← Сияса и кади

Сияса и кади · id 7236

بدائع السلك في طبائع الملك

ابن الأزرق

Полный текст (992 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

وَلَا تكن على أَحْكَام شَيْء أحرص مِنْك على أَحْكَام الْأَخْبَار حَتَّى تصح فَإِنَّمَا تجرى أُمُور المملكة كلهَا عَلَيْهَا وأقلل الشُّرَكَاء فِي أسرارك ينكتم أَمرك الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة كَمَا أَنه وَاجِب فِي حق الْمُلُوك وَمن يليهم فَكَذَا هُوَ فِي حق كل وَاحِد وَاحِد من سَائِر الطَّبَقَات إِذا ائتمنوا عَلَيْهِ وَكَانَ فِي إفشائه إِضْرَار بِصَاحِبِهِ وَقد تمّ فِي الْوَفَاء بالعهد مَا يُشِير لتقرير دَلِيله من حَيْثُ هُوَ أَمَانَة وَبِه اسْتدلَّ الطرطوشي قَائِلا وَإِذا كَانَ أَمَانَة حرمت فِيهِ الْخِيَانَة كالأمانات فِي الْأَمْوَال ثمَّ أردفه بقول أبي بكر بن حزم إِنَّمَا يتجالس المتجالسون بالأمانة فَلَا يحل لأحد أَن يفشي على صَاحبه مَا يكره الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة قَالَ الْغَزالِيّ لمستودع السِّرّ أَن يُنكره وَإِن كَانَ كَاذِبًا وَلَيْسَ الصدْق وَاجِبا فِي كل مقَام وكما يجب للرجل أَن يخفي عُيُوب نَفسه وأسراره فَكَذَلِك يجب أَن يخفي عُيُوب أَخِيه الْمُسلم وأسراره قَالَ وَإِن احْتَاجَ إِلَى الْكَذِب فَلهُ أَن يفعل ذَلِك فِي حق أَخِيه فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَتِهِ وهما كشخص وَاحِد لَا يَخْتَلِفَانِ إِلَّا بِالْبدنِ قلت كَمَا روى أَنه قيل لبَعْضهِم كَيفَ تخفي السِّرّ قَالَ أجحد الْمخبر وأحلف للمستخبر فَزَاد الْحلف للضَّرُورَة الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة لكَتم السِّرّ فَوَائِد شاهدة بفضله الْفَائِدَة الأولى دلَالَته على فضل صَاحبه وكرم أخلاقه قَالَ الطرطوشي وَاعْلَم أَن كتمان الْأَسْرَار يدل على جَوْهَر الرِّجَال وكما أَنه لَا خير فِي آنِية لَا تمسك مَا فِيهَا كَذَلِك لَا خير فِي الْإِنْسَان إِذا لم يملك سره قلت هُوَ من معنى قَوْلهم صُدُور الْأَحْرَار قُبُور الْأَسْرَار حَتَّى لَو كَانَت لعدو كَمَا قيل

стр. 457

(سر الْعَدو وسر الْخلّ مَا كتما ... عِنْد اطلَاع إِلَى خلق من الْبشر) (كِلَاهُمَا ظن بِي خيرا فأودعني ... سرا فلست بمفشيه مدى عمري) الْفَائِدَة الثَّانِيَة الإستعانة بِهِ على حُصُول الْمَقَاصِد فَفِي الحَدِيث اسْتَعِينُوا على حَوَائِجكُمْ بِالْكِتْمَانِ فَإِن كل ذِي نعْمَة مَحْسُود قَالَ أنو شرْوَان من حصن سره فَلهُ بتحصينه خصلتان الظفر بحاجته والسلامة من السطوات الْفَائِدَة الثَّالِثَة حفظ السِّرّ بِهِ من مَحْذُور انقلابه مَالِكًا لصَاحبه فَعَن عَليّ ين أبي طَالب ﵁ سرك أسيرك فَإِذا تَكَلَّمت بِهِ صرت أسيره قلت وَمن عَجِيب النَّوَادِر فِي الْإِبَانَة عَن هَذَا الْمَعْنى أَن أَرْبَعَة من أعظم الْمُلُوك صدرت عَنْهُم أَربع كَلِمَات كَأَنَّمَا أرْسلت عَن قَوس وَاحِد قَالَ كسْرَى لم أندم على مَا لم أقل وَقد نَدِمت على مَا قلت مرَارًا وَقَالَ قَيْصر أَنا على رد مَا لم أقل أقدر مني على رد مَا قلت وَقَالَ ملك الصين إِذا تَكَلَّمت بِالْكَلِمَةِ ملكتني وَإِذا لم أَتكَلّم بهَا ملكتها وَقَالَ ملك الصين إِذا تَكَلَّمت بِالْكَلِمَةِ ملكتني وَإِذا لم أَتكَلّم بهَا ترفع لم تَنْفَعهُ الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة من مسَائِل إفشاء السِّرّ الَّتِي قد تُؤدِّي إِلَى العطب آفَات

стр. 458

الآفة الأولى تَعْرِيض السِّرّ بِهِ للإذاعة والشياع فَمن كَلَام الْحُكَمَاء حفظك لسرك أولى من حفظ غَيْرك لَهُ قَالَ الطرطوشي وَبِالْجُمْلَةِ إِذا زَالَ من عذبة لسَانك فالإذاعة مستولية وَإِن أودعته قلب من حفظ غَيْرك لَهُ قَالَ (ألم تَرَ أَن وشَاة الرِّجَال ... لَا يتركون أديما صَحِيحا) (فَلَا تفش سرك إِلَّا إِلَيْك ... فَإِن لكل نصيح نصيحا) الآفة الثَّانِيَة عودة بمضرة المكيدة على من زل بِهِ لِسَانه قَالَ الله تَعَالَى حِكَايَة عَن يَعْقُوب ﵇ يَا بني لَا تقصص رُؤْيَاك على إخْوَتك فيكيدوا لَك كيدا قَالَ الطرطوشي لما أفشى يُوسُف ﵇ سره فِي رُؤْيَاهُ بمشهد إمرأة أَبِيه أخْبرت أخوته فَحل بِهِ مَا حل الآفة الثَّالِثَة وَهِي أدهى مَا يُؤَدِّي إِلَيْهِ فَوَات الْحَيَاة بتعجيل الْحمام قَالَ الطرطوشي كم من إِظْهَار سر أراق دم صَاحبه وَصَرفه عَن بُلُوغ أمله وَلَو كتمته أَمن سطوته قَالَ بعض الْحُكَمَاء سرك من دمك فَلَا تجريه فِي غير أوداجه وَإِذا تَكَلَّمت بِهِ أرقته

стр. 459

الْمَسْأَلَة السَّادِسَة من عجائب أَمر السِّرّ أَمْرَانِ أَحدهمَا شدَّة الْمُؤْنَة حفظه حَتَّى على صَاحبه قيل لبَعض الْحُكَمَاء أَي شَيْء أصعب على الْإِنْسَان قَالَ أَن يعرف نَفسه ويكتم سره وَكَانَ يُقَال أَصْبِر النَّاس من صَبر على كتم سره فَلم يُبْدِهِ لصديقه فَأوشك أَن يصير عدوا قَالَ الطرطوشي أَن الرجل يتَحَمَّل الْحمل الثقيل فَيَمْشِي بِهِ وَيحمل السِّرّ الْيَسِير فيلحقه من القلق وَالْكرب مَالا يلْحقهُ بِحمْل الأثقال فَإِذا أذاعه استراح قلبه وكأنما ألْقى عَن نَفسه حملا الثَّانِي ضيَاع أَمَانَته بِكَثْرَة الْأُمَنَاء عَلَيْهِ قَالَ الطرطوشي وَمن عَجِيب الْأَمر أَن إغلاق الدُّنْيَا كلما كثر خزانها كَانَ أوثق لَهَا إِلَّا السِّرّ فَإِنَّهُ كلما كثر خزانه كَانَ أضيع لَهُ قلت بقدم فِي وَصِيَّة أردشير أقلل الشُّرَكَاء فِي أسرارك تنكتم الْمَسْأَلَة السَّابِعَة تقدم أَن من فَوَائِد كتم السِّرّ دلَالَته على الْفَضِيلَة وَفَوق ذَلِك كتمان سر نَفسه فقد قيل أدنى أَخْلَاق الشريف كتمان السِّرّ وأعلاها كتمان مَا أسر بِهِ إِلَيْهِ قلت كَمَا يُقَال أَن رجلا أودع سره عِنْد أحد إخوانه فَقَالَ لَهُ أفهمت فَقَالَ بل جهلت قَالَ حفظت قَالَ بل نسيت وَفِي مَعْنَاهُ قيل (يَا ذَا الَّذِي أوعدتني سره ... لَا ترج أَن تسمعه مني) (لم أجره قطّ على خاطري ... كَأَن لم يجر فِي أُذُنِي)

стр. 460

الْمَسْأَلَة الثَّامِنَة إِذا دعت الضَّرُورَة المفشو إِلَيْهِ لإفشاء السِّرّ فعلى شَرط صداقة المفشو لَهُ أَو نصيحته إِذا اتّصف بِمَا تتحفظ بِهِ الْأَمَانَة فَمن كَلَام الْحُكَمَاء مَا كتمته عَن عَدوك فَلَا تطلعن عَلَيْهِ صديقك فَإِن لم يكن لَك بُد من إذاعته لقرينه تَقْتَضِيه من صديق مساهم أَو استشارة نَاصح مسالم فَمن صِفَات أَمِين السِّرّ أَن يكون ذَا عقل وَدين ونصح ومودة فَإِن هَذِه الْأُمُور تمنع من الإذاعة وتوجب حفظ الْأَمَانَة تَنْبِيه على صَاحب السِّرّ أَن يحْتَرز من مستدعيه مِنْهُ لدلَالَة استدعائه على الْخِيَانَة فقد قيل لَا تودع سرك عِنْد من يستدعيه فَإِن طَالب الْوَدِيعَة خائن قلت وخصوصا إِذا ألح على ذَلِك فَمن الْأَمْثَال السائرة الْحِرْص على الْأَمَانَة دَلِيل على الْخِيَانَة الْمَسْأَلَة التَّاسِعَة تقدم أَن أكتم السِّرّ من الْوَاجِبَات على حَاشِيَة السُّلْطَان وَذَلِكَ حَتَّى عَن أقرب الْأَقَارِب قَالَ الجاحظ من أَخْلَاق الْملك أَن يكتم أسراره عَن الْأَب وَالْأَخ وَالزَّوْجَة وَالصديق فَإِن الْملك يتَجَاوَز عَن كل مَنْقُوص ومأنوف وَلَا يتَجَاوَز عَن ثَلَاثَة طاعنا فِي ملكه ومذيعا لأسراره وخائنا فِي حرمه قَالَ وَقد كَانَ أبرويز يَقُول يجب على السُّلْطَان السعيد أَن يَجْعَل همه كُله فِي إمتحان أهل هَذِه الصِّفَات إِذْ هِيَ أَرْكَان ملكه ودعائمه

