بِالْكُلِّيَّةِ دفعا للضَّرَر وَالْفساد قلت وَهُوَ قَول عمر بن عبد الْعَزِيز ﵁ تحدث للنَّاس أقضية بِقدر مَا أَحْدَثُوا من الْفُجُور زَاد الشَّيْخ عز الدّين وَأَحْكَام بِقدر مَا يحدثُونَ من السَّيِّئَات والمعاملات والاحتياطات قَالَ وَهِي على القوانين الأول غير أَن الْأَسْبَاب تَجَدَّدَتْ وَلم تكن فِيمَا سلف قَالَ الْمقري فَإِذا وجدت وَجب اعْتِبَارهَا الثَّانِي أَن قَاعِدَة الْمصَالح الْمُرْسلَة وَهُوَ مَا لم يشْهد لَهُ الشَّرْع لَا بِاعْتِبَار وَلَا بإلغاء وَهُوَ ملائم لتصرفاته شَاهد لذَلِك بِالصِّحَّةِ كجمع الْمُصحف وَتَدْوِين الدَّوَاوِين وَضرب السِّكَّة واتخاذ السجْن وتضمين الصناع قلت وَدَعوى جمَاعَة تَخْصِيص إِمَام الْأَئِمَّة مَالك رَحمَه الله تَعَالَى الاسترسال فِي اعْتِبَار هَذِه الْقَاعِدَة لَيْسَ كَذَلِك بل الشَّافِعِيَّة وهم مُعظم المنكرين عَلَيْهِ أوسع فِيهَا مجالا حَتَّى قَالَ السُّبْكِيّ فِي إِمَام الْحَرَمَيْنِ كَاد يُوَافقهُ مَعَ مناداته عَلَيْهِ بالنكير

стр. 262

تَكْمِيل السياسة الْبَاطِلَة شرعا لَا تَنْحَصِر أمثلتها وَيَكْفِي فِي التَّنْبِيه عَلَيْهَا مَا يذكر الْمِثَال الأول الْقَتْل بالرهبة قَالَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ هُوَ لضبط الدولة والسياسة من عادات الْجَبَابِرَة وَمَا حدث إِلَّا بعد الْعَصْر الأول قلت وَأَشد من هَذَا الِاعْتِقَاد تَحْلِيله كَمَا ورد الْإِنْذَار بِهِ فِي حَدِيث ورد عَن ابْن عَبَّاس ﵄ مَرْفُوعا يَأْتِي على النَّاس زمَان يسْتَحل فِيهِ خَمْسَة أَشْيَاء يسْتَحلُّونَ الْخمر بأسماء يسمونها بهَا والسحت بالهدية وَالْقَتْل بالرهبة وَالزِّنَا بِالنِّكَاحِ والربا بِالْبيعِ قَالَ ابْن تَيْمِية وَهَذَا الْخَبَر صدق ثمَّ فسر استحلال الْقَتْل باسم الإرهاب لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يُسَمِّيه وُلَاة الظُّلم سياسة وأبهة للْملك

стр. 263

الْمِثَال الثَّانِي الْعقُوبَة بِالْمَالِ قَالَ الإِمَام الْغَزالِيّ لَا عهد بهَا فِي الْإِسْلَام وَلَا تلائم تَصَرُّفَات الشَّرْع مَعَ أَنَّهَا لم تتَعَيَّن لشرعية الْعُقُوبَات الْبَدَنِيَّة بالسجن وَالضَّرْب وَغَيرهمَا قلت وَمَا ورد من ذَلِك فِي أول الْإِسْلَام فقد اجْتَمعُوا على نُسْخَة قَالَه الطَّحَاوِيّ وَابْن رشد وَفِي سَماع أَشهب من كتاب السُّلْطَان أَن مَالِكًا ﵀ سُئِلَ هَل يجوز انتهاب مَتَاع أهل السُّوق إِذا خالفوا مَا أمروا بِهِ فَقَالَ لَا يحل ذَنْب من الذُّنُوب مَال إِنْسَان وَإِن قتل نفسا وَأرى أَن يضْرب من نهب أَو انتهب يَعْنِي الْآمِر بِهِ والطائع لَهُ كشف تَدْبِير الْحَاكِم على الحكم بِهَذِهِ الْعقُوبَة مُنْضَمًّا لانتفاع الْحَاكِم بهَا توهم أَن غرم المَال أزْجر للنفوس من الْعقُوبَة بِغَيْرِهِ لعزة المَال عَلَيْهَا وَهُوَ غير مخلص لِأَن مُخَالفَة الْهوى أَشد من عَلَيْهَا وأصعب بِدَلِيل أَن شَهْوَة الْقَتْل أَو الزِّنَا إِذا استحكمت يسهل فِي تَحْصِيلهَا بذل المَال فَكيف ينْهض عَن غرمه زاجر عَمَّا هُوَ أَشد مِنْهُ قرر هَذَا الْمَعْنى أَبُو الْعَبَّاس بن الشماع التّونسِيّ قَائِلا وَلذَلِك يجْرِي على أَلْسِنَة الْعَامَّة الْأَمْوَال تحْتَاج للأمراض أَو للأغراض فَائِدَة عَن تَنْبِيه قَالَ الشَّيْخ الإِمَام أَبُو اسحق الشاطبي الْعقُوبَة فِي المَال عِنْد مَالك ضَرْبَان

стр. 264

أَحدهمَا عُقُوبَة على الْجِنَايَة وَلَا مرية انه غير صَحِيح وَإِتْلَاف مَا فِيهِ الْجِنَايَة أَو فِي عوضه عُقُوبَة للجاني وَهِي ثَابِتَة عِنْده لقَوْله الزَّعْفَرَان الْمَغْشُوش إِذا وجد بيد الَّذِي غشه تصدق بِهِ على الْمَسَاكِين قل أَو كثر وَعَن ابْن الْقَاسِم ومطرف وَابْن الْمَاجشون يتَصَدَّق بِمَا قل مِنْهُ دون مَا كثر وَذَلِكَ محكى عَن عمر ﵁ فِي إِرَاقَة اللَّبن الْمَغْشُوش بِالْمَاءِ الْمِثَال الثَّالِث الزِّيَادَة على الْحُدُود الْمقدرَة نقل الشَّيْخ أَبُو الْعَبَّاس ابْن الشماع عَن أبي الْعَرَبِيّ فِي كِتَابه الِاسْتِيفَاء فِي الْقيَاس مَا حَاصله أَن الْقَائِل بقصورها عَن الْوَفَاء بكف الْجِنَايَات حَتَّى يتَجَاوَز فِيهَا إِلَى قطع من لم تثبت سَرقته وَقتل من لم يَصح قَتله خَارج عَن دين الْإِسْلَام وَإِن كَونهَا لَا تفي فِي الردع لِأَنَّهَا لَا تستوفي بل تبَاع وتشترى

