← Сияса и кади

Сияса и кади · id 7236

بدائع السلك في طبائع الملك

ابن الأزرق

Полный текст (992 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

ينزلنا بعض بِلَادنَا وَإِنَّمَا أنزلنَا بعض بِلَاده وَلم يَأْمُرنَا أَن نسيء بِعَبْدِهِ فَكيف يحسن للْعَبد أَن يسيء إِلَى عبد مثله وَمَا أرى النِّعْمَة عِنْد أحد أوفر مِنْهَا عندنَا أهل الْبَيْت وَلَا الشُّكْر على أحد أوجب مِنْهُ علينا وَلست أَرْجُو الله بقبيح الْمعْصِيَة إِنَّمَا أرجوه بِحسن الطَّاعَة وَقد أريتني بعض مَا تصنع وسأريك بعض مَا أصنع وأتاني عَنْك بعض مَا أكره وَلنْ ترى إِلَّا مثله وَقد بعثت إِلَيْك الْغَوْث بن غياث وأمرته بإيقافك للنَّاس ومجازاتك مَا أفرطت حَذْو النَّعْل بالنعل والقذة بالقذة وَمَا أُرِيد إِلَّا الْحق فَإِن جاوزته فَأَنا أَحَق بالعقوبة مِنْك وَلِأَن ألْقى الله وَأَنت ساخط بِمَا أصنع وَهُوَ رَاض بِهِ أحب إِلَيّ من أَن أَلْقَاهُ وَقد أسخطته وَأَنت عني رَاض فَلَمَّا انْتهى الْغَوْث إِلَى الْعَامِل أَقَامَهُ النَّاس فَإِذا الَّذِي قيل عَنهُ بَاطِل وَإِذا الْعَامِل عَنهُ غافل وَذَلِكَ أَنه كَانَ صَحِيحا فِي أمره لَا يَأْخُذ فِيهِ إِلَّا بالشدة وَلَا يعرف إِلَّا بِالصِّحَّةِ وَكَانَ الْغَوْث ذَا دهاء وَنظر فَقَالَ وَالله لأنظر من أَيْن هَذِه الشكوى الَّتِي لَيْسَ لَهَا أصل يُوصف وَلَا فرع يعرف فَسَأَلَ عَن الْعَامِل فِي السِّرّ من يخبر أمره فأخبروه بِأَنَّهُ مَمْلُوء كبرا وَأَنه لَا ينْطق إِلَّا نزرا وَلَا ينظر إِلَّا شزرا كَأَن لَهُ عَلَيْهِم منَّة أَو بَينه وَبينهمْ احنة فَقَالَ الْغَوْث من هَا هُنَا أَتَى وَكتب إِلَى تبع يُعلمهُ بذلك وأعلمه أَنه أطلق عَلَيْهِ الألسن وأشخص إِلَيْهِ الْأَعْين وألب عَلَيْهِ النَّاس فَأتوهُ من كل أَوب يقذفونه بِكُل عيب فَلم يثبت عَلَيْهِ من ذَلِك كثير يعذب عَلَيْهِ وَلَا قَلِيل يعْزل فِيهِ سوى تكبر قد مقت لَهُ وتجبر قد عيب بِهِ وفظاظة قد أحنقت بهم عَلَيْهِ فَأَجْمعُوا لَهُ على البغض فسبوه سرا ومقتوه جَهرا ونسبوه فِي كل أَمر إِلَى غَايَة الْفَحْشَاء

стр. 527

وَقد تَضَمَّنت الْحِكَايَة اسْتِدْرَاك مَا أوقع فِيهِ الْهوى بعد الِاعْتِرَاف بِتَعَدُّد جناياته مَعَ الموعظة البليغة والتنبيه على سوء عَاقِبَة الْكبر والتجبر

стр. 528

الْمَحْظُور الثَّانِي الترفع عَن المداراة وَذَلِكَ لموجبين الْمُوجب الأول أَنه سنة بدليلين أَحدهمَا مَا فِي الصَّحِيح عَن عَائِشَة ﵂ قَالَت اسْتَأْذن رجل على النَّبِي ﷺ فَقَالَ ايذنوا لَهُ بئس أَخُو الْعَشِيرَة فَلَمَّا دخل ألان لَهُ القَوْل فَقَالَت يَا رَسُول الله قلت الَّذِي قلت ثمَّ ألنت لَهُ الْكَلَام قَالَ يَا عَائِشَة إِن شَرّ النَّاس من ودعه النَّاس اتقاء فحشه الثَّانِي مَا روى عَن أبي الدَّرْدَاء ﵁ عَنهُ أَنه قَالَ إِنَّا نكشر فِي وُجُوه أَقوام وقلوبنا تلعنهم قَالَ ابْن الْعَرَبِيّ هَذَا على زهده وصرامته فِي الْحق قلت وَمن هَذَا الْمَعْنى قَوْله (وَكم من يَد قبلتها عَن ضَرُورَة ... وَكَانَ اخْتِيَاري قطعهَا لَو أمكن)

стр. 529

(وَلَكِن على حُلْو الزَّمَان ومره ... أداري عدوي بِالَّتِي هِيَ أحسن) وَقَالَ آخر (إِن سَوَّلت نَفسِي إِلَيّ دنية ... وأطعتها مَا عَن رضاي أطعتها) (كم من يَد قبلتها وَلَو أنني ... مكنت مِنْهَا سَاعَة لقطعتها) وَقَالَ آخر (إِذا مَا عَدوك يَوْمًا مَا سمى ... إِلَى حَالَة لم ترد نقضهَا) (فَقبل وَلَا تأنفن كَفه ... إِذا أَنْت لم تستطع عضها) الْمُوجب الثَّانِي أَن تخلق السُّلْطَان بِمَا يعود عَلَيْهِ بفوائد لَا يَسعهُ إهمال الْعبْرَة بهَا مِنْهَا مَا أَشَارَ إِلَيْهِ أفلاطون بقوله اسْتعْمل المداراة فِي قُوَّة سلطانك فَإِنَّهَا تؤنسك فِي زمَان خوفك وتملكك قُلُوب المنحرفين عَنْك قلت وَيظْهر مِنْهُ أَن اسْتِعْمَالهَا عِنْد ضعف الْملك أولى وَأوجب فَائِدَة

стр. 530

قَالَ الْعلمَاء المداراة سنة والمداهنة مَعْصِيّة قَالَ ابْن قيم الجوزية وَالْفرق بَينهمَا أَن المدارى يتلطف بِصَاحِبِهِ حَتَّى يسْتَخْرج مِنْهُ الْحق أَو يردهُ إِلَيْهِ أَو عَن الْبَاطِل والمداهن يتلطف بِهِ ليقره على الْبَاطِل ويتركه على هَوَاهُ قَالَ فالمداراة لأهل الْإِيمَان والمداهنة لأهل النِّفَاق تَمْثِيل وَقد ضرب لذَلِك مثلا مطابقا وَهُوَ رجل بِهِ قرحَة عرف حالتها الطَّبِيب المداري الرفيق فلينها حَتَّى نَضِجَتْ ثمَّ بطها بِرِفْق ثمَّ وضع عَلَيْهَا المرهم حَتَّى منع فَسَاد موضعهَا وَنبت فِيهِ اللَّحْم ثمَّ رد على مَا نبت مِنْهُ مَا نشفت الرُّطُوبَة عَنهُ إِلَى أَن تمّ برؤها والمداهن يَقُول لصَاحِبهَا لَا بَأْس عَلَيْك هِيَ لَا شَيْء فأله عَنْهَا فَلم تزل مَا دتها تقوى وتستحكم حَتَّى عظم فَسَادهَا انْتهى الْمَحْظُور الثَّالِث قبُول السّعَايَة والنميمة ويتضح ذَلِك من جِهَات الْجِهَة الأولى حَقِيقَة النميمة قَالَ الْغَزالِيّ كشف مَا يكره كشفه سَوَاء كرهه الْمَنْقُول عَنهُ أَو الْمَنْقُول إِلَيْهِ أَو كرهه ثَالِث أَو سَوَاء كَانَ الْكَشْف بالْقَوْل

