Полный текст (992 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
قلت وَالْخَطَأ من الْملك وَحده كَذَلِك إِذْ الْمَعْنى وَاحِد فَفِيهَا أَيْضا لَيْسَ الْخَطَأ بِأحد اقبح مِنْهُ بِالْملكِ وَلَا أضرّ مِنْهُ جملَة النَّاس لِأَنَّهُ يُحَرك الْكل إِلَى نظام رَدِيء وتفسد نفوس من فِيهِ
الْوَظِيفَة الثَّالِثَة أَن لَا ينحط فِي هَوَاهُ ويماشيه فِي أغراضه
وَقد كَانَ عمر بن هُبَيْرَة يَقُول اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بك من صُحْبَة من غَايَته خَاصَّة نَفسه دون غَيره والانحطاط فِي هوى مستشيره وَمن لَا يلْتَمس خَالص مودتي إِلَّا بالتأني لموافقة شهوتي وَمن يساعدني على سرُور سَاعَتِي وَلَا يفكر فِي عواقب عدلي
الْوَظِيفَة الرَّابِعَة إِن تُشِير باستصلاح مَا شور فِيهِ لَا بأعمال وَاجِب المواخذة عَلَيْهِ فَفِي الأفلاطونيات إِذا شاور الْملك فِي قوم فحركه على استصلاحهم ول تتعمد هفواتهم فَإِن خطأك فِي الحض على الْإِحْسَان اسْلَمْ من خطأك فِي التحريك على الْإِسَاءَة
الْوَظِيفَة الْخَامِسَة أَن يلقى مَا يسير بِهِ عِنْد ظُهُور حَاجَة السُّلْطَان إِلَيْهِ كالراغب لَهُ فِي الْقبُول كَأَنَّهُ هُوَ الْمُحْتَاج غلى سَماع كَلَامه لَا السُّلْطَان إِلَى غَرَضه عَلَيْهِ فَفِيهَا إِذا شاوروك من الرؤساء من قد وقفت على فاقته إِلَى رَأْيك فَلَا تكَلمه بِكَلَام أَمر وَلَا مشاور وَأخرج كلامك فِي معرض متفهم مِنْهُ مَا سنح لَك وليرى فِيك الْحَاجة فِي عرض كلامك عَلَيْهِ فَإِن خطأك فِي حماده أَكثر من خطاه فِي قبُول مَا احْتَاجَ إِلَيْك فِيهِ
تَعْرِيف من حَرَكَة المشاورين من طلب إِلْقَاء مَا يظْهر لَهُ فِي خلْوَة من أَصْحَابه خشيَة مَا يتقى فِي كشف السِّرّ الْعَظِيم الْخطر بَينهم فَفِي سير
стр. 282
الْفرس أَن بعض مُلُوكهمْ اسْتَشَارَ وزراءه فِي سر عَظِيم كابت عَلَيْهِ عُمْدَة الْملك قَائِمَة فَقَالَ أحدهم لَا يَنْبَغِي للْملك أَن يستشير منا أحدا فِي مُهِمّ من أُمُوره وعظيم من شؤونه إِلَّا خَالِيا بِهِ فَإِنَّهُ أَمُوت للسر وأحزم للرأي وأجدر للسلامة وأعفى لبعضنا من غائلة بعض فَإِن إفشاء السِّرّ إِلَى وَاحِد وَاجِد أخْلص لَهُ وأكمل
الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة فِيمَا عَلَيْهِ بعْدهَا وَعَلِيهِ إِذْ ذَاك فِي حَال الْإِصَابَة للرأي السديد وظيفتان
الْوَظِيفَة الأولى أَن يعْتَرف بِشُهُود الْمِنَّة من الله تَعَالَى فِي التَّوْفِيق لذَلِك وَالْهِدَايَة إِلَيْهِ وَأَن يَقُول بِلِسَان حَاله ومقاله الْحَمد لله الَّذِي هدَانَا لهَذَا وَمَا كُنَّا لنهتدي لَوْلَا أَن هدَانَا الله فبذلك يسلم من غائلة الْعجب ويتعود من لله تَعَالَى دوَام الرشد وورود المدد مِنْهُ
الْوَظِيفَة الثَّانِيَة أَن لَا يستطيل بِهِ على من قصد الصَّوَاب فأخطأه قيل يَنْبَغِي للمشير إِذا كَانَ النجاح عقب إِشَارَته أَن لَا يكثر من الافتخار بِرَأْيهِ والاحتجاج على فَسَاد رَأْي غَيره فَإِن ذَلِك من سوء الدب وتقريع الصحاب ومذموم الْإِعْجَاب
الْمقَام الثَّالِث
المستشار فِيهِ
وَهُوَ نَوْعَانِ
أَحدهمَا مَا هُوَ من أُمُور الدُّنْيَا وخفي وَجه الصَّوَاب فِيهِ فيطلب العثور عَلَيْهِ بالمشورة
الثَّانِي مَا هُوَ من مَقَاصِد الدّين وَلم يتَعَيَّن فِي الْحَال وأشكل فِيهِ
стр. 283
التَّلَبُّس بِالْعَمَلِ بِهِ بِاعْتِبَار أَمر خَارج عَن ذَاته فليلتمس بالمشورة وَجه التَّعَبُّد على ذَلِك كَمَا قَالُوا فِي الاستخارة عِنْد إِرَادَة الْحَج ببعد المشورة أَنَّهَا لَا تعود إِلَى نفس الْحَج بل لما هُوَ لَازم لَهُ نَحْو هَل يَشْتَرِي أَو يكتري أَو يسير فِي الْبر أَو الْبَحْر أَو فِي هَذِه السّنة أَو فِي غَيرهَا على القَوْل بالتراخي وَنَحْو ذَلِك
وتبصره إِذا أشكل وَجه الصَّوَاب فِي الْأَمر الْمَطْلُوب وَلم يهتد النّظر فِيهِ إِلَى مَا يعول عَلَيْهِ فَالْوَاجِب رده إِلَى الله تَعَالَى وتسليمه لعلمه الْمُحِيط بِكُل معلون
قَالَ عمر بن عبد الْعَزِيز ﵁ الْأُمُور ثَلَاثَة أَمر استبان رشده فَاتبعهُ وَأمر استبان ضِدّه فاجتنبه وَأمر أشكل فَرده إِلَى الله وَفِي السلوانات إِذا اشتبهت المصادر ففوض الْأَمر إِلَى الْقَادِر فَإِن من الدّلَالَة على أَن الْإِنْسَان مَصْرُوف مغلوب ومدبر أَن يتبلد رَأْيه فِي بعض الخطوب ويغمى عَلَيْهِ الصَّوَاب الْمَطْلُوب قيل وَكَانَ الْحجَّاج إِذا تَعَارَضَت آراؤه فِي خطب من الخطوب ينشد
دعها سَمَاوِيَّة تجْرِي على قدر لَا تفسدنها بِرَأْي مِنْك منكوس
الْمقَام الرَّابِع
فِيمَا يُطَالب بِهِ المستشير بعد المشورة
وَذَلِكَ جملَة وظائف
стр. 284
الْوَظِيفَة الأولى الْقبُول قَالَ النَّوَوِيّ وَهُوَ فَائِدَة الْمُشَاورَة إِذا كَانَ المستشار بِالصّفةِ الْمَشْرُوطَة فِيهِ وَلم تظهر الْمفْسدَة فِيمَا أَشَارَ بِهِ
قلت وَلَا عَلَيْهِ من ظُهُورهَا بعد ذَلِك إِذْ بعد جهدك لَا تلازم وقديما كَانَ يُقَال من أجتهد رَأْيه وشاور صديقه فقد قضى مَا عَلَيْهِ
الْوَظِيفَة الثَّانِيَة الْإِعْرَاض عَن ملام المستشار عِنْد ظُهُور خطاه
قَالُوا إِذا أَشَارَ عَلَيْك أحد بِرَأْي أفْضى فِيهِ إِلَى الْغَلَط وَزَل بِهِ عَن الصَّوَاب فَلَا تأخذن فِي تأنيبه وتوبيخه فَإِن الآراء رُبمَا خفيت وجوهها وَغَابَتْ أَسبَابهَا وَلَيْسَ كل الرَّأْي مَقْطُوعًا بِهِ وَإِذا لمته على غلطة مَعَ صِحَة لصده آذيته وَقطعت غَيره من النصحاء عَن نصحك
الْوَظِيفَة الثَّالِثَة التأني بِالْفِعْلِ ريثما تحصل الثِّقَة بِالرَّأْيِ وتصمم الْعَزِيمَة عَلَيْهِ
قَالَ أرسطو إِذا صَحَّ الرَّأْي مَعَ المستشار فَلَا تعجل إِنْفَاذه وَلَا تَركه وأتركه يختمر يَوْمًا لَيْلَة إِلَّا فِيمَا يخَاف فَوَاته فاستخر الله وعجله
وَكَانَ يُقَال كل رَأْي لم تتمخض فِيهِ الفكرة لَيْلَة كَامِلَة فَهُوَ مَوْلُود لغير تَمام وَفِي محَاسِن البلاغة فِي الروية تبيان الرَّأْي تصح الاعتزام
تَمْثِيل
قيل وَلما كَانَ أمضى السيوف مَا بولغ فِي إرهاف حَده وأجيد صقله كَانَ أرجح الآراء مَا كثر امتحانه وأطيل تَأمله
الْوَظِيفَة الرَّابِعَة تَقْدِيم الاستخارة قبل الْعَزْم على إِمْضَاء مَا تمحضت عَنهُ المشورة قَالَ ابْن الْحَاج الْجمع بَين الاستخارة والاستشارة من كَمَال
стр. 285
الِامْتِثَال للسّنة إِذْ بركتهما ظَاهِرَة فَيَنْبَغِي أَلا يقْتَصر على أَحدهمَا فَإِن كَانَ لابد من الِاقْتِصَار فعلى الاستخارة
قلت وَفِي الحَدِيث من سَعَادَة ابْن آدم استخارته الله تَعَالَى وَمن شقوة ابْن آدم بركه استخارة الله تَعَالَى
وَمن كَلَام الْحُكَمَاء أَرْبَعَة لَا تَسْتَغْنِي عَن أَرْبَعَة الرّعية عَن السياسة والجيش عَن القادة والرأي عَن الاستشارة والعزم عَن الاستخارة
استطراد لَا بُد هُنَا لكَمَال الْعِنَايَة بِهَذِهِ الْوَظِيفَة من التَّنْبِيه على مهمات
أَحدهَا صفتهَا مادل عَلَيْهِ حَدِيث جَابر بن عبد الله ﵁ حَسْبَمَا ثَبت فِي الصَّحِيح
قَالَ كَانَ رَسُول الله ﷺ يعلمنَا الاستخارة فِي الْأُمُور ملها كالسورة من الْقُرْآن يَقُول إِذا هم أحدكُم بِالْأَمر فليركع رَكْعَتَيْنِ من غير الْفَرِيضَة ثمَّ ليقل اللَّهُمَّ أَنِّي استخيرك بعلمك واستقدرك بقدرتك وَأَسْأَلك من فضلك الْعَظِيم فَإنَّك تقدر وَلَا أقدر وَتعلم وَلَا أعلم وَأَنت علام الغيوب اللَّهُمَّ إِن كنت تعلم أَن هَذَا الْأَمر وَيُسمى حَاجته خير لي فِي ديني ومعاشي وعاقبة أَمْرِي أَو قَالَ عَاجل أَمْرِي وآجله فأقدره لي ويسره لي بَارك لي فِيهِ وَإِن كنت تعلم أَن هَذَا الْأَمر شرا لي فِي ديني ومعاشي وعاقبة أَمْرِي أَو قَالَ عَاجل أَمْرِي وآجله فاصرفه عني واصرفني عَنهُ وأقدر لي الْخَيْر حَيْثُ كَانَ ثمَّ رضني بِهِ قَالَ ويسمي الْحَاجة
