← Сияса и кади

Сияса и кади · id 7236

بدائع السلك في طبائع الملك

ابن الأزرق

Полный текст (992 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

يسمونها المورة فَقعدَ عيها ثمَّ دَعَا بِالذَّهَب وَالْمِيزَان وَأمر الْمَرِيض أَن يقْعد فِي إِحْدَى كفتي الْمِيزَان فَقَالَ لَو علمت أَنَّك تفعل هَذَا للبست عَليّ ثيابًا كَثِيرَة فَقَالَ لله إلبس الْآن مَا عنْدك من الثِّيَاب فَلبس ثِيَابه الْمعدة للبرد المحشوة بالقطن وَقعد فِي كَفه الْمِيزَان وَوضع الذَّهَب فِي الكفة الْأُخْرَى حَتَّى رجح الذَّهَب وَقَالَ لَهُ خُذْهَا هَذَا وَتصدق بِهِ عَن رَأسك الرُّكْن الثَّامِن عشر ظُهُور الْعِنَايَة بِمن لَهُ حق أَو فِيهِ مَنْفَعَة هم أَصْنَاف الصِّنْف الأول آل النَّبِي ﷺ وخصوصا الشرفاء بِحَسب الْعرف الْمُتَأَخر الإستعمال وهم من لفاطمة ﵂ عَلَيْهِ ولادَة كَرِيمَة وتتضح حمل الْعِنَايَة بهم بِعرْض مسَائِل الْمَسْأَلَة الأولى مِمَّا يدل على وُجُوبهَا على جَمِيع الْأمة أَمْرَانِ أَحدهمَا تَأْكِيد وَصِيَّة النَّبِي ﷺ بهم وتشيد الْأَمر بهَا خُصُوصا وعموما فَعَن زيد بن أَرقم ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ أنْشدكُمْ الله فِي أهل بَيْتِي ثَلَاثًا قُلْنَا لزيد من أهل بَيته قَالَ آل عَليّ وَال جَعْفَر وَآل عقيل ال أمهاتهن وَقَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

стр. 352

عَلَيْهِ السَّلَام إِنِّي تَارِك فِيكُم مَا أَن أَخَذْتُم بهما لن تضلوا كتاب الله وعترتي أهل بَيْتِي فانظروا كَيفَ تخلفون فيهمَا الثَّانِي ضَمَان حبهم وولايتهم للنجاة من النَّار قَالَ ﷺ معرفَة آل مُحَمَّد بَرَاءَة من النَّار وَحب آل مُحَمَّد جَوَاز على الصِّرَاط وَالْولَايَة لآل مُحَمَّد أَمَان من الْعَذَاب قَالَ عِيَاض عَن بعض الْعلمَاء معرفتهم هِيَ معرفَة مكانهم من النَّبِي ﷺ وَإِذا عرفهم بذلك عرف وجوب حَقهم ومعرفتهم بِسَبَبِهِ الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة من وَاجِب حَقهم بعد الْمعرفَة لعَظيم شرفهم تَنْفِيذ مَا فرض لَهُم من الْحُقُوق الكائنة لَهُم فِي بَيت مَال الْمُسلمين قبل وُصُول كل ذِي حق إِلَى حَقه كَمَا فعل عمر ﵁ حِين دون الْعَطاء قدمهم وَمن يليهم فِي الْقُرْبَى من رَسُول الله ﷺ حَتَّى على نَفسه وَقَومه قَائِلا وَهُوَ الْحق الَّذِي أنطقه الله على قلبه وَلسَانه إبدأوا بقرابته ﷺ ثمَّ الْأَقْرَب فَالْأَقْرَب مِنْهُ حَتَّى تضعوا عمر حَيْثُ وَضعه الله وابدأوا من الْأَنْصَار من سعد بن معَاذ وَالْأَقْرَب بالأقرب مِنْهُ فَقَالَ الْعَبَّاس ﵁ وصلتك رحم يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فَقَالَ لَهُ يَا أَبَا الْفضل لَوْلَا رَسُول الله ﷺ ومكانه الَّذِي وَصفه الله بِهِ لَكنا كغيرنا من الْعَرَب إِنَّمَا تقدمنا بمكاننا مِنْهُ فَإِن لم نَعْرِف لأهل الْقَرَابَة مِنْهُ قرابتهم لم تعرف لنا مِنْهُ قرابتنا الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة من مأثور الْقيام بحقهم صلَة وتعظيما حكايتان

стр. 353

الْحِكَايَة الأولى أَن مُعَاوِيَة ﵁ حج فَلَمَّا قضى حجه وَانْصَرف قَالَ الْحسن ﵁ أَن عَليّ دينا وَلَا بُد من لِقَاء هَذَا الرجل وإعلامه فَركب فِي أَثَره وَتَبعهُ فَلحقه فَسلم عَلَيْهِ وَأخْبرهُ بِشَأْنِهِ فَبَيْنَمَا هُوَ يُخبرهُ إِذْ مر عَلَيْهِ بعير من بعض رواحله عَلَيْهِ ثَمَانُون ألف دِينَار وَقد أعيى وتخلف عَن الْإِبِل فَقَالَ لأتباعه مَا هَذَا فأخبروه بِخَبَرِهِ فَقَالَ اصرفوه بِمَا عَلَيْهِ لأبي مُحَمَّد قَالَ ابْن رضوَان عَن أبي سَالم وَفِي تَأْخِير هَذَا الْبَعِير كَرَامَة لِلْحسنِ ﵁ الْحِكَايَة الثَّانِيَة أَن عبد الله بن حسن بن حسن قَالَ أتيت عمر بن عبد الْعَزِيز فِي حَاجَة فَقَالَ لي إِذا كَانَت لَك حَاجَة فَأرْسل إِلَيّ أَو أكتب فَإِنِّي استحي من الله تَعَالَى أَن يراك على بَابي الصِّنْف الثَّانِي الْعلمَاء وَمن بَيَان الْعِنَايَة بهم مسَائِل الْمَسْأَلَة الأولى يتَأَكَّد على السُّلْطَان أَن تقع مِنْهُ هَذِه الْعِنَايَة بالمنزلة الَّتِي تُوصَف لفوائد الْفَائِدَة الأولى أَن تعظيمهم من التَّعْظِيم الْوَاجِب لله ﷻ فَعَن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ أَن من إجلال الله تَعَالَى إكرام ذِي الشبيه الْمُسلم وحامل الْقُرْآن غير المغالي فِيهِ والجافي فِيهِ وإكرام ذِي السُّلْطَان رَوَاهُ أَبُو دَاوُود

стр. 354

قلت وَيشْهد لَهُ قَوْله تَعَالَى ذَلِك ﴿وَمن يعظم شَعَائِر الله فَإِنَّهَا من تقوى الْقُلُوب﴾ إِذْ هُوَ من جملَة الشعائر المضافة إِلَى الله تَعَالَى الْفَائِدَة الثَّانِيَة أَن إذايتهم الناشئة عَن الْإِخْلَال بِمَا يجب لَهُم من التَّعْظِيم إِعْلَام بمحاربة الله تَعَالَى وأنى لأحد أَن يُطيق ذَلِك فَعَن أبي هُرَيْرَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ عَن النَّبِي ﷺ أَن الله يَقُول من آذَى لي وليا فقد آذنني بِالْحَرْبِ رَوَاهُ البُخَارِيّ قَالَ الإمامان أَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ رحمهمَا الله إِن لم يكن الْعلمَاء أَوْلِيَاء الله فَلَيْسَ لَهُ ولي حَكَاهُ عَنْهُمَا النَّوَوِيّ قَالَ عَن ابْن عَسَاكِر إعلم يَا أخي وفقك الله تَعَالَى وإيانا لمرضاته وَجَعَلنَا مِمَّن

стр. 355

يتقيه ويخشاه حق تُقَاته أَن لُحُوم الْعلمَاء مسومة وَعَادَة الله فِي هتك أَسْتَار متنقصيهم مَعْلُومَة وَأَن من أطلق لِسَانه فِي الْعلمَاء بالثلب ابتلاه الله قبل مَوته يَمُوت الْقلب فليحذر الَّذين يخالفون عَن أمره أَن تصيبهم فتْنَة أَو يثيبهم عَذَاب أَلِيم قلت وَمن هَذَا الْمَعْنى قَول الشَّافِعِي الْعلمَاء وَاسِطَة بَين الله تَعَالَى وعباده فَمن أبْغضهُم فقد قطع الْوَاسِطَة بَينه وَبَين الله تَعَالَى إِلَيْهِم وَإِذ ذَاك فَكيف يَصح الِاسْتِغْنَاء عَنْهُم مِمَّن تمسك بشريعة وَمن ثمَّ اخْتَار ابْن الْعَرَبِيّ أَن أولى الْأَمر الْمَأْمُور بطاعتهم الْأُمَرَاء وَالْعُلَمَاء قَائِلا لِأَن الْأُمَرَاء أهل الْأَمر مِنْهُم وَالْحكم إِلَيْهِم وَالْعُلَمَاء يجب الْعَمَل بفتواهم مَعَ تسميتهم حكاما فِي قَوْله تَعَالَى يحكم بهَا النبئون الَّذين أَسْلمُوا للَّذين هادوا والربانيون والأحبار فَرجع الْأَمر كُله للْعُلَمَاء وَزَالَ عَن الْأُمَرَاء لجهلهم واعتدائهم والعادل مِنْهُم مفتقر إِلَى الْعَالم كافتقار الْجَاهِل انْتهى مُلَخصا

стр. 356

الْفَائِدَة الرَّابِعَة أَن الْعِنَايَة بِإِظْهَار الِاعْتِدَاد على مَا لديهم عَسى أَن يكون ناجحة السَّعْي فِي جبر الْخلَل الْوَاقِع مُنْذُ افترق الْأُمَرَاء عَنْهُم ومالوا إِلَى من سواهُم فقد قَالَ ابْن الْعَرَبِيّ كَانَ الْأُمَرَاء قبل هَذَا الْيَوْم وَفِي صدر الْإِسْلَام هم الْعلمَاء والرعية هم الْجند فاطرد النظام وَكَانَ الْعَوام القواد فريقا والأمراء آخر ثمَّ فصل الله الْأَمر بِحِكْمَتِهِ الْبَالِغَة وقضائه السَّابِق فَصَارَ الْعلمَاء فريقا والأمراء آخر وَصَارَت الرّعية صنفا وَصَارَ الْجند آخر فتعارضت الْأُمُور وَلم يَنْتَظِم حَال الْجُمْهُور وَطرح النَّاس عَن الطَّرِيق ثمَّ أَرَادوا الاسْتقَامَة بزعمهم فَلم يجدوها وَلنْ يَجدوا أبدا فَإِنَّهُ من الْمحَال أَن يبلغ الْقَصْد من حاد عَنهُ تذكير تقدم أَن مثل خلال الْخَيْر الدَّال تنافس ذَوي العصبية فِيهَا على اسْتِحْقَاق الْملك والرياسة إجلال الْعَالم وَالْوُقُوف عِنْدَمَا يحده من فعل أَو ترك وَحسن الظَّن بِهِ ظَاهرا وَبَاطنا فَلْيَكُن ذَاك مِنْهَا على بَال من النَّاطِق السَّائِل فَفِيهِ مَا يشْهد لنا هَذِه الْعِنَايَة الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة من أثر الْعِنَايَة بهم توفيه مَا لَهُم من الْحق فِي مَال الله وإيصالهم لما وَجب لَهُم مِنْهُ وَأَن تطابق الشَّرْع والسياسة على تَأْكِيد

