← Сияса и кади

Сияса и кади · id 7236

بدائع السلك في طبائع الملك

ابن الأزرق

Полный текст (992 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

بالتعريف بِهِ شُرُوط خَمْسَة أَن يكون الْقَصْد صَحِيحا يَعْنِي بالاستعانة على التَّغْيِير وان يعلم الرافع بذلك أَو يغلب على ظَنّه أَن نصحه وَحده وَنَهْيه لَا ينفع وان يعلم أَو يغلب على ظَنّه الِانْتِفَاع بنصح الْمَرْفُوع إِلَيْهِ أَو تَغْيِيره لقدرته عَلَيْهِ وان يكون الْمَرْفُوع إِلَيْهِ لَا يُغير ذَلِك الْمُنكر بمنكر آخر يرتكبه وان يكون الذاكر لذَلِك قد علمه من الْمَذْكُور يَقِينا لَا بِظَنّ أَو بتهمة الْفَائِدَة الثَّانِيَة لِلْمَرْفُوعِ عَنهُ حالتان الْحَالة الأولى التستر والاختفاء وَحكم الْمَرْفُوع إِلَيْهِ مَعَه ستره ووعظه كَمَا فعل عمر ﵁ الْحَالة الثَّانِيَة المجاهرة والإعلان وَحكمه الْكَشْف عَنهُ أَن رَآهُ أردع لَهُ ولأمثاله ذكره ابْن حبيب عَن مطرف وَزَاد فِيهِ أَن لَهُ أَن يُخرجهُ عَن بَيته وَيكسر عَلَيْهِ إِن كَانَ لَهُ الْمُخَالفَة الْخَامِسَة الدُّعَاء عَلَيْهِ بِمَا فِيهِ مضرَّة للْمُسلمين فَإِن كَانَ مَعَ ذَلِك بِمَا يزِيد حكما لأَجله توجه بِهِ الدَّاعِي فَهُوَ لَا محَالة عكس الْمَقْصُود كَمَا إِذا قَالَ مظلومه اللَّهُمَّ لَا توفقه فقد دَعَا على نَفسه وَغَيره قَالَ الطرطوشي لِأَنَّهُ من قلَّة توفيقه ظلمك فَإِن استجيبت لَك فِيهِ زَاد ظلمه لَك

стр. 562

السياسة الثَّانِيَة سياسة الْأُمُور الْعَارِضَة وَالْمَذْكُور مِنْهَا الْجِهَاد وَالسّفر والشدائد النَّازِلَة والرسالة والوفود الْعَارِض الأول الْجِهَاد وَفِيه مسَائِل الْمَسْأَلَة الأولى قَالَ ابْن الْحَاج الْجِهَاد فِيهِ فضل كثير جَاءَ بِهِ الْكتاب الْعَزِيز والْحَدِيث الصَّحِيح وَلَكِن يَنْبَغِي للمجاهد أَن لَا يدْخل فِيهِ حَتَّى يسْأَل أهل الْعلم عَمَّا يلْزم فِيهِ لقَوْله ﷺ طلب الْعلم فَرِيضَة على كل مُسلم أَي مَا وَجب عمله وَجب الْعلم بِهِ قَالَه الْمُحَقِّقُونَ وَلقَوْله ﷺ لَا يحل لامرئ مُسلم أَن يقدم على أَمر حَتَّى يعلم حكم الله فِيهِ قلت وَقد نقل الْإِجْمَاع على أَن الْمُكَلف لَا يدْخل فِي عمل إِلَّا بعد أَن يعلم حكم الله فِيهِ وَالْجهَاد من جملَة ذَلِك

стр. 563

الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة أَن النَّصْر فِيهِ إِنَّمَا يحصل بِإِقَامَة الدّين الَّذِي شرع لإعلاء كلمة التَّوْحِيد قَالَ تَعَالَى ﴿إِن تنصرُوا الله ينصركم وَيثبت أقدامكم﴾ قَالُوا نصر العَبْد لرَبه بامتثال أمره وَاجْتنَاب نَهْيه فَإِذا فعل ذَلِك كَانَ سَببا لنصر الله لَهُ قَالَ ابْن المناصف من جَاهد عَن الدّين أَحَق النَّاس بِالْقيامِ بأحكامه والفصل بَين حَلَاله وَحَرَامه وَقد كَانَ أَبُو الدَّرْدَاء ﵁ يَقُول يَا أَيهَا النَّاس اعْمَلُوا صَالحا قبل الْغَزْو فَإِنَّمَا تقاتلون بأعمالكم قَالَ وَهَذَا مَعْلُوم من دين الْإِسْلَام وَسنة مُحَمَّد ﷺ الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة أَن الْمُحَافظَة فِيهِ على الصَّلَاة من أهم مَا يتَقَدَّم من عمل صَالح ويستصحب فِيهِ لوجوه أَحدهَا النَّهْي عَن الْفَحْشَاء وَالْمُنكر والفرار من الزَّحْف من أفحش الْفَحْشَاء وَأنكر الْمُنكر فتنهى عَنهُ لَا محَالة أَن من خواصها تَقْوِيَة الْقُلُوب وتنشيط الْجَوَارِح واستدعاء ريح النَّصْر بِدلَالَة أَن النَّبِي ﷺ كَانَ يتحَرَّى اللِّقَاء بعد صَلَاة الظّهْر حِين تتحرك الْأَرْوَاح الثَّالِث أَنَّهَا مَحل الْمُنَاجَاة المستلزمة للقرب اقْربْ مَا يكون العَبْد من ربه وَهُوَ ساجد وَمن قرب من مَوْلَاهُ هان عَلَيْهِ مَا سواهُ كَانَ الشَّافِعِي يَقُول الصَّلَاة انْفِصَال واتصال فَمن انْفَصل بهَا عَمَّا سوى الله اتَّصل بهَا بِاللَّه

стр. 564

الرَّابِع أَنَّهَا عماد الدّين وشعار للْمُسلمين فعلَيْهَا يحامي وعنها يدافع وَعند ذَلِك فَإِن أخل بهَا تركا أَو جهلا بهَا شرطا أَو أَدَاء فَلَا يَخْلُو أَن يتَعَيَّن عَلَيْهِ الْجِهَاد أَولا وَهِي الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة فَإِن لم يتَعَيَّن قَالَ ابْن الْحَاج فَتَركه أولى بِهِ بل أوجب وَإِن تعين عَصا وعد مُجَاهدًا قَالَ وَهَذِه مَسْأَلَة قد عَمت بهَا الْبلوى فترى من يخرج إِلَى الْجِهَاد وغالبهم لَا يعْرفُونَ فقه الصَّلَاة وَيَحْسبُونَ أَنهم فِي طَاعَة الله وَقد وَقَعُوا فِي مخالفات جملَة كَمَا يُشَاهد من تَقْصِير كثير من الْحجَّاج فِي معرفَة مَا يَلِيق بهم مَعَ إِخْرَاج الصَّلَاة عَن وَقتهَا وَلَا قَائِل فِي الْمُسلمين بِجَوَاز ذَلِك إِلَّا لعذر شَرْعِي انْتهى مُلَخصا الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة أَن جور الْوُلَاة لَا يسْقط الطّلب بِالْجِهَادِ فَفِي الرسَالَة وَيُقَاتل الْعَدو مَعَ كل بر وَفَاجِر من الْوُلَاة والقواد والنقول عَن السّلف شاهدة بذلك وَإِلَيْهِ رَجَعَ مَالك ﵀ قَائِلا لَو ترك كَانَ ضَرَرا على الْإِسْلَام يَعْنِي وَهُوَ أعظم من ضَرَر إعانتهم على الْجور بِالْجِهَادِ مَعَهم وَإِذا اجْتمع ضرران نفي أصغرهما قَالَ ابْن حبيب وَقَالَهُ الصَّحَابَة حِين أدركوا من الظُّلم مَا أدركوا فكلهم قَالَ أغز على حظك من الْآخِرَة وَلَا تفعل مَا يَفْعَلُونَ من فَسَاد وخيانة وَغُلُول قلت وَنقل عَن الإِمَام أَحْمد أَنه احْتج لذَلِك بِحَدِيث إِن الله ليؤيد هَذَا الدّين بِالرجلِ الْفَاجِر