الثَّانِيَة قَالَ النَّوَوِيّ قَالَ الْعلمَاء تسْتَحب الاستخارة وَالصَّلَاة وَالدُّعَاء الْمَذْكُور
стр. 286
قلت والاستحباب متأكد الطّلب فِي جَمِيع الْأُمُور الدِّينِيَّة والدنيوية بِدَلِيل قَوْله تَعَالَى يعلمنَا الاستخارة كالصورة من الْقُرْآن التماسا لفوائدها الَّتِي لَا يسع الْمُؤمن إهمالها
الثَّالِثَة الصَّلَاة الْمُقدمَة فِيهَا على الدُّعَاء هِيَ من جنس النَّوَافِل أَي غير الْفَرَائِض وَمن قَالَ النَّوَوِيّ وَالظَّاهِر أَنَّهَا تحصل بِرَكْعَتَيْنِ من السّنَن والرواتب وتحية الْمَسْجِد وَغَيرهَا من النَّوَافِل
الرَّابِعَة قَالَ النَّوَوِيّ يقْرَأ فِي الرَّكْعَة الأولى بعد الْفَاتِحَة قل يَا أَيهَا الْكَافِرُونَ وَفِي الثَّانِيَة قل هُوَ الله أحد
قلت وَإِن قَرَأَ بِغَيْرِهِمَا فواسع قَالَه ابْن الْحَاج
الْخَامِسَة قَالَ النَّوَوِيّ يسْتَحبّ إفتتاح الدُّعَاء الْمَذْكُور وختمه بِالْحَمْد لله وَالصَّلَاة وَالتَّسْلِيم على النَّبِي ﷺ
قلت كَمَا فِي مُطلق الدُّعَاء وَقد نقل الْإِجْمَاع عَلَيْهِ فِي مَوضِع آخر وحكمته فِي الصَّلَاة على النَّبِي ﷺ أَنَّهَا مَقْبُولَة وَإِذا قبلت فِي طرقي الدُّعَاء رجى قبُول مَا توسطها
السَّادِسَة قَالَ وَلَو تَعَذَّرَتْ عَلَيْهِ الصَّلَاة استخار بِالدُّعَاءِ
قلت لِأَن تقدم الصَّلَاة عَلَيْهِ وَسِيلَة لرجاء قبُولهَا فَإِذا تَعَذَّرَتْ بَقِي الميسور من التَّوَجُّه إِلَى الْمولى الْكَرِيم فِي إستمناح الْهِدَايَة من لَدنه فَيَأْتِي بِهِ لِئَلَّا يحرم بركته
السَّابِعَة إِذا استخار مضى بعْدهَا لما ينشرح لَهُ صَدره
قَالَ ابْن الْحَاج وَبَعْضهمْ يتَوَقَّف حَتَّى يرى مناما يفهم مِنْهُ الْفِعْل أَو التّرْك أَو يرَاهُ غَيره لَهُ قَالَ وَلَيْسَ بِشَيْء لَان صَاحب الْعِصْمَة ﷺ أَمر بالاستخارة والاستشارة لَا بِمَا يرى فِي الْمَنَام
стр. 287
الثَّامِنَة أنكر ابْن الْحَاج الدُّعَاء فِي الاستخارة بِغَيْر هَذَا الْوَارِد فِيهَا قَائِلا بعد استبعاد أَن يجمع غَيره من أدب الْفَوَائِد مَا اشْتَمَلت عَلَيْهِ من ذَلِك أَلْفَاظه الْكَرِيمَة وَلَو لم يكن فِيهِ من الْخَيْر وَالْبركَة إِلَّا أَن من فعلهَا كَانَ ممتثلا المسنة المطهرة لبركات النُّطْق بِتِلْكَ الْأَلْفَاظ الَّتِي تربو على كل خير يَطْلُبهُ الْإِنْسَان لنَفسِهِ
التَّاسِعَة الِاقْتِصَار فِي الاستخارة على مرّة وَاحِدَة كَاف فِي رجائه النصح بهَا على مُقْتَضى مَا صَحَّ مِنْهَا وَفِي كتاب ابْن السّني عَن أنس بن مَالك ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ يَا أنس إِذا هَمَمْت بِأَمْر فاستخر رَبك فِيهِ سبع مَرَّات ثمَّ أنظر إِلَى الَّذِي سبق قَلْبك فَإِن الْخَيْر فِيهِ قَالَ النَّوَوِيّ إِسْنَاد غَرِيب فِيهِ من لَا اعرفهم
الْعَاشِرَة سبق أَن طلب التَّوَجُّه بهَا متأكد وَكَذَا الحض على المشورة وَعند ذَلِك فَتَركهَا خيبة وحرمان
قَالَ ابْن الْحَاج من ترك الاستخارة والاستشارة يخَاف عَلَيْهِ من التَّعَب فِيمَا أَخذ سَبيله لدُخُوله فِي الْأَشْيَاء بِنَفسِهِ دون الإمتثال للسّنة المطهرة لِأَنَّهَا لَا تسْتَعْمل فِي شَيْء إِلَّا عمته البركات وَلَا تتْرك من شَيْء إِلَّا حصل فِيهِ ضد ذَلِك
الْوَظِيفَة الْخَامِسَة ترك الِالْتِفَات بعد المشورة والاستخارة إِلَى مَا يتخرص بِهِ على علم الْغَيْب وَله أَمْثِلَة يَكْفِي مِنْهَا اثْنَان
الْمِثَال الأول التنجيم لقَوْله ﷺ من اقتبس علما من النُّجُوم اقتبس شُعْبَة من السحر رَوَاهُ أَبُو دَاوُد
стр. 288
قَالَ سَحْنُون من صدق عرافا أَو كَاهِنًا أَو منجما فِيمَا يَقُوله فقد كفر بِمَا أنزل الله على قلب مُحَمَّد ﷺ
قَالَ وَكَيف يحل لمُسلم يُؤمن بِاللَّه الْيَوْم الآخر أَن يُصدقهُمْ مَعَ قَوْله تَعَالَى قل لَا يعلم من فِي السَّمَاوَات وَالْأَرْض الْغَيْب إِلَّا الله
هِدَايَة قَالَ بَعضهم كنت مَعَ عمر بن عبد الْعَزِيز رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فَوق سطح وَهُوَ يُرِيد الرّكُوب فَنَظَرت فَإِذا الْقَمَر بالدبران فَقلت أنظر إِلَى الْقَمَر مَا أحسن استواءه فَنظر فَرَأى مَنْزِلَته ثمَّ ضحك وَقَالَ إِنَّمَا أردْت أَن أنظر إِلَى مَنْزِلَته وَأَنا لَا نُقِيم لشمس وَلَا قمر وَلَكنَّا نسير بِاللَّه الْوَاحِد القهار
قَالَ الشَّاعِر
(يدبر بالنجوم وَلَيْسَ يدْرِي ... وَرب النَّجْم يفعل مَا يُرِيد)
وَقَالَ غَيره
(لَيْسَ للنجم من ضرّ وَلَا نفع سَبِيل ... إِنَّمَا النَّجْم على الْأَوْقَات والست دَلِيل)
الْمِثَال الثَّانِي التطير لقَوْله ﷺ لَيْسَ منا من تطير أَو تطير لَهُ أتكهن أَو تكهن لَهُ أَو سحر أَو سحر لَهُ وَمن أَتَى كَاهِنًا فَصدقهُ فِيمَا يَقُول فقد كفر بِمَا أنزل على مُحَمَّد ﷺ رَوَاهُ الْبَزَّاز
تَوْجِيه قَالَ بعض الْعلمَاء منع من ذَلِك لنه سَبَب لكسر النِّيَّة وَنقض الْعَزِيمَة وتشويش الخاطر مَعَ مَا فِيهِ من تَعْطِيل الإحالة على الأقدار السَّابِقَة وإساءة الظَّن بِاللَّه تَعَالَى وشغل الْقلب بِمَا لَعَلَّه لَا يحدث أبدا
стр. 289
خلوص يَقِين كَانَ مَالك رَحْمَة الله تَعَالَى لَا يكره سفرا وَلَا نِكَاحا وَلَا حجامة وَلَا شَيْئا فِي يَوْم من الْأَيَّام بل يتحَرَّى فعل ذَلِك كُله فِي يومي الْأَرْبَعَاء والسبت
قَالَ ابْن رشد إِنَّمَا كَانَ يعْتَمد ذَلِك لصِحَّة أيمانه بِالْقدرِ ومعرفته بِأَن الْيَوْم لَا يضر وَلَا ينفع قَالَ وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي لكل مُؤمن أَن يفعل لِأَن من تطير فق أَثم
تَنْبِيه فِي الْمُوَطَّأ لَا طيرة وَخَيرهَا الفال
قيل يَا رَسُول الله وَمَا الفال قَالَ الْكَلِمَة الصَّالِحَة قَالَ ابْن الْحَاج الفال الْحسن مَا عرض من غير قصد كَقَوْلِه قَائِل يَا مُفْلِح وَنَحْوه والمكتسب مِنْهُ حرَام كَمَا قَالَه الطرطوشي
قلت يَنْبَغِي تمثيله بِأخذ الفال فِي الْمُصحف وبضرب الرمل قَائِلا هُوَ من بَاب الإستقسام بالأزلام
الرُّكْن الْحَادِي عشر
بذل النَّصِيحَة
وَفِيه بِحَسب تَلْخِيص النّظر فِيهِ مسَائِل
الْمَسْأَلَة الأولى قَالَ الطرطوشي النصح للْمُسلمين وَالْخَلَائِق أَجْمَعِينَ من سنَن الْمُرْسلين صلوَات الله عَلَيْهِم
قَالَ تَعَالَى حِكَايَة عَن نوح ﵇ وَلَا ينفعكم نصحي إِن أردْت أَن أنصح لكم إِن كَانَ الله يُرِيد أَن يغويكم
قَالَ عَن شُعَيْب ﵇ وَنَصَحْت لكم وَلَكِن لَا تحبون
стр. 290
قلت وَمن الْوَارِد فِيهِ عَن النَّبِي ﷺ أَمْرَانِ
أَحدهمَا جعله شرطا فِي الدّين فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن جَابر ﵁ قَالَ بَايَعت رَسُول الله ﷺ على إقَام الصَّلَاة وإيتاء الزَّكَاة والنصح لكل مُسلم
الثَّانِي مُفَارقَته للْمُسلمين بِتَرْكِهِ فَعَن حُذَيْفَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من لَا يهتم بِأَمْر الْمُسلمين فَلَيْسَ مِنْهُم وَمن لم يصبح ويمس ناصحا لله وَرَسُوله ولكتابه ولإمامه ولعامة الْمُسلمين فَلَيْسَ مِنْهُم رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ
الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة النصح فِي الْجُمْلَة فعل مَا فِيهِ صَلَاح وملائمة وَيحْتَاج مَعَ ذَلِك معرفَة الْفرق بَينه وَبَين أُمُور