стр. 357

الْوَصِيَّة بهم وَلَا وضح دَلِيل على نهج من سلك من جادة الْعَمَل بهما على وَاضِحَة السَّبِيل وَفِي العهود اليونانية وَأعلم أَن مواقع الْعلمَاء فِي مملكتك مواقع المصابيح من دَارك فَإِن إضاءتها على حسب تعاهدك إِيَّاهَا فَلَا تشغلها بالكدح فِي معائشها وأعنها بِمَا يقر عينا لتحسن مَا يحسن إياك وبفضل دولتك وأذكر مَا فِي الصَّحِيفَة الصَّفْرَاء أَشد الْأَزْمِنَة زمَان شغل فِيهِ الْعَالم عَن عمله وتفرغ فِيهِ الهازل بهزله وأجدت فِيهِ الرذائل وأكدت فِيهِ الْفَضَائِل فَإِن بِمثلِهِ تختم الدول وتدال الدهور الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة من كَافِي الْمَنْقُول فِي الْعَمَل بِهَذِهِ الْعِنَايَة مَعَ الْإِعْرَاض عَن مُوجب الضّر لظُهُور عودهَا بخالص النصح حكايتان الْحِكَايَة الأولى روى الْمقري فِي التحف والطرف أَن القَاضِي أَبَا عبد الله بن أبي الصَّبْر أَمر الْوَالِي بفاس أَن يَبْنِي فندق الشماعين بهَا وَكَانَ قد خرب فتوقف حَتَّى يَأْذَن السُّلْطَان فَقَالَ أَسْلفنِي مَا أنبيه بِهِ فَإِن أجَاز ذَلِك السُّلْطَان وَإِلَّا رَددته عَلَيْك فَفعل فَلَمَّا طُولِبَ ذكر مَا قَالَ لَهُ القَاضِي فَغَضب السُّلْطَان وَبعث فِيهِ فَجعل المبعوثون يأتونه وَاحِدًا وَاحِدًا وَهُوَ متمهل فِي وضوئِهِ وَإِصْلَاح زيه ومركوبه ثمَّ جعل يمشي الهوينا فَلَقِيَهُ ابْنه فَقَالَ لَهُ أسْرع لقد أَكثر السُّلْطَان من التَّوْجِيه إِلَيْك وَهُوَ وَاجِد عَلَيْك فَقَالَ مِسْكين أَبُو يحيى خلف وَثَبت على حَاله إِلَى أَن لَقِي بعض الصَّالِحين فتعرض إِلَيْهِ فَقَالَ قل بخفى لطفك بلطيف صنعك بجميل سترك دخلت فِي كنفك تشفعت بنبيك فحفظه ثمَّ طلبه فَلم يجده فَجعل يَقُول ذَلِك فَلَمَّا رَآهُ السُّلْطَان سكن مَا بِهِ ثمَّ سَأَلَهُ عَن ذَلِك بِرِفْق فَقَالَ كرهت

стр. 358

الخراب بِقرب الْقرَوِيين وبالشماعين الَّذِي هُوَ عين فاس فَسَأَلت الْوَالِي ذَلِك على أَنِّي أعزم أَن لم تجز وَقلت لَهُ المرجو من السُّلْطَان أَن يَجعله حبسا فَقَالَ فعلت ثمَّ بعث إِلَى الشُّهُود وحبسه على الْجَامِع وشكر القاصي صَنِيعه وَصَرفه مغبوطا تَعْرِيف قَالَ الْمقري توفّي هَذَا السُّلْطَان وَهُوَ أَمِير الْمُسلمين أَبُو يَعْقُوب ابْن أبي يُوسُف بن عبد الْحق محاصرا لتلمسان فِي ذِي الْقعدَة عَام سِتَّة وسِتمِائَة وَكَانَ ابْتِدَاء حصاره إِيَّاهَا فِي سنة ثَمَان وَتِسْعين وسِتمِائَة وَكَانَ حصاره لَهَا مُدَّة مائَة شهر انْتهى الْحِكَايَة الثَّانِيَة كَانَ ملك الْعرَاق السُّلْطَان مُحَمَّد خدانبده قد صَحبه فِي حَال كفره فَقِيه من الرافضة الأمامية يُسمى جمال الدّين بن مطهر فَلَمَّا أسلم السُّلْطَان وَأسلم بِإِسْلَامِهِ التتر زَاد فِي تَعْظِيم هَذَا

стр. 359

الْفَقِيه فزين لَهُ هَذَا الْفَقِيه مَذْهَب الرافضة وفضله على غَيره مَعَ حدثان عهد السُّلْطَان بالْكفْر وَعدم مَعْرفَته بقواعد الدّين فَأمر السُّلْطَان بِحمْل النَّاس على الْمَذْهَب الْمَذْكُور وَكتب بذلك إِلَى العراقين وَفَارِس وأذربيجان وأصبهان فَأَما أهل بَغْدَاد فأمتنع أهل بَاب الكرخ مِنْهُم وهم أهل السّنة وَأَكْثَرهم على مَذْهَب الإِمَام أَحْمد بن حَنْبَل رَحمَه الله تَعَالَى وَقَالُوا لَا سمع وَلَا طَاعَة وَأتوا الْمَسْجِد الْجَامِع يَوْم الْجُمُعَة فِي السِّلَاح وَبِه رَسُول السُّلْطَان فَلَمَّا صعد الْمِنْبَر قَامُوا إِلَيْهِ وهم نَحْو إثني عشر ألفا فِي سِلَاحهمْ وهم حماة بَغْدَاد والمشار إِلَيْهِم فِيهَا فَحَلَفُوا أَنه إِن غير الْخطْبَة الْمُعْتَادَة أَو زَاد فِيهَا أَو نقص مِنْهَا فأنهم قَاتلُوهُ وقاتلوا رَسُول الْملك ويستسلمون بعد ذَلِك لما شاءه الله تَعَالَى وَكَانَ السُّلْطَان أَمر بِأَن يسْقط أَسمَاء الْخُلَفَاء وَسَائِر الصَّحَابَة ﵃ من الْخطْبَة وَلَا يذكر إِلَّا إسم عَليّ وَمن تبعه كعمار بن يَاسر فخاف الْخَطِيب من الْقَتْل وخطب الْخطْبَة الْمُعْتَادَة وَفعل أهل شيراز وأصبهان كَفعل أهل بَغْدَاد فَرَجَعت الرُّسُل إِلَى الْملك

стр. 360

فأخبروه مَا جرى فِي ذَلِك فَأمر أَن يُؤْتى بقضاة المدن الثَّلَاث فَكَانَ أول من أَتَى مِنْهُم القَاضِي مجد الدّين قَاضِي شيراز وَالسُّلْطَان إِذْ ذَاك فِي مَوضِع يعرف بكراباج وَهُوَ مَوضِع مصيفه فَلَمَّا وصل القَاضِي أَمر أَن يرْمى بِهِ إِلَى الْكلاب الَّتِي كَانَت عِنْده وَهِي كلاب ضخام فِي أعناقها السلَاسِل معدة لأكل بني آدم فَلَمَّا أرْسلت الْكلاب على القَاضِي مجد الدّين ووصلت إِلَيْهِ بصبصت لَهُ وحركت أذنابها بَين يَدَيْهِ وَلم تؤذه بِشَيْء فَبلغ السُّلْطَان ذَلِك فَخرج من دَاره حافي الْقَدَمَيْنِ فأكب على رجْلي القَاضِي وقبلهما وَأخذ بيدَيْهِ وقبلهما وخلع عَلَيْهِ جَمِيع مَا كَانَ عَلَيْهِ من الثِّيَاب وَهِي أعظم كرامات السُّلْطَان عَنْهُم وَإِذا خلع ثِيَابه على أحد كَانَت تشرفا لَهُ ولبنيه وَلَا عِقَابه يتوارثونه مَا دَامَت تِلْكَ الثِّيَاب أَو شَيْء مِنْهَا وَرجع السُّلْطَان عَن مَذْهَب الرَّفْض وَكتب

стр. 361

إِلَى بِلَاده أَن يقر النَّاس على مَذْهَب أهل السّنة وَالْجَمَاعَة وأجزل العطايا للْقَاضِي وَصَرفه إِلَى بَلَده مكرما مُعظما وَأَعْطَاهُ فِي جملَة مَا أعطَاهُ مائَة قَرْيَة من قرى جهكان وَهُوَ خَنْدَق جبلين طوله أَرْبَعَة وَعِشْرُونَ فرسخا يشقه نهر عَظِيم وَذَلِكَ بشيراز الصِّنْف الثَّالِث الصالحون وَمِنْه تَقْرِير الْعِنَايَة أَيْضا بهم مسَائِل الْمَسْأَلَة الأولى وجوب الْعِنَايَة بِهَذَا الصِّنْف الْكَرِيم من صنف الفائدتين السابقتين من الْفَوَائِد الْمُتَقَدّمَة فِي مُوجب الْعِنَايَة بصنف الْعلمَاء لَا يخفى ظُهُوره وَمن الزَّائِد على ذَلِك فائدتين الْفَائِدَة الأولى أَن برؤيتهم عِنْد قصد الْمُبَالغَة فِي التَّعْظِيم لَهُم تحي الْقُلُوب الْميتَة وتنشرح الصُّدُور الضيقة وتهون الْأُمُور الصعبة قَالَ ابْن الْحَاج لأَنهم وقُوف على بَاب الْمولى الْكَرِيم فَلَا يرد قاصدهم وَلَا يخيب مجَالِسهمْ وَمن كَانَ كَذَلِك فَيَنْبَغِي الْمُبَادرَة إِلَى رُؤْيَته واغتنام بركته الْفَائِدَة الثَّانِيَة أَن مبرتهم قد سبق فِي الْكتاب الأول أَنَّهَا من عَلامَة الترشيح لنيل الْملك كَمَا أَن الْإِخْلَال بهَا من مخايل الإدبار والتخلف عَن اسْتِحْقَاق الرِّئَاسَة وخليق بِمَا هُوَ بِهَذِهِ الْمنزلَة أَن يكون من الْأُمَرَاء على مَا هُوَ عَلَيْهِ فهم أَحَق بذلك من سَائِر النَّاس الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة من أَنْفَع مصداق الْعِنَايَة بهم ثمرتان أَحدهمَا سَماع مَا ينفعون بِهِ من وعظ ونصيحة فقد جعل الْغَزالِيّ