стр. 531

أَو الْكِنَايَة أَو بالرمز أَو بِالْإِيمَاءِ أَو نَحْو ذَلِك وَسَوَاء كَانَ الْمَنْقُول قولا أَو عملا عينيا أَو غَيره قَالَ فحقيقتها إفشاء السِّرّ وهتك السّتْر مِمَّا يكره كشفه قلت وَاخْتَصَرَهُ البلالي بقوله نقل مَكْرُوه ليفسد قَالَ وضابطها كشف مَا يكره من شَيْء بِكُل مَا يفهم الْجِهَة الثَّانِيَة حكمهَا وَهُوَ التَّحْرِيم قَالَ النَّوَوِيّ وَقد تظاهرت بذلك الدَّلَائِل الصَّرِيحَة من الْكتاب وَالسّنة وَالْإِجْمَاع قلت ويغنى عَن ذَلِك أَمْرَانِ أَحدهمَا النَّهْي عَن طَاعَة صَاحبهَا فِي الْمَنْقُول مَعَ الْمُبَالغَة فِي ذمه قَالَ الله تَعَالَى وَلَا تُطِع كل حلاف مهين هماز مشاء بنميم منا للخير مُعْتَد أثيم عتل بعد ذَلِك زنيم قَالَ الطرطوشي ذكر الله تَعَالَى أَصْنَاف أهل الْكفْر والإلحاد والتثليث وَالْفِسْق وَالظُّلم وشبههمفلم يسب تَعَالَى وَاحِدًا مِنْهُم إِلَّا النمام بِهَذِهِ الْآيَة قَالَ وحسبك بهَا خسة ورذيلة وسقوطا وضعة قلت وَلقَائِل أَن يَقُول السَّبَب بِهَذِهِ المثالب لَيْسَ لمُجَرّد النميمة فَقَط بل لِأَن من نزلت فِيهِ الْآيَة كَانَ متصفا بهَا فَمن ثمَّ سَبَب الْجَمِيع تنفيرا عَن مُتَابعَة

стр. 532

الثَّانِي مَنعه من دُخُول الْجنَّة مَعَ التعذيب عَلَيْهَا فِي الْقَبْر فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن حُذَيْفَة ﵁ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ لَا يدْخل الْجنَّة نمام وَفِيهِمَا عَن ابْن عَبَّاس ﵄ أَن رَسُول الله ﷺ مر بقبرين فَقَالَ إنَّهُمَا ليعذبان وَمَا يعذبان فِي كَبِير قَالَ فِي رِوَايَة البُخَارِيّ بلَى إِنَّه كَبِير أما أَحدهمَا فَكَانَ يمشي بالنميمة وَأما الآخر فَكَانَ لَا يستبري من الْبَوْل قَالَ النَّوَوِيّ من الْعلمَاء معنى وَمَا يعذبان فِي كَبِير أَي كَبِير فِي زعمهما وكبير تَركه عَلَيْهِمَا الْجِهَة الثَّالِثَة فضيحتها لصَاحِبهَا بدلالتها على خبث أَصله ورداءة عنصره قَالَ ابْن حزم مَا فِي جَمِيع النَّاس شَرّ من النمام وَإِن النميمة لطبع يدل على نَتن الأَصْل ورداءة الْفَرْع وَفَسَاد الطَّبْع وخبث النشأة قلت حكى الطرطوشي عَن القدماء لَا يكون نمام إِلَّا وَفِي نسبه شَيْء قَالَ وَعَن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ ﵁ لَا ينم على النَّاس إِلَّا ولد بغي

стр. 533

قَالَ وَلما سعى رجل بآخر إِلَى بِلَال بن أبي بردة وَكَانَ أَمِير الْبَصْرَة قَالَ لَهُ انْصَرف حَتَّى اكشف عَنْك فكشف عَنهُ فَإِذا هُوَ لغير رشدة يَعْنِي ولد زنى قلت وَإِن صَحَّ أَن الزنيم فِي قَوْله تَعَالَى ﴿بعد ذَلِك زنيم﴾ هُوَ الدعي الَّذِي لَا يعرف أَبوهُ كَمَا قيل فِيمَن سبّ بذلك فِي الْآيَة الْكَرِيمَة فَهُوَ من شَوَاهِد ذَلِك وأوضح بيناته الْجِهَة الرَّابِعَة مفاسدها فِي الْجُمْلَة كَثِيرَة يَكْفِي مِنْهَا اثْنَتَانِ أَحدهمَا إِفْسَاد الْمحبَّة بهَا بَين النَّاس فَفِي الحَدِيث خِيَار عباد الله الَّذين إِذا رؤوا ذكرُوا الله وشرار عباد الله المشاؤون بالنميمة المفرقون بَين الْأَحِبَّة الباغون الْبَراء بِالْعَيْبِ الثَّانِيَة حُصُول الْمضرَّة بهَا فِي أقرب زمَان قَالَ أَكْثَم بن صَيْفِي لِبَنِيهِ إيَّاكُمْ والنميمة فَإِنَّهَا نَار محرقة وَإِن النمام ليعْمَل فِي سَاعَة مَا لَا يعْمل السَّاحر فِي شهر

стр. 534

قيل فِي مَعْنَاهُ (إِن النميمة نَار ويك محرقة ... فعد عَنْهَا وجانب من تعاطاها) الْجِهَة الْخَامِسَة مضارها بِاعْتِبَار السُّلْطَان وَيَكْفِي من متعمد ذَلِك مضرتان الْمضرَّة الأولى إذاية من سعر بِهِ إِلَيْهِ فِي النَّفس فَمَا دونهَا وَمن ثمَّ جعلهَا الطرطوشي مهلكة قَالَ لِأَنَّهَا تجمع إِلَى مذمة الْغَيْبَة ولؤم النميمة والتغرير بالنفوس وَالْأَمْوَال والقدح فِي الْمنَازل وَالْأَحْوَال وتسلب الْعَزِيز عزه وتحط الْحَكِيم عَن مَكَانَهُ وَالسَّيِّد عَن مرتبته الْمضرَّة الثَّانِيَة وَهِي أدهى من ذَلِك وَأمر لعودها بخراب ملكه وانتقاض الْأَمر عَلَيْهِ مَتى كَانَت فِيمَا هُوَ من طَرِيق ذَلِك قَالَ ابْن حزم مَا هَلَكت الدول وَلَا انتقضت الممالك وَلَا سفكت الدِّمَاء ظلما وَلَا هتكت الأستار بِغَيْر النمائم وَالْكذب وَلَا أكدت الْبغضَاء إِلَّا بهما ثمَّ لَا يحظى لَا بالمقت والخزي والذل الْجِهَة السَّادِسَة مُشَاركَة سامعها فِي مَعْصِيّة السَّعْي بهَا إِلَيْهِ قَالَ تَعَالَى ﴿سماعون للكذب أكالون للسحت﴾

стр. 535

قَالَ الطرطوشي فشرك سُبْحَانَهُ بَين السَّامع وَالْقَائِل فِي الذَّم بِسَبَبِهَا على أَن سامع النميمة نمام فِي الحكم قلت بل يزِيد عَلَيْهِ بِاعْتِبَار آخر كَمَا يرْوى عَن الْفضل بن سهل أَنه وَقع على ظهر كتاب بسعاية نَحن نرى قبُول السّعَايَة أَشد من السّعَايَة لِأَن السّعَايَة دلَالَة وَالْقَبُول إجَازَة وَلَيْسَ من دلّ على شَيْء كمن قبل وَأَجَازَ لِأَن من فعل شَرّ مِمَّن قَالَ الْجِهَة السَّابِعَة مَا على سامعها من الْوَظَائِف العاصمة لَهُ من الْمُشَاركَة فِي الْمعْصِيَة مَا قَالَ البلالي على سامعها أَن جهل كَونهَا نميمة أَو نصحا أَن يتَوَقَّف حتما فَإِن تبين أَنَّهَا نميمة فَعَلَيهِ أَن لَا يصدقهُ لفسقه بهَا ثمَّ ينهاه عَنْهَا وينصحه ثمَّ يبغضه فِي الله تَعَالَى مَا لم يتب وَلَا يظنّ بأَخيه الْغَائِب سوءا أَو يحرم بَحثه عَنهُ وحكاية مَا نقل إِلَيْهِ قلت فَالْأول لقَوْله تَعَالَى ﴿إِن جَاءَكُم فَاسق بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تصيبوا قوما بِجَهَالَة﴾

стр. 536

وَالثَّانِي لوُجُوب النَّصِيحَة وَالنَّهْي عَن الْمُنكر وَالثَّالِث لوُجُوب البغض فِي الله وَالرَّابِع لقَوْله تَعَالَى ﴿اجتنبوا كثيرا من الظَّن إِن بعض الظَّن إِثْم﴾ الْآيَة وَالْخَامِس لقَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا تجسسوا﴾ وَالسَّادِس لِئَلَّا يَقع فِي النميمة كالناقل فَائِدَة فِي تَنْبِيه الْمَنْع من النميمة نقلا وقبولا إِنَّمَا هُوَ مَا لم تكن فِيهِ مصلحَة شَرْعِيَّة قَالَ النَّوَوِيّ فَإِن دعت حَاجَة إِلَيْهَا فَلَا منع مِنْهَا كَمَا إِذا أخبر أَن إنْسَانا يُرِيد الفتك بِهِ وبأهله أَو بِمَالِه وَأخْبر الإِمَام أَو من لَهُ ولَايَة بِأَن إنْسَانا يفعل أَو يسْعَى بِمَا فِيهِ مفْسدَة قَالَ وَيجب على صَاحب الْولَايَة الْكَشْف عَن ذَلِك وإزالته فَمثل هَذَا لَا يحرم قَالَ وَقد يكون وَاجِبا ومستحبا على حسب المواطن انْتهى هِدَايَة من المحكي فِي أَعْرَاض الْأُمَرَاء عَن قبُول السّعَايَة مَعَ توبيخ السَّاعِي كثير وَيَكْفِي من ذَلِك حكايتان