أَحدهَا التأنيب وَالْفرق بَينهمَا على مَا قَرَّرَهُ ابْن قيم الجوزية أَن النَّصِيحَة إِحْسَان صادر عَن رَحْمَة وشفقة مُرَاد بِهِ وَجه الله تَعَالَى فِي احْتِمَال أَذَى المنصوح ولأئمته بعد التلطف لَهُ فِي إِلْقَاء النَّصِيحَة إِلَيْهِ والتأنيب الْقَصْد بِهِ التَّعْبِير والذم المفروغ فِي قالب النَّصِيحَة قَالَ وَمن الْفرق بَينهمَا أَن الناصح لَا يعادي إِذا لم تقبل نصيحته لاقتناعه بِوُقُوع أجره على الله تَعَالَى مَعَ الْكَفّ عَن عُيُوب المنصوح وَالدُّعَاء لَهُ بِظهْر الْغَيْب والمؤنب بضد ذَلِك
الثَّانِي الْغَيْبَة حَيْثُ تستلزمها النَّصِيحَة فِي الصُّورَة وَالْفرق بَينهمَا إِذْ ذَاك أَن قصد النَّصِيحَة بِذكر مَا هُوَ غيبَة تحذر الْمُؤمنِينَ عُمُوما أَو خُصُوصا والغيبة الْمَحْضَة قَصدهَا التفكه بتمزيق الْعرض بهَا فَقَط وَهِي على الْقَصْد الأول طَاعَة وعَلى الثَّانِي مَعْصِيّة
الثَّالِث السّعَايَة حَيْثُ يُوهم بِالنَّصِيحَةِ ويلبس تغليطها غلى غير الْقطن فَفِي الأفلاطونيات قد يتَوَهَّم الْجَاهِل أَن السّعَايَة هِيَ النَّصِيحَة وَلَيْسَ الْأَمر
стр. 291
كَذَلِك لِأَن النَّصِيحَة هِيَ صدقك الْإِنْسَان عَمَّا فوضه إِلَيْك وألزمك الْحق تعريفك إِيَّاه والسعاية صدقك الْإِنْسَان عَمَّا اقترفه بعض اتِّبَاعه وَأَنت تُرِيدُ الْإِضْرَار بالتابع وَالِانْتِفَاع بالمتبوع لَا تَقْدِيم النَّصِيحَة لذَلِك الْإِنْسَان
الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة تقدم فِي حَدِيث تَمِيم الدَّارِيّ ﵁ أَن النَّصِيحَة لله وَلِرَسُولِهِ ولكتابه ولأئمة الْمُسلمين وعامتهم فالتي لله بتوحيده والاعتقاد والمجادلة عَنهُ لِذَوي الْإِلْحَاد وإخلاص الْعَمَل لَهُ فِي الِاجْتِهَاد وَالَّتِي لكتابه بِالْإِيمَان بِهِ وبعلمه وَالْعَمَل بِمَا فِيهِ وَالْوُقُوف عِنْد متشابهة وَالنَّظَر فِي محكمَة والذب عَنهُ وَترك الْمَرْء فِيهِ وترتيل تِلَاوَته وَالَّتِي لرَسُوله تَصْدِيقه وتعظيمه وطاعته والرضى بِحكمِهِ وَالَّتِي لائمته مَا يجب للأمام من الْحُرْمَة وَالطَّاعَة
قَالَ ابْن الْعَرَبِيّ لَكِن مَا يجب للأئمة أعظم وَيزِيدُونَ عَلَيْهِ مِمَّا لَا يجب لَهُ لَا لحُرْمَة زَائِدَة بل لعِلَّة حَادِثَة بِالصبرِ على أذاهم إِذا لم يعدلُوا وينبههم إِذا غفلوا وَترك الثَّنَاء عَلَيْهِم بِمَا لَيْسَ فيهم وَالدُّعَاء على لَهُم بصلاحهم عِنْد فسادهم وَالَّتِي لعامة الْمُسلمين أما الداخلون مِنْهُم فِي جملَة الْحُكَّام وهم الْعلمَاء بتصديقهم وتقليدهم وَالدُّعَاء لَهُم وتعظيمهم وَأما من عداهم فغايتها تعليمهم إِذا جهلوا وتقويمهم إِذا اعوجوا وتقويتهم إِذا احتاجوا انْتهى مُلَخصا من كَلَام ابْن الْعَرَبِيّ
مزِيد حق قَالَ الطرطوشي والنصح لجَمِيع الْملَل بمحبة إسْلَامهمْ ودعائهم إِلَى الْإِيمَان بالْقَوْل وتحذيرهم عَاقِبَة الْكفْر وَالسيف إِن كَانَ ذَا سُلْطَان
الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة الْوَظَائِف الَّتِي على الناصح نَوْعَانِ النَّوْع الأول بِحَسب النَّصِيحَة فِي الْجُمْلَة وَمن أهمها وظيفتان
стр. 292
الْوَظِيفَة الأولى القاؤها فِي السِّرّ لِأَنَّهَا فِي الْعَلَانِيَة توبيخية وفضيحة خُصُوصا حَيْثُ بِكَوْن بالتوقيف على معرفَة الْعُيُوب قيل لبَعْضهِم تحب من يُخْبِرك بعيوبك فَقَالَ إِن نصحتني فِيمَا بيني وَبَيْنك فَيعم وَإِن قرعتني فِي الْمَلأ فَلَا
الْوَظِيفَة الثَّانِيَة تلطف فِي التَّعْرِيف بِالْعَيْبِ الَّذِي يُعلمهُ المنصوح نَفسه وَهُوَ يضمره وَذَلِكَ بالتعريض مرّة وَالتَّصْرِيح أُخْرَى إِلَى حد لَا يُؤَدِّي إِلَى الإيحاش
قَالَ الْغَزالِيّ فَإِن علمت أَن النصح غير مُؤثر فِيهِ وَأَنه مُضْطَر من طبعه إِلَى الْإِصْرَار عَلَيْهِ فالسكوت عَنهُ أولى
النَّوْع الثَّانِي بِاعْتِبَار نصيحة الْأُمَرَاء وَمن أكدها وظيفتان
الْوَظِيفَة الأولى اتقاء ضَرَر النَّاس بنصحه لَا سِيمَا قبل إِحْرَاز مَا يتَمَكَّن بِهِ من منزلَة السُّلْطَان من قُلُوبهم
فَفِي الأفلاطونيات أحذر فِي نصيحتك للملوك الدُّخُول إِلَى الأضرار بِالنَّاسِ قبل أَن توفر عَلَيْهِ حظوظه وَلَكِن إشتر لَهُ الْأَحْرَار وَالشُّكْر والمحبة بِنَصِيب من مَاله فَإنَّك تحسن بذلك أَيَّامه وَلَا ينقصهُ مَا أَحْسَنت بِهِ إِلَى النَّاس مِنْهُ
الْوَظِيفَة الثَّانِيَة اسْتِعْمَال حسن المداراة مَعَ بذل الوسع فِيهَا فَفِيهَا أَيْضا اسْتعْمل مَعَ فرط النَّصِيحَة مَا يَسْتَعْمِلهُ الحزمة من حسن المداراة والتذلل للرؤساء وَلَا يدْخلك الْعجب من فضلك على أكفائك فَيفْسد عَلَيْك ثَمَرَة مَا فضلت بِهِ
عاطفة تقدم أَن التلطف فِي القاء النَّصِيحَة مَطْلُوب فِي الْجمل فَمن
стр. 293
حِكَايَة مَعَ الْمُلُوك مَا يرْوى أَن عمر بن عتبَة قَالَ للوليد بن يزِيد حِين تغير النَّاس عَلَيْهِ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِنَّه ينطقني إِلَّا من بك وتسكتني الهيبة لَك وأراك بأمن أَشْيَاء أخافها عَلَيْك فأسكت مُطيعًا أم أَقُول لَك مشفقا فَقَالَ قل كل مَقْبُول مِنْك وَللَّه فِينَا علم غيب نَحن صائرون إِلَيْهِ
الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة مِمَّا على المنصوح وخصوصا الْأُمَرَاء وظيفتان
الْوَظِيفَة الأولى استكفاء من يرتضيه لنصيحته ويختاره لما مَعَ تصفح مَا يطالع بِهِ من ذَلِك فَفِي الأفلاطونيات لَا تقبل فِي النَّصِيحَة إِلَّا قَول من استكفيته مَا نصحك فِيهِ وَارْتَفَعت عَنهُ المراقبة وَاسْتغْنى عَن التصنع بِحسن مَحَله واتهم من سوى ذَلِك وَلَا تخل من تتبع مَا يحْتَاج إِلَيْهِ مِنْهَا واستخلاصه
الْوَظِيفَة الثَّانِيَة قبُول مَا ينْتَفع بِهِ من النَّصِيحَة المشوبة بمضرة النَّاس مَعَ الحذر من صَاحبهَا وفيهَا النّظر إِلَى المنتصح والمتقرب إِلَيْك فَإِنَّهُ إِن دخل إِلَيْك من مضار النَّاس فاقبل مِنْهُ مَا انتفعت بِهِ وتحرز مِنْهُ وَإِن دخل إِلَيْك من أَشْيَاء من جنس الْعدْل وَالصَّلَاح فاقبلها واستشعره
الْمَسْأَلَة السَّادِسَة لقبُول النَّصِيحَة وَهُوَ فائدتها جرعة مرّة المذاق لَا يتكفلها إِلَّا من وفْق لَا تصادفه بِعلم مَا لَهَا من ثَمَرَات عَائِدَة عَلَيْهِ بالنفع الْعَظِيم وَقد قَالَ ابْن المقفع عود نَفسك السبر على من خالفك من ذَوي
стр. 294
النَّصِيحَة والتجرع لمرارة قَوْلهم وعدلهم وَلَا تسألن ذَلِك إِلَّا لهل الْعقل وَالسّن والمروءة
قلت ويستعان على ذَلِك بأمرين
أَحدهمَا أَن استثقال النصح وَكَرَاهَة الْمُقَابل بِهِ استبشاعا لمرارة الْقبُول من أَوْصَاف الْكَافرين
قَالَ تَعَالَى ﴿وَلَكِن لَا تحبون الناصحين﴾ كَمَا أَن استسهال المواجهة استحلاء بثمرتها عَلَيْهِ من أَخْلَاق الْمُؤمنِينَ وَهُوَ المر الثَّانِي فَكَانَ عمر ﵁ يَقُول رحم الله أُمَرَاء أهْدى إِلَيّ عيوبي وَعَن مَيْمُون بن مهْرَان قَالَ لي عمر بن عبد الْعَزِيز ﵁ قل لي فِي وَجْهي مَا أكره فَإِن الرجل لَا ينصح أَخَاهُ حَتَّى يَقُول لَهُ فِي وَجهه مَا يكره
الْمَسْأَلَة السَّابِعَة ينشأ من مرَارَة هَذِه الجرعة غائلتان يجب على الناصح أَن يحذر مِنْهُمَا جهده
إِحْدَاهمَا عَدَاوَة المنصوح وبغضه فقد قَالُوا الْحق مبغضة وَبَعض النَّصِيحَة للعداوة مكسبة
قَالَ
(وَكم سقت فِي آثَاركُم من نصيحة ... وَقد يَسْتَفِيد البغضة المتنصح)
الثَّانِيَة أَدَاء النَّصِيحَة إِلَى فَسَاد قبل صَلَاح الْمَنْصُوص بهَا وَقد قَالَ
стр. 295