стр. 565

الْمَسْأَلَة السَّادِسَة قَالَ ابْن عَرَفَة عَن عَاصِم بن عبد الْبر فرض على الإِمَام اغزاء طَائِفَة الْعَدو وَيخرج بهاهو أَو منيثق بِهِ وَفرض على النَّاس فِي أَمْوَالهم وأنفسهم الْخُرُوج الْمَذْكُور لَا خُرُوجهمْ كَافَّة والنافلة مِنْهُ إِخْرَاج طَائِفَة بعد أُخْرَى وَبعث السَّرَايَا وَقت الْغرَّة والفرصة زَاد ابْن شَاس عَنهُ وعَلى الإِمَام رعي النصفة فِي المناوبة بَين النَّاس قَالَ وعزي القرا فِي ذَلِك لعبد الْملك الْمَسْأَلَة السَّابِعَة قَالَ ابْن المناصف يجب امْتِثَال أَمر الإِمَام أَو أَمِير الْعَسْكَر أَو قَائِد الْجَمَاعَة وان لَا يُخَالف فِي شَيْء مِمَّا وَافق سنة فِي عمل أَو تَدْبِير أَو حِيلَة أَو مكيدة أَو بعث طَلِيعَة أَو سَرِيَّة أَو رائد أَو حراسة لجَانب أَو كمين أَو غَارة تَجْرِيد جَرِيدَة لشغل بِجِهَة أَو طلب قوت أَو غنيمَة وَشبه ذَلِك قلت وَسَوَاء علم وَجه مَا أَمر بِهِ أَو نهى قَالَه سَحْنُون قَالَ ابْن عَرَفَة يُرِيد إِذا كَانَ عدلا

стр. 566

الْمَسْأَلَة الثَّامِنَة قَالَ سَحْنُون وَاللَّفْظ لِابْنِ عَرَفَة الْإِمَارَة فِي الْحَرْب غير الْإِمَارَة فِي غَيره إِنَّمَا يقدم فِيهِ الإِمَام الْعَالم بهَا مَعَ الْفضل وَلَا ينظر فِي نسبه هَل هُوَ عَرَبِيّ أَو مولى وَقد يقدم فِيهَا الْأَدْنَى فضلا عَن الْأَفْضَل لفضل عمله قلت فِي قَوَاعِد عز الدّين الضَّابِط فِي الولايات كلهَا تَقْدِيم الْأَقْوَى لجلب مصالحها ودرء مفاسدها فَيقدم الْأَقْوَى بأركانها وشرائطها على الْأَقْوَى بسننها وآدابها الْمَسْأَلَة التَّاسِعَة لَا يحْتَاج فِي الْجِهَاد إِلَى اسْتِئْذَان السُّلْطَان إِلَّا فِي خُرُوج جَيش أَو جمع وافر وَقد سهل مَالك لمن قرب من الْعَدو وَبعد عَن الإِمَام أَن يغتنموا مَا يَجدونَ من فرْصَة فِيهِ فَأَما سَرِيَّة الْخُرُوج من عَسْكَر فَلَا قَالَ عبد الْملك وهم عاصون خَرجُوا ببدعة وَرَغبُوا عَن سنة الرَّسُول ﷺ وَالْأَئِمَّة بعده وَلَا أرى أَن ينفلوا ويؤدبون على قدر أَحْوَالهم بِمَا يرَاهُ الإِمَام الْمَسْأَلَة الْعَاشِرَة جِهَاد من عدا الْكفَّار من بَاغ ومرتد ومحارب ولص جِهَاد مُعْتَبر فَفِي الْمُدَوَّنَة جِهَاد الْمُحَاربين جِهَاد وروى أَشهب من أفضل الْجِهَاد وأعظمه أجرا قَالَ ابْن عبد السَّلَام وَلَا شكّ فِي أَنه جِهَاد وَإِنَّمَا الْخلاف هَل لَهُ مزية على جِهَاد الْكفَّار أم لَا فَظَاهر قَول أهل الْمَذْهَب لَا مزية لَهُ قلت وَصرح ابْن نَاجِي أَنه الْمَشْهُور قَالَ ابْن عبد السَّلَام قَالَ

стр. 567

ابْن شعْبَان جِهَاد الْمُحَاربين أفضل من جِهَاد الْكفَّار قَالَ وَهُوَ الظَّاهِر أَنه رفع فَسَاد وَاقع بَين الْمُسلمين الْمُؤَدِّي إِلَى ضعفهم وتغيير كثير من أحكامهم والبداية بإزالته أولى من الِاشْتِغَال بِرَفْع أَذَى مُنْفَصِل عَنْهُم قلت وَفِي نَوَازِل الْبُرْزُليّ أَن الْإِعْرَاب لما نزلُوا بتونس وهموا بإفساد كرومها ندب ابْن عَرَفَة النَّاس لقتالهم وَذكر لَهُم قَول مَالك وَمَا ورد فِي قتال الْمُحَاربين من الْفضل الْمَسْأَلَة الْحَادِيَة عشرَة الْجِهَاد البحري جِهَاد عَظِيم وَعَن الْحَنَابِلَة أفضل من جِهَاد الْبر لتردده بَين خطر الْجِهَاد وخطر الْبَحْر مَعَ عدم تمكنه من الْفِرَار إِلَّا مَعَ اصحابه قَالَ صَاحب مشارع الأشواق وَيَنْبَغِي أَن لَا يكون فِي هَذَا خلاف لما لَهُ من الْفَضَائِل الَّتِي لَيست للغزو فِي الْبر قلت وَقد اعتذر ابْن المناصف عَن منع عمر ﵁ ركُوبه فَإِن الْعَرَب إِذْ ذَاك لم تكن لَهَا علم بأحواله بعد استدلاله على فَضَائِل

стр. 568

الْغَزْو فِيهِ بَان اسْم الرّكُوب يَشْمَلهُ ويعمه وَمعنى الفروسية يحويه ويضمه الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة عشرَة قَالَ ابْن المناصف الْغلُول حرَام عدل الإِمَام أَو جَار فَإِن عدل أَخذ كل ذِي سهم سَهْمه طيبا وَإِن جَار وَحرم كَانَ للغازي أجر غَزوه وَأجر مَا حرم من سَهْمه إِن احتسب ذَلِك على الله وَطلب مِنْهُ الْعِوَض قلت فِي نَوَازِل الْبُرْزُليّ وَقعت الْفتيا فِيمَن لَا يتَوَصَّل بِحقِّهِ من الْغَنِيمَة أَنه يتحَرَّى عدد الْجَيْش وَيخرج الْخمس وَيقدر حَظه وَيَأْخُذهُ وكل مَا شكّ فِيهِ طَرحه وَذكر ذَلِك فِي مَوَاضِع فَرَاجعه من هُنَاكَ الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة عشرَة خفر الْعَهْد مُوجب لتسليط الْعَدو كَمَا أَن ظُهُور الْغلُول فِي الْغُزَاة سَبَب فِي إِلْقَاء الرعب فِي قُلُوبهم لحَدِيث ابْن عَبَّاس ﵄ مَا ظهر الْغلُول فِي قوم إِلَّا ألْقى الله الرعب فِي قُلُوبهم وَلَا فَشَا الزِّنَى فِي قوم قطّ إِلَّا كثر فيهم الْمَوْت وَلَا نقص قوم الْمِكْيَال وَالْمِيزَان إِلَّا قطع الله الرزق عَنْهُم وَلَا حكم قوم بِغَيْر حق إِلَّا فَشَا فيهم الدَّم وَلَا خفر قوم الْعَهْد إِلَّا سلط الله عَلَيْهِم الْعَدو وَقَالَ الْأَزْهَرِي الخفر أقبح الْغدر