стр. 265

قَالَ وَحِكْمَة حكمه فِيمَن ظهر عَلَيْهِ الْحَد انفاذه فِيهِ وَمن خشيت معرته وقويت ظنته حبس حَتَّى لَا يَمُوت قَالَ والمحبوسين يجب أَن يَكُونُوا أَضْعَاف المقتولين لِأَن التُّهْمَة أَضْعَف الْبَينَات قلت وحكاية ابْن الصَّيْرَفِي عَنهُ أَنه أَتَى بزان فِي أَيَّام قَضَائِهِ فثقب شدقه حَتَّى أفسد هواءه حملهَا ابْن الشماع بعد تَسْلِيم نِسْبَة القَوْل بذلك إِلَيْهِ من حِكَايَة تَارِيخ على أَنه لم يصادم فِي ذَلِك نصبا بتحديد عُقُوبَة المشتهر بِالْغنَاءِ وَذكر غير ذَلِك

стр. 266

الْمِثَال الرَّابِع وضع المكوس فِي الْمُعَامَلَات ظلما وجورا قَالَ الشَّيْخ الإِمَام أَبُو اسحق الشاطبي لَا يَخْلُو وَضعهَا الْمحرم أَن يقْصد بِهِ حجر التَّصَرُّفَات وقتا مَا أَو حَالَة مَا لنيل حطام الدُّنْيَا أَو يقْصد بِهِ جعله كَالدّين الْمَفْرُوض دَائِما أَو فِي أَوْقَات محدودة وعَلى كيفيات مَضْرُوبَة بِحَيْثُ تضاهي التشريع الَّذِي تحمل عَليّ الكافة وتتوجه على الْمُمْتَنع مِنْهُ الْعقُوبَة فَالْأول مُجَرّد مَعْصِيّة وَالثَّانِي بِدعَة بِلَا شكّ قلت قسمهَا هَذَا التَّقْسِيم لِأَن الْقَرَافِيّ عدهَا من الْبدع الْمُحرمَة وَلَا يصبح فِيهَا ذَلِك إِلَّا على المأخذ الثَّانِي وأيا مَا كَانَت فتحريمها ثَابت تحذير قَالَ النواوي مِمَّا يتَأَكَّد النَّهْي عَنهُ والتحذير مِنْهُ قَول الْعَوام وشبههم فِي المكوس الْمَأْخُوذَة مِمَّن يَبِيع أَو يَشْتَرِي وَنَحْو ذَلِك هُوَ حق السُّلْطَان وَنَحْوه مِمَّا يشْتَمل على تَسْمِيَته حَقًا ولازما وَهُوَ من أَشد الْمُنْكَرَات وأشنع المستحدثات حَتَّى قَالَ بعض الْعلمَاء فَمن سمى هَذَا حَقًا فَهُوَ كَافِر وَالصَّحِيح أَنه لَا يكفر إِلَّا إِذا اعتقده حَقًا مَعَ علمه بِأَنَّهُ ظلم قَالَ فَالصَّوَاب أَن يُقَال فِيهِ المكس أَو ضريبة السُّلْطَان أَو نَحْو ذَلِك من الْعبارَات الْمِثَال الْخَامِس تَوْلِيَة المناصب الشَّرْعِيَّة من لَا يصلح لَهَا بطرِيق التوريث استنادا لقَوْل المناصب الشَّرْعِيَّة من لَا يصلح لَهَا بطرِيق التوريث استنادا لكَون المنصب كَانَ لِأَبِيهِ وَهُوَ فَاقِد الْأَهْلِيَّة فِي نَفسه ذكر ذَلِك الْقَرَافِيّ فِي أَمْثِلَة الْبدع الْمُحرمَة وَلَا خَفَاء أَن الْقَصْد بِهِ حفظ الرتب

стр. 267

بقصرها على الْمُسْتَحق وَأَنه من هَذِه الْجِهَة وَالْحَالة هَذِه أولى بهَا من الْمُسْتَحق بِنَفسِهِ وَهُوَ قصد حائد عَن السياسة الْمُعْتَبرَة أما شرعا فَظَاهر وَأما عقلا فقد قَالَ أفلاطون فِي اعْتِبَاره مُطلقًا أخرجت كثيرا من الْمُلُوك الْغيرَة على الْمَرَاتِب إِلَى أَن حبسوا الْمنَازل على أَهلهَا منعُوا كل إِنْسَان عَن الْخُرُوج عَن مَنْزِلَته وَهَذَا خطأ مِنْهُم يعود ضَرَره فِي هَذَا الْموضع على الْعَالم بأسره وَذَلِكَ أَن الْقَوْم إِذا تَنَاسَلُوا فِي مرتبَة أَو صناعَة تلاشت فِيهِ فضائلهم وتشبهوا بِأَرْض ألح عَلَيْهَا صَاحبهَا بزرع شَيْء وَاحِد من أَنْوَاع النَّبَات فَإِنَّهُ إِذا تَمَادى بهَا الزَّمَان فسد فِيهَا ذَلِك النَّوْع وَإِنَّمَا تتربى الصناعات والرياسة فِي استدارة الْأَحْوَال وتنقل الْمنَازل انْتهى وَعَن بعض الْحُكَمَاء أَن السُّلْطَان لَا يقرب الْأَبْنَاء لقرب آبَائِهِم وَلَا يبعدهم لبعدهم وَلَكِن ينظر إِلَى مَا عِنْد طل وَاحِد مِنْهُم فَيقرب الْبعيد لنفعه وَيبعد الْقَرِيب لضرره وَقَالَ وشبهوا ذَلِك بالجرذ الَّذِي هُوَ فِي بَيت مجاور فَمن أجل ضَرَره نفي والبازي وَهُوَ وَحشِي من أجل نفعة اجتنى تَنْبِيه انتظام هَذَا الْقَصْد فِي سلك الْبدع الْمُحرمَة إِنَّمَا هُوَ مَعَ تحري الْعَمَل بِهِ دَائِما وعده كالشرع الَّذِي لَا يُخَالف أما تصدير هَذَا المتخلف عَن مَرَاتِب آبَائِهِ لَا من هَذِه الْجِهَة فَهُوَ فَسَاد فِي السياسة لَا ابتداع فَيُبَاح ذَلِك فِيهِ عَلَيْهِ الإِمَام أَبُو إِسْحَاق الشاطبي