стр. 461

قلت من الإمتحان بِحَسب السُّلْطَان فَمن دونه قَول بَعضهم أردْت أَن تواخي رجلا فأغضبه ثمَّ دس عَلَيْهِ من يسْأَله عَنْك وَعَن أسرارك فَإِن خيرا تكلم وكتم أسرارك فأصحبه الْمَسْأَلَة الْعَاشِرَة من الْمَنْقُول فِي الْوَصِيَّة بِحِفْظ سر السُّلْطَان وعقوبة من إفشاء حكايتان الْحِكَايَة الأولى قَالَ الْعُتْبِي أسر مُعَاوِيَة إِلَى عُثْمَان بن عَتبه حَدِيثا قَالَ عُثْمَان فَقلت لأبي أَن أَمِير الْمُؤمنِينَ أسر إِلَيّ حَدِيثا افأحدثك بِهِ قَالَ لَا قلت وَلم قَالَ لِأَنَّهُ من كتم حَدِيثا كَانَ الْخِيَار لَهُ وَمن أظهره كَانَ الْخِيَار عَلَيْهِ فَلَا تجْعَل نَفسك مَمْلُوكا بعد أَن كنت مَالِكًا قلت أَيَدْخُلُ هَذَا بَين الرجل وَبَين أَبِيه قَالَ نعم وَلَكِن أكره أَن تذلل لسَانك بإفشاء السِّرّ قَالَ فَحدثت بِهِ مُعَاوِيَة فَقَالَ أعتقك أخي من رق الْخَطَأ الْحِكَايَة الثَّانِيَة كَانَ لعُثْمَان ﵁ كَاتب يُقَال لَهُ حمدَان فاشتكى عُثْمَان فَقَالَ أكتب الْعَهْد من بعدِي لعبد الرَّحْمَن

стр. 462

ابْن عَوْف فَانْطَلق حمدَان وَقَالَ لعبد الرَّحْمَن بن عَوْف البشري فَقَالَ عبد الرَّحْمَن وَلَك الْبُشْرَى مَاذَا فَأخْبرهُ حمدَان الْخَبَر فَانْطَلق عبد الرَّحْمَن وَأخْبر عُثْمَان بذلك فَقَالَ عُثْمَان ﵁ عَسى الله أَن شفاني لَا يكاتبني حمدَان أبدا ونفاه إِلَى الْبَصْرَة فَلم يزل بهَا حَتَّى قتل الْقَاعِدَة الْخَامِسَة عشرَة الحزم وفيهَا مسَائِل الْمَسْأَلَة الأولى قَالَ ابْن قيم الجوزية لَفْظَة الحزم تدل على الْقُوَّة والاجتماع وَمِنْه حزمة الْحَطب فالحازم هُوَ الَّذِي اجْتمعت لَهُ سور أمره وَعرف خير الخيرين وَشر الشريرين فأحجم فِي مَوضِع الإحجام رَأيا وعقلا لَا جبنا وضعفا قلت وَإِلَى ذَلِك يرجع قَول الْمرَادِي الحزم هُوَ النّظر فِي الْأُمُور قبل نُزُولهَا وتوقي المهالك قبل الْوُقُوع فِيهَا وتدبير الْأُمُور على أحسن مَا تكون من وجوهها الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة قَالَ بعض الْعلمَاء يجب على الحازم استفراغ الوسع وإعمال الإجتهاد فِي أَسبَاب الْفَائِدَة والخلاص فَإِن غلبت الأقدار كَانَ بذلك مَعْذُورًا وَكَانَ قلبه مستريحا وَغير عَجِيب أَن يغلب الله سُبْحَانَهُ مخلوقاته وَأَن يتَصَرَّف كَمَا يجب فِي مصنوعاته وَلَيْسَ نُفُوذ الأقدار مِمَّا يَقُود الْعَاقِل إِلَى تَضْييع الحزم وَذَلِكَ من خلائق الْجُهَّال الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة من الْفَوَائِد المرغبة للعقلاء فِي الْأَخْذ بِهِ وخصوصا الْمُلُوك أُمُور

стр. 463

أَحدهمَا ملك الرّعية بِهِ قبل أَن تملك راعيها إِذا فرط فِيهِ قد قَالَ عبد الْملك بن مَرْوَان لِابْنِهِ الْوَلِيد وَكَانَ ولي عَهده يَا بني اعْلَم أَن لَيْسَ بَين السُّلْطَان وَبَين أَن يملك الرّعية أَو تملكه الرّعية إِلَّا حزم أَو توان الثَّانِي انتهاز الفرصة لأوّل أَحْكَامهَا فَعَن عَليّ ﵁ انتهزوا هَذِه الفرص فَإِنَّهَا تمر مر السَّحَاب وَلَا تَطْلُبُوا أثرا بعد عين وَعَن بعض الْحُكَمَاء بَادر الفرصة قبل أَن تصير غُصَّة الثَّالِث التحفظ بِهِ من الخديعة قَالَ الْمُغيرَة بن شُعْبَة مَا رَأَيْت أحدا أحزم من عمر كَانَ لَهُ وَالله فضل يمنعهُ أَن يخدع وعقل بِمَنْعه أَن يخدع قلت وَكَذَا قَالَ ﵁ لست بخب وَلَا الخب يخدعني الرَّابِع حُصُول الظفر بِهِ مَتى ساعد الْقدر قيل للمهلب بِمَا ظَفرت قَالَ بِطَاعَة الحزم ومعصية الْهوى الْخَامِس سَلامَة من النَّدَم عِنْد الْوُقُوع بعده فِيمَا يكره قَالَ مسلمة بن عبد الْملك مَا مدحت أَو شكرت نَفسِي على ظفر ابتدأته بعجز وَلَا ذممتها على مَكْرُوه ابتدأته بحزم الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة قَالَ الْحُكَمَاء الْمُلُوك ثَلَاثَة حازمان وعاجز

стр. 464

أَولهمَا وهم أحد الحازمين الَّذِي ينظر فِي الْأُمُور قبل نُزُولهَا فيجتلب خَيرهَا ويتجنب شَرها كالماهر فِي الشطرنج يرى الْحَرَكَة الردية قبل وصولها إِلَيْهِ فيلجأ ملاعبه إِلَى اللّعب بهَا ثَانِيهَا وَهُوَ الحازم الثَّانِي الَّذِي لَا يُدِير الْأُمُور حَتَّى تحل بِهِ وَإِذ ذَاك يتعرف وَجه التَّخَلُّص مِنْهَا وَهُوَ دون الأول وَأدنى مِنْهُ إِلَى التَّغْرِير فِيمَا يَقع فِيهَا لِغَفْلَتِه وتوانه عَن أَمر يتَعَذَّر فِيهِ الْخَلَاص مِنْهُ على ذَوي الْحِيلَة والإجتهاد ثَالِثهَا وَهُوَ الْعَاجِز المتواني الَّذِي لَا يزَال فِي لبس من أمره وَعجز عَن إِصْلَاحه حَتَّى يَقُود ذَلِك إِلَى الخسران تَمْثِيل قَالُوا وَمِثَال الثَّلَاثَة أَن صيادين أَتَيَا أجمة فِيهَا سمكات ثَلَاث فَقَالَ لصَاحبه عد بِنَا إِلَى هَذِه الأجمة بعد فراغنا من الصَّيْد لنصيد مَا فِيهِ فَأَما أحزم السمكات فَخرجت من منفذ المَاء إِلَى الْبَحْر فأمنت وَأما الَّتِي تَلِيهَا فِي الحزم فَمَكثت حَتَّى جَاءَ الصياد فسد المنفذ فأيقنت بِالْهَلَاكِ فاحتاجت إِلَى الْحِيلَة فتماوتت وطفت فَوق المَاء فَأَخذهَا الصياد فطرحها غير بعيدَة من الْبَحْر تَجِيء وَتذهب حَتَّى صيدت الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة من مهمات الحزم أُمُور أَحدهمَا إساءة الظَّن حَيْثُ يُؤَدِّي إِلَى مفْسدَة راجحة على مصلحَة فقد ورد الحزم سوء الظَّن وَفِي الحَدِيث احترسوا من النَّاس بِسوء الظَّن فَإِن رجحت مصلحَة كَانَت هِيَ مفْسدَة فِي النَّهْي عَن هَذِه الْإِسَاءَة قَالَ تَعَالَى ﴿اجتنبوا كثيرا من الظَّن إِن بعض الظَّن إِثْم﴾

стр. 465

وَفِي الصَّحِيح إيَّاكُمْ وَالظَّن فَإِن الظَّن أكذب الحَدِيث الثَّانِي الاحتراس من المكايد الْمَقْصُود مِنْهَا إغراء السُّلْطَان بِغَلَبَة خواصه قيل فكثيرا مَا بلغ ضررها الأبرياء وَعدم بهَا الْمُلُوك أهل الْجد فِي خدمتهم وفارقوا أحب خواصهم الثَّالِث الْمُبَادرَة بِإِقَامَة الْأَعْمَال الْحَاضِرَة والوظائف الوقتية فقد قَالَ عمر ﵁ لَا تُؤخر عمل يَوْمك لغدك وَفِي محَاسِن البلاغة يَنْبَغِي للسُّلْطَان أَن يُعْطي لكل يَوْم وَأَن تصدر فِيهِ أردته فَإِن لكل يَوْم مَا فِيهِ وَلَعَلَّ يحدث حَادث الرَّابِع معرفَة غَايَة الْأُمُور قبل الدُّخُول فِيهَا قَالُوا من ألزم أَن لَا يدْخل فِي أَمر حَتَّى يعرف مُنْتَهى أَحْوَاله فَإِن توقفك فِيهِ قبل فعله هُوَ الحذر الْمَحْمُود ورجوعك عَنهُ بعد التَّلَبُّس بِهِ لاضطرابك فِيهِ هُوَ الحذر المذموم الْخَامِس توقي استحقار مَا توهم صَغِيرا قَالُوا لَا يَنْبَغِي للعاقل أَن يستصغر شَيْئا من الْخَطَأ فَإِنَّهُ مَتى استحقر الصَّغِير يُوشك أَن يَقع فِي الْكَبِير فقد رَأينَا الْملك يُؤْتِي من الْعَدو المحتقر ورأينا الصِّحَّة تؤتي من الدَّاء الْيَسِير ورأينا الْأَنْهَار تنفتق من الجداول الصغار قلت وَأولى إِذا كَانَ الصَّغِير قَابلا للزِّيَادَة وَهُوَ السَّادِس فِي العهود اليونانية وَلَا تحقرن صَغِيرا من الْفساد إِذا كَانَ مُحْتملا للزِّيَادَة وعاجلة قبل وشوجه وبسوقه ثمَّ ذكر من ذَلِك حبس أَلْسِنَة الْجنُود عَن الْوُقُوع فِي السُّلْطَان بالتوعد عَلَيْهِ قَالَ فَإِن سوء الطَّاعَة تظهر أملا فِي الْأَعْين ثمَّ فِي الْأَلْسِنَة ثمَّ فِي تَحْرِيك الْأَيْدِي بالمجاهرة السَّابِع منع التعادي فِي أهل المملكة فَفِيهَا وَاعْلَم أَن أضرّ مَا بليت بِهِ فِي بلد من الْبلدَانِ وُقُوع الْعَدَاوَة وافتراق أَهله