стр. 537

الْحِكَايَة الأولى روى أَن رجلا ذكر لعمر بن عبد الْعَزِيز ﵁ رجلا بِشَيْء فَقَالَ لَهُ عمر ﵁ إِن شِئْت نَظرنَا فِي أَمرك فَإِن كنت كَاذِبًا فَأَنت من أهل هَذِه الْآيَة ﴿إِن جَاءَكُم فَاسق بِنَبَأٍ﴾ وَإِن كنت صَادِقا فَأَنت من أهل هَذِه الْآيَة ﴿هماز مشاء بنميم﴾ وَإِن شِئْت عَفَوْنَا عَنْك قَالَ الْعَفو يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ لَا أَعُود أبدا الْحِكَايَة الثَّانِيَة قيل رفع إِنْسَان رقْعَة إِلَى الصاحب بن عباد يحثه فِيهَا على أَخذ مَا يَتِيم وَكَانَ مَالا كثيرا فَكتب على ظهرهَا النميمة قبيحة وَإِن كَانَت صَحِيحَة وَالْمَيِّت ﵀ واليتيم جبره الله وَالْمَال ثَمَرَة الله والساعي لعنة الله قلت وَهُوَ حقيق باللعنة فَفِي حَدِيث ذكر فِيهِ لعن طَائِفَة مَلْعُون كل نمام

стр. 538

الْمَحْظُور الرَّابِع اتِّخَاذ الْكَافِر وليا ويتقرر ذَلِك بِاعْتِبَار طبقتين الطَّبَقَة الأولى عُمُوم الْخلق حَتَّى الْأُمَرَاء والولاة من تِلْكَ الْجِهَة كَمَا صرح بِهِ التَّنْزِيل فِي غير مَوضِع ﴿لَا يتَّخذ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافرين أَوْلِيَاء من دون الْمُؤمنِينَ﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُود وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء﴾ قَالَ ابْن عَطِيَّة نهي الله الْمُؤمنِينَ بِهَذِهِ الْآيَة عَن اتِّخَاذ الْيَهُود وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء فِي الْخلطَة والنصرة المؤدية إِلَى الامتزاج والمعاضدة وَحكم الْآيَة بَاقٍ قَالَ وكل من اكثر مُخَالطَة هذَيْن الصِّنْفَيْنِ فه حَظّ من هَذَا المقت الَّذِي تضمنه قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِنَّهُ مِنْهُم﴾ فَائِدَتَانِ فِي تَنْبِيه إِحْدَاهمَا قَالَ ابْن عَطِيَّة النَّهْي عَن هَذَا الاتخاذ إِنَّمَا هُوَ فِيمَا يظهره الْمَرْء وَأما أَن يتَّخذ بِقَلْبِه وبنيته فَلَا يفعل ذَلِك مُؤمن قَالَ وَلَفظ الْآيَة عَام فِي جَمِيع الْأَعْمَار الثَّانِيَة قَالَ وَأما مُعَاملَة الْيَهُود وَالنَّصَارَى من غير مُخَالطَة وملابسة فَلَا يدْخل فِي النَّهْي وَقد عَامل رَسُول الله ﷺ يَهُودِيّا وَرَهنه درعه الطَّبَقَة الثَّانِيَة خُصُوص الْأُمَرَاء والولاة من حَيْثُ الِاسْتِعَانَة بِهِ وَمن موارد النَّهْي فِيهَا موضعان أَحدهمَا الْجِهَاد على الْمَشْهُور قَالَ فِي الْمُدَوَّنَة وَلَا يستعان بالمشركين فِي الْقِتَال أَلا يَكُونُوا نواتية أَو خدما

стр. 539

وَحكى عَن عِيَاض جَوَاز ذَلِك فِي بعض الْأَئِمَّة قَائِلا وَحمل النَّهْي على وَقت خَاص يَعْنِي قَوْله ﷺ وَهُوَ أَنا لَا نستعين بمشرك قلت وَفِي الْمَوَاضِع غير هَذَا مُطلقًا ومقيدا أَلا نطول بحكاية قَالَ ابْن نَاجِي سَمِعت بعض من لَقيته يَحْكِي غير مرّة أَن الشَّيْخ الصَّالح أَبَا عَليّ الْقَرَوِي وَكَانَ قد قَرَأَ مَعَ أبي يحيى اللحياني سُلْطَان أفريقية فَجَاز يَوْمًا عَلَيْهِ عِنْد بَاب السويقة وَالنَّصَارَى محدقون بِهِ فَجعل الشَّيْخ يُنَادي يَا فَقِيه أَبَا يحيى وَالنَّاس لَا يعْرفُونَ مُرَاده من هُوَ فَلَمَّا سَمعه السُّلْطَان وقف وَقَالَ نعم يَا سَيِّدي مَا تُرِيدُ قَالَ أمرنَا أَلا نستعين بمشرك فَقَالَ نعم يَا سَيِّدي صدقت وَانْصَرف بِرِفْق

стр. 540

الثَّانِي فِي الْولَايَة والاصطناع قَالَ ابْن الْعَرَبِيّ لَا يَنْبَغِي لأحد من الْمُسلمين ولي ولَايَة أَن يتَّخذ من أهل الذِّمَّة وليا فِيهَا لنهي الله عَن ذَلِك لأَنهم لَا يخلصون النَّصِيحَة وَلَا يؤدون الْأَمَانَة قلت ورد الْعَمَل بذلك عَن السّلف قولا وفعلا وَيَكْفِي من ذَلِك رِوَايَتَانِ الرِّوَايَة الأولى قَالَ الطرطوشي لما استقدم عمر بن الْخطاب ﵁ أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيّ من الْبَصْرَة وَكَانَ عَاملا لِلْحسابِ دخل على عمر وَهُوَ فِي الْمَسْجِد وَاسْتَأْذَنَ لكَاتبه وَكَانَ نَصْرَانِيّا فَقَالَ لَهُ عمر قَاتلك الله وَضرب فَخذه وليت ذِمِّيا على الْمُسلمين أما سَمِعت الله تَعَالَى يَقُول ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُود وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعضهم أَوْلِيَاء بعض وَمن يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُم فَإِنَّهُ مِنْهُم﴾ أَلا اتَّخذت حَنِيفا مُسلما فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ لي كِتَابَته وَله دينه فَقَالَ لَا أكْرمهم إِذْ أَهَانَهُمْ الله وَلَا أعزهم إِذْ أذلّهم الله وَلَا أدينهم إِذْ أَقْصَاهُم الله الرِّوَايَة الثَّانِيَة قَالَ وَكتب عمر بن عبد الْعَزِيز ﵁ إِلَى بعض عماله أما بعد فَإِنَّهُ بَلغنِي أَن فِي عَمَلك رجلا يُقَال لَهُ فلَان وَسَماهُ على غير دين الْإِسْلَام وَالله تَعَالَى يَقُول ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذين اتَّخذُوا دينكُمْ هزوا وَلَعِبًا من الَّذين أُوتُوا الْكتاب من قبلكُمْ وَالْكفَّار أَوْلِيَاء وَاتَّقوا الله إِن كُنْتُم مُؤمنين﴾ فَإِذا أَتَاك كتابي هَذَا فَادع فلَانا إِلَى الْإِسْلَام فَإِن أسلم فَهُوَ منا وَنحن مِنْهُ وَإِن أَبى فَلَا تستعن بِهِ وَلَا بِغَيْرِهِ من غير أهل

стр. 541

الْإِسْلَام على شَيْء من أَعمال الْمُسلمين فَقَرَأَ عَلَيْهِ الْكتاب فَأسلم وَعلمه الطَّهَارَة وَالصَّلَاة تَعْرِيف من مستحسن التحريض على تَحْرِيك الهمة للترفع عَن وصمة هَذَا الاتخاذ مَا حكى الْقَرَافِيّ أَن الطرطوشي لما دخل على الْخَلِيفَة بِمصْر ووزير لَهُ كَافِر بإزائه أنْشدهُ هذَيْن الْبَيْتَيْنِ (يَا أَيهَا الْملك الَّذِي جوده ... يَطْلُبهُ القاصد والراغب) (إِن الَّذِي شرفت من أَجله ... يزْعم هَذَا أَنه كَاذِب) فَاشْتَدَّ غضب الْخَلِيفَة عِنْد سَماع ذَلِك وَأمر بذلك الْكَافِر فسحب وَضرب وَقتل وَأَقْبل على الشَّيْخ الطرطوشي فَأكْرمه وعظمه بعد عزمه على إذايته انْتهى الْمَقْصُود مِنْهُ قلت وَيذكر أَن يحيى بن أَكْثَم كتب إِلَى الرشيد وَقد قرب يَهُودِيّا (يَا ملكا طَاعَته عصمَة ... وَحقه مفترض وَاجِب) (إِن الَّذِي شرفت من أَجله ... يزْعم هَذَا انه كَاذِب)