стр. 268

الرُّكْن الْعَاشِر وَفِيه مُقَدمَات ومقامات الْمُقدمَة الأولى قَالَ الطرطوشي هِيَ مِمَّا تعده الْحُكَمَاء من أساس المملكة وقواعد السلطنة ويفتقر إِلَيْهَا الرئيس والمرؤوس قلت هُوَ كَذَلِك فِي الشَّرِيعَة حرفا بِحرف قَالَ ابْن الْعَرَبِيّ الْمُشَاورَة أصل الدّين وَسِتَّة الله فِي الْعَالمين وَهُوَ حق على عَامَّة الْخَلِيفَة من رَسُول إِلَى أقل خلق بعده فِي درجاتهم وَهِي اجْتِمَاع على أَمر يُشِير كل وَاحِد بِرَأْيهِ مَأْخُوذ من الْإِشَارَة قَالَ وَحَقِيقَته عِنْدِي اختبار مَا عِنْد كل وَاحِد مِنْهُم واستخراج مَا عِنْده من قَوْلهم شرت الدَّابَّة إِذا رضتها لتستخرج إخلافها

стр. 269

الْمُقدمَة الثَّانِيَة مِمَّا يدل على مشروعيتها أَمْرَانِ أَحدهَا مدح من عمل بهَا فِي جَمِيع أُمُوره قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَأمرهمْ شُورَى بَينهم﴾ قَالَ ابْن الْعَرَبِيّ أَي لَا يستبدون بِأَمْر ويتهمون رَأْيهمْ حَتَّى يستعينوا بغيرهم مِمَّن يظنّ بِهِ أَن عِنْده مدْركا لغرضه قَالَ وَهَذِه سيرة أولية وَسنة نبوية وخصلة عِنْد جَمِيع الْأُمَم مرضية الثَّانِي صَرِيح الْأَمر بهَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وشاورهم فِي الْأَمر﴾ قَالَ النَّوَوِيّ ويغنى ذَلِك عَن كل شَيْء فَإِنَّهُ إِذا أَمر الله بهَا النَّبِي ﷺ نسا جليا مَعَ أَنه أكمل الْخلق فَمَا الظَّن بِغَيْرِهِ قلت وَذَلِكَ فِي غير الْأَحْكَام لاختصاصه ﷺ بشرعيتها الْمُقدمَة الثَّالِثَة من حِكْمَة مشروعيتها أُمُور أَحدهَا الْأَمْن من نَدم الاستبداد بِالرَّأْيِ الظَّاهِر خطأه فَفِي الشهَاب مَا خَابَ من استخار وَلَا نَدم من اسْتَشَارَ

стр. 270

الثَّانِي احراز الصَّوَاب غَالِبا فقد كَانَ يُقَال من أعْطى أَرْبعا لن يمْنَع أَرْبعا من أعْطى الشُّكْر لم يمْنَع الْمَزِيد وَمن أعْطى التَّوْبَة لم يمْنَع الْقبُول وَمن أعْطى الاستخارة لم يمْنَع الْخيرَة وَمن أعْطى المشورة لم يمْنَع الصَّوَاب الثَّالِث ازدياد الْعقل بهَا واستحكامه قَالَ الطرطوشي المستشير وَإِن كَانَ أفضل رَأيا من المستشار فَإِنَّهُ يزْدَاد بِرَأْيهِ رَأيا كَمَا تزداد النَّار بالسليط ضوءا قلت وَقد قيل الْمُشَاورَة لقاح الْعقل ورائد الصَّوَاب وَمن شاور عَاقِلا أَخذ نصف عقله الرَّابِع الْفَوْز بالمدح عِنْد الصَّوَاب وَقبُول الْعذر عِنْد الْخَطَأ قَالَ بطليموس من آثر المشورة لم يعْدم عِنْد الصَّوَاب قادحا وَعند الْخَطَأ عاذرا الْخَامِس استعانة التَّدْبِير بهَا عِنْد التَّقْصِير عَنهُ وَلَا خَفَاء بتأكيد الْحَاجة إِلَيْهَا فِي خُذْهُ الْحَالة لِأَن الْقُدْرَة عَلَيْهِ إِذا كَانَت لَا تنفك عَن غرر الْخَطَأ مَا لم تتأيد بهَا فَمَا أَحْرَى أَن تتحق عِنْد الاستبداد لما لَا تنتهض الْبَتَّةَ قَالَ بعض الْحُكَمَاء حق على الْعَاقِل الحازم أَن يضيف إِلَى رَأْيه آراء الْعُقَلَاء فَإِذا فعل أَمن من عثاره وَوصل غلى اخْتِيَاره السَّادِس التجرد بهَا عَن الْهوى الساترة حجبه لوُجُود الصَّوَاب وَإِن كَانَ هُنَاكَ عقل ورشاد قَالَ بعض الْحُكَمَاء إِنَّمَا يحْتَاج اللبيب ذُو التجربة إِلَى الْمُشَاورَة

стр. 271

ليتجرد لَهُ رَأْيه من هَوَاهُ وَقيل لهرمز لم كَانَ رَأْي المستشار أفضل من رَأْي المستشير فَقَالَ لِأَن رَأْي المستشار معرى من الْهوى السَّابِع بِنَاء التَّدْبِير بهَا على أرسخ أساس وَالْعَكْس بِالْعَكْسِ وَمن ثمَّ قيل إنقاذ الْملك للأمور من غير روية كالعبادة بِغَيْر نِيَّة الثَّامِن إستمناح الرَّحْمَة وَالْبركَة قَالَ عمر بن عبد الْعَزِيز ﵁ المشورة والمناظر بَابا رَحْمَة ومفتاحا بركَة لَا يضل مَعَهُمَا رَأْي وَلَا يفقد مَعَهُمَا حزم التَّاسِع دلَالَة الْعَمَل بهَا على الْهِدَايَة والسداد قَالَ عَليّ ﵁ الاستشارة عين الْهِدَايَة وَقد خاطر من اسْتغنى بِرَأْيهِ وَعَن بعض الْحُكَمَاء المشورة مَعَ السداد والسخافة مَعَ الاستبداد الْعَاشِر وجد أَن الصَّوَاب بهَا عِنْد أشكاله قيل إِذا أشكل الرَّأْي على الحازم كَانَ بِمَنْزِلَة من أضلّ لؤلؤة فَجمع مَا حول مسقطها فالتمسها فَوَجَدَهَا كَذَلِك الحازم يجمع وُجُوه الرَّأْي فِي الْأَمر الْمُشكل ثمَّ يضْرب بَعْضهَا بِبَعْض حَتَّى يخلص لَهُ الصَّوَاب الْمُقدمَة الرَّابِعَة قَالَ الْخطابِيّ لَا بجب الْإِشَارَة على الْأَعْيَان بل

