Полный текст (992 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة مِمَّا يدل على ذمّ التشفي بِمَعْصِيَة الله أَمْرَانِ
أَحدهمَا اخْتِصَاص صَاحبه بِدُخُول جَهَنَّم من بَاب لَا يدْخل مِنْهُ غَيره فَفِي الحَدِيث عَن ابْن عَبَّاس ﵄ مَرْفُوعا أَن لِجَهَنَّم بَابا لَا يدْخلهُ إِلَّا من شفى غيظه بِمَعْصِيَة الله
الثَّانِي إِدْخَال السقم بِهِ على الدّين فَمن كَلَام بَعضهم لَا يحملنك الْغَضَب على اقتراف إِثْم فتشفي غيظك وتسقم دينك
الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة الْأَسْبَاب الْمعينَة على كظم الغيظ نَوْعَانِ
أَحدهمَا علمي وَالْآخر عَمَلي
النَّوْع الأول العلمي وَهُوَ أَمْرَانِ
أَحدهمَا الفكرة فِيمَا يحملهُ على الرَّغْبَة فِي ثَوَابه والرهبة من عِقَاب التجاوز عَنهُ إِلَى التشفي والانتقام فَفِي بعض الْكتب السَّابِقَة يَقُول الله تَعَالَى يَا ابْن آدم أذكرني حِين تغْضب أذكرك حِين أغضب فَلَا أمحقك فِيمَن أمحق
الثَّانِي تذكير النَّفس بِمَا فِي الانتقام من نفرة الْقُلُوب عَن المتشفي بِهِ وَمن نسبته إِلَى الخفة والطيش وَأَشد من ذَلِك على الرؤساء إِعْمَال الْحِيلَة عَلَيْهِم فِي طلب الْخَلَاص مِنْهُم مَتى عرفُوا بِسُرْعَة الْبَطْش ومعالجة الانتقام
موعظة يحْكى أَن الْأَمِير شمس الْمَعَالِي كَانَ من محَاسِن
стр. 422
الدُّنْيَا وبهجتها غير أَنه كَانَ شَدِيد السطوة وَمَا زَالَ على هَذَا الْخلق حَتَّى استوحشت النُّفُوس مِنْهُ وانقلبت الْقُلُوب عَنهُ فأجمع أَعْيَان عسكره على خلعه وَنزع الْأَيْدِي عَن طَاعَته فَوَافَقَ هَذَا التَّدْبِير مِنْهُم غيبته عَن جرمان بَلَده فَلم يشْعر بذلك وَلم يخبر حَتَّى قصدوه وَأَرَادُوا الْقَبْض عَلَيْهِ فحامى عَنهُ بعض من كَانَ فِي صحبته من خواصه فنهبوا فيله وأمواله وَرَجَعُوا إِلَى جرجان فملكوها وبعثوا إِلَى وَلَده أبي مَنْصُور وقهروه على الْوُصُول إِلَيْهِم لعقد الْبيعَة لَهُ فأسرع فِي الْحُضُور فَلَمَّا وصل إِلَيْهِم أَجمعُوا على طَاعَته وخلع أَبِيه فَلم يَسعهُ فِي تِلْكَ الْحَال إِلَّا المداراة والإجابة خوفًا على خُرُوج الْملك عَن بَيتهمْ وَلما رأى الْأَمِير شمس الْمَعَالِي تِلْكَ الْحَال توجه إِلَى نَاحيَة بسطَام بِمن مَعَه من الْخَواص لينْظر مَا يسْتَقرّ عَلَيْهِ الْأَمر فَلَمَّا سمع الخارجون عَلَيْهِ انحيازه إِلَى تِلْكَ الْجِهَة حملُوا وَلَده متوجهين قَصده وإزعاجه عَن مَكَانَهُ فَسَار مَعَهم مُضْطَرّا فَلَمَّا وصل إِلَى أَبِيه اجْتمع بِهِ وتباكيا وتشاكيا وغرض الْوَلَد أَن يكون حِجَابا بَينه وَبَين أعدائه وَلَو ذهبت نَفسه فِيهِ وَرَأى الْوَالِد أذلك لَا يجدي وَأَنه أَحَق بِالْملكِ من بعده فَسلم المملكة إِلَيْهِ واستوصاه خيرا بِنَفسِهِ مَا دَامَ على قيد الْحَيَاة واتفقا على أَن يكون فِي بعض القلاع إِلَى أَن يَأْتِيهِ أَجله فَأرْسل إِلَى تِلْكَ القلعة وَشرع الْوَلَد فِي الْإِحْسَان إِلَى الْجَيْش وهم لَا يَخْشونَ خشيَة هجم الْوَالِد وَلَو لم يزَالُوا بِهِ حَتَّى قتل
النَّوْع الثَّانِي العملي وَهُوَ ضَرْبَان
أَحدهمَا أَقْوَال وَالْآخر أَفعَال
стр. 423
الأول مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن سلمَان ﵁ قَالَ كنت جَالِسا مَعَ النَّبِي ﷺ ورجلان يستبان وَأَحَدهمَا قد احمر وَجهه وَانْتَفَخَتْ أوداجه فَقَالَ رَسُول الله ﷺ إِنِّي لأعْلم قولة لَو قَالَهَا لذهب عَنهُ مَا يجد لَو قَالَ أعوذ بِاللَّه من الشَّيْطَان الرَّجِيم ذهب عَنهُ مَا يجد فَقَالُوا لَهُ إِن النَّبِي ﷺ تعوذ بِاللَّه من الشَّيْطَان الرَّجِيم فَقَالَ وَهل بِي من جُنُون
الثَّانِي أَفعَال وَهِي جُلُوس الغاضب من قِيَامه واضطجاعه من جُلُوسه إِن لم يذهب عَنهُ غيظه وَكَذَا وضوءه فَعَن أبي ذَر الْغِفَارِيّ عَنهُ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ إِذا غضب أحدكُم وَهُوَ قَائِم فليجلس فَإِن ذهب عَنهُ الغيظ فليضطجع رَوَاهُ أَبُو دَاوُود وَعَن عَطِيَّة بن عُرْوَة السَّعْدِيّ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
стр. 424
إِن الْغَضَب من الشَّيْطَان وَإِن الشَّيْطَان خلق من نَار وَإِنَّمَا تُطْفِئ النَّار بِالْمَاءِ فَإِذا غضب أَحَدكُمَا فَليَتَوَضَّأ
فَائِدَة حكمِيَّة الِاضْطِجَاع قرب الْغَضَب من الأَرْض الْمَخْلُوق مِنْهَا ليعرف بذلك ذل نَفسه وَالْمَقْصُود مِنْهَا أَن الْجُلُوس طلب للسكون المضاد للحركة الَّتِي هِيَ حرارة الْغَضَب أَشَارَ إِلَيْهِ الْغَزالِيّ وَقد ذكرُوا أَن بعض الْمُلُوك كَانَ إِذا غضب ألْقى بَين يَدَيْهِ مَفَاتِيح تربة الْمُلُوك
الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة من الْكَلِمَات الْحكمِيَّة فِي هَذَا الْوَصْف
كظم الغيظ حلم والحلم صَبر
لَا توقدن بَين جنبيك جَمْرَة الْغَضَب وأردد إساءته بالحلم فَإِن شَجَرَة الثأر إِذا هبت عَلَيْهِ الرِّيَاح تحانت أَغْصَانهَا فتشتعل نَارا وتحترق من أُصُولهَا
ثَلَاثَة من اجْتَمعْنَ فِيهِ فقد سعد من إِذا غضب لم يُخرجهُ غَضَبه عَن الْحق وَإِذا رَضِي لم يدْخلهُ رِضَاهُ فِي الْبَاطِل وَإِذا قدر عَفا
من اتَّقى الله لم يشف غيظه وَمن خَافَ الله لم يفعل مَا يُريدهُ
الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة من الْمَنْقُول فِي كظم الغيظ لتذكر الثَّوَاب وَالْعِقَاب حكايتان
الْحِكَايَة الأولى يرْوى أَن عمر بن عبد الْعَزِيز ﵁ أَمر بِضَرْب رجل ثمَّ قَرَأَ ﴿والكاظمين الغيظ﴾ فأقاله الْحِكَايَة الثَّانِيَة يُقَال أَن عبد الله بن مُسلم قَالَ للرشيد يَا أَمِير
стр. 425
الْمُؤمنِينَ أَسأَلك بِالَّذِي أَنْت بَين يَدَيْهِ غَدا أذلّ مني بَين يَديك الْيَوْم وَبِالَّذِي هُوَ أقدر على عقابك مِنْك عَليّ إِلَّا مَا عَفَوْت عني فَعَفَا وأمنه من عِقَاب
الطّرف الثَّانِي
فِي الْغَضَب
وَفِيه مسَائِل
الْمَسْأَلَة الأولى مِمَّا يدل على ذمه وَجْهَان
أَحدهمَا تَكْرِير الْوَصِيَّة باجتنابه فَفِي الصَّحِيح عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ أَن رجلا قَالَ للنَّبِي ﷺ أوصني فَقَالَ لَهُ النَّبِي ﷺ لَا تغْضب فردد عَلَيْهِ مرَارًا لَا تغْضب
الثَّانِي دلَالَة التباعد بِتَرْكِهِ عَن غضب الله تَعَالَى على الْقرب من ذَلِك الْغَضَب بارتكابه فَعَن ابْن عمر ﵄ أَنه سَأَلَ رَسُول الله ﷺ مَا يَمْنعنِي من غضب الله تَعَالَى قَالَ لَا تغْضب
الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة حَقِيقَة غليان دم الْقلب موجدة على من دونه فيحمر ظَاهره بانتشار دَمه وعَلى من فَوْقه فيصفر وَينْقص دَمه جَريا وعَلى مثله فيحمر ويصفر لتردده فِيهِ
قَالَ الْغَزالِيّ وَمَتى اشتدت ناره أعمت صَاحبهَا وأصمته فَإِذا وعظ لم يسمع وَإِن استضاء بِنور عقله لم يقدر أَن يُطْفِئ بِهِ نَار غَضَبه
مَسْأَلَة الثَّالِثَة دَرَجَات النَّاس فِيهِ
أول الْفطْرَة ثَلَاث
стр. 426
أَحدهمَا طرف التَّفْرِيط بفقده أَو ضعفه وَهِي نقص عَن الْكَمَال وَلذَلِك قَالَ الْمَاوَرْدِيّ من أستغضب وَلم يغْضب فَهُوَ حمَار
الثَّانِيَة طرف الإفراط وَسبب غلبته أُمُور غريزية أَو اعتيادية فَرب إِنْسَان هُوَ بالفطرة مستعد لسرعة الْغَضَب أَو اعتيادي لمخالطة من يمتدح بالتشفي والانتقام وَهُوَ أَيْضا نقص مَذْمُوم
الثَّالِثَة وسط مَا بَين الطَّرفَيْنِ وَهُوَ الإعتدال الْمَحْمُود لعمله بِإِشَارَة الْعقل وَالتَّدْبِير انبعاثا وألطافا
