Полный текст (992 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
قلت ومصداقة مَا تقدم فِي حَدِيث النَّسَائِيّ وَهُوَ إِلَى مَا يغلبه عَلَيْهِ من أَي البطانتين
الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة اتِّخَاذ بطانة الْخَيْر لما يُرَاد بهم وَاجِب فِي حفظ الْملك أصلا وفرعا
قَالَ ابْن حزم ويتخذ من وُجُوه الْكتاب وَالْعُلَمَاء والقضاة والأمراء قوما ذَوي آراء سديدة وكتمان للسر فيجعلهم وزراءه الَّذين يحْضرُون مَجْلِسه يلازمونه فِي التَّدْبِير لجَمِيع مَا قَلّدهُ الله تَعَالَى من أُمُور عباده
قلت ولظهور حِكْمَة وُجُوبه عظم موقعه من كملاء الْمُلُوك الجلة حَتَّى عدوا بعض فَوَائده وَهِي محادثة الرِّجَال آثر اللَّذَّات لديهم وَهِي
الْمَسْأَلَة السَّادِسَة فَقَالَ عبد الْملك بن مَرْوَان قد قضيت الوطر من كل شَيْء إِلَّا من محادثة الإخوان فِي اللَّيَالِي الزهر على التلال العفر وَقَالَ أَيْضا هِشَام قد قضيت الوطر من كل شَيْء فَأكلت الحلو والحامض حَتَّى لَا أجد لوَاحِد مِنْهُمَا طعما وشممت الطّيب حَتَّى لَا أجد لَهُ رَائِحَة وأتيت النِّسَاء حَتَّى مَا أُبَالِي امْرَأَة أتيت أم جِدَار حَائِط فَمَا وجدت شَيْئا ألذ من جليس تسْقط بيني وَبَينه مؤونة التحفظ
وَقَالَ الْمَأْمُون لِلْحسنِ بن سهل نظرت فِي اللَّذَّات فَوَجَدتهَا كلهَا ملولة خلا سبعا قَالَ وَمَا هِيَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ قَالَ لحم الضَّأْن وخبز الْحِنْطَة وَالْمَاء الْبَارِد وَالثَّوْب الناعم والرائحة الطّيبَة والفراش الوطيء وَالنَّظَر إِلَى الْحسن من كل شَيْء قَالَ فَأَيْنَ أَنْت يَا أَمِير من محادثة الرِّجَال فَقَالَ صدقت وَهِي أولى مِنْهُنَّ
стр. 317
الْمَسْأَلَة السَّابِعَة فِي العهود اليونانية وَفِيه بَيَان لما يكفل بِهِ أَوْصَاف المستخلصين للبساط السلطاني عُلَمَائهمْ وسواهم واستخلاص طَائِفَة من أَبنَاء النعم والستر لحضور مجالسك وَليكن مِنْهُم للمجالس الْعَامَّة من عظم قدره وَبعد صيته وَظهر يسَاره وَكَانَ منتصبا للفتيا وموضعا للمشورة وللمجالس الْخَاصَّة من رق طبعه وقويت مَعْرفَته لما تحتمله تِلْكَ الْمجَالِس من سير الْمُلُوك ومآثر الكرماء وذخائر الْحُكَمَاء ومحاسن البلغاء من الْأَشْعَار النادرة وَالْأَخْبَار المؤنسة والأمثال السائرة وَكَانَ مَعَه من كل مَا يسْتَتر الْمُلُوك بِهِ من الْعَوام نصيب وافر وحظ مؤنس وأغنهم عَن غَيْرك تصف لَك ألبابهم وتعزز لديك فوا ئدهم انْتهى
الْمَسْأَلَة الثَّامِنَة فِي سياسة أر سطو أَن مَا يجب على الْملك أَن يلْزم من بِحَضْرَتِهِ الْوَقار وَإِظْهَار الحشمة وَمَتى ظهر من أحد استخفاف عُوقِبَ عَلَيْهِ وَإِن كَانَ مِمَّا يلطف مَحَله كَانَت عُقُوبَته إقصاء عَن الْمجْلس زَمَانا حَتَّى يَنْتَهِي عَن استخفافه وَإِن صَحَّ عَن أحد أَنه فعل ذَلِك قصدا أَنه فعل ذَلِك قصدا للاستخفاف والمحطة أبعد إبعادا طَويلا بعد الْعقُوبَة
فَوَائِد مكملة
أَحدهمَا تتأكد على السُّلْطَان إِذا كَانَ حَدثا أَن يتباعد عَن ذَوي الرِّيبَة من بطانته وَإِن كَانَ أحظاهم منزلَة لَدَيْهِ كَمَا يحْكى أَن زيادا فِي مُدَّة ولَايَته
стр. 318
العراقين كَانَ كثير الرِّعَايَة لحارثة بن بدر وللأحنف بن قيس وَكَانَ حَارِثَة مكبا على الشَّرَاب فَوَقع أهل الْبَصْرَة فِيهِ عِنْد زِيَاد ولاموه فِي تقريبه ومباشرته فَقَالَ لَهُم زِيَاد يَا قوم كَيفَ لي بإطراح رجل هُوَ يسايرني مُنْذُ دخلت الْعرَاق وَلم يصكك ركابي ركابه قطّ وَلَا تقدمني فَنَظَرت إِلَى قَفاهُ وَلَا تَأَخّر عني فلويت إِلَيْهِ عنقِي وَلَا أَخذ على الرّوح فِي صيف وَلَا الشَّمْس فِي شتاء قطّ وَلَا سَأَلته عَن شَيْء من الْعلم إِلَّا وظننته لَا يحسن سواهُ وَأما الْأَحْنَف فَلم يكن فِيهِ مَا يُقَال
فَلَمَّا مَاتَ زِيَاد وَتَوَلَّى وَلَده عبيد الله قَالَ لحارثة إِمَّا أَن تتْرك الشَّرَاب وَإِمَّا أَن تبتعد عني فَقَالَ لَهُ قد علمت حَالي عِنْد والدك فَقَالَ عبيد الله إِن وَالِدي قد نزع نزوعا لَا يلْحقهُ مَعَه عيب وَأَنا حدث وَإِنَّمَا أنسب إِلَيّ من يغلب عَليّ وَأَنت رجل نديم الشَّرَاب فَمَتَى قربتك وَظَهَرت مِنْك رَائِحَة الشَّرَاب لم آمن أَن يظنّ بِي فدع النَّبِيذ وَكن أول دَاخل عَليّ وَآخر خَارج عني فَقَالَ لَهُ أَنا لَا أَدَعهُ لمن يملك ضري ونفعي أفأدعه للْحَال عنْدك قَالَ فاختر من عَمَلي مَا شِئْت قَالَ فولني سرق فقد وصف لي شرابها وتضم إِلَيّ رام هُرْمُز فولاه إيَّاهُمَا
الْفَائِدَة الثَّانِيَة من استولت عَلَيْهِ رذيلة الْخلق صَعب علاجه ليحصل
стр. 319
صحبته فقد قيل لَا يطْمع فِي استصلاح الرذل والحصول على معافاته فَإِن طباعه أصدق لَهُ مِنْك وَلنْ يتْرك طباعه لَك وَقد كَانَ يُقَال أصعب مَا يعانيه الْإِنْسَان ممارسته صَاحب لَا تتحصل مِنْهُ حَقِيقَته
الْفَائِدَة الثَّالِثَة من كَلَام الْحُكَمَاء إِذا رَأَيْت من جليسك أمرا تكرههُ وخلالا تحبها وصدرت مِنْك كلمة عوراء وهفوة غبراء فَلَا تقطع حبله وَلَا تصرم مودته وَلَكِن داو كَلمته واستر عَوْرَته فَإِن رَجَعَ وَإِلَّا فاتقه
قَالَ تَعَالَى فَإِن عصوك فَقل إِنِّي بَرِيء مِمَّا تعلمُونَ فَلم يَأْمر بقطعهم وَإِنَّمَا أمره بِالْبَرَاءَةِ من عَمَلهم السوء
الرُّكْن الْخَامِس عشر
تنظيم الْمجْلس وعوائده
وَفِيه مسَائِل
الْمَسْأَلَة الأولى لابد للسُّلْطَان من الِاجْتِمَاع بخواص مقربيه أَولا وبمن يصل إِلَيْهِ من سواهُم بِحَسب الْحَاجة ثَانِيًا وَالْمحل الْمعد لذَلِك هُوَ الْمجْلس فِي الْجُمْلَة وَسَيَأْتِي إِن شَاءَ الله فِي شارات الْملك الطبيعية إِلْحَاق لَهُ أَن من اتِّخَاذ السرير فِي هَذَا الْمجْلس لما تَدْعُو إِلَيْهِ مُنَازع الْملك من الترفع عَن الْمُسَاوَاة فِي الْجُلُوس فِيهِ بَين السُّلْطَان وَمن عداهُ وَذَلِكَ مُسْتَلْزم لضَرُورَة عقد الْمجْلس أَولا كَمَا يشْهد بِاعْتِبَارِهِ فعل الرَّسُول ﷺ فِي جُلُوسه مَعَ أَصْحَابه ﵃ وَعند ذَلِك فآدابه الشَّرْعِيَّة والسياسية لابد من الْمُحَافظَة عَلَيْهَا
الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة مَا يُطَالب بِهِ السُّلْطَان فِي مَجْلِسه ضَرْبَان
أَحدهمَا مَا يحسن بِهِ فعله كالتجميل والصمت وَالْوَقار والانقباض
стр. 320
بِمحضر الْعَامَّة وَالْجُلُوس تربعا والضحك تبسما ونظم الحَدِيث والاصغاء إِلَى الْكَلَام الْحسن من غبر إِظْهَار تعجب مفرط
الثَّانِي مَا يجمل بِهِ تَركه كتشبيك الْأَصَابِع وإدخالها فِي الْأنف وَوضع الْيَد على اللِّحْيَة والضحك والالتفات وَمد الرجل وَالْقِيَام وَالْقعُود والتحول عَن الْحَالة الَّتِي جلس عَلَيْهَا واللعب بالخاتم وتخيل الْأَسْنَان وَالْإِشَارَة بِالْيَدِ وَكَثْرَة البصاق والتمطي والتثاؤب والانبساط الدَّال على الْفَرح والانقباض الدَّال على الْحزن لِئَلَّا يسْتَدلّ بذلك على مَا فِي نَفسه
فَائِدَة فِي تَنْبِيه صور الْقَرَافِيّ انقسام التجمل السلطاني وَغَيره إِلَى وَاجِب إِذا توقف عَلَيْهِ تنفيذه لِأَن الْهَيْئَة الدنية والرثة لَا يحصل مَعهَا مصَالح الْعَامَّة من الْوُلَاة وَإِلَى مَنْدُوب فِي الصَّلَوَات وَالْجَمَاعَات والحروب لرهبة الْعَدو وَالْمَرْأَة لزَوجهَا وَفِي الْعلمَاء لتعظيم الْعلم فِي النُّفُوس فقد قَالَ عمر ﵁ أحب إِلَيّ أَن أرى الْقَارئ أَبيض الثِّيَاب وَإِلَى حرَام كالتزين للنِّسَاء الأجنبيات وَإِلَى مُبَاح إِذا عرى عَن هَذِه الْأَسْبَاب
الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة من الْوَاقِع فِي الْمجْلس السلطاني عوائد مَعْرُوفَة