الْخطابِيّ واصفا أهل زَمَانه وَهُوَ فِيمَن بعدهمْ أَحْرَى وَقد كَانُوا وَالنَّاس نَاس وَالزَّمَان يستبشعون الْحق ويتمررون طعم النصح ويتنكرون لمن يهدي إِلَيْهِم عيوبهم ويعوقهم عَن أنفسهم فَمَا ظَنك بهم الْآن مَعَ فَسَاد الزَّمَان اللولبي المتقلب أَترَاهُم يذعنون الْحق ويصيخون إِلَى النصح كلا إِنَّك إِلَى أَن تفْسد بهم أقرب مِنْهُم إِلَى أَن يصلحوا بك فقد قيل من قَابل الْكثير من الْفساد باليسير من الصّلاح فقد غرر نَفسه
تَمْثِيل قَالُوا مِثَاله أَن يمِيل جِدَار فيأتيه رجل فيدعمه بيدَيْهِ ليقيمه فَإِنَّهُ يُوشك أَن يسْقط عَلَيْهِ فَيكون فِيهِ تلفه بل إِذا وجد أعوانا وَآلَة فدعمه بأعمدة ورفده بقوائم من خشب وَنَحْوهَا كَانَ جَدِيرًا أَن يسْتَقلّ وَيثبت بِيَدِهِ ليقيمه فَإِنَّهُ يُوشك أَن يسْقط عَلَيْهِ فَيكون فِيهِ تلفه بل إِذا وجد أعوانا وَآلَة فدعمه وَكَانَ الرجل حَقِيقا أَن يسلم وينجى
تَكْمِلَة
من الْمَنْقُول فِي هَذَا الْبَاب حكايتان
الْحِكَايَة الأولى مُتَوَقف على مستحسن الأنصاف فِي قبُول النَّصِيحَة وَالرُّجُوع إِلَيْهَا وَهِي مَا يرْوى أَن سَابُور أَتَى على بِلَاد الْبَحْرين وفيهَا بَنو تَمِيم فأمعن فِي قَتلهمْ وهربوا وشيخهم إِذْ ذَاك عَمْرو بن تَمِيم بن مر وَله حِينَئِذٍ ثَلَاثمِائَة سنة وَكَانَ يعلق فِي عَمُود الْبَيْت فِي قفة قد اتَّخذت لَهُ فأرادوا حَملَة فَأبى عَلَيْهِم إِلَّا أَن يَتْرُكُوهُ فِي دِيَارهمْ وَقَالَ أَنا هَالك الْيَوْم أَو غَدا وماذا بَقِي لي من فسحة الْعُمر لَعَلَّ الله ينجيكم من هَذَا الْملك الْمُسَلط على الْعَرَب فَخلوا عَنهُ وتركوه على مَا كَانَ عَلَيْهِ فصحبت خيل سَابُور الديار فنظروا إِلَى أَهلهَا وَقد ارتحلوا ونظروا إِلَى قفة معلقَة فِي شَجَرَة فَسمع عَمْرو صَهِيل الْخَيل ووقعها وهمهمة الرِّجَال فَأقبل يَصِيح بِصَوْت ضَعِيف فَأَخَذُوهُ وجاؤا
стр. 296
بِهِ إِلَى سَابُور فَلَمَّا حضر بَين يَدَيْهِ نظر إِلَى دَلَائِل الْهَرم ومرور الْأَيَّام عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ سَابُور من أَنْت أَيهَا الفاني قَالَ أَنا عَمْرو بن تَمِيم بن مر وَقد بلغت من الْعُمر مَا ترى وَقد هرب النَّاس مِنْك لإسرافك فِي الْقَتْل وعقوبتك إيَّاهُم وآثرت على يَديك الفناء ليبقى من مضى من قومِي
وَلَعَلَّ الله ملك تِلْكَ السَّمَاوَات وَالْأَرْض يجْرِي على يَديك فرجهم مِمَّا أَنْت بسبيله من قَتلهمْ وَأَنا سَائِلك على أَمر أَن أَنْت أَذِنت لي فِيهِ فَقَالَ لَهُ سَابُور قل أَيهَا الشَّيْخ فَقَالَ لَهُ عَمْرو مَا الَّذِي يحملك على قتل رعيتك رجال الْعَرَب فَقَالَ سَابُور أقتلهم لما ارتكبوا فِي بلادي وَأهل مملكتي فَقَالَ عَمْرو فعلوا ذَلِك وَلست عَلَيْهِم بقيم فَلَمَّا بلغت وقفُوا عَمَّا كَانُوا عَلَيْهِ من الْفساد هَيْبَة لَك قَالَ سَابُور أقتلهم لانا مُلُوك الفرص نجد فِي مخزون علمنَا وَمَا سلف من أَخْبَار أوائلنا أَن الْعَرَب ستدال علينا وَتَكون لَهُم الْغَلَبَة على ملكنا فَقَالَ عَمْرو وتتحققه أم تظنه قَالَ بل أتحققه ولابد أَن يكون قَالَ لَهُ عَمْرو إِن كنت تعلم أَن ذَلِك يكون فَلم تسيء إِلَى الْعَرَب وَالله لن تبقى على الْعَرَب جَمِيعًا وتتحسن إِلَيْهَا فيكافئون عِنْد ادالة الدولة لَهُم قَوْمك بإحسانك فَإِن أَنْت طَالَتْ بك الْمدَّة كافأوك عِنْد مصير الدولة إِلَيْهِم فيبقون عَلَيْك وعَلى قَوْمك وَإِن كَانَ حَقًا كَمَا تَقول فَهُوَ ألزم فِي الرَّأْي وانفع فِي الْعَاقِبَة وَأَن كَانَ الْأَمر بَاطِلا فَلم تسْتَعْمل الْإِثْم وتسفك الدِّمَاء من رعيتك فَقَالَ سَابُور الْأَمر صَحِيح وَهُوَ كَائِن لكم والرأي مَا قلت وَلَقَد صدقت فِي القَوْل وَنَصَحْت فِي الْخطاب فَنَادَى مُنَادِي سَابُور بِأَمَان الْعَرَب والكف عَن قَتلهمْ وَرفع السَّيْف عَنْهُم ٣ الْحِكَايَة الثَّانِيَة تعلم بصنيع الله تَعَالَى لمن صدق مَعَه فِي نصيحة السُّلْطَان وَأَن تعرض بهَا لما يسخطه فيروى أَن الْحجَّاج وَفد بإبراهيم بن
стр. 297
بالخسف وَيحكم فيهم بِغَيْر السّنة بعد الَّذِي كَانَ من سفك دِمَائِهِمْ وَمَا انتهك من حرمهم ثمَّ ظَنَنْت أَن ذَلِك فِيمَا بَيْنك وَبَين الله زاهق وَفِيمَا بَيْنك وَبَين نبيك غَدا إِذْ جاثاك للخصومة بَين يَدي الله فِي أمته أما وَالله لَا تنجو هُنَاكَ إِلَّا بِحجَّة فارع على نَفسك أودع فَقَالَ لَهُ عبد الْملك كذبت ومنت وَظن بك الْحجَّاج مَا لم يجده فِيك وَقد يظنّ الْخَيْر بِغَيْر أَهله قُم فَأَنت الْكَاذِب المائن قَالَ فَقُمْت مَا أعرف طَرِيقا فَلَمَّا خطرفت السّتْر لَحِقَنِي لَاحق وَقَالَ احْبِسُوا هَذَا وَقيل للحجاج أَدخل فَمَكثت مَلِيًّا من النَّهَار لَا أَشك أَنَّهُمَا فِي أَمْرِي ثمَّ خرج الْآذِن فَقَالَ أَدخل يَا ابْن طَلْحَة فَلَمَّا كشف السّتْر لَقِيَنِي الْحجَّاج وَهُوَ خَارج وَأَنا دَاخل فاعتقني وَقبل مَا بَين عَيْني وَقَالَ أما إِذا جزى الله المتواخين بِفضل تواصلهم فجزاك الله عني أفضل الْجَزَاء فو الله لَئِن سلمت لَك لأرفعن ناظرك ولأعلين كعبك وَلَا تبعن الرِّجَال غيرَة قَدَمَيْك
فَقَالَ فَقلت يهزأ بِي وَرب الْكَعْبَة فَلَمَّا وصلت إِلَى عبد الْملك أدناني حَتَّى أجلسني مجلسي الأول ثمَّ قَالَ يَا ابْن طَلْحَة لَعَلَّ أحد شَارك فِي نصيحتك هَذِه قلت وَالله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ مَا علم أحد بهَا وَلَا لأحد عِنْدِي يَد وَلَا أعظم مَعْرُوفا من الْحجَّاج وَلَو كنت محابيا أحد لغَرَض دنيا لحابيته وَلَكِنِّي آثرت الله وَرَسُوله وَالدَّار الْآخِرَة فَقَالَ عبد الْملك قد عزلته عَن الْحَرَمَيْنِ لما كرهت من ولَايَته عَلَيْهِمَا وأعلمته أَنَّك استنزلتني لَهُ عَنْهُمَا اسْتِقْلَالا لَهما ووليته العراقين وَمَا هُنَالك من الْأُمُور الَّتِي لَا يدحضها إِلَّا مثله وأعلمته أَنَّك استدعيتني إِلَى تَوليته عَلَيْهَا استزادة لَهُ لإلزامه بذلك من حَقك مَا يُؤَدِّي إِلَيْك عني أجر نصيحتك فَأخْرج مَعَه فَإنَّك غير ذام لصحبته انْتهى
стр. 298
الرُّكْن الثَّانِي عشر
إحكام التَّدْبِير
وَفِيه مسَائِل
الْمَسْأَلَة الأولى لَا خَفَاء أَن التَّدْبِير قوام الْملك وحافظ وجوده كَمَا أَنه من مَالك الْمُلُوك الْفِعْل الممتدح بِهِ فِي حفظ نظام الْعَالم بأسره كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿يدبر الْأَمر يفصل الْآيَات﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿يدبر الْأَمر من السَّمَاء إِلَى الأَرْض﴾ وَقد عبر بعض الْحُكَمَاء عَن ثبات الرياسة بِهِ
وَبِالْجُمْلَةِ كل مَا هُوَ من الْخيرَات المؤثرة يقويه التَّدْبِير يُوجب بَقَاء النِّعْمَة ترغيبا فِيهِ وتحضيضا على اجتناء ثَمَرَته
الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة إِذا كَانَ من الْملك بِهَذِهِ الْمنزلَة فَتوهم الِاسْتِغْنَاء عَنهُ عِنْد استقامة الْأُمُور بَاطِل فَفِي الأفلاطونيات الغر من الْمُلُوك من ظن أَنه غَنِي عَن التَّدْبِير مَعَ استقامة الْأُمُور لِأَنَّهُ لَا يرى فِيهِ خللا وَفِي مثل هَذَا الْوَقْت يُمكنهُ توفير خراجه وانتخاب رِجَاله وخدمة الْعدْل وَالسّنَن المحمودة فِي بلدانه وَتَنَاول كل مَا يشْغلهُ الْحَرْب عَنهُ ويمنعه مِنْهُ
الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة إِنَّمَا يعْتد بِالتَّدْبِيرِ إِذا صدر من ذَوي التجارب العارفين بِمَا تحسن بِهِ الْعَاقِبَة وترضى بِهِ الاسْتقَامَة الَّتِي لَا انحراف فِيهَا عَن نهج الصَّوَاب فَلذَلِك لَا عِبْرَة بِهِ من الْأَحْدَاث وَأَن اوهم صلاحا فَفِيهَا لَا تعتمد تَدْبِير الْأَحْدَاث فَلَيْسَ يَلِيق التَّدْبِير بهم وَأَن حسن مِنْهُم فِي بعض الْأَوْقَات فَإِنَّهُ قَبِيح الْعَاقِبَة وَهُوَ كوجود الشَّيْء بالْحسنِ يرى حسنا وَالْعقل يبين بعد قبحه
الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة قَالَ بَعضهم صَلَاح التَّدْبِير فِي الِاحْتِرَاز من ثَلَاثَة
أَحدهمَا كَثْرَة الشُّرَكَاء فِيهِ لانتشاره باختلافهم
стр. 299
قلت وبرهان بُطْلَانه مَا دلّ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى ﴿لَو كَانَ فيهمَا آلِهَة إِلَّا الله لفسدتا﴾ وَهُوَ مُوجب اتِّخَاذ الرئيس كَمَا تقدم
الثَّانِي تحاسد الشُّرَكَاء فِيهِ وتنافسهم لفسادهم بِدُخُول الْهوى فِيهِ
قلت وَهَذَا حَيْثُ لَا يكون الْأَمر رَاجعا إِلَى لُزُوم الْإِنْفَاق إِلَى رَأْي وَاحِد جبرا أَو تواضعا وَأما بِتَقْدِير استبداد كل وَاحِد فالفساد لَازم وَلم يكن هُنَاكَ تحاسد بِالْفَرْضِ
الثَّالِث ملك التَّدْبِير من غَابَ عَن الْأَمر دون من حَضَره وباشره كَمَا كتب الْمُهلب إِلَى الْحجَّاج حِين كتب إِلَيْهِ بِسَبَب يستعجله فِي حَرْب الْأزَارِقَة أَن من البلية أَن يكون التَّدْبِير لمن يملكهُ دون من يباشره قيل وَإِذا كَانَ ذَلِك دَاخله حقد الْمُبَاشر وفوت الفرص
الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة من مُحكم التَّدْبِير مَا يجب أَن يستشعر مَعَه شدَّة الْمُبَالغَة فِي التحفظ والاحتراز فَفِي الأفلاطونيات ليكن خوفك من تدبيرك على عَدوك أَكثر من تَدْبِير عَدوك عَلَيْك
الرُّكْن الثَّالِث عشر
تَقْدِيم الْوُلَاة والعمال
وَفِيه مسَائِل
الْمَسْأَلَة الأولى قَالَ الطرطوشي منزلَة الْعمَّال من الْوَالِي بِمَنْزِلَة
стр. 300
السِّلَاح من الْمقَاتل والآلات للصناع لَا يسد بَعْضهَا مسد بعض فَمنهمْ للرأي والمشورة ومباشرة الْحَرْب وَجمع المَال والحجابة وَالدُّعَاء وَالْعلم والفتيا لَا يقوم للْملك ملك مَا لم تَجْتَمِع هَذِه الطَّبَقَات
الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة قَالَ ابْن حزم يلْزم الإِمَام أَن يتَخَيَّر ولاته وعماله لتعذر مُبَاشَرَته لجَمِيع الْأُمُور وَلِئَلَّا يشْتَغل عَن التَّدْبِير بأعظم من ذَلِك
قلت من الْأَوْصَاف الْمُعْتَبرَة فِي صِحَة هَذَا التخير وكماله أُمُور
أَحدهمَا الدّين الْوَازِع عَن الْجور والخيانة الْعَائِد وبالهما على الدولة والرعايا
قَالَ الْمَأْمُون مَا فتق على فتق قطّ إِلَّا وجدته جور الْوُلَاة
وَفِي العهود اليونانية الْخِيَانَة تفْسد الرَّاعِي والرعية
الثَّانِي الْكِفَايَة الْمَأْمُون بهَا مَحْذُور التضييع والتفرد والتفريط فَفِي العهود تجنب اسْتِعْمَال من كَانَ حَظه من السَّلامَة والصيانة أَكثر من حَظه من الْكِفَايَة والشهامة فَإِن تضييعه عَلَيْك أَكثر من استدراكه لَك وتعزيره يزِيد على إحسانه إِلَيْك
الثَّالِث الْجمع بَين وصفي الشدَّة واللين قَالَ عمر ﵁ يَنْبَغِي أَن يكون فِي الْوَالِي من الشدَّة مَا يكون ضرب الرّقاب عِنْده بِالْحَقِّ كَقَتل عُصْفُور وَيكون فِيهِ من الرقة والحنو وَالرَّحْمَة والرأفة مَا يجزع من قتل عُصْفُور
الرَّابِع التَّوَاضُع عَن رفْعَة السِّيَادَة الذاتية قَالَ بعض الْخُلَفَاء دلوني عَن رجل وَاسْتَعْملهُ على أَمر قد أهمني قَالَ وَكَيف تريده إِذا كَانَ فِي الْقَوْم
стр. 301
وَلَيْسَ أَمِيرهمْ كَانَ كأميرهم وَإِن كَانَ أَمِيرهمْ كَانَ كَرجل مِنْهُم قَالُوا مَا نعمله إِلَّا الرّبيع بن زِيَاد الْحَارِثِيّ قَالَ صَدقْتُمْ وَهُوَ لَهَا
الْخَامِس التجربة الْحَاصِلَة بتقدم الْولَايَة الحميدة السِّيرَة فقد قيل يَنْبَغِي للْملك أَن يتَخَيَّر لولاية الْأَعْمَال من تقدّمت لَهُ فِيهِ تجربة وسيرة حميدة وَلَا يعدل عَنهُ مَا وجده فقد كَانَ صدر الْإِسْلَام من ولي لخمسة من ذَوي الْأَمر كَأبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ وروح بن حَاتِم
وَقلت وَقد ذكر عَن القَاضِي أبي اسحق بن عبد الرفيع التّونسِيّ أَنه ولي الْقَضَاء بِحَضْرَة تونس فِي خمس دوَل لملوك الحفصيين بهَا لطول عمره وَحسن سيرته
الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة الْوَارِد من العهود الْمَأْخُوذ على الْوُلَاة والعمال نَوْعَانِ
أَحدهمَا مَا هُوَ ديني محضى عريق فِي السذاجة والبعد عَن مُنَازع الْملك وعوائد ترفه كَمَا يروي عَن عمر ﵁ أَنه كَانَ إِذا بعث عَاملا اشْترط عَلَيْهِ أَرْبعا لَا يركب البراذين وَلَا يلبس الرَّقِيق وَلَا يَأْكُل النقي
стр. 302
وَلَا يتَّخذ حاجبا وَلَا يغلق بَابا على حوائج النَّاس وَمَا يصلحهم وَيَقُول لَهُ إِنِّي لَا استعملك على أبشارهم وَلَا على أعراضهم وَلَا على أَعْمَالهم وَإِنَّمَا استعملك لتصلي يهم وتقضي بَينهم بِالْعَدْلِ
الثَّانِي مَا هُوَ سياسي وَالْمُعْتَبر مِنْهُ مَا تشهد لَهُ الشَّرِيعَة بِالْقبُولِ كَمَا يُقَال أَن أنو شرْوَان كَانَ يكْتب فِي عهد الْعمَّال سس خِيَار النَّاس بالمحبة وامزج للعامة الرَّغْبَة بالرهبة وسس سفلَة النَّاس بالمخافة وَفِي العهود اليونانية قرر فِي نُفُوسهم أَن أعظم مَا تقربُوا بِهِ إِلَيْك إِقَامَة حق أَو دحض بَاطِل وَأَن أَخذ حكام مَا جرى على أَيْديهم وَأخذ الْقسْط من الصَّوَاب لديهم آثر عنْدك من توفير عائده ودرور حلبة
الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة من جَوَامِع مَا يحذر مِنْهُم أَمْرَانِ
أَحدهمَا إتصافهم بِمَا يحمل على سوء السِّيرَة الْمضرَّة بهم أَولا وبنظام الْخلق بعد ثَانِيًا فَفِي العهود اليونانية تجنب مِنْهُم من غلب عَلَيْهِ سوء المنشأ والتخرق فِي الْإِنْفَاق والتناوش فِي الإكتساب وَسَهل عَلَيْهِ التبكيت وَمنع رَعيته الإيصاف وساسهم بهَا بالإخافة وَكَانَت ذريعته فِيهَا بتقليده المصانعة دون التَّقَصِّي والكفاية فَإِنَّهُ يفْسد نظام المدن وَيشْهد أَهلهَا كتمان النِّعْمَة وَإِظْهَار الْفَاقَة
стр. 303
الثَّانِي تلبيسهم على مواليهم فِي التَّقَرُّب إِلَيْهِ بِمَا يعْتَقد صَلَاحه وَهُوَ فِي الْحَقِيقَة أعظم فَسَاد يجر إِلَيْهِ فَفِيهَا أَيْضا وَأحذر أَن يفتك من قلدته سخفه فِي اجتلاب الْحَظ لَك وإتباعه رضاك بسخط رعيتك والتماسه التوفير عَلَيْك بالإجحاف بهَا والتحرز فِي عمَارَة بلادها فَإِن هَذَا قد عاداك من حَيْثُ يتَوَهَّم أَنه أولاك
الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة من مستحسن السِّيرَة مَعَهم تفقدهم بِأحد أَمريْن
الْأَمر الأول بَث الْعُيُون عَلَيْهِم ليطلع بذلك على حَقِيقَة حَالهم فَفِي العهود اليونانية وَابعث على عمالك بحضرتك وقاصيتك عيُونا ينهون إِلَيْك مَا وقفُوا عَلَيْهِ من زللهم وفجورهم وَمَا شجر بَين رعيتك وَبينهمْ وَخبر من وكلته بذلك أَلا يُنْهِي إِلَيْك مِنْهُ إِلَّا مَا يقوم بنصيحة وَلَا يلْزم أحدا بمؤونة فِيهِ وتوعده عَلَيْهِ بغاية الْعقُوبَة وَأعْرض مَا أنهِي إِلَيْك عَنْهُم على خيرتك فَمن رفع إِلَيْك عَنهُ وظنك فِيهِ وَمَا صَححهُ الرافع عَلَيْهِ فأمض أمره بِمَا يُوجِبهُ الْعدْل لَهُ وَعَلِيهِ وَإِن عثرت على عين مِنْهُم بِظَنّ جَائِر بقول كذب فعاقبه على ذَلِك عُقُوبَة تودع من سواهُ عَن سلوك نهجه وتجنب اسْتِعْمَاله مَا بقيت
الْأَمر الثَّانِي استقدام من يعْتد بِهِ من أهل عمالتهم ليتعرف من ناحيتهم مثل مَا تنْهى إِلَيْهِ الْعُيُون المبثوثة من لَدنه مُنْضَمًّا لما فِي هَذَا الْأَمر الآخر من وضوح الشَّهَادَة
стр. 304