قَالَ الإِمَام الْغَزالِيّ فَمن مَال غَضَبه إِلَى الفتور عالجه بِمَا يقويه وَمن مَال غَضَبه إِلَى الإفراط عالجه بِمَا يكسر من سورته ليقفه على الْوسط بَين الطَّرفَيْنِ فَهُوَ الصِّرَاط الْمُسْتَقيم
قلت شبهه أفلاطون بالملح فِي الطَّعَام إِن كَانَ بِقدر مُوَافق أصلحه وَإِن كَانَ بزائد أفْسدهُ
قَالَ وَكَذَا سَائِر القوى
الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة الْأَسْبَاب المهيجة للغضب الْكبر والزهو وَالْعجب والمزاح والهزل والتعيير والمارات والمضادات والغدو وَشدَّة الْحِرْص على فضول المَال والجاه وَتَسْمِيَة الْغَضَب بِالْأَلْقَابِ المحمودة كالشجاعة والرجلة وَعزة النَّفس وَكبر الهمة جهلا
стр. 427
قَالَ الْغَزالِيّ وَهِي بأجمعها أَخْلَاق مذمومة شرعا لَا بُد إِزَالَتهَا بأضدادها إِذْ لَا خلاص من الْغَضَب مَعَ بَقَائِهَا
الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة من أعظم مضراته الْبَاطِنَة آفتان
الآفة الأولى مَا يكْسب الْقلب من صِفَات الذَّم وَالظُّلم والإستخفاف وتحقير الْخلق وَإِرَادَة الشَّرّ وَمَا فِي معنى ذَلِك
والآفة الثَّانِيَة اسْتِيلَاء الشَّيْطَان بِهِ وتلاعبه بِصَاحِبِهِ كَمَا يلْعَب الصَّبِي بالكرة فقد روى أَن إِبْلِيس ظهر لراهب فَقَالَ لَهُ أَي الْأَخْلَاق بني آدم أعز عنْدك قَالَ الحدة لِأَن العَبْد إِذا كَانَ حديدا قلبناه كَمَا يقلب الصّبيان الكرة
الْمَسْأَلَة السَّادِسَة قَالَ ابْن رضوَان قَرَأت فِي الطِّبّ الروحاني أَن الْغَضَب إِنَّمَا جعل فِي الْحَيَوَان ليَكُون لَهُ بِهِ انتقام من المؤذي لَهُ وَهَذَا الْعَارِض إِذْ أفرط وَجَاوَزَ حَده حَتَّى يفقد مَعَه الْعقل فَرُبمَا كَانَت مضرته فِي الغاضب أَكثر مِنْهَا فِي المغضوب عَلَيْهِ وَلذَلِك يَنْبَغِي للعاقل أَن يكثر من ذكر من أداته أَحْوَال غَضَبه إِلَى عواقب مَكْرُوهَة ليتصورها فِي حَال غَضَبه فَإِن كثيرا مِمَّن يغْضب رُبمَا لكز وَلَطم ونطح فجلب
стр. 428
بذلك من الْأَلَم على نَفسه أَكثر مِمَّا نَالَ بِهِ المغضوب عَلَيْهِ فقد رَأَيْت من لكز رجلا على فكه فَكسر أَصَابِعه حَتَّى عالجها أشهرا وَلم ينل الملكوز كثير أَذَى وَرَأَيْت من استشاط وَصَاح فنفث الدَّم مَكَانَهُ وَأدّى بِهِ ذَلِك إِلَى السل وَكَانَ سَبَب مَوته وبلغنا أَخْبَار أنَاس أَنهم قتلوا أَهَالِيهمْ وأولاهم وَمن يعز عَلَيْهِم فِي وَقت غيظهم وَبعد ذَلِك طَالَتْ ندامتهم عَلَيْهِ وَرُبمَا لم يستدركوه طول أعمارهم وَقد ذكر جالينوس أَن والدته كَانَت تضيع فمها على القفل لتعضه إِذا عسر عَلَيْهَا فتتحه ولعمري أَنه لَيْسَ بَين من فقد الْفِكر والروية فِي حَال غَضَبه وَبَين الْمَجْنُون كَبِير فرق
قَالَ فَإِن الْإِنْسَان إِذا أَكثر من هَذِه الْأَمْثَال فِي حَال سَلَامَته كَانَ أَحْرَى أَن يتصورها فِي حَال غَضَبه وَيَنْبَغِي أَن يعلم أَن الَّذِي كَانَ مِنْهُم مثل هَذِه الْأَفْعَال القبيحة فِي وَقت غضبهم إِنَّمَا أُوتُوا من فقد عُقُولهمْ إِذْ ذَاك فَيَأْخُذ نَفسه بِأَن لَا يكون مِنْهُ فعل إِلَّا بعد الْفِكر والروية
الْمَسْأَلَة السَّابِعَة كَمَا أَن لإفراط الْغَضَب مثل هَذِه الْآثَار القبيحة فلتفريطه آثَار تشارك تِلْكَ فِي الْقبْح وَسُوء الْعَاقِبَة كسقوط وَاحْتِمَال الذل وخور الْقلب وَالسُّكُوت عِنْد مُشَاهدَة الْمُنكر والإنقباض عَن تنَاول الْحق الْوَاجِب وَالْعجز عَن رياضة النَّفس
قَالَ الإِمَام الْغَزالِيّ إِذْ لَا تتمّ إِلَّا بتسليط الْغَضَب على الشَّهْوَة حَتَّى يغْضب على نَفسه عِنْد الْميل إِلَى الشَّهَوَات الخسيسة
стр. 429
الْمَسْأَلَة الثَّامِنَة مِمَّا يُؤَكد على السُّلْطَان اجْتِنَاب الْغَضَب زَائِدا على مَا تقدم مِمَّا ينفر عَنهُ علمه بِأَنَّهُ غير مُضْطَر إِلَيْهِ بِمَا خصّه الطَّاعَة لَهُ طَوْعًا أَو كرها فَفِي الهروى عَن عِيسَى ﵇ لَا يَنْبَغِي للسُّلْطَان أَن يغْضب إِنَّمَا يَأْمر فيطاع وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَن يعجل فَلَا يفوتهُ شَيْء وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَن يظلم فَإِنَّمَا يدْفع الظُّلم بِهِ
الْمَسْأَلَة التَّاسِعَة من الْكَلِمَات الْحكمِيَّة فِي هَذَا الْخلق الْغَضَب يصدي الْقلب حَتَّى لَا يرى صَاحبه حسنا فيفعله وَلَا قبيحا فيجتنبه
أسْرع النَّاس جَوَابا من لَا يغْضب
الْغَضَب عَدو وَالْعقل صديق
إِذا جَاءَ الْغَضَب تسلط العطب
من أطَاع الْغَضَب حرم السَّلامَة
أول الْغَضَب جُنُون وَآخره نَدم
إياك وَالْغَضَب فَإِن الْغَضَب على من لَا يملك عجز وعَلى من يملك نَدم
الْغَضَب يفْسد الْإِيمَان كَمَا يفْسد الصَّبْر الْعَسَل
الْغَضَب مِفْتَاح كل شَرّ
رَأس الْحمق وقائده الْغَضَب
من رَضِي بِالْجَهْلِ اسْتغنى عَن الْحلم
من أطَاع غَضَبه فِي شَهْوَة قَادَهُ إِلَى النَّار
الْمَسْأَلَة الْعَاشِرَة من المتعظ بِهِ فِي هَذَا الْمقَام حكايتان
стр. 430
الْحِكَايَة الأولى يرْوى أَن جَعْفَر بن مُحَمَّد دخل على الرشيد وَقد استخفه الْغَضَب فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِنَّك إِنَّمَا تغْضب لله تَعَالَى فَلَا تغْضب لَهُ بِأَكْثَرَ من غَضَبه لنَفسِهِ
قَالَ الطرطوشي هَذِه الْكَلِمَة لَا قيمَة لَهَا وَالله أعلم حَيْثُ يَجْعَل رسَالَته فَمَا أجمل قدرهَا وَأعظم خطرها لِأَنَّك أَيهَا السُّلْطَان إِنَّمَا رسَالَته فَمَا أجل قدرهَا وَأعظم خطرها لِأَنَّك أَيهَا السُّلْطَان إِنَّمَا تتصرف فِي ملك الله تَعَالَى بأَمْره وَقد حد حدودا وَشرع شرائع ثمَّ لِأَن الله قدر فِي كل خصْلَة عِنْد محالفته حدا محدودا فَلَا تقتل من اسْتحق الْحَبْس وَالْأَدب وَالْحَد وَلَا تحبس غير من اسْتوْجبَ الْحَبْس انْتهى المُرَاد مِنْهُ مُلَخصا
الْحِكَايَة الثَّانِيَة قيل كَانَ سَبَب موت مَرْوَان بن عبد الْملك أَنه وَقع بَينه وَبَين أَخِيه سُلَيْمَان كَلَام فَحمل عَلَيْهِ سُلَيْمَان فَفتح مَرْوَان فَاه ليجيبه وَإِذا بجانبه عمر بن عبد الْعَزِيز فَأمْسك عَليّ فِيهِ ورد كَلمته وَقَالَ يَا أَبَا عبد الله أَخُوك وإمامك فَقَالَ يَا أَبَا حَفْص قتلتني قَالَ وَمَا صنعت بك قَالَ رَددته فِي جوفي أحر من الْجَمْر ثمَّ مَال لجنبه فَمَاتَ
قلت إِنَّمَا كَانَ سَببا للْمَوْت لِأَن قوى ناره تَنْفِي الرُّطُوبَة الَّتِي بهَا حَيَاة الْقلب فَيَجِيء الْمَوْت قَالَ الْغَزالِيّ كَمَا يقوى النَّار فِي الْكَهْف فَتَنْشَق وتنهد أعاليه على أسافله لَا بطال النَّار مَا فِي جوانبه من الْقُوَّة الجامعة لأجزائه
стр. 431
الْقَاعِدَة الثَّامِنَة
الْعَفو
وَفِيه مسَائِل
الْمَسْأَلَة الأولى عد الطرطوشي هَذَا الْوَصْف لموقعه من خِصَال الْكَمَال قَاعِدَة جمال السُّلْطَان وعمدة رتبته وَجعله الْغَزالِيّ من الْوَظَائِف الَّتِي بالمحافظة عَلَيْهَا يَدُوم اسْتِحْقَاق الْملك والإمامة وَمثل ذَلِك مشهود بِهِ الْغَيْر وَاحِد لظُهُوره فِي تَأَكد الْعِنَايَة فقد قَالَ بعض الْحُكَمَاء حسن الظفر يقبح الإنتقام وَخير مَنَاقِب الْمُلُوك الْعَفو
وَقَالَ لَا شَيْء أقوى للْملك من الْعَفو فَإِن الْملك وثقت مِنْهُ رَعيته بِحسن الْعَفو لم يرجفها الذَّنب وَإِن أعظم وَإِذا خشيت مِنْهُ الْعقُوبَة أرجفها الذَّنب وَإِن صغر ذَلِك إِلَى الْمعْصِيَة
الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة حَقِيقَته إِسْقَاط حق ثَابت مَعَ الْقُدْرَة على الإنتقام قَالَ ابْن الْعَرَبِيّ فَكل من ترك مَا وَجب لَهُ فَهُوَ عاف وَإِذا كثر ذَلِك مِنْهُ فَهُوَ عَفْو على