стр. 466

وتحازب بَعضهم على بعض فَإِن هَذَا يقوم مقَام مَا يظْهر من الْعِلَل فِي عُضْو من الْأَعْضَاء فيتراقى إِلَى ذَلِك الْعُضْو وَرُبمَا تعدى إِلَى غير ذَلِك الْعُضْو وَرُبمَا تعدى إِلَى سَائِر الْجَسَد فتتبع مَا ظهر من هَذَا فِي الْبلدَانِ واسأل عَن السَّبَب فِيهِ كَمَا يسْأَل المتطبب الحاذق عَن أَسبَاب الْعلَّة وَلَا تدع فِيهِ بَقِيَّة مِنْهُ فَإنَّك تجمع بِهَذَا بعد زَوَال مَا كرهته وَخَوف النَّاس من إيقاعك وَشدَّة بأسك معاودة مثله الثَّامِن فِي إهمال مَا يغتنم فِيهِ من فَوَائِد الدّين وَالدُّنْيَا وَمن أَحْمد الْأُمُور أَن تقدم الِاحْتِيَاط فِي إِنْفَاق سَاعَات زَمَانك أَكثر من تقديمك الِاحْتِيَاط فِي إِنْفَاق مَالك لِأَن الَّذِي يُحْصى من المَال قد يسْتَخْلف وَمَا يمض من الزَّمَان لَا يرجع الْمَسْأَلَة السَّادِسَة الحزم يُنَافِي الِاعْتِمَاد على البخت لما فِيهِ من الْمَفَاسِد الْعِظَام وَهِي جملَة الْمفْسدَة الأولى وَاعْتِبَار مَا لَا يعرف سَببه فَفِي إِلَى البخت إِلَّا إِن صَاحبه يضيع ثمار الرَّأْي مَالا يرى غرسه وَلم يعرف طَرِيقه الْمفْسدَة الثَّانِيَة وَمِمَّا كَانَ يتدارسه الْأَوَائِل قَالُوا مَا أعْطى البخت شَيْئا إِلَّا وسلبه من حسن الاستعداد أَكثر مِنْهُ قَالَ فِي العهود فأحكم الْأَعْمَال بِحسن الروية واستدع التَّوْفِيق بجميل النِّيَّة الْمفْسدَة الثَّالِثَة عدم رضَا الْمَغْرُور بِهِ إِلَّا بِمن هُوَ مثله فِي ذَلِك حَتَّى

стр. 467

يتضاعف الشَّرّ ويتفاقم الْمَحْذُور قَالَ أفلاطون شَرّ مَا يَقع لمن اصطنعه البخت من الْوُلَاة أَلا يرضى من أَصْحَابه إِلَّا بذوي البخوت وَلِهَذَا تفْسد الصناعات وتستهان مَعَه نواميسها وتنسى صُورَة الْعدْل من الْأَشْيَاء ويظن الْوَالِي أَن هَذَا يَدُوم حَتَّى يهجم بِهِ على نِهَايَة الْمَكْرُوه الْمفْسدَة الرَّابِعَة إفضاؤه فِي جملَة مَا هُوَ مثله فِي التَّفْرِيط إِلَى خراب الدول بآخرة قَالَ أَيْضا الإفراطات فِي الدول مبادئ الْفساد فَإِذا انضاف إِلَيْهَا إِيثَار الرَّاحَة والاستهانة بمشورة ذَوي التجارب والاتكال على البخت لم تلبث الْمفْسدَة الْخَامِسَة مَجِيء المكاره بِهِ من حَيْثُ لَا يشْعر بهَا حَتَّى يتعجب من ذَلِك كَمَا يتعجب من المساعدة بِهِ أَيَّام اطراده قَالَ أَيْضا كَمَا أَن مساعدة البخت تحير الْعُقُول فِي أحسن مواتاة الْأُمُور للمبخوت ومجيئها من حَيْثُ لَا يظنّ فَكَذَلِك انْصِرَافه يحيرها فِي بخت المكاره لَهُ ومجيئها من حَيْثُ لم يحْتَسب قلت وَهُوَ من شَوَاهِد ضعف الْإِنْسَان وقهره لمجارى الْقدر عَلَيْهِ من حَيْثُ لَا يشْعر محبوبا ومكروها وَقد أَشَارَ إِلَيْهِ فِي مَوضِع آخر فَائِدَة فِي تَنْبِيه مُوجب الِاعْتِمَاد على البخت ضعف النَّفس عَن الْوَفَاء بمؤونة الحزم قَالَ أَيْضا إِذا قويت نفس الْإِنْسَان انْقَطع إِلَى الرَّأْي وَإِذا ضعفت انْتقل إِلَى البخت قلت ولابد فِي الِانْقِطَاع إِلَى الرَّأْي وَعند كَمَال قُوَّة النَّفس من مُلَاحظَة أَن الْمُقدر من البخت هُوَ الْكَائِن فَمن كَلَامه أَيْضا إِذا ضعفت النَّفس أطاعت الِاتِّفَاق وَإِذا قويت انْقَطَعت إِلَى الإعتماد قَالَ والمعمول فِي هَذَا أَن يكون الِاعْتِمَاد للْعَمَل والاتفاق فِي الْعلم الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة من الْكَلِمَات الْحكمِيَّة فِي هَذَا الْوَصْف

стр. 468

الحزم أنفس الحظوظ رب رَأْي أَنْفَع من مَال من لم يقدمهُ الحزم أَخّرهُ الْعَجز رو تحزم فَإِذا استوضحت فاعزم من نظر فِي أَحْوَاله وحزم فِي أَفعاله وأقسط فِي أَحْكَامه واقتصد فِي وفوره وإعدامه فقد أعْطى الْخَيْر بِتَمَامِهِ الحزم يُوجب السرُور والتغرير يُوجب لندامة وإصابة التَّدْبِير يُوجب بَقَاء النِّعْمَة من لم يتَأَمَّل بِعَين عقله لم يَقع سيف جَهله إِلَّا على مَقْتَله كثير من الحذر قد يكون عونا على صَاحبه مشعرأ بِمَا يخفيه فِي قلبه فَيجب على الْعَاقِل أَن لَا يَأْتِي من ذَلِك إِلَّا مَا ينكتم لَهُ وَلَا يتفطن لَهُ أحد الْمَسْأَلَة الثَّامِنَة من الْمَنْقُول فِي تَضْييع الحزم حكايتان يعْتَبر بهما الْحِكَايَة الأولى فِي تضييعه باستحقار الْأُمُور يرْوى أَنه لما أحيط بِمَرْوَان الجمدي آخر مُلُوك بني أُميَّة قَالَ يَا لهفاه على دولة مَا نصرت وكف مَا ظَفرت ونعمة مَا شكرت فَقَالَ لَهُ أحد خُدَّامه من أغفل الصَّغِير حَتَّى يكبر والقليل حَتَّى يكثر والخفي حَتَّى يظْهر أَصَابَهُ مثل هَذَا الْحِكَايَة الثَّانِيَة فِي تضييعه بِالدُّخُولِ فِيمَا لم يعرف غَايَة أمره مَا ذكر عَن الرشيد أَنه بعث بعد الْقَبْض على البرامكة إِلَى يحي بن خَالِد وَهُوَ

стр. 469

فِي اعتقاله يشاوره فِي هدم الإيوان فَبعث إِلَيْهِ لَا تفعل فَقَالَ الرشيد لمن حَضَره فِي نَفسه الْمَجُوسِيَّة والحنو عَلَيْهَا وَالْمَنْع من إِزَالَة آثارها فشرع فِي هَدمه فَلَزِمته أَمْوَال لَا تحصى فَأمْسك وَكتب إِلَى يحي يُعلمهُ بذلك فَأجَاب أَن ينْفق فِي هَدمه مَا بلغ من الْأَمْوَال ويحرص على فعله فَعجب الرشيد من تنَافِي كَلَامه فِي أَوله وَآخره فَبعث إِلَيْهِ يسْأَله عَن ذَلِك فَقَالَ نعم أما مَا أَشرت إِلَيْهِ فِي الأول فَإِنِّي أردْت بِهِ بَقَاء الذّكر لأمة الْإِسْلَام وَبعد الصيت وَأَن يكون مَا يرد فِي الإعصار ويطر أَمن الْأُمَم فِي الْأَزْمَان يرى مثل هَذَا الْبُنيان الْعَظِيم فَيَقُول أَن أمة قهرت أمة هَذَا بنيانها فأزالت رسومها واحتوت على ملكهَا لأمة عَظِيمَة شَدِيدَة منيفة وَأما جوابي الثَّانِي فَإِنَّهُ أَخْبرنِي أَنه شرع فِي بعض هَدمه ثمَّ عجز عَنهُ فَأَرَدْت نفي الْعَجز عَن أمة الْإِسْلَام وَأَن لَا يَقُول من يَأْتِي فِي الإعصار أَن هَذِه الْأمة عجزت عَن هدم مَا بنته فَارس فَلَمَّا بلغ الرشيد ذَلِك من كَلَامه قَالَ قَاتله الله فَمَا سمعته قَالَ شَيْئا قطّ إِلَّا صدق وَأعْرض عَن هدم الإيوان الْقَاعِدَة السَّادِسَة عشرَة الدهاء والتغافل وَفِيه نظران النّظر الأول فِي الدهاء وَفِيه مسَائِل الْمَسْأَلَة الأولى قَالَ الْمرَادِي هُوَ اسْم لوضع الْأُمُور فِي موَاضعهَا والكف عَمَّا لَا تقع فِيهِ انتظارا لما فِيهِ النَّفْع قَالَ وَقد يُوقع على من كثرت حيلته وقويت فطنته وَكَانَ وُصُوله إِلَى أغراضه بألطف الْوُجُوه الَّتِي يُمكن التَّوَصُّل بهَا إِلَيْهَا فتراه أبدا كَأَنَّهُ

стр. 470

أبله وَهُوَ متباله يُحْصى دقائق الْأُمُور وَيُدبر لطيفات الْحِيَل فَلَا ينْطق حَتَّى يجد جَوَابا مسكنا أَو خطابا معجزا وَلَا يفعل حَتَّى يرى فرْصَة حَاضِرَة ومضرة غَائِبَة فعدوه مغتر بعدواته ومقدر عَلَيْهِ الْغَفْلَة والبله بغوايته وَهُوَ مثل النَّار الكامنة فِي الرماد والصوارم المكنونة فِي الأغماد الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة لَا شكّ فِي فَضِيلَة الدهاء بِهَذَا التَّفْسِير لدلالته على فضل الْعقل وذكاء فطنته وَقد قَالَ عمر ﵁ لن يُقيم أَمر النَّاس إِلَّا امْرُؤ حصيف الْعقْدَة بعيد الْغَوْر لَا يطلع النَّاس مِنْهُ على عَورَة وَلَا يخَاف فِي الله لومة لاءم وَأَن فسر بالجزيرة وَهِي الخديعة الَّتِي هِيَ طرف الإفراط فِيهِ كَمَا تقدم فَلَا خَفَاء بذمه لما يخَاف من غوائله وَسُوء عواقبه قَالَ ابْن خلدون الْكيس والذكاء عيب فِي صَاحب السياسة لِأَنَّهُ إفراط فِي الْفِكر كإفراط البلادة فِي الجمود والطرفان مذمومان والمحمود هُوَ التَّوَسُّط كَمَا فِي سَائِر الصِّفَات الإنسانية قَالَ وَلِهَذَا يُوصف الشَّديد الْكيس بِصِفَات الشَّيْطَان فَيُقَال شَيْطَان ومتشيطن ثمَّ استظهر على ذَلِك بقضية عزل عمر ﵁ زيادا عَن الْعرَاق وفيهَا أَن زيادا قَالَ لم عزلتي يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ ألعجز أم لخيانة فَقَالَ عمر لم أعزلك لوَاحِدَة مِنْهُمَا وَلَكِن كرهت أَن أحمل النَّاس فضل عقلك الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة من الْكَلِمَات الْحكمِيَّة فِي الْقدر الْمَحْمُود من هَذَا الْوَصْف الْعَاقِل يغْفل غَفلَة الآمن ويتحفظ تحفظ الْخَائِف الدهاء تجرع الغصة وتوقع الفرصة الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة من الْمَنْقُول فِي أَخْبَار ذَوي الفطنة من الْمُلُوك حكايتان