стр. 362

من وظائف الْوُلَاة تعطشهم إِلَى نصيحة من يعْتَبر فِي الدّين ونصيحة مواعظ من سلف من الْمَشَايِخ وَأولى عِنْد سماعهَا مِنْهُم شفاها الثَّانِيَة قبُول شفاعتهم إِذْ لَا يشفع ذُو دين إِلَّا فِي مَحل قبُول الشَّفَاعَة فيتأكد لاكرام الشَّفِيع عَن الِاعْتِذَار مَا لَا يُقيم حجَّة فضلا عَن المواجهة بالمرد من غير إبداء عذر وَسَيَأْتِي فِي قبُول الشَّفَاعَة إِن شَاءَ الله الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة من الْمَنْقُول فِي قبُول النصح والشفاعة مِنْهُم حكايتان الْحِكَايَة الأولى قيل دخل عَطاء بن أبي رَبَاح على عبد الْملك بن مَرْوَان وَهُوَ جَالس على سَرِيره وَحَوله الْأَشْرَاف من كل بطن وَذَلِكَ بِمَكَّة فِي وَقت حجه فِي خِلَافَته فَلَمَّا بصر بِهِ قَامَ إِلَيْهِ وَأَجْلسهُ على سَرِير وَقعد بَين يَدَيْهِ قَالَ يَا أَبَا مُحَمَّد مَا حَاجَتك قَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ اتَّقِ الله فِي حرم الله وَحرم رَسُوله فتعاهد بالعمارة وَاتَّقِ الله فِي أَوْلَاد الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار فَإنَّك بهم جَلَست هَذَا الْمجْلس وَاتَّقِ الله أهل الثغور فَإِنَّهُم حصن الْمُسلمين وتفقد أُمُور الْمُسلمين فَإنَّك وَحدك مسؤول عَنْهُم وَاتَّقِ الله فِيمَن على بابك فَلَا تغفل عَنْهُم وَلَا تغلق بابك دونهم فَقَالَ لَهُ أفعل ثمَّ أنهض فَقَامَ فَقبض عَلَيْهِ عبد الْملك قَالَ يَا أَبَا مُحَمَّد إِنَّمَا سألتنا حَاجَة لغيرك وَقد قضيناها فَمَا حَاجَتك قَالَ مَالِي حَاجَة مَخْلُوق ثمَّ خرج فَقَالَ عبد الْملك هَذَا وَأَبِيك الشّرف هَذَا وَأَبِيك الشّرف هَذَا أَبِيك الشّرف الْحِكَايَة الثَّانِيَة روى ابْن الْحَاج عَن الشَّيْخ أبي الْحسن بن الزيات

стр. 363

رَحمَه الله أَنه خرج إِلَى بستانه ليعْمَل فِيهِ لِأَنَّهُ كَانَ من عَادَته أَن يخرج إِلَى حَائِطه ليعرق بِيَدِهِ وَإِذا بِبَعْض الظلمَة أَخَذُوهُ مَعَ غَيره فِي السخرية لبستان السُّلْطَان فَمضى مَعَهم وَقعد يعْمل مَعَهم إِلَى أَن جَاءَ الْوَزير وَدخل الْبُسْتَان لينْظر مَا عمل فِيهِ فَإِذا بِهِ وَقعت عينه على الشَّيْخ وَهُوَ يعْمل فطأطأ على قَدَمَيْهِ يقبلهما فَقَالَ لَهُ يَا سَيِّدي مَا جَاءَ بك هَاهُنَا فَقَالَ أعوانكم الظلمَة فَقَالَ يَا سَيِّدي عَسى أَنَّك تقيلنا وَتخرج فَأبى فَقَالَ لَهُ وَلم قَالَ هَؤُلَاءِ إخْوَانِي من الْمُسلمين كَيفَ أخرج وهم فِي ظلمكم لَا أفعل ذَلِك فَسَأَلَهُ أَن يخرج بهم فَأبى فَقَالَ وَلم فَقَالَ غَدا يأخذونهم إِن كَانَت لكم بهم حَاجَة فَلم يخرج من هُنَاكَ حَتَّى تَابُوا إِلَى الله تَعَالَى أَن لَا يستعملوا أحدا من الْمُسلمين ظلما الصِّنْف الرَّابِع أَصْحَاب الْوَفَاء مَعَ ذِي الْيَد السَّابِقَة وَفِي وَجه الْعِنَايَة بهم مسَائِل الْمَسْأَلَة الأولى قَالَ الجاحظ من أَخْلَاق الْملك إكرام أهل الْوَفَاء وبرهم والثقة بهم والتقدمة لَهُم على الْخَاص وَالْعَام والحاضر والبادي قَالَ وَكَانَت مُلُوك الْأَعَاجِم لَا يمْنَع أحدا شكر من أنعم عَلَيْهِ وَذكر نعْمَته وإحسانه وَإِن كَانَت الشَّرِيعَة قد قبلته وَالْملك قد سخط عَلَيْهِ بل كَانُوا يعْرفُونَ فَضِيلَة من ظهر ذَلِك مِنْهُ ويأمرون بصلته وتعاهده

стр. 364

الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة من وُجُوه الصَّوَاب فِيمَا فعلوا من ذَلِك أَمْرَانِ أَحدهمَا دلَالَة الْوَفَاء مَعَ الْمُدبر على حُصُوله مَعَ الْمقبل من بَاب أولى قَالَ الْمَنْصُور لاسحاق بن ميلم أفرطت فِي وفائك لبني أُميَّة قَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِنَّه من قد وفى لمن لَا يُرْجَى كَانَ لمن رجى أوفى الثَّانِي شَهَادَة الْمُقَابلَة لَهُ بالكرامة على حسن عَاقِبَة التخلق بِهِ وَحمل مَا يصير إِلَيْهِ صَاحبه فَفِيهَا تحضيض عَلَيْهِ وإعلام فَإِن إستحقاق الآثرة بهَا على مِقْدَار الْحَظ مِنْهُ والنصيب الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة كَمَا أكْرمُوا أهل الْوَفَاء ووثقوا بهم فبعكس ذَلِك قابلوا أضدادهم وَمن الْوَجْه فِي ذَلِك أَمْرَانِ أَحدهمَا أَن عدم الْوَفَاء مَعَ ذِي الْيَد السَّابِقَة دَلِيل عَدمه مَعَ من سواهُ مَا تقدم فِي التَّمْثِيل إِذا رَأَيْت كَلْبا تبعك وَترك صَاحبه فأرجمه فَإِنَّهُ باركك كَمَا تَركه وَعَن أبي عَمْرو بن الْعلَا إِذا أردْت أَن تعرف مَالك عِنْد صديقك فاعرف مَا كَانَ لصديقه قبلك عِنْده الثَّانِي أَن فِي إهانتهم المصاعد بِهِ بالعفاف زجرا لأمثالهم عَن سوء الْعَهْد وكفران النِّعْمَة وَإِن عَاد نفع ذَلِك على من عاقبهم عَلَيْهِ الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة من المروى فِي الْعَمَل بِمُقْتَضى مَا ذكر كَرَامَة وإهانة حكايتان الْحِكَايَة الأولى أَن أَبَا جَعْفَر الْمَنْصُور وَجه إِلَى رجل من أهل الشَّام من شَيبَان وَكَانَ من بظانة هِشَام فَسَأَلَهُ عَن التَّدْبِير هِشَام فِي بعض حَرْب

стр. 365

الْخَوَارِج فوصف لَهُ الشَّيْخ مَا دبر فَقَالَ يعْمل ﵀ كَذَا ﵀ كَذَا فَقَالَ الْمَنْصُور قُم عَلَيْك لعنة الله تطَأ بساطي وتترحم على عدوي فَقَامَ الرجل وَهُوَ يَقُول يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن نعْمَة عَدوك لقلادة فِي عنقِي لَا يتنزعها إِلَّا غاسلي فَقَالَ الْمَنْصُور ارْجع يَا شيخ فَرجع فَقَالَ أشهد أَنَّك نهيض حرَّة وغراس كريم عد إِلَى حَدِيثك فَعَاد الرجل حَدِيثه حَتَّى إِذا فرغ دَعَا لَهُ بِمَال فَأَخذه وَقَالَ وَالله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ مَالِي إِلَيْهِ حَاجَة وَلَقَد مَاتَ عني الَّذِي كنت ذاكره آنِفا فَمَا أحوجني إِلَى الْوُقُوف على بَاب أحد بعده وَلَوْلَا جلالة عز أَمِير الْمُؤمنِينَ وإيثار طَاعَته مَا لَيست لأحد بعده نعْمَة فَقَالَ الْمَنْصُور مت إِذا شِئْت يَا شيخ فتحمد الله أَنْت فَلَو لم يكن لقَوْمك غَيْرك كنت قد أبقيت لَهُم مجدا مخلدا الْحِكَايَة الثَّانِيَة أَن ازدشير أَقَامَ على حِصَار السُّلْطَان الساطرون أَربع سِنِين وَهُوَ لَا يقدر عَلَيْهِ وَكَانَ للساطرون ابْنة يُقَال لَهَا نضيرة وَكَانَت فِي غَايَة الْجمال فَأَشْرَفت ذَات يَوْم فَأَبْصَرت أزدشير وَكَانَ من أجمل الرِّجَال فهوته فَأرْسلت إِلَيْهِ أَن يَتَزَوَّجهَا وتفتح لَهُ الْحصن واشترطت عَلَيْهِ وَالْتزم لَهَا مَا شرطت ثمَّ دلته على مَا فتح بِهِ الْحصن وَخَرَّبَهُ وأباد أَهله وَسَار بنضيرة وَتَزَوجهَا فَبَيْنَمَا هِيَ نَائِمَة على فراشها لَيْلًا إِذْ جعلت تتقلب وتتململ لَا تنام فَدَعَا لَهَا بالشمع ففتشوا فراشها فَوجدَ عَلَيْهِ ورقة آس فَقَالَ لَهَا أزدشير هَذَا الَّذِي أسهرك قَالَت نعم قَالَ فَمَا كَانَ أَبوك يصنع بك قَالَت كَانَ يفرش لي الديباج ويلبسني الْحَرِير ويطعمني المخ والزبد وَشهد أبكار النَّحْل ويسقيني الْخمر الصافي قَالَ أَفَكَانَ

стр. 366

جَزَاء أَبِيك مَا صنعت بِهِ أَنْت إِلَيّ بذلك أسْرع ثمَّ أَمر بهَا فَربطت قُرُون رَأسهَا بذيل فرس ثمَّ ركض الْفرس حَتَّى قَتلهَا وجهاء النَّاس وكبراء الْقَبَائِل ولمكان الْعِنَايَة بهم مسَائِل الْمَسْأَلَة الأولى للسُّلْطَان من هَذَا الصِّنْف حاجتان أَحدهمَا أَن يفْتَقر إِلَيْهِم فِي ظُهُور ملكه أَو مقَامه ولاخفاء أَن الْعِنَايَة بهم إِذْ ذَاك لابد عَنْهَا ضَرُورَة وَقد تقدم برهَان ذَلِك فِيمَا سبق أَن يسْتَغْنى عَنْهُم اكْتِفَاء بِمَا رسم لَهُ من الْملك وَتمّ لَهُ من أمره والعناية بهم اعْتِبَارهَا من جِهَة مَا هُوَ مكمل لمقاصد الْملك كوقوع الصنيعة فِي محلهَا وجمال الدولة بهَا واستتباع قُلُوب الرّعية بكرامة سادتها إِلَى غير ذَلِك مِمَّا لَا يخفى على متأمل الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة حَاصِل الْعِنَايَة بهم بعد الْوَفَاء بفوائد الْعَطاء فرضا وإحسانا إِن استوجبوه أَمْرَانِ أَحدهمَا تَوْلِيَة الْمُسْتَحق مِنْهُم بِحَسب مَا تَقْتَضِيه رتبته وتوجيه السياسة الوقتية وَلَا يخفى صَلَاح ذَلِك خُصُوصا وعموما الثَّانِي تقريب مَا فَاتَهُ ذَلِك فِي ذَاته عَن صَلَاحِية الْولَايَة أَو لموجب غير ذَلِك يتَرَجَّح اعْتِبَاره وَرُبمَا كَانَ فِي بعض الطَّبَقَات أحظى من الْولَايَة وأشرف مِنْهَا خُصُوصِيَّة وَالنَّظَر السديد كَفِيل بِمَا هُوَ الْمصلحَة من ذَلِك كُله الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة من الْإِقْرَار بِحسن السياسة فِي تقريب هَذِه الطَّبَقَة مَا تضمنه تَعْرِيف الْحجَّاج بالسيرة الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا فِي زَعمه يرْوى أَن الْوَلِيد كتب إِلَيْهِ أَن يكْتب إِلَيْهِ بسيرته فَكتب إِلَيْهِ إِنِّي أيقظت رَأْيِي وأنمت هواي وأدنيت