الْعَادة الأولى السَّلَام عَلَيْهِ عِنْد الْوُصُول إِلَيْهِ والسني مِنْهَا مَا هُوَ مَعْلُوم من تَحِيَّة الْإِسْلَام وَمَا وَرَاء ذَلِك فَلَا يخفى مَا فِيهِ وَلذَلِك يحْكى أَنه لما حضر أَبُو مَنْصُور ابْن الجواليقي للصَّلَاة بِالْإِمَامِ المقتفى بِاللَّه
стр. 321
وَدخل عَلَيْهِ لأوّل دُخُوله مَا زَاد على أَن قَالَ السَّلَام على أَمِير الْمُؤمنِينَ وَرَحْمَة الله تَعَالَى فَقَالَ لَهُ ابْن التلميذ النَّصْرَانِي وَكَانَ قَائِما بَين يَدَيْهِ وَله إدلال الْخدمَة مَا هَكَذَا يسلم على أَمِير الْمُؤمنِينَ يَا شيخ فَلم يلْتَفت ابْن الجو اليقي إِلَيْهِ وَقَالَ للمقتفى يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ سلامي هُوَ مِمَّا جَاءَت بِهِ السّنة النَّبَوِيَّة وروى لَهُ خَبرا فِي صُورَة السَّلَام ثمَّ قَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ لَو حلف حَالف أَن نَصْرَانِيّا أَو يَهُودِيّا لم يصل إِلَى قلبه نوع من أَنْوَاع الْعلم على الْوَجْه لما لَزِمته كَفَّارَة الْحِنْث لِأَن الله تَعَالَى ختم على قُلُوبهم وَلنْ يفك خَاتم الله إِلَّا الْإِيمَان فَقَالَ لَهُ صدقت وأحسنت فِيمَا فعلت وكأنما ألقم ابْن التلميذ حجرا
الْعَادة الثَّانِيَة جُلُوس الدَّاخِل حَيْثُ تَقْتَضِيه مرتبته لَكِن رُبمَا لَا تسلم لمدعيها إِلَّا بعد الْوَفَاء لما يستوجبها بِهِ كَمَا يحْكى عَن أبي نصر الفارابي لما ورد على سيف الدولة وَكَانَ مَجْلِسه يجمع الْفُضَلَاء فِي جَمِيع المعارف فَأدْخل عَلَيْهِ وَهُوَ فِي زِيّ الأتراك وَكَانَ ذَلِك زيه دَائِما فَوقف فَقَالَ لَهُ سيف الدولة أقعد فَقَالَ حَيْثُ أَنَام أم حَيْثُ أَنْت قَالَ حَيْثُ أَنْت فتخطى رِقَاب النَّاس حَتَّى انْتهى إِلَى مُسْند سيف الدولة وزاحمه حَتَّى
стр. 322
أخرجه عَنهُ وَكَانَ على رَأس سيف الدولة مماليك وَله مَعَهم لِسَان خَاص يسارهم بِهِ قل أَن يعرفهُ أحد فَقَالَ لَهُم بذلك اللِّسَان هَذَا الشَّيْخ قد أَسَاءَ الْأَدَب وَإِنِّي سائله عَن أَشْيَاء إِن لم يُوفي بهَا فأخرجوا بِهِ فَأَجَابَهُ أَبُو نصر بذلك اللِّسَان أَيهَا الْأَمِير اصبر فَإِن الْأُمُور بخواتيمها فَعجب سيف الدولة مِنْهُ وَقَالَ لَهُ أتحسن الْكَلَام بِهَذَا اللِّسَان فَقَالَ نعم أحسن بِأَكْثَرَ من سبعين لِسَانا فَعظم عِنْده
الْعَادة الثَّالِثَة تَقْبِيل يَده على رَأْي بعض الْعلمَاء ونصوص الْمَذْهَب الْمَالِكِي على خِلَافه فَفِي الرسَالَة وَكره مَالك تَقْبِيل الْيَد وَأنكر مَا روى فِيهِ قَالَ القَاضِي عبد الْوَهَّاب لِأَنَّهُ من فعل الْأَعَاجِم وأخلاقهم فَلم ينْقل عَن أحد من السّلف فَوَجَبَ كراهيته وَقَالَ فِي تلقينه والمعانقة مَكْرُوهَة وتقبيل الْيَد مشدد فِي مَنعه لِأَن فِيهِ معنى التجبر
مُوَافقَة دخل رجل على هِشَام بن عبد الْملك فَقبل يَده فَقَالَ إِن الْعَرَب مَا قبلت الْيَد إِلَّا هلوعا وَلَا فعلته الْعَجم إِلَّا خضوعا وَاسْتَأْذَنَ رجل الْمَأْمُون فِي تَقْبِيل يَده فَقَالَ أَن قبْلَة الْيَد من الْمُسلمين ذلة وَمن الذِّمِّيّ خديعة وَلَا حَاجَة بك أَن تذل وَلَا بِنَا أَن نخدع
стр. 323
تَفْرِقَة من الْعلمَاء من أجَاز ذَلِك فِي حق ذَوي الْعلم وَالدّين قَالَ النَّوَوِيّ من أَرَادَ تَقْبِيل يَد غَيره فَإِن كَانَ لزهده أَو لعلمه أَو أَمر ديني لم يكره بل يسْتَحبّ وَإِن كَانَ لغناه أَو وجاهته فِي الدُّنْيَا فمكروه شَدِيد الْكَرَاهِيَة
وَقَالَ الْمُتَوَلِي من أَصْحَابنَا لَا يجوز فَأَشَارَ إِلَى أَنه حرَام
قلت وبهذه التَّفْرِقَة قَالَ الْأَبْهَرِيّ فِي شَرحه لمختصر ابْن عبد الحكم
قَالَ الْبُرْزُليّ وفعلته مَعَ أشياخي وقصدي بِهِ التَّبَرُّك والتعظيم وَلما تقرر عِنْدِي من الْأَحَادِيث وَعدم إِنْكَار ذَلِك عَن مُعظم من يَقْتَدِي بِهِ
قلت وَفِيه بحث لَا يسع الْآن بَسطه
الْعَادة الرَّابِعَة عدم الدنو مِنْهُ فِي الْجُمْلَة
стр. 324
قَالَ الجاحظ وَمن حق الْملك أَن لَا يدنو مِنْهُ أحد صَغِير وَلَا كَبِير إِلَّا وَهُوَ مَعْرُوف الْأَبَوَيْنِ غير خامل وَلَا مَجْهُول فَإِن احْتَاجَ إِلَى مشافهة خامل أَو وضيع لنصيحة يسرها إِلَيْهِ أَو لأمر يسْأَله عَنهُ فَمن حق الْملك أَن لَا يخلي والدنو مِنْهُ حَتَّى يفتش أَولا ثمَّ يَأْخُذ بضعَة إِنْسَان فَإِذا أبدى مَا عِنْده وَقبل مَا جَاءَ بِهِ فَمن حَقه على الْملك الْإِحْسَان إِلَيْهِ وَالنَّظَر فِي حَاجته إِن كَانَت لَهُ ليرغب ذُو النصائح فِي رَفعهَا إِلَى مُلُوكهمْ والتقرب بهَا إِلَيْهِم
قلت قيام الْمُقْتَضِي لهَذِهِ الْعَادة مستدع لاعتبارها شرعا
الْعَادة الْخَامِسَة مدحه بِمَا يذكرهُ بعظيم النِّعْمَة عَلَيْهِ ويستوجب بِهِ المادح منزلَة الزلفى لَدَيْهِ وَمن مستحسن مَا ورد من ذَلِك مَا يرْوى أَن أَعْرَابِيًا دخل على بعض الْمُلُوك فَقَالَ رَأَيْتنِي فِيمَا أتعاطى من مدحك كالمخبر عَن ضوء النَّهَار وَالْقَمَر الزَّاهِر الَّذِي لَا يخفى على النَّاظر وأيقنت أَنِّي إِلَى حَيْثُ انْتهى بِي القَوْل مَنْسُوب إِلَى الْعَجز مقصر عَن الْغَايَة فِيمَا تصرفت من الثَّنَاء عَلَيْك إِلَى الدُّعَاء لَك ووكلت الْأَخْبَار عَنْك إِلَى علم النَّاس بهَا
تَنْبِيهَانِ من الْمُلُوك من كره المواجهة لَهُ بمدحه عِنْد الدُّخُول عَلَيْهِ فيحكى أَن أَعْرَابِيًا دخل على عبد الْملك بن مَرْوَان فَقَالَ لَهُ تكلم بحاجتك فَقَالَ لَهُ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ بهر الدرجَة وهيبة الْخلَافَة يمنعان من ذَلِك قَالَ فعلى رسلك فَأَنا لَا نحب مدح المشافهة وَلَا تَزْكِيَة اللِّقَاء قَالَ
стр. 325
يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ لست أمدحك وَلَكِنِّي أَحْمد الله على النِّعْمَة بك قَالَ حَسبك قد بلغت وَقضى حَوَائِجه
قلت وَإِن كَانَ مُوجب هَذِه الْكَرَاهَة خوف الْغرُور بالمدح فَهُوَ من الْوَاجِب استحضاره وَكَذَا إِن علم من نَفسه تَقْصِيره عَمَّا مدح بِهِ
فَفِي الأفلاطونيات يَنْبَغِي للْملك أَن لَا يقبل من الْمَدْح إِلَّا مَا كَانَ مستشعرا لَهُ وَلَا يُطلق بِهِ إِلَّا أَلْسِنَة الثِّقَات عِنْده ويستحي عَن تَقْصِيره عَمَّا يلقى بِهِ مِنْهُ لِأَنَّهُ من الْقَبِيح أَن تسبق أَقْوَال عامته من حسن القَوْل إِلَى مَا لم يبلغهُ فعله من الْجَمِيل
التَّنْبِيه الثَّانِي على السُّلْطَان عِنْد سَماع مدحه أَو بُلُوغه إِلَيْهِ أَن يلْتَفت إِلَى عَكسه بِتَقْدِير زَوَال مَا بِيَدِهِ وَعند ذَلِك فليعمل على مَا يخلد لَهُ الثَّنَاء الْحسن دون مصانعة
قَالَ فِي العهود اليونانية وَأعلم أَن الْأَلْسِنَة محبوسة عَن ذكر معائبك مَا كنت فِي ظلّ أَمرك ونهيك فَإِذا زَالا رَجَعَ كل مَحْبُوس إِلَى حَقِيقَته فاجتنب الركون إِلَى مَا تَزْيِين مَا قبح مِنْهُ واستدرك فِي حِين سلطانك مَا يُنكر عَلَيْك فَإِن الرَّاجِع إِلَى الْحق أحد المصيبين
الْعَادة السَّادِسَة التهنئة بالمحبوب
وَمن بارع مَا روى مِنْهَا لَكِن مَعَ اقتران مَحْبُوب السُّلْطَان بمكروه غَيره أَن عبد الله بن الْأَهْتَم دخل على أُميَّة بن خَالِد بن أسيد لما
стр. 326
هزم وَلم يدْرِي النَّاس مَا يَقُولُونَ لَهُ فَقَالَ الْحَمد لله الَّذِي نظر لنا أَيهَا الْأَمِير عَلَيْك وَلم ينظر لَك علينا فقد تعرضت للشَّهَادَة بجهدك إِلَّا أَن الله تَعَالَى علم حَاجَة أهل الْإِسْلَام إِلَيْك فأبقاك لَهُم وَلم يخذلان من كَانَ مَعَك فصدر النَّاس عَن كَلَامه