стр. 272

على الْكِفَايَة إِذا قَامَ بهَا بعض النَّاس سقط الباقيين وَقد يرخص تَركهَا لآفة تعرض فِيهَا أَو عائق يمْنَع مِنْهَا حِكَايَة قَالَ أَخْبرنِي الياس بن إِسْحَاق قَالَ شهِدت أَحْمد بن الْيَمَانِيّ واستشاره رجل فِي بعض الْأُمُور فأمتنع من الْإِشَارَة وَهَذَا أَمر لَا يلْزَمنِي قلت وَكَيف وَقد سَمِعت الله يَقُول ﴿وشاورهم فِي الْأَمر﴾ فَقَالَ إِن للْإِشَارَة آفَات وَأَنا أحذرها وَذَلِكَ أَنِّي إِذا أَشرت على رجل بِشَيْء لم يخل من قبُوله لَهُ أورد فَإِن قبله لم يخل من أحد أَمريْن أما أَن يَقع صَوَابا فينتفع بِهِ أَو خطأ فيتضرر بِهِ فَإِن وَقع صَوَابا وانتفع بِهِ لم آمن أَن يداخلني فِي ذَلِك عجب وَأَن توهمني نَفسِي أَنِّي قد سقت إِلَيْهِ خيرا وَأَن وَقع خطأ وتصرر بِهِ لم أعدم مِنْهُ لائمة وذما فَإِن لم يقبله لم يخل أَيْضا من أحد أَمريْن أما أينجح أَو يخْفق فَإِن أنجح أزري بِي واتهمني فِي مشورتي وَإِن أخفق أَو ناله ضَرَر لم آمن من نَفسِي الشماتة وَإِن أَثم فِي أمره وَمَا أعتورته هَذِه الْآفَات فَتَركه أسلم قَالَ الْخطابِيّ وَلَعَلَّه كَانَ يعرف من صحابه إعجابا بِرَأْيهِ وتركا لقبُول نصحه فحذر الْفِتْنَة واغتنم السَّلامَة الْمقَام الأول المستشير وَهُوَ كل قَاصد لغَرَض يهمه لما تقدم من عُمُوم الطّلب بهَا فِي سَائِر الطَّبَقَات لَكِن يتَفَاوَت ذَلِك فيهم بِحَسب الرئيس والمرؤوس ثمَّ قَالَ النَّوَوِيّ يسْتَحبّ لم هم بِأَمْر أَن يشاور فِيهِ ثمَّ قَالَ ويتأكد الْأَمر بهَا فِي حق وُلَاة الْأُمُور الْعَامَّة كالسلطان وَالْقَاضِي وَنَحْوهمَا ثمَّ عَلَيْهِ عِنْد الاستشارة وظائف وَهِي ضَرْبَان

стр. 273

الضَّرْب الأول مَا يعم سَائِر الطَّبَقَات وَهِي جملَة الْوَظِيفَة الأولى أَن تَصْدِيق فِي التَّعْرِيف بِقَصْدِهِ من المر المستشار فِيهِ بِحَيْثُ لَا يتْرك شَيْئا مِمَّا يعلم فِيهِ من مصلحَة أَو مفْسدَة أَشَارَ إِلَيْهِ النَّوَوِيّ قلت وَفِي الأفلاطونيات إِذا شاورت من يضطلع بالمشورة عَلَيْك فأصدقك عَنْك فِيهَا وَفِي كثير مِمَّا يَتَحَرَّك إِلَيْهِ طباعك ليقف من صدقك على مَا يُوجِبهُ الْحق فِيهَا وَاعْلَم أَن مغادرة المشير عَلَيْك فِي الرَّأْي بِمِقْدَار مَا خلقته عَنْك من الصدْق الْوَظِيفَة الثَّانِيَة أَن لَا يلْتَمس الرُّخْصَة عِنْد المستشار مَخَافَة الزلل مُخَالطَة الْهوى فِي ذَلِك وَقد تقدم أَن حكم الْهِنْد أَن من التمس من الإخوان الرُّخْصَة عِنْد المشورة وَمن الْأَطِبَّاء عِنْد الْمَرَض وَمن الْفُقَهَاء عِنْد الشُّبْهَة أَخطَأ الرَّأْي وازداد مَرضا وَحمل الْوزر الْوَظِيفَة الثَّالِثَة أَن يستنكر من المشاورين مَا أمكنه استظهار على الوثوق بِالرَّأْيِ الْمشَار بِهِ عَلَيْهِ قَالَ النَّوَوِيّ وَيسْتَحب أَن يشاور جمَاعَة بِالصّفةِ الْمَذْكُورَة يَعْنِي فِي شُرُوط المشاور قَالَ ويستكثر مِنْهُم الْوَظِيفَة الرَّابِعَة أَن يتواضع للمستشار مَعَه وَلَا يترفع عَن التنزل لَهُ فِي استهداء مَا يُشِير مِمَّا يظْهر لَهُ صَوَابه وَإِن كَانَ السُّلْطَان الْأَعْظَم قَالَ ابْن رضوَان لَا يَنْبَغِي للْملك عِنْد الْمُشَاورَة أَن يترفع إِلَى أَن يسْلك سَبِيل الهيبة فَإِن ذَلِك يقصر لِسَان الناصح والمشير موعظة قَالَ وَقد كَانَ الْملك الْعَادِل عَظِيم الهيبة وَمرض بعلة