стр. 367

السَّيِّد المطاع فِي قومه وَوليت الْحَرْب الحازم فِي أمره وقلدت الْخراج للموفي لأمانته وَقسمت لكل خصم من نَفسِي قسما أعْطِيه حَقًا من نَظَرِي ولطيف عنايتي وصرفت السَّيْف إِلَى العصب الْمُسِيء فخاف المذنب صولة الْعقَاب وَتمسك المحسن بحظه من الثَّوَاب الصِّنْف السَّادِس الْأَغْنِيَاء من الرعايا ولبيان مَا يخصهم مسَائِل الْمَسْأَلَة الأولى وجوب الاعتناء بِهَذَا الصِّنْف ظَاهر من وَجْهَيْن أَحدهمَا أَن المَال الَّذِي هُوَ عُمْدَة الْملك إِنَّمَا وفوره بِتَعَدُّد مداخله وَمن أعودها بالنفع الجباية وَالْخَرَاج وعَلى مِقْدَار يسَار الْمَأْخُوذ مِنْهُ ذَلِك فيتوفر المَال لَا محَالة فيقوى الْملك وترسخ قَوَاعِده الثَّانِي أَن من وَرَاء هَذَا الأَصْل الضَّرُورِيّ لاعْتِبَار مكملاته الْمَقْصُودَة مَا هُوَ حقيق بالرغبة وبذل الْجهد فِي تَحْصِيله فَفِي العهود اليونانية وَاعْلَم أَن يسَار رعيتك وَعظم أخطارها يزِيد فِي مملكتك شرفا وذكرك حمدا وَأَن فاقتهم وذلهم نقص مِنْك وتقصير بك فغلب أليق الْحَالين بمحلك وأحسنهما أثرا فِي جاهك وصيتك الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة رِعَايَة التُّجَّار من هَؤُلَاءِ وخصوصا للمسافرين مِنْهُم كَمَا وَردت الْوَصِيَّة بِهِ مُبين فِيهِ التَّوْجِيه أوضح بَيَان قَالَ ابْن رضوَان مُلَخصا لما قيل فِي ذَلِك مِمَّا يتَأَكَّد كثيرا الاعتناء بالتجار الضاربين فِي الأَرْض لطلب المكاسب يصونهم من الظُّلم وَلما

стр. 368

فِي ذَلِك من استمالة الْقُلُوب النازحة واستجلاب الذَّخَائِر الخطيرة والأحجار النفيسة والطرف المستحسنة وَالْأَخْبَار الغريبة وَيَأْمُر الْعمَّال بمحايطتهم وَأَن يعرف لكل فضل مِنْهُم فَضله الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة من مستحسن المحكى من المبرة بالتجار الغرباء سفرا وَإِقَامَة سيرتان السِّيرَة الأولى قَالَ ابْن رضوَان أخبر الثقاة أَن بِلَاد الصين من آمن الْبِلَاد وأحسنها حَالا للمسافرين فَإِن الْإِنْسَان يُسَافر بهَا مُنْفَردا وَتَكون مَعَه الْأَمْوَال الطائلة فَلَا يخَاف عَلَيْهَا وترتيب ذَلِك أَن لَهُم فِي كل منزل ببلادهم فندقا عَلَيْهِ حَاكم يسكن فِيهِ فِي جمَاعَة من الفرسان وَالرِّجَال فَإِذا كَانَ بعد الْمغرب أَو الْعشَاء الْآخِرَة جَاءَ الْحَاكِم إِلَى الفندق وَمَعَهُ كَاتب فَيكْتب أَسمَاء جَمِيع من يبيت بِهِ من الْمُسَافِرين وَيخْتم عَلَيْهِ ويغلق بَاب الفندق عَلَيْهِم فَإِذا كَانَ بعد الصُّبْح جَاءَ وَمَعَهُ كَاتبه فَدَعَا كل إِنْسَان باسمه وَكتب بذلك تَفْسِير وَبعث مَعَهم من يوصلهم إِلَى الْمنزل التَّالِي لَهُ ويأتيه بَرَاءَة من حاكمه أَن الْجَمِيع قد وصلوا إِلَيْهِ وَإِن لم يفعل طُولِبَ بهم وَهَكَذَا الْعَمَل فِي كل منزل من بِلَاد الصين وَفِي هَذِه الفنادق جَمِيع مَا يحْتَاج إِلَيْهِ المسافرون من الأزواد وخصوصا الدَّجَاج والإوز وَأما الْغنم فَهِيَ قَليلَة عِنْدهم السِّيرَة الثَّانِيَة قَالَ وَمن عَادَتهم منع التُّجَّار عَن الْفساد وَإِذا قدم التَّاجِر الْمُسلم على بلد من بِلَاد الصين خير فِي النُّزُول عِنْد تَاجر من الْمُسلمين المستوطنين مَعَهم أَو فِي الفندق فَإِن أحب النُّزُول عِنْد التَّاجِر

стр. 369

الْمُسلم أحصى مَاله وَضَمنَهُ التَّاجِر المستوطن وَأنْفق عَلَيْهِ مِنْهُ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذا أَرَادَ السّفر بحث عَن مَاله فَإِن وجد شَيْئا مِنْهُ قد ضَاعَ غرمه التَّاجِر المستوطن الَّذِي ضمنه وَإِن أَرَادَ النُّزُول بالفندق سلم مَاله لصَاحب الفندق وَهُوَ يَشْتَرِي لَهُ مَا أحب ويحاسبه فَإِن أَرَادَ التَّسَرِّي اشْترى لَهُ جَارِيَة وَأَسْكَنَهُ بدار يكون بهَا فِي الفندق وَأنْفق عَلَيْهِمَا والجواري رخيصات الْأَثْمَان لِأَن أهل الصين أَجْمَعِينَ يبيعون أَوْلَادهم وبناتهم وَلَيْسَ ذَلِك عَيْبا عِنْدهم غير أَنهم لَا يجبرون على السّفر مَعَ مشتريهم وَلَا يمْنَعُونَ أَيْضا مِنْهُ من اخْتَارَهُ وَكَذَلِكَ إِن أَرَادَ التَّزْوِيج تزوج وَأما إِنْفَاق مَالهم فِي الْفساد فشيء لَا سَبِيل لَهُم إِلَيْهِ وَيَقُولُونَ لَا يسمع أَنهم يخسرون أَمْوَالهم فِي بِلَادنَا وَهِي أَرض فَسَاد وجمال فائق مُبَالغَة الْكِرَام قَالَ كَانَ من عَادَة ملك الْهِنْد السُّلْطَان أبي الْمُجَاهِد مُحَمَّد شاه إكرام الغرباء ومحبتهم وتخصيصهم بالولايات والمراتب

стр. 370

الرفيعة ومعظم خواصه من صحابته ووزرائه وقضاته غرباء وَلِهَذَا أَمر أَن يُسمى الغرباء فِي بِلَاده بالأعزة فَصَارَ ذَلِك لَهُم علما الْخَامِس استعانة التَّدْبِير بهَا عِنْد التَّقْصِير عَنهُ ولاخفاء بتأكيد الْحَاجة إِلَيْهَا فِي هَذِه الْحَالة لِأَن الْقُدْرَة عَلَيْهِ إِذا كَانَت لَا تنفك عَن غرر الْخُصُومَة لن تتأيد بهَا فَمَا أَحْرَى أَن تتَحَقَّق عِنْد الاستبداد لِئَلَّا تنهض الْبَتَّةَ انْتهى الرُّكْن السَّابِع مُكَافَأَة ذَوي السوابق وَفِيه مسَائِل الْمَسْأَلَة الأولى قَالَ ابْن المقفع ليعلم الْملك أَن النَّاس يصفونَ الْمُلُوك بِسوء الْعَهْد فليتدبر بعض قَوْلهم وليكذب عَن نَفسه وعنهم صِفَات السوء الَّتِي يصفونَ بهَا قلت فليراعي الْعَهْد بِحسن الْمُكَافَأَة عَلَيْهِ مستعينا فِي انتهاضه إِلَيْهِ ملاحظا مَا يحمل عَلَيْهِ الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة وَذَلِكَ أُمُور أَحدهمَا أَنه مِمَّا لَا لَهُ فِي هَذَا الْملك الْمَطْلُوب أَولا وَمَا هُوَ كَذَلِك فجدير أَن يستدام بِهِ مَا أنال من قصد وَبلغ من مُرَاد قيل للإسكندر بِمَ نلْت مَا نلْت قَالَ باستمالة الْأَعْدَاء وَالْإِحْسَان إِلَى الأصدقاء

стр. 371

الثَّانِي أَنه لَا يَلِيق بالسلطان الشريف النَّفس أَن ينْفَرد بنعيم الْملك وذوو السوابق لَدَيْهِ لم يفض عَلَيْهِم مِمَّا رزق مِنْهُ قَالَ السفاح بِنَا أَن تكون الدُّنْيَا لنا وأولياؤنا ضالون عَن حصن ودادنا الثَّالِث أَنه عِنْد كملاء الْمُلُوك من اعظم اللَّذَّات الَّتِي يفيدها الْملك ويحظى بهَا من فازت قداحه قيل للإسكندر أَي شَيْء نلته فِي ملكك كنت بِهِ اشد سُرُورًا من غَيره قَالَ الْقُوَّة على مكفأة من أحسن إِلَيّ الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة من الْوَارِد فِي الْحسن الْمُكَافَأَة على السَّابِقَة الَّتِي لَا خطر لَهَا حكايتان الْحِكَايَة الأولى أَن عبيد الله بن الْعَبَّاس أَتَاهُ رجل فَقَامَ بَين يَدَيْهِ وَقَالَ لَهُ يَا ابْن عَبَّاس إِن لي عنْدك يدا وَقد احتجت إِلَيْهَا فَنظر إِلَيْهِ وَقَالَ لَهُ مَا يدك قَالَ رَايَتك وَاقِفًا بزمزم وغلامك يمتح من مَائِهَا وَالشَّمْس قد أضربت بك فظللتك بكسائي حَتَّى شربت فَقَالَ أجل إِنِّي لأذكر ذَلِك وَأَنه ليتردد فِي خاطري وَقَالَ لغلامه مَا عنْدك قَالَ مائَة دِينَار وَعشرَة آلَاف دِرْهَم قَالَ ادفعها إِلَيْهِ مَا أَرَاهَا تفي بِحَق يَده فَقَالَ لَهُم الرجل وَالله لَو لم يكن لإسماعيل ولد غَيْرك لَكَانَ فِيك مَا كَفاهُ فَكيف وَقد ولد سيد الْمُرْسلين الْأَوَّلين والآخرين مُحَمَّدًا ﷺ ثمَّ شفع بك وبأبيك قيل وَهَذَا عبيد الله أول من وضع الْمرَافِق على الطَّرِيق