قَالَ الْغَزالِيّ وَهُوَ غير الْحلم وكظم الغيظ
قلت لِأَنَّهُ ثَمَرَتهَا والأثمار غير المثمر لَا محَالة
الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة من فضيلته الجامعة بَين خير الدُّنْيَا وَالْآخِرَة فَوَائِد
الْفَائِدَة الأولى تحقق الْمَدْح لَهُ من الله مَقْرُونا بالأعلام بمحبة من اتّصف بِهِ لأجل الْإِحْسَان الَّذِي أثنى بِهِ
стр. 432
قلت وعَلى ذَلِك السَّبِيل فالعفو أفضل مِنْهُ وَهِي
الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة كَمَا صرح بِهِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِن عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمثل مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهو خير للصابرين﴾
стр. 433
قَالَ الطرطوشي وَهُوَ نَص لَا يحْتَمل التَّأْوِيل
قلت وَيظْهر ذَلِك مُنْضَمًّا بِاعْتِبَار
الْمقَام الأول بِحَسب مَا يعم السُّلْطَان وَغَيره وَذَلِكَ من وَجْهَيْن
أَحدهمَا أَن الْعَافِي أجره على الله تَعَالَى والمنتصر قد استوفى حَقه قَالَ الله تَعَالَى ﴿فَمن عَفا وَأصْلح فَأَجره على الله﴾ قَالَ ابْن الْعَرَبِيّ قَوْله فَأَجره على الله كلمة لَا يوازيها شَيْء لِأَن الَّذِي للْعَبد عهد الله وَمن الله وَبِاللَّهِ خير لَهُ مِمَّا يَأْخُذهُ بِنَفسِهِ ويفعله بِاخْتِيَارِهِ
الثَّانِي أَن المتخلق بِالْعَفو مقتد بِالنَّبِيِّ ﷺ وسلك على نهج الإنباع لَهُ وَكفى بِهِ أُسْوَة
قَالَت عَائِشَة ﵂ مَا رَأَيْت النَّبِي ﷺ منتصرا من مظْلمَة ظلمها قطّ غير أَنه إِذا أنتهك شَيْء من محارم الله تَعَالَى فَلَا يقوم لغضبه شَيْء ﷺ
الْمقَام الثَّانِي من جِهَة مَا يخص السُّلْطَان من حَيْثُ الْفَائِدَة المحتملة وَذَلِكَ أَيْضا من وَجْهَيْن
أَحدهمَا استخلاص قُلُوب ذَوي الْجِنَايَة لَهُ وإيناس نُفُوسهم من وَحْشَة الْعِصْيَان وَلَا يخفى مَا فِي ذَلِك من السياسة العائدة على الدولة بالنفع الْعَظِيم
قَالَ الْمَأْمُون لَيْسَ على فِي الْحلم مُؤنَة ولوددت أَن أهل الجرائم علمُوا مذهبي فِي الْعَفو فَيذْهب الْخَوْف عَنْهُم فتخلص لي قُلُوبهم
الثَّانِي رفع الهمة بِهِ عَن تعاظم الذُّنُوب وَفِي ذَلِك من تبجيل الْملك وإجلاله مَالا يسع عدم الإنبعاث إِلَيْهِ
стр. 434
قَالَ ﵁ أَنِّي لَا رفع نَفسِي أَن يكون ذَنْب أعظم من عفوي وَجَهل أَكثر من حلمي وعورة لَا يواريها ميزري
الْمَسْأَلَة السَّادِسَة يصير الإنتقام مَطْلُوبا فِي موضِعين
الْموضع الأول حَيْثُ يكون عَجزا ومهانة نفس وَذَلِكَ هُوَ الذل الَّذِي تأنف مِنْهُ ذَوُو الهمم الْعلية وَقد قَالُوا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَالَّذين إِذا أَصَابَهُم الْبَغي هم ينتصرون﴾ كَانُوا يكْرهُونَ أَن يذلوا فَإِذا قدرُوا عفوا فمدحوا على الْعَفو بعد قدرَة لَا على عَفْو بعد ذل ومهانة
قَالَ ابْن قيم الجوزية وَهَذَا هُوَ الْكَمَال الَّذِي مدح الله بِهِ نَفسه فِي قَوْله تَعَالَى وَكَانَ الله عفوا قَدِيرًا وَالله غَفُور رَحِيم
الْموضع الثَّانِي حَيْثُ يَتَرَتَّب على الْعَفو مفْسدَة تربي على مصلحَة شرعا أَو سياسة معتبره وَمن أمثلته عِقَاب من استخف بالسلطان كَمَا يرْوى أَن رجلا جَاءَ إِلَى أبي بكر الصّديق ﵁ فَقَالَ احملني وَالله لانا أَفرس مِنْك وَمن أَبِيك وَعِنْده الْمُغيرَة بن شعة فحسر عَن ذراعه وصك بِهِ أنف الرجل فَسَالَ الدَّم فجَاء قومه إِلَى أبي بكر الصّديق ﵁ ولاموه فَقَالُوا أقدنا من الْمُغيرَة فَقَالَ أَنا أقيدكم من وزعة الله أَنا لَا أقيدكم مِنْهُ قَالَ ابْن قيم الجوزية فَرَأى أَبُو بكر ﵁ أَن ذَلِك انتصار من الْمُغيرَة لله وَلِرَسُولِهِ وللعز الَّذِي وعد الله الْمُؤمنِينَ
الْمَسْأَلَة السَّابِعَة من النَّاس من يعْتَمد فِي الإنتقام على نصْرَة الله تَعَالَى لَهُ
стр. 435
وَيظْهر ذَلِك بِمَا قَرَّرَهُ الشَّيْخ تَاج الدّين رَحمَه الله تَعَالَى قَالَ فِي لطائف المنن من عرف الله تَعَالَى يَأْبَى الإنتصار لنَفسِهِ إِذْ الْعَارِف لَا يشْهد فعلا لغير معروفه وَقد قَالَ تَعَالَى ﴿وَمن يتوكل على الله فَهُوَ حَسبه﴾ وَقَالَ ﴿وَكَانَ حَقًا علينا نصر الْمُؤمنِينَ﴾ قَالَ وَكَانَ ذَلِك لَهُم لأَنهم جَعَلُوهُ تَعَالَى مَكَان همومهم فَدفع عَنْهُم الأغيار وَقَامَ لَهُم بِوُجُوب الإنتصار انْتهى مُلَخصا
الْمَسْأَلَة الثَّامِنَة من الحكم فِي هَذَا الْبَاب مَا قرن شَيْء إِلَى شَيْء أفضل من حلم إِلَى علم وَمن عَفْو إِلَى مقدرَة
أحب الْأَشْيَاء إِلَى الله تَعَالَى أَرْبَعَة الْقَصْد عِنْد الْجدّة وَالْعَفو عِنْد الْمقدرَة والحلم عِنْد الْغَضَب والرفق بعباد الله
لَا سؤدد مَعَ انتقام وَلَا رياسة مَعَ عزازة نفس لَيْسَ الإفراط فِي شَيْء أَجود مِنْهُ فِي الْعَفو وَلَا هُوَ فِي شَيْء أقبح مِنْهُ فِي الْعقُوبَة الْعَفو يفْسد من الخسيس بِقدر مَا يصلح من الرفيع
إِذا عَفا الْملك الْبعيد الهمة أنف من الإعتذار
الْمَسْأَلَة التَّاسِعَة من الْمَنْقُول فِي أَخْبَار ذَوي الْعَفو وخصوصا عِنْد استعطافهم بِمَا يرغبهم فِيهِ حكايتان
стр. 436
الْحِكَايَة الأولى قَالَ الْمُبَارك بن فضَالة وفدت على أبي جَعْفَر الْمَنْصُور فَلبث عِنْده إِذْ أَتَى بِرَجُل فَأمر بقتْله
فَقلت يقتل رجل من الْمُسلمين وَأَنا حَاضر فَقلت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أَلا أحَدثك بِحَدِيث سمعته من الْحسن قَالَ وَمَا هُوَ قَالَ سمعته يَقُول إِذا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة جمع الله النَّاس فِي صَعِيد وَاحِد حَيْثُ يسمعهم الدَّاعِي وَينْفذهُمْ الْبَصَر فَيقوم مُنَاد وَيَقُول من لَهُ عِنْد الله ﵎ يَد فَليقمْ فَلَا يقوم إِلَّا من عَفا فَقَالَ وَالله لسمعته من الْحسن فَقلت لَهُ وَالله لسمعته مِنْهُ فَقَالَ خلوا عَنهُ
الْحِكَايَة الثَّانِيَة قيل أَتَى عبد الْملك بن مَرْوَان بِأسَارَى ابْن الْأَشْعَث الْقَائِم عَلَيْهِ وَقَالَ لرجاء بن حَيْوَة مَا ترى قَالَ أَن الله تَعَالَى قد أَعْطَاك مَا تحب من الظفر بعدوك فأعظ الله مَا يحب من الْعَفو فَعَفَا عَنْهُم
стр. 437
الْقَاعِدَة التَّاسِعَة
الرِّفْق
وفيهَا مسَائِل
الْمَسْأَلَة الأولى قَالَ ابْن الْعَرَبِيّ وَحَقِيقَته محاولة الْأُمُور بِأَقَلّ مِمَّا تحصل بِهِ وَفِي أَكثر من الْمدَّة تكون فِيهِ وَهُوَ التأني
قَالَ الْغَزالِيّ وَهُوَ ثَمَرَة لَا يثمرها إِلَّا حسن الْخلق وَلذَلِك أثنى عَلَيْهِ رَسُول الله ﷺ وَبَالغ فِيهِ
الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة من الْوَارِد فِي هَذِه الْمُبَالغَة أَمْرَانِ
أَحدهمَا محبَّة الله تَعَالَى فِيهِ مَعَ جمال الْأَمر بِهِ وردا وصدرا
فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن عَائِشَة ﵁ قَالَت قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن الله رَفِيق يجب الرِّفْق
وَعَن أنس بن مَالك ﵁ قَالَ مَا كَانَ الرِّفْق فِي شَيْء إِلَّا زانه وَلَا كَانَ الْخرق فِي شَيْء إِلَّا شانه وَإِن الله رَفِيق يحب الرِّفْق رَوَاهُ الْبَزَّاز
الثَّانِي إِعْطَاء الله تَعَالَى بِهِ فِي مَقَاصِد الْأَعْمَال مَالا يُعْطي على غَيره فَعَن جَابر بن عبد الله رَضِي أَن النَّبِي ﷺ قَالَ إِن الله ي يُعْطي على الرِّفْق مَالا يُعْطي على الْخرق وَإِذا أحب الله عبدا أعطَاهُ الرِّفْق وَمَا من أهل بَيت يحرمُونَ الرِّفْق إِلَّا حرمُوا الرزق