стр. 274

الخوانيق فَأَشَارَ عَلَيْهِ الْأَطِبَّاء بالفصد فَامْتنعَ وَلم يُرَاجع وَمرض فَكَانَ ذَلِك سَببه مَوته وَصِيَّة قَالَ بعض مُلُوك الْفرس لِابْنِهِ عَلَيْك بالمشاورة فَإنَّك وَاحِد من الرِّجَال وشاور من يفصح عَن المستكن ويوضح الْمُشكل وَلَا يدع لَك فِي عَدوك فرْصَة إِلَّا انتهزها وَلَا لعدوك فِيك فرْصَة إِلَّا أحصنها وَلَا يمنعك حسن رَأْيك فِي ظَنك وَلَا علو مَكَانك فِي نَفسك أَن تجمع إِلَى رَأْيك رَأْي غَيْرك فَإِن وَافق رَأْيك رَأْي غَيْرك ازْدَادَ رَأْيك عنْدك شدَّة وَإِن خَالف رَأْيك عرضته على نظرك وفهمك فَإِن كَانَ غَالِبا على مَا رَأَيْت قبلت وَإِن كَانَ متضاعفا اسْتَغْنَيْت الضَّرْب الثَّانِي مَا يخص السُّلْطَان مِمَّن يَلِيهِ وحاصلها اخْتِيَار من يخْتَص بِمَعْرِِفَة مَا يستشار فِيهِ وعَلى حسب مَا يذكر إِن شَاءَ الله من شُرُوطه قَالَ ابْن حزم وَإِذا نزلت بالسلطان معضلة لَيْسَ عِنْده فِيهَا يَقِين شاور من أَصْحَابه وولاة جُنُوده من يَرْجُو عِنْده فرجا من ذَلِك ويشاور فِي الْحَرْب وسياستها وَيسْأل عَن كل علم أربابه وَلَا يتكل على رَأْي أحد وَلَا يطلعهم على مَا يخْتَار من رَأْيهمْ فَإِذا انْقَضى مَا عِنْدهم أنفذ مِمَّا سمع مِنْهُم تبصرة يَنْعَدِم هَذَا الِاخْتِيَار عِنْد المشورة إعداد الْمُسْتَحق لَهُ فِي سَائِر عمالة السُّلْطَانِيَّة وتعيينه لذَلِك قَالَ ابْن المقفع اعرف أهل الدّين والمروءة فِي كل نَاحيَة وكورة وقبيلة فليكونوا إخوانك وأعوانك وثقاتك وبطانتك

стр. 275

تَنْبِيه من لَازم هَذَا الإختيار منع غير الْمَخْصُوص بِهِ من التبريح بالقاء رَأْيه وَنَظره وَقد اعتنى الْحُكَمَاء بالتنبيه على ذَلِك فَقَالَ أفلاطون يَنْبَغِي للْملك السائس أَن يُطلق الرَّأْي إِلَّا لمن نَصبه لذَلِك لِئَلَّا يحدث فِي مَمْلَكَته الآراء الردية الْمقَام الثَّانِي المستشار وَفِيه مسَائِل الْمسَائِل الأولى فِي شُرُوطه وَهِي جملَة أَحدهَا الْعقل الْكَامِل بطول التجربة مَعَ الفطنة والذكاء قيل لَان الْحمق الْجَاهِل إِذا اشْتَرَيْته زَاد فِي لبسك وَأدْخل عَلَيْك التَّخْلِيط فِي رَأْيك وَلم يقم بحقيق نصحك وَكَانَ يُقَال إحذر مُشَاورَة رجلَيْنِ شَاب معجب بِنَفسِهِ قَلِيل التجارب فِي غره أَو كَبِير وَقد اخذ الدَّهْر من عقله كَمَا أَخذ من جِسْمه الثَّانِي الدّين وَالتَّقوى قَالَ ابْن الْحَاج لِأَن ذَلِك عماد كل صَلَاح وَبَاب كل نجاح وَمن غلب عَلَيْهِ الدّين فَهُوَ مَأْمُون السريرة موفق الْعَزِيمَة قَالَ وروى عِكْرِمَة عَم ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ رَسُول الله ﷺ من أَرَادَ أَمر فَشَاور فِيهِ أمراءا مُسلما وَفقه الله لارشد أُمُوره قلت وَعَن عمر ﵁ شاور فِي أَمرك من يخَاف الله الثَّالِث الْحبَّة الحاملة على خلوص النَّصِيحَة قيل لِأَنَّهُ إِذا كَانَ كَذَلِك أمنت من غشه وأجتهد لَك فِي نصحه وَنظر فِي أَمرك بِجَمِيعِ أَجزَاء قلبه

стр. 276

قلت وَفِي الْإِشَارَة بذلك قَول بشار (إِذا بلغ الرَّأْي النَّصِيحَة فَاسْتَعِنْ ... بِرَأْي نصيح أَو حزامة حَازِم) (وَلَا تتحسب الشورى عَلَيْك غَضَاضَة ... مَكَان الخوافي نَافِع للقوادم) (وخل الهوينا للضعيف وَلَا تكن ... نؤوما فَإِن الحزم لَيْسَ بنائم) مزِيد حِكْمَة قَالَ الْأَصْمَعِي قلت لبشار يَا أَبَا معَاذ إِن النَّاس يتعجبون من أبياتك فِي المشورة يَعْنِي هَذِه البيات فَقَالَ يَا أَبَا سعد إِ المشاور بَين صَوَاب يفوز بثمرته أَو خطأ يُشَارك فِي مَكْرُوه فَقلت لَهُ أَنْت فِي قَوْلك هَذَا أشعر مِنْك فِي شعرك تَنْبِيه قيل وَلَا يستشار الْعَدو إِلَّا فِي مَوضِع وَاحِد وَهُوَ أَن يكون صَلَاح الرَّأْي بصلاحه وفساده بفساده كعدوين فِي سفينة يستشير أَحدهمَا الآخر فِي صَلَاحهَا ونجاتها قَالَ احْتَرز أَن يكون فِي عُقبى إرشاده شَيْء يخصك بفساده الرَّابِع سَلامَة الْفِكر من مكدرات صَفوه وَذكروا مِمَّن عرض لَهُ ذَلِك

стр. 277

أصنافا فالجائع حَتَّى يشْبع والعطشان حَتَّى يقنع وَالسير حَتَّى يُطلق والضال حَتَّى يجد والراغب حَنى يمنح وَصَاحب الْخُف الضّيق وحاقن الْبَوْل وَصَاحب الْمَرْأَة السليطة ومعلم الصّبيان وراعي الْغنم وَالْكثير الْقعُود مَعَ النِّسَاء وَمن لَا دَقِيق عِنْده كِفَايَة عَارض كَانَ الْمُلُوك الأول إِذا هموا بمشاورة رجل بعثوا إِلَيْهِ بقوته وقوت عِيَاله لسنة ليتفرغ لَهُ عقله قَالَ الْمبرد كَانَ بعض عقلاء الْمُلُوك الْفرس إِذا شاور من قد رتبهم لمشورته فقصروا فِي الرَّأْي دَعَا المرتبين بأرزاقهم فعاقبهم فَيَقُولُونَ يُخطئ أهل مشورتك وتعاقبنا نَحن فَيَقُول لَهُم لم يخطئوا إِلَّا لتعليق قُلُوبهم بأرزاقهم فَإِذا اهتموا لحاجتهم أخطئوا الْخَامِس الْبَرَاءَة مِمَّا لَهُ فِي المر المستشار فِيهِ من هوى يساعده وغرض يَقْصِدهُ قَالَ الْحَاج لِأَن الْأَغْرَاض جاذبة والهوى مَا دَار والرأي إِذا عَارضه الْهوى وجاذبته الْأَغْرَاض فسد وَفِيه قيل (وَقد تحكم الْأَيَّام من كَانَ جَاهِلا ... ويردى الْهوى ذَا الرَّأْي وَهُوَ لَبِيب) (ويحمد فِي المر الْفَتى وَهُوَ مُخطئ ... ويعذل فِي الْإِحْسَان وَهُوَ مُصِيب) السَّادِس الْجمع بَين الْعلم بالمستشار فِيهِ وَالْعَمَل بِهِ فَفِي