стр. 569

الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة عشرَة إِذا ظهر الْغلُول علئ أَخذه فَلهُ ثَلَاثَة أَحْوَال أَحدهَا قبل أَن يَتُوب وأدبه لَا بُد مِنْهُ بِحَسب الِاجْتِهَاد وَعند ابْن حبيب يُعَاقب عُقُوبَة شَدِيدَة وَمَا غل إِن افترق الْجَيْش يتَصَدَّق بِهِ وَإِن لم يفْتَرق رد فِي الْمغنم وَهل يحرق رَحْله أنكرهُ مَالك وَقَالَ بِهِ جمَاعَة قَالَ سَحْنُون وَلَا بَأْس أَن يصلى عَلَيْهِ وَعَن أصبغ لَا يحرم سَهْمه الثَّانِيَة بعد التَّوْبَة ورد مَا غل قَالَ ابْن الْقَاسِم لَا يُؤَدب وَسمع مَالِكًا قَالَ مَا سَمِعت فِيهِ شَيْئا وَلَو عُوقِبَ كَانَ أَهلا الثَّالِثَة بعد الْقسم وافتراق الْجَيْش وأدبه لَا غنى عَنهُ عِنْد الْجَمِيع زجرا عَن الْمعْصِيَة وردعا الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة عشرَة قَالَ صَاحب مشارع الأشواق الْفِرَار من الزَّحْف حَيْثُ لَا يجوز من أعظم كَبَائِر الذُّنُوب بِإِجْمَاع وفاعله مُسْتَحقّ لغضب الله ومقته وأليم عَذَابه لما فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ اجتنبوا السَّبع الموبقات قيل يَا رَسُول الله وَمَا هِيَ قَالَ الشّرك بِاللَّه وَالسحر وَقتل النَّفس الَّتِي حرم الله إِلَّا بِالْحَقِّ وَأكل مَال الْيَتِيم وَأكل الرِّبَا والتهرب يَوْم الزَّحْف وَقذف الْمُحْصنَات الْغَافِلَات الْمُؤْمِنَات الْمَسْأَلَة السَّادِسَة عشرَة قَالَ ابْن الْعَرَبِيّ حكم الله فِي الْغَنِيمَة بِحكمِهِ وأنفذ فِيهَا سَابق علمه فَجعل خمسها للخمسة الْأَسْمَاء وَأبقى سائرها لمن غنمها من غير خلاف بَين الْأمة إِلَّا أَن يرى الإِمَام أَن يمن على الأسرى بِالْإِطْلَاقِ أَو بقتل

стр. 570

جَمِيعهم فَيبْطل حُقُوق الْغَانِمين نظرا للْمُسلمين أَو مصلحَة وَفسّر الْخَمْسَة الْأَسْمَاء بِمَا يدل عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى وَاعْلَمُوا أَنما غَنِمْتُم من شَيْء فَإِن لله خمسه الْآيَة قَالَ وَكَانَت الْجَاهِلِيَّة ترى للرئيس من الْغَنِيمَة مَا قَالَ الشَّاعِر (لَك المرباع مِنْهَا والصفايا ... وحكمك والنشيطة والفصول) فأحكم لله الدّين وَأبقى فيهم الصفى لرَسُول الله ﷺ وَأسْقط حكم الْجَاهِلِيَّة وَمن أحسن من الله حكما وأوسع مِنْهُ علما انْتهى مُلَخصا من مَوَاضِع فِي كَلَامه

стр. 571

الْمَسْأَلَة السَّابِعَة عشرَة عقد الصُّلْح والمهادنة مَعَ الْعَدو لَا يَتَوَلَّاهُ إِلَّا الإِمَام لمصْلحَة على غير شَرط فَاسد وَمَعَ فَوَاتهَا لَا يجوز وَإِن كَانَ على مَال فَفِي الْمُدَوَّنَة كره عُلَمَاؤُنَا المهادنة على أَن يُعْطِينَا أهل الْحَرْب مَالا كل عَام وَلَقَد طلب الطاغية ذَلِك إِلَى عبد الله هَارُون يَعْنِي الرشيد على أَن يعطوه مائَة ألف دِينَار كل عَام فَشَاور الْفُقَهَاء فَقَالُوا لَهُ الثغور الْيَوْم عامرة فِيهَا أهل البصائر أَكْثَرهم نازعون من الْبلدَانِ إِن انْقَطع عَنْهُم الْجِهَاد تفَرقُوا وخلت الثغور لِلْعَدو وَالَّذِي يُصِيب أهل الثغور مِنْهُم أَكثر من مائَة ألف فصوب ذَلِك وَرجع إِلَيْهِ الْمَسْأَلَة الثَّامِنَة عشرَة قَالَ الْمَازرِيّ وَاللَّفْظ لِابْنِ عَرَفَة لَا يهادن إِلَّا الْعد بإعطائه مَالا لِأَنَّهُ عكس مصلحَة شرع أَخذ الْجِزْيَة مِنْهُم إِلَّا لضَرُورَة التَّخَلُّص مِنْهُم خوف استيلائهم على الْمُسلمين وَقد شاور رَسُول الله ﷺ لما أحاطت الْقَبَائِل بِالْمَدِينَةِ

стр. 572

السيدين فِي أَن يبْذل للْمُشْرِكين ثلث الثِّمَار لما خَافَ أَن يكون الْأَنْصَار ملت الْقِتَال فَقَالَا إِن كَانَ هَذَا من الله سمعنَا وأطعنا وَإِن كَانَ رَأيا من رَسُول الله ﷺ فَمَا أكلُوا مِنْهَا فِي الْجَاهِلِيَّة ثَمَرَة إِلَّا بشرَاء أَو قرى فَكيف وَقد أعزنا الله بِالْإِسْلَامِ فَلَمَّا رأى رَسُول الله ﷺ عزمهم على الْقِتَال ترك ذَلِك فَلَو لم يكن الْإِعْطَاء عِنْد الضَّرُورَة جَائِزا مَا شاور فِيهِ ﷺ قلت ونقلوا عَن الْأَوْزَاعِيّ أَن عبد الْملك بن مَرْوَان يُؤَدِّي إِلَى الطاغية كل يَوْم ألف دِينَار وغلى قوم آخَرين كل يَوْم جُمُعَة ألف دِينَار وَذَلِكَ زمَان ابْن الزبير وَفعله مُعَاوِيَة أَيَّام صفّين الْمَسْأَلَة التَّاسِعَة عشرَة الْوَفَاء بالأمان وَاجِب ودلائله لَا تَنْحَصِر ثمَّ هُوَ ضَرْبَان عَام لَا يَتَوَلَّاهُ إِلَّا السُّلْطَان كناحية مفتقرة أَو عدد لَا ينْحَصر وخاص كشخص بِعَيْنِه أَو عدد مَحْصُور فيعقده كل مُؤمن مُمَيّز حَتَّى العَبْد وَالْمَرْأَة وَالصَّبِيّ الْعَاقِل على خلاف لقَوْله ﷺ الْمُسلمُونَ تَتَكَافَأ دِمَاؤُهُمْ وَيسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُم وهم يَد على من سواهُم الْمَسْأَلَة الْعشْرُونَ قَالَ ابْن الْعَرَبِيّ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا لكم لَا تقاتلون فِي سَبِيل الله وَالْمُسْتَضْعَفِينَ من الرِّجَال﴾ الْآيَة قَالَ عُلَمَاؤُنَا أوجب الله تَعَالَى فِي هَذِه الْآيَة