قَالَ ابْن حزم يلْزم الإِمَام أهل كل جِهَة من جِهَات بَلَده أَن يفد عَلَيْهِ من خيارهم وعلمائهم ليستخبرهم عَن حَال الْأَمِير وَالنَّاس ويكسوهم ويصلحهم كَمَا كَانَ ﵇ يفعل فَإِذا وفدوا عَلَيْهِ انْفَرد بهم وَاحِدًا بعد وَاحِد حَتَّى يقف على الْحق من الْبَاطِل فِي أَمر النَّاس وَأمر ولاته وَجَمِيع أَحْوَال عماله
مُبَالغَة اعتذار من حزمة المراء من أفْصح لعماله بِاشْتِرَاط تفقدهم وَتَعْيِين جزائهم ثَوابًا وعقابا فيحكى عَن زِيَاد أَنه كَانَ إِذا أولى أحدا قَالَ خُذ عَهْدك وسر إِلَى عَمَلك وَأعلم أَنَّك مَصْرُوف رَأس سنتك وَأَنَّك تصير إِلَى أَربع خلال فاختر لنَفسك إِنَّا إِن وجدناك أَمينا ضَعِيفا استبدلنا بك لضعفك وسلمتك من مضرتنا أمانتك وَإِن وجدناك خائنا قَوِيا استبدلنا بك وأحسنا على خِيَانَتك أدبك فأوجعنا ظهرك أتثقلنا غرمك وَإِن جمعت بَين الجرمين جَمعنَا عَلَيْك العقوبتين وَإِن وجدناك أَمينا قَوِيا زدناك فِي عَمَلك ورفعنا ذكرك وكثرنا مَالك وأوطأنا عقبك
الْمَسْأَلَة السَّادِسَة قَالَ ابْن الحزم يلْزم الإِمَام أَن يرْزق أُمَرَاء النواحي رزقا وَاسِعًا يقوم بهم وبمئونتهم حَتَّى لَا يشرهوا إِلَى مَال وَاحِد من أهل عَمَلهم وترزق من لَهُم من الأعوان والفرسان وَالرِّجَال ليستظهر بهم على مَا هم بسبيله على قدر مَا يَلِي كل وَاحِد مِنْهُم من كبر النَّاحِيَة وصغرها من قمع ظَالِم أَو معاند وَشبه ذَلِك
قلت وَفِي العهود اليونانية كفهم بِمَا تسبغ عَلَيْهِم من الرزق وَعَن التصدي بِزِيَادَة الرِّفْق
الْمَسْأَلَة السَّابِعَة من الْوَصَايَا الْوَارِدَة فِي هَذَا الْمقَام وصيتان
الْوَصِيَّة الأولى يذكر عَن أبرويز أَنه كتب إِلَى إبنه يوصيه بالرعية ليكن
стр. 305
من تختاره لولايتك أُمَرَاء كَانَ فِي ضعة فَرَفَعته أَو كَانَ ذَا شرف فعلا فاصطنعه وَلَا تَجْعَلهُ أمرءا أصبته بعقوبة فاتضح لَهَا وَلَا أحد اممن يَقع بقلبك أَن إِزَالَة سلطانك أحب إِلَيْهِ من ثُبُوته وَإِيَّاك أَن تستعمله غمرا إعجابه بِنَفسِهِ قَلِيلا تجربته فِي غَيره وَلَا كَبِيرا مُدبرا قد أَخذ الدَّهْر من عقله كَمَا أخذت السنون من جِسْمه الْوَصِيَّة الثَّانِيَة يحْكى عَن سَابُور أَنه قَالَ لَا تستعملن على الأَرْض الْكَثِيرَة الْخراج شريفا عَظِيم الشَّأْن وَلَا قَائِد جند وَمن لَا يعْتَمد عَلَيْهِ فِي الخطوب فَرُبمَا خانوا أَو ضيعوا الْعَمَل فَإِن سوغتهم هلك المَال اقْتدى بهم غَيرهم وَإِن عاقبهم أذهب بهاءهم وهيبتهم وأضغنت صُدُورهمْ وضعفت نياتهم فِي المناصحة فَكنت قد فللت سِلَاحك وهدمت حصنك
الْمَسْأَلَة الثَّامِنَة من المواعظ فِي الْغَفْلَة عَن تفقد الْوُلَاة مَا يرْوى أَن عَمْرو بن عبيد دخل على الْمَنْصُور فَقَرَأَ ﴿وَالْفَجْر وليال عشر﴾ حَتَّى بلغ ﴿إِن رَبك لبالمرصاد﴾ لمن فعل مثل فعالهم فَاتق الله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فَإِن ببابك نيران تتأجج لَا تعْمل فِيهَا بِكِتَاب الله وَلَا بِسنة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
стр. 306
وَأَنت المسؤول عَمَّا اجترحوا وَلَيْسوا مسؤولين عَمَّا اجترحت فَلَا يصلح دنياهم بِفساد آخرتك أما وَالله لَو علم عمالك أَنه لَا يرضيك مِنْهُم إِلَّا الْعدْل لتقرب بِهِ إِلَيْك من لَا يُريدهُ فَقَالَ سُلَيْمَان بن خَالِد أما كَفاك أَن تعرض نصيحتك عَن أَمِير الْمُؤمنِينَ حَتَّى أردْت أَن تحول بَينه وَبَين من ينصحه فَقَالَ عمر أتق الله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فَإِن هَؤُلَاءِ قد اتخذوك سلما إِلَى شهواتهم فَأَنت كالماسك بالقرون وَغَيْرك يحلب وَإِن هَؤُلَاءِ لن يغنوا عَنْك من الله شَيْئا
تتميم مَا يكسبه الْوُلَاة والعمال ينظر فِيهِ فِي مَوَاضِع والمقرر مِنْهَا بِحَسب الْفَرْض ثَلَاثَة مَوَاضِع
الْموضع الأول الْحَاصِل مِنْهُ هَدِيَّة
وَقد دلّ الحَدِيث على عدم الِاعْتِبَار بِظَاهِر تِلْكَ الْحَال رعيا لباطن الْقَصْد وَهُوَ الْعَطاء لأجل الْولَايَة وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن أبي حميد السَّاعِدِيّ قَالَ اسْتعْمل النَّبِي ﷺ رجلا من الأزد يُقَال لَهُ ابْن اللتبية على الصَّدَقَة فَلَمَّا قدم قَالَ هَذَا لكم وَهَذَا أهْدى إِلَيّ
стр. 307
فَقَامَ رَسُول الله ﷺ خَطِيبًا على الْمِنْبَر فَحَمدَ الله وَأثْنى عَلَيْهِ ثمَّ قَالَ أما بعد فَإِنِّي أسْتَعْمل الرجل مِنْكُم على الْعَمَل مِمَّا ولاني الله فَيَأْتِي فَيَقُول هَذَا مالكم وَهَذَا هِدَايَة أهدي إِلَيّ أَفلا جلس فِي بَيت أَبِيه وَأمه حَتَّى تَأتي هديته إِن كَانَ صَادِقا وَالله لَا يَأْخُذ أحدكُم شَيْئا بِغَيْر حَقه إِلَّا لَقِي الله يحملهُ يَوْم الْقِيَامَة فَلَا أَعرفن أحدا مِنْكُم لَقِي الله يحمل بَعِيرًا لَهُ رُغَاء أَو بقرة لَهَا خوار أوشاة تبعر ثمَّ رفع يَدَيْهِ حَتَّى رؤى بَيَاض إبطَيْهِ يَقُول اللَّهُمَّ قد بلغت
الْموضع الثَّانِي المكتسب مِنْهُ رشوة
وَفِيه وعيدان
الْوَعيد الأول آجل وَهُوَ اللَّعْنَة كَمَا فِي حَدِيث عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ ﵁ قَالَ لعن الله الراشي والمرتشي رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَفِي حَدِيث ثَوْبَان رضى الله عَنهُ لعن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
стр. 308
الراشي والمرتشي والرائش الَّذِي يمشي بَينهمَا
الْوَعيد الثَّانِي عَاجل وَهُوَ الْأَخْذ بِالرُّعْبِ فَعَن حَدِيث عَمْرو بِهِ الْعَاصِ ﵁ قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول مَا من قوم يظْهر فيهم الرِّبَا إِلَّا أخذُوا بِالسنةِ وَمَا من قوم يظْهر فيهم الرشا إِلَّا أخذو بِالرُّعْبِ رَوَاهُ الإِمَام أَحْمد
الْموضع الثَّالِث مَا حكم المَال فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَبِالْجُمْلَةِ مَا هُوَ من وَجه غير حَلَال وَلَا خَفَاء بِوُجُوب رده إِلَى أربابه إِن عرف بِعَيْنِه وَعلم صَاحبه وَإِلَّا فلبيت مَال الْمُسلمين وَقد قَالَ الدَّاودِيّ
إِن وَصَايَا المتسلطين المستغرقي الذِّمَّة لَا تنفذ وعتقهم مَرْدُود وَلَا تورث أَمْوَالهم ويسلك بهَا سَبِيل الْفَيْء انْتهى
فَإِن قلت أَفلا يشاطرهم الإِمَام كَمَا فعل عمر ﵁ حَتَّى أَخذ لخَالِد بن الْوَلِيد فَرد نَعْلَيْه وَشطر عمَامَته
قلت لَا تَكْفِي المشاطرة فِيمَا هُوَ حرَام مَحْض وَإِنَّمَا وَجههَا فِي حق
стр. 309
الصَّحَابَة ﵃ أَمر آخر قَالَ الطرطوشي كَأَنَّهُ رأى مَا أصَاب الْعَامِل فِي غير رشوة وَأَن كَانَ حَلَالا لَا يسْتَحقّهُ لقُوته بِالْولَايَةِ على نيل حَلَال لَا يَنَالهُ غَيره فَجعله كالمضارب للْمُسلمين
قلت وَوَجهه الْغَزالِيّ بِاحْتِمَال أَن يكون من مَالهم فَرَأى شطره من فَوَائِد الْولَايَة فاسترجعه إِلَى مُسْتَقر مثله وَهُوَ بَيت المَال
فَائِدَة فِي تَنْبِيه قَالَ ابْن قيم الجوزية الْفرق بَين الْهَدِيَّة والرشوة وَإِن إشتبها فِي الصُّورَة أَن الراشي قَصده التَّوَصُّل إِلَى إبِْطَال حق أَو تَحْقِيق بَاطِل فَهَذَا الراسي الملعون على لِسَان رَسُول الله ﷺ الْمهْدي قَصده استجلاب الْمَوَدَّة والمعرفة فَإِن قصد الْمُكَافَأَة فمعارض أَو الرِّبْح فمستكثر
تبصرة لتوفر مَا بأيدي الْوُلَاة والعمال من مُسْتَفَاد الْولَايَة عَلَامَات مِنْهَا التَّوَسُّع فِي المصانع والمباني فقد كَانَ عمر ﵁ يَقُول لي على كل خائن أمنيان المَاء والطين وَمر يَوْمًا بِبِنَاء يبْنى بحجارة وجص فَقَالَ لمن هَذَا فَذكرُوا أَنه لعامل لَهُ على الْبَحْرين فَقَالَ أَبَت الدَّرَاهِم إِلَّا أَن تخرج أعناقها
فَوَائِد مكملة
