← Сияса и кади

Сияса и кади · id 7236

بدائع السلك في طبائع الملك

ابن الأزرق

Полный текст (992 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

التجربة وَطول الْمُبَاشرَة بتقلب الْأَيَّام وَتصرف الْحَوَادِث فقد قيل كفى بالتجارب مؤدبا وبانقلاب الدَّهْر عظة وَقيل التجربة مرْآة الْعقل والغرة ثَمَرَة الْجَهْل قَالَ الشَّاعِر (ألم تَرَ أَن الْعقل زين لأَهله ... وَلَكِن تَمام الْعقل طول التجارب) وَقَالَ (إِذا طَال عمر الْمَرْء فِي غير آفَة ... أفادت لَهُ الْأَيَّام فِي كرها عقلا) الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة يتَأَكَّد الإتصال بِهَذَا النَّوْع من الْعقل على السُّلْطَان مَالا يتَأَكَّد على غَيره وَمِمَّا يدل على ذَلِك أَمْرَانِ أَحدهمَا أَن انتصابه لرعاية الْخلق بِمَا يتكفل لَهُم بمصالح الدَّاريْنِ يتَوَقَّف على وفور حَظه من هَذَا الإتصاف وَلَا يخفى ذَلِك على ذِي بَصِيرَة يتَوَقَّف على وفور حَظه من هَذَا الإتصاف وَلَا يخفى ذَلِك على ذِي بَصِيرَة الثَّانِي إِن أنفس مطَالب الرياسة الذّكر وَلَا يحصل إِلَّا بِكَمَالِهِ فَفِي سياسة أرسطو الرياسة لَا ترَاد لنَفسهَا إِنَّمَا ترَاد للذّكر وَأول مُنَازع الْعقل الذّكر والرياسة نتيجته الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة الْقَصْد بِهَذَا الْعقل معرفَة خير الخيرين وَشر الشرين قَالَ الْغَزالِيّ وَذَلِكَ فِي الْأُمُور العاجلة قريب وَإِنَّمَا المتلبس عواقب الْأُمُور فِي الْأَسْبَاب المحظورة وَلَا يشغل بهَا إِلَّا مُسَدّد بالتوفيق من الله تَعَالَى قلت هُوَ من معنى قَول أَكْثَم بن صَيْفِي الْأُمُور تتشابه وَهِي مقبلة وَلَا يعرفهَا إِلَّا ذَوُو الرَّأْي فَإِذا أَدْبَرت يعرفهَا الْجَاهِل كَمَا يعرفهَا الْعَاقِل

стр. 387

وَمِنْه قَوْله (تشابه أَعْيَان الْأُمُور بواديا ... وَتظهر فِي أعقابها حِين تدبر) قَالَ والوصول إِلَى ذَلِك بعد حُصُوله غريرة الْعقل مَبْنِيّ على أَشْيَاء قَالَ أَحدهَا الفكرة وَالتَّدْبِير بِشَرْط الفطنة والذكاء الثَّانِي النَّقْد لخواطر ذَوي البصائر واستطلاع رَأْي أولى التجارب على طَرِيق الْمُشَاورَة وَهُوَ الرُّكْن الْأَعْظَم فِي التَّدْبِير فَإِن الاستبداد وَإِن كَانَ من ذِي بَصِيرَة مَذْمُوم الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة يستعان على حُصُوله كَمَا يُرَاد بأمرين أَحدهمَا كسبي بِكَثْرَة التجربة كَمَا مر وَالْآخر عزيزي وَهُوَ خلقه من الله تَعَالَى يخص بهَا من يَشَاء من خلقه فيخلقه ذكيا فطنا حِكَايَة فِي ذَلِك قَالَ الْأَصْمَعِي قلت لغلام حدث من أَوْلَاد الْعَرَب كَانَ يحدثني فَأَعْجَبَنِي فَصَاحَته وملاحته فَقلت لَهُ أَيَسُرُّك أَن يكون لَك مائَة ألف وَأَن تكون أحمقا قَالَ لَا وَالله قلت وَلم قَالَ أَخَاف أَن يجني الْحمق على جِنَايَة تذْهب على مَالِي وَيبقى على حمقي قَالَ الطرطوشي فاستخرج هَذَا الصَّبِي بفرط ذكاءه قَضِيَّة مَقْبُولَة فعلا على من هُوَ أكبر سنا مِنْهُ قيل وَقد قَالَت الْحُكَمَاء الْعقل سرعَة الْفَهم وغايته إِصَابَة الْوَهم وَلَيْسَ للذكاء غَايَة وَلَا لجودة الْمعرفَة نِهَايَة الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة من الفطن فِي الْعقل معرفَة كَمَاله الشَّرْعِيّ وَهُوَ مُتَوَقف على تصَوره فِي نَفسه فعلى أَنه عُلُوم ضَرُورِيَّة بِجَوَاز الجائزات واستحالة المستحيلات وَوُجُوب الْوَاجِبَات فَهِيَ عُلُوم شَرْعِيَّة يظْهر على

стр. 388

وفقها آثَار فعلية وقولية وعَلى أَنه بَصِيرَة فِي الْقلب تدْرك بهَا الْعُلُوم الشَّرْعِيَّة وَيظْهر على وفقها آثَار فعلية وقولية الْمَسْأَلَة السَّادِسَة من لَازم هذَيْن التعريفين انتقاؤه حَيْثُ لَا تظهر تِلْكَ الْآثَار وَبِه يفهم نَفْيه عَن الْكفَّار فِي نَحْو قَوْله تَعَالَى صم بكم عمي فهم لَا يعْقلُونَ فهم عِنْد ذَلِك على الْجُمْلَة لتخلف كَمَال ثَمَرَته وَهُوَ الإمتناع بِهِ عَن العصبية الَّتِي لَا يعود وبالها إِلَّا عَلَيْهِم كَمَا دلّ تَفْسِير أولي الْأَلْبَاب أَي أهل الْعُقُول وَفِي قَوْله تَعَالَى الَّذين يُوفونَ بِعَهْد الله وَلَا ينقصُونَ الْمِيثَاق إِلَى آخر الْآيَة بعد تقدم قَوْله إِنَّمَا يتَذَكَّر أولو الْأَلْبَاب فيفهم من ذَلِك أَن من لم يَتَّصِف بِالْوَفَاءِ بالعهد وَمَا ذكر مَعَه فَلَيْسَ بِذِي عقل الْمَسْأَلَة السَّابِعَة الإتصاف بِهَذَا الْعقل الْكَامِل فِي جَمِيع الْأَحْوَال والأوقات الْمُخَالفَة لِأَن ذَلِك إِنَّمَا هُوَ للأنبياء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام ولقليل مِمَّن عداهم وَمن ثمَّ قَالَ مطرف بن عبد الله مَا من النَّاس أحد إِلَّا وَهُوَ أَحمَق فِيمَا بَينه وَبَين ربه وَلَكِن الْحمق بعضه أَهْون من بعض قَالَ الْأُسْتَاذ أَبُو سعيد بن لب ﵀ بِهَذِهِ إِشَارَة إِلَى عزة وجود الْعقل الْكَامِل وَإِلَى أَنه لَا يصل أحد أَن يقوم بِحَق الله تَعَالَى كل الْقيام وَأَن يعبده حق الْعِبَادَة الْمَسْأَلَة الثَّامِنَة من لَهُ عناية بِطَلَب هَذَا الْأَمر من الْعقل بِحَسب جهده فليعتبر بِمثل مَا يعمر بِهِ الْأَوْقَات قَالَ وهب بن مُنَبّه حق على الْعَاقِل أَلا يغْفل عَن أَربع سَاعَات سَاعَة يُنَاجِي فِيهَا ربه وَسَاعَة يقْضِي فِيهَا إِلَى إخوانه الَّذين يخبرونه بشؤونه ويصدقونه عَن نَفسه وَسَاعَة يخلي بَين نَفسه وَبَين لذاته فِيمَا يحل

стр. 389

وَيحمل فَإِن هَذِه السَّاعَة عون على تِلْكَ السَّاعَات وأجمام للقلوب وَحقّ على الْعَاقِل أَن لَا يطعن فِي إِحْدَى ثَلَاث زَاد لمعاده وَمَرَمَّة لمعاشه وَلَذَّة فِي غير محرم الْمَسْأَلَة التَّاسِعَة من الْكَلِمَات الْحكمِيَّة فِي هَذَا الْوَصْف الْعقل رَأس التَّدْبِير وَصَلَاح النَّفس ومرآة الْعُيُوب وَبِه بذل المكرمات وَبعد المحبوبات وَهُوَ رَأس الْمُحرمَات وأصل الفاجرات وَالْعقل يُرِيك ذَات الشَّيْء وجوهره والحس يُرِيك ظَاهره ولباسه وَالْعقل يُشِير على النَّفس بترك الْقَبِيح فَإِن لم تقبل مِنْهُ لم يَتْرُكهَا لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ غضب لكنه يريها أصلح وَقت يَنْبَغِي أَن يفعل ذَلِك الشَّيْء فِيهِ وَأحمد جِهَة يوجدها لِأَنَّهُ يُعْطي الْخَيْر دَائِما لمن وكل لَهُ فضل الْعقل على الْهوى وَأَن الْعقل يملكهُ الزَّمَان والهوى يستعبدك لَهُ حَيْثُ ترى الطبيعة معهودة فالعقل هُنَاكَ نَاقص وَحَيْثُ ترى الْعقل كَامِلا فالطبيعة هُنَاكَ ضَعِيفَة الْعَاقِل يرغب فِي الْأَدَب وَالْجَاهِل يطْلب مِنْهُ الْهَرَب الْعَاقِل إِذا فَاتَهُ الْأَدَب لزم الصمت من لم يكمل عقله لم يخالط نَفسه من غلب هَوَاهُ عقله افتضح وَمن اظهر محاسنه وأخفى مساويه كمل عقله