стр. 573

الْقِتَال لاستنقاذ الأسرى من يَد الْعَدو مَعَ مَا فِيهِ من تلف النَّفس فَكَانَ بذل المَال فِي فدائهم أوجب وَقد قَالَ مَالك ﵁ على النَّاس أَن يفدوا الْأُسَارَى بِجَمِيعِ أَمْوَالهم قلت قيد ذَلِك ابْن عَرَفَة بِمَا إِذا لم يخْش اسْتِيلَاء الْعَدو بذلك وَقرر فِي مَوضِع آخر وجوب استنقاذهم بِالْقِتَالِ وَالْفِدَاء قَائِلا بعد ذَلِك فَإنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون على مَا حل بالخلق فِي تَركهم إخْوَانهمْ فِي أسر الْعَدو وبأيديهم خَزَائِن الْأَمْوَال وأصول الْأَحْوَال وَالْقُدْرَة وَالْعدَد وَالْقُوَّة وَالْجَلد حكايتان فِي ذَلِك فِي مثل الْعَمَل بمضمنها فَلْيَتَنَافَس الْمُتَنَافسُونَ الْحِكَايَة الأولى رُوِيَ أَن عمر بن عبد الْعَزِيز ﵁ كتب إِلَى الأسرى بِالْقُسْطَنْطِينِيَّةِ أما بعد فَإِنَّكُم تَعدونَ أَنفسكُم الْأُسَارَى ومعاذ الله بل أَنْتُم الحبساء فِي سَبِيل الله اعلموا أَنِّي لست أقسم بَين رعيتي إِلَّا خصصت أهلكم بِأَكْثَرَ من ذَلِك وأطيبه وَإِنِّي قد بعثت إِلَيْكُم فلَان بن فلَان بِخَمْسَة دَنَانِير وَلَوْلَا أَنِّي خشيت أَن يحبسها عَنْكُم طاغية الرّوم لزدتكم وَقد بعثت إِلَيْكُم فلَان بن فلَان يفادي صغيركم وكبيركم وذكركم وأنثاكم وحركم ومملوككم بِمَا يسْأَل مِنْهُ فأبشروا ثمَّ أَبْشِرُوا وَالسَّلَام الْحِكَايَة الثَّانِيَة ذكر أَن الْمَنْصُور بن أبي عَامر فصل فِي بعض غَزَوَاته فِي مَكَان ضيق بَين جبلين لَا يجوزه إِلَّا فَارس بعد فَارس وَاجْتمعت الرّوم فِي أُمَم لَا تحصى ومسكوا لَهُ مَوضِع الْخُرُوج فَلَمَّا علم بذلك أَمر بِرَفْع الأخبية وان تبنى الدّور واختط لنَفسِهِ قصرا وَأمر سَائِر خواصه بذلك

стр. 574

وَكتب إِلَى نوابه إِنِّي لما رَأَيْت هَذِه الْبِلَاد استقصرت رَأْي من سلف من الْمُلُوك وَالْخُلَفَاء كَيفَ تركوها لعظم أمرهَا وجلالة قدرهَا وَقد استخرت الله تَعَالَى فِي الْإِقَامَة بهَا وان أَتَّخِذ مَدِينَة وأسكن بهَا وَأمر بإرسال البنائين الفعلة فَلَمَّا تحققت الرّوم بذلك سَأَلُوهُ فِي الصُّلْح فَأبى فألحوا عَلَيْهِ فَأبى فَقَالَ لَا أفعل إِلَّا أَن تعطوني ابْنة ملككم فَقَالُوا هَذَا عَار مَا سمع بِمثلِهِ فَاجْتمعُوا فِي عدد عَظِيم وَكَانَ هُوَ فِي عشْرين ألف فَارس فَلَمَّا الْتَقَوْا انْكَسَرَ الْمُسلمُونَ وَثَبت هُوَ وَولده وكاتبه وَنَفر يسير وَأمر أَن يضْرب خباؤه على نشز من أَرض فتراجع غليه الْمُسلمُونَ وقاتلوهم وَكَانَت الدائرة على الْكفَّار وَالْعَاقبَة للْمُسلمين فَقتل وَأسر فَسَأَلُوهُ فِي الصَّالح فَأبى إِلَّا أَن يعطوه ابْنة ملكهم وأموالا اقترحها فَأَعْطوهُ ذَلِك مَعَ تحف كَثِيرَة وَكَانَت الْبِنْت فِي نِهَايَة الْجمال فَلَمَّا شيعها أَشْرَاف قَومهَا سألوها أَن تحسن الوساطة لقومها عِنْده فَقَالَت أَن الجاه لَا يطْلب بأفخاذ النِّسَاء إِنَّمَا يطْلب برماح الرِّجَال وَلما وصل الْمَنْصُور إِلَى مَدِينَة قرطبة تَلَقَّتْهُ امْرَأَة فَقَالَت لَهُ أَنْت وَالنَّاس تفرحون وَأَنا باكية حزينة قَالَ لَهُم قَالَت وَلَدي أَسِير فِي بلد من بِلَاد الرّوم فسير العساكر لوقته رَاجِعَة إِلَى الْبِلَاد حَتَّى أحضروا وَلَدهَا قَالَ صَاحب مشارع الأشواق فرحم الله تِلْكَ الْأُمَم الخالية بركَة وختام بِذكر رِسَالَة عمر ﵁ إِلَى سعد بن أبي وَقاص وَمن مَعَه من الأجناد رَضِي الله عَنْهُم

стр. 575

قَالَ ابْن المناصف فِيهَا كثير من أَحْكَام الْجِهَاد ولوازم الاستعداد وَنَصهَا أما بعد فَإِنِّي آمُرك وَمن مَعَك بتقوى الله على كل حَال فَإِن تقوى الله أفضل الْعدة على الْعَدو وَأقوى المكيدة فِي الْحَرْب وآمرك وَمن مَعَك أَن تَكُونُوا أَشد احتراسا من الْمعاصِي من احتراسكم من عَدوكُمْ فَإِن ذنُوب الْجَيْش أخوف عَلَيْهِم من عدوهم وَإِنَّمَا ينصر الْمُسلمُونَ على عدوهم بِمَعْصِيَة عدوهم الله وَلَوْلَا ذَاك لم يكن لنا بهم قُوَّة لِأَن عددنا لَيْسَ كعددهم وَلَا عدتنا كعدتهم فَإِن استوينا فِي الْمعْصِيَة كَانَ لَهُم الْفضل علينا وَالْقُوَّة وَإِن لم ننصر عَلَيْهِم بفضلنا ل نغلبهم بقوتنا وَاعْلَمُوا أَن عَلَيْكُم فِي سيركم حفظَة من الله تَعَالَى يعلمُونَ مَا تَفْعَلُونَ فاستحيوا مِنْهُم وَلَا تعملوا بمعاصي الله وَأَنْتُم فِي سَبِيل الله وَلَا تَقولُوا أَن عدونا شَرّ منا فَلَنْ يسلطوا علينا وَإِن أسأنا فَرب قوم سلط عَلَيْهِم شَرّ مِنْهُم كَمَا سلط على بني إِسْرَائِيل لما علمُوا بمعاصي الله كفرة الْمَجُوس ﴿فجاسوا خلال الديار وَكَانَ وَعدا مَفْعُولا﴾ فاسألوا الله العون على أَنفسكُم كَمَا تسألونه على عَدوكُمْ أسأَل الله ذَلِك لنا وَلكم وترفق بِالْمُسْلِمين فِي مَسِيرهمْ وَلَا تسير بهم سيرا يتعبهم وَلَا تقصر بهم عَن منزل الرِّفْق بهم حَتَّى يبلغُوا عدوهم وَالسّفر لم ينقص قوتهم فَإِنَّهُم سائرون إِلَى عَدو مُقيم حاقد الْأَنْفس والكراع وأقم بِمن مَعَك فِي كل جُمُعَة يَوْمًا وَلَيْلَة يكون ذَلِك لَهُم رَاحَة يحْمُونَ بهَا أنفسهم ويرمون أسلحتهم وأمتعتهم ونح مَنَازِلهمْ عَن قرى