стр. 542

قَالَ بَعضهم قيل لعيسى ابْن عباهل الْبَيَانِي لَو كلفت أَن تدخل بَين أدفونش ووزيره الْيَهُودِيّ مَا كنت تَقول فَأَنْشد يَقُول (يَا ناصرا دين الْمَسِيح بِسَيْفِهِ ... وبذا حماه جدوده وَأَبوهُ) (إِن الَّذِي نصرت جدودك دينه ... زعم الْيَهُود بِأَنَّهُم صلبوه) قلت وَمن هَذَا الْبسَاط مَا كتب بِهِ ابْن الجزار السَّرقسْطِي لبَعض إخوانه وَقد رَآهُ صانع يَهُودِيّا وَصفا إِلَيْهِ (الضِّدّ للضد ذُو منافرة ... من غره غير شكله هلكا) (وكل من لست من شَرِيعَته ... يظْهر غير الَّذِي يُرِيد لكا) (وَالْعقل يَبْنِي لَهُ مذْهبه ... فِيك ومسعاه آيَة سلكا) (أنظر فَإِن كَانَ مَا تُرِيدُ لَهُ ... خيرا فَذَاك الَّذِي يُرِيد لكا)

стр. 543

الْمَحْظُور الْخَامِس الْغَفْلَة عَن مُبَاشرَة الْأُمُور وَأولى عَن الترفع عَلَيْهَا فقد جعلُوا ذَلِك شرطا فِي الانتهاض بالسياسة بعد استنابة الْأُمَنَاء وتقليد النصحاء قَالَ الْمَاوَرْدِيّ وَلَا يعول على التَّعْرِيض تشاغلا بلذة أَو عبَادَة فقد يخون الْأمين ويغش الناصح وَقد قَالَ تَعَالَى ﴿يَا دَاوُد إِنَّا جعلناك خَليفَة فِي الأَرْض فاحكم بَين النَّاس بِالْحَقِّ وَلَا تتبع الْهوى فيضلك عَن سَبِيل الله﴾ قَالَ فَلم يقْتَصر تَعَالَى على التَّعْرِيض دون الْمُبَاشرَة وَلَا عذر فِي التشاغل اكْتِفَاء بالاستنابة حَتَّى قرنه بالضلالة تَفْصِيل قَالَ ابْن رضوَان يَنْبَغِي للْملك أَن يتفرغ للنَّظَر فِي أَحْوَال الْوُلَاة واعوانهم وخدامهم حَيْثُمَا كَانُوا وَالنَّظَر فِي أَحْوَال أقاصي الْبِلَاد وأدانيها وَمَعْرِفَة مَاله من الجبايات ويتفرغ لسَمَاع الشكوى مِمَّن يشكي بِأحد ولاته وَاخْتِيَار من يولي مَكَان من مَاتَ مِنْهُم أَو عزل ويتفرغ لتجهيز الجيوش والكتائب وَقِرَاءَة كتب الْأَخْبَار الْوَارِدَة عَلَيْهِ من كل بلد مِمَّا لَا ينظر فِيهِ غَيره من فتق ثغر أَو موت وَال وَمَا يُوجب عَزله وَفِي معاناة

стр. 544

خلة أهل بلد تحل بهم جَائِحَة من جوع أَو مرض أَو سَبِيل أَو عَدو أَو غير ذَلِك انْتهى موعظة فِي عَاقِبَة الْغَفْلَة من ذَلِك سُئِلَ بعض الْمُلُوك من الَّذين سلب عزهم وَهدم ملكهم فَقَالُوا شَغَلَتْنَا لذاتنا عَن التفرع لمهماتنا وفتنا بكفاتنا فآثروا مرافقهم علينا وظلم عمالنا رعيتنا ففسدت نياتهم لنا وتمنوا الرَّاحَة منا وَحمل على أهل خراجنا فَقل دَخَلنَا وَبَطل عَطاء جندنا فَزَالَتْ الطَّاعَة مِنْهُم لنا وقصدنا عدونا فَقل ناصرنا وَكَانَ أعظم مَا زَالَ بِهِ ملكنا استتار الْأَخْبَار عَنَّا

стр. 545

الْبَاب الأول فِي جَوَامِع مَا بِهِ السياسة الْمَطْلُوبَة من السُّلْطَان وَمن يَلِيهِ وَهِي بِاعْتِبَار السُّلْطَان والوزير وَسَائِر البطانة والخواص فَهُنَا ثَلَاثَة فُصُول الْفَصْل الأول فِي سياسة السُّلْطَان وَقد سبق بِحَسب الْفَصْل الأول مَا يُؤْخَذ مِنْهُ سياسة نَفسه ومملكته وَبَقِيَّة سياسة الرّعية والمور الْعَارِضَة بِاعْتِبَار ذَلِك الْقَصْد السياسة الأولى سياسة الرّعية وَهِي تَنْحَصِر فِي جملتين تأسيس مَا يقوم عَلَيْهِ بناؤها واقتضاء مَا يام بِهِ مقصودها وَهُوَ أَخذ الرّعية بالحقوق الْوَاجِبَة عَلَيْهَا للسُّلْطَان الْجُمْلَة الأولى تأسيس مَا يقوم عَلَيْهِ بناؤها وتعديد مَا يذكر مِنْهُ فِي مسَائِل الْمَسْأَلَة الأولى أَن السُّلْطَان أفرط على الرّعية أهلكها وَإِن فرط فِيهَا لم تستقم وَإِن اعتدل بَين ذَلِك اعتدلت كالنار إِذا قويت أحرقت معوج الْخشب وَإِذا لانت بَقِي على اعوجاجه وَإِذا اعتدلت تقوم بهَا واعتدل قلت وَقد تقدم فِي قَاعِدَة اللين عناية العملاء بتحري ذَلِك وَمِنْه أَن زيادا كتب على زَوَايَا مَجْلِسه بِالْكُوفَةِ بقلم جليل الْوَالِي شَدِيد فِي غير عنف لين فِي غير ضعف الْعَطِيَّة لأبانها والأرزاق لأوقاتها والمبعوث لَا يجمر

стр. 546

المحسن يَجْزِي بإحسانه والمسيء يُؤْخَذ على يَدَيْهِ فَكَانَ كلما رفع رَأسه قَرَأَهُ الْمَسْأَلَة الثَّانِي أَن إصْلَاح السُّلْطَان نَفسه بتنزيهه عَن سفساف الْأَخْلَاق وترفعه عَن صُحْبَة ذَوي البطالة والمجون هُوَ الْكَفِيل بإصلاح الرّعية لتمكين أَثَره فِي التَّمَسُّك بِالدّينِ والمحافظة على الْمُرُوءَة كَمَا وفْق إِلَيْهِ الْمَأْمُون حِين كَانَ أَخُوهُ الْأمين خِلَافه وَبِذَلِك تمكن من خلعه على مَا هُوَ مَعْرُوف وقديما قيل أصلح نَفسك يصلح لَك النَّاس وَقيل (إِذا غَدا ملك باللهو مشتغلا ... فاحكم على ملكه بِالْوَيْلِ وَالْحَرب) (أما ترى الشَّمْس فِي الْمِيزَان هابطة ... لما غَدا وَهُوَ بَين اللَّهْو والطرب) الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة أَن التودد إِلَى الرّعية بِحسن الملكة وخصوصا بِالْإِحْسَانِ مُوجب للظفر بمحبتها الرَّاجِح ملك الْقُلُوب بهَا على ملك الْأَبدَان دونهَا فَعَن بعض

стр. 547

الْحُكَمَاء التودد من الضَّعِيف تملق وَمن الْقوي تواضع وكبير همة فتودد إِلَى الْعَامَّة لتخلص لَك محبتهم وتنال الْكَرَامَة مِنْهُم وَفِي سياسة أرسطو املك رعيتك بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهَا تظفر بالمحبة مِنْهَا وَاعْلَم أَنَّك لَا تملك الْأَبدَان فتحهَا إِلَى الْقُلُوب إِلَّا بِالْمَعْرُوفِ قلت وأشرف من الظفر بِهَذِهِ الْمحبَّة فوزه مَعهَا بمحبة الله تَعَالَى فَفِي الأفلاطونيات يَنْبَغِي للْملك أَن يصادق ربه فِي خلقه وتقتضي محبَّة بِإِعْطَاء كافتهم محبته فيهم الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة أَن الْعُدُول بالرعية إِلَى اتخذاها بالكف عَن مَالهَا مَعَ حسن التودد إِلَيْهَا أنْصر جند وَأقرب معِين مِمَّا وَردت بِهِ الْوَصِيَّة وتأكدت بِهِ الْعِنَايَة فَعَن بعض الْحُكَمَاء يَنْبَغِي للسُّلْطَان إِلَّا يتَّخذ الرّعية مَالا وقنية فَيَكُونُوا عَلَيْهِ بلَاء وفتنة وَلَكِن يتخذهم أَهلا وإخوانا يَكُونُوا لَهُ جندا وأعوانا قَالَ الطرطوشي وَقد سبق الْمثل إصْلَاح الرّعية خير من كَثْرَة الْجنُود الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة أَن الْخِصَال الَّتِي تذم الرّعية بهَا السُّلْطَان وَاجِب عَلَيْهِ التحفظ مِنْهَا جهده فَعَن حَكِيم الْفرس معينا مِنْهَا مَا تهم الْعِنَايَة بإيفائه ذمّ الرّعية للْملك من ثَلَاثَة أوجه إِمَّا كريم قصر بِهِ عَن قدره فأورثه ذَلِك ضعفا وَإِمَّا لئيم بلغ بِهِ فَوق قدره فأورثه ذَلِك بطرا وَإِمَّا رجل منع حَظه من الْإِنْصَاف