стр. 390

الْقَاعِدَة الثَّانِيَة الْعلم وَفِيه مسَائِل الْمَسْأَلَة الأولى الْعلم أشرف فَضَائِل الْإِنْسَان لوجوه أَحدهمَا أَن أمهاتها الخلقية كَمَا تقدم أرفعها الْحِكْمَة وَيرد بهَا كَمَال الْعلم وَهِي فَضِيلَة النَّفس الناطقة والشجاعة وَهِي فَضِيلَة النَّفس الغضبية والعفة وَهِي فَضِيلَة النَّفس الشهوانية وَالْعدْل وَهِي فَضِيلَة النَّفس البسيطة وَهُوَ عَام فِيهَا وَالنَّفس الناطقة أشرفها فضيلتها أشرف الثَّانِي أَن تِلْكَ الْفَضَائِل لَا يتم كمالها إِلَّا بِهِ وَهُوَ يُوجد كَامِلا بِدُونِهَا فَهُوَ مستغن عَنْهَا وَهِي مفتقرة إِلَيْهِ فَيكون أشرف الثَّالِث أَن مَا عداهُ من تِلْكَ الْفَضَائِل يُشَارك الْإِنْسَان فِيهَا بعض الْحَيَوَان وفضيلة الْعلم لَا يُشَارِكهُ فِيهَا إِلَّا الْمَلَائِكَة وَمَا اخْتصَّ بِهِ الْإِنْسَان وَالْملك اشرف لَا محَالة الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة السُّلْطَان أحْوج الْخلق إِلَى الْعلم لوَجْهَيْنِ أَحدهمَا أَن افتقاره إِلَيْهِ فِي الْأَحْكَام تحوجه إِلَى الْمعرفَة بهَا ليَكُون على بَصِيرَة فِي تَنْفِيذ الْفَصْل فِيهَا وإلزام الْوُقُوف عِنْد حُدُودهَا الثَّانِي أَن تحليته بِالْعلمِ من أعظم مَا يتحبب بِهِ إِلَى الرّعية لما رسخ فِي النَّفس على الْجُمْلَة من فَضِيلَة الْعلم ومحبة من انتسب إِلَيْهِ وَإِذا عرى مِنْهُ أَو فرط فِي الْعَمَل بِمُقْتَضى السُّؤَال عَنهُ أخل بالسريرة الفاضلة فينفرون ويستوحشون مِنْهُ الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة مِمَّا يدل على رسوخها محبَّة الْعلم وتعظيمه فِي النُّفُوس أَمْرَانِ

стр. 391

أَحدهمَا أَن من المتقرر فِي الْعُقُول السليمة أَن الْعلم صفة كَمَال وَأَن الْجَهْل صفة نُقْصَان وَلذَلِك إِذا قيل للرجل الْعَالم يَا جَاهِل تأذى بذلك القَوْل وَإِن كن يعلم من نَفسه أَنه لَيْسَ كَذَلِك الثَّانِي أَن من السَّعَادَة بِهِ مَا يكسبه فِي الدُّنْيَا من الْخيرَات الَّتِي لَا توازنها خُصُوصِيَّة كَمَا قَالَ ابْن حزم مُشِيرا لبَعض ذَلِك لَو لم يكن من فَضَائِل الْعلم إِلَّا أَن الْجُهَّال يعابونك ويجلونك وَأَن الْعلمَاء يحبونك ويكرمونك لَكَانَ ذَلِك سَببا لطلبه وَوُجُوب الْإِنْصَاف بِهِ فَكيف وَمَعْلُوم فضائله فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة قد سبق فِي مُقَدمَات الْكتاب أَن تعذر وجود هَذَا الْوَصْف فِي السُّلْطَان سقط اعْتِبَار اشْتِرَاطه اكْتِفَاء بمراجعة الْعلمَاء عِنْد وُقُوع النَّوَازِل وَتقدم مَا للغزالي فِي ذَلِك فَإِذا فَاتَهُ ذَلِك بِالْجُمْلَةِ أَو شغله الْملك عَن استقصاء الْكَمَال فِيهِ بِحَسب الوسع فلتكن عنايته مصروفة إِلَى تَعْظِيم حَملته وتكرير مراجعتهم فِي الوقائع الْمَوْقُوفَة حكمهَا على معرفَة مَا لديهم من حكم الله كَمَا سبقت إِلَيْهِ الْإِشَارَة فَهُوَ فرض فِي هَذِه الْحَالة الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة من الْكَلِمَات الْحكمِيَّة فِي هَذَا الْوَصْف لَو لم يكن لَهُ فَضِيلَة إِلَّا كَونه شرطا فِي الألوهية فَمن لَيْسَ بِعلم فَلَيْسَ باله أطلب الْعلم تعظمك الْخَاصَّة واطلب الْكَمَال تعظمك الْعَامَّة واطلب الزّهْد يعظمك الْجَمِيع من فَضِيلَة الْعلم أَنَّك لَا يخدمك فِيهِ أحد كَمَا يخدمك فِي سَائِر الْأَشْيَاء وَلَا يَسْتَطِيع أحد أَن يسلبك إِيَّاه كَمَا يسلبك غَيره إِذا أكرمك النَّاس لمَال أَو سُلْطَان فَلَا يُعْجِبك ذَلِك فَإِن زَوَال الْكَرَامَة بزوالهما وَلَكِن يُعْجِبك إِن أكرموك لعلم أَو أدب أَو دين عَطِيَّة الْعلم موهبة من الله تَعَالَى لِأَنَّهَا لَا تنفذ عِنْد الْجُود بهَا وَلكنهَا تكون بكمالها عِنْد معيدها

стр. 392

الْقَاعِدَة الثَّالِثَة الشجَاعَة وفيهَا نظران أَحدهمَا بَيَان هَذَا الْوَصْف وَالْآخر فِي تَقْرِير نقيضه وَهُوَ الْجُبْن النّظر الأول وَفِيه مسَائِل الْمَسْأَلَة الأولى تقدم أَنَّهَا من أُمَّهَات الْفَضَائِل الخلقية قَالَ فِيهَا الطرطوشي هِيَ أم الْخِصَال وينبوع فَضَائِل الْكَمَال قلت وَقَوْلهمْ أَصْلهَا ثِيَاب الْقلب يرجع إِلَى قَول الْحُكَمَاء منشأها الْقُوَّة الغضبية للنَّفس لِأَن الثَّبَات أثر كَمَال تِلْكَ الْقُوَّة الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة سبق أَيْضا أَن حَقِيقَتهَا هِيَ الْخلق الَّذِي يصدر بِهِ الْفِعْل الْمُتَوَسّط بَين فعلي التهور والجبن فَمَتَى اعتدل بهَا التَّوَسُّط فَهُوَ الشجَاعَة المحمودة وَإِن مَال إِلَى طرف الإفراط فَهُوَ التهور أَو إِلَى طرف التَّفْرِيط فَهُوَ الْجُبْن وَكِلَاهُمَا مَذْمُوم وَقد قيل (جرى مثل دلّ السماع مَعَ الحجى ... عَلَيْهِ على مر الزَّمَان قديم) (توَسط إِذا مَا شِئْت أمرا ... فأنما كلا طرفِي قصد الْأُمُور ذميم) الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة مصدر هَذَا الْخلق عَن ثبات الْقلب عِنْد الغلب قَالَ ابْن قيم الجوزية وَهُوَ يتَوَلَّد من الصَّبْر وَحسن الظَّن فَمَتَى ظن الظفر وساعده الصَّبْر ثَبت

стр. 393

قَالَ والجراءة إقدام سَببه قلَّة المبالاة وَعدم النّظر فِي العواقب أما عَلَيْهِ أَو لَهُ الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة قَالَ الْعلمَاء من كَمَال ثبات الْقلب أَن بِهِ يتَحَقَّق جَمِيع مطَالب الدّين وَالدُّنْيَا كامتثال الْأَوَامِر وَاجْتنَاب النواهي واكتساب الْفَضَائِل واتقاء الرذائل وَمُخَالفَة الْهوى وَالصَّبْر على إذاء الجليس وجفاء الصاحب وكتمان الْأَسْرَار واقتحام الْأُمُور الصعاب وإمضاء العزائم وَاحْتِمَال المكاره والضحك فِي وُجُوه من تظهر عدواتهم وَلَا كالصدقة كَمَا ورد لَا يخرج الرجل شَيْئا من الصَّدَقَة حَتَّى يفك لحي سبعين شَيْطَانا إِلَى غير ذَلِك من سَائِر مَا يفعل وَيتْرك الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة تقدم أَن الْأَخْلَاق قَابِلَة للتغير بطرِيق الرياضة فالغالب عَلَيْهِ خلق الْجُبْن سَبيله فِي التَّحَوُّل عَنهُ إِلَى خلق الشجَاعَة أَن يكثر من ارْتِكَاب مخوف الْفِعْل تَارَة بعد أُخْرَى حَتَّى يصير لَهُ ذَلِك عَادَة وطبعا وَلَا استبعاد فِي ذَلِك لما يُشَاهد من إِيقَاع اللفة بَين المعتادين من الْحَيَوَان الْعَجم طبعا كالهر والفأر قَالَ صَاحب مشارع الأشواق قَالَ شاهدت مرَارًا الفأر يركب على الهر وَينزل وَيعود مرَارًا لَا يعدو الهر على الفأر وَلَا ينفر الفأر من الهر وَذَلِكَ بالتعليم والتدريج فِي الْإِقْدَام حَتَّى ينعكس الطَّبْع إِلَى ضِدّه

стр. 394

قَالَ وَالْإِنْسَان أولى بِقبُول التَّعْلِيم وَسُرْعَة التَّحَوُّل فِي الْأَخْلَاق الْمَسْأَلَة السَّادِسَة قَالَ الْعلمَاء الرِّجَال فِي الشجَاعَة عِنْد اللِّقَاء ثَلَاثَة أَصْنَاف أَحدهمَا إِذا التقى الْجَمْعَانِ وتقابلت الأحداق بالأحداق وبرز إِلَى المعترك يحمل ويكر وينادي هَل من مبارز الثَّانِي إِذا اختلطوا بِحَيْثُ لَا يدْرِي أحد من أَيْن يَأْتِيهِ الْمَوْت يكون رابط الجأش سَاكن الْقلب لَا يخامره الدهش وَلَا تخالطه الْحيرَة الثَّالِث إِذا أنهزم أَصْحَابه رَجَعَ ضَارِبًا فِي وُجُوه الْعَدو مقويا لقلوب المنهزمين بالْكلَام الْجَمِيل يحمل من وقف ويكشف عَمَّن سقط عَن فرسه وَهُوَ أحمدهم شجاعة قَالَ الطرطوشي وَلِهَذَا قَالُوا الْمقَاتل وَرَاء الفارين كالمستغفر وَرَاء الغافلين الْمَسْأَلَة السَّابِعَة قَالَ صَاحب مشارع الأشواق الشجيع من وهبه الله ملكة يقدر بهَا على قهر أعدى عَدو لَهُ وَهُوَ نَفسه فَمن كَانَ ملكهَا وصرفها حَيْثُ أوجب الشَّرْع إقداما وإحجاما فَذَلِك هُوَ الشجيع إِلَّا من يتصبر فَهُوَ مصر على محَالة مرتكب لهواه وضلالة فِيمَا يُرَاد مِنْهُ ويرام صبور على الشدائد والآلام قلت كَمَا فِي الْأَخْلَاق فَإِن هَذَا من صِفَات الْحمير والخنازير