стр. 576

أهل الصُّلْح فَلَا يدخلهَا من أَصْحَابك إِلَّا من تثق بِهِ وبدينه وَلَا يرزؤا أحدا من أَهلهَا شَيْئا فَإِن لَهُم حُرْمَة وَذمَّة ابتليتم بِالْوَفَاءِ بهَا كَمَا ابتلوا بِالصبرِ عَلَيْهَا فَكَمَا صَبَرُوا لكم فوفوا لَهُم وَلَا تستنصروا على أهل الْحَرْب بظُلْم أهل الصُّلْح وَإِذا وطِئت أدنى أَرض الْعَدو فآذك الْعُيُون بَيْنك وَبينهمْ وَلَا يخفى عَلَيْك أَمرهم وَليكن عنْدك من الْعَرَب أَو من أهل الأَرْض من تثق بِهِ وتطمئن إِلَى نصحه وَصدقه فَإِن الكذوب لَا ينفعك خَبره وَإِن صدق فِي بعضه والغاش عَلَيْك لَيْسَ عينا لَك وَليكن مِنْك عِنْد دنوك من أَرض الْعَدو أَن تكْثر من الطَّلَائِع وتبث السَّرَايَا بَيْنك وَبينهمْ فتقطع السَّرَايَا أمدادهم ومرافقهم وتتبع الطَّلَائِع عَوْرَاتهمْ وانتق للطلائع أهل الرَّأْي والبأس من أَصْحَابك وتخير لَهُم سوابق الْخَيل فَإِن لقوا عَدوك كَانَ أول من يلقاهم أهل الْقُوَّة وَاجعَل أَمر السَّرَايَا إِلَى أهل الِاجْتِهَاد وَالصَّبْر وَالْجَلد وَلَا تخص بهَا أحدا من خاصتك فيضيع من رَأْي مؤامرتك أَكثر مِمَّا حابيت بِهِ أهل خاصتك وَلَا تبْعَث طَلِيعَة وَلَا سَرِيَّة فِي وَجه يتخوف فِيهِ عَلَيْهَا ضَيْعَة ونكاية فَإِذا عانيت الْعَدو فاضمم إِلَيْك أقاصيك وطلائعك وسراياك واجمع إِلَيْك مكيدتك ثمَّ تعاجلهم المناجزة مَا لم

стр. 577

يستكرهك قتال حَتَّى تبصر عَورَة عَدوك ومقاتله وتعرف الأَرْض كلهَا كمعرفتك أَهلهَا فتصنع بعدوك كصنعه بك ثمَّ اذك أَحْرَار أحراسك على عسكرك وَتحفظ من البيات جهدك وكل أَسِير أتيت بِهِ لَيْسَ لَهُ عهد فَاضْرب عُنُقه لترهب بِهِ عَدو الله وعدوك وَالله ولي أَمرك وَمن مَعَك وَولي النَّصْر لكم على عَدوكُمْ وَالله الْمُسْتَعَان الْعَارِض الثَّانِي السّفر ويتقدمه قبل الشُّرُوع فِيهِ الْعلم بِأُمُور تهم الْمعرفَة بهَا حكما وَشَرِيعَة بِحَسب تَكْمِيل النّظر فِي طبيعة الْوُجُود المنتظم السلك برعاية الْملك وَالسُّلْطَان ولنعرضها فِي مسَائِل الْمَسْأَلَة الأولى أَن الْحَرَكَة والسكون لَا بُد من تعاقبهما على الْأَجْسَام الطبيعية ضَرُورَة اسْتِحَالَة الْخُلُو عَنْهُمَا ضَرُورَة من حَيْثُ أَنَّهُمَا ضدان لَا متوسط بَينهمَا وَمَا يُوجد من أجسام الخليقة لَازِما لَهُ الْحَرَكَة كالأجرام العلوية أَو السّكُون كالهياكل الأرضية بمقابل مَا اخْتصَّ من ذَلِك جَائِز عَلَيْهِ كَمَا تقرر فِي الْحِكْمَة وَالْكَلَام الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة أَن للْإنْسَان من أَنْوَاع الحركات نوعا اخْتصَّ بِهِ دون سَائِر الْحَيَوَان وَهُوَ انْتِقَاله من مَوضِع إِلَى مَوضِع آخر بعيد مِنْهُ فِي مُدَّة طَوِيلَة وَمَا

стр. 578

الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة أَن مصدر هَذَا النَّوْع من الِانْتِقَال عَن قوى ثَلَاثَة للْإنْسَان أَحدهَا الْقُوَّة الشهوانية كسفر التُّجَّار إِلَى الْبِلَاد النازحة والأقطار المتباعدة طلبا للربح الخطير الثَّانِيَة الْقُوَّة الغضبية كسفر الْمُلُوك لتدويخ الأقاليم وتخويف الممالك قصدا للقهر وَالْغَلَبَة وَمَا يتبع ذَلِك من الِاسْتِيلَاء على الْأَمْلَاك والذخائر فبالقصد الثَّانِي الثَّالِثَة الْقُوَّة التمييزية كرحلة طالبي الْعُلُوم إِلَى الْأَمْصَار النائية والأصقاع الشاحطة حرصا على تَحْصِيل الْمَزِيد مِنْهَا بمبلغ الْجهد الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة أَن طلب السّكُون أخص بطبيعة المتحرك حَرَكَة قريبَة أَو بعيدَة بِدلَالَة مَا يُشَاهد من تَعب دوامها وَوُجُود الرَّاحَة بعد ذَلِك بِالسُّكُونِ وَمن هُنَاكَ وَردت الْمِنَّة بأوقات المتمكن مِنْهُ طبيعة وَهُوَ اللَّيْل فِي قَوْله تَعَالَى ﴿هُوَ الَّذِي جعل لكم اللَّيْل لتسكنوا فِيهِ وَالنَّهَار مبصرا﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿وَجَعَلنَا اللَّيْل لباسا وَجَعَلنَا النَّهَار معاشا﴾ الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة أَن لمَكَان الِاخْتِصَاص بذلك يَنْبَغِي طلب الْفِرَار عَن الْحَرَكَة الْبَعِيدَة بِحَسب يُشَاهد من قواطع الطير والسمك فَغير بَالغ فِي ذَلِك مبلغ الْإِنْسَان لِأَن مَا بالطبع لَيْسَ كَمَا بالفكر والروية الْإِمْكَان وَسَوَاء فِي ذَلِك الْمُلُوك وَغَيرهم نعم وَعَن الْحَرَكَة الْقَرِيبَة مَتى عريت عَن الْفَائِدَة الْمُعْتَبرَة دينا وَدُنْيا كالتردد فِي أسواق والطرق من غير حَاجَة

стр. 579

سوى التفرج بِالنّظرِ للمارة والمشاهدة لما فِيهَا من الْأُمُور الملهية لِذَوي البطالة الْمَسْأَلَة السَّادِسَة أَن الْمَانِع من تَغْلِيب السّكُون على الْحَرَكَة فِي السِّيرَة الفاضلة يتَصَوَّر فِي السُّلْطَان وَغَيره فَفِي السُّلْطَان كَمَا إِذا كَانَ لُزُوم مَرْكَز الدولة إيثارا للدعة والسكون يُوجب تَضْييع ثغور المملكة ويطمع فِيهَا طَالب التغلب عَلَيْهَا وَفِي غَيره كَمَا إِذا كَانَ الْمقَام فِي بَلَده إخلادا للراحة مَعَ الْحبّ فِيهِ كَمَا يَدْعُو غليه خلق الضعْف والكسل فيسجل عَلَيْهِ باستصحاب نكد عيشه وَاحْتِمَال ذله ذهولا عَن قَوْله تَعَالَى ﴿وَمن يُهَاجر فِي سَبِيل الله يجد فِي الأَرْض مراغما كثيرا وسعة﴾ وكما حض عَلَيْهِ قَول الشَّاعِر (وَإِذا نبا بك منزل فتحول ... ) الْمَسْأَلَة السَّابِعَة إِن مُخَالفَة الطبيعة بتغليب الْحَرَكَة على السّكُون التغليب المفرط مَذْمُوم فِي الْمُلُوك كحركة من تخطى مِنْهُم حُدُود مَمْلَكَته إِلَى مَا وَرَاءَهَا كَمَا تقدم من الْقَصْد الْأَصْلِيّ وَالتَّابِع وَفِي غَيرهم كتوغل السفارة من التُّجَّار فِي استقصاء طلب المَال الْمَحْمُود فِي جِهَة الْمَعْمُور برا وبحرا لما سبق أَن ذَلِك من مُقْتَضى الشَّهْوَة فَقَط وكإفراط ذَوي الرحلة فِي طلب الْعُلُوم مَتى اقْتضى الْحَال تَرْجِيح الِاقْتِصَار على الْحَاصِل مِنْهَا وَلَا يخفى ذَلِك على ذِي بَصِيرَة بالحقائق شرعا وَحكمه الْمَسْأَلَة الثَّامِنَة أَن المراعاة مَا تقدم فالمحمود فِي التَّدْبِير الْفَاضِل اخْتِيَار مَا هُوَ وسط بَين الطَّرفَيْنِ المتقابلين فِي ذَلِك شَأْن سَائِر الخلاق وَالْأَفْعَال نعم تَتَفَاوَت الْأَخْلَاق والطبقات فِي اخْتِيَار الْوسط من ذَلِك تَفَاوتا عَظِيما بِحَسب اعتبارات