الْعَادة السَّابِعَة التَّعْزِيَة على الْمَكْرُوه وَمن بليغ مَا روى مِنْهَا أَن رجلا دخل على مُعَاوِيَة ﵁ وَقد سَقَطت أَسْنَانه فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن الْأَعْضَاء يَرث بَعْضهَا بَعْضًا وَالْحَمْد لله الَّذِي جعلك وارثها وَلم يَجْعَلهَا وارثك قيل وَهَذَا من معنى قَوْله ﷺ متعنَا اللَّهُمَّ بأسماعنا وأبصارنا وَقُوَّتِنَا مَا أبقيتنا وأجعله الْوَارِث منا
الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة إِذا كَانَ الْمجْلس السلطاني معقودا للْحكم بَين النَّاس فعلى السُّلْطَان أَن يستشعر فِيهِ مَا قرر فِي العهود اليونانية فَفِيهَا فَاعْلَم أَنَّك فِي مجلسك وملابستك لأمور أهل مملكتك فِي طَائِفَة من الله وَتَعَالَى فاحذر أَن يعدل بك غضبك عَن عدل أَو يهجم بك رضاك عَن إِضَاعَة حق ولتكن قدرتك وَقفا على النصفة فَلَا تتَنَاوَل بهَا مَحْظُورًا عَلَيْك وَلَا تكرهن مُبَاحا لَك واجنح بتدبيرك إِلَى حسن الروية فخف أَن تقعد بك أَنَاة عَن حزم أَو عجلة عَن تبين وَلَا يمنعك الْإِنْصَاف فِي الْمُعَامَلَة عَن الْأَخْذ بِالْفَضْلِ وَلَا الْعدْل فِي الْعقُوبَة عَن الْعود بِالْعَفو وأطع الْحجَّة مَا تَوَجَّهت عَلَيْك وَلَا تعجل بهَا إِن كَانَت لَك فَإِن انقيادك لَهَا أحسن من ظفرك بهَا وَلَا يغلبنك مَا حلى بالنفوس على مَا عطف عَلَيْهِ الْكَرم وَلَا مَا أوجب الحقد على مَا بني عَلَيْهِ الْإِبْقَاء وَلَا تردن نصيحة على أَهلهَا فتمنعها عِنْد شدَّة الْحَاجة إِلَيْهَا وَلَا تُطِع فِيهَا غير أَهلهَا فتشغل عَن إِمْضَاء الْأُمُور بِمَا لَا عايد فِيهِ عَلَيْك فِي معادك واحرص أَن لَا ينقضى عَلَيْك شَيْء من هَذِه الْمجَالِس إِلَّا وَقد سبقت عودتك عَلَيْك انْتهى
стр. 327
لَا خَفَاء بموقع هَذِه الْوَصَايَا شرعا وسياسة
المسالة الْخَامِسَة من الندوب إِلَيْهِ عِنْد الْقيام من الْمجْلس الإقتداء برَسُول الله ﷺ فبالذكر الَّذِي كَانَ يَقُوله عِنْد قِيَامه من مَجْلِسه فَفِي التِّرْمِذِيّ عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من جلس فِي مجْلِس فَكثر فِيهِ لغطه فَقَالَ قبل أَن يقوم من مَجْلِسه ذَلِك سُبْحَانَهُ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك أشهد أَن لَا اله إِلَّا أَنْت أستغفرك وَأَتُوب إِلَيْك إِلَّا غفر الله لَهُ مَا كَانَ فِي مَجْلِسه ذَلِك
وَفِي الْحِلْية عَن عَليّ ﵁ من أحب أَن يكتال بالمكيال أَلا وفى فَلْيقل آخر مَجْلِسه أَو حسن يقوم سُبْحَانَ رَبك رب الْعِزَّة عَمَّا يصفونَ
الرُّكْن السَّادِس عشر
تَقْرِير الظُّهُور والاحتجاب
وَفِيه نظران
النّظر الأول فِي الظُّهُور
وَفِيه مسَائِل
الْمَسْأَلَة الأولى الظُّهُور الْوَاجِب على السُّلْطَان للنَّظَر فِي سياسة ملكه ورعيته نَوْعَانِ
النَّوْع الأول للعامة وَقد جعله ابْن حزم يَوْمًا فِي الْجُمُعَة قَالَ وَلَا يمْنَع مِنْهُ مشتك كَائِنا من كَانَ
стр. 328
قلت حَاصله اسْتِحْسَان التقليل من مباشرتهم وَهُوَ ظَاهر لأمرين حرج التكثير مِنْهَا وعودا بِضَرَر الْإِنْسَان بِالْمُشَاهَدَةِ فقد قَالَ حكماء الْهِنْد ظُهُور الْملك للعامة يجرئهم عَلَيْهِ ويهون أمره لديهم وَفِي الافلاطونيات يحْتَاج الْملك إِلَى أَن يكون من عامته فِي ستر فَإِنَّهُ إِذا أُنْسُهَا هان عَلَيْهَا قَالَ وَالْعلَّة فِي ذَلِك أَن طباعها إِن تهين بَعْضهَا بَعْضًا وَلَا توقره فَكل من انبسطت إِلَيْهِ جرى مجْرى بَعْضهَا بعض
النَّوْع الثَّانِي للخاصة الْمُسْتَعَان بهم فِي التَّدْبِير وَقد جعله ابْن حزم أَيْضا سَائِر الْأَيَّام قَالَ وَلَا يسرف على نَفسه لَكِن طرفِي النَّهَار من صَلَاة الصُّبْح إِلَى نَحْو ثَلَاث سَاعَات من النَّهَار وَمن صَلَاة الْعَصْر إِلَى إصفرار الشَّمْس وَيجْعَل وسط نَهَاره لراحة جِسْمه وَالنَّظَر فِي مَاله وَأَهله انْتهى
قلت وأوسع مِنْهُ قَول الجاحظ على الْملك أَن يقسم يَوْمه أقساما أَوله لذكر الله تَعَالَى وتعظيمه وصدره لرعاياه وَإِصْلَاح أمرهَا ووسطه لأكله ومنامه وطرفه لشغله الْخَاص بِهِ ولراحته
قلت وَمن أَخذ فِي الحزم بَالغ فِي ذَلِك جهده
الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة الْيَوْم الَّذِي يظْهر فِيهِ السُّلْطَان للعامة وَمن النَّاس اسْتحْسنَ فِيهِ عدم تعينه محتجبا بِأُمُور
أَحدهَا أَنه قد يعوقه عَن ذَلِك الْيَوْم عَارض شغل أَو كسل أَو لَذَّة مغتنمة فَيخرج على كره
الثَّانِي أَنه إِذا تخلف فِيهِ لموجب فَيُقَال مرض أَو أحدث عَلَيْهِ حَادث ذَلِك يكْسب الْعَدو جرْأَة وسرورا والوالي حزنا وخوفا
الثَّالِث أَنه يواعد الْعَدو الماكر اللِّقَاء فِيهِ فَرُبمَا احتال فِيهِ على مَا ينَال فِيهِ غنيمَة الفرصة
стр. 329
الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة من صون ظُهُور السُّلْطَان للعامة أَن يكون رَاكِبًا والسياسة فِيهَا فِيمَا ذكرُوا أَن لَا يتَقَدَّم النَّاس فيلقي من يرد عَلَيْهِ دون حَاجِب وَلَا يتَأَخَّر عَنْهُم فيؤذوه بغبارهم وَليكن على حد من التَّوَسُّط يكون فِيهِ من خَلفه أَكثر أَمَامه وَليكن بإزائه من رِجَاله أفهمهم ويليهم أَشَّدهم فِي أنفسهم
الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة قَالَ بَعضهم الْهَيْئَة الَّتِي يظْهر عَلَيْهَا للنَّاس وقار فِي غير قطوب وَبسط وَجه فِي غير ضحك
قلت تقدم مَا يُشِير إِلَى طلبه بِفعل الْوَقار امتثالا بترك الضحك اجتنابا فالوقار قَالُوا وَهُوَ من الله تَعَالَى وَمن رزقه إِيَّاه فقد وسمه بسيماء الْخَيْر وَكَثْرَة الضحك قَالَ أرسطو تذْهب الهيبة وتعجل الْهَرم
قلت وَفِي وَصَايَا النَّبِي ﷺ لأبي ذَر ﵁ إياك وَكَثْرَة الضحك فَإِنَّهُ يُمِيت الْقلب وَيذْهب بِنور الْوَجْه رَوَاهُ غير وَاحِد فِي حَدِيث طَوِيل
الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة تقدم عَن ابْن حزم أَن السُّلْطَان يعود إِلَى الظُّهُور
стр. 330
لخواصه مَا بَين صَلَاة الْعَصْر واصفرار الشَّمْس وَقد عين بعد ذَلِك مَالا يعمر بِهِ ذَلِك الْوَقْت يَجْعَل الإِمَام عشي نَهَاره إِلَى الإصفرار للجلساء ويختارهم من أهل الْعلم وَالْفضل وَالْعقل وَحسن التَّدْبِير يَخُوض مَعَهم فِي الْفِقْه وَفِي سَائِر الْعُلُوم الشَّرْعِيَّة وَفِي مذاكرة السياسة وَالْأَخْبَار وَقد كَانَ رَسُول الله ﷺ يجلس مَعَ أَصْحَابه ويذاكرهم ويشاورهم وَيُعلمهُم وَكَذَلِكَ الْخُلَفَاء بعده
قلت وَكَذَا بعد انقلاب الْخلَافَة ملكا فِي كثير من الدول لَكِن مِنْهُم من يخص هَذَا النَّوْع الْمشَار إِلَيْهِ بِبَعْض فُصُول السّنة كَمَا عَلَيْهِ سيرة مُلُوك بني زيان بتلمسان حَتَّى الْآن
الْمَسْأَلَة السَّادِسَة من السِّيرَة السياسية الْبَعِيدَة المدى فِي تَرْتِيب الظُّهُور لمباشرة النّظر فِي رِعَايَة الْملك والرعايا مَا ذكرُوا أَن مُعَاوِيَة ﵁ كَانَ يظْهر فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة خمس مَرَّات فَكَانَ إِذا صلى الصُّبْح جلس للقاص حَتَّى يفرغ من قصصه ثمَّ يدْخل فَيُؤتى بمصحفه فَيقْرَأ جزءه ثمَّ يدْخل إِلَى منزله فيأمر وَينْهى ثمَّ يُصَلِّي أَربع رَكْعَات ثمَّ يخرج إِلَى مَجْلِسه فَيَأْذَن لخاصته ويحدثهم ويحدثونه وَيدخل عَلَيْهِ وزرائه فيكلمونه فِيمَا يريدونه من يومهم ثمَّ يُؤْتى بالغداء الْأَصْفَر وَهُوَ فضل عشَاء اللَّيْل من منزله جدي بَارِد أَو فروج أَو مَا يُشبههُ ثمَّ يتحدث طَويلا ثمَّ يدْخل إِلَى منزله لما أَرَادَ ثمَّ يخرج فَيَقُول يَا غُلَام أخرج الْكُرْسِيّ وَيخرج إِلَى الْمَسْجِد ويسند ظَهره إِلَى الْمَقْصُورَة وَيقوم الأحراس فَيقدم إِلَيْهِ الضَّعِيف والأعرابي وَالصَّبِيّ وَالْمَرْأَة فَيَقُول ظلمت فَيَقُول أعدوه وَيَقُول عدى عليي فَيَقُول ابْعَثُوا مَعَه وَيَقُول صنع بِي