الْفَائِدَة الأولى قَالَ الْبُرْزُليّ من بَاب الرِّشْوَة هَدِيَّة المنقطعين إِلَى الْعلمَاء والمتعلقين بالسلطان ليدفعوا عَنْهُم الظُّلم قَالَ لِأَن دفْعَة وَاجِب على الْقَادِر عَلَيْهِ من مُسلم أَو ذمِّي أَو غَيرهمَا
قلت إِذا تعين فَوَاضِح لقَوْله ﷺ من شفع لِأَخِيهِ الْمُسلم شَفَاعَة فأهدى إِلَيْهِ هَدِيَّة فقبلها فقد أَتَى بَابا عَظِيما من أَبْوَاب
стр. 310
الْكَبَائِر رَوَاهُ أَبُو دَاوُود عَن أبي أُمَامَة ﵁ وَحَيْثُ يكون كفائيا فَفِي إِطْلَاق ذَلِك نظر وَأَظنهُ مشارا إِلَيْهِ بعض الْعلمَاء
الْفَائِدَة الثَّانِيَة فِي الطرز عَن أبن عبد الغفور مَا أهْدى إِلَى الْفَقِيه من غير حَاجَة جَائِزَة لَهُ قبُوله ولرجاء العون على خُصُومَة أَو قَضَاء حَاجَة عِنْده على خلاف الْمَعْمُول بِهِ لَا يحل لَهُ الْقبُول إِذْ هِيَ رشوة قَالَ وَكَذَا لَو تنَازع خصمان فأهديا إِلَيْهِ أَو أَحدهمَا رَجَاء العون لَهما عِنْد حَاكم يسمع مِنْهُ لَا يحل لَهُ الْأَخْذ مِنْهُمَا أَو من أَحدهمَا
ثمَّ حكى عَن بعض الْمُتَأَخِّرين أَنه سُئِلَ عَن الْهِدَايَة على الْفَتْوَى فَقَالَ إِن كَانَ ينشط فِي الْفَتْوَى أهدي إِلَيْهِ أم لَا فَلَا بَأْس بهَا وَإِن كَانَ لَا ينشط إِلَّا بهَا فَلَا يَأْخُذهَا وَهَذَا مالم لم تكن خُصُومَة
قَالَ وَإِلَّا حسن أَن لَا تقبل هَدِيَّة صَاحب فَتْوَى وَهُوَ قَول ابْن عيشون وَلَا عِبْرَة يَجْعَل ذَلِك رشوة قَالَ الْبُرْزُليّ وَمَا نَقله
стр. 311
عَن ابْن عيشون أعرف لَهُ أَنه لَا يجوز كالقول الثَّانِي من التَّحْرِيم وينشده فِيهِ
(إِذا أَتَت الْهَدِيَّة دَار قوم ... تطايرت الْأَمَانَة من كواها)
الْفَائِدَة الثَّالِثَة نَص ابْن عيشون على أَن القَاضِي إِذا امْتنع من تَنْفِيذ مَا تبين لَهُ الْحق إِلَّا بعد أَن تُعْطِي شَيْئا أَن حِكْمَة مَرْدُود غير جَائِز قَالَ الْبُرْزُليّ وتتخرج على أَحْكَام القَاضِي الْفَاسِق إِذا صَادف الْحق هَل يمْضِي أم لَا
قلت فِي شرح عقيدة النَّسَفِيّ المتفتازاني وَفِي فَتَاوَى قاصي خَان أجمعا على أَنه إِذا ارتشى يَعْنِي القَاضِي لَا ينفذ قَضَاؤُهُ فِيمَا ارتشى وَأَنه إِذا أَخذ القَاضِي الْقَضَاء بالرشوة لَا يصير قَاضِيا وَلَا ينفذ قَضَاؤُهُ
стр. 312
الْفَائِدَة الرَّابِعَة قَالَ ابْن عيشون أجَاز إِعْطَاء الرِّشْوَة إِذا خَافَ الظُّلم على نَفسه وَكَانَ محقا
قلت قيل وتختص اللَّعْنَة بِمن قبلهَا على ذَلِك وَهُوَ المرتشي قَالَه ابْن قيم الجوزية
الْفَائِدَة الْخَامِسَة قيل أول من رشي فِي الْإِسْلَام الْمُغيرَة بن شُعْبَة كَانَ يُعْطي يرفا حَاجِب عمر رَضِي الله عنخ ليستأذن لَهُ عَلَيْهِ ويرفا هَذَا أول من قبلهَا فِي الْإِسْلَام
قلت لَعَلَّ فعل الْمُغيرَة ﵁ من بَاب التَّوَصُّل بِهِ إِلَى حق منع مِنْهُ على مَا تقدم
قيل وَأول من رد الْهَدِيَّة عُثْمَان بن عَفَّان ﵁
مزِيد موعظة قيل الْهَدِيَّة تُطْفِئ نور الْحِكْمَة
وَقيل الْهَدِيَّة تعمي وتصم حَتَّى قَالَ
(وَأكْرم من يدق الْبَاب شخص ... ثقيل الْحمل مَشْغُول الْيَدَيْنِ)
(ينوء حَتَّى قَالَ
(وَأكْرم من يدق الْبَاب شخص ... ثقيل الْحمل مَشْغُول الْيَدَيْنِ)
(ينوء إِذا مَشى نفسا ونفخا ... وينطح بَابه بالركبتين)
(وَأكْرم شَافِع يمشي عَلَيْهَا ... أَبُو المنقوش فِي الصفحتين)
قلت وَلَا أَسْوَأ فِي عمي البصيرة وصمم آذان الْقُلُوب من الرِّضَا بفقد الْأَمَانَة وكرامة من تسبب فِي ذَلِك وَالْبَيْت الْأَخير ينظر إِلَى قَوْله
(ودع عَنْك كل رَسُول سوى ... رَسُول يُقَال لَهُ الدِّرْهَم)
стр. 313
الرُّكْن الرَّابِع عشر
إتخاذ البطانة وَأهل الْبسَاط
وَفِيه مسَائِل
الْمَسْأَلَة الأولى من طبيعة الْملك اتِّخَاذ البطانة المنقسمة إِلَى آمرة بِخَير ومعينة عَلَيْهِ وَإِلَى مشيرة بشر وداعية إِلَيْهِ ومصداقه من الْوَحْي مَا فِي الصَّحِيح عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ مَا بعث الله من نَبِي وَلَا اسْتخْلف من خَليفَة إِلَّا كَانَت لَهُ بطانة تَأمره بِالْمَعْرُوفِ وتحضه عَلَيْهِ وبطانة تَأمره بِالشَّرِّ وتحضه عَلَيْهِ والمعصوم من عصم الله وَفِيه عَن أبي أَيُّوب ﵁ قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول مَا بعث الله من نَبِي وَلَا اسْتخْلف بعده من خَليفَة إِلَّا لَهُ بطانتان بطانة تَأمره بِالْمَعْرُوفِ وتنهاه عَن الْمُنكر وبطانة لَا تألوه خبالا فَمن وقِي شَرها فقد وقِي
الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة فَمَا لابد لَهُ من أَوْصَاف بطانة الْخَيْر الملازمين للبساط أَمْرَانِ
أَحدهمَا الْعقل الْكَامِل التجربة قَالَ الطرطوشي يَنْبَغِي للْملك أَن يُجَالس أهل الْعقل وَذَوي الرَّأْي والحسب والتجربة وَالْعير فمجاله الْعُقَلَاء لقاح الْعقل ومادته
قَالَ وَقَالَ ابْن عَبَّاس ﵄ مجالسة الْعُقَلَاء تزيد فِي الشّرف
стр. 314
الثَّانِي الدّين وَهُوَ مُوجب أَمرهم بِالْخَيرِ ومعونتهم عَلَيْهِ كالفسق الْحَامِل على الْإِشَارَة بِالشَّرِّ وَقد قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَاتبع سَبِيل من أناب إِلَيّ﴾ وَقَالَ فَأَعْرض عَمَّن تولى عَن ذكرنَا وَلم يرد إِلَى الْحَيَاة الدُّنْيَا
الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة من فَوَائِد بطانة الْخَيْر وَجْهَان
أَحدهمَا دلَالَة صحبتهم على من صحبهم فَفِي الْأَمْثَال يظنّ بِالْمَرْءِ مَا يظنّ بخليله
وَقَالَ الطرطوشي وَأعلم أَنه لَيْسَ الدُّخان على النَّار بأدل من الصاحب للصاحب انْتهى
وَفِيه قيل
(إِذا كنت فِي قوم فَصَاحب خيارهم ... وَلَا تصْحَب الأردى فتردى مَعَ الردى)
(عَن المرأ لَا تسْأَل وسل عَن قرينه ... فَكل قرين بالمقارن يَقْتَدِي)
الثَّانِي صَلَاح سَائِر البطانات بهم إِلَى أَن يعم الصّلاح جَمِيع الرّعية قَالَ أزدشير لكل ملك بطانة وَلكُل وَاحِد وَاحِد بطانته من البطانة بطانة حَتَّى يجمع ذَلِك جَمِيع المملكة فَإِذا أَقَامَ الْملك بطانة على حَال الصَّوَاب أَقَامَ كل مِنْهُم بطانته على مثل ذَلِك حَتَّى يجْتَمع على الصّلاح عَامَّة الرّعية
الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة من مفاسد الشَّرّ أَيْضا وَجْهَان
стр. 315
أَحدهمَا مسارقة طباعهم على تدريج خَفِي وانتقال غير مشعور بِهِ فقد كَانَ يُقَال إحذروا ذَوي الطبائع المرذولة كي لَا تسرق طباعكم مِنْهَا وَأَنْتُم لَا تعلمُونَ وَعَن سعيد بن الْمسيب لَا تصْحَب الْفَاجِر فَتَتَعَلَّمُ من فجوره وَلَا تطلعه على سرك وَاسْتَشِرْ فِي أَمرك الَّذين يَخْشونَ الله
قلت وَإِلَيْهِ يرجع قَوْله
(لَا تصْحَب الكسلان فِي حاجاته ... كم صَالح بِفساد آخر يفْسد)
(عدوى البليد إِلَى الْجَلِيل سريعة ... والجمر يوضع فِي الرماد فيخمد)
وَقَوله
(إِن الجهول تضرني أخلاقه ... ضَرَر السعال لمن بِهِ استسقاء)
الثَّانِي استحكام فَسَاد طبعه بتحوله جملَة إِلَى طباعهم الْغَالِبَة عَلَيْهِ قَالَ أزدشير مَا شَيْء أضرّ على نفس الْملك من معاشرة سخيف ومخاطبة وضيع كَمَا أَن النَّفس تصلح على مُخَاطبَة الشريف الأديب كَذَلِك تفْسد بمعاشرة السخيف الخسيس حَتَّى يقدم ذَلِك فِيهَا ويزيلها عَن فضيلتها
стр. 316
قلت ومصداقة مَا تقدم فِي حَدِيث النَّسَائِيّ وَهُوَ إِلَى مَا يغلبه عَلَيْهِ من أَي البطانتين
الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة اتِّخَاذ بطانة الْخَيْر لما يُرَاد بهم وَاجِب فِي حفظ الْملك أصلا وفرعا