стр. 471

الْحِكَايَة الأولى قيل دخل عبد الله بن حسن على أبي الْعَبَّاس السفاح فِي مَجْلِسه وَهُوَ أحشد مَا كَانَ من بني هَاشم ووجوه النَّاس وَمَعَهُ مصحف فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أعطنا حَقنا الَّذِي جعله الله لنا فِي هَذَا الْمُصحف فأشفق النَّاس أَن يعجل السفاح بِشَيْء إِلَيْهِ فَلَا يُرِيدُونَ ذَلِك فِي شيخ بني هَاشم فَقَالَ إِن جدك عليا وَكَانَ خيرا مني وَأَعْدل ولي هَذَا الْأَمر أفأعطى جدك الْحسن وَالْحُسَيْن وَكَانَا خيرا مِنْك شَيْئا وَكَانَ الْوَاجِب أَن أُعْطِيك مثله فَإِن كنت فعلت فقد أنصفتك وَإِن كنت زدتك فَمَا هَذَا جزائي مِنْك فَمَا رد عَلَيْهِ عبد الله وَانْصَرفُوا يتعجبون من جَوَابه لَهُ الْحِكَايَة الثَّانِيَة رُوِيَ أَن الْمَأْمُون كَانَ يَوْمًا فِي مجْلِس مذاكرته إِذْ دخل عيه عَليّ بن صَالح الْحَاجِب فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ رجل وقف بِالْبَابِ وَعَلِيهِ ثِيَاب غِلَاظ مشمرة يطْلب الدُّخُول فَعلمت أَنه بعض الصُّوفِيَّة فَقَالَ أيذن لَهُ يدْخل فَدخل رجل عَلَيْهِ بِثِيَاب قد شمرها وَنَعله فِي يَده فَوقف على طرف الْبسَاط ثمَّ قَالَ السَّلَام عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته فَقَالَ الْمَأْمُون وَعَلَيْك السَّلَام فَقَالَ أتأذن فِي الدنو إِلَيْك فَقَالَ أذن فَدَنَا ثمَّ قَالَ اجْلِسْ فَجَلَسَ ثمَّ قَالَ أتأذن لي فِي كلامك فَقَالَ الْمَأْمُون تكلم بِمَا تعلم إِن كَانَ لله فِيهِ رضَا فَقَالَ أَخْبرنِي عَن هَذَا الْمجْلس الَّذِي أَنْت فِيهِ جلسته أباجتماع الْمُسلمين عَلَيْك ورضى بك أم بالمغالبة لَهُم وَالْقُوَّة عَلَيْهِم بسلطانك فَقَالَ لم أجلسه باجتماع مِنْهُم وَلَا مغالبة لَهُم بل كَانَ يتَوَلَّى أَمر الْمُسلمين سُلْطَان قبلي احتمله الْمُسلمُونَ إِمَّا على رضَا وَإِمَّا على كره فعقد لي ولأخي معي ولَايَة هَذَا الْأَمر بعده فِي أَعْنَاق من حضر من الْمُسلمين وَأخذ على من حضر بِبَيْت الله الْحَرَام من الْحَاج الْبيعَة لي وَلآخر معي

стр. 472

فَأَعْطوهُ ذَلِك إِمَّا طائعين وَإِمَّا كارهين فَمضى الَّذِي عقد لَهُ معي على السَّبِيل الَّتِي مضى عَلَيْهَا فَلَمَّا صَار الْأَمر إِلَيّ علمت أَنِّي أحتاج إِلَى اجْتِمَاع كلمة الْمُسلمين علمت أَنِّي أحتاج إِلَى اجْتِمَاع كلمة الْمُسلمين فِي مَشَارِق الأَرْض وَمَغَارِبهَا على الرضى بِي ثمَّ نظرت فَرَأَيْت أَنِّي مَتى خليت عَن الْمُسلمين أُمُورهم اضْطربَ حَبل الْإِسْلَام وحرج عَلَيْهِم وانتفضت أَطْرَافهم وَغلب على النَّاس الْهَرج والفتنة وَوَقع التَّنَازُع فبطلت أَحْكَام الله وَلم يحجّ أحد ببيته الْحَرَام وَلم يُجَاهد النَّاس فِي سَبيله وَلم يكن لَهُم سُلْطَان يسوسهم ويجمعهم وانقطعت السبل وَلم يُؤْخَذ لمظلوم من ظَالِم فَقُمْت بِهَذَا الْأَمر حياطة للْمُسلمين ومجاهدا لعدوهم وضابطا لسبلهم وآخذا على أَيْديهم قصد أَن يجْتَمع الْمُسلمُونَ على رجل تتفق كلمتهم على الرِّضَا بِهِ فَأسلم الْأَمر إِلَيْهِ وأكون كَرجل من الْمُسلمين فَمَتَى اجْتَمعُوا على رجل من الْمُسلمين رَضوا بِهِ خرجت إِلَيْهِ عَن هَذَا الْأَمر فَقَالَ السَّلَام عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته وَقَامَ فَأمر الْمَأْمُون عَليّ بن صَالح الْحَاجِب أَن يُوَجه من يتبعهُ حَتَّى يعلم أَيْن يقْصد فَعمل على ذَلِك ثمَّ رَجَعَ إِلَيْهِ فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ وجهت من اتبع الرجل فَمضى إِلَى مَسْجِد فِيهِ خَمْسَة عشر رجلا فِي مثل هَيئته وزيه فَقَالُوا لقِيت الرجل قَالَ نعم قَالُوا فَمَا قَالَه قَالَ مَا قَالَ إِلَّا خيرا ذكر أَنه ضبط أَمر الْمُسلمين حَتَّى يُؤمن سبلهم وَيقوم الْحَج ويجاهد فِي سَبِيل الله وَيَأْخُذ للمظلوم من الظَّالِم وَلَا تعطل الْأَحْكَام فَإِذا رَضِي الْمُسلمُونَ بِإِمَام واجتمعوا عَلَيْهِ سلم إِلَيْهِ الْأَمر وَخرج إِلَيْهِ مِنْهُ فَقَالَ لسنا نرى فِي هَذَا الْأَمر بَأْسا قَالَ يحي بن أَكْثَم فَأقبل عَليّ الْمَأْمُون فَقَالَ يَا أَبَا مُحَمَّد كفينا مؤونة هَؤُلَاءِ بأيسر خطب فَقلت الْحَمد لله على مَا ألهمك من السداد وَالصَّوَاب فِي القَوْل وَالْفِعْل

стр. 473

النّظر الثَّانِي فِي التغافل وَفِيه مسَائِل الْمَسْأَلَة الأولى قَالَ الجاحظ من أَخْلَاق الْملك أَن التغافل عَمَّا لَا يقْدَح فِي ملك وَلَا يضع من عز وَيزِيد ذَلِك فِي أبهته وَعَلِيهِ كَانَت سيرة آل ساسان وَغَيرهم وَقَالَت الْعَرَب الشّرف التغافل قَالَ (لَيْسَ الغبي بِسَيِّد فِي قومه ... لَكِن سيد قومه المتغابي) قلت وَأَنت لَا تَجِد أحدا يتغافل عَن مَاله إِذا خرج وَعَن مبايعته إِذا غبن وَعَن التقاضي إِذا بخس إِلَّا وجدت فِي قَلْبك لَهُ فَضِيلَة وجلالة لَا تقدر على دَفعهَا وَفِي نَحوه قَالَ مُعَاوِيَة ﵁ إِنِّي لأجر ذيلي على الخداع انْتهى الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة يجب على ذِي الفطنة الزَّائِدَة الْأَخْذ بِهَذَا الْخلق لما تقدم بالدهاء المفرط حَتَّى يحصل بِهِ الرِّفْق الْمَأْمُور بِهِ قَالَ ابْن خلدون قل مَا تكون ملكة الرِّفْق فِي المتيقظ الشَّديد الْكيس وَأكْثر مَا تُوجد فِي الغفل والمتغفل وَأَقل مَا فِي اليقظ أَنه يُكَلف الرّعية فَوق طاقتهم لنفوذ نظره فِيمَا وَرَاء مداركهم واطلاعه على عواقب الْأُمُور فِي مباديها فيهلكون لذَلِك قَالَ ﷺ سِيرُوا بسير ضعفائكم

стр. 474

الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة من الْكَلِمَات الْحكمِيَّة فِي هَذَا الْوَصْف عظموا أقداركم بالتغافل مَا استقصى كريم قطّ حَقه ألم تسمع قَوْله تَعَالَى ﴿عرف بعضه وَأعْرض عَن بعض﴾ قَالَ (تغافل فِي الْأُمُور وَلَا تكْثر ... تقصيها فالاستقصاء فرقة) (وسامح فِي حقوقك بعض شَيْء ... فَمَا استوفى كريم قطّ حَقه) إِن من السخاء وَالْكَرم ترك التجني وَترك الْبَحْث عَن بَاطِن الغيوب والإمساك عَن ذكر الْعُيُوب كَمَا أَن من تَمام الْفَضَائِل الصفح عَن التوبيخ وإكرام الْكَرِيم والبشر فِي اللِّقَاء ورد التَّحِيَّة والتغافل عَن خطأ الْجَاهِل من شدد نفر وَمن ترَاخى تألف وأنشدوا فِي التغافل (وَمن لايغمض عَيْنَيْهِ عَن صديقه ... وَعَن بعض مَا فِيهِ يمت وَهُوَ عَاتب) (أغمض عَيْني عَن صديقي تغافلا ... كَأَنِّي بِمَا يَأْتِي من الْأَمر جَاهِل) الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة من الْمَنْقُول فِي تغافل الْمُلُوك على كثرته حكايتان الْحِكَايَة الأولى قيل لما ظفر أَبُو الْفَتْح ملك شاه السلجوقي بِعَمِّهِ الْخَارِج عَلَيْهِ وَأَخذه بعث إِلَيْهِ بخريطة مَمْلُوءَة من كتب أمرائه مضمنها أَنهم حملوه على الْخُرُوج عَن طَاعَته وحسنوا لَهُ ذَلِك فدعى الْملك وزيره