стр. 278

الأفلاطونيات شاور فِي أَمرك من جمع بَين الْعلم وَالْعَمَل وَلَا تشَاور من انْفَرد بِالْعلمِ فَقَط فيدلك مِنْهُ على مَا يتصوره الْفَهم وَلَا يخرج إِلَى الْفِعْل السَّابِع تساويه مَعَ المستشير فِي الطَّبَقَة فَفِيهَا يَنْبَغِي أَن تسْتَعْمل مشورة ذَوي الرَّأْي من أل طبقتك وَلَا يعول عَنهُ إِلَى رَأْي ذِي طبقَة أُخْرَى فيعدل بك عَمَّا تحْتَاج إِلَيْهِ الثَّامِن كتمان اسر الَّذِي يطلع عَلَيْهِ عِنْد استشارته قيل لِأَنَّهُ إِذا أطلع على رَأْيك بعض أصدقائه أَو غَيرهم من جُلَسَائِهِ أخبر كل صديق صديقه وفاه كل جليس إِلَى جليسه حَتَّى يصل أَمرك إِلَى عَدوك ويتصل رَأْيك بِأَهْل بغضك فيبتغون الغوائل ويفسدون الرَّأْي قبل أَحْكَامه التَّاسِع سَلَامَته من غائلة الْحَسَد قبل لِأَن الْحَسَد يعث أهل الْمحبَّة على البغضة وَذَوي الْولَايَة على الْبعد والفرقة وَحِينَئِذٍ يتَعَمَّد ضرك بِجَمِيعِ الْوُجُوه الَّتِي تتقيها على نَفسك وَتَكون دَاعِيَة إِلَى فَسَاد رَأْيك قلت وَمن وصاياهم لَا تشَاور إِلَّا الحازم فير الحسود واللبيب غير الحقود الْعَاشِر عدم استلزام نصحك ضره أَو ضرّ أحد من الأعزة عَلَيْهِ قبل لِأَنَّهُ إِذا أدّى نصحك إِلَى ضره أَو بعض شَيْء من أمره لم يفضلك على نَفسه وَلم يخصك بنصحه وَكَذَا إِن أضرّ ذَلِك بإخوانه الْحَادِي عشر أخباره عَن مُوجب تَقْصِيره عَن مَطْلُوب المستشير لَهُ كالبخل والجبن والحرص فقد كَانَ يُقَال لَا تدخل فِي رَأْيك بَخِيلًا فيقصه فعلك وَلَا جَبَانًا فيخوفك مَالا تخَاف وَلَا حَرِيصًا فيعدك مَالا يُرْجَى

стр. 279

الثَّانِي عشر توسطه بَين السَّعَادَة وَسُوء البخت فَفِي الأفلاطونيات إِذا شاورت السُّعَدَاء حسنوا لَك التضرر بِنَفْسِك وسعيك لما يعمهم من سَلامَة وَإِذا شاورت المجدودين خذلوك عَن الْأَمر الَّذِي يحمد فِي الْأَكْثَر ركُوبه وَالصَّوَاب فِيمَا بَين الْفَرِيقَيْنِ واستخدام الرَّأْي الصَّحِيح فِي الْقيَاس على مَا عِنْدهمَا تَنْبِيه لَا يمْنَع من المشورة وصفان أَحدهمَا خمول المستشار وحقارته قَالَ الْحِكْمَة ضَالَّة الْمُؤمن حَيْثُمَا وجدهَا عقلهَا قَالَ الطرطوشي وَلم يزل الْعُقَلَاء على اخْتِلَاف مذاهبهم يطْلبُونَ صَوَاب الرَّأْي من كل أحد حَتَّى الْأمة الوكعاء وَهَذَا عمر ﵁ يَقُول رحم الله أُمَرَاء أهْدى إِلَيّ عيوبي الثَّانِي صغر سنه لِأَنَّهُ رُبمَا فاق فِي إِدْرَاك الصَّوَاب الكهول والمشايخ وَقد كَانَ يُقَال علمكُم بآراء الْأَحْدَاث ومشاورة الشَّبَاب فَإِن لَهُم أذهانا تقل الفواصل وتتحطم الذوابل شَاهد إقتداء قَالَ الزُّهْرِيّ كَانَ مجْلِس عمر ﵁ غاصا بالعلماء والقراء كهولا كَانُوا أَو أشبانا وَرُبمَا استشارهم فَكَانَ يَقُول لَا يمْنَع أحدكُم حَدَاثَة سنة أَن يُشِير بِرَأْيهِ فَإِن الرَّأْي لَيْسَ على حَدَاثَة السن وَلَا على قدمه وَلَكِن أَمر بضعه الله حَيْثُ يَشَاء

стр. 280

أَعْلَام من الْحُكَمَاء من أوقف الِاعْتِبَار بِرَأْي الْأَحْدَاث على تعقب الْمَشَايِخ فَفِي الأفلاطونيات إِذا احتجت إِلَى المشورة فِي طَارِئ عَلَيْك فاستشر ببدايته الصغار ورد إِلَى الْمَشَايِخ لعقبه وَحسن الِاخْتِيَار فِيهِ الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة فِيمَا عَلَيْهِ عِنْد إِشَارَته أما على الْجُمْلَة وَيفهم مِمَّا تقدم فبذل الوسع فِي النَّصِيحَة وأعمال الْفِكر فِي اسْتِخْرَاج زبدتها أَشَارَ إِلَيْهِ النَّوَوِيّ محتجبا بقوله ﷺ الدّين النَّصِيحَة قَالُوا لمن يَا رَسُول الله قَالَ لله ولكتابه وَلِرَسُولِهِ ولأئمة الْمُسلمين وأمتهم رَوَاهُ مُسلم عَن تَمِيم الدَّارِيّ ﵁ المستشار مؤتمن رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغير وَاحِد عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ وَأما بِاعْتِبَار السُّلْطَان فَعَلَيهِ فِي ذَلِك جملَة وظائف الْوَظِيفَة الأولى أَن يُبَالغ فِي إرشاده بِجَمِيعِ مَا لَهُ وَعَلِيهِ قَضَاء لواجب النصح وَالْأَمَانَة فَفِي الأفلاطونيات على مشاور الْملك أَن يرشده ويسدده نَحْو الْحق الَّذِي لَهُ وَإِن صَعب عَلَيْهِ عنانه أطلقهُ نَحْو شهواته الْخَاصَّة بِهِ وألجمه عَم الْعَامَّة لِأَن الْعَامَّة تولد عَلَيْهِ سوء الْمنطق وتسير الْعَامَّة والخاصة بِهِ إِنَّمَا هِيَ بَهِيمَة لَازِمَة لنَفسِهِ الْوَظِيفَة الثَّانِيَة أَن يعْمل غَايَة اجْتِهَاده مَخَافَة الْخَطَأ الَّذِي لَا أسْرع مِنْهُ ضَرَرا فَفِيهَا أسْرع الْأَشْيَاء ضَرَرا الْخَطَأ فِي السَّفِينَة وَفِي مجَالِس الْمُلُوك وَفِي مناجزة الحروب