стр. 331
فَيَقُول أنظروا لَهُ حَتَّى إِذا لم يبْقى أحد دخل فَجَلَسَ على السرير ثمَّ يَقُول ائذنوا للنَّاس على قدر مَنَازِلهمْ وَلَا يشغلني أحد عَن رد السَّلَام فَيُقَال كَيفَ أصبح أَمِير الْمُؤمنِينَ أدام الله بَقَاءَهُ فَيَقُول بِنِعْمَة من الله فَإِذا اسْتَووا جَلَسُوا قَالَ يَا هَؤُلَاءِ إِنَّمَا سميتم أشرافا لأنكم شرفتم من دونكم بِهَذَا الْمجْلس ارْفَعُوا إِلَيْنَا حَاجَة من لَا يصل إِلَيْنَا فَيقوم الرجل فَيَقُول اسْتشْهد فلَان فَيَقُول أفرضوا لوَلَده وَيُقَال غَابَ فلَان عَن أَهله فَيَقُول اسْتشْهد فلَان فَيَقُول واقضوا حجائجهم وَيُؤْتى بالغداء ويحضر الْكَاتِب فَيقوم عِنْد رَأسه ويتقدم الرجل فَيَقُول لَهُ إجلس على الْمَائِدَة فيجلس ويمد يَده وَيَأْكُل لقمتين أَو ثَلَاثًا وَالْكَاتِب يقْرَأ كِتَابه فيأمر فِيهِ بأَمْره فَيَقُول يَا عبد الله أعقب فَيقوم ويتقدم آخر حَتَّى يَأْتِي على أَصْحَاب الْحَوَائِج كلهم وَرُبمَا قدم عَلَيْهِ من أَصْحَاب الْحَوَائِج أَرْبَعُونَ أَو نحوهم على قدر الْغَدَاء ثمَّ يرفع الْغَدَاء وَيُقَال للنَّاس أجيزوا وينصرف النَّاس وَيدخل منزله فَلَا يطْمع فِيهِ طامع حَتَّى يُنَادي بِالظّهْرِ فَيخرج فَيصَلي ثمَّ يدْخل فَيصَلي أَربع رَكْعَات ثمَّ يجلس فَيَأْذَن لخاصة الْخَاصَّة فَإِن كَانَ الْوَقْت شتاء أَتَاهُم بزاد الْحَاج من الأخبصة الْيَابِسَة والخشكنانج والقراص المعجونة بالسكر وَاللَّبن من دَقِيق السميد والكعك المسمن والفواكه الْيَابِسَة وَإِن كَانَ الصَّيف أَتَاهُم بالفواكه الرّطبَة وَيدخل إِلَيْهِ وزراؤه فيؤمرونه فِيمَا احتاجوا إِلَيْهِ بَقِيَّة يومهم وَيجْلس إِلَى الْعَصْر ثمَّ يخرج فَيصَلي الْعَصْر
ثمَّ يدْخل منزله فَلَا يطْمع فِي طامع حَتَّى إِذا كَانَ فِي أخر وَقت الْعَصْر خرج فَجَلَسَ على سَرِيره وَيُؤذن للنَّاس على قدر مَنَازِلهمْ فؤتي بالعشاء فيفرغ مِنْهَا على مِقْدَار مَا يُنَادي بالمغرب فَيخرج وَيُصلي ثمَّ يُصَلِّي بعْدهَا أَربع رَكْعَات فَيقْرَأ فِي كل رَكْعَة خمسين آيَة يجْهر تَارَة ويخافت أُخْرَى ثمَّ يدْخل منزله فَلَا يطْمع فِيهِ طامع حَتَّى يُنَادي بالعشاء الْآخِرَة فَيخرج
стр. 332
وَيُصلي ثمَّ يُؤذن للخاصة وخاصة الْخَاصَّة والوزراء والحاشية فيؤامره الوزراء فِيمَا أرادوه صَدرا من ليلتهم وَيسْتَمر ثلث اللَّيْل فِي أَيَّام الْعَرَب أَخْبَارهَا والعجم وملوكها وسياستها وسيرتها وحروبها ومكائدها وَغير ذَلِك من أَخْبَار الْأُمَم السالفة ثمَّ تَأتيه الظّرْف الغريبة من عِنْد نِسَائِهِ من الْحَلْوَى أَو غَيرهَا من المآكل اللطيفة ثمَّ يدْخل فينام ثلث اللَّيْل ثمَّ يقوم فيحضر لَهُ الدفاتر فِيهَا سير الْمُلُوك وأخبارها والحروب والمكائد فَيقْرَأ ذَلِك عَلَيْهِ غلْمَان لَهُ مرتبون قد وكلوا بحفظها وقراءتها فيمر بسمعه كل لَيْلَة جمل من الْأَخْبَار وَالسير والْآثَار وأنواع السياسات فَيخرج ثمَّ يُصَلِّي الصُّبْح ثمَّ يعود فيفعل مَا وصف كل يَوْم وَلَيْلَة
وَقد تبعه فِي ذَلِك عبد الْملك بن مَرْوَان وَغَيره فَلم يدركوا حلمه وَلَا اتفاقه للسياسة والتأني للأمور والمداراة للنَّاس على مَنَازِلهمْ ورفقه بهم على طبقاتهم
وَهُوَ نَوْعَانِ
النَّوْع الأول الْمَأْذُون فِيهِ وَفِيه مسَائِل
الْمَسْأَلَة الأولى تقدم مَا يفهم مِنْهُ أَنه ضَرْبَان
أَحدهمَا على الْعَامَّة غير الْيَوْم الَّذِي يجلس لَهُم فِيهِ وَقد سبق بَيَان وَجهه
стр. 333
الثَّانِي عَن الْخَاصَّة فِي الْأَوْقَات الَّتِي تحضه لإِقَامَة ضرورياته ومكملاته من غير إفراط وخصوصا أَوْقَات اللَّيْل وَقد قَالَ ابْن الحزم يَنْبَغِي للْملك أَن يفرغ نَفسه فِي لَيْلَة لِعِيَالِهِ ونسائه وَولده ويعدل فِي الْقسم بَين نِسَائِهِ
قلت وَلَا يُعَارض هَذَا مَا ذكر عَن مُعَاوِيَة ﵁ فِي جعل أَكثر لَيْلَة لغير أَهله لِأَن الْقدر الَّذِي كَانَ يبقيه لَهُم من اللَّيْل كَانَ يرَاهُ كَافِيا لما أَخذ بِهِ نَفسه من شدَّة الحزم
نعم من قصر عَن غَايَته فِي ذَلِك فَلهُ فِيمَا قَالَه ابْن الحزم متمسك وَاضح الظُّهُور
الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة كَمَا لَهُ أَن يحتجب عَن الْخَاصَّة والعامة فِي الْوَقْت الَّذِي رسم لَهُ فَكَذَا فِي حق من لَا مَنْفَعَة فِي دُخُوله عَلَيْهِ
قَالَ ابْن حزم وَيمْنَع أهل الفضول من الْوُصُول إِلَيْهِ وملازمة دَاره ومجلسه لِئَلَّا يشْتَغل بمجالسه من لَا يجدي نفعا فِي دينه ودنياه وليغلق الْبَاب دون ذَلِك جملَة فَلَا يطْمع أحد فِي الْوُصُول إِلَيْهِ لغير معنى
الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة يجب على السُّلْطَان أَن يعْتَقد أَن احتجابه عَن الْعَامَّة يتَعَذَّر مَعَه غَالِبا إطلاعهم على أَعماله المستورة عَنْهُم فَفِي العهود اليونانية وَأعلم أَنَّك مَعَ كَثْرَة حجابك وببعد الْوُصُول إِلَيْك بِمَنْزِلَة الطَّاهِر لعين النَّاس وَإنَّهُ لَا يسْتَتر عَنْهُم مِمَّا عَلمته شَيْء لشدَّة بحثهم عَن أمورك وَكَثْرَة من يهدي إِلَى خاصتك وعامتك مَا جرى فِي مجالسك فاعمل فِي سرايرك مَالا يستقبح أَن يكون ظَاهرا لَهُم منكشفا من فعلك لديهم
قلت وكما فِي الحَدِيث النَّبَوِيّ من أسر سريرة ألبسهُ الله ردائها وَفِيه قَالَ زُهَيْر
стр. 334
(وَمهما تكن عِنْد امْرِئ من خَلِيقَة ... وَلَو خالها تخفى على النَّاس تعلم)
الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة الْأَوْقَات الَّذِي يحتجب فِيهَا على النَّاس لَا يخليها من أَعمال الفكرة فيهم واستدعاء الْمعرفَة بأحوالهم الغائبة عَن عيانه لِأَن ذَلِك هُوَ فَرْضه الازم ووظيفته المستغرقة لزمانه بِحَسب الْأَمَاكِن
قَالَ أرسطو للإسكندر إِن التبذل يذهب ببهاء السُّلْطَان والاحتجاب الشَّديد يذهب الْملك ويهلكه
قَالَ فَكيف الرَّأْي قَالَ يكون غَائِبا كشاهد لرعيتك بالاستخبار لأمورها والتفقد لأحوالها
المسالة الْخَامِسَة من كبراء الْمُلُوك من ترخص فِي تَطْوِيل مُدَّة هَذَا النَّوْع من الاحتجاب اعْتِمَادًا على الْوَفَاء بِإِقَامَة مَا يتكفل بالمراد من الظُّهُور واللقاء كَمَا يحْكى أَن أَبَا جَعْفَر الْمَنْصُور توقف اياما عَن الْخُرُوج إِلَى النَّاس فَقَالُوا هُوَ عليل فكثروا القَوْل فَدخل عَلَيْهِ وزيره الرّبيع فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أدام الله لَك فِي الْبَقَاء أَن النَّاس يَقُولُونَ قَالَ وَمَا يَقُولُونَ قَالَ يَقُولُونَ أَن أَمِير
стр. 335
الْمُؤمنِينَ عليل فَأَطْرَقَ مَلِيًّا ثمَّ قَالَ يَا ربيع مالنا وللعامة إِنَّمَا تحْتَاج الْعَامَّة إِلَى ثَلَاث خلال فَإِذا جعلت لَهُم فَمَا حَاجتهم إِذا أقيم لَهُم من ينظر فِي أحكامهم وينصف بَعضهم من بعض وَإِذا أقيم لَهُم من ينظر فِي أحكامهم وينصف بَعضهم من بعض وَإِذا أمنت سبيلهم حَتَّى لَا يلحقهم خوف فِي ليل وَلَا فِي نَهَار وَإِذا سدت ثغورهم من أَطْرَافهم حَتَّى لَا يلحقهم خوف فِي ليل وَلَا نَهَار وَإِذا سدت ثغورهم من أَطْرَافهم حَتَّى لَا يصل إِلَيْهِم عدوهم وَنحن قد فعلنَا ذَلِك كُله لَهُم فَمَا حَاجتهم إِلَيْنَا
النَّوْع الثَّانِي
الْمَمْنُوع مِنْهُ
وَفِيه مسَائِل
الْمَسْأَلَة الأولى من التَّرْهِيب الْوَارِد فِيهِ لزيادته على الْقدر الْمُحْتَاج إِلَيْهِ وعيدان