стр. 580

لَا تَنْحَصِر وَالضَّابِط الْكُلِّي فِيهِ اتِّبَاع هِدَايَة الطبيعة إِلَيْهِ برعاية مَا يتكفل بصلاح الدّين وَالدُّنْيَا بِحَسب شخص من سَائِر الطَّبَقَات قل كل يعْمل على شاكلته والطبيعة بِإِذن الله تَعَالَى لَا تفعل بَاطِلا وَخلق كل شَيْء فقدره تَقْديرا ﴿ذَلِك تَقْدِير الْعَزِيز الْعَلِيم﴾ الْمَسْأَلَة التَّاسِعَة قَالَ الْغَزالِيّ السّفر وَسِيلَة إِلَى الْخَلَاص من مهروب عَنهُ والوصول إِلَى مَرْغُوب فِيهِ وَالْأول ديني كالجاه وَالْمَال المضرين ودنيوي عَام كالفتنة والغلاء وخاص كمن يقْصد بآذاية على انْفِرَاده وَالثَّانِي ديني كَالْعلمِ وَالْعَمَل ودنيوي كَالْمَالِ والجاه انْتهى مُلَخصا الْمَسْأَلَة الْعَاشِرَة قَالَ النَّوَوِيّ يجب على الْمُسَافِر تعلم مَا يحْتَاج إِلَيْهِ فِي سَفَره كاحتياج اللَّازِم من أَحْكَام الْجِهَاد للغازي وَمن الْمَنَاسِك للْحَاج وَمن فقه الْبيُوع للتاجر وَمن الضَّرُورِيّ فِي الدّين للسائح المتعبد وَمن شُرُوط الصَّيْد للصائد وَمن النَّصِيحَة فِي حفظ الْأَمَانَة مَعَ مَا يحْتَاج غليه المنعزل لِلرَّاعِي انْتهى الْمَقْصُود مِنْهُ مُلَخصا الْعَارِض الثَّالِث الشدائد النَّازِلَة وَمن النافع فِيهَا تذكيرات يَقْتَضِيهِ غَرَض التمحيص بهَا خُصُوصا وعموما التَّذْكِير الأول أَن من ضَرُورَة وضع الدُّنْيَا عَن قصد الِابْتِلَاء بهَا شرا وَخيرا ونبلوكم

стр. 581

بِالشَّرِّ وَالْخَيْر فتْنَة) وجود الشدائد المكدرة لصفو الرَّاحَة فِيهَا عَمَّا قريب تعريفا بِمَا وضعت عَلَيْهِ وإعلاما وَمن ثمَّ قَالَ الشَّيْخ تَاج الدّين لَا تستغرب وُقُوع الأكدار مَا دمت فِي هَذِه الدَّار فَإِنَّهَا مَا أبرزت إِلَّا مَا هُوَ مُسْتَحقّ وصفهَا وواجب نعتها قَالَ الشَّاعِر (طبعت على كدر وَأَنت تريدها ... صفوا من الأقذار والأكدار) وَقَالَ الآخر (إِن اللَّيَالِي لم تحسن إِلَى أحد ... إِلَّا أساءت إِلَيْهِ بعد إِحْسَان) التَّذْكِير الثَّانِي أَن من لَازم نصب الْحُدُود الشَّرْعِيَّة لتجري بهَا مصَالح الدَّاريْنِ عَن أنهج طَرِيق بِالنِّسْبَةِ إِلَى كل أحد فِي نَفسه ﴿من عمل صَالحا فلنفسه وَمن أَسَاءَ فعلَيْهَا﴾ أَن تكون الْمعْصِيَة بمجاوزة تِلْكَ الْحُدُود سَببا فِي الشدَّة الْمُصَاب بهَا من نزلت بِهِ ﴿وَمَا أَصَابَكُم من مُصِيبَة فبمَا كسبت أَيْدِيكُم﴾ تعجيلا للعقوبة قبل يَوْم الْجَزَاء التَّذْكِير الثَّالِث أَن شياع الْمعْصِيَة وخصوصا من السُّلْطَان وَمن يَلِيهِ هُوَ سَبَب وجود الشدائد الْعَامَّة الِابْتِلَاء بمصائبها كَمَا روى عَن ابْن عَبَّاس ﵁ مَرْفُوعا إِذا فشي فِي هَذِه الْأمة خمس حل بهم خمس إِذا أكلُوا الرِّبَا

стр. 582

كَانَت الزلزلة والخسف وَإِذا جَار السُّلْطَان قحط الْمَطَر وَإِذا تعدى على الذِّمَّة كَانَت الدولة لغيره وَإِذا ضيعت الزَّكَاة مَاتَت الْبَهَائِم وَإِذا كثر الزِّنَا كَانَ الْمَوْت التَّذْكِير الرَّابِع أَن الرُّجُوع إِلَى الله تَعَالَى بِالتَّوْبَةِ مِمَّا أوجب وُقُوع الشدَّة الْخَاصَّة والعامة هُوَ الْكَفِيل بتعجيل الْفرج مِنْهَا وتبديل الْعسر بهَا يسرا كَمَا وَقع لقوم يُونُس ﷺ لما تَابُوا من الْكفْر قَالَ تَعَالَى فَلَو كَانَت قَرْيَة آمَنت فنفعها إيمَانهَا إِلَّا قوم يُونُس لما آمنُوا كشفنا عَنْهُم عَذَاب الخزي فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا ومتعناهم إِلَى حِين وَفِي الحَدِيث من لَازم الاسْتِغْفَار جعل الله لَهُ من كل ضيق فرجا وَمن كل هم مخرجا ورزقه من حَيْثُ لَا يحْتَسب) التَّذْكِير الْخَامِس أَن الْخَاص بالسلطان من ذَلِك بالْقَوْل الْكُلِّي الْخصْلَة الَّتِي ترْجم عَلَيْهَا الطرطوشي أَنَّهَا ملْجأ الْمُلُوك عِنْد الشدائد وَمَعْقِل السُّلْطَان عِنْد اضْطِرَاب الْأُمُور وتغيير الْأَحْوَال وَهِي أَن يتْرك للنَّاس دينهم ودنياهم بِمَعْنى أَن لَا يحول بَينهم وَبَين صَلَاح ذَلِك وَاسْتظْهر على ثَمَرَة الْعَمَل بِهَذِهِ الْخصْلَة بحكايتين الْحِكَايَة الأولى قَول الْمَأْمُون فِي آخر مواقعه مَعَ أَخِيه الْأمين وَقد نفذت لَهُ بيُوت الْأَمْوَال وألح الْجند فِي طلب الأرزاق بقيت لأخي خصْلَة لَو فعلهَا ملك مَوضِع قدمي هَاتين فَقيل لَهُ وَمَا هِيَ قَالَ وَالله إِنِّي لأضن بهَا على نَفسِي فضلا على غَيْرِي فَلَمَّا خلص لَهُ الْأَمر سُئِلَ عَنْهَا فَقَالَ لَو أَنه نَادَى بحط الْخراج والوظائف السُّلْطَانِيَّة عشر سِنِين لملك الْأُمُور عَليّ لَكِن الله غَالب على أمره