стр. 548

الْمَسْأَلَة السَّادِسَة أَن ذمّ الرّعية للسُّلْطَان مَعَ وفائه بِمَا يصلحها وينفس عَنهُ من كرب مَا يجد من ذَلِك علمه أَنه لَيْسَ بالإله وَإِذ ذَاك فَلَا يطْمع أَن يصفو لَهُ من الْمَخْلُوق مَا لَا يصفو لخالقهم الْمُنعم عَلَيْهِم إيجادا وإمدادا إِذْ بعد ذَلِك مَا قدروه حق قدره وَلَا وصفوه بِمَا يجب لَهُ وَلَقَد قَالَ مُوسَى ﷺ آلهي أَسأَلك أَن لَا يُقَال فِي مَا لَيْسَ فِي فَأوحى الله إِلَيْهِ ذَلِك شَيْء مَا فعلته لنَفْسي فَكيف افعله بك ٣ قَالَ الطرطوشي وَفِي هَذَا عِبْرَة لمن اعْتبر ورضى النَّاس غَايَة لَا تدْرك فِي الله تَعَالَى أُسْوَة انْتهى مُلَخصا الْمَسْأَلَة السَّابِعَة أَن من الْوَاجِب على السُّلْطَان شرعا وسياسة اكتفاءه بِظَاهِر الطَّاعَة من غير تنفير عَن حَقِيقَة بَاطِنهَا فَفِي الحَدِيث هلا شققت عَن قلبه إنكارا على من لم يكتف بِظَاهِر طَاعَته وَفِي العهود من حق الرّعية على السُّلْطَان حسن الْقبُول الظَّاهِر طاعتها وإضرابه صفحا عَن مكاشفتها كَمَا قَالَ زِيَاد لما قدم الْعرَاق يَا أَيهَا النَّاس إِنَّه قد كَانَت بيني وَبَين قوم أحن فَجعلت ذَلِك دبر أُذُنِي وَتَحْت قدمي فَمن كَانَ محسنا فليزدد فِي إحسانه وَمن كَانَ مسيئا فلينزع عَن إسائته إِنِّي لَو علمت أَن أحدكُم قَتله السل من بغضي لم أكشف لَهُ قناعا وَلم أهتك لَهُ سترا حَتَّى تبدو لي صفحته

стр. 549

الْمَسْأَلَة الثَّامِنَة إِن الْمعرفَة بأقسام النَّاس وَمَا يُقَابل بِهِ طبقاتهم فِيمَا يتَأَكَّد على السُّلْطَان المعتني بِهَذِهِ السياسة وَقد قسموا ثَلَاثَة اقسام أَحدهَا الْكَرِيم الْفَاضِل وسياسته بترفيعه وإنصافه إِذْ هُوَ مَأْمُون إِذا شبع وَقدر ومخوف إِذا جَاع وقهر وَلَا يزِيد مَعَ الرّفْعَة إِلَّا تواضعا الثَّانِي اللَّئِيم السافل وَضَبطه بِوَضْعِهِ وحرمانه إِذْ هُوَ على عكس الأول قلت وَفِي الأفلاطونيات اتَّقوا صولة الْكَرِيم إِذا جَاع وبطش الخسيس إِذْ شبع (إِذا أَنْت أكرمت الْكَرِيم ملكته ... وَإِن أَنْت أكرمت اللَّئِيم تمردا) الثَّالِث الْمُتَوَسّط ورعايته بمزج الرَّغْبَة بالرهبة ومقابلة الْإِكْرَام بالإهانة إِذْ هُوَ مُطِيع خوفًا وَطَمَعًا وَالْحَاصِل أَن إهانة الْكَرِيم فتح لباب ضرّ وإكرام اللَّئِيم اقْتِضَاء لمزيد شَرّ ومعاملة الْمُتَوَسّط بِأحد الطَّرفَيْنِ يخل بالطرف الآخر الْمَسْأَلَة التَّاسِعَة أَن الَّذِي تسهل بِهِ صُحْبَة الْخلق إِنْزَال غير المعتدل مِنْهُم منزلَة الْحَيَوَان الْمُشبه لَهُ فِي الْخلق ليلحق بِهِ فِي الْمُعَامَلَة كالطاغي

стр. 550

بالنمور والهجوم على الْأَعْرَاض بالكلاب والخبيث الْمَكْر بالثعاليب والمرائي لاقتناص الدُّنْيَا بِالدّينِ بالذئاب قَالَ الشَّاعِر (ذِئْب ترَاهُ مُصَليا ... فَإِذا مَرَرْت بِهِ ركع) (يَدْعُو وَجل دُعَائِهِ ... مَا للفريسة لَا تقع) (عجل بهَا يَا ذَا العلى ... إِن الْفُؤَاد قد انصدع) قَالَ الطرطوشي ولعمر الله مَا استقامت لي صُحْبَة النَّاس واسترحت من مكابدة أَخْلَاقهم إِلَّا مُنْذُ سرت مَعَهم بِهَذِهِ السِّيرَة قلت وشهود النَّفْع بهَا جَعلتهَا السِّيرَة الَّتِي يصلح عَلَيْهَا الْأَمِير والمأمور ويستريح بهَا الرئيس والمرؤوس وتسهل بهَا صُحْبَة الْخَلَائق أَجْمَعِينَ قلت سبقه الْخطابِيّ بِهَذَا الْمَعْنى بعد أَن نقل أَصله عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا من دَابَّة فِي الأَرْض وَلَا طَائِر يطير بجناحيه إِلَّا أُمَم أمثالكم﴾ الْمَسْأَلَة الْعَاشِرَة إِن الْعِنَايَة باستدعاء الْمعرفَة بأحوال من يسوسه السُّلْطَان من خَاص وعام من الْوَظَائِف اللَّازِمَة ظهورا واحتجابا كَمَا سبقت الْإِشَارَة إِلَيْهِ وَعند ذَلِك فلتكن فِي هَذَا الْمقَام على بَال مِنْهُ وتذكر لتجديد مَا يُؤَكد وجوب الْوَفَاء بهما عَلَيْهِ لما سبقت الْإِشَارَة غليه فَقَط

стр. 551

قَالَ الجاحظ من أَخْلَاق الْملك الْبَحْث عَن سَائِر خاصته وعامته وإذكاء الْعُيُون عَلَيْهِم خَاصَّة وعَلى الرّعية عَامَّة وَلَا يكون شَيْء أهم وَلَا أكبر فِي سياسة وانتظام ملكه من الفحص عَن ذَلِك وَمَتى غفل عَنهُ فَلَيْسَ لَهُ من التَّسْمِيَة بِالْملكِ الَّذِي مَعْنَاهُ مُبَالغَة فِي الرِّعَايَة بذلك إِلَّا مُجَرّد الذّكر فَقَط انْتهى ملخص حَاصله ثمَّ استظهر على قَوْله بأمرين أَحدهمَا أَن الرّعية لَا تسكن قلوبها بجلالة ملكهَا وَلَو عبدته الْجِنّ والأنس ودانت لَهُ مُلُوك الْأُمَم حَتَّى يكون أعلم النَّاس بأفاعيلها وَأكْثر بحثا عَن أسرارها من الْمَزِيد عَن حركاته وسكونه الثَّانِي انه يُقَال أَن الْملك لتطول مدَّته إِذا كَانَت فِيهِ أَربع خِصَال أَلا يرضى للرعية إِلَّا مَا يرضاه لنَفسِهِ وَأَن لَا يسوف عملا يخَاف عاقبته وَأَن يَجْعَل ولي عَهده من ترضاه رعاياه لَا لأمر تهواه نَفسه وان يفحص عَن الرّعية فحص الْمُرضعَة عَن مَنَام رضيعها شَهَادَة عيان وَقد تَجِد مصداق هَذَا وَيشْهد لَهُ أَنا لم نر مُدَّة طَالَتْ لملك عَرَبِيّ وعجمي وَلَا عجمي إِلَّا لمن فحص فِيهَا عَن الْأَسْرَار وَبحث عَن خَفِي الْأَخْبَار حَتَّى يكون من أُمُور رَعيته على مثل وضح النَّهَار قلت وَقد تقدم قَول من سُئِلَ عَن سَبَب ذهَاب ملكه أَن أعظمها استتار الْأَخْبَار عَنْهُم