الْوَعيد الأول أَن الله تَعَالَى يحتجب عَن صَاحبه يَوْم الْقِيَامَة ليَكُون لَهُ جَزَاء وفَاقا فَعَن أبي مَرْيَم الْجُهَنِيّ ﵁ أَنه قَالَ لمعاوية ﵁ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول من ولاه الله شَيْئا من أُمُور الْمُسلمين فأحتجب دون حَاجتهم وخلتهم وفقرهم احتجب الله دون حَاجتهم وحلتهم وفقرهم يَوْم الْقِيَامَة فَجعل مُعَاوِيَة رجلا على حوائج الْمُسلمين رَوَاهُ أَبُو دَاوُود
الْوَعيد الثَّانِي أَن الله تَعَالَى يغلق أَبْوَاب الرَّحْمَة مُقَابلَة لَهُ بذلك الْجَزَاء فَعَن أبي الشماخ الْأَزْدِيّ عَن ابْن عَم لَهُ من أَصْحَاب الرَّسُول
стр. 336
صلى الله عَلَيْهِ وَسلم انه أَتَى مُعَاوِيَة ﵁ فَدخل عَلَيْهِ فَقَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول من ولي أَمر النَّاس ثمَّ أغلق بَابه دون الْمِسْكِين والمظلوم وَذَوي الْحَاجة أغلق الله ﵎ أَبْوَاب الرَّحْمَة دون حَاجته وَفَقره وأفقر مَا يكون إِلَيْهَا رَوَاهُ الإِمَام أَحْمد
الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة من مَحْذُور هَذَا النَّوْع من الإحتجاب زَائِدا على وعيده وَلأَجل قَضَائِهِ بتعجيل الْمضرَّة بِهِ سَرِيعا فقد قَالَ الطرطوشي هُوَ أَرْجَى الْخلال فِي هدم السُّلْطَان وَسُرْعَة خراب الدول
قلت وَحَاصِل مَا بَين بِهِ ذَلِك كُله أُمُور
أَحدهَا أَنه موت حكمى فَيكون السُّلْطَان بِهِ فِي عداد الْمَوْتَى وَحِينَئِذٍ فَلَا يخفى مَا ينشأ عَن ذَلِك من المفساد وَمن أعظمها أَمن الظَّالِم من وُصُول الْمَظْلُوم إِلَيْهِ
الثَّانِي أَن مُبَاشرَة الْأُمُور كَمَا يجب فِي رِعَايَة قَوَاعِد السلطنة تفوت مَعَه لَا محَالة وَفِي ذَلِك فَسَاد كَبِير
قَالَ الطرطوشي ومعظم مَا رَأَيْنَاهُ فِي أعمارنا وَسَمعنَا مِمَّن سبق فِي دُخُول الْفساد على الْمُلُوك فَمن عدم مُبَاشرَة الْأُمُور
стр. 337
الثَّالِث أَن ظُهُور السُّلْطَان للنَّظَر فِي شؤونه هُوَ حِكْمَة انْفِرَاد برعاية الْخلق وَلَا كَذَلِك عِنْد احتجابه دَائِما
قَالَ الطرطوشي لَا تزَال الرّعية ذَات سُلْطَان وَاحِد مَا وصلوا إِلَى السُّلْطَان فَإِذا احتجب فهناك سلاطين كَثِيرَة
قلت ينْدَفع هَذَا الْمَحْذُور إِذا كَانَ هُنَاكَ مفوض من قبله يحمل عَنهُ من غير خلاف عَلَيْهِ مَا كَانَ هُوَ يقوم بِهِ لَو بَاشر أَكثر الْأُمُور بِنَفسِهِ تَكْمِلَة فِي تَنْبِيه
من المضرات بِهِ العائدة على المحتجب عَنهُ مَا نبه عَلَيْهِ كَلَام يحيى بن خَالِد حَيْثُ يَقُول وَقد كَانَ لَا يجلس النَّاس فِي دَاره إِلَّا بَين يَدَيْهِ فَإِن جلس أَدخل النَّاس وَإِلَّا صرفُوا من الْبَاب وعَلى النَّاس أَدَاء فروض وَقَضَاء حُقُوق والانتظار ويمحق زمانهم وَيكثر تعبهم
الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة من الْمَنْقُول فِي التَّذْكِير لما يحمل على ترك هَذَا النَّوْع من الاحتجاب موعظتان
الموعظة الأولى قَول الطرطوشي أثر مَا لخصناه عَنهُ يَا أَيهَا الْمَغْرُور احْتَجَبت عَن الرّعية بالأبواب وَجعلت دونهم جبالا مشيدة وحظائر بِالْحِجَارَةِ وَالْمَاء والطين مُبَالغَة وَبَاب الله تَعَالَى مَفْتُوح للسائلين لَيْسَ هُنَاكَ حَاجِب وَلَا بواب قَالَ تَعَالَى لمن شَاءَ أَن يتَّخذ إِلَى ربه سَبِيلا قلت وَله فِي الْكتاب الَّذِي كتب بِهِ مَعَ أبن الْعَرَبِيّ للسُّلْطَان أبي يَعْقُوب
стр. 338
بن تاشفين وَلَقَد بَلغنِي يَا أَبَا يَعْقُوب أَنَّك احْتَجَبت عَن الْمُسلمين بِالْحِجَارَةِ والطين واتخذت دونهم حِجَابا وَأَن ذَا الْحَاجة ليظل يَوْمه ببابك فَمَا يلقاك كَأَنَّك لم تسمع قَول الله تَعَالَى ﴿وَقَالُوا مَا لهَذَا الرَّسُول يَأْكُل الطَّعَام وَيَمْشي فِي الْأَسْوَاق﴾ قَالَ الْحسن لَا وَالله مَا كَانَ رَسُول الله ﷺ يغلق دونه الْحجب وَلَا يغدى عَلَيْهِ بالجفان وَلَا يراح عَلَيْهِ بهَا وَلكنه كَانَ بارزا من أَرَادَ أَن يلقاه لقِيه وَكَانَ يجلس بِالْأَرْضِ وَيُوضَع طَعَامه بِالْأَرْضِ ويلبس الغليظ ويركب الْحمار ويردف عَبده ويلعق أَصَابِعه وَكَانَ يَقُول من رغب عَن سنتي فَلَيْسَ مني فَمَا أَكثر الراغبين عَن سنته التاركين لَهَا
قَالَ عمر ﵁ يَأْخُذ درته وَيَمْشي فِي الْأَسْوَاق يتفقد أُمُور رَعيته وَكَانَ يمشي لَيْلًا فِي سِكَك الْمَدِينَة مَعَ عبد الرَّحْمَن بن عَوْف وَغَيره من الصَّحَابَة ويحفظون عورات الْمُسلمين وروى عَنهُ أَنه اسْتعْمل سعد بن أبي وَقاص على الْكُوفَة فَبَلغهُ أَنه اتخذ قصرا وَجعل عَلَيْهِ بَابا وَقَالَ انْقَطع عني الصويت فَأرْسل إِلَيْهِ مُحَمَّد بن مسلمة وَقَالَ لَهُ أيت سَعْدا فَأحرق عَلَيْهِ بَابه فَأتى الْكُوفَة فَأخْرج زنده واستوقد نَارا ثمَّ أحرق الْبَاب فَجعل سعد يتَعَذَّر وَيحلف بِاللَّه مَا قَالَ فَقَالَ لَهُ مُحَمَّد بن مسلمة نَفْعل مَا أمرنَا بِهِ ويروى عَنْك القَوْل انْتهى
стр. 339
الموعظة الثَّانِيَة مَا فِي حِكَايَة الرجل الَّذِي سَمعه الْمَنْصُور وَهُوَ يطوف بِالْبَيْتِ آخر اللَّيْل يَقُول اللَّهُمَّ إِنِّي أَشْكُو إِلَيْك ظُهُور الْبَغي وَالْفساد فِي الأَرْض وَمَا يُحَال بَين الْحق وَأَهله من الظُّلم والطمع فَسَأَلَهُ عَن مُرَاده بذلك فَقَالَ لَهُ ذَلِك الرجل الَّذِي دخله الطمع حَتَّى حَال بَينه وَبَين الْحق وَإِصْلَاح مَا ظهر من الْبَغي وَالْفساد أَنْت قَالَ لَهُ وَيحك وَكَيف يدخلني الطمع والصفراء والبيضاء على يَدي والحلو والحامض فِي قبضتي قَالَ وَهل دخل أحدا من الطمع مَا دَخلك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن الله استرعاك أُمُور الْمُسلمين وأولهم فأغفلت أُمُورهم واهتممت بحمع أَمْوَالهم وَجعلت بَيْنك وَبينهمْ حِجَابا من الجير وَالْأَجْر وأبوابا من الْحَدِيد وحجبه مَعَهم السِّلَاح ثمَّ سجنت نَفسك فِيهَا عَنْهُم وَبعثت عمالك فِي جمع الْأَمْوَال وجبايتها واتخذت وزراء وأعوانا ظلمَة إِن نسيت لم يذكروك وَإِن ذكرت لم يعينوك وقويتهم على ظلم النَّاس بالأموال وَالسِّلَاح وَأمرت أَن لَا يدْخل عَلَيْك من النَّاس إِلَّا فلَان وَفُلَان نفر سميتهم وَلم تَأمر بإيصال الْمَظْلُوم وَلَا الملهوف وَلَا الجائع وَلَا العاري وَلَا الضَّعِيف الْفَقِير وَلَا أحد إِلَّا وَله فِي هَذَا المَال حق فَلَمَّا رآك هَؤُلَاءِ النَّفر الَّذين استخلصتهم لنَفسك وآثرتهم على رعيتك وأمرتهم أَلا يحجبوا عَنْك تَجِيء الْأَمْوَال وَلَا تقسمها قَالُوا هَذَا قد خَان الله فَمَا لنا لَا نخونه وَقد سخر لنا فأتمروا على أَن لَا يصل إِلَيْك من علم أَخْبَار النَّاس إِلَّا مَا أَرَادوا وَلَا يخرج لَك عَامل فيحالف لَهُم أمرا إِلَّا أقصوه حَتَّى تسْقط مَنْزِلَته ويصغر قدره فَلَمَّا انْتَشَر ذَلِك عَنْك وعنهم عظمهم النَّاس وهابوهم وَكَانَ أول من صانعهم عمالك بالهدايا وَالْأَمْوَال ليتقربوا بهَا على ظلم رعيتك ثمَّ فعل ذَلِك أهل الثروة وَالْقُدْرَة من رعيتك لينالوا ظلم من دونهم من الرّعية فامتلت بِلَاد الله تَعَالَى بالظلم بغيا وَفَسَاد اوصار هَؤُلَاءِ الْقَوْم شركاءك فِي سلطانك وَأَنت غافل فَإِن جَاءَ متظلم حيل بَينه وَبَين الدُّخُول وَإِن أَرَادَ رفع قصَّة إِلَيْك عِنْد ظهورك وَجدك قد نهيت عَن ذَلِك وَوضعت للنَّاس رجلا ينظر فِي مظالمهم فَإِن جَاءَ ذَلِك
стр. 340
الرجل وَبلغ بطانتك سَأَلُوا صَاحب الْمَظَالِم أَن لَا يرفع مظلمته وَإِن كَانَت للمتظلم بِهِ حُرْمَة وَإجَابَة لم يُمكنهُ مَا يُرِيد خوفًا مِنْهُم فَلَا يزَال الْمَظْلُوم يخْتَلف إِلَيْهِ ويلوذ بِهِ ويشكو ويستغيث وَهُوَ يَدْفَعهُ ويحتل عَلَيْهِ فَإِذا جهدوا وَظَهَرت صرخَ بَين يَديك فَيضْرب ضربا مبرحا ليَكُون نكالا لغيره وَأَنت تنظر فَلَا تنكر وَلَا تغير فَمَا بَقَاء الْإِسْلَام وَأَهله على هَذَا