стр. 281

قلت وَالْخَطَأ من الْملك وَحده كَذَلِك إِذْ الْمَعْنى وَاحِد فَفِيهَا أَيْضا لَيْسَ الْخَطَأ بِأحد اقبح مِنْهُ بِالْملكِ وَلَا أضرّ مِنْهُ جملَة النَّاس لِأَنَّهُ يُحَرك الْكل إِلَى نظام رَدِيء وتفسد نفوس من فِيهِ الْوَظِيفَة الثَّالِثَة أَن لَا ينحط فِي هَوَاهُ ويماشيه فِي أغراضه وَقد كَانَ عمر بن هُبَيْرَة يَقُول اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بك من صُحْبَة من غَايَته خَاصَّة نَفسه دون غَيره والانحطاط فِي هوى مستشيره وَمن لَا يلْتَمس خَالص مودتي إِلَّا بالتأني لموافقة شهوتي وَمن يساعدني على سرُور سَاعَتِي وَلَا يفكر فِي عواقب عدلي الْوَظِيفَة الرَّابِعَة إِن تُشِير باستصلاح مَا شور فِيهِ لَا بأعمال وَاجِب المواخذة عَلَيْهِ فَفِي الأفلاطونيات إِذا شاور الْملك فِي قوم فحركه على استصلاحهم ول تتعمد هفواتهم فَإِن خطأك فِي الحض على الْإِحْسَان اسْلَمْ من خطأك فِي التحريك على الْإِسَاءَة الْوَظِيفَة الْخَامِسَة أَن يلقى مَا يسير بِهِ عِنْد ظُهُور حَاجَة السُّلْطَان إِلَيْهِ كالراغب لَهُ فِي الْقبُول كَأَنَّهُ هُوَ الْمُحْتَاج غلى سَماع كَلَامه لَا السُّلْطَان إِلَى غَرَضه عَلَيْهِ فَفِيهَا إِذا شاوروك من الرؤساء من قد وقفت على فاقته إِلَى رَأْيك فَلَا تكَلمه بِكَلَام أَمر وَلَا مشاور وَأخرج كلامك فِي معرض متفهم مِنْهُ مَا سنح لَك وليرى فِيك الْحَاجة فِي عرض كلامك عَلَيْهِ فَإِن خطأك فِي حماده أَكثر من خطاه فِي قبُول مَا احْتَاجَ إِلَيْك فِيهِ تَعْرِيف من حَرَكَة المشاورين من طلب إِلْقَاء مَا يظْهر لَهُ فِي خلْوَة من أَصْحَابه خشيَة مَا يتقى فِي كشف السِّرّ الْعَظِيم الْخطر بَينهم فَفِي سير

стр. 282

الْفرس أَن بعض مُلُوكهمْ اسْتَشَارَ وزراءه فِي سر عَظِيم كابت عَلَيْهِ عُمْدَة الْملك قَائِمَة فَقَالَ أحدهم لَا يَنْبَغِي للْملك أَن يستشير منا أحدا فِي مُهِمّ من أُمُوره وعظيم من شؤونه إِلَّا خَالِيا بِهِ فَإِنَّهُ أَمُوت للسر وأحزم للرأي وأجدر للسلامة وأعفى لبعضنا من غائلة بعض فَإِن إفشاء السِّرّ إِلَى وَاحِد وَاجِد أخْلص لَهُ وأكمل الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة فِيمَا عَلَيْهِ بعْدهَا وَعَلِيهِ إِذْ ذَاك فِي حَال الْإِصَابَة للرأي السديد وظيفتان الْوَظِيفَة الأولى أَن يعْتَرف بِشُهُود الْمِنَّة من الله تَعَالَى فِي التَّوْفِيق لذَلِك وَالْهِدَايَة إِلَيْهِ وَأَن يَقُول بِلِسَان حَاله ومقاله الْحَمد لله الَّذِي هدَانَا لهَذَا وَمَا كُنَّا لنهتدي لَوْلَا أَن هدَانَا الله فبذلك يسلم من غائلة الْعجب ويتعود من لله تَعَالَى دوَام الرشد وورود المدد مِنْهُ الْوَظِيفَة الثَّانِيَة أَن لَا يستطيل بِهِ على من قصد الصَّوَاب فأخطأه قيل يَنْبَغِي للمشير إِذا كَانَ النجاح عقب إِشَارَته أَن لَا يكثر من الافتخار بِرَأْيهِ والاحتجاج على فَسَاد رَأْي غَيره فَإِن ذَلِك من سوء الدب وتقريع الصحاب ومذموم الْإِعْجَاب الْمقَام الثَّالِث المستشار فِيهِ وَهُوَ نَوْعَانِ أَحدهمَا مَا هُوَ من أُمُور الدُّنْيَا وخفي وَجه الصَّوَاب فِيهِ فيطلب العثور عَلَيْهِ بالمشورة الثَّانِي مَا هُوَ من مَقَاصِد الدّين وَلم يتَعَيَّن فِي الْحَال وأشكل فِيهِ