стр. 552

الْجُمْلَة الثَّانِيَة اقْتِضَاء الْحق الْوَاجِب للسُّلْطَان على الرّعية وَهُوَ نَوْعَانِ امْتِثَال مَا وَجب فعله وَاجْتنَاب مَا وَجب تَركه النَّوْع الأول وَهُوَ جملَة حُقُوق الْحق الأول الطَّاعَة وَقد سبق أَنَّهَا من أعظم الْوَاجِبَات الدِّينِيَّة وَالْغَرَض الْآن التَّنْبِيه على فَوَائِد الْفَائِدَة الأولى أَنَّهَا الْخصْلَة الَّتِي يعز بهَا السُّلْطَان وَتظهر بهَا صُورَة ملكه قَالَ ملك فَارس لبَعض الْحُكَمَاء مَا شَيْء وَاحِد يعز بِهِ السُّلْطَان قَالَ الطَّاعَة قَالَ فَمَا ملاك الطَّاعَة قَالَ التودد إِلَى الْخَاصَّة وَالْعدْل على الْعَامَّة قَالَ صدقت الْفَائِدَة الثَّانِيَة أَنَّهَا على أوجه على الرَّغْبَة والمحبة والرهبة والديانة قَالَ وَطَاعَة الْمحبَّة أفضل من طَاعَة الرَّغْبَة والرهبة قلت وَطَاعَة الديانَات أفضل من الْجَمِيع وَمن مُوجبه مَا سبق أَن الدعْوَة الدِّينِيَّة تزيد الدولة قُوَّة واقتدارا الْفَائِدَة الثَّالِثَة أَن النَّاس بهَا أهل الدّين وذوو النعم قَالَ الطرطوشي لِأَن بهَا يُقَام الدّين وَتحفظ النعم قلت كَمَا يحْكى عَن الإِمَام أبي حنيفَة ﵀ انه لما مَنعه الْوَالِي من الْفتيا كَانَ يَوْمًا فِي بَيته وَمَعَهُ زَوجته وَابْنه فَقَالَت لَهُ ابْنَته إِنِّي صَائِمَة وَقد خرج من بَين أسناني الدَّم وبصقته حَتَّى عَاد الرِّيق أَبيض لَا يظْهر عَلَيْهِ

стр. 553

أثر الدَّم فَهَل أفطر إِذا ابتلعت الْآن الرِّيق فَقَالَ لَهَا سَلِي أَخَاك حمادا فَإِن الْأَمِير مَنَعَنِي من الْفتيا الْحق الثَّانِي النَّصِيحَة لَهُ فَفِي العقد نصح الإِمَام وَلُزُوم طَاعَته فرض وَاجِب وَأمر لَازم لَا يتم الْإِيمَان إِلَّا بِهِ وَلَا يثبت الْإِسْلَام إِلَّا عَلَيْهِ قلت وَقد سبق فِي الْكَلَام عَلَيْهَا إِنَّهَا فِي حق الْأَئِمَّة بِالصبرِ على أذاهم إِذا لم يعدلُوا والتنبيه لَهُم إِذا غفلوا وَترك الثَّنَاء عَلَيْهِم بِمَا لَيْسَ فيهم وَالدُّعَاء لَهُم بالصلاح عِنْد فسادهم تحذير من الْخَوْف مِنْهُ فِي إِظْهَار نقيضها وَهُوَ الْغِشّ ظُهُوره بالعلامة الدَّالَّة عَلَيْهِ كَمَا يحْكى أَن الْمَنْصُور خطب فَقَالَ معاشر النَّاس لَا تضمروا غش الْأَئِمَّة فَإِنَّهُ من أضمر ذَلِك أظهره الله على سقطات لِسَانه وفلتات أَحْوَاله وسحنة وَجهه قَالَ ابْن رضوَان وَفِي مَعْنَاهُ قَوْلهم الْعين ترجمان الْقلب وَقَوْلهمْ

стр. 554

شَاهد البغض اللحظ وَقَوْلهمْ رب طرف أنم من لِسَان الْحق الثَّالِث تَمْكِينه من التَّصَرُّف فِي الْحُقُوق الْمَالِيَّة إِذا عدل فِيهَا كَمَا نَص عَلَيْهِ مَالك ﵀ فِي دفع الزَّكَاة إِلَيْهِ وَإِن لم يعدل قَالَ ابْن الْعَرَبِيّ وَالشَّيْخ عز الدّين لَا يُمكنهُ مِنْهَا من قدر على صرفهَا لمستحقيها استخراجا لَهَا من يَده الغاضبة قَالَ الشَّيْخ عز الدّين وَقد خير بعض الْفُقَهَاء فِيهِ بَين الصّرْف لَهَا فِي مصارفها وحفظها إِلَى أَن يَلِي من هُوَ أهل قَالَ وَيَنْبَغِي تقيده بِمَا إِذا توقع ظُهُور إِمَام عَادل وَأما مَعَ الْيَأْس مِنْهُ فَيتَعَيَّن صرفهَا فِي مصارفها على الْفَوْر لما فِي إيقافها من الضَّرَر بهَا وحرمانها لمستحقها لَا سِيمَا إِن مست الْحَاجة إِلَيْهَا انْتهى مُلَخصا إنصاف من الْوَفَاء بتمكين الْحُقُوق الْمَالِيَّة للسُّلْطَان عِنْد ارتضاء تصرفه مَا يحْكى أَن كسْرَى اجتاز على بُسْتَان فَقَالَ للناطور ناولني عنقودا من حصرم فَقَالَ لَهُ مَا يمكنني ذَلِك فَإِن السُّلْطَان لم يَأْخُذ حَقه وَلَا يجوز لي خيانته الْحق الرَّابِع معونته بِمَا يُقَابل بِهِ الضرار الفادحة عِنْد نَفاذ بَيت المَال أما على الدَّوَام فقد تقدم جَوَاز ذَلِك عِنْد الْغَزالِيّ وَابْن الْعَرَبِيّ وَأما بِمِقْدَار الضَّرُورَة الوقتية فَأولى بِالْجَوَازِ

стр. 555

قَالَ ابْن الْعَرَبِيّ مَا ملخصه عِنْد قَوْله تَعَالَى ﴿فَهَل نجْعَل لَك خرجا﴾ فرض على الْملك قِيَامه بحماية الْخلق فِي حفظ بيضتهم وسد ثغورهم من بَيت مَالهم وَإِذا نفذ جبر ذَلِك من أَمْوَالهم بِشُرُوط أَن لَا يستأثر عَلَيْهِم بِشَيْء وَأَن يبْدَأ بذوي الْحَاجَات وَأَن يسوى بَينهم فِي الْعَطاء على حسب مَنَازِلهمْ وَإِذا عرض بعد ذَلِك مَا لَا يَفِي بِهِ الْمَأْخُوذ مِنْهُم بذلوا أنفسهم وَأَمْوَالهمْ فَإِن لم يغن ذَلِك أخذت مِنْهُم أَمْوَالهم بِمِقْدَار الْحَاجة قَالَ وَالضَّابِط أَنه لَا يحل أَخذ مَال أحد إِلَّا لضَرُورَة فَيُؤْخَذ جَهرا وَقد تقدم لاسرا وَينْفق بِالْعَدْلِ لَا بالاستئثار وبرأي الْجَمَاعَة لَا بالاستبداد انْتهى الْحق الْخَامِس الدُّعَاء لَهُ وَقد تقدم مَا يدل على تأكده عِنْد الْكَلَام عَلَيْهِ فِي الْخطْبَة وَالْقَصْد ألان الْإِشَارَة لأمور الْإِشَارَة الأولى أَن لمَكَان الْعِنَايَة بِهِ تردد التحضيض عَلَيْهِ سلفا وخلفا قَالَ الطرطوشي من المروى عَن السّلف لَو كَانَت لنا دَعْوَة صَالِحَة