стр. 438
الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة قَالَ ابْن الْعَرَبِيّ وَأوجب مَا هُوَ على الْوُلَاة فَإِنَّهُ وَاجِب عَلَيْهِم أَن ينفذوه من غَيرهم
قلت وَيَكْفِي فِي ذَلِك دُعَاء النَّبِي ﷺ أَن أَحْسنُوا بِهِ الملكة وَعَلَيْهِم إِن سَارُوا فِي الرّعية بخلافة فَفِي الصَّحِيح عَن عَائِشَة ﵂ قَالَت سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول اللَّهُمَّ من ولي من أَمر أمتِي شَيْئا فشق عَلَيْهِم فأشفق عَلَيْهِ وَمن ولي من أَمر أمتِي شَيْئا فرفق بهم فأرفق بِهِ قَالَ الْمُنْذِرِيّ وَرَوَاهُ ابْن عوَانَة فِي صَحِيحه وَقَالَ فِيهِ وَمن ولي مِنْهُم شَيْئا فشق عَلَيْهِم فَعَلَيهِ مهلة الله قَالُوا يَا رَسُول الله وَمَا مهلة الله قَالَ لعنة الله
الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة لَا يفهم من مدح الرِّفْق الْأَخْذ بِهِ فِي كل مَوضِع بل حَيْثُ
стр. 439
قَالَ زِيَاد لأَصْحَابه أَتَدْرُونَ مَا الرِّفْق قَالُوا قل يَا أَبَا مُحَمَّد قَالَ أَن تضع الْأُمُور موَاضعهَا الشدَّة فِي موضعهَا واللين فِي مَوْضِعه وَالسيف فِي مَوْضِعه وَالسَّوْط فِي مَوْضِعه
قَالَ الْغَزالِيّ وَهَذَا إِشَارَة إِلَى أَنه لَا بُد من مزج الغلظة باللين والفظاظة بالرفق كَمَا قيل
(وَوضع الندى فِي مَوضِع السَّيْف بالعلى ... مُضر كوضع السَّيْف فِي مَوضِع الندى) الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة الْمعرفَة بِوَضْع الْأُمُور موَاضعهَا يحْتَاج إِلَى فضل تَمْيِيز وَمن ثمَّ قَالَ الْغَزالِيّ الْكَامِل من يُمَيّز مواقع الرِّفْق عَن مواقع العنف فَإِن كَانَ قَاصِر البصيرة أَو أشكل عَلَيْهِ حكم وَاقعَة فَلْيَكُن ميله إِلَى الرِّفْق فَإِن النجع مَعَه فِي الْأَكْثَر
قلت وَقد قَالُوا التَّقْصِير مَذْمُوم فِي الْعَفو مَحْمُود فِي الْعقُوبَة فِي قَضِيَّة وَاحِدَة
الْمَسْأَلَة السَّادِسَة من الْكَلِمَات الْحكمِيَّة فِي هَذَا الْوَصْف أدْرك وَبلغ مَا أحسن الْإِيمَان يُوفيه الْعلم وَمَا أحسن الْعلم يُوفيه الْعَمَل وَأحسن الْعَمَل يُوفيه الرِّفْق
стр. 440
الْمَسْأَلَة السَّابِعَة من الْمَنْقُول فِي أَخْبَار الْأَخْذ فِي الرِّفْق حكايتان
الْحِكَايَة الأولى رُوِيَ أَن عَمْرو بن الْعَاصِ ﵁ كتب إِلَى مُعَاوِيَة ﵁ يعاتبه فِي التأني فَكتب إِلَيْهِ مُعَاوِيَة أما بعد فَإِن التأني فِي الْخَبَر زِيَادَة رشد وَإِن الرشيد من رشد عَن العجلة وَإِن الخائب من خَابَ عَن الأناة وَإِن المتأني مُصِيب أَو كَاد أَن يكون مصيبا وَإِن الْعجل مخطيء أَو كَاد أَن يكون مخطئا وَأَن من لَا يَنْفَعهُ الرِّفْق يضرّهُ الْخرق وَمن لَا تَنْفَعهُ التجارب لَا يدْرك الْمَعَالِي
الْحِكَايَة الثَّانِيَة قَالَ ابْن رضوَان من الإفراط فِي الرِّفْق وإعانة الضَّعِيف
الْحِكَايَة الْمَشْهُورَة عَن المعتصم وَهِي أَنه عبر من سر من رأى إِلَى الْجَانِب الغربي فِي يَوْم مطير قد تبع لَيْلَة مطيرة وَانْفَرَدَ من أَصْحَابه وَإِذا حمَار قد زلق وَرمى مَا عَلَيْهِ من الشوك الَّذِي يُوقد بِهِ التنانير فِي الْعرَاق وَصَاحبه شيخ كَبِير ضَعِيف وَاقِف ينظر إنْسَانا يمر بِهِ فيعينه على حَملَة فَوقف عَلَيْهِ وَقَالَ مَالك يَا شيخ قَالَ فديتك وَقع حماري وَعَلِيهِ هَذَا الْحمل وَبقيت أنْتَظر إنْسَانا فيعينني على حمله فَنزل وَذهب ليخرج الْحمار من الطين فَقَالَ الشَّيْخ جعلت فدَاك تفْسد ثِيَابك هَذِه وطيبك هَذَا الَّذِي أشمه عَلَيْك من أجل حماري قَالَ لَا عَلَيْك فَنزل المعتصم وجذب الْحمار بيد وَاحِدَة فَأخْرجهُ عَن الطين وَرفع عَلَيْهِ حمله وَحده فبهت الشَّيْخ وَجعل ينظر إِلَيْهِ ويعجب مِنْهُ وَقد ترك الإشتغال بحماره ثمَّ شدّ المعتصم بعنان فرسه فَقَالَ الشَّيْخ رَضِي الله عَنْك وَقَالَ بالنبطية مَا مَعْنَاهُ فديتك يَا شَاب وَأَقْبَلت الْخُيُول فَقَالَ لبَعض وزرائه أعْط هَذَا الشَّيْخ أَرْبَعَة آلَاف دِرْهَم وَكن مَعَه حَتَّى يبلغ قريته
стр. 441
الْقَاعِدَة الْعَاشِرَة
اللين
وَفِيه مسَائِل
الْمَسْأَلَة الأولى هُوَ فِي معنى الرِّفْق وَمن ثَمَرَات حسن الْخلق وَمن الْوَارِد فِيهِ أَمْرَانِ
أَحدهمَا تَحْرِيم المتخلق بِهِ عَن النَّار فَعَن ابْن مَسْعُود ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِلَّا أخْبركُم بِمن يحرم على النَّار أَو بِمن تحرم عَلَيْهِ النَّار تحرم على كل هَين لين سهل رَوَاهُ الترميذي
الثَّانِي تنزله من الْمُؤمن منزلَة الْأَخ الْمعِين فِي الْخَيْر فَفِي الْخَبَر الْعلم خَلِيل الْمُؤمن والحلم وزيره وَالْعقل دَلِيله والرفق وَالِده واللين أَخُوهُ وَالصَّبْر جنده
الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة جعل الطرطوشي هَذَا الْوَصْف من الْخِصَال الَّتِي بهَا نظام الْملك والدول وَمِمَّا يشْهد بذلك أَمْرَانِ
أَحدهمَا دلَالَته على الصلاحية بِهِ لإستحقاق الْملك فقد كَانَ عمر ﵁ يَقُول أَن هَذَا الْأَمر لَا يصلح لَهُ الإ اللين فِي غير ضعف والقوى من غير عنف
الثَّانِي مَا يُشِير إِلَيْهِ قَوْله تَعَالَى ﴿فبمَا رَحْمَة من الله لنت لَهُم وَلَو كنت فظا غليظ الْقلب لانفضوا من حولك﴾ أَي من الفظاظة بَين الْأَصْحَاب والجلساء
قَالَ الطرطوشي وَالْملك إِنَّمَا هُوَ بجلسائه وَأَصْحَابه لاغير
стр. 442
الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة دوَام الْأَخْذ بِهِ مَتْرُوك لرجحان مصلحَة الْآخِذ بِمُقَابلَة وَهُوَ الفظاظة والشدة فقد قَالَ تَعَالَى للنَّبِي ﷺ وَهُوَ صَاحب الْخلق الْعَظِيم يَا أَيهَا النَّبِي جَاهد الْكفَّار وَالْمُنَافِقِينَ وَأَغْلظ عَلَيْهِم ومستحق للغلظة دونهم فِي الدُّنْيَا جَار مجراهم
وَمن ثمَّ قَالَ السفاح لأعملن اللين حَتَّى لَا ينفع إِلَّا الشدَّة ولأكرمن الْخَاصَّة مَا أمنتهم على الْعَامَّة ولأغمدن سَيفي حَتَّى يَسلهُ الْحق ولأعطين حَتَّى لَا أرى للعطية موضعا
وَفِيه مسَائِل
الْمَسْأَلَة الأولى من فَوَائِد الْمُطَالبَة بِهِ على الْإِطْلَاق أَمْرَانِ
أَحدهمَا محبَّة الله تَعَالَى للمتخلق بالتثبت وَمَا فِي مَعْنَاهُ وَهُوَ التأني فَقدم تقدم قَوْله ﷺ للأشبح أَن فِيك خَصْلَتَيْنِ يحبهما الله وَرَسُوله الْحلم والأناة
الثَّانِي إِضَافَة التأني إِلَى الله تَعَالَى وَمُقَابِله وَهُوَ العجلة إِلَى الشَّيْطَان فَعَن أنس بن مَالك ﵁ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ التأني من الله والعجلة من الشَّيْطَان
الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة قَالَ ابْن المقفع كل النَّاس يَحْتَاجُونَ إِلَى التثبت وأحوجهم إِلَيْهِ مُلُوكهمْ الَّذين لَيْسَ لقَولهم وفعلهم دَافع وَلَيْسَ عَلَيْهِم مستحث من النَّاس وَفِي وَصِيَّة بعض الْحُكَمَاء للإسكندر وَقد أَرَادَ سفرأ وَاجعَل وزيرك التثبت وسميرك التيقظ
الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة يتَأَكَّد هَذَا التثبت فِي مَوَاضِع أَحدهمَا عِنْد نقل مَا يُوجب الْمُؤَاخَذَة بِتَقْدِير صِحَّته مُخَالفَة النَّدَم على التَّعْجِيل بهَا إِذا تبين بُطْلَانه كَمَا يدل عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِن جَاءَكُم فَاسق بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تصيبوا قوما بِجَهَالَة فتصبحوا على مَا فَعلْتُمْ نادمين﴾ الثَّانِي وَالثَّالِث عِنْد الْعَطاء وَالْمَنْع
стр. 443