стр. 372

الْحِكَايَة الثَّانِيَة عَن الْفضل بن الرّبيع قَالَ خرج الْمهْدي متنزها وَمَعَهُ ابْن بزيغ فَانْقَطع عَن الْعَسْكَر وَالنَّاس فِي الصَّيْد وَأصَاب الْمهْدي جوع شَدِيد فَقَالَ عمر وَيحك أُرِيد إنْسَانا أجد عِنْده مَا نَأْكُل فَمَا زَالَ عمر يطوف إِلَى أَن وجد صَاحب مبقلة إِلَى جَانِبه فَصَعدَ إِلَيْهِ فَقَالَ لَهُ عمر هَل عنْدك شَيْء يُؤْكَل قَالَ نعم رقاق من الْخبز شعير وزبيب وَهَذَا البصل والكراث فَقَالَ لَهُ الْمهْدي إِن كَانَ عنْدك زبيب فقد أكملت قَالَ نعم عِنْدِي فضلَة مِنْهُ فَقدم إِلَيْهِمَا ذَلِك فأكلا كثيرا وَجعل الْمهْدي يَسْتَطِيب آكله ويمعن فِيهِ حَتَّى لم يبْق فِيهِ فضل ووافى الْعَسْكَر وَلَحِقتهُ الخزائن والخدم فَأمر لصَاحب المبقلة بِثَلَاث آلَاف دِرْهَم

стр. 373

الرُّكْن الْعشْرُونَ تخليد مفاخر الْملك ومآثره وَهُنَاكَ مقدمتان الْمُقدمَة الأولى أَن من سَعَادَة السُّلْطَان سَعْيه فِي تشييد مفاخر الْملك وتخليد مآثره الشاهدة بِكَمَال النِّيَابَة بِهِ فِي الظُّهُور كَمَا قَالَ أفلاطون السعيد من تمت بِهِ رياسة آبَائِهِ والشقي من انْقَطَعت عِنْده وَفِي مَعْنَاهُ قَول بعض الْحُكَمَاء إِن أبر الْمُلُوك من تمّ بِهِ سعي سلفه وأعقهم من أنقطع سَعْيهمْ عِنْده الْمُقدمَة الثَّانِيَة أَن تَحْصِيل هَذِه السَّعَادَة حقيق أَن يرغب فِيهِ لأمرين أَحدهمَا ثَوَاب الْآخِرَة وَنَعِيمهَا المخلد الْملك الْكَبِير لقَوْله تَعَالَى ﴿ونكتب مَا قدمُوا وآثارهم﴾ وَقَوله ﷺ من سنّ سنة حَسَنَة كَانَ لَهُ أجرهَا وَأجر من عمل بهَا من بعده من غير أَن ينقص من أجرهم شَيْئا لَهُ الحَدِيث الثَّانِي عز الدّين بتخليد جميل الذّكر وَالثنَاء الْحسن كَمَا قَالَ (وَهل شَيْء يَدُوم سوى حَدِيث ... جميل الذّكر فالدنيا حَدِيث) حَدِيث موعظة قَالَ الطرطوشي أثر تَقْرِيره لهَذَا الْمَعْنى فانتهز فرْصَة الْعُمر ومساعدة الدُّنْيَا وَقدم لنَفسك كَمَا قدمُوا تذكر بالصالحات كَمَا ذكرُوا وَأعلم أَن الْمَأْكُول للبدن والموهوب للمعاد والمتروك للعدى فاختر أَي الثَّلَاثَة شِئْت وَالسَّلَام مرجع إِذا تقرر هَذَا مِمَّا بِهِ نيل السَّعَادَة وَهُوَ مَا يشيد بِهِ مفاخر الْملك يخلد بِهِ مآثره يظْهر من حِكَايَة مَا نقل مِنْهُ عَن جلة الْمُلُوك وأعيان الوزراء فَهُنَا مقامان

стр. 374

الْمقَام الأول مَا نقل مِنْهُ عَن الْمُلُوك وَالْكَافِي مِنْهُ خبران الْخَبَر الأول قَالَ ابْن خلكان فِي تَرْجَمَة السُّلْطَان أبي سعيد الْمَدْعُو بِالْملكِ الْمُعظم مظفر الدّين صَاحب أربل كَانَ لَهُ فِي فعل الْخيرَات غرائب وَلم يكن فِي الدُّنْيَا شَيْء أحب إِلَيْهِ من الصَّدَقَة كَانَ لَهُ فِي كل يَوْم قناطير مقطرة من الْخبز يفرقها على المحاويج فِي عدَّة مَوَاضِع من الْبَلَد يجْتَمع فِي كل يَوْم فِي الْموضع خلق كثير فَيُفَرق عَلَيْهِم فِي أول النَّهَار وَإِذا نزل من الرّكُوب يكون قد اجْتمع جمع كثير عِنْد الدَّار فيدخلهم إِلَيْهِ وَيدْفَع لكل وَاحِد مِنْهُم كسْوَة على قدر الْفَصْل من الشتَاء والصيف وَغَيرهمَا وَمَعَ الْكسْوَة شَيْء من الذَّهَب من الدِّينَار إِلَى الْإِثْنَيْنِ وَالثَّلَاثَة وَأَقل وَأكْثر وَكَانَ قد بنى أَرْبَعَة مَوَاضِع للمرضى والعميان وملأها من هذَيْن الصِّنْفَيْنِ وَقدر لَهُم مَا يحْتَاج إِلَيْهِ كل وَاحِد وَكَانَ يَأْتِيهم فِي كل عصر إثنين وخميس وَيدخل إِلَى كل وَاحِد فِي بَيته ويسأله عَن حَاله ويتفقده بِشَيْء من النَّفَقَة وينتقل إِلَى الآخر وَهَكَذَا حَتَّى يَأْتِي على جَمِيعهم وَهُوَ يباسطهم ويمزح وَيجْبر قُلُوبهم قَالَ وَكَانَ ﵀ قد بنى دَارا للنِّسَاء الأرامل ودارا للصغار الْأَيْتَام ودارا للملاقيط رتب بهَا جمَاعَة من المراضع وكل مَوْلُود ملتقط يحمل إِلَيْهَا فيرضع وَيجْرِي على أهل كل دَار مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ فِي كل يَوْم وَكَانَ يدْخل إِلَيْهَا فيرضع وَيجْرِي على أهل كل دَار مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ فِي كل يَوْم وَكَانَ يدْخل للمارستان وَيقف على كل مَرِيض يسْأَله عَن مَرضه وَكَيْفِيَّة حَاله وَمَا يشتهيه وَكَانَ لَهُ دَار مضيف يدْخل إِلَيْهَا كل قادم على الْبَلَد من فَقير أَو صَغِير أَو غَيرهمَا وعَلى الْجُمْلَة فَمَا كَانَ يمْنَع مِنْهَا كل من قصد الدُّخُول أليها وَلَهُم فِي الدَّار الْغَدَاء وَالْعشَاء وَإِذا عزم الْإِنْسَان على السّفر أَعْطوهُ نَفَقَة على مَا يَلِيق بِمثلِهِ

стр. 375

وَبنى مدرسة رتب فِيهَا الْفَرِيقَيْنِ من الشَّافِعِيَّة وَالْحَنَفِيَّة وَكَانَ كل وَقت يَأْتِيهَا بِنَفسِهِ وَيعْمل السماط بهَا ويتطيب وَيعْمل السماع فَإِذا طلب خلع شَيْئا من ثِيَابه وييسر للْجَمَاعَة شَيْئا من الْأَنْعَام وَلم يكن لَهُ لَذَّة سوى السماع فَإِنَّهُ كَانَ لَا يتعاطى الْمُسكر وَلَا يُمكن من ادخله غلى الْبَلدة وَبنى للصوفية زاويتين فيهمَا خلق كثير من المقيمين والواردين ويجتمع فِي أَيَّام المواسم فِيهَا خلق كثير وَلَهُمَا أوقاف وافرة تقوم بِجمع مَا يحناج إِلَيْهِ ذَلِك الْجمع وَلَا بُد عِنْد سفر وَاحِد من نَفَقَة يَأْخُذهَا وَكَانَ يسير فِي كل سنة دفعتين مَعَ جمَاعَة من اصفائه إِلَى بلد السَّاحِل وَمَعَهُمْ جملَة وافرة من أَمْوَال يفْدي بهَا بهَا أُسَارَى الْمُسلمين من أَيدي الْكَافرين فَإِذا وصلوا إِلَيْهِ أعْطى كل وَاحِد مَالا وَإِن لم يصل لَهُ الْأُسَارَى فالأمناء يعطونههم بِوَصِيَّة مِنْهُ فِي ذَلِك وَكَانَ يُقيم فِي كل سنة سبلا للْحَاج ويسير مَعَه جَمِيع مَا تَدْعُو حَاجَة الْمُسَافِر إِلَيْهِ فِي الطَّرِيق ويسير صحبته أُمَنَاء مَعَهم خَمْسَة آلَاف دِينَار أَو سِتَّة آلَاف دِينَار ينفقها فِي الْحَرَمَيْنِ على المحاويج وأرباب الرَّوَاتِب وَله بِمَكَّة حرسها الله تَعَالَى آثَار جميلَة وَبَعضهَا بَاقٍ إِلَى الْآن وَهُوَ أول من أجْرى المَاء إِلَى جبل عَرَفَات فِي لَيْلَة الْوُقُوف وَغرم عَلَيْهِ جملَة كَثِيرَة من المَال وَعمر بِالْجَبَلِ مصانع للْمَاء فَإِن الْحجَّاج كَانُوا يتضررون من عدم المَاء هُنَاكَ وَكَانَ ﵀ مَتى أكل شَيْئا واستطابه لَا يخْتَص بِهِ بل يَقُول احملوا هَذَا إِلَى الشَّيْخ فلَان أَو فُلَانَة مِمَّن هم عِنْدهم مَشْهُور بِالسِّلَاحِ قلت قَالَ ابْن رضوَان وَكَأَنَّهُ نظر إِلَى مَا حكى أَنه كَانَ مَكْتُوبًا على جَوَانِب مائدة أنو شرْوَان خير الْمُلُوك مَا كَانَ طَعَامه من حلّه وَعَاد على ذَوي الْحَاجَات من فَضله انْتهى

стр. 376

الْخَبَر الثَّانِي قَالَ كَانَ أَبُو الْفَتْح ملك شاه بن البارسلان السلجوقي مغرما بالعمائر فحفر كثيرا من الْأَنْهَار وَعمل على كثير من الْبلدَانِ الأسوار وابتنى فِي المفاوز رباطات وقناطير وَهُوَ الَّذِي عمر جَامع السُّلْطَان بِبَغْدَاد فِي سنة خمس وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعمِائَة وَزَاد فِي ذكر السلطنة بهَا وصنع بطرِيق مَكَّة مصانع وأتفق عَلَيْهَا أَمْوَالًا كَثِيرَة خَارِجَة عَن الْحصْر وأبطل المكوس والخفارات فِي جَمِيع بِلَاده وَكَانَ لهجا بالصيد حَتَّى أَنه ضبط مَا اصطاده بِيَدِهِ فَكَانَ عشرَة آلَاف فَتصدق بِعشْرَة آلَاف دِينَار بعد أَن نسي كثيرا مِنْهُ وَقَالَ إِنِّي خَائِف من الله تَعَالَى من إزهاق الْأَرْوَاح لغير مآكله وَصَارَ بعد ذَلِك كلما قتل صيدا تَصْدِيق بِدِينَار وَخرج مرّة لتوديع الْحَاج فجاوز العذيب وشيعهم بِالْقربِ من الواقصة وصاد فِي طَرِيقه وحشا كثيرا فَبنى هُنَاكَ مناورة من حوافز الْحمر الوحشية وقرون الظباء الَّتِي صادها فِي تِلْكَ الطَّرِيق وَكَانَت السبل فِي أَيَّامه سَاكِنة من المخاوف آمِنَة تسير القوافل مِمَّا وَرَاء النَّهر إِلَى أقْصَى الشَّام وَلَيْسَ مَعهَا خفير ويسافر الْوَاحِد والإثنان من غير خوف وَلَا رهب الْمقَام مَا نقل مِنْهُ عَن الوزراء وَالْكَافِي أَيْضا مِنْهُ خبران الْخَبَر الأول قَالَ ابْن رضوَان وَأَصله للطرطوشي وَمثله لِابْنِ الْعَرَبِيّ كَانَ الْوَزير نظام الْملك قد بنى دور الْعلم للفقهاء وَأَنْشَأَ الْمدَارِس للْعُلَمَاء وَأسسَ الرباطات للعباد والزهاء وَأهل الصّلاح والفقراء ثمَّ أجْرى