стр. 556

مستجابة مَا جعلناها إِلَّا فِي السُّلْطَان وَعَن الفضيل بن عِيَاض لَو ظَفرت بِبَيْت المَال لأخذت من حَلَاله وصنعت أطيب الطَّعَام ثمَّ دَعَوْت الصَّالِحين وَأهل الْفضل فَإِذا فرغوا قلت لَهُم تَعَالَوْا نَدع الله أَن يوفق أميرنا وَسَائِر من يَلِي علينا وَجعل إِلَيْهِ أمرنَا وروى عَنهُ أَن رجلا أنْشدهُ (حَتَّى مَتى لَا أرى عدلا أسر بِهِ ... وَلَا أرى لدعاء الْخَيْر أعوانا) فَبكى وَقَالَ اللَّهُمَّ أصلح الرَّاعِي والرعية الْإِشَارَة الثَّانِيَة الْإِشَارَة الثَّانِيَة أَن الْأَوْقَات الَّتِي هِيَ مَظَنَّة الْإِجَابَة يتَأَكَّد فِيهَا الدُّعَاء لَهُ وَقد قَالَ النَّوَوِيّ فِي لَيْلَة الْقدر يسْتَحبّ أَن يكثر فِيهَا من الدُّعَاء لمهمات الْمُسلمين فَهُوَ شعار الصَّالِحين وَعباد الله العارفين انْتهى وَلَا خَفَاء أَن الدُّعَاء لَهُ بالصلاح من أهم الْمُهِمَّات على الْمُسلمين لصلاحهم بصلاحه الْإِشَارَة الثَّالِثَة الْإِشَارَة الثَّالِثَة أَن من أعظم الْوَسَائِل فِي قَول الدُّعَاء لَهُ عمله على شاكلة مَا طلب مِنْهُ امتثالا واجتنابا كَمَا يحْكى عَن السُّلْطَان أبي يحيى من الْمُلُوك

стр. 557

الحفصيين أَنه دخل على زَاوِيَة الشَّيْخ الزبيدِيّ ليتبرك بِهِ فَلم يجده وَوجد ابْن أَخِيه الْفَقِيه الإِمَام بهَا فَقيل لَهُ قد غَابَ عمك فباشر أَنْت السُّلْطَان فَلَقِيَهُ فَقَالَ لَهُ السُّلْطَان أدع الله لي فَقَالَ وَمَا عَسى دعائي لَك قد سبقت لَك دَعْوَة النَّبِي ﷺ وَذكر حَدِيث اللَّهُمَّ من ولي أَمر أمتِي شَيْئا فرفق بهم فأرفق بِهِ وَمن ولي أَمر أمتِي شَيْئا فشق عَلَيْهِم فاشقق عَلَيْهِ وكما يحْكى عَن بعض الْمُلُوك أَنه طلب من بعض الصَّالِحين أَن يَدْعُو لَهُ فَقَالَ وَمَا ينفع دعائي لَك وببابك أعداد من المظلومين يدعونَ الله عَلَيْك فَأَي الدُّعَاء أولى بالإجابة النَّوْع الثَّانِي وَهُوَ جملَة مخالفات الْمُخَالفَة الأولى الْخُرُوج عَلَيْهِ لما سبق أَن الصَّبْر عَلَيْهِ إِذا جَار من فروض الدّين وَأُمَّهَات واجباته وَقَوله ﷺ من رأى من أميره شَيْئا يكرههُ فليصبر عَلَيْهِ قَالَ الأبي هُوَ نَص فِي عدم الْقيام على الْأُمَرَاء قلت وَلَا يخفى مَا يشْهد لَهُ مَعَ وضوح الْمَعْنى فِيهِ فرع قَالَ فَانْظُر أَشْيَاخ الْبِلَاد المنحازين لأَنْفُسِهِمْ كَانَ الشَّيْخ يَقُول يَعْنِي ابْن عَرَفَة غايتهم عصاة لأَنهم لم يشقوا عَصَاهُ

стр. 558

قَالَ وَإِذا دَعَا الإِمَام إِلَى قِتَالهمْ فَإِن كَانَ لإِقَامَة حق وَجب طَاعَته وَألا لم تجب الْمُخَالفَة الثَّانِيَة الطعْن عَلَيْهِ وَذَلِكَ لأمرين أَحدهَا أَنه خلاف مَا يجب لَهُ من التجلة والتعظيم فقد قيل من إجلال الله إجلال السُّلْطَان عادلا كَانَ أَو جائرا وَمن كَلَام الصاحب بن عباد تهيب السُّلْطَان فرض أكيد وحتم على من ألْقى السّمع وَهُوَ شَهِيد الثَّانِي أَن الِاشْتِغَال بِهِ سَبَب تسليط السُّلْطَان بِهِ جَزَاء على الْمُخَالفَة بذلك فَفِي بعض الْكتب السوالف ذكره الطرطوشي والزمخشري أَن الله تَعَالَى يَقُول إِنَّنِي أَنا الله ملك الْمُلُوك قُلُوب الْمُلُوك بيَدي فَمن أَطَاعَنِي جعلتهم عَلَيْهِ نعْمَة وَمن عَصَانِي جعلتهم عَلَيْهِ نقمة فَلَا تشتغلوا بِسَبَب الْمُلُوك وَلَكِن تُوبُوا غلي أعطفهم عَلَيْكُم الْمُخَالفَة الثَّالِثَة الافتيات عَلَيْهِ فِي التَّعْرِيض لكل مَا هُوَ مَنُوط بِهِ وَمن أعظمه فَسَادًا تَغْيِير الْمُنكر بِالْقدرِ الَّذِي لَا يَلِيق إِلَّا بالسلطان لما فِي السَّمْح بِهِ والتجاوز بِهِ إِلَى التَّغْيِير عَلَيْهِ وَقد سبق أَن من السياسة تَعْجِيل الْأَخْذ على يَد من يتشوق لذَلِك وَتظهر مِنْهُ مبادئ الِاسْتِظْهَار بِهِ وَإِن كَانَ لَا ينجح لَهُ سعي وَلَا يتم لَهُ غَرَض لما تقدم أَن الْملك الراسخ الْبناء لَا تهدمه إِلَّا الْمُطَالبَة لَهُ بالعصية الْغَالِبَة وَمن ثمَّ قَالَ الْخَوَارِزْمِيّ قَلِيل السُّلْطَان كثير

стр. 559

ومداراته حزم وتدبير ومكاشفته غرور وتغرير قلت وَرُبمَا يعرض لغرر هَذِه المكاشفة من تظن فِيهِ النِّيَّة الصَّالِحَة من ذَوي الديانَات الْمُعْتَبرَة فأخفق فِيهَا السَّعْي لفَوَات الْقُدْرَة المقاومة وَمن الْمَشْهُور فِي ذَلِك قصتان الْقِصَّة الأولى خُرُوج أهل الْعرَاق على عبد الْملك بن مَرْوَان مَعَ ابْن الْأَشْعَث وَفِي جُمْلَتهمْ أعداد من التَّابِعين كسعيد بن جُبَير وَأَمْثَاله فَكَانَ من هزيمَة الْحجَّاج لَهُم بدير الجماجم واستيلائه عَلَيْهِم مَا هُوَ مَعْرُوف الْقِصَّة الثَّالِثَة قيام أهل القيروان على الشِّيعَة من بني عبيد مَعَ أبي يزِيد مَخَافَة بدعته بِاعْتِبَار ضلالهم وَكَانُوا اثْنَي عشر ألفا فيهم اثْنَا عشر فَقِيها من جلة خيارهم وصلحائهم فَكَانَ أَيْضا من خِيَانَة أبي يزِيد لَهُم وتخلفهم هِنْد بعد قتل كثير مِنْهُم مَا هُوَ مَعْلُوم

стр. 560

الْمُخَالفَة الرَّابِعَة كتم مَا يجب أَن يعلم بِهِ مِمَّا فِيهِ مصلحَة فقد تقدم عَن النَّوَوِيّ أَن التَّعْرِيف بذلك للْإِمَام لَا منع فِيهِ وَأَنه قد يكون وَاجِبا أَو مُسْتَحبا حَتَّى عَن إِنْسَان معِين أَنه يرتكب كَذَا وَكَذَا من الْمُنْكَرَات ليستعان بذلك على التَّغْيِير عَلَيْهِ قلت وَمن شَوَاهِد الْعَمَل بذلك مَعَ وضوح دَلِيله أَن عمر ﵁ قيل لَهُ أَن أَبَا جندل قد تتَابع فِي شرب الْخمر فِي الشَّام فَكتب إِلَيْهِ يعظه وَلم يعد ذَلِك غيبَة مُحرمَة وَلَا نميمة مذمومة فَائِدَتَانِ إِحْدَاهمَا قَالَ الْأُسْتَاذ أَبُو سعيد وَمن خطّ صَاحبه الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي ﵀ نقلت لهَذَا الْوَجْه يَعْنِي الِاسْتِعَانَة على تَغْيِير الْمُنكر