قَالَ ابْن حزم ويتخذ من وُجُوه الْكتاب وَالْعُلَمَاء والقضاة والأمراء قوما ذَوي آراء سديدة وكتمان للسر فيجعلهم وزراءه الَّذين يحْضرُون مَجْلِسه يلازمونه فِي التَّدْبِير لجَمِيع مَا قَلّدهُ الله تَعَالَى من أُمُور عباده
قلت ولظهور حِكْمَة وُجُوبه عظم موقعه من كملاء الْمُلُوك الجلة حَتَّى عدوا بعض فَوَائده وَهِي محادثة الرِّجَال آثر اللَّذَّات لديهم وَهِي
الْمَسْأَلَة السَّادِسَة فَقَالَ عبد الْملك بن مَرْوَان قد قضيت الوطر من كل شَيْء إِلَّا من محادثة الإخوان فِي اللَّيَالِي الزهر على التلال العفر وَقَالَ أَيْضا هِشَام قد قضيت الوطر من كل شَيْء فَأكلت الحلو والحامض حَتَّى لَا أجد لوَاحِد مِنْهُمَا طعما وشممت الطّيب حَتَّى لَا أجد لَهُ رَائِحَة وأتيت النِّسَاء حَتَّى مَا أُبَالِي امْرَأَة أتيت أم جِدَار حَائِط فَمَا وجدت شَيْئا ألذ من جليس تسْقط بيني وَبَينه مؤونة التحفظ
وَقَالَ الْمَأْمُون لِلْحسنِ بن سهل نظرت فِي اللَّذَّات فَوَجَدتهَا كلهَا ملولة خلا سبعا قَالَ وَمَا هِيَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ قَالَ لحم الضَّأْن وخبز الْحِنْطَة وَالْمَاء الْبَارِد وَالثَّوْب الناعم والرائحة الطّيبَة والفراش الوطيء وَالنَّظَر إِلَى الْحسن من كل شَيْء قَالَ فَأَيْنَ أَنْت يَا أَمِير من محادثة الرِّجَال فَقَالَ صدقت وَهِي أولى مِنْهُنَّ
стр. 317
الْمَسْأَلَة السَّابِعَة فِي العهود اليونانية وَفِيه بَيَان لما يكفل بِهِ أَوْصَاف المستخلصين للبساط السلطاني عُلَمَائهمْ وسواهم واستخلاص طَائِفَة من أَبنَاء النعم والستر لحضور مجالسك وَليكن مِنْهُم للمجالس الْعَامَّة من عظم قدره وَبعد صيته وَظهر يسَاره وَكَانَ منتصبا للفتيا وموضعا للمشورة وللمجالس الْخَاصَّة من رق طبعه وقويت مَعْرفَته لما تحتمله تِلْكَ الْمجَالِس من سير الْمُلُوك ومآثر الكرماء وذخائر الْحُكَمَاء ومحاسن البلغاء من الْأَشْعَار النادرة وَالْأَخْبَار المؤنسة والأمثال السائرة وَكَانَ مَعَه من كل مَا يسْتَتر الْمُلُوك بِهِ من الْعَوام نصيب وافر وحظ مؤنس وأغنهم عَن غَيْرك تصف لَك ألبابهم وتعزز لديك فوا ئدهم انْتهى
الْمَسْأَلَة الثَّامِنَة فِي سياسة أر سطو أَن مَا يجب على الْملك أَن يلْزم من بِحَضْرَتِهِ الْوَقار وَإِظْهَار الحشمة وَمَتى ظهر من أحد استخفاف عُوقِبَ عَلَيْهِ وَإِن كَانَ مِمَّا يلطف مَحَله كَانَت عُقُوبَته إقصاء عَن الْمجْلس زَمَانا حَتَّى يَنْتَهِي عَن استخفافه وَإِن صَحَّ عَن أحد أَنه فعل ذَلِك قصدا أَنه فعل ذَلِك قصدا للاستخفاف والمحطة أبعد إبعادا طَويلا بعد الْعقُوبَة
فَوَائِد مكملة
أَحدهمَا تتأكد على السُّلْطَان إِذا كَانَ حَدثا أَن يتباعد عَن ذَوي الرِّيبَة من بطانته وَإِن كَانَ أحظاهم منزلَة لَدَيْهِ كَمَا يحْكى أَن زيادا فِي مُدَّة ولَايَته
стр. 318
العراقين كَانَ كثير الرِّعَايَة لحارثة بن بدر وللأحنف بن قيس وَكَانَ حَارِثَة مكبا على الشَّرَاب فَوَقع أهل الْبَصْرَة فِيهِ عِنْد زِيَاد ولاموه فِي تقريبه ومباشرته فَقَالَ لَهُم زِيَاد يَا قوم كَيفَ لي بإطراح رجل هُوَ يسايرني مُنْذُ دخلت الْعرَاق وَلم يصكك ركابي ركابه قطّ وَلَا تقدمني فَنَظَرت إِلَى قَفاهُ وَلَا تَأَخّر عني فلويت إِلَيْهِ عنقِي وَلَا أَخذ على الرّوح فِي صيف وَلَا الشَّمْس فِي شتاء قطّ وَلَا سَأَلته عَن شَيْء من الْعلم إِلَّا وظننته لَا يحسن سواهُ وَأما الْأَحْنَف فَلم يكن فِيهِ مَا يُقَال
فَلَمَّا مَاتَ زِيَاد وَتَوَلَّى وَلَده عبيد الله قَالَ لحارثة إِمَّا أَن تتْرك الشَّرَاب وَإِمَّا أَن تبتعد عني فَقَالَ لَهُ قد علمت حَالي عِنْد والدك فَقَالَ عبيد الله إِن وَالِدي قد نزع نزوعا لَا يلْحقهُ مَعَه عيب وَأَنا حدث وَإِنَّمَا أنسب إِلَيّ من يغلب عَليّ وَأَنت رجل نديم الشَّرَاب فَمَتَى قربتك وَظَهَرت مِنْك رَائِحَة الشَّرَاب لم آمن أَن يظنّ بِي فدع النَّبِيذ وَكن أول دَاخل عَليّ وَآخر خَارج عني فَقَالَ لَهُ أَنا لَا أَدَعهُ لمن يملك ضري ونفعي أفأدعه للْحَال عنْدك قَالَ فاختر من عَمَلي مَا شِئْت قَالَ فولني سرق فقد وصف لي شرابها وتضم إِلَيّ رام هُرْمُز فولاه إيَّاهُمَا
الْفَائِدَة الثَّانِيَة من استولت عَلَيْهِ رذيلة الْخلق صَعب علاجه ليحصل
стр. 319
صحبته فقد قيل لَا يطْمع فِي استصلاح الرذل والحصول على معافاته فَإِن طباعه أصدق لَهُ مِنْك وَلنْ يتْرك طباعه لَك وَقد كَانَ يُقَال أصعب مَا يعانيه الْإِنْسَان ممارسته صَاحب لَا تتحصل مِنْهُ حَقِيقَته
الْفَائِدَة الثَّالِثَة من كَلَام الْحُكَمَاء إِذا رَأَيْت من جليسك أمرا تكرههُ وخلالا تحبها وصدرت مِنْك كلمة عوراء وهفوة غبراء فَلَا تقطع حبله وَلَا تصرم مودته وَلَكِن داو كَلمته واستر عَوْرَته فَإِن رَجَعَ وَإِلَّا فاتقه
قَالَ تَعَالَى فَإِن عصوك فَقل إِنِّي بَرِيء مِمَّا تعلمُونَ فَلم يَأْمر بقطعهم وَإِنَّمَا أمره بِالْبَرَاءَةِ من عَمَلهم السوء
الرُّكْن الْخَامِس عشر
تنظيم الْمجْلس وعوائده
وَفِيه مسَائِل
الْمَسْأَلَة الأولى لابد للسُّلْطَان من الِاجْتِمَاع بخواص مقربيه أَولا وبمن يصل إِلَيْهِ من سواهُم بِحَسب الْحَاجة ثَانِيًا وَالْمحل الْمعد لذَلِك هُوَ الْمجْلس فِي الْجُمْلَة وَسَيَأْتِي إِن شَاءَ الله فِي شارات الْملك الطبيعية إِلْحَاق لَهُ أَن من اتِّخَاذ السرير فِي هَذَا الْمجْلس لما تَدْعُو إِلَيْهِ مُنَازع الْملك من الترفع عَن الْمُسَاوَاة فِي الْجُلُوس فِيهِ بَين السُّلْطَان وَمن عداهُ وَذَلِكَ مُسْتَلْزم لضَرُورَة عقد الْمجْلس أَولا كَمَا يشْهد بِاعْتِبَارِهِ فعل الرَّسُول ﷺ فِي جُلُوسه مَعَ أَصْحَابه ﵃ وَعند ذَلِك فآدابه الشَّرْعِيَّة والسياسية لابد من الْمُحَافظَة عَلَيْهَا
الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة مَا يُطَالب بِهِ السُّلْطَان فِي مَجْلِسه ضَرْبَان
أَحدهمَا مَا يحسن بِهِ فعله كالتجميل والصمت وَالْوَقار والانقباض
стр. 320
بِمحضر الْعَامَّة وَالْجُلُوس تربعا والضحك تبسما ونظم الحَدِيث والاصغاء إِلَى الْكَلَام الْحسن من غبر إِظْهَار تعجب مفرط
الثَّانِي مَا يجمل بِهِ تَركه كتشبيك الْأَصَابِع وإدخالها فِي الْأنف وَوضع الْيَد على اللِّحْيَة والضحك والالتفات وَمد الرجل وَالْقِيَام وَالْقعُود والتحول عَن الْحَالة الَّتِي جلس عَلَيْهَا واللعب بالخاتم وتخيل الْأَسْنَان وَالْإِشَارَة بِالْيَدِ وَكَثْرَة البصاق والتمطي والتثاؤب والانبساط الدَّال على الْفَرح والانقباض الدَّال على الْحزن لِئَلَّا يسْتَدلّ بذلك على مَا فِي نَفسه
فَائِدَة فِي تَنْبِيه صور الْقَرَافِيّ انقسام التجمل السلطاني وَغَيره إِلَى وَاجِب إِذا توقف عَلَيْهِ تنفيذه لِأَن الْهَيْئَة الدنية والرثة لَا يحصل مَعهَا مصَالح الْعَامَّة من الْوُلَاة وَإِلَى مَنْدُوب فِي الصَّلَوَات وَالْجَمَاعَات والحروب لرهبة الْعَدو وَالْمَرْأَة لزَوجهَا وَفِي الْعلمَاء لتعظيم الْعلم فِي النُّفُوس فقد قَالَ عمر ﵁ أحب إِلَيّ أَن أرى الْقَارئ أَبيض الثِّيَاب وَإِلَى حرَام كالتزين للنِّسَاء الأجنبيات وَإِلَى مُبَاح إِذا عرى عَن هَذِه الْأَسْبَاب
الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة من الْوَاقِع فِي الْمجْلس السلطاني عوائد مَعْرُوفَة
الْعَادة الأولى السَّلَام عَلَيْهِ عِنْد الْوُصُول إِلَيْهِ والسني مِنْهَا مَا هُوَ مَعْلُوم من تَحِيَّة الْإِسْلَام وَمَا وَرَاء ذَلِك فَلَا يخفى مَا فِيهِ وَلذَلِك يحْكى أَنه لما حضر أَبُو مَنْصُور ابْن الجواليقي للصَّلَاة بِالْإِمَامِ المقتفى بِاللَّه
следующие страницы →