قَالَ ابْن المقفع لَا يدعن السُّلْطَان التثبت عِنْدَمَا يُعْطي وَيمْنَع فَإِن الرُّجُوع عَن الصمت أحسن من الرُّجُوع بعد الْكَلَام وَإِن الْعَطِيَّة بعد الْمَنْع أفضل من الْمَنْع بعد الْعَطِيَّة وَأَن الْإِقْدَام على الْعَمَل بعد التأني فِيهِ أحسن من الْإِمْسَاك عَنهُ بعد الْإِقْدَام عَلَيْهِ
الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة من الْكَلِمَات الْحكمِيَّة فِي هَذَا الْوَصْف
رَأس الْعقل التثبت وقائده الْحلم
بالأناة تنَال الفرصة
من لَازم الأناة أحرز النجَاة
أَنَاة عواقبها دَرك خير من عجلة فِي عواقبها فَوت بالفكر الثاقب يدْرك الرَّأْي فِي العواقب وبالتالي تسهل المطالب
الثَّانِي فِي الْأُمُور أول الحزم
الأناة حصن السَّلامَة والعجلة مِفْتَاح الندامة
الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة من الحكايات فِي عدم التثبت عِنْد نقل الْبَاطِل مَا ذكر ابْن الْجَوْزِيّ أَن غلامين كَانَا لبَعض الْمُلُوك فَمضى أَحدهمَا إِلَى الْوَزير يطْلب مِنْهُ شَيْئا فَلم يُعْطه فَقَالَ لِأَخِيهِ لأزيلن الْوَزير عَن غرَّة فَقَالَ لَهُ أَخُوهُ وَمن أَيْن لَك يَا أخي أَن تقدر على هَذَا قَالَ
стр. 444
سترى فَلَمَّا جَاءَ اللَّيْل جلسا عِنْد الْملك فَلَمَّا قرب النّوم قَالَ لَهُ يَا أخي علمت أَنِّي قد رَأَيْت البارحة الْوَزير خَارِجا من عِنْد الْملك دَاخِلا إِلَى دَار النِّسَاء فلحقته فَقلت لله إِلَى أَيْن قَالَ غَلطت فَلم أدر أَيْن أَخذ فَعلمت أَنه لم يسْلك تِلْكَ الطَّرِيق إِلَّا وَقد اعْتَادَ ذَلِك فَلَمَّا أصبح الْملك قبض على وزيره فاستأصله فَمر بِهِ الوصيف يَوْمًا فَقَالَ لَهُ يَا فلَان إِنَّمَا كَانَ خيرا أَن تُعْطِينِي مَا طلبت أَو هَذِه الْحَالة قَالَ وَإنَّك لصاحبي قَالَ نعم قَالَ الله حسيبك قَالَ فَمَا تَقول تُعْطِينِي مَا طلبت أعيدك إِلَى مَنْزِلك قَالَ نعم ثمَّ انْصَرف إِلَى أَخِيه الْمَمْلُوك فحدثه فَقَالَ كَيفَ لَك أَن تصلح مَا أفسدت قَالَ دَعْنِي وَالْأَمر فَلَمَّا كَانَ اللَّيْل وقارب الْملك النّوم قَالَ الوصيف لِأَخِيهِ وددت أَنِّي لَو كُنَّا لرجل من السوقة قَالَ وَلم قَالَ أَن السوقة إِذا غضب عَلَيْهَا وجدت من ينصفها ويشفع إِلَيْهِم وَالْملك إِذا سخط لَيْسَ إِلَّا الْغَضَب قَالَ وَمَا ذَاك قَالَ الْوَزير قد علمت نصحه للسُّلْطَان ومصلحته وَمَا آل إِلَيْهِ أمره وَلم أعرف لحاله سَببا فَاسْتَوَى الْملك جَالِسا وَقَالَ وَيحك أَلَسْت أَنْت سَببه قَالَ وَكَيف قَالَ أَلَسْت حدثت أَنه دخل إِلَى دَار النِّسَاء قَالَ أَيهَا الْملك وَإِنَّمَا هَذَا لذاك قَالَ نعم إِنَّمَا كَانَ ذَلِك فِي الْمَنَام فندم الْملك على مَا صنع فَلَمَّا أصبح أَعَادَهُ إِلَى مَكَانَهُ
الْقَاعِدَة الثَّانِيَة عشرَة
الْوَفَاء بالوعد
وَفِيه طرفان
الطّرف الأول فِي الْوَفَاء بالوعد وَفِيه مسَائِل
الْمَسْأَلَة الأولى الْآيَات المتضمنة لِلْأَمْرِ بهَا كَثِيرَة
قَالَ النَّوَوِيّ وَمن أَشدّهَا قَوْله تَعَالَى يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لم تَقولُونَ مَالا تَفْعَلُونَ كبر مقتا عِنْد الله أَن تَقولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ قَالَ وَفِي
стр. 445
الصَّحِيحَيْنِ عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ آيَة المناطق ثَلَاث إِذا حدث كذب وَإِذا وعد أخلف وَإِذا أؤتمن خَان ذاد فِي رِوَايَة مُسلم وَإِن صلى وَصَامَ زعم أَنه مُسلم
الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة مِمَّا يدل على فَضله أَمْرَانِ
أَحدهمَا ثَنَاء الله تَعَالَى بِهِ على نبيه اسماعيل ﵇ بقوله أَنه كَانَ صَادِق الْوَعْد وَكَانَ رَسُولا نَبيا قيل أَنه واعده إِنْسَان فِي مَوضِع فَلم يرجع إِلَيْهِ فبقى إثنين وَعشْرين يَوْمًا فِي انْتِظَاره
الثَّانِي ضَمَان الْجنَّة بِهِ فِي جملَة خِصَال سِتّ فَعَن عبَادَة بن الصَّامِت ﵁ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ اضمنوا لي سِتا أضمن لكم الْجنَّة اصدقوا إِذا حدثتم وأوفوا إِذا وعدتم وأدوا إِذا ائتمنتم واحفظوا فروجكم وغضوا أبصاركم وَكفوا أَيْدِيكُم رَوَاهُ الْحَاكِم
الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة قَالَ النوري أجمع الْعلمَاء أَن من وعد بِمَا لَا يُنْهِي عَنهُ فَيَنْبَغِي أَن يُوفي بوعده وجوبا عِنْد عمر بن عبد الْعَزِيز وَجَمَاعَة واستحبابا عِنْد الشَّافِعِي وَأبي حنيفَة وَالْجُمْهُور قَالَ من تَركه فَاتَهُ الْفضل وارتكب كَرَاهَة شَدِيدَة وَلكنه لَا يَأْثَم
قَالَ ابْن الْعَرَبِيّ وَعند الملكية إِن ارْتبط بِسَبَب كَقَوْلِه تزوج وَلَك كَذَا وَجب وَإِلَّا فَلَا
الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة تَنْزِيه مقَام السُّلْطَان عَن إخلاف الْوَعْد من أوجب مَا يُطَالب بِهِ فَفِي سياسة أرسطو لَا تقل فِيمَا قلت فِيهِ لَا نعم وَلَا نعم فِيمَا قلت فِيهِ لَا إِلَّا أَن يُؤَدِّي إِلَى خلل سياسة ضَرُورِيَّة
стр. 446
قلت وَمِمَّا يُؤَكد ذَلِك زَائِدا على مَا تقدم أَمْرَانِ
أَحدهمَا أَن إخلاف الْوَعْد فِيهِ محذوران إخفاق الْوَعْد وَتَكْذيب الْولَايَة على الْمَوْعُود بِهِ وَهُوَ معنى قَوْلهم الْوَعْد سَحَاب الإنجاز مطره
الثَّانِي أَن الْوَعْد بداية بِإِحْسَان وكماله الْوَفَاء كَمَا قيل حقيق على من أَوْرَق بوعد أَن يُثمر بإنجاز الْوَعْد
كَمَا قيل
(إِذا قلت فِي شَيْء نعم فأتمه ... فَإِن نعم دين على الْحر وَاجِب)
الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة مِمَّا تقل عَن السّلف الْكَرِيم فِي إنجاز الْوَعْد خبران
الْخَبَر الأول يرْوى أَنه لما ولي أَبُو بكر الصّديق ﵁ جَاءَهُ المَال من الْعمَّال فصحبه فِي الْمَسْجِد ثمَّ أَمر مناديا يُنَادي من كَانَ لَهُ عِنْد رَسُول الله ﷺ عَلَيْهِ وَسلم دين أَو عدَّة فليحضر قَالَ أَبُو أَيُّوب الْأنْصَارِيّ ﵁ يَا خَليفَة رَسُول الله ﷺ إِن النَّبِي ﷺ قَالَ لي لَو جَاءَنِي مَال أَعطيتك هَكَذَا وَهَكَذَا وَأَشَارَ بكفيه فَسكت فَانْصَرَفت ثمَّ عاودت فَقلت إِمَّا أَن تُعْطِينِي وَإِمَّا أَن تبخل عني فَقَالَ مَا أبخل عَنْك اذْهَبْ فَخذ فَذَهَبت فَأخذت حفْنَة فَقَالَ عدهَا فعددتها فَوجدت فِيهَا خَمْسمِائَة دِينَار قَالَ عد مثلهَا فَانْصَرَفت بِأَلف وَخَمْسمِائة دِينَار
قَالَ الطرطوشي وَأَبُو أَيُّوب من أَغْنِيَاء الصَّحَابَة وَهُوَ من أَصْحَاب النَّبِي ﷺ
الْخَبَر الثَّانِي يرْوى أَن عمر ﵁ قَالَ لجرير بن عبد الله
стр. 447
البَجلِيّ ﵁ وَالنَّاس يحاصرون الْعرَاق من قبل الْأَعَاجِم سر إِلَى قَوْمك فَمَا غلبت عَلَيْهِ فلك ربعه فَلَمَّا جمعت غَنَائِم جَلُولَاء ادّعى جرير أَن لَهُ ربع ذَلِك كُله فَكتب سعد إِلَى عمر ﵄ فَكتب عمر صدق جرير قد قلت ذَلِك لَهُ فَإِن شَاءَ أَن يَقُول قَاتل هُوَ وَقَومه على جعل فَأَعْطوهُ جعله وَإِن يكن إِنَّمَا قَاتل لله وَدينه وحسبه فَهُوَ رجل من الْمُسلمين لَهُ مَا لَهُم وَعَلِيهِ مَا عَلَيْهِم فَلَمَّا قدم الْكتاب على سعد أخبر بذلك جَرِيرًا فَقَالَ صدق أَمِير الْمُؤمنِينَ لَا حَاجَة لي بِهِ بل أَنا رجل من الْمُسلمين
الطّرف الثَّانِي فِي الْوَفَاء بالعهد وَفِيه مسَائِل