стр. 395

قلت هُوَ معنى كَلَام الطرطوشي وَغَيره ولوضوحه سمى جِهَاد النَّفس الْجِهَاد الْأَكْبَر ورد فِي الْأَثر وَهُوَ أصل ظَاهر كَمَا تقرر فِي مَوْضِعه الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة قيل كَانَ أَشْجَع النَّاس على الْإِطْلَاق وأقومهم قلبا سيدنَا وَنَبِينَا ومولانا مُحَمَّد ﷺ وَقد حضر المواقف الصعبة وفر الْأَبْطَال عَنهُ غير مرّة وَهُوَ ثَابت لَا يبرم مقبل لَا يدبر وَلَا يتزحزح وَمَا شُجَاع إِلَّا وَقد أحصيت لَهُ مرّة غرَّة أَو فَتْرَة سواهُ ﷺ فَإِنَّهُ لم يفر قطّ حاشاه من ذَلِك ثمَّ حاشاه قَالَ تَعَالَى وَإنَّك لعلى خلق عَظِيم وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن أنس بن مَالك ﵁ قَالَ كَانَ رَسُول الله ﷺ أحسن النَّاس وَكَانَ أَشْجَع النَّاس الحَدِيث الْمَسْأَلَة التَّاسِعَة من الْكَلِمَات الْحكمِيَّة فِي هَذَا الْوَصْف الشجاع يخْتَار حسن الذّكر على الْبَقَاء والجبان يخْتَار الْبَقَاء على حسن الذّكر الشجاع يحمي عَمَّن لَا يُنَاسب ويقي مَال الْجَار والرفيق بمهجته والجبان معِين على نَفسه يفر عَن أَبِيه وَأمه وصاحبته وبنيه قَالَ الشَّاعِر (يفر جبان الْقَوْم عَن أَمر نَفسه ... ويحمي شُجَاع الْقَوْم من لَا يُنَاسب)

стр. 396

رب حَيَاة سَببهَا التَّعَرُّض للوفاة سَببهَا طلب الْحَيَاة ثَمَرَة الشجَاعَة إِلَّا من الْعَدو وَتَأْخِير الْأَجَل حصن الْمُحَارب من كرم الْكَرِيم الذب عَن الْحَرِيم الْمَسْأَلَة الْعَاشِرَة الحكايات عَن شجعان الْمُلُوك وَغَيرهم وَيَكْفِي من ذَلِك حكايتان الْحِكَايَة الأولى يرْوى عَن الْهَادِي أَنه خرج يَوْمًا إِلَى الْبُسْتَان لَهُ مَعَ خواصه للفرجة وَهُوَ رَاكب على الْحمار وَكلهمْ بِغَيْر سلَاح فَبَيْنَمَا هم كَذَلِك إِذْ أَدخل الْحَاجِب فَقَالَ أمسك فلَان الْخَارِجِي وَهَا هُوَ بِالْبَابِ فَأمر بِدُخُولِهِ وَهُوَ مَحْبُوس بَين حرسين فَلَمَّا دنا من الْهَادِي قعد وَرَاءه وأقلب يَده وَأخذ سيف أحد الحرسين وَضرب أَحدهمَا فَسقط وَقصد الْهَادِي ففر عَنهُ جَمِيع أَصْحَابه وَلم يبْق غَيره وَلَا سلَاح مَعَه وَلَا مَكَان يحميه وَلَا فرس ينجيه فَلَمَّا وصل إِلَيْهِ رفع يَده ليضربه بِالسَّيْفِ فصاح الْهَادِي وَقَالَ اضْرِب عُنُقه فَالْتَفت الْخَارِجِي لينْظر من وَرَاءه فَوَثَبَ عَلَيْهِ الْهَادِي وأسقطه فِي الأَرْض وَجلسَ على صَدره وَأخذ السَّيْف من يَده وذبحه ثمَّ قَامَ إِلَى دَابَّته فركبها وَعَاد إِلَيْهِ أَصْحَابه خَائِفين وجلين مِنْهُ فَقَالَ لَا بَأْس عَلَيْكُم وَلَا يركب حمارا أبدا وَلَا فَارقه سلَاح وَلَو فِي بَيت الْخَلَاء الْحِكَايَة الثَّانِيَة قيل كَانَ الْأمين يَوْمًا فِي قصره وَإِذا بأسد قد تفلت من سلسلته وَدخل عَلَيْهِ وَلَيْسَ عِنْده فحيين قَصده أَخذ

стр. 397

وسَادَة فوضعها فِي وَجه الْأسد وَدَار عَلَيْهِ يجره بِذَنبِهِ فَانْقَطع ظهر الْأسد وزاغت أَصَابِع الْأمين عَن أماكنها فردوها إِلَيْهِ قَالَ صَاحب مشارع الأشواق وأعجب من هَذَا مَا اتّفق لكسرى أنو شرْوَان فَإِنَّهُ اغتنم فيل من فيلاته وَعجز الرياض عَن إِمْسَاكه فهجم على كسْرَى وَهُوَ على سَرِيره ملكه فَلم يبْق أحد الأولى هَارِبا وبقى كسْرَى جَالِسا وَحده وَغُلَامه على رَأسه فهم الْغُلَام أَن يهرب فصاح بِهِ فَثَبت فَلَمَّا أَتَاهُ الْفِيل ودنا من السرير وَمد زلومته لَهما أَمر الْغُلَام أَن يضْربهُ فَضَربهُ فَقطع زلومته فولى الدبر وَلم يتزحزح كسْرَى عَن مَكَانَهُ انْتهى النّظر الثَّانِي وَفِيه مسَائِل الْمَسْأَلَة الأولى الْجُبْن وَهُوَ ضد الشجَاعَة من حَيْثُ ميله إِلَى طرف التَّفْرِيط فِي خلقهَا الْمُتَوَسّط بَينه وَبَين التهور كَمَا تقدم وذمه ظَاهر من تِلْكَ الْجِهَة ونزيد وضوحا بأمرين أَحدهمَا أَنه شَرّ خِصَال الرِّجَال فَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ شَرّ مَا فِي الرِّجَال شح هَالِع وَجبن خَالع وَمعنى هَالِع مخزون خَالع أَي لَا ثبات لَهُ الثَّانِي استعاذة النَّبِي ﷺ مِنْهُ فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن انس بن مَالك ﵁ قَالَ كنت أخدم النَّبِي ﷺ فَكنت أسمعهُ يكثر أَن يَقُول اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بك من الْهم والحزن وَالْعجز والكسل وَالْبخل والجبن وضلع الدّين وَغَلَبَة الرِّجَال ضلع الدّين شدته وَثقل حمله الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة الْجُبْن يتَوَلَّد من سوء الظَّن وَعدم الصَّبْر فَلَا يظنّ الظفر وَلَا يساعده الصَّبْر ومنشأه من الرئة يزاحمها الْقلب فِي مَكَانَهُ وضيقت عَلَيْهِ حَتَّى أزعجته عَن مستقره وأصابه التزلزل لإزعاج الرئة لَهُ

стр. 398

قَالَ وَلِهَذَا سمي فِي الحَدِيث خالعا لِخَلْعِهِ الْقلب عَن مَكَانَهُ لانتفاخ السحر وَهُوَ الرئة كَمَا قَالَ أَبُو جهل لشيبة بن ربيعَة انتفخ سحرك فَإِذا زلزل الْقلب عَن مَكَانَهُ ضَاعَ تَدْبِير الْعقل وَظهر الْفساد على الْجَوَارِح فَوضعت الْأُمُور على غير موَاضعهَا الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة تقدم أَن من شُرُوط الْإِمَامَة النجدة لِئَلَّا يضعف عَن إِقَامَة الْحُدُود واقتحام الحروب فَمَتَى كَانَ الإِمَام جَبَانًا تحقر لضَعْفه وَنَشَأ عَنهُ مفاسد جملَة كاجتراء عدوه عَلَيْهِ وضياع قدره إِلَى غير ذَلِك مِمَّا لَا يخفى لوضوحه وَإِذ ذَاك فلابد من ترفع مقَامه عَن الاتصاف بِهَذَا الْخلق الذميم وتحليه بضده اللَّائِق بشريف منصبه ومكين رتبته الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة من الْكَلِمَات الْحكمِيَّة فِي هَذَا الْخلق الْجُبْن مقتلة والشجاعة وقاية لَا يقدم الْإِقْدَام أَََجَلًا وَلَا يبلغ الْجُبْن أملا الفار من الْمَوْت طريدة الْمَوْت واستقبال الْمَوْت خير من استدباره لكل أحد يَوْمَانِ أَحدهمَا لَا يعجل عَلَيْهِ وَالْآخر لَا يقصر عَنهُ لَا للجبان والفرار

стр. 399

الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة من حكايات الْجُبَنَاء مَا يرْوى أَن عمر بن الْخطاب ﵁ سَأَلَ عَمْرو بن معدي كرب فَقَالَ يَا عمر أَخْبرنِي عَن أجبن مَا لقِيت وأجهل من لقِيت وَأَشْجَع من لقِيت فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ كنت أشن الغارات فَرَأَيْت فَارِسًا لابسا لَامة حربه وَهُوَ رَاكب على فرسه فَقلت يَا بني خُذ حذرك فَأَنا قَاتلك لَا محَالة فَقَالَ لي وَمن تكون فَقلت عَمْرو بن معدي كرب فَسكت ودنوت مِنْهُ فَوَجَدته قد مَاتَ فَهَذَا أجبن من لَقيته ثمَّ ذكر أَجْهَل وَأَشْجَع من لَقِي ذكر ذَلِك الغرناطي وَغَيره الْقَاعِدَة الرَّابِعَة الْعِفَّة وفيهَا مسَائِل الْمَسْأَلَة الأولى تقدم أَنَّهَا من جملَة أصُول الْأَخْلَاق وَأَنَّهَا فَضِيلَة النَّفس الشهوانية الَّتِي قَصدهَا بَقَاء صور الْإِنْسَان بشخصه أَو نَوعه وَمن هُنَاكَ يَتَّضِح أَن وجودهَا فِيهِ لَيْسَ بِمُجَرَّد الْكَثْرَة فَقَط من حَيْثُ هِيَ لَذَّة عاجلة بل لذَلِك الْقَصْد الَّذِي هُوَ أصل مَشْرُوعِيَّة النِّكَاح ولقياس لَذَّة الْآخِرَة على هَذِه اللَّذَّة الَّتِي هِيَ آثر لذات الْجَسَد فِي دَار الدُّنْيَا المسالة الثَّانِيَة حَقِيقَتهَا كَمَا سبق الْخلق الَّذِي يصدر بِهِ الْفِعْل الْمُتَوَسّط بَين فعلي الْفُجُور والخمود فَمَتَى اعتدلت النَّفس الشهوانية بِهَذَا التَّوَسُّط ثَبت