стр. 583

الْحِكَايَة الثَّانِيَة قَول الْفضل بن سهل لما استشاره الْمَأْمُون وَقد خشِي انْتِقَاض أهل خُرَاسَان ف فتْنَة مَعَ الْأمين قد قَرَأت الْقُرْآن والْحَدِيث والرأي عِنْدِي أَن تجمع الْفُقَهَاء وَتَدْعُوهُمْ إِلَى الْعَمَل بِالْحَقِّ وإحياء السّنة وتواصل النّظر فِي الْمَظَالِم وتقرب الرؤساء والقواد وتعدهم بالمواعد الْكَرِيمَة والولايات السّنيَّة فَفعل ذَلِك وَحط على أهل خُرَاسَان رفع الْخراج فمالت وُجُوه الْخَلَائق إِلَيْهِ وانقاد غليه رَافع بن الْمُهلب وَكَانَ اعظم الْمُلُوك بخراسان تَكْمِيل من الشدائد مَا تهم الْعِنَايَة بتنزيل التَّعْرِيف بِمَا يعود بإخلاص التَّوَجُّه بِهِ تَعْجِيل الْفرج مِنْهَا على أجمل عوائد الصنع الْغَرِيب وَالْمَذْكُور مِنْهَا ثَلَاثَة الشدَّة الأولى تكالب الْعَدو وَهُوَ صنفان كَافِر بِالْإِسْلَامِ وباغ على الدولة وَالسُّلْطَان الصِّنْف الأول الْعَدو الْكَافِر وَصدق اللجا إِلَى الله تَعَالَى بعد بذل الوسع فِي مدافعته أعظم مَا يُرْجَى بِهِ الْخَلَاص مِنْهُ حكى الشَّيْخ ابْن الْخَطِيب فِي تَرْجَمَة السُّلْطَان الْمُقَدّس أبي الْحجَّاج بن إِسْمَاعِيل بن فرج من هَؤُلَاءِ الْمُلُوك النصريين السُّلْطَان الَّذِي كَانَ على عَهده من مُلُوك النَّصَارَى بقشتالة أبادهم الله تَعَالَى كَانَ طاغية مهابا وملكا مجدودا وهبت لَهُ الرِّيَاح وعظمت بِهِ للْمُسلمين نكاية وتملك الخضراء بعد أَن أوقع بِالْمُسْلِمين الوقيعة الْعُظْمَى بطريف ثمَّ نَازل جبل الْفَتْح وَكَاد يستولي مِنْهُ على هَذِه

стр. 584

الجزيرة لَوْلَا أَن الله تداركها بجميل صنعه وخفى لطفه لَا إِلَه إِلَّا هُوَ فَهَلَك بمحلته من ظَاهره حتف أَنفه لَيْلَة عَاشُورَاء من عَام إِحْدَى وَخمْس وَسَبْعمائة فتنفس المختنق وانجلت الْغُمَّة وانسدل السّتْر ثمَّ قَالَ كنت مُنْفَردا بالسلطان رَحمَه الله تَعَالَى وَقد غلب الْيَأْس وتوقعت الفضيحة أوانسه بعجائب الْفرج بعد الشدَّة وَأقوى بصيرته فِي التمَاس لطف الله وَهُوَ يرى الْفرج بَعيدا ويتوقع من الْأَمر عَظِيما وَورد الْخَبَر بمهلكه فاستحالت الْحَال إِلَى ضدها من السرُور والاستبشار وَالْحَمْد لله على نعمه الصِّنْف الثَّانِي الْعَدو الْبَاغِي ومدافعته عَن تِلْكَ الْجِهَة متعودة النجح ببلوغ الأمل فِيهِ على أجمل صنع غَرِيب وَمِمَّا وَقع من ذَلِك للقائم بِأَمْر الله تَعَالَى من خلفاء بني الْعَبَّاس فِي بغي البساسيري عَلَيْهِ أبلغ عِبْرَة حكى بعض الشُّيُوخ أَنه لما اشتدت بِهِ محنته كتب إِلَى مَكَّة شاكيا فِيهِ مَا ناله مِنْهُ بِمَا نَصه بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم إِلَى الله الْعَظِيم من عَبده الْمِسْكِين اللَّهُمَّ إِنَّك عَالم بالسرائر ومطلع على مكنونات الضمائر اللَّهُمَّ إِنَّك غَنِي بعلمك

стр. 585

واطلاعك على أُمُور خلقك عَن إعلامي لَك وَهَذَا عبد من عبيدك قد كفر نِعْمَتك وَمَا شكرها وَألقى العواقب وَمَا ذكرهَا أطغاه حلمك وتجبر بأمانك حَتَّى تعدى علينا بغيا وأساء إِلَيْنَا عتوا وعدوا اللم قل النَّاصِر واعتز الظَّالِم وَأَنت المطلع الْعَالم وَالْمنصف الْحَاكِم بك نستعين عَلَيْهِ وَإِلَيْك نهرب من يَدَيْهِ فقد تعزز بالمخلوقين وَنحن نستعين بِاللَّه رب الْعَالمين اللَّهُمَّ إِنَّا حاكمناه إِلَيْك وتوكلنا فِي إنصافنا مِنْهُ عَلَيْك ورفعنا ظلامتنا إِلَى حلمك ووثقنا فِي كشفها بكرمك فاحكم بَيْننَا بِالْحَقِّ وَأَنت خير الْحَاكِمين وَأظْهر قدرتك فِيهِ وأرنا مَا نرتجيه فقد أَخَذته الْعِزَّة بالإثم اللَّهُمَّ فاسلبه عزه وملكنا بقدرتك ناصيته يَا أرْحم الرَّاحِمِينَ يَا رب الْعَالمين وَصلى الله عَلَيْهِ وَسلم مُحَمَّد خَاتم النَّبِيين قَالَ فَلَمَّا وصل الْكتاب إِلَى مَكَّة وعلق على بَاب الْكَعْبَة ودعى بِمَا فِيهِ ذبح البساسيري فِي ذَلِك الْيَوْم وَهزمَ جَيْشه على يَد الْملك المظفر طغرلبك بن ميكال الْغَزِّي صَاحب خُرَاسَان وَأعَاد الْخَلِيفَة إِلَى مَا كَانَ من حَاله وَرجع إِلَى دَاره انْتهى قلت فِي مُعْجم الصَّدَفِي للْقَاضِي عِيَاض كَانَت فتْنَة البساسيري وَهُوَ أرسلان التركي وقيامه بِبَغْدَاد على أَمِير الْمُؤمنِينَ الْقَائِم بِأَمْر الله وحشده الْعَرَب مَعَ قُرَيْش بن بدران الْعقيلِيّ إِلَى بَغْدَاد ودخولهم إِيَّاهَا وانتهابهم دَار الْخلَافَة وأسره لأمير الْمُؤمنِينَ الْقَائِم بِأَمْر الله ودعاؤه بمنابر بَغْدَاد لصَاحب مصر وَإِخْرَاج أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَى الجوفية آخر سنة خمسين وَأَرْبَعمِائَة إِلَى أَن خلصه الله من يَده وأظفره بِهِ ورده إِلَى خِلَافَته على يَد الْملك المظفر طغرلبك أبي طَالب مُحَمَّد بن ميكال الْغَزِّي صَاحب خُرَاسَان آخر سنة إِحْدَى وَخمسين وَأَرْبَعمِائَة