стр. 283

التَّلَبُّس بِالْعَمَلِ بِهِ بِاعْتِبَار أَمر خَارج عَن ذَاته فليلتمس بالمشورة وَجه التَّعَبُّد على ذَلِك كَمَا قَالُوا فِي الاستخارة عِنْد إِرَادَة الْحَج ببعد المشورة أَنَّهَا لَا تعود إِلَى نفس الْحَج بل لما هُوَ لَازم لَهُ نَحْو هَل يَشْتَرِي أَو يكتري أَو يسير فِي الْبر أَو الْبَحْر أَو فِي هَذِه السّنة أَو فِي غَيرهَا على القَوْل بالتراخي وَنَحْو ذَلِك وتبصره إِذا أشكل وَجه الصَّوَاب فِي الْأَمر الْمَطْلُوب وَلم يهتد النّظر فِيهِ إِلَى مَا يعول عَلَيْهِ فَالْوَاجِب رده إِلَى الله تَعَالَى وتسليمه لعلمه الْمُحِيط بِكُل معلون قَالَ عمر بن عبد الْعَزِيز ﵁ الْأُمُور ثَلَاثَة أَمر استبان رشده فَاتبعهُ وَأمر استبان ضِدّه فاجتنبه وَأمر أشكل فَرده إِلَى الله وَفِي السلوانات إِذا اشتبهت المصادر ففوض الْأَمر إِلَى الْقَادِر فَإِن من الدّلَالَة على أَن الْإِنْسَان مَصْرُوف مغلوب ومدبر أَن يتبلد رَأْيه فِي بعض الخطوب ويغمى عَلَيْهِ الصَّوَاب الْمَطْلُوب قيل وَكَانَ الْحجَّاج إِذا تَعَارَضَت آراؤه فِي خطب من الخطوب ينشد دعها سَمَاوِيَّة تجْرِي على قدر لَا تفسدنها بِرَأْي مِنْك منكوس الْمقَام الرَّابِع فِيمَا يُطَالب بِهِ المستشير بعد المشورة وَذَلِكَ جملَة وظائف

стр. 284

الْوَظِيفَة الأولى الْقبُول قَالَ النَّوَوِيّ وَهُوَ فَائِدَة الْمُشَاورَة إِذا كَانَ المستشار بِالصّفةِ الْمَشْرُوطَة فِيهِ وَلم تظهر الْمفْسدَة فِيمَا أَشَارَ بِهِ قلت وَلَا عَلَيْهِ من ظُهُورهَا بعد ذَلِك إِذْ بعد جهدك لَا تلازم وقديما كَانَ يُقَال من أجتهد رَأْيه وشاور صديقه فقد قضى مَا عَلَيْهِ الْوَظِيفَة الثَّانِيَة الْإِعْرَاض عَن ملام المستشار عِنْد ظُهُور خطاه قَالُوا إِذا أَشَارَ عَلَيْك أحد بِرَأْي أفْضى فِيهِ إِلَى الْغَلَط وَزَل بِهِ عَن الصَّوَاب فَلَا تأخذن فِي تأنيبه وتوبيخه فَإِن الآراء رُبمَا خفيت وجوهها وَغَابَتْ أَسبَابهَا وَلَيْسَ كل الرَّأْي مَقْطُوعًا بِهِ وَإِذا لمته على غلطة مَعَ صِحَة لصده آذيته وَقطعت غَيره من النصحاء عَن نصحك الْوَظِيفَة الثَّالِثَة التأني بِالْفِعْلِ ريثما تحصل الثِّقَة بِالرَّأْيِ وتصمم الْعَزِيمَة عَلَيْهِ قَالَ أرسطو إِذا صَحَّ الرَّأْي مَعَ المستشار فَلَا تعجل إِنْفَاذه وَلَا تَركه وأتركه يختمر يَوْمًا لَيْلَة إِلَّا فِيمَا يخَاف فَوَاته فاستخر الله وعجله وَكَانَ يُقَال كل رَأْي لم تتمخض فِيهِ الفكرة لَيْلَة كَامِلَة فَهُوَ مَوْلُود لغير تَمام وَفِي محَاسِن البلاغة فِي الروية تبيان الرَّأْي تصح الاعتزام تَمْثِيل قيل وَلما كَانَ أمضى السيوف مَا بولغ فِي إرهاف حَده وأجيد صقله كَانَ أرجح الآراء مَا كثر امتحانه وأطيل تَأمله الْوَظِيفَة الرَّابِعَة تَقْدِيم الاستخارة قبل الْعَزْم على إِمْضَاء مَا تمحضت عَنهُ المشورة قَالَ ابْن الْحَاج الْجمع بَين الاستخارة والاستشارة من كَمَال

стр. 285

الِامْتِثَال للسّنة إِذْ بركتهما ظَاهِرَة فَيَنْبَغِي أَلا يقْتَصر على أَحدهمَا فَإِن كَانَ لابد من الِاقْتِصَار فعلى الاستخارة قلت وَفِي الحَدِيث من سَعَادَة ابْن آدم استخارته الله تَعَالَى وَمن شقوة ابْن آدم بركه استخارة الله تَعَالَى وَمن كَلَام الْحُكَمَاء أَرْبَعَة لَا تَسْتَغْنِي عَن أَرْبَعَة الرّعية عَن السياسة والجيش عَن القادة والرأي عَن الاستشارة والعزم عَن الاستخارة استطراد لَا بُد هُنَا لكَمَال الْعِنَايَة بِهَذِهِ الْوَظِيفَة من التَّنْبِيه على مهمات أَحدهَا صفتهَا مادل عَلَيْهِ حَدِيث جَابر بن عبد الله ﵁ حَسْبَمَا ثَبت فِي الصَّحِيح قَالَ كَانَ رَسُول الله ﷺ يعلمنَا الاستخارة فِي الْأُمُور ملها كالسورة من الْقُرْآن يَقُول إِذا هم أحدكُم بِالْأَمر فليركع رَكْعَتَيْنِ من غير الْفَرِيضَة ثمَّ ليقل اللَّهُمَّ أَنِّي استخيرك بعلمك واستقدرك بقدرتك وَأَسْأَلك من فضلك الْعَظِيم فَإنَّك تقدر وَلَا أقدر وَتعلم وَلَا أعلم وَأَنت علام الغيوب اللَّهُمَّ إِن كنت تعلم أَن هَذَا الْأَمر وَيُسمى حَاجته خير لي فِي ديني ومعاشي وعاقبة أَمْرِي أَو قَالَ عَاجل أَمْرِي وآجله فأقدره لي ويسره لي بَارك لي فِيهِ وَإِن كنت تعلم أَن هَذَا الْأَمر شرا لي فِي ديني ومعاشي وعاقبة أَمْرِي أَو قَالَ عَاجل أَمْرِي وآجله فاصرفه عني واصرفني عَنهُ وأقدر لي الْخَيْر حَيْثُ كَانَ ثمَّ رضني بِهِ قَالَ ويسمي الْحَاجة الثَّانِيَة قَالَ النَّوَوِيّ قَالَ الْعلمَاء تسْتَحب الاستخارة وَالصَّلَاة وَالدُّعَاء الْمَذْكُور
следующие страницы →