стр. 400

لَهَا هَذِه الْفَضِيلَة وَإِن انحرفت إِلَى طرف الإفراط فَهُوَ الْفُجُور أَو إِلَى طرف التَّفْرِيط فَهُوَ الخمود والفتور وَكِلَاهُمَا مَذْمُوم كَمَا سلف الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة المُرَاد بِالْفُجُورِ هُنَا مَا يجر إِلَيْهِ قهرا إفراط الشَّهْوَة لوازع الدّين فَإِن قهر الْعقل فَقَط فَهُوَ الْإِسْرَاف وَذمَّة دون ذمّ الْفُجُور لتَفَاوت مَا بَين مفاسدها فَإِن قلت أما مفاسد الْفُجُور وَالْعجز فَمَا مفاسد الْإِسْرَاف فِي غير حرَام قلت يَكْفِي مِنْهَا فِي هَذَا الْموضع مَا أُشير إِلَيْهِ فِي سياسة أرسطو لَا تمل إِلَى النِّكَاح فَإِنَّهُ من طباع الْخَنَازِير الدَّوَابّ أَكثر فِيهِ مِنْك وَهُوَ يهْلك الْجِسْم ويقي الْبدن وَينْقص الْعُمر ويسلط النِّسَاء عَلَيْك الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة السَّعْي فِي إخماد الشَّهْوَة بِتَحْرِيم مَا يحفظ قوتها مَمْنُوع لقَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تحرموا طَيّبَات مَا أحل الله لكم﴾ إِلَى قَوْله ﴿أَنْتُم بِهِ مُؤمنُونَ﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس ﵁ أَن رجلا جَاءَ إِلَى النَّبِي ﷺ فَقَالَ يَا رَسُول الله إِنِّي إِذا أصبت الحم انتشرت إِلَى النِّسَاء وأخذتني شهوتي فَحرمت عَليّ اللَّحْم فَنزلت الْآيَة رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَفِي الصَّحِيح رد رَسُول الله ﷺ التبتل فِي قصَّة عُثْمَان ابْن مَظْعُون وَلَو أذن لَهُ لاختصينا الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة من الْوَارِد على ارْتِكَاب الْفُجُور وعيدان الْوَعيد الأول رفع اسْتِصْحَاب الْإِيمَان حَالَة الْوُقُوع فِيهِ فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

стр. 401

قَالَ لايزني الزَّانِي حِين يَزْنِي وَهُوَ مُؤمن وَلَا يسرق السَّارِق حِين يسرق وَهُوَ مُؤمن وَلَا يشرب الْخمر حِين يشْربهَا وَهُوَ مُؤمن زَاد النَّسَائِيّ فَإِذا فعل ذَلِك خلع ربقة الْإِسْلَام من عُنُقه فَإِن تَابَ تَابَ الله عَلَيْهِ الْوَعيد الثَّانِي إِنْزَال الْمصر عَلَيْهِ منزلَة عَبدة الْأَصْنَام والطواغيت فَفِي الحَدِيث عَن أنس بن مَالك ﵁ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ الْمُقِيم على الزِّنَا كعابد وثن وَقَالَ الْمُنْذِرِيّ وَقد صَحَّ أَن مدمن الْخمر إِذا مَاتَ لَقِي الله كعابد وثن وَلَا شكّ أَن الزِّنَا أَشد وَأعظم عِنْد الله من شرب الْخمر وَالله أعلم الْمَسْأَلَة السَّادِسَة مَا يدل على فضل الْعِفَّة عَنهُ حَتَّى فِي النّظر الْمُؤَدِّي إِلَيْهِ وَجْهَان أَحدهمَا دُخُول الْجنَّة جَزَاء عَلَيْهَا وثوابا فَعَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ يَا شُبَّان قُرَيْش احْفَظُوا فروجكم لَا تَزْنُوا أَلا من حفظ فرجه دخل الْجنَّة رَوَاهُ الْحَاكِم وَفِي رِوَايَة أُخْرَى يَا فتيَان قُرَيْش لَا تَزْنُوا فَإِنَّهُ من سلم لَهُ شبابه دخل الْجنَّة الثَّانِي تَعْرِيض تَارِك النّظر للوازع الشَّرْعِيّ بِالْإِيمَان يجد لَهُ حلاوة

стр. 402

فِي قلبه فَعَن ابْن مَسْعُود ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ عَن ربه النظرة سهم مَسْمُوم من سِهَام إِبْلِيس من تَركهَا مخافتي أبدلته إِيمَانًا يزِيد حلاوته فِي قلبه رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ شَهَادَة فتح قَالَ الْغَزالِيّ وَهَذَا شَيْء مجرب علمه وتحققه لمن عمل بِهِ إِذا امْتنع عَن النّظر إِلَى الْمحرم يجد لَذَّة الْعِبَادَة وحلاوة وللقلب صفوة لم يجدهَا قبل ذَلِك وَقد أحسن الْقَائِل (وَأَنت إِذا أرْسلت طرفك رائدا ... لقلبك يَوْمًا أتعبتك المناظر) (رَأَيْت الَّذِي لَا كُله أَنْت قَادر ... عله وَلَا عَن بعضه أَنْت صابر) الْمَسْأَلَة السَّابِعَة من الْكَلِمَات الْحكمِيَّة فِي هَذَا الْوَصْف وَفِي ذمّ الشَّهْوَة الْعِفَّة زِينَة الْفَقِير الْفَاحِشَة عَار الْأَبَد وعقوبة غَد أقبح الشره الشره على الطَّعَام وَالْجِمَاع النَّفس الَّتِي غلبت عَلَيْهَا الشَّهْوَة والالتذاذ لَا تُؤثر حسن الذّكر لِأَنَّهَا لَا ترى الْفضل إِلَّا فِيمَا التذت بِهِ لَذَّة خسيسة من أرْضى الْجَوَارِح بالشهوة فقد غرس فِي قلبه شَجَرَة الندامة من أَرَادَ شهوات الدُّنْيَا فليتهيأ للذل من اشتاق إِلَى الْجنَّة سلا عَن الشَّهَوَات من أطَاع الشَّهْوَة خذلته عَن الرُّجُوع إِلَى ربه فِي دفع المكاره وَجَعَلته خَادِمًا لمن كَانَ يجب أَن يستخدمه ومقدما لمن كَانَ يجب أَن يقدمهُ

стр. 403

الْمَسْأَلَة الثَّامِنَة الحكايات عَن المعصومين بالعفة كَثِيرَة وَحكى من ذَلِك خبران الْخَبَر الأول عَن ابْن عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يحدث حَدِيثا لم أسمعهُ إِلَّا مرّة أَو مرَّتَيْنِ أَو مَرَّات وَلَكِن سمعته أَكثر من ذَلِك سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول كَانَ الكفل من بني إِسْرَائِيل وَكَانَ لَا يتورع من ذَنْب عمله فَأَتَتْهُ امْرَأَة فَأَعْطَاهَا سِتِّينَ دِينَارا على أَن يَطَأهَا فَلَمَّا قرب مِنْهَا ارتعدت وبكت فَقَالَ لَهَا مَا يبكيك قَالَت هَذَا عمل مَا عملته قطّ وَلَا حَملَنِي عَلَيْهِ إِلَّا الْحَاجة بِالدَّرَاهِمِ وأخاف عُقُوبَة الله فَقَالَ لَهَا تفعلين هَذَا من مَخَافَة الله وَأَنت لم تفعليه قطّ فَأَنا أَحَق بالخوف اذهبي فلك مَا أَعطيتك وَالله لَا أعصيه بعد هَذَا أبدا فَمَاتَ من ليلته فَأصْبح مَكْتُوبًا على بَابه إِن الله قد غفر للكفل فَعجب النَّاس من ذَلِك رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ الْخَبَر الثَّانِي فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن ابْن عمر ﵄ قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول انْطلق ثَلَاث نفر مِمَّن كَانَ قبلكُمْ حَتَّى آواهم الْمبيت إِلَى غَار فدخلوه فانحدرت صَخْرَة من الْجَبَل فَسدتْ عَلَيْهِم الْغَار فَقَالُوا إِنَّه لَا ينجيكم من هَذِه الصَّخْرَة إِلَّا أَن تدعوا الله بِصَالح أَعمالكُم فَمَا انفرجت الصَّخْرَة حَتَّى قَالَ أحدهم كَانَ لي ابْنة عَم كَانَت أحب النَّاس إِلَيّ فراودتها عَن نَفسهَا فامتنعت مني حَتَّى أَتَت بهَا سنة من السنين فجاءتني فأعطيتها مائَة دِينَار على أَن تخلي بيني وَبَين نَفسهَا فَفعلت حَتَّى إِذا قعدت بَين رِجْلَيْهَا قَالَت لَا يحِق لَك أَن تفض الْخَاتم إِلَّا بِحقِّهِ فَقُمْت عَنْهَا بِغَيْر وقاع عَلَيْهَا فَانْصَرَفت عَنْهَا وَهِي أحب النَّاس إِلَيّ وَتركت الذَّهَب الَّذِي أعطيتهَا اللَّهُمَّ إِنِّي كنت فعلت هَذَا ابْتِغَاء وَجهك فَفرج عَنَّا مَا نَحن فِيهِ فانفرجت الصَّخْرَة

стр. 404

الْقَاعِدَة الْخَامِسَة السخاء والجود وفيهَا منهجان الأول فِي بَيَان هَذَا الْوَصْف وَالْآخر فِي تَقْرِير نقيضه وَهُوَ الْبُخْل الْمنْهَج الأول وَفِيه مسَائِل الْمَسْأَلَة الأولى قَالَ الطرطوشي هَذِه الْخصْلَة هِيَ الْجَلِيل قدرهَا الْعَظِيم خطرها هِيَ إِحْدَى قَوَاعِد المملكة وأساسها وتاجها وجمالها تعنوا بهَا الْوُجُوه وتذل لَهَا الرّقاب وتخضع لَهَا الْجَبَابِرَة وتسترق بهَا الْأَحْرَار وتستمال بهَا الْأَعْدَاء ويستكثر بهَا الثَّنَاء وَيملك بهَا الْقُرَبَاء والبعداء وَهِي بالعزائم الْوَاجِبَات أشبه مِنْهَا بالجمال والمحبوبات الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة مِمَّا يدل على فَضله وَجْهَان أَحدهمَا قرب المتخلق بِهِ من سَعَادَة الدّين وَالدُّنْيَا فَعَن أَبى هُرَيْرَة ﵁ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ السخي قريب من الله قريب من الْجنَّة بعيد من النَّار والبخيل بعيد من الله بعيد من الْجنَّة قريب من النَّار وجاهل سخي أحب إِلَى الله من عَالم بخيل رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ الثَّانِي دلَالَة كَثْرَة المتصفين بِهِ على إِرَادَة الْخَيْر بالعباد فَعَن الْحسن ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِذا أَرَادَ الله بِقوم خيرا ولى أَمرهم الْحُكَمَاء وَجعل المَال عِنْد الأسخياء وَإِذا أَرَادَ الله بِقوم