وَقد كَانَت بَنو أُميَّة وَالْعرب لَا يَنْتَهِي إِلَيْهِم مظلوم إِلَّا رفعت ظلامته إِلَيْهِ فينتصف وَلَقَد كَانَ الرجل يَأْتِي من أقْصَى الْبِلَاد حَتَّى يبلغ بَاب سلطانهم فينصف
أَلا وَقد كنت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أسافر إِلَى أَرض الصين وَبهَا ملك فقدمتها مرّة وَقد ذهب سمع ملكهم فَجعل يبكي فَقَالَ لَهُ وزراؤه مَا لَك تبْكي لَا بَكت عَيْنَاك فَقَالَ أما أَنِّي لست أبْكِي على الْمُصِيبَة الَّتِي نزلت بِي وَلَكِن أبْكِي والمظلوم يصْرخ بِالْبَابِ فَمن نسْمع صَوته ثمَّ قَالَ أما إِن كَانَ ذهب سَمْعِي فَإِن بَصرِي لم يذهب نادوا فِي النَّاس لَا يلبس ثوبا أَحْمَر إِلَّا الْمَظْلُوم فَكَانَ يركب الْفِيل فِي طرفِي النَّهَار هَل يرى مَظْلُوما مَا فينصفه هَذَا يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ مُشْرك بِاللَّه قد غلبت رأفته بالمشركين ورقته على شح نَفسه فِي ملكه وَأَنت مُؤمن بِاللَّه وَابْن عَم رَسُول الله لَا تغلب رأفتك بِالْمُسْلِمين على شح نَفسك
ثمَّ مضى فِي موعظته حَتَّى بَكَى الْمَنْصُور بكاء شَدِيدا وارتفع صَوته ثمَّ قَالَ يَا لَيْتَني لم أخلق وَلم أكن شَيْئا ثمَّ قَالَ كَيفَ احتيالي فِيمَا خولت فِيهِ وَلم أرى من النَّاس إِلَّا خائنا قَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ عَلَيْك بالأئمة الْأَعْلَام المرشدين قَالَ وَمن هم قَالَ الْعلمَاء قَالَ قد فروا مني قَالَ هربوا مِنْك مَخَافَة أَن تحملهم على مَا ظهر من طريقك من قبل عمالك قَالَ وَلَكِن أفتح الْأَبْوَاب وَسَهل الْحجاب واقتص للمظلوم من الظَّالِم وامنع الْمَظَالِم وَخذ الشَّيْء مِمَّا حل وطاب واقسمه بِالْحَقِّ وَالْعدْل وَأَنا ضَامِن لَك أَن
стр. 341
من هرب مِنْك أَن يَأْتِيك فيعاونك على صَلَاح أَمرك ورعيتك فَقَالَ الْمَنْصُور اللَّهُمَّ وفقني أَن أعمل بِمَا قَالَ هَذَا الرجل انْتهى المُرَاد مِنْهَا وَهِي بِتَمَامِهَا مَذْكُورَة فِي الْأَحْيَاء فَرَاجعهَا من هُنَاكَ فَفِيهَا فَوَائِد ﴿وَالله يهدي من يَشَاء إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم﴾
الرُّكْن السَّابِع عشر
رِعَايَة الْخَاصَّة والبطانة
وَفِيه مسَائِل
الْمَسْأَلَة الأولى الْعِنَايَة برعاية هَذَا الرُّكْن أكيدة لوَجْهَيْنِ
أَحدهمَا أَنه قوام الدولة وحافظ وجودهَا
قَالَ الجاحظ من أَخْلَاق الْملك السعيد أَن يحرص على إحْيَاء بطانته حرصه على إحْيَاء نَفسه إِذْ كَانَ بهم نظام ملكه وَبَقَاء عزه
الثَّانِي أَنه لمَكَان مَنْزِلَته من الْملك يحْتَاج إِلَى سياسات تخصه فتهم الْعِنَايَة بِهِ لَا محَالة
فَفِي الأفلاطونيات يحْتَاج الْملك إِلَى ثَلَاث سياسات وَذكر سياسة نَفسه وسياسة خاصته وسياسة رَعيته
الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة من مُؤَكد النّظر فيهم تفقدهم بِمَا يُوفى بكفاية حملهمْ دون احْتِيَاج مِنْهُم إِلَى التَّذْكِير بِهِ تَصْرِيحًا أَو تَلْوِيحًا
قَالَ الجاحظ يَنْبَغِي للْملك تفقد بطانته وخاصته بجوائزهم
стр. 342
وصلاتهم إِن كَانَت مشاهرة فمشاهرة أَو مسانهة فمسانهة وَأَن يُوكل بتذكير صلَاتهم وَلَا يحوجهم إِلَى رفع رقْعَة بأذكار أَو تعرض فَإِن هَذَا لَيْسَ من أَخْلَاق المتيقظين من الْمُلُوك
منقبة قيل إِ أَو شرْوَان رفع إِلَيْهِ رجال من بطانته بشكوى سوء حَالهم فَقَالَ مَا أنصفكم إِلَى الشكية من أحوجكم ثمَّ فرق فيهم مَا وسعهم أغناهم
الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة قَالَ الجاحظ إِذا كَانُوا من الْكِفَايَة فِي أقْصَى حُدُودهَا وَمن ذَوَات الْيَد وإدرار العطايا على أتم صفاتها ثمَّ فتتح أحد فَاه يطْلب مَا فَوق هَذِه الدرجَة فَالَّذِي جرأه على ذَلِك الشره والمنافسة وَمن ظَهرت مِنْهُ هَاتَانِ الخلتان كَانَ جَدِيرًا أَن تنْزع كِفَايَته من يَدَيْهِ وَتصير بيد غَيره
قلت قد يتَّفق فِي تلطف الطّلب لما وَرَاء هَذِه الدرجَة مَا يقْضِي ببلوغ المُرَاد من ذَلِك مَعَ مزِيد الحظوة وتجديد الْعِنَايَة كَمَا يحْكى أَنه تقدم للمنصور بن أبي عَامر وانذمار بن أبي بكر البرزالي أحد جند المغاربة وَقد جلس للعرض والتمييز والميدان غاص بِالنَّاسِ فَقَالَ لَهُ بِكَلَام يضْحك الثكلان يَا مولَايَ مَالِي وَلَك أسكني فَإِنِّي فِي الفحص فَقَالَ وَمَا ذَاك يَا ونذمار وَأَيْنَ دَارك الواسعة الأقطار فَقَالَ أخرجتني وَالله عَنْهَا نِعْمَتك أَعْطَيْتنِي من الضّيَاع مَا انصب عَليّ مِنْهَا من الْأَطْعِمَة مَا مَلأ بيوتي وأخرجني عَنْهَا وَأَنا بربري مجوع حَدِيث الْعَهْد بالبؤس أَتَرَى لي أَن أبعد الْقَمْح عني لَيْسَ ذَلِك من رَأْيِي فَتطلق الْمَنْصُور وَقَالَ لله دَرك من عيي لعيك فِي شكر النِّعْمَة أبلغ عندنَا وآخذ بقلوبنا من كَلَام أشدق
стр. 343
متزين وبليغ مفتر وَأَقْبل على من حوله من أهل الأندلس فَقَالَ يَا أَصْحَابنَا كَذَا تشكروا الأيادي واستديموا النعم لَا مَا أَنْتُم عَلَيْهِ من الْجحْد اللَّازِم
الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة قَالَ الْمرَادِي مُلَخصا لوُجُوده من مستحسن السِّيرَة مَعَهم اجْعَل جلوسك للخاصة أبسط مِنْهُ للعامة وألقهم بالتحية وَأظْهر لَهُم الْمَوَدَّة وعاشرهم بلين الْكَلِمَة وترفيع الْمنزلَة وَتحفظ مَعَهم من السقط واقسم بشرك بَينهم على أقدار مَنَازِلهمْ وَلَا سِيمَا فِي محافلهم ومجامعهم وَلَا تنقص الْكَرِيم من قدره فَإِن ذَلِك مُوجب لحقده ومشعر لَهُ أَنَّك جَاهِل لحقه وَلَا ترفع اللَّئِيم فَوق مَنْزِلَته فَإِن ذَلِك مُوجب لتمرده
الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة من مستحسن الموفي بِوَاجِب الرِّعَايَة لحق السُّلْطَان وَحسن الْأَدَب مَعَه أَن يفرغ عَلَيْهِ من سوابغ الْإِحْسَان مَا يكون كفاء لما ظهر مِنْهُ وجزاءه فقد قيل من حق الْملك الإبلاغ فِي مُكَافَأَة من ظهر مِنْهُ تَعْظِيم لحقه وَتحقّق خلوصه ونصحه ووفى لَهُ بِوَاجِب أدبه من خواصه
قلت ذكرُوا فِي ذَلِك حكايات يَكْفِي مِنْهَا اثْنَان
الْحِكَايَة الأولى عَن يزِيد بن شَجَرَة الرهاوي أَنه ساير مُعَاوِيَة ﵁ يحدثه عَن يَوْم خُزَاعَة وَبني خزامة وَكَانَ يَوْمًا أشرف فِيهِ الْفَرِيقَانِ على الهلكة
стр. 344
الْهِجْرَة وَكَانَ يَوْمًا أشرف فِيهِ الْفَرِيقَانِ على الهلكة حَتَّى جَاءَهُم أَبُو سُفْيَان فارتفع ببعيره على ربوة ثمَّ أَوْمَأ بكميه إِلَى الْفَرِيقَيْنِ جَمِيعًا فانصرفوا قَالَ فَبَيْنَمَا مُعَاوِيَة يحدث يزِيد بِهَذَا الحَدِيث إِذْ صك وَجه يزِيد حجر عَابِر فأدماه وَجعلت الدِّمَاء تسيل من وَجهه على ثَوْبه فَمَا مسح ثَوْبه وَلَا وَجهه فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَة لله أَنْت أما ترى مَا نزل بك فَقَالَ وَمَا ذَاك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ قَالَ هَذَا دم وَجهك يسيل على ثَوْبك قَالَ عَلَيْهِ عتق مَا يملك إِن لم يكن حَدِيث أَمِير الْمُؤمنِينَ ألهاني حَتَّى غمر فكري وغطى على قلبِي فَمَا شَعرت بِشَيْء مِنْهُ حَتَّى نبهني أَمِير الْمُؤمنِينَ فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَة لقد ظلمك من جعلك فِي ألف من الغطاء وأخرجك من عَطاء أَبنَاء الْمُهَاجِرين وحماة أهل صفّين فَأمر لَهُ بِخَمْسِمِائَة ألف دِرْهَم وَزَاد فِي عطائه ألف دِرْهَم وَجعله بَين جلده ولحمه