стр. 561

بالتعريف بِهِ شُرُوط خَمْسَة أَن يكون الْقَصْد صَحِيحا يَعْنِي بالاستعانة على التَّغْيِير وان يعلم الرافع بذلك أَو يغلب على ظَنّه أَن نصحه وَحده وَنَهْيه لَا ينفع وان يعلم أَو يغلب على ظَنّه الِانْتِفَاع بنصح الْمَرْفُوع إِلَيْهِ أَو تَغْيِيره لقدرته عَلَيْهِ وان يكون الْمَرْفُوع إِلَيْهِ لَا يُغير ذَلِك الْمُنكر بمنكر آخر يرتكبه وان يكون الذاكر لذَلِك قد علمه من الْمَذْكُور يَقِينا لَا بِظَنّ أَو بتهمة الْفَائِدَة الثَّانِيَة لِلْمَرْفُوعِ عَنهُ حالتان الْحَالة الأولى التستر والاختفاء وَحكم الْمَرْفُوع إِلَيْهِ مَعَه ستره ووعظه كَمَا فعل عمر ﵁ الْحَالة الثَّانِيَة المجاهرة والإعلان وَحكمه الْكَشْف عَنهُ أَن رَآهُ أردع لَهُ ولأمثاله ذكره ابْن حبيب عَن مطرف وَزَاد فِيهِ أَن لَهُ أَن يُخرجهُ عَن بَيته وَيكسر عَلَيْهِ إِن كَانَ لَهُ الْمُخَالفَة الْخَامِسَة الدُّعَاء عَلَيْهِ بِمَا فِيهِ مضرَّة للْمُسلمين فَإِن كَانَ مَعَ ذَلِك بِمَا يزِيد حكما لأَجله توجه بِهِ الدَّاعِي فَهُوَ لَا محَالة عكس الْمَقْصُود كَمَا إِذا قَالَ مظلومه اللَّهُمَّ لَا توفقه فقد دَعَا على نَفسه وَغَيره قَالَ الطرطوشي لِأَنَّهُ من قلَّة توفيقه ظلمك فَإِن استجيبت لَك فِيهِ زَاد ظلمه لَك

стр. 562

السياسة الثَّانِيَة سياسة الْأُمُور الْعَارِضَة وَالْمَذْكُور مِنْهَا الْجِهَاد وَالسّفر والشدائد النَّازِلَة والرسالة والوفود الْعَارِض الأول الْجِهَاد وَفِيه مسَائِل الْمَسْأَلَة الأولى قَالَ ابْن الْحَاج الْجِهَاد فِيهِ فضل كثير جَاءَ بِهِ الْكتاب الْعَزِيز والْحَدِيث الصَّحِيح وَلَكِن يَنْبَغِي للمجاهد أَن لَا يدْخل فِيهِ حَتَّى يسْأَل أهل الْعلم عَمَّا يلْزم فِيهِ لقَوْله ﷺ طلب الْعلم فَرِيضَة على كل مُسلم أَي مَا وَجب عمله وَجب الْعلم بِهِ قَالَه الْمُحَقِّقُونَ وَلقَوْله ﷺ لَا يحل لامرئ مُسلم أَن يقدم على أَمر حَتَّى يعلم حكم الله فِيهِ قلت وَقد نقل الْإِجْمَاع على أَن الْمُكَلف لَا يدْخل فِي عمل إِلَّا بعد أَن يعلم حكم الله فِيهِ وَالْجهَاد من جملَة ذَلِك

стр. 563

الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة أَن النَّصْر فِيهِ إِنَّمَا يحصل بِإِقَامَة الدّين الَّذِي شرع لإعلاء كلمة التَّوْحِيد قَالَ تَعَالَى ﴿إِن تنصرُوا الله ينصركم وَيثبت أقدامكم﴾ قَالُوا نصر العَبْد لرَبه بامتثال أمره وَاجْتنَاب نَهْيه فَإِذا فعل ذَلِك كَانَ سَببا لنصر الله لَهُ قَالَ ابْن المناصف من جَاهد عَن الدّين أَحَق النَّاس بِالْقيامِ بأحكامه والفصل بَين حَلَاله وَحَرَامه وَقد كَانَ أَبُو الدَّرْدَاء ﵁ يَقُول يَا أَيهَا النَّاس اعْمَلُوا صَالحا قبل الْغَزْو فَإِنَّمَا تقاتلون بأعمالكم قَالَ وَهَذَا مَعْلُوم من دين الْإِسْلَام وَسنة مُحَمَّد ﷺ الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة أَن الْمُحَافظَة فِيهِ على الصَّلَاة من أهم مَا يتَقَدَّم من عمل صَالح ويستصحب فِيهِ لوجوه أَحدهَا النَّهْي عَن الْفَحْشَاء وَالْمُنكر والفرار من الزَّحْف من أفحش الْفَحْشَاء وَأنكر الْمُنكر فتنهى عَنهُ لَا محَالة أَن من خواصها تَقْوِيَة الْقُلُوب وتنشيط الْجَوَارِح واستدعاء ريح النَّصْر بِدلَالَة أَن النَّبِي ﷺ كَانَ يتحَرَّى اللِّقَاء بعد صَلَاة الظّهْر حِين تتحرك الْأَرْوَاح الثَّالِث أَنَّهَا مَحل الْمُنَاجَاة المستلزمة للقرب اقْربْ مَا يكون العَبْد من ربه وَهُوَ ساجد وَمن قرب من مَوْلَاهُ هان عَلَيْهِ مَا سواهُ كَانَ الشَّافِعِي يَقُول الصَّلَاة انْفِصَال واتصال فَمن انْفَصل بهَا عَمَّا سوى الله اتَّصل بهَا بِاللَّه

стр. 564

الرَّابِع أَنَّهَا عماد الدّين وشعار للْمُسلمين فعلَيْهَا يحامي وعنها يدافع وَعند ذَلِك فَإِن أخل بهَا تركا أَو جهلا بهَا شرطا أَو أَدَاء فَلَا يَخْلُو أَن يتَعَيَّن عَلَيْهِ الْجِهَاد أَولا وَهِي الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة فَإِن لم يتَعَيَّن قَالَ ابْن الْحَاج فَتَركه أولى بِهِ بل أوجب وَإِن تعين عَصا وعد مُجَاهدًا قَالَ وَهَذِه مَسْأَلَة قد عَمت بهَا الْبلوى فترى من يخرج إِلَى الْجِهَاد وغالبهم لَا يعْرفُونَ فقه الصَّلَاة وَيَحْسبُونَ أَنهم فِي طَاعَة الله وَقد وَقَعُوا فِي مخالفات جملَة كَمَا يُشَاهد من تَقْصِير كثير من الْحجَّاج فِي معرفَة مَا يَلِيق بهم مَعَ إِخْرَاج الصَّلَاة عَن وَقتهَا وَلَا قَائِل فِي الْمُسلمين بِجَوَاز ذَلِك إِلَّا لعذر شَرْعِي انْتهى مُلَخصا الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة أَن جور الْوُلَاة لَا يسْقط الطّلب بِالْجِهَادِ فَفِي الرسَالَة وَيُقَاتل الْعَدو مَعَ كل بر وَفَاجِر من الْوُلَاة والقواد والنقول عَن السّلف شاهدة بذلك وَإِلَيْهِ رَجَعَ مَالك ﵀ قَائِلا لَو ترك كَانَ ضَرَرا على الْإِسْلَام يَعْنِي وَهُوَ أعظم من ضَرَر إعانتهم على الْجور بِالْجِهَادِ مَعَهم وَإِذا اجْتمع ضرران نفي أصغرهما قَالَ ابْن حبيب وَقَالَهُ الصَّحَابَة حِين أدركوا من الظُّلم مَا أدركوا فكلهم قَالَ أغز على حظك من الْآخِرَة وَلَا تفعل مَا يَفْعَلُونَ من فَسَاد وخيانة وَغُلُول قلت وَنقل عَن الإِمَام أَحْمد أَنه احْتج لذَلِك بِحَدِيث إِن الله ليؤيد هَذَا الدّين بِالرجلِ الْفَاجِر

стр. 565

الْمَسْأَلَة السَّادِسَة قَالَ ابْن عَرَفَة عَن عَاصِم بن عبد الْبر فرض على الإِمَام اغزاء طَائِفَة الْعَدو وَيخرج بهاهو أَو منيثق بِهِ وَفرض على النَّاس فِي أَمْوَالهم وأنفسهم الْخُرُوج الْمَذْكُور لَا خُرُوجهمْ كَافَّة والنافلة مِنْهُ إِخْرَاج طَائِفَة بعد أُخْرَى وَبعث السَّرَايَا وَقت الْغرَّة والفرصة زَاد ابْن شَاس عَنهُ وعَلى الإِمَام رعي النصفة فِي المناوبة بَين النَّاس قَالَ وعزي القرا فِي ذَلِك لعبد الْملك الْمَسْأَلَة السَّابِعَة قَالَ ابْن المناصف يجب امْتِثَال أَمر الإِمَام أَو أَمِير الْعَسْكَر أَو قَائِد الْجَمَاعَة وان لَا يُخَالف فِي شَيْء مِمَّا وَافق سنة فِي عمل أَو تَدْبِير أَو حِيلَة أَو مكيدة أَو بعث طَلِيعَة أَو سَرِيَّة أَو رائد أَو حراسة لجَانب أَو كمين أَو غَارة تَجْرِيد جَرِيدَة لشغل بِجِهَة أَو طلب قوت أَو غنيمَة وَشبه ذَلِك قلت وَسَوَاء علم وَجه مَا أَمر بِهِ أَو نهى قَالَه سَحْنُون قَالَ ابْن عَرَفَة يُرِيد إِذا كَانَ عدلا
следующие страницы →