стр. 405

شرا أولى أَمرهم السُّفَهَاء وَجعل المَال عِنْد البخلاء رَوَاهُ أَبُو دَاوُود فِي مراسليه الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة إِذا كَانَ من قَوَاعِد الْملك وعزائم واجباته مَعَ شَهَادَة الشَّرْع لَهُ بالفضيلة فالسلطان بالتخلق بِهِ أولى وبشرف الانتساب إِلَيْهِ أَحْرَى قَالَ الطرطوشي أحْوج خلق الله إِلَيْهِ من أحتاج إِلَى عطف الْقُلُوب عَلَيْهِ وَصرف الْوُجُوه إِلَيْهِ وَهُوَ الْملك قَالَ ابْن الْعَرَبِيّ أحسن الْكَرم مَا يكون من قبل الْوُلَاة فَإِنَّهُم خزان أَمْوَال الْمُسلمين وَمَا مِنْهُم إِلَّا لَهُ عِنْدهم حق أَعْطوهُ أَو منعُوهُ فَإِذا جادوا بِهِ لأربابه كرمت ذواتهم وَطَابَتْ صفاتهم وصفت حالاتهم وعطت درجاتهم وتضاعفت بركاتهم قلت وأمنوا كل مَخَافَة وَكفوا دفاع الروع والمخافة كَمَا يحْكى أَن النُّعْمَان بن الْمُنْذر لما توج وَاطْمَأَنَّ بِهِ سَرِيره دخل عَلَيْهِ النَّاس وَفِيهِمْ أَعْرَابِي فَأَنْشَأَ يَقُول (إِذا سست قوما فَاجْعَلْ الْجُود بَينهم ... وَبَيْنك تأمن كل مَا تتخوف) (فَإِن كشفت عِنْد الملمات عَورَة ... كَفاك لِبَاس الْجُود مَا يتكشف) فَقَالَ النُّعْمَان مَقْبُول نصحك فَمن أَنْت قَالَ رجل من حزم فَأمر لَهُ بِمِائَة نَاقَة وَهِي أول جَائِزَة أجازها الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة قَالَ الإِمَام الْغَزالِيّ الْإِمْسَاك حَيْثُ يجب الْبَذْل بخل

стр. 406

والبذل حَيْثُ يجب الْإِمْسَاك تبذير وَبَينهمَا وسط هُوَ الْمَحْمُود الْمعبر عَنهُ بالسخاء والجود قلت هُوَ معنى قَول أرسطو السخاء هُوَ بذل مَا يحْتَاج إِلَيْهِ وَقت الْحَاجة وتوصيله إِلَى مستحقيه بِقدر الطَّاقَة قَالَ وَقد قيل أَن النَّبِي ﷺ لم يُؤمر إِلَّا بالسخاء فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا تجْعَل يدك مغلولة إِلَى عُنُقك وَلَا تبسطها كل الْبسط﴾ وَقَالَ ﴿وَالَّذين إِذا أَنْفقُوا لم يُسْرِفُوا وَلم يقترُوا وَكَانَ بَين ذَلِك قواما﴾ الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة الْوَاجِب الَّذِي لَا يَسعهُ السخاء قِسْمَانِ وَاجِب بِالشَّرْعِ كَالزَّكَاةِ وَالنَّفقَة وواجب بالمروءة كَتَرْكِ المصانعة وَالِاسْتِقْصَاء فِي المحقرات وَيخْتَلف استقباح ذَلِك بِحَسب الْأَحْوَال والأشخاص وَمَا نعه دون الأول الْبُخْل قَالَ الْغَزالِيّ فَمن أدّى الْوَاجِب فقد تَبرأ من الْبُخْل نعم لَا يَتَّصِف بالجود والسخاء مَا لم يبْذل زِيَادَة على ذَلِك اطلب الْفَضِيلَة تنَلْ الدَّرَجَات الْمَسْأَلَة السَّادِسَة قَالَ الْمَرَاتِب هُنَا ثَلَاثَة السخاء وَهُوَ إِعْطَاء بعض وإمساك بعض ثمَّ الْجُود وَهُوَ إِعْطَاء الْأَكْثَر ثمَّ الإيثار وَهُوَ بذل الْجَمِيع قَالَ الْغَزالِيّ وَلَيْسَ بعده دَرَجَة وَبِه أثنى الله على الصَّحَابَة ﵃ بقوله تَعَالَى ﴿ويؤثرون على أنفسهم وَلَو كَانَ بهم خصَاصَة﴾

стр. 407

قلت وَبِه يبلغ إِلَى دَرَجَة الصدْق مَعَ الله تَعَالَى ذكره ابْن الْعَرَبِيّ مستشهدا عَلَيْهِ يَقُول سُفْيَان الثَّوْريّ إِذا أكمل صديق الصَّادِق لم يخلف مَا فِي يَدَيْهِ الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة السخاء ضَرْبَان سخاء فِي الدُّنْيَا وَقد تقدّمت حَقِيقَته وَفِي الدّين وَفِيه لعلماء الْآخِرَة عِبَارَات وَمِنْهَا قَول المحاسبي رَحْمَة الله تَعَالَى أَن تسخو بِنَفْسِك لله تَعَالَى فِي إِرَاقَة دمك من غير كَرَاهَة لَا لارادة ثَوَاب عَاجل أَو آجل وان كنت لَا تَسْتَغْنِي عَن ذَلِك بل تحسن كَمَال السخاء بترك الِاخْتِيَار على الله تَعَالَى حَتَّى يكون هُوَ الَّذِي يفعل بك مَالا تختاره لنَفسك انْتهى مُلَخصا الْمَسْأَلَة الثَّامِنَة قَالَ الْحُكَمَاء الْمُلُوك أَرْبَعَة سخي على نَفسه سخي على رَعيته وَصَوَّبَهُ الْفرس وشحيح على نَفسه شحيح على رَعيته وَصَوَّبَهُ الهنود وسخي على نَفسه وشحيح على رَعيته وَأَجْمعُوا على ذمَّة لفساد ملكه بذلك وشحيح على سخي على رَعيته قَالَت للروم لَا عيب عَلَيْهِ فِي ذَلِك الْمَسْأَلَة التَّاسِعَة من الْكَلِمَات الْحكمِيَّة فِي هَذَا الْبَاب لَا يَسْتَطِيع أحد أَن يشْكر نعْمَة الله بجميل الْأَنْعَام بهَا على خلق الله يَا ابْن آدم أَمرك الله أَن تكون كَرِيمًا وَتدْخل الْجنَّة ونهاك أَن تكون شحيحا وَتدْخل النَّار عجبت لمن يَشْتَرِي المماليك بِمَالِه وَلَا يَشْتَرِي الْأَحْرَار بمعروفه

стр. 408

الْجواد هُوَ الَّذِي يُعْطي من غير مَسْأَلَة صِيَانة للأحرار عَن الْمَسْأَلَة الْملك الْحق هُوَ الَّذِي يملك الْأَحْرَار لَا الْأَرْضين وَالْأَمْوَال الَّذِي يستفيده السخي من حسن الْقبُول وَرفع الْمنزلَة ومكابرة الرؤوساء هُوَ أَكثر مِمَّا هُوَ لَهُ الْمَسْأَلَة الْعَاشِرَة من أغرب أَخْبَار الأسخياء فِي الإيثار بِالنَّفسِ حكايتان الْحِكَايَة الأولى يرْوى أَن الْحَارِث بن هِشَام وَعِكْرِمَة بن أبي جهل وَعَيَّاش بن أبي ربيعَة ﵃ خَرجُوا يَوْم اليرموك فَدَعَا الْحَارِث بن هِشَام بِمَاء يشربه فَنظر إِلَيْهِ عِكْرِمَة فَقَالَ ادفعوه إِلَى عِكْرِمَة فَلَمَّا أَخذه عِكْرِمَة نظر إِلَى عَيَّاش فَقَالَ ادفعوه إِلَى عَيَّاش فَمَا وصل إِلَى عَيَّاش حَتَّى مَاتَ وَلَا وصل إِلَى وَاحِد مِنْهُم حَتَّى مَاتُوا ﵃ قَالَ صَاحب مَشَارِق الأشواق وَانْظُر إِلَى إيثارهم فِي هَذِه الْحَال وسماحة أنفسهم بِمَا هُوَ عديل حياتهم لَا جرم استحقوا رضوَان الله وَحسن المناب

стр. 409

الْحِكَايَة الثَّانِيَة قَالُوا لما سعى غُلَام خَلِيل بالصوفية إِلَى الْخَلِيفَة وَرفع إِلَيْهِ أَنهم زنادقة أَمر بِضَرْب أَعْنَاقهم فَأَما الْجُنَيْد فاستعاذ بالفقه وَكَانَ على مَذْهَب أبي ثَوْر وَأما الشحام والرقام وَأَبُو الْحُسَيْن الثَّوْريّ وَغَيرهم فَقبض عَلَيْهِم وَبسط النطع لضرب أَعْنَاقهم فَتقدم الثَّوْريّ فَقَالَ لَهُ السياف أَتَدْرِي لما تتقدم قَالَ نعم قَالَ وَمَا يعجلك قَالَ أوثر أَصْحَابِي بحياة سَاعَة فَتنحّى السياف وأنهى الْخَبَر إِلَى الْخَلِيفَة فردهم إِلَى القَاضِي لبعرف حَالهم فَألْقى القَاضِي على أبي الْحُسَيْن مسَائِل فقهية فَأجَاب عَن الْكل ثمَّ أَخذ يَقُول وَبعد فَإِن لله عبادا إِذا قَامُوا قَامُوا بِاللَّه وَإِذا تكلمُوا تكلمُوا بِاللَّه وَإِذا فعلوا فعلوا بِاللَّه

стр. 410

وسرد كلَاما بليغا حَتَّى أبكى القَاضِي قَالَ وَإِن كَانَ هَؤُلَاءِ زنادقة فَمَا على وَجه الأَرْض مُسلم وَأرْسل إِلَى الْخَلِيفَة وَأمر بالتخلي عَنْهُم الْمِنْهَاج الثَّانِي وَفِيه مسَائِل الْمَسْأَلَة الأولى مِمَّا يدل على ذمّ الْبُخْل وَجْهَان أَحدهمَا استعادة النَّبِي ﷺ مِنْهُ فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن أنس بن مَالك ﵁ أَن النَّبِي ﷺ يَقُول اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بك من الْبُخْل والكسل وأرذل الْعُمر وَعَذَاب الْقَبْر وفتنة الْمحيا وَالْمَمَات الثَّانِي طرده عَن مجاورة رب الْعِزَّة فَعَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ خلق الله جنَّة عدن بيدَيْهِ ودلى فِيهَا ثمارها وشق فِيهَا أنهارها ثمَّ نظر إِلَيْهَا فَقَالَ لَهَا تكلمي فَقَالَت قد أَفْلح الْمُؤْمِنُونَ فَقَالَ وَعِزَّتِي وَجَلَالِي لَا يجاورني فِيك بخيل رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة مِمَّا يدل على ذمّ الشُّح وَجْهَان أَحدهمَا حمله على الْفَوَاحِش الْمُوجبَة للهلاك فَفِي الصَّحِيح عَن جَابر ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ اتَّقوا الظُّلم فَإِن الظُّلم ظلمات يَوْم الْقِيَامَة وَاتَّقوا الشُّح فَإِن الشُّح أهلك من كَانَ قبلكُمْ حملهمْ على أَن سَفَكُوا دِمَاءَهُمْ وَاسْتَحَلُّوا مَحَارِمهمْ عدم اجتماعه مَعَ الْإِيمَان فِي قلب إِنْسَان فَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لَا يجْتَمع غُبَار فِي سَبِيل الله ودخان جَهَنَّم فِي جَوف عبد مُؤمن أبدا وَلَا يجْتَمع شح وإيمان فِي قلب عبد أبدا رَوَاهُ النَّسَائِيّ