الْمَسْأَلَة الأولى قَالَ ابْن الْعَرَبِيّ مَا حَاصله هُوَ إِكْمَال مَا هُوَ مَطْلُوب قَالَ تَعَالَى وأفوا بعهدي أوف بعهدكم وَقَالَ ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا أَوْفوا بِالْعُقُودِ﴾ والعهد الْإِعْلَام بالشَّيْء وَالْعقد ربطه وتوثقه وَالله تَعَالَى قد أعلم الْخلق بِمَا شرع وربطهم إِلَى أَمر بِهِ وجوابا أَو ندبا أَو نهي عَنهُ تَحْرِيمًا أَو كَرَاهَة
الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة قَالَ وَيلْزم الْوَفَاء بِعَهْد الْآدَمِيّ لما فِي الْوَفَاء بِهِ من الْوَفَاء بِعَهْد الله من جِهَة أمره بحفظه وَالْوَفَاء لَهُ حَتَّى لَو كَانَ لكَافِر لقَوْله تَعَالَى فَأتمُّوا لَهُم عَهدهم إِلَى مدتهم إِن الله يحب الْمُتَّقِينَ
стр. 448
الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة قَالَ والعهد بِالْفِعْلِ كالقول كالتفات الْمُحدث هُوَ عهد بِالْكِتْمَانِ
قلت لقَوْله ﷺ إِذا حدث رجل رجلا بِحَدِيث ثمَّ الْتفت فَهُوَ أَمَانَة رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ عَن جَابر ﵁ قَالَ وَقد يكون مَا عَلَيْهِ فَمَا يضرّهُ إِظْهَاره فعهده عَلَيْهِ أَن يستره وَفِيه ورد لَا يُؤمن أحدكُم حَتَّى يَأْمَن جَاره بوائقه
قَالَ إِلَّا أَن بتوجه فِي ذَلِك عَلَيْهِ فتلزم الشَّهَادَة بِهِ
قلت لقَوْله ﷺ الْمجَالِس بالأمانات إِلَّا ثَلَاثَة سفك دم حرَام أَو فرج حرَام أَو اقتطاع مَال بِغَيْر حق رَوَاهُ أَبُو دَاوُود عَن جَابر ﵁
الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة السُّلْطَان أَحَق النَّاس برعاية هَذَا الْوَفَاء وترفع منصبه عَن رذيلة مَا يخل بِهِ خُصُوصا حَيْثُ يقْتَرن الْعَهْد بِالْإِيمَان
فَفِي سياسة أرسطو تحفظ من نقض أيمانك فَإِنَّهَا شُعْبَة قَوِيَّة من ديانتك مَا دعَاك إِلَى الْحلف لَا تستعمله إِلَّا لَو حجزت بالمواسى لم تنكثه أبدا فوَاللَّه مَا خربَتْ مملكة ايتاخ وَذكر غَيره إِلَّا أَنهم استعملوا أَيْمَانهم فِي دنياهم وَدينهمْ
الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة من الْكَلِمَات الْحكمِيَّة المتضمنة لهَذَا الْوَصْف إِذا أَنْت قُمْت بعهود الله تشرعا وإيمانا ورعيت عهود النَّاس مبرة وإحسانا فقد أحرزت من النَّاس حمدا وَمن الله غفرانا عَلامَة الْإِيمَان حسن الْخَلَائق وإنتاج الْحَقَائِق وبذل الْمرَافِق وَحفظ العهود والمواثق وَالتَّسْلِيم للقدر السَّابِق وعلامة النِّفَاق نقض العهود وَخلف الوعود وَمنع الرفد وَالْكذب فِي الْهزْل وَالْجد
стр. 449
من لَقِي الله بِلِسَان صَادِق وعامل النَّاس بِحسن الْخَلَائق وألزم نَفسه رعي العهود والمواثق فقد أرْضى الْمَخْلُوق والخالق وَأدْركَ بِهِ الْفضل كل سَابق
الْمَسْأَلَة السَّادِسَة من غَرِيب الْمَنْقُول فِي حفظ الْعَهْد حكايتان
الْحِكَايَة الأولى يرْوى عَن بعض الْمُلُوك أَنه كَانَ لَهُ يَوْم بؤس إِذا خرج فِيهِ وَلَقي أحدا على صفة يكرهها حَبسه أَيَّامًا ثمَّ يَأْمر بِضَرْب عُنُقه فَخرج يَوْمًا فلقي رجلا لم يكن لَهُ علم بِشَأْنِهِ على الصّفة الَّتِي كَانَ ينكرها فَأمر بحبسه وَأعلم الرجل بِالْأَمر فَحَمدَ الله وَسلم لَهُ قدره فَلَمَّا قرب الْأَمر كتب الْملك يرغب فِي تخلية سَبيله ليودع أَهله ويوصي فِي مَاله فَأحْضرهُ وَقَالَ لَهُ هَذَا أَمر لَا يكون إِلَّا بضامن من آخذه بِمَا أطلبك بِهِ فَنظر الرجل بالحاضرين يَمِينا وَشمَالًا يَده إِلَى رجل فِي الْمجْلس وَقَالَ هَذَا يضمنني فَقَالَ لَهُ الْملك أتضمنه وَقد عرفت مَا يُرَاد بِهِ فَقَالَ نعم فَقَامَ بحبسه مَكَانَهُ ونهض الْمَضْمُون إِلَى بَلَده فأوصى فِي مَاله وودع أَهله وَانْصَرف وَقد وَافق يَوْم تَمام الْمدَّة فَلَمَّا اسْتَأْذن على الْملك أَمر بإحضارهما مَعًا وَقَالَ للضامن مَا حملك على ضَمَانه والمخاطرة على نَفسك فِي شَأْنه وَلَو تَأَخّر سَاعَة لقتلتك مَكَانَهُ
قَالَ لَهُ أَيهَا الْملك مَا رَأَيْت وَقد وثق بِي أَن أخلف ظَنّه فِي فراجع الْمَضْمُون وَقَالَ لَهُ مَا حملك على الرُّجُوع وَأَنت قَادر على تخلصك وَقد علمت مَا يُرَاد بك قَالَ لم يكن يجمل فِي أَن أرَاهُ مَكَان الثِّقَة فيراني مَكَان الْغدر فَعجب الْملك من وفائهما جَمِيعًا وَعَفا عَنْهُمَا وَرفع ذَلِك الْيَوْم وَلم يَقْصِدهُ بعد
الْحِكَايَة الثَّانِيَة ذكر ابْن الْجَوْزِيّ فِي سلوة الأحزان أَنه لما أفضت الْخلَافَة إِلَى أبي الْعَبَّاس السفاح اختفى من بني أُميَّة إِبْرَاهِيم ابْن سُلَيْمَان ابْن عبد الْملك حَتَّى أَخذ لَهُ على بن دَاوُود أَمَانًا من أبي الْعَبَّاس السفاح
فَقَالَ لَهُ أَبُو الْعَبَّاس يَوْمًا أَخْبرنِي عَمَّا مر بك فِي اختفائك فَقَالَ كنت
стр. 450
يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ مختفيا فِي الْحيرَة فِي منزل شَارِع فِي الصَّحرَاء فَبَيْنَمَا أَنا ذَات يَوْم على ظهر بَيْتِي إِذْ نظرت إِلَى أَعْلَام سود خرجت من الْكُوفَة يردن الْحيرَة فَوَقع فِي قلبِي أَنَّهَا تريدني فَخرجت من الدَّار متنكرا حَتَّى دخلت الْكُوفَة وَلَا أعرف بهَا أحدا أختفي عِنْده فَدخلت مرتادا فَإِذا أَنا بِبَاب كَبِير ورحبة وَاسِعَة فَدخلت الرحبة فَجَلَست فِيهَا فَإِذا أَنا بِرَجُل وسيم حسن الْهَيْئَة على فرس فَدخل الرحبة وَمَعَهُ جمَاعَة من أَصْحَابه وَأَتْبَاعه فَقَالَ لي من أَنْت وَمَا حَاجَتك فَقلت رجل خَائِف على دَمه مستجير بمنزلك قَالَ فَأَدْخلنِي منزله ثمَّ صيرني فِي حجرَة تلِي حرمه فَمَكثت عِنْده حولا فِي كل مَا أُرِيد وَأحب من مطعم ومشرب وملبس لَا يسألني شَيْئا من حَالي ويركب كل يَوْم وَلَيْلَة فَقلت لَهُ يَوْمًا أَرَاك تدمن الرّكُوب فَفِيمَ ذَلِك فَقَالَ إِن إِبْرَاهِيم بن سُلَيْمَان قتل أبي صبرا وَقد بَلغنِي أَنه مختف فَأَنا أطلبه لأدرك ثَأْرِي فَكثر تعجبي إِذْ ساقني الْقدر إِلَى الاختفاء فِي منزل من يطْلب دمي فَكرِهت الْحَيَاة فَسَأَلت الرجل عَن اسْمه وَاسم أَبِيه فَأَخْبرنِي بهما فَعلمت أَنِّي قتلت أَبَاهُ فَقلت يَا هَذَا قد وَجب حَقك عَليّ وَمن حَقك أَن أقرب عَلَيْك الخطوة وَقَالَ مَا ذَلِك قلت أَنا إِبْرَاهِيم بن سُلَيْمَان قَاتل أَبِيك فَخذ بثأرك فَقَالَ لَعَلَّك رجل مضاه الاختفاء فَأحب الْمَوْت قلت بل الْحق مَا قلت لَك أَنا قتلت أَبَاك فِي يَوْم كَذَا بِسَبَب كَذَا فَلَمَّا عرف أَنِّي صَادِق إلابد وَجهه واحمرت عَيناهُ وأطرق مَلِيًّا ثمَّ قَالَ أما أَنْت فستلقى أبي فَيَأْخُذ بِحقِّهِ مِنْك وَأما أَنا فَغير مخفر ذِمَّتِي فَاخْرُج عني فلست آمن نَفسِي عَلَيْك وَأَعْطَانِي ألف دِينَار فَلم أقبلها وَخرجت من عِنْده فَهُوَ أكْرم رجل رَأَيْت
стр. 451
الْقَاعِدَة الثَّالِثَة عشرَة
الصدْق وضده وَهُوَ الْكَذِب
وَذَلِكَ فِيهِ مسَائِل
الْمَسْأَلَة الأولى قَالَ النَّوَوِيّ هُوَ من قبائح الذُّنُوب وفواحش الْعُيُوب وَإِجْمَاع الْأمة مُنْعَقد على تَحْرِيمه مَعَ النُّصُوص الْوَارِدَة فِيهِ كتابا وَسنة
قلت والوارد من ذَلِك وعيدان
الْوَعيد الأول شقّ شدقيه من لدن مماته إِلَى يَوْم الْقِيَامَة
فَفِي الصَّحِيح عَن سَمُرَة بن جُنْدُب ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ رَأَيْت اللَّيْلَة رجلَيْنِ أتياني قَالَا لي الَّذِي رَأَيْته يشق شدقيه فكذاب يكذب الكذبة فَتحمل عَنهُ حَتَّى تبلغ الْآفَاق فيصنع بِهِ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة
الْوَعيد الثَّانِي ترديد الويل عَلَيْهِ دلَالَة على قبح جِنَايَته فَعَن أبن عبد الْحَكِيم عَن أَبِيه عَن جده قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول ويل للَّذي يحدث الحَدِيث ليضحك بِهِ الْقَوْم فيكذب ويل لَهُ ويل لَهُ رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ
الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة وَفِيه يحْسب السُّلْطَان وعيدان
الْوَعيد الأول إِعْرَاض الله تَعَالَى عَنهُ مَعَ مَاله من أَلِيم الْعَذَاب فَفِي الصَّحِيح عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ ثَلَاثَة لَا يكلمهم الله يَوْم الْقِيَامَة وَلَا ينظر طالبهم وَلَا يزكيهم وَلَهُم عَذَاب أَلِيم شيخ زَان وَملك كَذَّاب وعائل مستكبر
стр. 452
الْوَعيد الثَّانِي مَنعه من دُخُوله الْجنَّة فَعَن سلمَان ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ ثَلَاثَة لَا يدْخلُونَ الْجنَّة الشَّيْخ الزَّانِي وَإِمَام الْكَاذِب والعائل المزهو رَوَاهُ الْبَزَّاز والعائل الْفَقِير هُوَ الْفَقِير المزهو المتكبر بِنَفسِهِ
تَوْجِيه قَالَ ابْن الْعَرَبِيّ الإِمَام الْكذَّاب شَرّ الْخلق عِنْد الله تَعَالَى لِأَن الْكذَّاب إِنَّمَا يكذب حِيلَة لما يعجز عَنهُ وَلَيْسَ فَوق الإِمَام يَد وَلَا دونه شَيْء مِمَّا يعْتَاد دركه فَإِذا صادره بِالْكَذِبِ نزل عَن الْكَرَامَة إِلَى الخسة وَعَن الطَّاقَة إِلَى الْمعْصِيَة
الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة كَمَا غلظ وَعِيد كذب السُّلْطَان فَكَذَا تَصْدِيقه فَعَن جَابر بن عبد الله ﵁ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ لكعب بن عجْرَة أَعَاذَك الله من إِمَارَة السُّفَهَاء فَقَالُوا مَا إِمَارَة السُّفَهَاء قَالَ أُمَرَاء يكونُونَ من بعدِي لَا يَهْتَدُونَ بهديي وَلَا يستنون بِسنتي فَمن صدقهم فِي كذبهمْ وَأَعَانَهُمْ على ظلمهم فألئك لَيْسُوا مني وَلست مِنْهُم وَلَا يردون على حَوْضِي وَمن لم يُصدقهُمْ وَلم يُعِنْهُمْ على ظلمهم فألئك مني وَأَنا مِنْهُم وَسَيَرِدُ عَليّ حَوْضِي الحَدِيث
رَوَاهُ الإِمَام أَحْمد اللَّفْظ لَهُ ولغير وَاحِد قَالَ ابْن الْعَرَبِيّ وَهُوَ صَحِيح
الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة من شؤمه على الْجُمْلَة آفتان
الآفة الأولى هدايته إِلَى الْفُجُور الْمُؤَدِّي إِلَى النَّار فَفِي الصَّحِيح عَن ابْن مَسْعُود ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ عَلَيْكُم بِالصّدقِ فَإِن الصدْق يهدي إِلَى الْبر وَالْبر يهدي إِلَى الْجنَّة وَلَا يزَال الرجل يصدق ويتحرى الصدْق حَتَّى يكْتب عِنْد الله صديقا وَإِيَّاكُم وَالْكذب فَإِن الْكَذِب يهدي إِلَى الْفُجُور وَأَن الْفُجُور يهدي إِلَى النَّار وَمَا يزَال العَبْد يكذب ويتحرى الْكَذِب حَتَّى يكْتب عِنْد الله كذابا
стр. 453
الآفة الثَّانِيَة اسوداد الْقلب فَفِي الْمُوَطَّأ أَن ابْن مَسْعُود ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لَا يزَال العَبْد يكذب ويتحرى الْكَذِب فينكت فِي قلبه نُكْتَة سَوْدَاء حَتَّى يسود قلبه فَيكْتب عِنْد الله من الْكَاذِبين
الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة من مفاسده بِاعْتِبَار السُّلْطَان محذورا أَن
الْمَحْذُور الأول إفضاؤه بِعَدَمِ الوثوق بوعد السُّلْطَان ووعيده وَقد قَالَ الْحُكَمَاء خراب الْبِلَاد وَفَسَاد الْعباد مقرون بأبطال الْوَعْد والوعيد من الْمُلُوك
الْمَحْذُور الثَّانِي إنذاره بِمَا يعود بخراب الدولة فَفِي الأفلاطونيات كذب الْملك وغدره من أكبر الْأَدِلَّة على حَادث فِي مَمْلَكَته يحدث وشباب فِي نظمها لِأَنَّهَا مثل تَخْلِيط العليل فِي الْعلَّة الَّتِي لَا يكون إِلَّا عَن قُوَّة من الْمَرَض وَشدَّة قهر للبدن
الْمَسْأَلَة السَّادِسَة ثَبت فِي الصَّحِيح جَوَاز الْكَذِب للْمصْلحَة فِي ثَلَاث
الْحَرْب والإصلاح بَين النَّاس وَحَدِيث الرجل امْرَأَته وَالْمَرْأَة زَوجهَا
قَالَ الْغَزالِيّ وَفِي مَعْنَاهَا مَا ارْتبط بِهِ غَرَض صَحِيح لَهُ أَو لغيره
قَالَ النَّوَوِيّ ضابطا لذَلِك الْكَلَام وَسِيلَة إِلَى الْمَقَاصِد والمحمود مِنْهَا أَن أمكن التَّوَصُّل إِلَيْهِ بِالصّدقِ وَالْكذب مَعًا حرم فِيهِ الْكَذِب وَإِن لم يكن إِلَّا بِالْكَذِبِ فَهُوَ فِي حكم الْمَقْصُود جَوَازًا ووجوبا نعم يَنْبَغِي الِاحْتِرَاز مِنْهُ مَا أمكن خشيَة التجاوز بِهِ عَن حد الضَّرُورَة انْتهى مُلَخصا
الْمَسْأَلَة السَّابِعَة مِمَّا هُوَ فِي معنى الْمَوَاضِع الْجَائِز فِي حق السُّلْطَان فِيهَا الْكَذِب لما يعرض مِنْهُ للسُّلْطَان فِي استمالة العصاة إِلَى أَن قَالَ مَا نَصه أَن احْتَاجَ الْملك إِلَى الذب فِي مداهنة بعض
стр. 454
المفسدين لم يلْحقهُ الْوَعيد لِأَنَّهُ أحد الْمَوَاضِع الَّتِي اسْتثْنى فِيهَا جَوَاز الْكَذِب
قلت فِي الأفلاطونيات لَا يَنْبَغِي أَن يُطلق الْملك الْكَذِب فِي المملكة إِلَّا للخيار المعروفين بالإصلاح بَين النَّاس المستعملين لَهُ عِنْد تقريب مَا بَين المتباعدين فَإِن الْكَذِب يشبه العقاقير القاتلة الَّتِي تحْتَاج فِي الْأَدْوِيَة إِلَى اسْتِعْمَال الْيَسِير مِنْهَا فَلَيْسَ يجب أَن يُطلق ذَلِك العقاقير إِلَّا للصالحين من الصيادلة الَّذين لَا يبيعونها لمن يقتل بهَا أحدا من النَّاس
الْمَسْأَلَة الثَّامِنَة قَالَ النَّوَوِيّ التورية والتعريض مَعْنَاهَا إِطْلَاق لفظ ظَاهر فِي معنى المُرَاد بِهِ معنى آخر يتَنَاوَلهُ ذَلِك اللَّفْظ على خلاف الظَّاهِر وَهُوَ وخداع فَإِن اقتضته مصلحَة شَرْعِيَّة راجحة على خداع الْمُخَاطب أَو حَاجَة لَا مندوحة عَنْهَا إِلَّا بِالْكَذِبِ فَلَا بَأْس بالتعريض وَإِلَّا فَهُوَ مَكْرُوه إِلَّا أَن يتَوَصَّل بِهِ إِلَى أَخذ بَاطِل أَو دفع حق فَيحرم
قَالَ مِثَال التَّعْرِيض الْمُبَاح قَول النَّخعِيّ إِذا بلغ الرجل عَنْك شَيْئا قلته فَقيل الله يعلم مَا قلت من ذَلِك شَيْئا فيتوهم السَّامع النَّفْي ومقصودك الله يعلم الَّذِي قلته قَالَ مَا حَاصله فعلى مثله ينزل قَول السّلف فِي المعاريض مندوحة عَن الْكَذِب وَقَوْلهمْ الْكَلَام أوسع من أَن يكذب ظريف
الْمَسْأَلَة التَّاسِعَة يحب التثبت فِيمَا يحْكى لما ورد من النَّهْي عَن التحديث
стр. 455
بِكُل مَا يسمع قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَلَا تقف مَا لَيْسَ لَك بِهِ علم إِن السّمع وَالْبَصَر والفؤاد كل أُولَئِكَ كَانَ عَنهُ مسؤولا﴾ وَفِي الصَّحِيح عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ كفى بِالْمَرْءِ كذبا أَن يحدث بِكُل مَا سمع وَعَن ابْن مَسْعُود أَو حُذَيْفَة ﵄ قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول بئس مَطِيَّة الرجل زَعَمُوا
الْمَسْأَلَة الْعَاشِرَة من الْكَلِمَات الْحكمِيَّة فِي هَذَا الْخلق
الْكَذِب عَدو الصدْق والجور مُفسد للْملك فَإِذا استصحب الْكَذِب استخف بِهِ وَإِذا أظهر الْجور فسد سُلْطَانه آفَة الشدَّة التهيب وَآفَة الْمنطق الْحيَاء وَآفَة كل شَيْء الْكَذِب لَا يطمعن فِي الكذوب والمطبوع على الشَّرّ أَن يعظمها الْإِحْسَان فَإِنَّهُمَا كالقرد كلما سمن بإطعام الْحَلَاوَة وَالدَّسم ازْدَادَ وَجهه قبحا
من صَبر على مَوَدَّة الْكَذِب فَهُوَ مثله
لَا شَيْء أضرّ من ضَرَر الْكَذِب أَن ينسى صَاحبه الضَّرُورَة المحسوسة الْحَقِيقِيَّة ويتشبث عِنْد الضَّرُورَة الكاذبة فيبنى عَلَيْهَا أمره فَيكون غشه قد بدا بِنَفسِهِ
الْقَاعِدَة الرَّابِعَة عشرَة
كتم السِّرّ
وفيهَا مسَائِل