стр. 475

نظام الْملك وَأَعْطَاهُ خريطة ليفتحها وَيقْرَأ مَا فِيهَا فَلم يفتحها وَكَانَ هُنَاكَ كانون نَار فَرمى الخريطة فِيهِ فاحترقت الْكتب فسكنت قُلُوب العساكر وأمنوا ووطنوا أنفسهم على الْخدمَة بعد أَن كَانُوا قد خَافُوا من الخريطة لِأَن أَكْثَرهم كَانَ قد كَاتبه وَكَانَ ذَلِك سَبَب ثبات دولة ملك شاه فِي السلطنة وَكَانَت هَذِه مَعْدُومَة من جميل آراء نظام الْملك الْحِكَايَة الثَّانِيَة قَالَ ابْن رضوَان من حسن التغافل مَا أخبرنَا بِهِ شَيخنَا القَاضِي أَبُو البركات بن الْحَاج قَالَ حكى لنا بعض الشُّيُوخ بفاس أَن عبد الْمُؤمن بن عَليّ وجد عَليّ الشَّيْخ أبي مُحَمَّد صَالح ﵁ لما بلغه أَنه تكلم فِي الْمهْدي فَقَالَ لَهُ مَاذَا تَقول فِي الْمهْدي فَقَالَ لَهُ الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد أَفِي الله شكّ فَقَالَ لَهُ عبد الْمُؤمن هُوَ المظنون بك أَيهَا الشَّيْخ جَزَاك الله خيرا انْصَرف يَرْحَمك الله فَلَمَّا خلا عبد الْمُؤمن بخاصته قَالَ أتظنون أَن الشَّيْخ احتال عَليّ فِي كَلَامه وروى عني بل عرفت وَالله وَجه كَلَامه غير أَنِّي إِن كشفت القناع مَعَه صَعب الْأَمر من جِهَة الْمهْدي وَرجل من أَوْلِيَاء الله فغطيت الْقَضِيَّة وَلم أَزْد على صرفه

стр. 476

قَالَ ابْن رضوَان وَيُشبه ذَلِك مَا حكى أَن القَاضِي أَبَا الْعَبَّاس بن عِيسَى الغماري سَأَلَهُ الْمُسْتَنْصر عَن وَالِي بَلْدَة بجاية وَقَالَ لَهُ سمعنَا أَن وَالِي بجاية لَو أَرَادَ أَن يبنيها لبنة فضَّة ولبنة ذهب لفعل فَقَالَ لَهُ مبادرا يَا مولَايَ يكون ذَلِك بالتفاتكم إِلَيْهَا وتعطفكم عَلَيْهَا فتغافل عَن سُؤَاله عَن الْقَصْد الأول وَعلم أَنه حاد عَن جَوَابه الْقَاعِدَة السَّابِعَة عشرَة التَّوَاضُع وللنظر فِيهِ ثَلَاث مطَالب أَحدهمَا فِي التَّوَاضُع وَالثَّانِي فِي نقيضه وَهُوَ الْكبر وَالثَّالِث فِيمَا يتَوَلَّد عَنهُ هَذَا النقيض وَهُوَ الْعجب الْمطلب الأول فِي التَّوَاضُع وَفِيه مسَائِل الْمَسْأَلَة الأولى قَالَ ابْن الْعَرَبِيّ هُوَ صفة مُحَمَّد ﷺ وَبِه اسْتحق سيادة ولد آدم إِذْ خَيره الله تَعَالَى بِي أَن يكون نَبيا ملكا أَو نَبيا عبدا فَاخْتَارَ أَن يكون نَبيا عبدا وخيره آخرا بَين الْخلد فِي الدُّنْيَا ولقائه فَاخْتَارَ لقاءه قلت وَكَيف لَا يتواضع ﷺ وَقد أمره تَعَالَى بذلك

стр. 477

فَفِي الصَّحِيح عَن عِيَاض بن حمَار ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن الله أوصى إِلَيّ أَن تواضعوا حَتَّى لَا يفخر أجد على أحد وَلَا يَبْغِي أحد على أحد الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة مِمَّا يدل على فَضله أَمْرَانِ أَحدهمَا الرّفْعَة بِهِ من الله تَعَالَى فَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ ﵁ عَن رَسُول الله ﷺ قَالَ من تواضع لله دَرَجَة رَفعه الله دَرَجَة حَتَّى يَجعله فِي أَعلَى عليين وَمن تكبر على الله تَعَالَى دَرَجَة نَقصه الله تَعَالَى دَرَجَة حَتَّى يَجعله فِي أَسْفَل سافلين وَلَو أَن أحدكُم يعْمل فِي صَخْرَة صماء لَيْسَ لَهَا بَاب وَلَا كوَّة لخرج مَا غيبه للنَّاس كَائِنا مَا كَانَ الثَّانِي الْوَعْد عَلَيْهِ بِالْجنَّةِ فَفِي الحَدِيث طُوبَى لمن تواضع فِي غير مَعْصِيّة وذل لنَفسِهِ فِي غير مَسْأَلَة وَأنْفق مَالا جمعه فِي غير مَعْصِيّة ورحم أهل الذل والمسكنة وخالط أهل الْفِقْه وَالْحكمَة طُوبَى لمن طَابَ مكسبه وصلحت سَرِيرَته وكرمت عَلَانِيَته وعزل عَن النَّاس شَره طُوبَى لمن عمل بِعِلْمِهِ وَأنْفق الْفضل من مَاله وَأمْسك الْفضل من قَوْله رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ قَالَ الْمُنْذِرِيّ وَحسنه أَبُو عمر النمري وَغَيره

стр. 478

الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة من فَوَائده العاجلة منقبتان المنقبة الأولى دلَالَته على كَمَال الْفضل ومزيد الخصوصية بِهِ قيل لعبد الْملك بن مَرْوَان أَي الرِّجَال أفضل قَالَ من تواضع عَن قدره وزهد عَن كَثْرَة وَترك النُّصْرَة عَن قُوَّة المنقبة الثَّالِثَة مزِيد الشّرف بِهِ على شرف صَاحبه دخل ابْن السماك على الرشيد فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن تواضعك فِي شرفك أشرف لَك من شرفك فَقَالَ مَا أحسن مَا قلت فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن امْرَءًا أَتَاهُ الله جمالا فِي خلقته وموضعا فِي حَسبه وَبسط لَهُ فِي ذَات يَده فعف فِي جماله وواسى فِي مَاله وتواضع فِي حَسبه كتب لَهُ فِي ديوَان الله من خَالص عباده الله فَدَعَا الرشيد بِدَوَاةٍ وَقِرْطَاس وَكتبه بِيَدِهِ الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة قَالَ الْغَزالِيّ هُوَ كَسَائِر الْأَخْلَاق لَهُ طرفان وواسطة فطرف إفراطه تكبر وطرف تفريطه خسة ومهانة وَالْوسط الْمَحْمُود هُوَ التَّوَاضُع قَالَ والميل إِلَى التكبر أفحش من الْميل إِلَى التذلل كَمَا أَن الْميل إِلَى الْبُخْل أفحش من الْميل إِلَى التبذير والمحمود الْمَطْلُوب هُوَ الْعدْل وَوضع الْأُمُور موَاضعهَا حَسْبَمَا يَقْتَضِيهِ الشَّرْع وَالْعَادَة الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة من الْكَلِمَات الْحكمِيَّة فِي هَذَا الْوَصْف التَّوَاضُع أحد مصائد الشّرف وكل نعْمَة مَحْسُود عَلَيْهَا صَاحبهَا إِلَّا التَّوَاضُع

стр. 479

لَا عز لمن تذلل لله وَلَا رفْعَة إِلَّا لمن تواضع لله وَلَا أَمن إِلَّا لمن خَافَ الله اسمان مُخْتَلِفَانِ مَعْنَاهُمَا وَاحِد التَّوَاضُع والشرف بخفض الْجَانِب تأنس النُّفُوس الاستهانة توجب التباعد الانبساط يُوجب الموانسة الانقباض يُوجب الوحشة الْكبر يُوجب المقت والتواضع يُوجب السمت من رأى لنَفسِهِ قيمَة لَيْسَ لَهُ من التَّوَاضُع نصيب لَا يتواضع العَبْد حَتَّى يعرف نَفسه الْمَسْأَلَة السَّادِسَة من الْمَنْقُول فِي هَذَا الْبَاب عَن الْمُلُوك وَذَوي الرياسة حكايتان الْحِكَايَة الأولى ذكر الرشاطي عَن عَليّ بن يُوسُف بن تاشفين من مُلُوك المرابطين أَنه ركب يَوْمًا إِلَى الْمَسْجِد الْجَامِع لشهود صَلَاة الْجُمُعَة فَلَمَّا وصل إِلَى أول رحاب الْمَسْجِد انحط عَن مركبه وَمَشى رَاجِلا فَمر بطريقه على إِنْسَان قد بسط مِئْزَره وَجلسَ عَلَيْهِ ينْتَظر الصَّلَاة فَلَمَّا وصل إِلَيْهِ خلع نَعْلَيْه لِئَلَّا يطَأ المئزر بهما فَلَمَّا جَاوز لبسهما وَلم يَأْمر الرجل بِرَفْع مِئْزَره وَلَا مَشى عَلَيْهِ الْحِكَايَة الثَّانِيَة ذكر أَيْضا عَن إبنه ولي عَهده أَنه ركب يَوْمًا

стр. 480

فَمر فِي زقاق منحصر وَإِذا بصبي على هجين قد تعرض بِهِ فِي ذَلِك الزقاق وَهُوَ لَا يقدر على رده إِلَى الطَّرِيق وإزالته عَن ذَلِك الْمضيق فَوقف ولي الْعَهْد مُدَّة حَتَّى تهَيَّأ للصَّبِيّ الزَّوَال دون أَن يُقَال فِي ذَلِك شَيْء وَحِينَئِذٍ مَشى إِلَى مقْصده قَالَ الحاكي فعجبت من ذَلِك وَقلت لَهُ يَا مولَايَ تكون ولي عهد الْمُسلمين وتقف هَذَا الْموقف لصبي صَغِير على زامل هجين لَا يزحزح عَن طريقك قَالَ فَقَالَ لي وَمَا يدْرك لَعَلَّ مِقْدَاره أرفع من مقدارنا قَالَ فازددت تَعَجبا ثمَّ إِنِّي حدثت بذلك أَمِير الْمُسلمين وَالِده فَلَمَّا انْتَهَيْت إِلَى قَوْله لَعَلَّ مِقْدَاره فِي الْآخِرَة أرفع من مقدارنا قَالَ لي أَمِير الْمُسلمين نعم وَفِي الدُّنْيَا وَمن يعلم مجاري الأقدار وتصاريف اللَّيْل وَالنَّهَار قَالَ فازددت تَعَجبا من ذَلِك الْمطلب الثَّانِي فِي الْكبر وَفِيه مسَائِل الْمَسْأَلَة الأولى من التَّغْلِيظ الْوَارِد فِيهِ وعيدان الْوَعيد الأول تَعْذِيب مُنَازع رب الْعِزَّة فِيهِ بالنَّار فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ يَقُول الله الْعِزّ إزَارِي والكبرياء رِدَائي فَمن يُنَازعنِي شَيْئا مِنْهُمَا عَذبته الْوَعيد الثَّانِي منع أدنى الْقَلِيل مِنْهُ من دُخُول الْجنَّة فَفِي الصَّحِيح عَن ابْن مَسْعُود ﵁ النَّبِي ﷺ قَالَ لَا يدْخل الْجنَّة من كَانَ فِي قلبه مِثْقَال ذرة من كبر فَقَالَ رجل أَن الرجل يجب أَن