الْحِكَايَة الثَّانِيَة حكى التجاني أَن ابْن الجلا البجاني كَاتب السُّلْطَان أبي زَكَرِيَّا من مُلُوك الحفصين استدعاه يوميا ليكتب بَين يَدَيْهِ شَيْئا وَكَانَت على ابْن الجلا حلَّة بَيْضَاء رفيعة فتبدد الحبر عَلَيْهَا فحاول إخفاء ذَلِك وَلم يتَعَرَّض لإظهاره وَلم يخف على السُّلْطَان أبي زَكَرِيَّا
стр. 345
قَصده فَوجه إِلَيْهِ بصلَة سنيه وَقَالَ إِنَّمَا أمرنَا لَهُ بهَا لإيثاره الْأَدَب وَعدم تطايره لما جرى لَهُ
تَنْبِيه الْمُبَالغَة فِي هَذَا النَّوْع من المكافآت لَا تَنْتَهِي إِلَى الْغَايَة لَا مزِيد عَلَيْهَا بل يَنْبَغِي أَن يتْرك من إحسانها مَا مجازي بِهِ تجدّد اسْتِحْقَاقه فَفِي الأفلاطونيات إِذا أحسن أحد من أَصْحَابك فَلَا تخرج إِلَيْهِ بغاية برك وَلَكِن أترك مِنْهُ شَيْئا تزيده إِيَّاه عِنْد تبنيك مِنْهُ الزِّيَادَة فِي نصيحتك
الْمَسْأَلَة السَّادِسَة فِي العهود اليونانية مَا حَاصله وَفِيه تَقْيِيد الْمفضل على الْخَاصَّة يَنْبَغِي للرئيس أَن يتَأَمَّل أَصْحَابه فَإِن وثق بهم اعْتمد عَلَيْهِم أَكثر من اعْتِمَاده على مَاله وأوسع لَهُم مِنْهُ مِمَّا وَرَاء الْعدْل فيهم وَإِن لم يَثِق بهم لما يُوجب ذَلِك عِنْده اعْتمد على مَاله فَوق اعْتِمَاده عَلَيْهِم وَأطلق للهم مِنْهُ مَا يمسك رمقهم وعللهم بلطيف الْحِيلَة ومصنوع الِاعْتِذَار بِنَاء مِنْهُ على أَن مثلهم لَا يسْتَحق إِيثَار الْفضل
الْمَسْأَلَة السَّابِعَة من تخلص تحقق خلوص الثِّقَة بِهِ من الْخَاصَّة ثمَّ ندرت مِنْهُ زلَّة حَقه أَن لَا يُؤَاخذ فِيهَا بعقاب ذَوي التُّهْمَة
قَالَ ابْن المقفع لَا يَلُومن من السُّلْطَان على الزلة من لَيْسَ بمهمتهم فِي الْحِرْص على رِضَاهُ إِلَّا لوم أدب وتقويم رَأْي وَلَا يعدلن بالمجتهد فِي رِضَاهُ والبصير بِمَا يَأْتِي أحدا فَإِنَّهُمَا إِذا اجْتمعَا فِي الْوَزير والصاحب نَام الْملك واستراح وحليت لَهُ حَاجته وَإِن حدث عَنْهَا وَعمل لَهُ فِيمَا يهمه وَإِن غفل عَنهُ لم يغْفل لَهُ
стр. 346
مزِيد غبطه
قَالَ الصابي بِمن غلط من أَصْحَابه فاتعظ أَشد انتفاعا بِمن لم يغلط وَلم يتعظ لِأَن الأول كالقارح الَّذِي أدبته الْقُوَّة وأصلحته الندامة وَالثَّانِي كالجذع الَّذِي هُوَ رَاكب الْقُوَّة راكن إِلَى السَّلامَة وَالْعرب تزْعم أَن الْكسر إِذا جبر كَانَ صَاحبه أَشد بطشا وَأقوى يدا
قلت ويؤكد لَدَيْهِ الْأَخْذ فالسمح مَعَ رَجَاء هَذِه الْغِبْطَة علمه بِمَا تقرر من هَذَا الْأَمر يحسن الظَّن مَعَ التمَاس الْعذر فِي هَذَا الْبَاب وَهِي
الْمَسْأَلَة الثَّامِنَة قَالَ بعض الْعلمَاء من كَمَال الْفَضِيلَة حسن الظَّن بالصاحب وَتَأَول الْخَيْر فِيمَا يظْهر من التَّقْصِير والتماس الْعذر لذِي الهفوة فقد يغلب الْمَرْء طباعه ويخرجه الِاضْطِرَار عَن حد اعتداله لَا سِيمَا لمن حمدت سيرته فَمثله لَا تعْتَبر هفوته إِلَّا توحش نبوته وَالله يَقُول فاغف عَنْهُم وَاصْفَحْ إِن الله يحب الْمُحْسِنِينَ وَالْعَفو والصفح إِنَّمَا يكونَانِ مَعَ الذَّنب وَعَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا نهى الْمُؤمن أَن يظْهر بِالْمُؤمنِ شرا
الْمَسْأَلَة التَّاسِعَة مِمَّا يستجلب بِهِ التأنيس بَسطه مَعَهم بِاسْتِعْمَال رخصتين اعْتِبَارا بعزيمة الهيبة وَالْوَقار عَلَيْهِ
الرُّخْصَة الأولى المزاح الْمَأْذُون فِيهِ فقد كَانَ رَسُول الله ﷺ يمزح وَلَا يَقُول إِلَّا حَقًا وَقد ترجموا على مزاح الْأَشْرَاف ونقلوا من ذَلِك مَا هُوَ مسطر فِي كتب الْأَخْبَار وَمِنْه عَن الْمُهَاجِرين مِمَّا حَكَاهُ ابْن رضوَان عَن التجاني قَالَ كَانَ أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن أبي الْحسن قد
стр. 347
كلفه الْأَمِير أَبُو عبد الله الْمُسْتَنْصر فِي إِحْدَى السفرات بِالْمَشْيِ صُحْبَة الْحَرِيم فَتقدم مَعَهُنَّ على الْعَادة وأسرع الْخَلِيفَة فِي سيره فلحق بِهِ فَلَمَّا حاذاه انْفَرد عَن الْعَسْكَر وَتقدم إِلَيْهِ وهز الرمْح عَلَيْهِ وَأنْشد لَهُ
(لمن المطايا السائرات مَعَ الضُّحَى ... محمية بالمشرفية والظبا)
فَأَجَابَهُ ابْن أبي الْحسن من حِينه
(لفتى لَهُ فِي كل منبت شَعْرَة ... أَسد يمد إِلَى الفريسة مخلبا)
قَالَ التجاني وَفِي الْبَيْت تغير عَن أصل نظمه حرفه لما احْتَاجَ إِلَيْهِ من التَّمْثِيل يه وَصِحَّة إنشاده
(فِي كل منبت شَعْرَة من جِسْمه ... أَسد يمد إِلَى الفريسة مخلبا)
قَالَ وَيرد عَلَيْهِ فِيمَا غَيره مَا ورد على ليلى الأخيلية عِنْد إنشادها مدح الْحجَّاج فِي قَوْله لَهَا
لَا تقولي غُلَام وَلَكِن قولي همام
الرُّخْصَة الثَّانِيَة اللّعب بِمَا لَا حرج فِيهِ أَو هُوَ مَحْمُود كالرمي وَمَا فِي مَعْنَاهُ
قَالَ الجاحظ وَلَا يمْنَع الملاعبة من النصفة بل لَهُ المشاحة والمساواة والممانعة وَترك الاغتصاب وَالْأَخْذ بِالْحَقِّ بأقصى حُدُوده غير أَن ذَلِك لَا يكون مَعَه بذاء وَلَا رفث وَلَا مُعَارضَة تزيل حق الْملك وصياح يَعْلُو كَلَامه وَلَا سبّ وَلَا نزاع مِمَّا هُوَ خَارج عَن ميزَان الْعدْل
قلت وَلَا عَن أدب الشَّرِيعَة ومواقف حُدُودهَا
стр. 348
تحذير من الْمَنْقُول فِي شُرُوط مَا يُؤَدِّي إِلَيْهِ الْبسط فِي هَذَا الْمقَام حكايتان يتقى بالعظمة بهما ويحدر
الْحِكَايَة الأولى روى أَن سَابُور لاعب تربا لَهُ بالشطرنج على إمرة مطاعة فغلبة تربه فَقَالَ لَهُ سَابُور مَا إمرتك قَالَ لَهُ أركبك حَتَّى أخرج بك إِلَى الْبَاب الْعَامَّة فَقَالَ لَهُ سَابُور بئس مَوضِع الدَّالَّة وضعتك فاطلب غير هَذَا قَالَ فَبِهَذَا جرى لَفْظِي فأسف لذَلِك سَابُور وَقَامَ فَدَعَا ببرقع فتبرقع بِهِ ثمَّ جثا ليركبه فَامْتنعَ أَن يَعْلُو ظَهره إجلالا وإعظاما فَنَادَى سَابُور بعد ذَلِك فِي الرّعية لَا يلعبن أحد على حكم غَائِب
الْحِكَايَة الثَّانِيَة قيل أَن الْملك الْأَشْرَف طرب لَيْلَة فِي مجْلِس أنسه على بعض الملاهي فَقَالَ لصَاحبه تمن عَليّ فَقَالَ تمنيت مَدِينَة خلاط فَأعْطَاهُ إِيَّاهَا وَكَانَ النَّائِب بهَا الْأَمِير حسام الدّين الْمَعْرُوف بالحاجب فَتوجه ذَلِك الشَّخْص إِلَيْهِ ليتسلمها مِنْهُ فَعوضهُ الْحَاجِب عَنْهُمَا جملَة كَثِيرَة من المَال وَصَالَحَهُ عَنْهَا
الْمَسْأَلَة الْعَاشِرَة من أعظم مَا يلحظ بِهِ علية الْخَاصَّة إدامة تشريفهم بزيارته لَهُم فِي مَنَازِلهمْ تفضلا مِنْهُ وإنعاما وَقد قسمهَا الجاحظ إِلَى أَربع للمواكلة تأنسا بالمزور وللعيادة من الْمَرَض وللتعزية فِي الْمُصِيبَة وللتعظيم فَقَط وَهِي أرفعها قَالَ لِأَن مَا عدا أَكثر مَا يتَّفق بسؤال المزور وتلطفه فِي
стр. 349
التنويه من قدره بذلك وَلَو بِأَن يتمارض وَلَا يُمكن أَن يسْأَل وزيرا وَغَيره مَا هُوَ صَرِيح فِي التَّعْظِيم لَهُ انْتهى مُلَخصا
اسْتِدْرَاك قَالَ ابْن رضوَان وَبَقِي قسم خَامِس وَهُوَ أفضلهَا وَأَكْرمهَا أثر فِي الدَّاريْنِ وَهِي الزِّيَارَة لاحتساب الْأجر وجبر قلب المزور
قَالَ ويشترك فِي ذَلِك الْخَواص وَغَيرهم
قَالَ وَقد كَانَ مُلُوك الْإِسْلَام الَّذين فعلوا ذَلِك وشفعوه بِحُضُور الْجَنَائِز حَسبه لله تَعَالَى هِشَام بن عبد الرَّحْمَن من مُلُوك بني أُميَّة بالأندلس حِين أخبرهُ الضَّبِّيّ المنجم بِأَن مدَّته فِي الْملك ثَمَانِيَة أَعْوَام وَنَحْوهَا فَأَطْرَقَ سَاعَة ثمَّ رفع رَأسه إِلَيْهِ وَقَالَ يَا ضبي مَا أخوفني أَن سَجْدَة الله لقلب طَاعَة لَهُ وَوقر قَوْله فِي نَفسه فزهد فِي الدُّنْيَا وهانت عِنْده وَمَال إِلَى الْآخِرَة وَتَوَلَّى النّظر فِي الرّعية بِخَير مَا نظر نَاظر من الدّين وَالْعدْل والتواضع وَلبس الصُّوف وَاقْتصر فِي مأكله ومركبه وَالْتزم عِيَادَة المرضى وَشهد الْجَنَائِز إِلَى أَن مضى لسبيله وَصدقه الضَّبِّيّ فِي أخباره حَكَاهُ ابْن الْقُوطِيَّة