стр. 411

الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة قيل هما بِمَعْنى وَاحِد وَقيل الْبُخْل بِمَا فِي الْيَد وَالشح بِمَا بيد الْغَيْر قَالَه طَاوُوس وَقَالَ رجل لِابْنِ مَسْعُود ﵁ إِنِّي أَخَاف أَن أكون قد هَلَكت سَمِعت الله يَقُول ﴿وَمن يُوقَ شح نَفسه فَأُولَئِك هم المفلحون﴾ وَأَنا رجل لَا يكَاد يخرج من يَدي شَيْء فَقَالَ لَيْسَ بالشح الَّذِي ذكر الله وَلَكِن الشُّح أَن تَأْكُل مَال أَخِيك ظلما وَلَكِن ذَلِك الْبُخْل وَلَيْسَ الشُّح هُوَ الْبُخْل قَالَ الطرطوشي فَفرق بَينهمَا الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة قَالَ ابْن قيم الجوزية الْفرق بَين الشُّح والاقتصاد أَن الاقتصاد خلق مَحْمُود يتَوَلَّد بَين عدل الْمَنْع والبذل من حسن الظَّن وَحكمه وضع كل مِنْهُمَا مَوْضِعه وَالشح خلق مَذْمُوم يتَوَلَّد من سوء الظَّن وَضعف النَّفس ويمده وعد الشَّيْطَان حَتَّى يصير هالعا شَدِيد الْحِرْص شَرها فيتولد عَنهُ الْمَنْع لبذله والجزع لفقده قَالَ الله تَعَالَى ﴿إِن الْإِنْسَان خلق هلوعا إِذا مَسّه الشَّرّ جزوعا وَإِذا مَسّه الْخَيْر منوعا﴾ الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة تقدم إِن حِدة الْإِمْسَاك حَيْثُ يجب الْبَذْل وَأَن أشده منع مَا وَجب شرعا ودونه منع مَا وَجب مُرُوءَة وَإِن استقباحه يخْتَلف باخْتلَاف الْأَشْخَاص وَالْأَحْوَال قلت وشناعة قبحه بِحَسب رُتْبَة السُّلْطَان بِمَا لَا مزِيد عَلَيْهِ فِي الرذيلة العائدة بشر الْفساد وَيَكْفِي من ذَلِك أُمُور

стр. 412

أَحدهمَا فَوت النَّصِيحَة لأَجله قَالَ الطرطوشي إِذا كَانَ السُّلْطَان بَخِيلًا لم بناصحه أحد وَلَا تصلح الْولَايَة إِلَّا بالمناصحة الثَّانِي شياع توقع الْمَكْرُوه بِهِ قَالَ أفلاطون إِذا كثر الْمُلُوك الإرجاف بهم الثَّالِث استلزامه للجور غَالِبا فَفِي الأفلاطونيات قل من يكون من الْمُلُوك بَخِيلًا فَيكون عادلا لِأَن الْعدْل يعطل الضرائب وَإِذا كَانَ بَخِيلًا لم يسمح بإسقاطها الرَّابِع اتصافه مِنْهُ بشر الْخِصَال فقد قيل شَرّ خِصَال الْمُلُوك الْجُبْن على الْأَعْدَاء وَالْقَسْوَة على الْأَوْلِيَاء وَالْبخل عِنْد الْإِعْطَاء الْمَسْأَلَة السَّادِسَة قَالَ الْغَزالِيّ علاج الْبُخْل بِعلم وَهُوَ يرجع إِلَى معرفَة آفَة الْبُخْل وَفَائِدَة الْجُود وبعمل وَهُوَ يرجع إِلَى الْبَذْل على سَبِيل التَّكَلُّف وَلَكِن قد يُقَوي الْبُخْل بِحَيْثُ يعمى ويصم فَيمْنَع تحقق الْمعرفَة بآفاته وَإِذا لم تتَحَقَّق لم تتحرك الرَّغْبَة فَلم يَتَيَسَّر الْعَمَل فِيهِ فَتَصِير عِلّة مزمنة قَالَ وَمن الْأَدْوِيَة النافعة كَثْرَة التَّأَمُّل فِي أَحْوَال البخلاء ونفور الطَّبْع عَنْهُم فَإِنَّهُ مَا من بخيل إِلَّا ويستقبح الْبُخْل من غَيره ويستثقل كل بخيل فَيعلم أَنه كَذَلِك الْمَسْأَلَة السَّابِعَة قَالَ أفلاطون لَا يحسن الْبُخْل إِلَّا فِي أَربع الدّين وَالْحرم وَأَيَّام الْحَيَاة والمقاتلة قلت لِأَن الشُّح فِي الدّين هُوَ الْخَيْر الَّذِي لَا خير مثله والسخاء الَّذِي لَا خير مثله والسخاء بِالْحرم خسة لَا حضيض بعْدهَا وبأيام الْحَيَاة تضيع مَالا عوض عَنهُ وبالمقاتلة قبل وَقتهَا تغرير لَا تلجأ إِلَيْهِ ضَرُورَة

стр. 413

الْمَسْأَلَة الثَّامِنَة من الْكَلِمَات الْحكمِيَّة فِي هَذَا شح الْغَنِيّ فضيحة من طلب مَا عِنْد الْبَخِيل مَاتَ جوعا إِذا قصدت الْبَخِيل فِي حَاجَة أبدى لَك الحرمان والعداوة فَهُوَ شَرّ مِنْهُ وَمن لم يواس الإخوان فِي دولته خذلوه فِي نكبته من نقص الْبَخِيل أَنه يصون مَا فِي ذَات يَده من الْخَارِج عَنهُ ويبذل نَفسه وَقواهُ اللَّتَيْنِ هما ذاتيتان لَهُ فيفضل الْبعيد على الْغَرِيب والوضيع على الرفيع الْبَخِيل يسخو من عرضه بِمِقْدَار مَا يسخو بِهِ من مَاله والسخي يبخل من عرضه بِمِقْدَار مَا يسخو بِهِ من مَاله البخلاء يكون عفوهم عَن الذَّنب أسهل عَلَيْهِم من الْمُكَافَأَة على صَغِير الْإِحْسَان الْمَسْأَلَة التَّاسِعَة من حكايات البخلاء مَا يُقَال أَن مُحَمَّد بن يحي بن خَالِد بن برمك كَانَ بَخِيلًا قَبِيح وَالْبخل فَسئلَ نسيب لَهُ كَانَ يألفه عَنهُ وَقيل لَهُ صف مائدته قَالَ هِيَ فتر فِي فتر وصحائفه منقورة من حب الخشخاش قيل فَمن يحضرها قَالَ الْكِرَام الكاتبون قيل أفيأكل مَعَه أحد قَالَ بل الذُّبَاب قيل واسواة لَهُ فَأَنت خَاص بِهِ وقميصك مخرق قَالَ أَي وَالله مَا أقدر على إبرة أخيطه بهَا وَلَو ملك مُحَمَّد بَيْتا من بَغْدَاد إِلَى النّوبَة مملوءا إبرا ثمَّ جَاءَ جِبْرِيل وَمِيكَائِيل ﵉ ومعهما يَعْقُوب ﵇ يضمنُون عَلَيْهِ إبرة ويسألونه إعارتهم إِيَّاهَا ليخيط بهَا قَمِيص يُوسُف الَّذِي قد من دبر مَا فعل

стр. 414

الْقَاعِدَة السَّادِسَة الْحلم وَفِيه مسَائِل الْمَسْأَلَة الأولى لَا مرية فِي فَضِيلَة هَذَا الْوَصْف بِمَا يتجمل بِهِ من الْفَوَائِد وَهِي جملَة الْفَائِدَة الأولى محبَّة الله وَرَسُوله فَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ للأشبح إِن فِيك خَصْلَتَيْنِ يحبهما الله وَرَسُوله الْحلم والأناة الْفَائِدَة الثَّانِيَة شَهَادَته بعلو الهمة فَعَن عَليّ بن أبي طَالب ﵁ أَنه سَأَلَ بعض كبراء فَارس عَن أَحْمد سير مُلُوكهمْ فَقَالَ لازدشير فضل السَّبق غير أَن أحمدهم سيرة أنو شرْوَان وَله خلق غَيرهَا فَقَالَ وَأي أخلاقه كَانَ أغلب عَلَيْهِ قَالَ الْحلم والإناءة فَقَالَ عَليّ ﵁ هَذَا توأمان ينتجها علو الهمة الْفَائِدَة الثَّالِثَة اسْتِحْقَاق السِّيَادَة بِهِ قَالَ أَكْثَم بن صَيْفِي من حلم سَاد وَمن تفهم ازْدَادَ وَكفر النعم لؤم ومحبة الْجَاهِل شُؤْم ولقاء الإخوان غنم وَمن الْفساد أضاعه الزَّاد الْفَائِدَة الرَّابِعَة كفاءة الحماية بِهِ عَن مضرَّة الْغَيْر قَالَ الْأَحْنَف وجدت الْحلم أنْصر لي من الرِّجَال قَالَ الطرطوشي وَصدق فقد روى أَن رجلا أسْرع فِي ذمّ بعض الْآدَمِيّين وَهُوَ سَاكِت فحمى لَهُ بعض المارين

стр. 415

وَقَالَ لَهُ يَرْحَمك الله أَلا ننتصر لَك قَالَ لَا قَالَ وَلم قَالَ لِأَنِّي وجدت الْحلم أنْصر لي وَهل حميتني إِلَّا بحملي الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة أَحَق النَّاس بِهَذِهِ الْفَضِيلَة وأحوجهم إِلَى الإتصاف بهَا السُّلْطَان وَيدل على ذَلِك مُنْضَمًّا لما تقدم أَمْرَانِ أَحدهمَا انتصابه لإِقَامَة آود الْخلق ومعاناة الصَّبْر على مَا يصدر مِنْهُم فِي الإرتفاع إِلَيْهِ وصدورهم بالتشاجر حرجة وأخلاقهم بمضايقة الْخُصُوم منحرفة قَالَ الطرطوشي فَإِن لم يكن مَعَه حلم يرد بِهِ بوادرهم وَإِلَّا وَقع تَحت حمل ثقيل الثَّانِي إِدْرَاكه بِهِ كَمَال الْعِزّ وإسداء الْمِنَّة لَا كَمَا يتَوَهَّم أَنه من عجز الْمقدرَة وَضعف الْمِنَّة كَمَا قيل (لن يدْرك الْمجد أَقوام وَإِن شرفوا ... حَتَّى يداولوا وَأَن عزوا لأقوام) (ويصفحوا عَن كثير من إساءتهم ... لأصفح ذل وَلَكِن صفح أَحْلَام) الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة من تَمام الْحلم قبُول المعاذير الصادقة أَو الكاذبة لوَجْهَيْنِ أَحدهمَا وُرُود الْأَمر بذلك مَقْرُونا بالوعيد على التّرْك فَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ عفوا عَن نسَاء النَّاس