стр. 481

يكون ثَوْبه حسنا فَقَالَ إِن الله جميل يحب الْجمال الْكبر بطر الْحق وغمط النَّاس بطر الْحق رده وغمط النَّاس احتقارهم الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة من شُؤْم التخلق بِهِ تَعْجِيل عقوبتين أَحدهمَا مَنعه من فهم الْحق وقبوله قَالَ تَعَالَى سأصرف عَن آبَائِي الَّذين يتكبرون فِي الأَرْض بِغَيْر الْحق الثَّانِي خسف الأَرْض بِصَاحِبِهِ فَفِي الصَّحِيح عَن ابْن عمر ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ بَيْنَمَا رجل مِمَّن قبلكُمْ يجر إزَاره من الْخُيَلَاء خسف بِهِ فَهُوَ مجلجل فِي الأَرْض إِلَى يَوْم الْقِيَامَة أَي يغوص وَينزل فِيهَا الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة شَوَاهِد خسته وَإِن أعتقد الترفع بِهِ أَمْرَانِ أَحدهمَا دلَالَته إِلَى حمق صَاحبه قَالَ أزدشير مَا الْكبر إِلَّا فضل حمق لم يدر صَاحبه أَيْن يذهب بِهِ فصرفها إِلَى الْكبر قلت وَمن لَازم ذَلِك نقص الْعقل لَا محَالة وَلذَلِك قَالَ بعض أهل الْبَيْت مَا دخل قلب امْرِئ شَيْء من الْكبر قطّ إِلَّا نقص من عقله بِقدر مَا دخل من ذَلِك قل أَو كثر الثَّانِي صدوره عَن وجود الذلة فِي النَّفس قَالَ الْأَحْنَف مَا تكبر أحد إِلَّا من ذلة يجدهَا فِي نَفسه الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة للكبر بَاطِن وَهُوَ رُؤْيَة النَّفس خيرا من غَيرهَا وَظَاهر وَهُوَ ثَمَرَته الصادرة عَن الْجَوَارِح وَالْأول أصل وَحَقِيقَته وَالثَّانِي فرع ومجاز

стр. 482

قَالَ الإِمَام الْغَزالِيّ وَبِه ينْفَصل عَن الْعجب فَإِن الْعجب لَا يَسْتَدْعِي غير المعجب بِحَيْثُ لَو خلق وَحده لتصور وجوده وَلَا يكون متكبرا إِلَّا مَعَ من يعْتَقد فَضله عَلَيْهِ قَالَ وَهَذِه العقيدة تنفخ فِيهِ فَيحصل فِي قلبه اعتزاز وركون إِلَى مَا اعتقده وَعز بِهِ فِي نَفسه وَذَلِكَ ورد أعوذ بِاللَّه من نفخة الْكبر انْتهى مُلَخصا أَحدهمَا على الله تَعَالَى كإدعاء الشّركَة مَعَه فِي قَول فِرْعَوْن أَنا ربكُم الْأَعْلَى والترفع عَن عِبَادَته كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿إِن الَّذين يَسْتَكْبِرُونَ عَن عبادتي سيدخلون جَهَنَّم داخرين﴾ قَالَ الْغَزالِيّ وَهُوَ أفحش أَنْوَاعه قَالَ وَلَا مثار إِلَّا الْجَهْل والطغيان الثَّانِي على الرُّسُل كَقَوْلِه قُرَيْش لَوْلَا نزل هَذَا الْقُرْآن على رجل من القريتين عَظِيم قَالَ ابْن الْعَرَبِيّ يَعْنِي وَلم يوضع فِي أقلهم مرتبَة

стр. 483

قَالَ وَلم يعملوا الْمَرَاتِب بجهلهم وقبلوها حِين ثَبت لَهُم قَالَ الْغَزالِيّ وَهُوَ قريب من الْكبر على الله وَإِن كَانَ دونه الثَّالِث على الْعباد كالترفع عَلَيْهِم والأنفة من مساواتهم استحقارا لَهُم واستصغارا قَالَ الْغَزالِيّ وَهُوَ وَإِن كَانَ دون الأول وَالثَّانِي فَهُوَ عَظِيم لوَجْهَيْنِ أَحدهمَا لِأَنَّهُ لَا يَلِيق إِلَّا بِالْملكِ الْقَادِر وَالْعَبْد الْمَمْلُوك الْعَاجِز أَنى لَهُ بذلك وَأَنه يَدْعُو إِلَى مُخَالفَة الْأَمر والاستكشاف من قبُول الْحق تَنْبِيه فِي تحذير قَالَ الشَّيْخ عز الدّين قد يحمل التكبر على الْمَخْلُوق على التكبر على الْخَالِق كحمل تكبر إِبْلِيس على آدم على التكبر عَن السُّجُود لَهُ قَالَ فَمن رأى أَنه خير من أَخِيه احتقارا لَهُ وازدراء بِهِ أَو رد الْحق وَهُوَ يعرفهُ فقد تكبر على الله تَعَالَى الْمَسْأَلَة السَّادِسَة أَسبَاب الْكبر نَوْعَانِ أَحدهمَا ديني وَهُوَ الْعلم إِذا أعجب بِهِ صَاحبه فيستكبر بِهِ على من دونه فِي الْعلم وعَلى الْعَامَّة وَالْعَمَل إِذا أعجب بِهِ صَاحبه أَيْضا فيتكبر بِهِ على من لَا يعْمل مثله قَالُوا وَمَا أسْرع الْكبر إِلَى الْعلمَاء كَمَا أَنه لَا يَخْلُو الْعباد مِنْهُ الثَّانِي دُنْيَوِيّ وَهُوَ الْحسب الْمُوجب لاحتقار النَّاس وَالْجمال أَكثر مَا يجْرِي بَين النِّسَاء وَالْمَال المفتخر بكثرته وَالْقُوَّة المتطاول بهَا على ذَوي الضعْف وَكَثْرَة الأتباع وَالْأَنْصَار قَالَ الإِمَام الْغَزالِيّ وَيجْرِي ذَلِك بَين الْمُلُوك فِي المكاثرة بالجنود

стр. 484

وَبَين الْعلمَاء فِي المكاثرة بالمستفيدين قَالَ وَبِالْجُمْلَةِ فَكل مَا هُوَ نعْمَة وَأمكن أَن يعْتَقد كَمَا لَا وَإِن لم يكن تصورا تصور أَن يتكبر بِهِ حَتَّى أَن المخنث يتكبر على أقرانه بمزيد مَعْرفَته بصنعة التخنيث لاعْتِقَاده أَن ذَلِك كَمَال الْمَسْأَلَة السَّابِعَة قَالَ البلالي مُخْتَصر لكَلَام الْغَزالِيّ يدْفع الْكبر إدامة فكرة فِي أَصله من تُرَاب وطين منتن ونطفة بمَكَان قذر فأوجده يسمع وبصر وعقل ليعرف بِهِ أَوْصَافه وَأخرجه تَعَالَى ضَعِيفا عَاجِزا فرباه وَقواهُ وَعلمه يعلم فيجهل يَصح فيسقم يقدر فيعجز لَا يملك ضرا وَلَا نفعا وَلَا شَيْئا وَمَعَ ذَلِك لَا يشْكر نعْمَة وَلَا يذكر عرض قبائحه وتفرده بِقَبْر موحش عَن أَصْحَابه وأحبابه فَيصير جيفة والأحداق سَالَتْ والألوان حَالَتْ والفصاحة زَالَت والرؤوس تَغَيَّرت ومالت مَعَ فتان يَأْتِيهِ فيقعده ويسأله عَمَّا كَانَ يَعْتَقِدهُ ثمَّ يكْشف لَهُ من الْجنَّة وَالنَّار مقعدة إِلَى مبعثه فَيرى أَرضًا مبدلة وقبورا مبعثرة وسماء مشققة وشمسا مكورة ونجوما منكدرة وملائكة منزلَة وأهوالا مذعرة وصحفا منشرة وَنَارًا مزفرة وجنة مزخرفة فَمَا لمن هَذِه حَاله وَالْكبر وَنَحْوه مَعَ أَنه يحْشر على صُورَة الذَّر تطأه النَّاس كَمَا صَحَّ فالكبرياء وَالْعَظَمَة للعزيز الْقَادِر لَا للْعَبد الْعَاجِز قَالَ فالمتكبر وَنَحْوه مبتلى لَا يرحم الْمَسْأَلَة الثَّامِنَة علاجه على التنزل بمدارات أَسبَابه فالعلم وَكبره أبعد عَن قبُول العلاج إِلَّا بِمَشَقَّة عَظِيمَة بِمَعْرِِفَة أَن الْحجَّة على الْعَالم أبلغ وَأَن الْكبر لَا يَلِيق إِلَّا بِاللَّه وَالْعَمَل فتنته عَظِيمَة بِلُزُوم التَّوَاضُع لسَائِر الْعباد من عَالم فَوْقه ومستور لاحْتِمَال أَن يكون أقل مِنْهُ دينا ومكشوف لِإِمْكَان نجاته والحسب بمعرفته الله أَن التعزز بِكَمَال الْغَيْر جَهَالَة فَإِن النّسَب

стр. 485

الْحَقِيقِيّ مَا تقدّمت لإشارة إِلَيْهِ من خلق أَصله وَالْجمال بِالنّظرِ إِلَى قبائح الْبَاطِل من بَوْل وغائط ومخاط وبصاق وَرشح دم مُنْضَمًّا إِلَى قذارة مبدئه وَالْقُوَّة بِعلم مَا سلط عَلَيْهِ من الْأَمْرَاض والآفات وَأَنَّهَا دون قُوَّة الْبَهَائِم وَكَثْرَة المَال والإتباع فَإِن الْكبر بذلك إِنَّمَا هُوَ بِخَارِج قَالَ الإِمَام الغوالي وَهُوَ أقبح أَنْوَاع الْكبر لِأَن مَا لَيْسَ بذاتي لَا يَدُوم فالتفاخر بِهِ غَايَة الْجَهْل الْمَسْأَلَة التَّاسِعَة قَالَ ابْن قيم الجوزية الْفرق بَين الْكبر وَبَين المهابة أَن المهابة أثر امتلاء الْقلب بعظمة الرب ومحبته وَإِذا امتلاء بذلك حل فِيهِ النُّور وألبس رِدَاء الهيبة فاكتسى وَجهه الْحَلَاوَة والمهابة فحنت إِلَيْهِ الأفئدة وقرت بِهِ الْعُيُوب وَالْكبر أثر الْعجب فِي قلب مَمْلُوء جهلا وظلما نزل عَلَيْهِ المقت فنظره شزر ومشيته تبختر لَا يبْدَأ بِسَلام وَلَا يرى لأحد حَقًا وَيرى حَقه على غَيره فَلَا يزْدَاد من الله إِلَّا بعدا وَلَا من النَّاس إِلَّا صغَارًا وبعضا انْتهى مُلَخصا الْمَسْأَلَة الْعَاشِرَة قَالَ وَالْفرق بَينه وَبَين الصيانة أَن الصائن لنَفسِهِ كلا بس ثوب جَدِيد نقي الْبيَاض يدْخل بِهِ على الْمَمْلُوك فَمن دونهم فَهُوَ يصونه عَن الْوَسخ وأنواع الْآثَار وَمَتى أَصَابَهُ شَيْء من ذَلِك بَادر إِلَى إِزَالَته ومحو آثاره وَكَذَا الصائن لِقَلْبِهِ وَدينه فَلذَلِك لَا يتَقرَّب من النَّاس ويحترس من غوائل مخالطتهم بِمَا ظَاهره التعزز مَخَافَة أَن يتَأَذَّى قلبه بِمَا هُوَ أعظم فِي الْأَثر من الطبوع الْفَاحِشَة فِي الثَّوْب النقي والمتكبر وَأَن شابهه فِي الْعِزَّة والتخنث فقصده أَن يَعْلُو رقابهم ويجعلهم تَحت قدمه فَقَالَ هَذَا لون وَذَاكَ لون وانْتهى مُلَخصا