стр. 377

لَهُم الجرايات مشاهرة والكساوى والنفقات وأجرى الحبر وَالْوَرق لمن كَانَ من أهل الطّلب للْعلم مُضَافا إِلَى أَرْزَاقهم وَعم بذلك جَمِيع أقطار المملكة سُلْطَانه أَبُو الْفَتْح بن البارسلان فَلم يكن فِي أَوَائِل الشَّام وَهِي بِبَيْت الْمُقَدّس إِلَى الشَّام الْأَعْلَى وديار يكر والعراقين وخراسان بأقطارها إِلَى سَمَرْقَنْد ووراء نهر جيحون زهاء مائَة يَوْم حَاصِل علم أَو طَالبه أَو متعبد أَو زاهد فِي زاويته إِلَّا وكرامة شَامِلَة لَهُ وسابغة عَلَيْهِ وَكَانَ الَّذِي يخرج من بيُوت أَمْوَاله فِي هَذِه الْأَبْوَاب سِتّمائَة ألف دِينَار فِي كل سنة فوشى بِهِ الوشاة إِلَى أبي الْفَتْح الْملك وأوغروا صَدره عَلَيْهِ وَقَالُوا إِن هَذَا الْخَارِج من بيُوت الْأَمْوَال تقيم بِهِ جَيْشًا تركز بِهِ راية فِي سور قسطنطينية فخامر ذَلِك قلب أبي الْفَتْح فَلَمَّا دخل عَلَيْهِ قَالَ لَهُ يَا أَبَت بَلغنِي أَنَّك تخرج من بيُوت الْأَمْوَال كل سنة سِتّمائَة ألف دِينَار إِلَى مَالا ينفعنا وَلَا يغنى عَنَّا شَيْئا فَبكى نظام الْملك وَقَالَ يَا بني أَنا شيخ أعجمي وَلَو نُودي على فِيمَن يزِيد لم أحفظ خَمْسَة دَنَانِير وَأَنت غُلَام تركي لَو نُودي عَلَيْك عساك تحفظ ثَلَاثِينَ دِينَارا وَأَنت مشتغل بلذاتك ومنهمك فِي شهواتك وَأكْثر مَا يصعد إِلَى الله تَعَالَى مَعَاصِيك دون طَاعَتك وجيوشك الَّذين تعدهم للنوائب إِذا احتشدوا كافحوا عَنْك بسيوف طولهَا ذِرَاع وقوس لَا يَنْتَهِي مدى مرماها ثَلَاثمِائَة ذِرَاع وهم مَعَ ذَلِك مستغرقون فِي الْمعاصِي وَالْخُمُور والملاهي والمزامر والطنبور وَإِنِّي أَقمت لَك جَيْشًا يُسمى جَيش اللَّيْل فَإِذا

стр. 378

جن اللَّيْل قَامَت جيوش اللَّيْل على أَقْدَامهم صُفُوفا بَين يَدي رَبهم فأرسلوا دموعهم وأطلقوا بِالدُّعَاءِ ألسنتهم ومدوا إِلَى الله الْعَظِيم أكفهم بِالدُّعَاءِ لَك ولجيوشك فَأَنت وجيوشك فِي خفارتهم تعيشون وبدعائهم تبيتون وببركاتهم تمطرون وترزقون وتخرق سِهَامهمْ إِلَى السَّمَاء السَّمَاء السَّابِعَة بِالدُّعَاءِ والتضرع فَبكى أَبُو الْفَتْح بكاء شَدِيدا ثمَّ قَالَ شاباش يَا أَبَت شاباش أَي يَا أَبَت أَكثر لي من هَذَا الْجَيْش قَالَ وَهَذَا الرجل هُوَ الَّذِي بنى الْمدرسَة النظامية بِبَغْدَاد وَإِلَيْهِ تنْسب ﵀ قلت قَالَ ابْن خلكان هُوَ أول من ابتنى الْمدَارِس فاقتدى بِهِ النَّاس وَشرع فِي عمَارَة مدرسته بَغْدَاد سنة سبع وَخمسين وَأَرْبَعمِائَة وَفِي سنة تسع وَخمسين جمع النَّاس على طبقاتهم ليدرس بهَا الشيح أَبُو إِسْحَاق الشِّيرَازِيّ فَلم يحضر فدرسها أَبُو نصر بن الصّباغ صَاحب الشَّامِل عشْرين يَوْمًا ثمَّ جلس الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق الشِّيرَازِيّ بِبَغْدَاد وَكَانَ إِذا حضر وَقت الصَّلَاة خرج مِنْهَا وَيُصلي فِي بعض الْمَسَاجِد وَكَانَ يَقُول إِن أَكثر الْآلَات بهَا غصب

стр. 379

قلت وَذكر الطرطوشي مَا اتّفق لَهُ مَعَ أبي سعيد الْخُدْرِيّ الَّذِي كَانَ بناؤها لَهُ على يَده فَرَاجعه من هُنَاكَ قَالَ ابْن خلكان وَسُئِلَ عَن محبته للصوفية قَالَ أَتَانِي صوفي وَأَنا أخدم بعض الْأُمَرَاء فَقَالَ لي أخدم من تنفعك خدمته وَلَا تشتغل لخدمة من تَأْكُله الْكلاب غَدا فَلم أفهم مَا قَالَ فَسَكِرَ ذَلِك الْأَمِير من الْغَد وَكَانَت لَهُ كلاب كالسباع تفترس الغرباء بِاللَّيْلِ فغلبه السكر فَخرج وَحده فَلم تعرفه الْكلاب فمزقته فَعلمت أَن الرجل كوشف بذلك فَأَنا أخدم الصُّوفِيَّة لعَلي أظفر بِمثل ذَلِك الرجل قلت قَالَ ابْن الْعَرَبِيّ كَانَ قبل أَن يوزر صوفيا فَقِيرا يمشي على قَدَمَيْهِ من مَسْجِد الاقدام بِمصْر إِلَى تركستان وَمَا وَرَاء جيحون فِي صُحْبَة الزهاد وانتقل من رِبَاط إِلَى رِبَاط أَرْبَعِينَ عَاما ثمَّ وزر أَرْبَعِينَ عَاما قَالَ ابْن خلدون وَكَانَ إِذا قدم عَلَيْهِ إِمَام الْحَرَمَيْنِ أَبُو الْمَعَالِي وَأَبُو الْقَاسِم الْقشيرِي صَاحب الرسَالَة بَالغ فِي إكرامها وأجلسها فِي مَوْضِعه قَالَ وَتوجه صُحْبَة صَاحب ملك شاه أصيهان فَلَمَّا كَانَت لَيْلَة السبت عَاشر رَمَضَان سنة خمس وَثَلَاثِينَ وَأَرْبَعمِائَة فَلَمَّا كَانَ قرب نَهَارهَا قَالَ هَذَا مَوضِع قتل فِيهِ خلق كثير من الصَّحَابَة فِي زمن عمر بن الْخطاب ﵃ أَجْمَعِينَ فطوبى لمن كَانَ فيهم فاعترضه فِي تِلْكَ اللَّيْلَة صبي ديلمي لابس على هَيْئَة الصُّوفِيَّة مَعَه قَصَبَة عالية فَدَعَا لَهُ وَسَأَلَهُ تنَاولهَا فَتَنَاولهَا من يَده ليأخذها فَضَربهُ الصَّبِي بسكين بفؤاده فَحمل إِلَى يَده ليأخذها فَضَربهُ الصَّبِي بسكين فِي فُؤَاده فَحمل إِلَى مضربه فَمَاتَ وَقتل قَاتله فِي الْحِين بعد أَن هرب فعثر فِي طُنب خيمته فَوَقع فَقتل وَحمل نظام الْملك إِلَى أَصْبَهَان فَدفن فِيهَا

стр. 380

قَالَ وَقيل أَن السُّلْطَان دس عَلَيْهِ الْقَاتِل لَهُ فَإِنَّهُ سم طول حَيَاته واستكثر مَا بِيَدِهِ من الإقطاعات وَلم يَعش السُّلْطَان بعده إِلَّا خَمْسَة وَثَلَاثِينَ يَوْمًا وَكَانَ ﵀ من حَسَنَات الدَّهْر قلت قَالَ ابْن الْعَرَبِيّ قَالَ النَّاس فِيهِ لم يوزر بعد مَوته مثله قَالَ ابْن خلكان ورثاه شبْل الدولة أَبُو الهيجا مقَاتل بن عَطِيَّة الْبكْرِيّ بقوله (كَانَ الْوَزير نظام الْملك لؤلؤة ... نفيسة قد صاغها الرَّحْمَن من شرف) (عزت فَلم تعرف الْأَيَّام قيمتهَا ... فَردهَا غيرَة مِنْهُ إِلَى الصدف) الْخَبَر الثَّانِي قَالَ ابْن رضوَان وَمِمَّنْ لَهُ فِي المآثر المخلدة الْيَد الْعليا والفوز بِأَكْثَرَ مساعي الْبر المتكفلة لَهُ بِالْحُسْنَى الْوَزير جمال الدّين بن جَعْفَر بن مُحَمَّد بن عَليّ بن أبي مَنْصُور المعزو بالجواد الْأَصْفَهَانِي وَلَا يدعى إِلَّا جمال الدّين الْجواد وَزِير صَاحب الْموصل فقد ثَبت لَهُ من الْآثَار الْكَرِيمَة والصنائع الحميدة والمصانع المبنية فِي ذَات الله تَعَالَى المشيدة مَا لم يسْبقهُ إِلَيْهِ أحد من أكَابِر الْخُلَفَاء وفضلاء الوزراء تَمَادى على هَذِه الْمَقَاصِد السّنيَّة المجتمعة على الْمَنَافِع الْعَامَّة لجَمِيع الْمُسلمين فِي حرم الله وَحرم رَسُول الله ﷺ أَكثر من خَمْسَة عشر عَاما لم يزل فِيهَا باذلا أَمْوَالًا لَا تحصى فِي بِنَاء رباع جَامع مَكَّة مسبلة فِي طرق الْخَيْر مؤيدة محبسة وَفِي اختطاط صهاريج المَاء وَوضع جباب فِي الطّرق يسْتَقرّ بِهِ الْمَطَر إِلَى تجديده آثَار من الْبناء فِي الْحَرَمَيْنِ الكريمين وَكَانَ من أشرف أَعماله أَن جلب المَاء إِلَى عَرَفَات وقاطع عَلَيْهِ