الْمَسْأَلَة الأولى قَالَ الطرطوشي هُوَ من الْخِصَال المحمودة فِي جَمِيع الْخلق وَمن اللوازم فِي حق بِهِ الْمُلُوك والفرائض الْوَاجِبَة على الوزراء والجلساء والإتباع قلت وَمن كَلَام أزدشير فِي الْعِنَايَة بِالْوَصِيَّةِ
стр. 456
وَلَا تكن على أَحْكَام شَيْء أحرص مِنْك على أَحْكَام الْأَخْبَار حَتَّى تصح فَإِنَّمَا تجرى أُمُور المملكة كلهَا عَلَيْهَا وأقلل الشُّرَكَاء فِي أسرارك ينكتم أَمرك
الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة كَمَا أَنه وَاجِب فِي حق الْمُلُوك وَمن يليهم فَكَذَا هُوَ فِي حق كل وَاحِد وَاحِد من سَائِر الطَّبَقَات إِذا ائتمنوا عَلَيْهِ وَكَانَ فِي إفشائه إِضْرَار بِصَاحِبِهِ وَقد تمّ فِي الْوَفَاء بالعهد مَا يُشِير لتقرير دَلِيله من حَيْثُ هُوَ أَمَانَة وَبِه اسْتدلَّ الطرطوشي قَائِلا وَإِذا كَانَ أَمَانَة حرمت فِيهِ الْخِيَانَة كالأمانات فِي الْأَمْوَال ثمَّ أردفه بقول أبي بكر بن حزم إِنَّمَا يتجالس المتجالسون بالأمانة فَلَا يحل لأحد أَن يفشي على صَاحبه مَا يكره
الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة قَالَ الْغَزالِيّ لمستودع السِّرّ أَن يُنكره وَإِن كَانَ كَاذِبًا وَلَيْسَ الصدْق وَاجِبا فِي كل مقَام وكما يجب للرجل أَن يخفي عُيُوب نَفسه وأسراره فَكَذَلِك يجب أَن يخفي عُيُوب أَخِيه الْمُسلم وأسراره قَالَ وَإِن احْتَاجَ إِلَى الْكَذِب فَلهُ أَن يفعل ذَلِك فِي حق أَخِيه فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَتِهِ وهما كشخص وَاحِد لَا يَخْتَلِفَانِ إِلَّا بِالْبدنِ
قلت كَمَا روى أَنه قيل لبَعْضهِم كَيفَ تخفي السِّرّ قَالَ أجحد الْمخبر وأحلف للمستخبر فَزَاد الْحلف للضَّرُورَة
الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة لكَتم السِّرّ فَوَائِد شاهدة بفضله
الْفَائِدَة الأولى دلَالَته على فضل صَاحبه وكرم أخلاقه
قَالَ الطرطوشي وَاعْلَم أَن كتمان الْأَسْرَار يدل على جَوْهَر الرِّجَال وكما أَنه لَا خير فِي آنِية لَا تمسك مَا فِيهَا كَذَلِك لَا خير فِي الْإِنْسَان إِذا لم يملك سره قلت هُوَ من معنى قَوْلهم صُدُور الْأَحْرَار قُبُور الْأَسْرَار حَتَّى لَو كَانَت لعدو كَمَا قيل
стр. 457
(سر الْعَدو وسر الْخلّ مَا كتما ... عِنْد اطلَاع إِلَى خلق من الْبشر)
(كِلَاهُمَا ظن بِي خيرا فأودعني ... سرا فلست بمفشيه مدى عمري)
الْفَائِدَة الثَّانِيَة الإستعانة بِهِ على حُصُول الْمَقَاصِد فَفِي الحَدِيث اسْتَعِينُوا على حَوَائِجكُمْ بِالْكِتْمَانِ فَإِن كل ذِي نعْمَة مَحْسُود قَالَ أنو شرْوَان من حصن سره فَلهُ بتحصينه خصلتان الظفر بحاجته والسلامة من السطوات
الْفَائِدَة الثَّالِثَة حفظ السِّرّ بِهِ من مَحْذُور انقلابه مَالِكًا لصَاحبه فَعَن عَليّ ين أبي طَالب ﵁ سرك أسيرك فَإِذا تَكَلَّمت بِهِ صرت أسيره
قلت وَمن عَجِيب النَّوَادِر فِي الْإِبَانَة عَن هَذَا الْمَعْنى أَن أَرْبَعَة من أعظم الْمُلُوك صدرت عَنْهُم أَربع كَلِمَات كَأَنَّمَا أرْسلت عَن قَوس وَاحِد
قَالَ كسْرَى لم أندم على مَا لم أقل وَقد نَدِمت على مَا قلت مرَارًا
وَقَالَ قَيْصر أَنا على رد مَا لم أقل أقدر مني على رد مَا قلت
وَقَالَ ملك الصين إِذا تَكَلَّمت بِالْكَلِمَةِ ملكتني وَإِذا لم أَتكَلّم بهَا ملكتها
وَقَالَ ملك الصين إِذا تَكَلَّمت بِالْكَلِمَةِ ملكتني وَإِذا لم أَتكَلّم بهَا ترفع لم تَنْفَعهُ
الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة من مسَائِل إفشاء السِّرّ الَّتِي قد تُؤدِّي إِلَى العطب آفَات
стр. 458
الآفة الأولى تَعْرِيض السِّرّ بِهِ للإذاعة والشياع فَمن كَلَام الْحُكَمَاء حفظك لسرك أولى من حفظ غَيْرك لَهُ
قَالَ الطرطوشي وَبِالْجُمْلَةِ إِذا زَالَ من عذبة لسَانك فالإذاعة مستولية وَإِن أودعته قلب من حفظ غَيْرك لَهُ
قَالَ
(ألم تَرَ أَن وشَاة الرِّجَال ... لَا يتركون أديما صَحِيحا)
(فَلَا تفش سرك إِلَّا إِلَيْك ... فَإِن لكل نصيح نصيحا)
الآفة الثَّانِيَة عودة بمضرة المكيدة على من زل بِهِ لِسَانه قَالَ الله تَعَالَى حِكَايَة عَن يَعْقُوب ﵇ يَا بني لَا تقصص رُؤْيَاك على إخْوَتك فيكيدوا لَك كيدا
قَالَ الطرطوشي لما أفشى يُوسُف ﵇ سره فِي رُؤْيَاهُ بمشهد إمرأة أَبِيه أخْبرت أخوته فَحل بِهِ مَا حل
الآفة الثَّالِثَة وَهِي أدهى مَا يُؤَدِّي إِلَيْهِ فَوَات الْحَيَاة بتعجيل الْحمام
قَالَ الطرطوشي كم من إِظْهَار سر أراق دم صَاحبه وَصَرفه عَن بُلُوغ أمله وَلَو كتمته أَمن سطوته
قَالَ بعض الْحُكَمَاء سرك من دمك فَلَا تجريه فِي غير أوداجه وَإِذا تَكَلَّمت بِهِ أرقته
стр. 459
الْمَسْأَلَة السَّادِسَة من عجائب أَمر السِّرّ أَمْرَانِ
أَحدهمَا شدَّة الْمُؤْنَة حفظه حَتَّى على صَاحبه قيل لبَعض الْحُكَمَاء أَي شَيْء أصعب على الْإِنْسَان قَالَ أَن يعرف نَفسه ويكتم سره وَكَانَ يُقَال أَصْبِر النَّاس من صَبر على كتم سره فَلم يُبْدِهِ لصديقه فَأوشك أَن يصير عدوا قَالَ الطرطوشي أَن الرجل يتَحَمَّل الْحمل الثقيل فَيَمْشِي بِهِ وَيحمل السِّرّ الْيَسِير فيلحقه من القلق وَالْكرب مَالا يلْحقهُ بِحمْل الأثقال فَإِذا أذاعه استراح قلبه وكأنما ألْقى عَن نَفسه حملا
الثَّانِي ضيَاع أَمَانَته بِكَثْرَة الْأُمَنَاء عَلَيْهِ
قَالَ الطرطوشي وَمن عَجِيب الْأَمر أَن إغلاق الدُّنْيَا كلما كثر خزانها كَانَ أوثق لَهَا إِلَّا السِّرّ فَإِنَّهُ كلما كثر خزانه كَانَ أضيع لَهُ
قلت بقدم فِي وَصِيَّة أردشير أقلل الشُّرَكَاء فِي أسرارك تنكتم
الْمَسْأَلَة السَّابِعَة تقدم أَن من فَوَائِد كتم السِّرّ دلَالَته على الْفَضِيلَة وَفَوق ذَلِك كتمان سر نَفسه فقد قيل أدنى أَخْلَاق الشريف كتمان السِّرّ وأعلاها كتمان مَا أسر بِهِ إِلَيْهِ
قلت كَمَا يُقَال أَن رجلا أودع سره عِنْد أحد إخوانه فَقَالَ لَهُ أفهمت فَقَالَ بل جهلت قَالَ حفظت قَالَ بل نسيت وَفِي مَعْنَاهُ قيل
(يَا ذَا الَّذِي أوعدتني سره ... لَا ترج أَن تسمعه مني)
(لم أجره قطّ على خاطري ... كَأَن لم يجر فِي أُذُنِي)
стр. 460
الْمَسْأَلَة الثَّامِنَة إِذا دعت الضَّرُورَة المفشو إِلَيْهِ لإفشاء السِّرّ فعلى شَرط صداقة المفشو لَهُ أَو نصيحته إِذا اتّصف بِمَا تتحفظ بِهِ الْأَمَانَة فَمن كَلَام الْحُكَمَاء مَا كتمته عَن عَدوك فَلَا تطلعن عَلَيْهِ صديقك فَإِن لم يكن لَك بُد من إذاعته لقرينه تَقْتَضِيه من صديق مساهم أَو استشارة نَاصح مسالم فَمن صِفَات أَمِين السِّرّ أَن يكون ذَا عقل وَدين ونصح ومودة فَإِن هَذِه الْأُمُور تمنع من الإذاعة وتوجب حفظ الْأَمَانَة
تَنْبِيه على صَاحب السِّرّ أَن يحْتَرز من مستدعيه مِنْهُ لدلَالَة استدعائه على الْخِيَانَة فقد قيل لَا تودع سرك عِنْد من يستدعيه فَإِن طَالب الْوَدِيعَة خائن
قلت وخصوصا إِذا ألح على ذَلِك فَمن الْأَمْثَال السائرة الْحِرْص على الْأَمَانَة دَلِيل على الْخِيَانَة
الْمَسْأَلَة التَّاسِعَة تقدم أَن أكتم السِّرّ من الْوَاجِبَات على حَاشِيَة السُّلْطَان وَذَلِكَ حَتَّى عَن أقرب الْأَقَارِب
قَالَ الجاحظ من أَخْلَاق الْملك أَن يكتم أسراره عَن الْأَب وَالْأَخ وَالزَّوْجَة وَالصديق فَإِن الْملك يتَجَاوَز عَن كل مَنْقُوص ومأنوف وَلَا يتَجَاوَز عَن ثَلَاثَة طاعنا فِي ملكه ومذيعا لأسراره وخائنا فِي حرمه
قَالَ وَقد كَانَ أبرويز يَقُول يجب على السُّلْطَان السعيد أَن يَجْعَل همه كُله فِي إمتحان أهل هَذِه الصِّفَات إِذْ هِيَ أَرْكَان ملكه ودعائمه
следующие страницы →