стр. 486

الْمَسْأَلَة الْحَادِيَة عشرَة يبغض الْفُسَّاق فِي الله تَعَالَى وَلَا يتكبر عَلَيْهِم فالكافر لَا مَكَان أَن يخْتم لَهُ بِخَير والمتكبر عَلَيْهِ بِخِلَافِهِ والمبتدع كَذَلِك فالكافر لامكان أَن يخْتم لَهُ بِخَير والمتكبر عَلَيْهِ بِخِلَافِهِ والمبتدع كَذَلِك وَإِن منع شوم الْبِدْعَة من التَّوْبَة عَنْهَا غَالِبا والعاصي من بَاب أولى قَالَ الشَّيْخ عز الدّين وَترك الْكبر عَلَيْهِ بِمَعْرِِفَة نعْمَة الله عَلَيْك فِي الْعِصْمَة من مثل علمه ومجانبته لله تَعَالَى مَعَ خوفك على نَفسك بِحَيْثُ لَا تظن أَنَّك نَاجٍ وَهُوَ هَالك فكم من عَاص ختم لَهُ بِخَير وَكم من مُطِيع ختم لَهُ بشر لَا يسخر قوم من قوم عَسى أَن يَكُونُوا خيرا مِنْهُم تَنْبِيه قَالَ الشَّيْخ عز الدّين لَيْسَ من الْكبر أَن يعرف الْإِنْسَان مَا فَضله الله تَعَالَى بِهِ على غَيره وَإِنَّمَا الْكبر أَن يحتقره ويعتقد أَنه عِنْد الله فِي الْآخِرَة خير مِنْهُ مَعَ جَهله بِمَا يؤول إِلَيْهِ أَمرهمَا الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة عشرَة من الْكَلِمَات الْحكمِيَّة فِي هَذَا الْخلق الانبساط يُوجب المؤانسة والانقباض يُوجب الوحشية وَالْكبر يُوجب المقت والتواضع يُوجب الْمِنَّة والاستهانة يُوجب التباعد من مقته رِجَاله لم يستقم حَاله وَمن أبغضته بطانته كَانَ كمن غص بِالْمَاءِ وَمن كرهه الحماة تطاول عَلَيْهِ الْأَعْدَاء (تكبر الْحر على من فَوْقه ... وتكبر النذل على من دونه) الْمطلب الثَّانِي فِي الْعجب وَفِيه مسَائِل الْمَسْأَلَة الأولى جعل الطرطوشي هَذَا الْوَصْف مَعَ فَرعه وَهُوَ الْكبر من الْأَوْصَاف الَّتِي لَا تدوم مَعهَا مملكة قَائِلا وَمن أعجب الْعَجَائِب دوَام الْملك مَعَ الْكبر والإعجاب

стр. 487

وَنقل عَن الْأَوْزَاعِيّ يهْلك السُّلْطَان بالإعجاب والاحتجاب قَالَ الْغَزالِيّ وَهُوَ مَذْمُوم فِي كتاب الله وَسن رَسُوله ﵊ قلت وَيَكْفِي من ذَلِك أَمْرَانِ أَحدهمَا إِنْكَاره تَعَالَى على من تعرض بِهِ للخذلان قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَيَوْم حنين إِذْ أَعجبتكُم كثرتكم فَلم تغن عَنْكُم شَيْئا وَضَاقَتْ عَلَيْكُم الأَرْض بِمَا رَحبَتْ ثمَّ وليتم مُدبرين﴾ الثَّانِي انتظامه فِي سلك الصِّفَات الْمهْلكَة فَفِي الحَدِيث ثَلَاث مهلكات شح مُطَاع وَهوى مُتبع وَإِعْجَاب الْمَرْء بِنَفسِهِ الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة قَالَ بعض الْحُكَمَاء الَّذِي يحد ث للملوك التيه فِي أنفسهم والإعجاب بآرائهم كَثْرَة مَا يسمونه من ثَنَاء النَّاس عَلَيْهِم وَلَو أَنهم أنصفوهم أَو صدقوهم عَن أنفسهم لَا بصروا الْحق وَلم يخف عَلَيْهِم شَيْء من أنفسهم وروى الْخطابِيّ بِسَنَدِهِ أَن يحيى بن الحكم قيل لَهُ عمر بن عبد الْعَزِيز مولده مولده ومنشأه منشأه جَاءَ كَمَا رَأَيْت يَعْنِي فِي الْكَمَال قَالَ أَن أَبَاهُ أرْسلهُ للحجاز شَابًّا سوقة يغْضب النَّاس ويغضبونه ويمخض النَّاس ويمخضونه وَالله لقد ولى الْحجَّاج وَمَا عَرَبِيّ أحسن أدبا مِنْهُ فطالت مُدَّة ولَايَته فَكَانَ لَا يسمع إِلَّا مَا يحب فَمَاتَ وَأَنه لأحمق سيء الْخلق وَالْأَدب

стр. 488

الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة للتخلق بِهِ آفَات الآفة الأولى الْكبر وَهُوَ غَالب أَسبَابه قَالَ الشَّيْخ عز الدّين وَلذَلِك يُطلق الْكبر على الْعجب لِأَنَّهُ مسبب عَنهُ الآفة الثَّانِيَة حجبه عَن التَّوْفِيق والتأييد من الله تَعَالَى لإِصْلَاح صَاحبه لما وثق بِهِ من نَفسه قَالَ الْغَزالِيّ وَإِذا انْقَطع عَن العَبْد التَّوْفِيق والتأييد فَمَا أسْرع مَا يهْلك الآفة الثَّالِثَة إفساده للْعَمَل الصَّالح قَالَ عِيسَى ﵇ يَا معشر الحواريين كم من سراج أطفأته الرّيح وَكم من عَابِد أفْسدهُ الْعجب قلت وَمن ثمَّ قيل هُوَ آفَة المتعبدين من الْأَوَّلين والآخرين الآفة الرَّابِعَة مَنعه من الاستفادة والاستشارة إِذا كَانَ بِالرَّأْيِ وَالْعقل قَالَ الْغَزالِيّ وَرُبمَا يعجب بِالرَّأْيِ الْخَطَأ فيفرح بِهِ لكَونه من خواطره فيصر عَلَيْهِ وَلَا يسمع نصح نَاصح وَلَا وعظ واعظ الآفة الْخَامِسَة فتور المقرب بِهِ عَن طلب النجَاة لظَنّه أَنه قد فَازَ قَالَ الإِمَام الْغَزالِيّ وَهُوَ الْهَلَاك الصَّرِيح الَّذِي لَا شُبْهَة فِيهِ الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة قَالَ الشَّيْخ عز الدّين الْعجب فرحة فِي النَّفس بِإِضَافَة الْعَمَل إِلَيْهَا وحمدها عَلَيْهِ مَعَ نِسْيَان أَن الله تَعَالَى هُوَ الْمُنعم بِهِ والمتفضل بالتوفيق إِلَيْهِ قَالَ وَمن فَرح بذلك لكَونه منَّة من الله تَعَالَى واستعظمه لما يَرْجُو عَلَيْهِ من ثَوَابه وَلم يضفه إِلَى نَفسه وَلم يحمدها عَلَيْهِ فَلَيْسَ بمعجب الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة الْعجب أَنْوَاع

стр. 489

أَحدهمَا الْجمال ذهولا عَن شُهُود الْمِنَّة بِهِ من الله تَعَالَى وينفيه النّظر فِي بَدْء خلقه إِلَى مَا يصير إِلَيْهِ الثَّانِي الْقُوَّة استعظاما لَهَا مَعَ نِسْيَان شكرها وَترك الِاعْتِمَاد على خَالِقهَا كَقَوْل عَاد من أَشد منا قُوَّة وينفيه اعترافه بمطالبة الشُّكْر عَلَيْهَا وَأَنَّهَا معروضة للسلب فَيُصْبِح أَضْعَف الْعباد الثَّالِث الْعقل والكياسة لَهُ واستبدادا بِهِ وينفيه ترديد الشُّكْر عَلَيْهِ وتجويز أَن يسلب مِنْهُ كَمَا فعل بِغَيْرِهِ وَأَنه وَإِن اتَّسع الْعلم بِهِ فَمَا أُوتِيَ مِنْهُ إِلَى قَلِيلا الرَّابِع النّسَب الشريف افتخارا بِهِ واعتقاد الْفضل بِهِ على كثير من الْعباد وينفيه علمه بِأَنَّهُ لَا يجلب ثَوابًا وَلَا يدْفع عقَابا وَإِن أكْرم النَّاس عِنْد الله أَتْقَاهُم وَأَن النَّبِي ﷺ قَالَ لابنته فَاطِمَة وَعَمَّته صَفِيَّة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا لَا أُغني عنكما من الله شَيْئا الْخَامِس الانتماء إِلَى ظلمَة الْمُلُوك وفسقة أعوانهم تَشْرِيفًا بهم فِيمَا يتَوَهَّم قَالَ الإِمَام الْغَزالِيّ وَهُوَ غَايَة الْجَهْل وينفيه الفكرة فِي مخازيهم

стр. 490

ومقتهم عِنْد الله تَعَالَى وَحقّ المنتسب إِلَيْهِم مَتى عصم من ظلهم شكر الله على ذَلِك واستغفاره لَهُم أَن كَانُوا مُسلمين السَّادِس كَثْرَة الْأَوْلَاد والأقارب والأتباع اعْتِمَاد عَلَيْهِم ونسيانا للتوكل على رب الأرباب وينفيه بتحققه أَن النَّصْر من عِنْد الله وَأَن الْكَثْرَة مِنْهُم لَا تغنى عِنْد حُضُور الْمَوْت شَيْئا السَّابِع اعتدادا بِهِ وتعويلا عَلَيْهِ ونفيه علمه أَن المَال فتْنَة وَأَن لَهُ آفَات مُتعَدِّدَة وَأَن الْأَكْثَرين هم الأقلون يَوْم الْقِيَامَة الثَّامِن الرَّأْي الْخَطَأ توهما أَنه نعْمَة وَهُوَ فِي نفس الْأَمر نقمة قَالَ تَعَالَى ﴿أَفَمَن زين لَهُ سوء عمله فَرَآهُ حسنا﴾ قَالَ ﴿وهم يحسبون أَنهم يحسنون صنعا﴾ وينفيه على جهد جهيد للْجَهْل بِهِ اتهام رَأْيه من حَيْثُ هُوَ من جملَة الْبشر الْوَاقِع مِنْهُم الْخَطَأ كثيرا الْقَاعِدَة الثَّامِنَة عشرَة سَلامَة الصَّدْر من الحقد والحسد وَفِيه طرفان الطّرف الأول فِي الحقد وَفِيه مسَائِل الْمَسْأَلَة الأولى حَقِيقَة إِضْمَار الشَّرّ المتوقع دَائِما لمن عجز عَن التشفي مِنْهُ بغضة لَهُ واستثقالا وَالْفرق بَينه وَبَين الموجدة من وَجْهَيْن