стр. 381

الْعَرَب من بني شيبَة سكان تِلْكَ النواحي المجلوب إِلَيْهَا بوظيفة من المَال كَثِيرَة على أَن لَا يقطعوا المَاء عَن الْحَاج فَلَمَّا توفى عَادوا إِلَى عَادَتهم من قِطْعَة وَمن مآثره أَنه جعل مَدِينَة رَسُول الله ﷺ تَحت سَرِير من عيقر وَأنْفق فِيهَا أَمْوَالًا لَا تحصى كَثْرَة وَمن أعجب مَا وَفقه الله إِلَيْهِ أَنه جدد أَبْوَاب الْحرم كلهَا وجدد بَاب الْكَعْبَة وعشاه فضَّة مذْهبه وجدد العتبة الْمُبَارَكَة بلوح ذهب ابريز وَأخذ الْبَاب الْقَدِيم وَأمر أَن يصنع لَهُ مِنْهُ تَابُوت يدْفن فِيهِ فَلَمَّا حانت وَفَاته أَمر أَن يوضع فِي ذَلِك التابوت الْمُبَارك ويحج بِهِ مستا ويدفن بالموصل دون السّنة وَبعد ذَلِك أَن يسَار إِلَى عَرَفَات وَيُوقف بِهِ على الْجَبَل ويكشف عَن التابوت فَلَمَّا أَفَاضَ النَّاس بِهِ وكتبت لَهُ الْمَنَاسِك كلهَا وطيف بِهِ طواف الْإِفَاضَة وَكَانَ ﵀ لم يحجّ فِي حَيَاته ثمَّ حمل إِلَى مَدِينَة الرَّسُول ﷺ وَله فِيهَا الْآثَار الْكَرِيمَة وبنيت لَهُ رَوْضَة بازاء رَوْضَة الْمُصْطَفى ﷺ وَفتح بهَا مَوضِع يُلَاحظ الرَّوْضَة المقدسة وأقيم لَهُ ذَلِك لسابق أَفعاله الْكَرِيمَة وَإِلَيْهِ ينْسب أحد الحمامين الَّذين بسكة الْمَشْهُور بحمام جمال الدّين قَالَ وَلِهَذَا الرجل من الْآثَار الجميلة والمفاخر الجليلة الَّتِي لم يسْبق إِلَيْهَا الأكابر الأجواد والسادات الأمجاد فِيمَا سلف من الْأَزْمَان مَا لَا يُحْصى ويستقر بِهِ الثَّنَاء ويستصحب طول الْأَزْمَان من الْأَلْسِنَة بِالدُّعَاءِ وحسبك أَنه اتَّسع اعتناؤه بإصلاح جادة الطَّرِيق للْمُسلمين فِي الْمشرق من الْعرَاق إِلَى الشَّام إِلَى الْحجاز فاستنبط الْمِيَاه وابتنى الْجبَاب واختط الْمنَازل فِي المغازات وَأمر بعماراتها مأوى لأبناء السَّبِيل وكافة الْمُسَافِرين وابتنى بالمدن الْمُتَّصِلَة من الْعرَاق إِلَى الشَّام فنادق وعينها لنزول الْفُقَرَاء وَأَبْنَاء السَّبِيل الَّذين تضعفت أَحْوَالهم عَن تأدية الأكرية وأجرى على قومه تِلْكَ الفنادق والنازل مَا يقوم بعيشهم وَعين لَهُم ذَلِك فِي وُجُوه متأبدة لَهُم فَبَقيت لَهُم تِلْكَ الرسوم على حَالهَا إِلَى الْآن فسارت تلهج بِذكر هَذَا الرفاق وملئت ثَنَاء عَلَيْهِ الْآفَاق وَكَانَ مُدَّة حَيَاته بالموصل قد اتخذ دَار كَرَامَة وَاسِعَة الفناء فسيحة الأرجاء يَدْعُو إِلَيْهَا كل يَوْم الجفلى من الغرباء شبعا وريا وَرُبمَا وجد الْوَارِد والصادر فِي ظله

стр. 382

عَيْشًا هَنِيئًا وَلم يزل على ذَلِك أَيَّام حَيَاته رَحمَه الله تَعَالَى فَبَقيت آثاره مخلدة وأخباره بألسنة الذّكر مجددة وَقضى حميدا سعيدا وَالذكر الْجَمِيل للسعداء حَيَاة ثَانِيَة وَمُدَّة من الْعُمر بَاقِيَة وَالله كَفِيل بجزاء الْمُحْسِنِينَ من عباده فَهُوَ أكْرم الكرماء انْتهى وَهُوَ مَنْقُول عَن ابْن خلكان

стр. 383

الْبَاب الثَّانِي فِي الصِّفَات الَّتِي تصدر بهَا تِلْكَ الْأَفْعَال على أفضل نظام والمقرر مِنْهَا عشرُون قَاعِدَة وَقبلهَا سِتّ مُقَدمَات الْمُقدمَة الأولى إِن الْإِنْسَان مركب من خلق مَحْمُود يشبه بهَا الْملك قَالَ الله تَعَالَى ﴿إِن هَذَا إِلَّا ملك كريم﴾ وَخلق مذمومة يشبه بهَا الْبَهِيمَة أَو الشَّيْطَان قَالَ الله تَعَالَى ﴿أُولَئِكَ كالأنعام بل هم أضلّ﴾ قلت وَمن ثمَّ إِن المسخ فِي الْبَاطِن وَاقع فِي هَذِه الْأمة وَقد قَالَ ابْن الْحَاج أَن الظلمَة لَا فرق بَينهم وَبَين السبَاع إِلَّا فِي الصُّورَة الظَّاهِرَة والمعاني جَامِعَة بَين النَّوْعَيْنِ الْمُقدمَة الثَّانِيَة قَالَ الْحُكَمَاء الْخلق ملكة تصدر بهَا عَن النَّفس الْأَفْعَال بسهولة دون تقدم روية كالكاتب دون تقدم روية والقادر على إِحْضَار علومه دون إِحْضَار روية قَالَ الإِمَام فَخر الدّين وَالْفرق بَينهمَا وَبَين الْقُدْرَة نسبتها إِلَى الضدين على السوَاء والخلق لَيْسَ كَذَلِك الْمُقدمَة الثَّالِثَة قَالَ أصُول الْفَضَائِل ثَلَاثَة الْحِكْمَة والشجاعة الْخلق الَّذِي يصدر بِهِ الْفِعْل الْمُتَوَسّط بَين فعلى الحدة والغباوة والشجاعة الْخلق الَّذِي يصدر بِهِ الْفِعْل الْمُتَوَسّط بَين

стр. 384

فعلى التهور والجبن والعفة الْخلق الَّذِي يصدر بِهِ الْفِعْل الْمُتَوَسّط بَين فعلي الْفُجُور والخمود الْمُقدمَة الرَّابِعَة أَن الْأَخْلَاق قَابِلَة للتغيير بطرِيق الرياضة على معنى ردهَا إِلَى الِاعْتِدَال وَهُوَ مُمكن رَفعهَا بالحركة إِذْ هُوَ مُمْتَنع فَلَا يرد قيل الْأَخْلَاق صُورَة الْبَاطِن كَمَا أَن الْخلق صُورَة الظَّاهِر والخلقة الظَّاهِرَة لَا قدرَة على تغييرها فَكَذَا الْبَاطِنَة وَغَايَة مَا يُقَال أَنه عسير الْإِمْكَان فَحسب قَالَ الْبَلْخِي وَلَيْسَ الْمُمكن العسير فِي زَوَال الْمُمْتَنع لِأَن الأول فِيهَا يَنْتَهِي خُرُوجه إِلَى الْوُجُود وَالثَّانِي لَا سَبِيل إِلَى الْوُجُود الْبَتَّةَ الْمُقدمَة الْخَامِسَة إِن النَّاس فِي هَذَا الْمقَام على مَا قسم الْغَزالِيّ أَرْبَعَة أَحدهمَا الْبَاقِي على أصل الْفطْرَة فِي الْخُلُو من الاعتقادات وفقدان التميز بَين الْحق وَالْبَاطِل وَلم يُبَالغ شَهْوَته فِي انقباض اللَّذَّات فَهَذَا سريع الْقبُول لتغيير خلقه فِي أقرب زمَان الثَّانِي الْعَارِف بقبح الْقَبِيح مَعَ الْإِصْرَار عَلَيْهِ انقيادا للشهوة وإعراضا عَن الصَّالِحَات الَّتِي لم يتعودها فَأمره أصعب لعسر مبلغ مَا رسخ فِي نَفسه من صبغة تعود الْفساد وصعوبة قبُوله لتعود الصّلاح لكنه للرياضة أَن أَخذ فِيهَا بصادق عزم الثَّالِث المعتقد فِي الْقَبِيح أَنه الْوَاجِب المستحسن لرسوخه بذلك مُنْذُ

стр. 385

أول النشأة فَعِنْدَ ذَلِك صَلَاحه لَا يُرْجَى إِلَّا على الندور لتضاعف أَسبَاب ضلاله وخذلانه الرَّابِع المستكثر من الشرور النَّاشِئ عَلَيْهَا اعتقادا أَن التظاهر بذلك هُوَ الْفَضِيلَة الرفيعة على قدر المشتهر بهَا وَفِي مثله قيل من التَّهْذِيب تَهْذِيب الرتب فَالْأول فَقَط وَالثَّانِي جَاهِل وَالثَّالِث جَاهِل وضال فَالْأول جَاهِل فَقَط وَالثَّانِي جَاهِل وضال فَقَط وَالثَّالِث جَاهِل وضال وفاسق وَالرَّابِع جَاهِل وضال وفاسق وشرير الْمُقدمَة السَّادِسَة أَن السَّبَب الَّذِي بِهِ ينَال تَغْيِير الْخلق المذموم أَمر أَن فِي الْجُمْلَة أَحدهمَا فطري لَا كسبي إِنَّمَا هُوَ بمحض الْجُود الآلهي لمن يُوجد كَامِل الْعقل حسن الْخلق معتدل الشَّهْوَة وَالْغَضَب عَالما من غير معلم متأدبا من غير مؤدب كالأنبياء ﵈ الثَّانِي كسبي وَهُوَ الرياضة المُرَاد بهَا حمل النَّفس على عمل مُقْتَضى الْخلق الْمَطْلُوب كتكلف طَالب الْجُود يتعاطى فعل الْجواد حَتَّى يصير لَهُ طبعا لَا تكلّف فِيهِ وَكَذَا فِي سَائِر الْخلق الحميدة الْقَاعِدَة الأولى الْعقل وفيهَا مسَائِل الْمَسْأَلَة الأولى سبق فِي مُقَدمَات الْكتاب أَنه من شُرُوط ولَايَة السُّلْطَان وَالْمرَاد الْآن مَا يزِيد على ذَلِك الْقدر الغريزي وَهُوَ المكتسب مِنْهُ بِكَثْرَة