стр. 350
انعطاف ذكرُوا فِيمَا يحض زِيَارَة الْخَاصَّة لبَعض الْمَقَاصِد الْمُتَقَدّمَة حكايات يَكْفِي مِنْهَا اثْنَتَانِ
الْحِكَايَة الأولى قيل مرض شرف الدّين بن عنين فَكتب إِلَى مخدومه الْملك الْمُعظم شرف الدّين ابْن الْملك الْعَادِل سيف الدّين بن أَيُّوب صَاحب دمشق
(أنظر إِلَيّ بِعَين مولى لم يزل ... يولي الندا وتلاف قبل تلاف)
(أَنا كَالَّذي أحتاج مَا يَحْتَاجهُ ... فأغنم ثنائي وَالدُّعَاء الوافي)
فجَاء إِلَيْهِ يعودهُ بِنَفسِهِ وَمَعَهُ صرة فِيهَا ثَلَاثمِائَة دِينَار فَقَالَ هَذِه الصِّلَة وَأَنا الْعَائِد
حِكَايَة الثَّانِيَة قيل اشْتَكَى الْأَمِير بخت الملقب بشرف الدّين الخرساني بِحَضْرَة ملك الْهِنْد فَأَتَاهُ الْملك عَائِدًا وَلما دخل عَلَيْهِ أَرَادَ الْقيام فَحلف عَلَيْهِ الْملك أَن لَا ينزل عَن سَرِيره وَوضع للسُّلْطَان متكأة
стр. 351
يسمونها المورة فَقعدَ عيها ثمَّ دَعَا بِالذَّهَب وَالْمِيزَان وَأمر الْمَرِيض أَن يقْعد فِي إِحْدَى كفتي الْمِيزَان فَقَالَ لَو علمت أَنَّك تفعل هَذَا للبست عَليّ ثيابًا كَثِيرَة فَقَالَ لله إلبس الْآن مَا عنْدك من الثِّيَاب فَلبس ثِيَابه الْمعدة للبرد المحشوة بالقطن وَقعد فِي كَفه الْمِيزَان وَوضع الذَّهَب فِي الكفة الْأُخْرَى حَتَّى رجح الذَّهَب وَقَالَ لَهُ خُذْهَا هَذَا وَتصدق بِهِ عَن رَأسك
الرُّكْن الثَّامِن عشر
ظُهُور الْعِنَايَة بِمن لَهُ حق أَو فِيهِ مَنْفَعَة
هم أَصْنَاف
الصِّنْف الأول آل النَّبِي ﷺ وخصوصا الشرفاء بِحَسب الْعرف الْمُتَأَخر الإستعمال وهم من لفاطمة ﵂ عَلَيْهِ ولادَة كَرِيمَة وتتضح حمل الْعِنَايَة بهم بِعرْض مسَائِل
الْمَسْأَلَة الأولى مِمَّا يدل على وُجُوبهَا على جَمِيع الْأمة أَمْرَانِ
أَحدهمَا تَأْكِيد وَصِيَّة النَّبِي ﷺ بهم وتشيد الْأَمر بهَا خُصُوصا وعموما فَعَن زيد بن أَرقم ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ أنْشدكُمْ الله فِي أهل بَيْتِي ثَلَاثًا قُلْنَا لزيد من أهل بَيته قَالَ آل عَليّ وَال جَعْفَر وَآل عقيل ال أمهاتهن وَقَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
стр. 352
عَلَيْهِ السَّلَام إِنِّي تَارِك فِيكُم مَا أَن أَخَذْتُم بهما لن تضلوا كتاب الله وعترتي أهل بَيْتِي فانظروا كَيفَ تخلفون فيهمَا
الثَّانِي ضَمَان حبهم وولايتهم للنجاة من النَّار قَالَ ﷺ معرفَة آل مُحَمَّد بَرَاءَة من النَّار وَحب آل مُحَمَّد جَوَاز على الصِّرَاط وَالْولَايَة لآل مُحَمَّد أَمَان من الْعَذَاب قَالَ عِيَاض عَن بعض الْعلمَاء معرفتهم هِيَ معرفَة مكانهم من النَّبِي ﷺ وَإِذا عرفهم بذلك عرف وجوب حَقهم ومعرفتهم بِسَبَبِهِ
الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة من وَاجِب حَقهم بعد الْمعرفَة لعَظيم شرفهم تَنْفِيذ مَا فرض لَهُم من الْحُقُوق الكائنة لَهُم فِي بَيت مَال الْمُسلمين قبل وُصُول كل ذِي حق إِلَى حَقه كَمَا فعل عمر ﵁ حِين دون الْعَطاء قدمهم وَمن يليهم فِي الْقُرْبَى من رَسُول الله ﷺ حَتَّى على نَفسه وَقَومه قَائِلا وَهُوَ الْحق الَّذِي أنطقه الله على قلبه وَلسَانه إبدأوا بقرابته ﷺ ثمَّ الْأَقْرَب فَالْأَقْرَب مِنْهُ حَتَّى تضعوا عمر حَيْثُ وَضعه الله وابدأوا من الْأَنْصَار من سعد بن معَاذ وَالْأَقْرَب بالأقرب مِنْهُ فَقَالَ الْعَبَّاس
﵁ وصلتك رحم يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فَقَالَ لَهُ يَا أَبَا الْفضل لَوْلَا رَسُول الله ﷺ ومكانه الَّذِي وَصفه الله بِهِ لَكنا كغيرنا من الْعَرَب إِنَّمَا تقدمنا بمكاننا مِنْهُ فَإِن لم نَعْرِف لأهل الْقَرَابَة مِنْهُ قرابتهم لم تعرف لنا مِنْهُ قرابتنا
الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة من مأثور الْقيام بحقهم صلَة وتعظيما حكايتان
стр. 353
الْحِكَايَة الأولى أَن مُعَاوِيَة ﵁ حج فَلَمَّا قضى حجه وَانْصَرف قَالَ الْحسن ﵁ أَن عَليّ دينا وَلَا بُد من لِقَاء هَذَا الرجل وإعلامه فَركب فِي أَثَره وَتَبعهُ فَلحقه فَسلم عَلَيْهِ وَأخْبرهُ بِشَأْنِهِ فَبَيْنَمَا هُوَ يُخبرهُ إِذْ مر عَلَيْهِ بعير من بعض رواحله عَلَيْهِ ثَمَانُون ألف دِينَار وَقد أعيى وتخلف عَن الْإِبِل فَقَالَ لأتباعه مَا هَذَا فأخبروه بِخَبَرِهِ فَقَالَ اصرفوه بِمَا عَلَيْهِ لأبي مُحَمَّد
قَالَ ابْن رضوَان عَن أبي سَالم وَفِي تَأْخِير هَذَا الْبَعِير كَرَامَة لِلْحسنِ ﵁
الْحِكَايَة الثَّانِيَة أَن عبد الله بن حسن بن حسن قَالَ أتيت عمر بن عبد الْعَزِيز فِي حَاجَة فَقَالَ لي إِذا كَانَت لَك حَاجَة فَأرْسل إِلَيّ أَو أكتب فَإِنِّي استحي من الله تَعَالَى أَن يراك على بَابي
الصِّنْف الثَّانِي الْعلمَاء
وَمن بَيَان الْعِنَايَة بهم مسَائِل
الْمَسْأَلَة الأولى يتَأَكَّد على السُّلْطَان أَن تقع مِنْهُ هَذِه الْعِنَايَة بالمنزلة الَّتِي تُوصَف لفوائد
الْفَائِدَة الأولى أَن تعظيمهم من التَّعْظِيم الْوَاجِب لله ﷻ فَعَن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ أَن من إجلال الله تَعَالَى إكرام ذِي الشبيه الْمُسلم وحامل الْقُرْآن غير المغالي فِيهِ والجافي فِيهِ وإكرام ذِي السُّلْطَان رَوَاهُ أَبُو دَاوُود
стр. 354
قلت وَيشْهد لَهُ قَوْله تَعَالَى ذَلِك ﴿وَمن يعظم شَعَائِر الله فَإِنَّهَا من تقوى الْقُلُوب﴾ إِذْ هُوَ من جملَة الشعائر المضافة إِلَى الله تَعَالَى
الْفَائِدَة الثَّانِيَة أَن إذايتهم الناشئة عَن الْإِخْلَال بِمَا يجب لَهُم من التَّعْظِيم إِعْلَام بمحاربة الله تَعَالَى وأنى لأحد أَن يُطيق ذَلِك فَعَن أبي هُرَيْرَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ عَن النَّبِي ﷺ أَن الله يَقُول من آذَى لي وليا فقد آذنني بِالْحَرْبِ رَوَاهُ البُخَارِيّ قَالَ الإمامان أَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ رحمهمَا الله إِن لم يكن الْعلمَاء أَوْلِيَاء الله فَلَيْسَ لَهُ ولي حَكَاهُ عَنْهُمَا النَّوَوِيّ قَالَ عَن ابْن عَسَاكِر إعلم يَا أخي وفقك الله تَعَالَى وإيانا لمرضاته وَجَعَلنَا مِمَّن
стр. 355
يتقيه ويخشاه حق تُقَاته أَن لُحُوم الْعلمَاء مسومة وَعَادَة الله فِي هتك أَسْتَار متنقصيهم مَعْلُومَة وَأَن من أطلق لِسَانه فِي الْعلمَاء بالثلب ابتلاه الله قبل مَوته يَمُوت الْقلب فليحذر الَّذين يخالفون عَن أمره أَن تصيبهم فتْنَة أَو يثيبهم عَذَاب أَلِيم
قلت وَمن هَذَا الْمَعْنى قَول الشَّافِعِي الْعلمَاء وَاسِطَة بَين الله تَعَالَى وعباده فَمن أبْغضهُم فقد قطع الْوَاسِطَة بَينه وَبَين الله تَعَالَى
إِلَيْهِم وَإِذ ذَاك فَكيف يَصح الِاسْتِغْنَاء عَنْهُم مِمَّن تمسك بشريعة وَمن ثمَّ اخْتَار ابْن الْعَرَبِيّ أَن أولى الْأَمر الْمَأْمُور بطاعتهم الْأُمَرَاء وَالْعُلَمَاء قَائِلا لِأَن الْأُمَرَاء أهل الْأَمر مِنْهُم وَالْحكم إِلَيْهِم وَالْعُلَمَاء يجب الْعَمَل بفتواهم مَعَ تسميتهم حكاما فِي قَوْله تَعَالَى يحكم بهَا النبئون الَّذين أَسْلمُوا للَّذين هادوا والربانيون والأحبار فَرجع الْأَمر كُله للْعُلَمَاء وَزَالَ عَن الْأُمَرَاء لجهلهم واعتدائهم والعادل مِنْهُم مفتقر إِلَى الْعَالم كافتقار الْجَاهِل انْتهى مُلَخصا
следующие страницы →