стр. 416

تعف نِسَاؤُكُمْ وبروا آبَاءَكُم يبر بكم أبناؤكم وَمن أَتَاهُ أخوة مُتَّصِلا أَي معتذرا فليقبل ذَلِك محقا كَانَ أَو مُبْطلًا فَإِن لم يفعل لم يرد على الْحَوْض رَوَاهُ الْحَاكِم الثَّانِي تردده بَين النَّدَم وَالْحيَاء وَالْأول تَوْبَة تصير المعتذر عَنهُ كَأَنَّهُ لم يكن وَلذَلِك قيل الإعتراف يهدم الاقتراف وَالثَّانِي أَيْمَان وَكفى بِهِ شَفِيعًا وَمن ثمَّ قيل نعم الشَّفِيع الإعتذار عِنْد أهل الْحلم والاقتدار قلت لَا سِيمَا لوحظ فِيهِ دلَالَة قبُوله على حريَّة النَّفس وكرم الطبيعة كَمَا قَالَ (إِذا اعتذر الْمُسِيء إِلَيْك يَوْمًا ... من التَّقْصِير عذر فَتى مقرّ) (فصنه عَن عقابك واعف عَنهُ ... فَإِن الصفح شِيمَة كل حر) الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة إِذا أدّى هَذَا الْقبُول إِلَى الصفح فِيمَا لَا يسمع الأغضاء عَنهُ سقط اعْتِبَاره قَالَ الْحُكَمَاء اقبل الْعذر وَإِن كَانَ مصنوعا إِلَّا أَن يكون مِمَّا أوجبت الْمُرُوءَة قِطْعَة أَو يكون فِي قبُوله تشجيعه على الْمَكْرُوه أَو عونه على الشَّرّ فَإِن قبُول الْعذر فِيهِ إشراف فِي الْمُنكر قلت وَكَذَا حَيْثُ لَا يكون هُنَاكَ عذر وَالْجِنَايَة مُسْتَحقَّة الْجَزَاء الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة الإتصاف بالحلم الممدوح لَا يتَوَقَّف على قمع الْغَضَب بِالْكُلِّيَّةِ لِأَن ذَلِك غير مَطْلُوب وَإِنَّمَا يتَوَقَّف كَمَاله على انقياد الْغَضَب لِلْعَقْلِ

стр. 417

حَيْثُ يُشِير رده إِلَى الإعتدال الَّذِي هُوَ وسط بَين طرفِي الإفراط والتفريط كَمَا تقدم وَإِذ ذَاك فتحقق الإتصاف بِهِ على الْوَجْه الْمَحْمُود وَمن هُنَاكَ قيل من لَا يغْضب فَلَيْسَ بحليم لِأَن الْحلم لَا يعرف إِلَّا عِنْد الْغَضَب قَالَ الطرطوشي وَقد أنْشد النَّابِغَة الْجَعْدِي بِمحضر النَّبِي ﷺ (وَلَا خير فِي حلم إِذا لم تكن لَهُ ... بَوَادِر تَحْمِي صَفوه أَن يكدرا) (وَلَا خير فِي جهل إِذا لم يكن لَهُ ... حَلِيم إِذا مَا أورد الْأَمر أصْدرَا) فَلم يُنكر ﷺ قَوْله قَالَ وَكَانَ ابْن عمر ﵁ إِذا سَافر استتبع سَفِيها وَيَقُول سندفع بِهِ شَرّ السُّفَهَاء الْمَسْأَلَة السَّادِسَة من الْكَلِمَات الْحكمِيَّة فِي هَذَا الْوَصْف لَيْسَ الْخَيْر أَن يكثر مَالك وولدك وَلَكِن الْخَيْر أَن يعظم حلمك وَيكثر علمك لَيْسَ الْحَلِيم من ظلم فحلم حَتَّى إِذا قدر اقْتصّ إِنَّمَا الْحَلِيم من إِذا قدر عَفا الْحلم ترك المكافآت قولا وفعلا الْحلم حجاب الْآفَات وَأَن حلم سَاعَة ليرد سبعين آفَة الْحلم يزِيل تعدِي الْحر وَيَردهُ إِلَى أحسن مُرَاجعَة وَلَا يزِيل الْوَعْد إِلَّا الإخافة الْحلم لَا ينْسب إِلَّا لمن قدر على السطوة الْحلم همته عَفوه ووقاره الْمُلُوك تعاقب قدرَة وَتَعْفُو حلما

стр. 418

يُغيرُوا مَا بِأَنْفسِهِم) وَقَوله تَعَالَى ﴿فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لِبَاس الْجُوع وَالْخَوْف بِمَا كَانُوا يصنعون﴾ وَمن ثمَّ قَالَ الشَّيْخ تَاج الدّين من لم يشْكر النعم فقد تعرض لزوالها وَمن شكرها فقد قيدها بعقالها قَالَ ابْن عَبَّاس اجْتمعت حكماء الْعَرَب والعجم على قَوْلهم الشُّكْر قيد الْمَوْجُود وصيد الْمَفْقُود الْفَائِدَة الثَّانِيَة أَن حُصُولهَا الْمَزِيد مُعَلّق على الْوَفَاء بِهِ لقَوْله تَعَالَى ﴿لَئِن شكرتم لأزيدنكم﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿وَالَّذين جاهدوا فِينَا لنهدينهم سبلنا﴾ قَالَ الإِمَام الْغَزالِيّ وَالسَّيِّد الْكَرِيم إِذا رأى العَبْد قد قَامَ بِحَق نعْمَته بِمن عَلَيْهِ بِأُخْرَى وَيَرَاهُ أهلالها وَإِلَّا فَيقطع عَنهُ ذَلِك قلت وَحَيْثُ لَا يحصل الْمَزِيد فالشكر غير حَاصِل وَهُوَ عِنْد ابْن الْعَرَبِيّ أقوى مَا قيل فِي ذَلِك على احْتِمَال تَقْيِيده بِالْمَشِيئَةِ أَو بِعَدَمِ الْمعْصِيَة وَلَا يتَّفق لمن حظى بِهِ أَو تَخْصِيصه بِقوم دون قوم آخَرين قَالَ وَبَعضه أقوى من بعض الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة قَالَ ابْن الْعَرَبِيّ حَقِيقَة الشُّكْر تصريف النِّعْمَة فِي الطَّاعَة فَإِذا أنعم على عَبده بِنِعْمَة فصرفها فِي طَاعَته فقد شكرها وَإِن صرفهَا فِي مَعْصِيّة فقد كفرها

стр. 419

من غرس الْحلم شَجرا أَو سقَاهُ الإناءة دررا أجتنى الْعِزّ مِنْهُ ثمرا وَأثبت فِي المكارم أثرا أحلم النَّاس من قدر على الْكَلَام وَهُوَ كثير صمته وَقدر على الْعقُوبَة وَهُوَ كثير عَفوه وَقدر على الْحَرَكَة وَهُوَ كثير وقاره الْمَسْأَلَة السَّابِعَة الحكايات عَن الْحُكَمَاء مُتعَدِّدَة وَيَكْفِي مِمَّا استدعاه بليغ الإعتذار وَحسن الإعتطاف حكايتان الْحِكَايَة الأولى يرْوى أَن الْمَأْمُون عتب يَوْمًا على عَمه إِبْرَاهِيم بن الْمهْدي فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ ولى الثأر مُحكم فِي الْقصاص وَالْعَفو أقرب للتقوى وَمن تنَاوله الاغبرار مَعَ مأموله من أَسبَاب الرَّجَاء أَمن من عَادِية الدَّهْر وَقد جعلك الله فَوق كل ذِي لب كَمَا جعل كل ذِي لب دُونك فَأن تَأْخُذ فبحقك وَإِن تعف فبفضلك وَأَنْشَأَ يَقُول (ذَنبي إِلَيْك عَظِيم ... وَأَنت أعظم مِنْهُ) (فَخذ بحقك أَو لَا ... وأصفح بِفَضْلِك عَنهُ) (إِن لم أكن بفاعلي ... من الْكِرَام فكنه) وَأطَال مَجْلِسه بِكُل إعتذار حسن وَكَلَام بليغ فَقَالَ الْمَأْمُون الْقُدْرَة بِذَهَب الحفيظة والندم تَوْبَة يَا إِبْرَاهِيم لقد حببت إِلَى الْعَفو حَتَّى خفت أَن لَا أوجر عَلَيْهِ لَا تَثْرِيب عَلَيْك يغْفر الله لَك وجدد إحسانه إِلَيْهِ الْحِكَايَة الثَّانِيَة قيل بعث زِيَاد إِلَى مُعَاوِيَة رجلا من بني تَمِيم فَلَمَّا مثل بَين يَدَيْهِ قَالَ لَهُ أَنْت الْقَائِم علينا المكثر لعدونا قَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِنَّمَا كَانَت فتْنَة عَم عماها واظلم دجاها نزا فِيهَا الوضيع وخف الْحَلِيم والرفيع فاحتدت وأكلت وشربت

стр. 420

حَتَّى إِذا انحسرت ظلماؤها وانكشفت غطاؤها وَآل الْأَمر إِلَى مآله وَصرح عَن محضه ارْتَفع العبوس وثابت النُّفُوس فتركنا فتنتنا ولزمنا عصمتنا وعرفنا خليفتنا وَمن يجد متابا لم يرد الله بِهِ عقَابا وَمن يسْتَغْفر الله يجد الله غَفُورًا رحِيما فَعجب مُعَاوِيَة من فَصَاحَته واستغرب حسن اعتذاره وَعَفا عَنهُ وَأحسن إِلَيْهِ الْقَاعِدَة السَّابِعَة كظم الغيظ وَالْغَضَب وفيهَا طرفان الطّرف الأول فِي كظم الغيظ وَفِيه مسَائِل الْمَسْأَلَة الأولى من فَضِيلَة التحلي بِهِ زَائِدا على مدحه بقوله تَعَالَى ﴿والكاظمين الغيظ﴾ فَوَائِد عاجلة وآجله الْفَائِدَة الأولى مَا فِي معلقات البُخَارِيّ عَن ابْن عَبَّاس ﵄ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أحسن﴾ قَالَ الصَّبْر عِنْد الْغَضَب وَالْعَفو عِنْد الْإِسَاءَة فَإِذا فعلوا عظمهم عدوهم وخضع لَهُم الْفَائِدَة الثَّانِيَة دلَالَة قهر الْغَضَب بِهِ على الشدَّة النافعة فَفِي الصَّحِيح عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ لَيْسَ الشَّديد بالصرعة إِنَّمَا الشَّديد الَّذِي يمسك نَفسه عِنْد الْغَضَب الْفَائِدَة الثَّالِثَة عظم الْأجر بِهِ وتوفيره فَعَن ابْن عمر ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ مَا من جرعة أعظم جَزَاء عِنْد الله من جرعة غيظ كظمها عِنْد ابْتِغَاء وَجه الله رَوَاهُ ابْن ماجة