стр. 386

التجربة وَطول الْمُبَاشرَة بتقلب الْأَيَّام وَتصرف الْحَوَادِث فقد قيل كفى بالتجارب مؤدبا وبانقلاب الدَّهْر عظة وَقيل التجربة مرْآة الْعقل والغرة ثَمَرَة الْجَهْل قَالَ الشَّاعِر (ألم تَرَ أَن الْعقل زين لأَهله ... وَلَكِن تَمام الْعقل طول التجارب) وَقَالَ (إِذا طَال عمر الْمَرْء فِي غير آفَة ... أفادت لَهُ الْأَيَّام فِي كرها عقلا) الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة يتَأَكَّد الإتصال بِهَذَا النَّوْع من الْعقل على السُّلْطَان مَالا يتَأَكَّد على غَيره وَمِمَّا يدل على ذَلِك أَمْرَانِ أَحدهمَا أَن انتصابه لرعاية الْخلق بِمَا يتكفل لَهُم بمصالح الدَّاريْنِ يتَوَقَّف على وفور حَظه من هَذَا الإتصاف وَلَا يخفى ذَلِك على ذِي بَصِيرَة يتَوَقَّف على وفور حَظه من هَذَا الإتصاف وَلَا يخفى ذَلِك على ذِي بَصِيرَة الثَّانِي إِن أنفس مطَالب الرياسة الذّكر وَلَا يحصل إِلَّا بِكَمَالِهِ فَفِي سياسة أرسطو الرياسة لَا ترَاد لنَفسهَا إِنَّمَا ترَاد للذّكر وَأول مُنَازع الْعقل الذّكر والرياسة نتيجته الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة الْقَصْد بِهَذَا الْعقل معرفَة خير الخيرين وَشر الشرين قَالَ الْغَزالِيّ وَذَلِكَ فِي الْأُمُور العاجلة قريب وَإِنَّمَا المتلبس عواقب الْأُمُور فِي الْأَسْبَاب المحظورة وَلَا يشغل بهَا إِلَّا مُسَدّد بالتوفيق من الله تَعَالَى قلت هُوَ من معنى قَول أَكْثَم بن صَيْفِي الْأُمُور تتشابه وَهِي مقبلة وَلَا يعرفهَا إِلَّا ذَوُو الرَّأْي فَإِذا أَدْبَرت يعرفهَا الْجَاهِل كَمَا يعرفهَا الْعَاقِل

стр. 387

وَمِنْه قَوْله (تشابه أَعْيَان الْأُمُور بواديا ... وَتظهر فِي أعقابها حِين تدبر) قَالَ والوصول إِلَى ذَلِك بعد حُصُوله غريرة الْعقل مَبْنِيّ على أَشْيَاء قَالَ أَحدهَا الفكرة وَالتَّدْبِير بِشَرْط الفطنة والذكاء الثَّانِي النَّقْد لخواطر ذَوي البصائر واستطلاع رَأْي أولى التجارب على طَرِيق الْمُشَاورَة وَهُوَ الرُّكْن الْأَعْظَم فِي التَّدْبِير فَإِن الاستبداد وَإِن كَانَ من ذِي بَصِيرَة مَذْمُوم الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة يستعان على حُصُوله كَمَا يُرَاد بأمرين أَحدهمَا كسبي بِكَثْرَة التجربة كَمَا مر وَالْآخر عزيزي وَهُوَ خلقه من الله تَعَالَى يخص بهَا من يَشَاء من خلقه فيخلقه ذكيا فطنا حِكَايَة فِي ذَلِك قَالَ الْأَصْمَعِي قلت لغلام حدث من أَوْلَاد الْعَرَب كَانَ يحدثني فَأَعْجَبَنِي فَصَاحَته وملاحته فَقلت لَهُ أَيَسُرُّك أَن يكون لَك مائَة ألف وَأَن تكون أحمقا قَالَ لَا وَالله قلت وَلم قَالَ أَخَاف أَن يجني الْحمق على جِنَايَة تذْهب على مَالِي وَيبقى على حمقي قَالَ الطرطوشي فاستخرج هَذَا الصَّبِي بفرط ذكاءه قَضِيَّة مَقْبُولَة فعلا على من هُوَ أكبر سنا مِنْهُ قيل وَقد قَالَت الْحُكَمَاء الْعقل سرعَة الْفَهم وغايته إِصَابَة الْوَهم وَلَيْسَ للذكاء غَايَة وَلَا لجودة الْمعرفَة نِهَايَة الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة من الفطن فِي الْعقل معرفَة كَمَاله الشَّرْعِيّ وَهُوَ مُتَوَقف على تصَوره فِي نَفسه فعلى أَنه عُلُوم ضَرُورِيَّة بِجَوَاز الجائزات واستحالة المستحيلات وَوُجُوب الْوَاجِبَات فَهِيَ عُلُوم شَرْعِيَّة يظْهر على

стр. 388

وفقها آثَار فعلية وقولية وعَلى أَنه بَصِيرَة فِي الْقلب تدْرك بهَا الْعُلُوم الشَّرْعِيَّة وَيظْهر على وفقها آثَار فعلية وقولية الْمَسْأَلَة السَّادِسَة من لَازم هذَيْن التعريفين انتقاؤه حَيْثُ لَا تظهر تِلْكَ الْآثَار وَبِه يفهم نَفْيه عَن الْكفَّار فِي نَحْو قَوْله تَعَالَى صم بكم عمي فهم لَا يعْقلُونَ فهم عِنْد ذَلِك على الْجُمْلَة لتخلف كَمَال ثَمَرَته وَهُوَ الإمتناع بِهِ عَن العصبية الَّتِي لَا يعود وبالها إِلَّا عَلَيْهِم كَمَا دلّ تَفْسِير أولي الْأَلْبَاب أَي أهل الْعُقُول وَفِي قَوْله تَعَالَى الَّذين يُوفونَ بِعَهْد الله وَلَا ينقصُونَ الْمِيثَاق إِلَى آخر الْآيَة بعد تقدم قَوْله إِنَّمَا يتَذَكَّر أولو الْأَلْبَاب فيفهم من ذَلِك أَن من لم يَتَّصِف بِالْوَفَاءِ بالعهد وَمَا ذكر مَعَه فَلَيْسَ بِذِي عقل الْمَسْأَلَة السَّابِعَة الإتصاف بِهَذَا الْعقل الْكَامِل فِي جَمِيع الْأَحْوَال والأوقات الْمُخَالفَة لِأَن ذَلِك إِنَّمَا هُوَ للأنبياء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام ولقليل مِمَّن عداهم وَمن ثمَّ قَالَ مطرف بن عبد الله مَا من النَّاس أحد إِلَّا وَهُوَ أَحمَق فِيمَا بَينه وَبَين ربه وَلَكِن الْحمق بعضه أَهْون من بعض قَالَ الْأُسْتَاذ أَبُو سعيد بن لب ﵀ بِهَذِهِ إِشَارَة إِلَى عزة وجود الْعقل الْكَامِل وَإِلَى أَنه لَا يصل أحد أَن يقوم بِحَق الله تَعَالَى كل الْقيام وَأَن يعبده حق الْعِبَادَة الْمَسْأَلَة الثَّامِنَة من لَهُ عناية بِطَلَب هَذَا الْأَمر من الْعقل بِحَسب جهده فليعتبر بِمثل مَا يعمر بِهِ الْأَوْقَات قَالَ وهب بن مُنَبّه حق على الْعَاقِل أَلا يغْفل عَن أَربع سَاعَات سَاعَة يُنَاجِي فِيهَا ربه وَسَاعَة يقْضِي فِيهَا إِلَى إخوانه الَّذين يخبرونه بشؤونه ويصدقونه عَن نَفسه وَسَاعَة يخلي بَين نَفسه وَبَين لذاته فِيمَا يحل

стр. 389

وَيحمل فَإِن هَذِه السَّاعَة عون على تِلْكَ السَّاعَات وأجمام للقلوب وَحقّ على الْعَاقِل أَن لَا يطعن فِي إِحْدَى ثَلَاث زَاد لمعاده وَمَرَمَّة لمعاشه وَلَذَّة فِي غير محرم الْمَسْأَلَة التَّاسِعَة من الْكَلِمَات الْحكمِيَّة فِي هَذَا الْوَصْف الْعقل رَأس التَّدْبِير وَصَلَاح النَّفس ومرآة الْعُيُوب وَبِه بذل المكرمات وَبعد المحبوبات وَهُوَ رَأس الْمُحرمَات وأصل الفاجرات وَالْعقل يُرِيك ذَات الشَّيْء وجوهره والحس يُرِيك ظَاهره ولباسه وَالْعقل يُشِير على النَّفس بترك الْقَبِيح فَإِن لم تقبل مِنْهُ لم يَتْرُكهَا لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ غضب لكنه يريها أصلح وَقت يَنْبَغِي أَن يفعل ذَلِك الشَّيْء فِيهِ وَأحمد جِهَة يوجدها لِأَنَّهُ يُعْطي الْخَيْر دَائِما لمن وكل لَهُ فضل الْعقل على الْهوى وَأَن الْعقل يملكهُ الزَّمَان والهوى يستعبدك لَهُ حَيْثُ ترى الطبيعة معهودة فالعقل هُنَاكَ نَاقص وَحَيْثُ ترى الْعقل كَامِلا فالطبيعة هُنَاكَ ضَعِيفَة الْعَاقِل يرغب فِي الْأَدَب وَالْجَاهِل يطْلب مِنْهُ الْهَرَب الْعَاقِل إِذا فَاتَهُ الْأَدَب لزم الصمت من لم يكمل عقله لم يخالط نَفسه من غلب هَوَاهُ عقله افتضح وَمن اظهر محاسنه وأخفى مساويه كمل عقله

стр. 390

الْقَاعِدَة الثَّانِيَة الْعلم وَفِيه مسَائِل الْمَسْأَلَة الأولى الْعلم أشرف فَضَائِل الْإِنْسَان لوجوه أَحدهمَا أَن أمهاتها الخلقية كَمَا تقدم أرفعها الْحِكْمَة وَيرد بهَا كَمَال الْعلم وَهِي فَضِيلَة النَّفس الناطقة والشجاعة وَهِي فَضِيلَة النَّفس الغضبية والعفة وَهِي فَضِيلَة النَّفس الشهوانية وَالْعدْل وَهِي فَضِيلَة النَّفس البسيطة وَهُوَ عَام فِيهَا وَالنَّفس الناطقة أشرفها فضيلتها أشرف الثَّانِي أَن تِلْكَ الْفَضَائِل لَا يتم كمالها إِلَّا بِهِ وَهُوَ يُوجد كَامِلا بِدُونِهَا فَهُوَ مستغن عَنْهَا وَهِي مفتقرة إِلَيْهِ فَيكون أشرف الثَّالِث أَن مَا عداهُ من تِلْكَ الْفَضَائِل يُشَارك الْإِنْسَان فِيهَا بعض الْحَيَوَان وفضيلة الْعلم لَا يُشَارِكهُ فِيهَا إِلَّا الْمَلَائِكَة وَمَا اخْتصَّ بِهِ الْإِنْسَان وَالْملك اشرف لَا محَالة الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة السُّلْطَان أحْوج الْخلق إِلَى الْعلم لوَجْهَيْنِ أَحدهمَا أَن افتقاره إِلَيْهِ فِي الْأَحْكَام تحوجه إِلَى الْمعرفَة بهَا ليَكُون على بَصِيرَة فِي تَنْفِيذ الْفَصْل فِيهَا وإلزام الْوُقُوف عِنْد حُدُودهَا الثَّانِي أَن تحليته بِالْعلمِ من أعظم مَا يتحبب بِهِ إِلَى الرّعية لما رسخ فِي النَّفس على الْجُمْلَة من فَضِيلَة الْعلم ومحبة من انتسب إِلَيْهِ وَإِذا عرى مِنْهُ أَو فرط فِي الْعَمَل بِمُقْتَضى السُّؤَال عَنهُ أخل بالسريرة الفاضلة فينفرون ويستوحشون مِنْهُ الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة مِمَّا يدل على رسوخها محبَّة الْعلم وتعظيمه فِي النُّفُوس أَمْرَانِ
следующие страницы →