стр. 491

الْوَجْه الأول أَن الموجدة إحساس بالمولم وتحرك من النَّفس فِي دفْعَة فَهُوَ كَمَال بِخِلَاف الحقد الْمُفَسّر بِمَا ذكر الْوَجْه الثَّانِي الموجدة لما ينالك مِنْهُ والحقد لما يَنَالهُ مِنْك قَالَ ابْن قيم الجوزية فالموجدة سريعة الزَّوَال مَعَ صلابة الْقلب وَقُوَّة نوره والحقد لَا يزَال أَثَره فِي الْقلب مَعَ ضَيفه واستيلاء ظلمَة النَّفس عَلَيْهِ الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة من ثَمَرَات الحقد الْحَسَد ومزيد الشماتة بالمحسود وهجر الْمُسلم ومصارمته والإعراض عَنهُ وَالْكَلَام فِيهِ بِمَا لَا يحل من غيبَة وَكذب وإفشاء سر وهتك ستر واستهزاء وسخرية وَضرب وإيلام وَمنع حُقُوق قَالَ الإِمَام الْغَزالِيّ وكل ذَلِك حرَام الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة للحقود عِنْد الْقُدْرَة أَحْوَال أَن يسْتَوْفى حَقه من غير زِيَادَة وَلَا نقص وَهُوَ الْعدْل وَأَن يحسن إِلَيْهِ بِالْعَفو والصلة وَهُوَ الْفضل وَأَن يَظْلمه بِمَا لَا يسْتَحقّهُ وَهُوَ الْجور قَالَ الإِمَام الْغَزالِيّ وَالْأولَى دَرَجَة الصَّالِحين وَالثَّانِي اخْتِيَار الصديقين وَالثَّالِث اخْتِيَار الأرذال الطّرف الثَّانِي فِي الْحَسَد وَفِيه مسَائِل الْمَسْأَلَة الأولى عد الْحُكَمَاء هَذَا الْوَصْف من الْخِصَال الَّتِي لَا تغتفر من السُّلْطَان قَالَ الطرطوشي لِأَنَّهُ إِذا كَانَ حسودا لم يشرف أحدا وَإِذا ضَاعَت الْأَشْرَاف هَلَكت الإتباع

стр. 492

قلت ولوجوه آخر وَهُوَ قَول أفلاطون حسد الْملك يخفى بهجة الْملك الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة مِمَّا يدل على ذمَّة فِي الْجُمْلَة أَمْرَانِ أَحدهمَا عده فِي الْجُمْلَة الصِّفَات الْمنْهِي عَنْهَا فَفِي الصَّحِيح عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ إيَّاكُمْ وَالظَّن فَإِن الظَّن أكذب الحَدِيث وَلَا تجسسوا وَلَا تنافروا وَلَا تنافسوا وَلَا تباغضوا وَلَا تدابروا وَكُونُوا عباد الله إخْوَانًا الْمُسلم أَخُو الْمُسلم لَا يَظْلمه وَلَا يَخْذُلهُ وَلَا يتحقره التَّقْوَى هَا هُنَا التَّقْوَى هَاهُنَا التَّقْوَى هَاهُنَا يُشِير إِلَى صَدره بِحَسب أمريء من الشَّرّ أَن يحقره أَخَاهُ الْمُسلم على الْمُسلم حرَام دَمه وَعرضه وَمَاله الثَّانِي أكله للحسسنات فَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ إيَّاكُمْ والحسد فَإِن الْحَسَد يَأْكُل الْحَسَنَات كَمَا بِأَكْل النَّار الْحَطب الرَّقِيق أَو قَالَ العشب رَوَاهُ أَبُو دَاوُود قَالَ الْمُنْذِرِيّ وَرَوَاهُ ابْن ماجة من حَدِيث أنس ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ إِن الْحَسَد يَأْكُل الْحَسَنَات كَمَا تَأْكُل النَّار الْحَطب الرَّقِيق وَالصَّدَََقَة تُطْفِئ الْخَطِيئَة كَمَا يُطْفِئ المَاء النَّار وَالصَّلَاة نور الْمُؤمن وَالصِّيَام جنَّة من النَّار الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة من أعظم آفاته العاجلة أَمْرَانِ أَحدهمَا حمله على ارْتِكَاب الشرور المتناهية الذَّم كتملقه فِي الْحُضُور واغتيابه فِي المغيب وشماتته فِي الْمُصِيبَة قَالَ الإِمَام الْغَزالِيّ وحسبك أَن الله تَعَالَى أَمر بالاستعاذة من شَرّ الْحَاسِد إِذا حسد

стр. 493

فَقَالَ ﴿وَمن شَرّ حَاسِد إِذا حسد﴾ حَتَّى لَا مستعان عَلَيْهِ إِلَّا بِاللَّه رب الْعَالمين الثَّانِي مَنعه من الظفر بالمراد وخذلانه عِنْد الِانْتِصَار على الْأَعْدَاء فقد قيل الْحَاسِد غير مَنْصُور قَالَ الْغَزالِيّ كَيفَ يظْهر بمراده وَمرَاده زَوَال نعم الله على عباده الْمُسلمين أَو ينصر على أعدائه وهم عباد الله الْمُؤمنِينَ الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة حَقِيقَته كَرَاهَة النِّعْمَة وَحب زَوَالهَا عَن الْمُنعم عَلَيْهِ فَتخرج المنافسة إِذْ لَا كَرَاهَة فِيهَا للنعمة وَلَا حب لزوالها بل غايتها تمني النَّفس مثلهَا فَحسب وَلذَلِك أَمر فِيمَا هُوَ دين كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وَفِي ذَلِك فَلْيَتَنَافَس الْمُتَنَافسُونَ﴾ وَحرم الْحَسَد بِكُل حَال قَالَ الإِمَام الْغَزالِيّ إِلَّا نعْمَة كَافِر أَو فَاجر يَسْتَعِين بهَا على فَسَاد فَلَا يضر كراهتها ومحبة زَوَالهَا الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة للحسد مَرَاتِب أَن يحب زَوَال النِّعْمَة وَإِن كَانَت لَا تنْتَقل إِلَيْهِ يجب انتقالها من حَيْثُ هِيَ مَطْلُوبَة لَا مُجَرّد زَوَالهَا نولا يُرِيد عينهَا بل مثلهَا فَإِن عجز عَن ذَلِك أحب زَوَالهَا لِئَلَّا يفوتهُ بهَا أَو يُرِيد مثلهَا فَإِن عجز لم يحب زَوَالهَا وَهَذِه الْأَخِيرَة قَالَ الإِمَام الْغَزالِيّ مَعْفُو عَنْهَا فِي الدُّنْيَا ومندوب إِلَيْهَا فِي الدّين وَالثَّالِثَة فِيهَا مَذْمُوم وَالثَّانيَِة أخف من الثَّالِثَة وَالْأولَى غَايَة الْخبث الْمَسْأَلَة السَّادِسَة أَسبَاب الْحَسَد أَنْوَاع أَحدهمَا الْعَدَاوَة وَهُوَ أقواها وَتُؤَدِّي إِلَى التَّنَازُع وضياع الْعُمر فِي إِعْمَال الْحِيلَة فِي زَوَال النِّعْمَة

стр. 494

الثَّانِي خَوفه من ترفع غَيره عَلَيْهِ بِنِعْمَة فيريد سلبها ليحصل التَّسَاوِي فَيَأْمَن مَكْرُوه الْكبر عَلَيْهِ الثَّالِث خشيَة أَن لَا يحْتَمل ذُو النِّعْمَة المستجدة مَعْهُود الترفع عَلَيْهِ فيتمنى زَوَالهَا لِئَلَّا يفوتهُ ذَلِك أَو يُسَاوِيه بهَا فَيَعُود متكبرا بعد أَن كَانَ متكبرا عَلَيْهِ الرَّابِع تعجبه من رُتْبَة خص بهَا غيرَة كَقَوْل بعض الْكَفَرَة مَا أَنْتُم إِلَّا بشر مثلنَا تَعَجبا من تَخْصِيص بشر مثلهم بمزية الرسَالَة الْخَامِس خوف فَوت الْمَقَاصِد وتختص بمتزاحمين على مَقْصُود وَاحِد كالغزاة والتلاميذ وخواص الْمُلُوك وَنَحْوهم قَالَ البلالي وَأما الْغِبْطَة ومحبة نِهَايَة لَا تدْرك فَحسن السَّادِس حب الِانْفِرَاد بالرياسة بِحَيْثُ إِذا تخْتَص بِصفة كَمَال وَسمع فِي أقْصَى الْعَالم بنظير أحب مَوته أَو زَوَال النِّعْمَة الَّتِي بهَا الْمُشَاركَة السَّابِع خبث النَّفس وردائتها فَيشق عَلَيْهِ إِذا وصف أحد بفضيلة ويرتاح لذكر رذائل النَّاس وَمَا هم عَلَيْهِ من النقائض قَالَ الْغَزالِيّ فَهُوَ أبدا يحب الأدبار لغيره وَيبْخَل بِنِعْمَة الله على عباده تبصرة قَالَ البلالي مُخْتَصرا لكَلَامه ومنشأ هَذِه الْأَسْبَاب حب الدُّنْيَا لضيقها فَارْحَمْ نَفسك بنعيم لَا زحام فِيهِ وَهُوَ معرفَة الله تَعَالَى وعجائب ملكوته وَبهَا تُدْرِكهُ فِي الْآخِرَة وَمن قلت فِيهَا رغبته فَلَيْسَ بِرَجُل إِذْ شوقه

стр. 495

بعد ذوقه وَمن يذقْ لم يشتق وَمن لم يشق لم يطْلب وَمن لم يطْلب لم يدْرك وَمن لم يدْرك بَقِي من المحرومين الْمَسْأَلَة السَّابِعَة يَكْفِي مِمَّا يَنْفِي الْحَسَد أَمْرَانِ أَحدهمَا عمله بِعُود ضَرَره عَلَيْهِ وَدُنْيا فَفِي الدّين بمفارقة الْأَنْبِيَاء وَالصَّالِحِينَ ومشاركة أَعدَاء الله تَعَالَى بتسخط قَضَائِهِ وَكَرَاهَة قسمته لِعِبَادِهِ وَحب زَوَالهَا عَن الْمُؤمن ونزول الْبلَاء بِهِ مَعَ الْوُقُوع فِيهِ غَالِبا بالغيبة وَنَحْوهَا وَفِي الدُّنْيَا بتألمه بتوالي الغموم عَلَيْهِ مِمَّا يرى من نعْمَة على محسودة تمنى محبته بزوالها عَنهُ فتعجل لَهُ المحنة الدائمة بغمة وكربه وكمده الثَّانِي مَعْرفَته بنفع الْمَحْسُود بِهِ دنيا ودينا فَفِي الدّين بِنَقْل حَسَنَاته إِلَيْهِ إِذْ هُوَ مظلوم لَهُ مِمَّا وصل مِنْهُ إِلَيْهِ وَفِي الدُّنْيَا بمحبته العائدة عَلَيْهِ وَلذَلِك لَا يتَمَنَّى مَوته بل طول حَيَاته لَكِن فِي غم الْحَسَد وأليم عَذَابه قَالَ الشَّاعِر (لامات أعداؤك بل خلدوا ... حَتَّى يرَوا مِنْك الَّذِي يكمد) (لَا زلت محسودا على نعْمَة ... فَإِنَّمَا الْكَامِل من يحْسد) الْمَسْأَلَة الثَّامِنَة قَالَ الْغَزالِيّ لَك فِي أعدائك ثَلَاثَة أَحْوَال أَحدهمَا أَن تحب مساءتهم بطبعك وَتكره حبك لذَلِك وتود زَوَاله من قَلْبك وَهَذَا مَعْفُو عَنهُ إِذْ لَا يدْخل تَحت الِاخْتِيَار أَكثر مِنْهُ
следующие страницы →