стр. 421

الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة مِمَّا يدل على ذمّ التشفي بِمَعْصِيَة الله أَمْرَانِ أَحدهمَا اخْتِصَاص صَاحبه بِدُخُول جَهَنَّم من بَاب لَا يدْخل مِنْهُ غَيره فَفِي الحَدِيث عَن ابْن عَبَّاس ﵄ مَرْفُوعا أَن لِجَهَنَّم بَابا لَا يدْخلهُ إِلَّا من شفى غيظه بِمَعْصِيَة الله الثَّانِي إِدْخَال السقم بِهِ على الدّين فَمن كَلَام بَعضهم لَا يحملنك الْغَضَب على اقتراف إِثْم فتشفي غيظك وتسقم دينك الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة الْأَسْبَاب الْمعينَة على كظم الغيظ نَوْعَانِ أَحدهمَا علمي وَالْآخر عَمَلي النَّوْع الأول العلمي وَهُوَ أَمْرَانِ أَحدهمَا الفكرة فِيمَا يحملهُ على الرَّغْبَة فِي ثَوَابه والرهبة من عِقَاب التجاوز عَنهُ إِلَى التشفي والانتقام فَفِي بعض الْكتب السَّابِقَة يَقُول الله تَعَالَى يَا ابْن آدم أذكرني حِين تغْضب أذكرك حِين أغضب فَلَا أمحقك فِيمَن أمحق الثَّانِي تذكير النَّفس بِمَا فِي الانتقام من نفرة الْقُلُوب عَن المتشفي بِهِ وَمن نسبته إِلَى الخفة والطيش وَأَشد من ذَلِك على الرؤساء إِعْمَال الْحِيلَة عَلَيْهِم فِي طلب الْخَلَاص مِنْهُم مَتى عرفُوا بِسُرْعَة الْبَطْش ومعالجة الانتقام موعظة يحْكى أَن الْأَمِير شمس الْمَعَالِي كَانَ من محَاسِن

стр. 422

الدُّنْيَا وبهجتها غير أَنه كَانَ شَدِيد السطوة وَمَا زَالَ على هَذَا الْخلق حَتَّى استوحشت النُّفُوس مِنْهُ وانقلبت الْقُلُوب عَنهُ فأجمع أَعْيَان عسكره على خلعه وَنزع الْأَيْدِي عَن طَاعَته فَوَافَقَ هَذَا التَّدْبِير مِنْهُم غيبته عَن جرمان بَلَده فَلم يشْعر بذلك وَلم يخبر حَتَّى قصدوه وَأَرَادُوا الْقَبْض عَلَيْهِ فحامى عَنهُ بعض من كَانَ فِي صحبته من خواصه فنهبوا فيله وأمواله وَرَجَعُوا إِلَى جرجان فملكوها وبعثوا إِلَى وَلَده أبي مَنْصُور وقهروه على الْوُصُول إِلَيْهِم لعقد الْبيعَة لَهُ فأسرع فِي الْحُضُور فَلَمَّا وصل إِلَيْهِم أَجمعُوا على طَاعَته وخلع أَبِيه فَلم يَسعهُ فِي تِلْكَ الْحَال إِلَّا المداراة والإجابة خوفًا على خُرُوج الْملك عَن بَيتهمْ وَلما رأى الْأَمِير شمس الْمَعَالِي تِلْكَ الْحَال توجه إِلَى نَاحيَة بسطَام بِمن مَعَه من الْخَواص لينْظر مَا يسْتَقرّ عَلَيْهِ الْأَمر فَلَمَّا سمع الخارجون عَلَيْهِ انحيازه إِلَى تِلْكَ الْجِهَة حملُوا وَلَده متوجهين قَصده وإزعاجه عَن مَكَانَهُ فَسَار مَعَهم مُضْطَرّا فَلَمَّا وصل إِلَى أَبِيه اجْتمع بِهِ وتباكيا وتشاكيا وغرض الْوَلَد أَن يكون حِجَابا بَينه وَبَين أعدائه وَلَو ذهبت نَفسه فِيهِ وَرَأى الْوَالِد أذلك لَا يجدي وَأَنه أَحَق بِالْملكِ من بعده فَسلم المملكة إِلَيْهِ واستوصاه خيرا بِنَفسِهِ مَا دَامَ على قيد الْحَيَاة واتفقا على أَن يكون فِي بعض القلاع إِلَى أَن يَأْتِيهِ أَجله فَأرْسل إِلَى تِلْكَ القلعة وَشرع الْوَلَد فِي الْإِحْسَان إِلَى الْجَيْش وهم لَا يَخْشونَ خشيَة هجم الْوَالِد وَلَو لم يزَالُوا بِهِ حَتَّى قتل النَّوْع الثَّانِي العملي وَهُوَ ضَرْبَان أَحدهمَا أَقْوَال وَالْآخر أَفعَال

стр. 423

الأول مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن سلمَان ﵁ قَالَ كنت جَالِسا مَعَ النَّبِي ﷺ ورجلان يستبان وَأَحَدهمَا قد احمر وَجهه وَانْتَفَخَتْ أوداجه فَقَالَ رَسُول الله ﷺ إِنِّي لأعْلم قولة لَو قَالَهَا لذهب عَنهُ مَا يجد لَو قَالَ أعوذ بِاللَّه من الشَّيْطَان الرَّجِيم ذهب عَنهُ مَا يجد فَقَالُوا لَهُ إِن النَّبِي ﷺ تعوذ بِاللَّه من الشَّيْطَان الرَّجِيم فَقَالَ وَهل بِي من جُنُون الثَّانِي أَفعَال وَهِي جُلُوس الغاضب من قِيَامه واضطجاعه من جُلُوسه إِن لم يذهب عَنهُ غيظه وَكَذَا وضوءه فَعَن أبي ذَر الْغِفَارِيّ عَنهُ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ إِذا غضب أحدكُم وَهُوَ قَائِم فليجلس فَإِن ذهب عَنهُ الغيظ فليضطجع رَوَاهُ أَبُو دَاوُود وَعَن عَطِيَّة بن عُرْوَة السَّعْدِيّ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

стр. 424

إِن الْغَضَب من الشَّيْطَان وَإِن الشَّيْطَان خلق من نَار وَإِنَّمَا تُطْفِئ النَّار بِالْمَاءِ فَإِذا غضب أَحَدكُمَا فَليَتَوَضَّأ فَائِدَة حكمِيَّة الِاضْطِجَاع قرب الْغَضَب من الأَرْض الْمَخْلُوق مِنْهَا ليعرف بذلك ذل نَفسه وَالْمَقْصُود مِنْهَا أَن الْجُلُوس طلب للسكون المضاد للحركة الَّتِي هِيَ حرارة الْغَضَب أَشَارَ إِلَيْهِ الْغَزالِيّ وَقد ذكرُوا أَن بعض الْمُلُوك كَانَ إِذا غضب ألْقى بَين يَدَيْهِ مَفَاتِيح تربة الْمُلُوك الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة من الْكَلِمَات الْحكمِيَّة فِي هَذَا الْوَصْف كظم الغيظ حلم والحلم صَبر لَا توقدن بَين جنبيك جَمْرَة الْغَضَب وأردد إساءته بالحلم فَإِن شَجَرَة الثأر إِذا هبت عَلَيْهِ الرِّيَاح تحانت أَغْصَانهَا فتشتعل نَارا وتحترق من أُصُولهَا ثَلَاثَة من اجْتَمعْنَ فِيهِ فقد سعد من إِذا غضب لم يُخرجهُ غَضَبه عَن الْحق وَإِذا رَضِي لم يدْخلهُ رِضَاهُ فِي الْبَاطِل وَإِذا قدر عَفا من اتَّقى الله لم يشف غيظه وَمن خَافَ الله لم يفعل مَا يُريدهُ الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة من الْمَنْقُول فِي كظم الغيظ لتذكر الثَّوَاب وَالْعِقَاب حكايتان الْحِكَايَة الأولى يرْوى أَن عمر بن عبد الْعَزِيز ﵁ أَمر بِضَرْب رجل ثمَّ قَرَأَ ﴿والكاظمين الغيظ﴾ فأقاله الْحِكَايَة الثَّانِيَة يُقَال أَن عبد الله بن مُسلم قَالَ للرشيد يَا أَمِير

стр. 425

الْمُؤمنِينَ أَسأَلك بِالَّذِي أَنْت بَين يَدَيْهِ غَدا أذلّ مني بَين يَديك الْيَوْم وَبِالَّذِي هُوَ أقدر على عقابك مِنْك عَليّ إِلَّا مَا عَفَوْت عني فَعَفَا وأمنه من عِقَاب الطّرف الثَّانِي فِي الْغَضَب وَفِيه مسَائِل الْمَسْأَلَة الأولى مِمَّا يدل على ذمه وَجْهَان أَحدهمَا تَكْرِير الْوَصِيَّة باجتنابه فَفِي الصَّحِيح عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ أَن رجلا قَالَ للنَّبِي ﷺ أوصني فَقَالَ لَهُ النَّبِي ﷺ لَا تغْضب فردد عَلَيْهِ مرَارًا لَا تغْضب الثَّانِي دلَالَة التباعد بِتَرْكِهِ عَن غضب الله تَعَالَى على الْقرب من ذَلِك الْغَضَب بارتكابه فَعَن ابْن عمر ﵄ أَنه سَأَلَ رَسُول الله ﷺ مَا يَمْنعنِي من غضب الله تَعَالَى قَالَ لَا تغْضب الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة حَقِيقَة غليان دم الْقلب موجدة على من دونه فيحمر ظَاهره بانتشار دَمه وعَلى من فَوْقه فيصفر وَينْقص دَمه جَريا وعَلى مثله فيحمر ويصفر لتردده فِيهِ قَالَ الْغَزالِيّ وَمَتى اشتدت ناره أعمت صَاحبهَا وأصمته فَإِذا وعظ لم يسمع وَإِن استضاء بِنور عقله لم يقدر أَن يُطْفِئ بِهِ نَار غَضَبه مَسْأَلَة الثَّالِثَة دَرَجَات النَّاس فِيهِ أول الْفطْرَة ثَلَاث
следующие страницы →