стр. 586

الشدَّة الثَّانِيَة المجاعة والغلاء والتوجه إِلَى الله تَعَالَى برحمة الْمُحْتَاج إِلَى الصَّدَقَة من أعظم مَا تنفتح بِهِ أَبْوَاب الْفرج مِنْهَا لقَوْله تَعَالَى ﴿إِن رَحْمَة الله قريب من الْمُحْسِنِينَ﴾ وَفِي الحَدِيث من كَانَ فِي حَاجَة أَخِيه كَانَ الله فِي حَاجته وَكَانَ الله فِي عون العَبْد مَا كَانَ العَبْد فِي عون أَخِيه قَالَ الْأُسْتَاذ أَبُو سعيد وَمن خطة نقلت فَإِذا كَانَ فِي حَاجَة الْمَسَاكِين كَانَ الله فِي حَاجته وعونه فكشف عَنهُ كربه قَالَ وَمن هُنَا سميت الصَّدَقَة فراجة الكرب قلت وأبلغ من هَذَا فِي الرَّحْمَة لَهُم حَال هَذِه الشدَّة مساهمتهم فِي مس الْبلوى بهَا ليتذكر إِلَيْهِم ويستدعي بِهِ رَحْمَة الْمولى الرَّحِيم كَمَا يرْوى أَن يُوسُف ﷺ لما ملك خَزَائِن الأَرْض كَانَ يجوع وَيَأْكُل خبز الشّعير وَكَانَ قبل ذَلِك لَا يَأْكُلهُ فاستنكره بَطْنه فَضَربهُ بِيَدِهِ وَقَالَ هُوَ الله مَا ترى حَتَّى يُوسع الله على الْمُسلمين فَائِدَة فِي تَنْبِيه لَا خَفَاء أَن الْقَحْط من أَسبَاب هَذِه الشدَّة وَعند ذَلِك فَمن أنجح مَا تستمطر بِهِ سحب الْغَمَام خضوع السُّلْطَان لله تَعَالَى وتذلله بَين يَدَيْهِ كَمَا يحْكى أَنه قحط النَّاس بقرطبة فِي آخر مُدَّة النَّاصِر من خلفاء بني أُميَّة فَأمر القَاضِي منذرا بالبروز إِلَى الاسْتِسْقَاء فتأهب أَيَّامًا إنابة وَرَهْبَة وَاجْتمعَ النَّاس فِي مصلى الربض بارزين إِلَى الله تَعَالَى فِي جمع عَظِيم وَصعد الْخَلِيفَة فِي أَعلَى مصانع الْقصر المشرفة

стр. 587

ليشارف النَّاس وشاركهم فِي الدُّعَاء إِلَى الله تَعَالَى وَقبل بروزه غدْوَة ذَلِك الْيَوْم جَاءَهُ رَسُول الْخَلِيفَة لِلْخُرُوجِ وَالنَّاس متسابقون إِلَى الْمصلى فَقَالَ للرسول وَكَانَ من خَواص الْخَلِيفَة هَا أَنا سَائِر فيا لَيْت شعري مَا الَّذِي يصنع الْخَلِيفَة قَالَ مَا رَأَيْنَاهُ أخشع مِنْهُ فِي يَوْمنَا هَذَا إِنَّه لمنفرد بِنَفسِهِ لابس أخشن الثِّيَاب مفترش التُّرَاب قد رمد بِهِ على رَأسه وعَلى لحيته قد علا بكاؤه واعترف بذنوبه يَقُول يَا رب هَذِه ناصيتي بِيَدِك أتراك تعذب الرّعية بِي وَأَنت أحكم الْحَاكِمين لن يفوت شَيْء مني قَالَ فتهلل وَجه مُنْذر عِنْدَمَا سمع من قَوْله وَقَالَ يَا غُلَام احْمِلْ الْمَطَر مَعَك فقد أذن الله بالسقيا إِذا خضع جَبَّار الأَرْض فقد رَضِي جَبَّار السَّمَاء فَكَانَ كَمَا قَالَ وَلم ينْصَرف النَّاس إِلَّا بالسقيا الشدَّة الثَّالِثَة الوباء والطاعون ذكر الْمُتَأَخّرُونَ فِيمَا يتوسل بِهِ إِلَى الله تَعَالَى فِي كشف الكرب الْعَظِيم بهَا وَسَائِل ثَلَاث الْوَسِيلَة الأولى الدُّعَاء على مَا رَجحه غير وَاحِد من شُيُوخ الْمَذْهَب خلافًا لبَعض الْحَنَابِلَة فِي كراهيته وَمن الْمعِين فِيمَا حَكَاهُ الشَّيْخ شهَاب الدّين بن حجر عَن الزَّرْكَشِيّ أَن بعض السّلف كَانَ يَدْعُو عقب صلَاته وَيَقُول اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذ بك من عَظِيم الْبلَاء فِي النَّفس والأهل وَالْمَال وَالْولد الله اكبر الله أكبر الله أكبر مِمَّا نَخَاف ونحذر الله أكبر الله أكبر عدد ذنوبنا حَتَّى تغْفر اللَّهُمَّ كَمَا شفعت فِينَا نَبينَا مُحَمَّد ﷺ فأمهلنا وَعمر بِنَا مَنَازلنَا وَلَا تُؤَاخِذنَا بِسوء أفعالنا وَلَا تُهْلِكنَا بخطايانا يَا رب الْعَالمين

стр. 588

فَائِدَة فِي تَنْبِيه قَالَ الشَّيْخ شهَاب الدّين ابْن حجر وَأما الِاجْتِمَاع لَهُ كَمَا فِي الاسْتِسْقَاء فبدعة حدثت فِي الطَّاعُون الْكَبِير سنة تسع وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة بِدِمَشْق ثمَّ حكى إِنْكَار الشُّيُوخ على من جمع النَّاس فِي مَوضِع فصاروا يدعونَ ويصرخون صراخا عَالِيا وَخرج النَّاس إِلَى الصَّحرَاء ومعظم أكَابِر الْبَلَد فدعوا واستغاثوا فَعظم الطَّاعُون عِنْد ذَلِك وَكثر وَكَانَ قبل دُعَائِهِمْ أخف قَالَ وَوَقع هَذَا فِي زَمَاننَا حِين وَقع الطَّاعُون بِالْقَاهِرَةِ فِي السَّابِع وَالْعِشْرين من شهر ربيع الْأَخير سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَثَمَانمِائَة وَكَانَ من يَمُوت بهَا دون الْأَرْبَعين فَخَرجُوا إِلَى الصَّحرَاء ودعوا وَأَقَامُوا سَاعَة ثمَّ رجعُوا فَمَا نسلخ الشَّهْر حَتَّى صَار عدد من يَمُوت بِالْقَاهِرَةِ فَوق الْألف ثمَّ تزايد وَوَقع استفتاء عَن ذَلِك فَأفْتى بعض النَّاس بمشروعية ذَلِك واستند فِيهِ إِلَى العموميات الْوَارِدَة فِي الدُّعَاء وَاشْتَدَّ آخر إِلَى أَن وَقع فِي زمَان الْملك الْمُؤَيد وأجرى ذَلِك وحضره جمَاعَة من الْعلمَاء فَمَا أنكروه وَأفْتى جمَاعَة مِنْهُم بِأَن ترك ذَلِك أولى لما يخْشَى من الْفِتْنَة لِأَنَّهُ إِن أجدى لم يَأْمَن خطر الطَّاعُون وَإِن لم يجد لم يَأْمَن من سوء الظَّن بالعلماء وَالصَّالِحِينَ وَالدُّعَاء ونحوت هَذَا المنحى فِي جوابي وأضفت إِلَى ذَلِك أَنه لَو كَانَ مَشْرُوعا مَا خفى على السّلف ثمَّ على الْفُقَهَاء الْأَمْصَار وأتباعهم فَلم يبلغنَا فِي ذَلِك خبر وَلَا أثر وَلَا فرع مسطور عَن أحد من الْفُقَهَاء وألفاظ الدُّعَاء وَصفَة الدَّاعِي لَهَا أثر وأسرار يخْتَص كل حَادث بِمَا يَلِيق بِهِ

стр. 589

٣ - وَالْمُعْتَمد فِي ذَلِك يغاير الِاتِّبَاع لَا مدْخل للْقِيَاس فِي ذَلِك وَمَا ورد فِي التخويف بالكسوف بَين لَهُ سنة تغاير مَا ورد فِي التخويف بالجدب وَمَا ورد فِي النَّازِلَة كالقحط والوباء على رَأْي الْقُنُوت فِي ذَلِك يغاير مَا ورد فِي الْكُسُوف وَالِاسْتِسْقَاء فَالَّذِي يَأْتِي بِهَذَا لهَذَا وَبِهَذَا لهَذَا يلْحق بِمن أحدث فِي الدّين مَا لَيْسَ مِنْهُ فَيرد عَلَيْهِ وَقد نَص الشَّافِعِي على أَنه لَا قنوت فِي الاسْتِسْقَاء وَهُوَ يُؤَيّد مَا ذكرته وَالله أعلم انْتهى الْمَقْصُود الْوَسِيلَة الثَّانِيَة كَثْرَة الصَّلَاة على النَّبِي ﷺ ذكر لَك الشَّيْخ شهَاب الدّين ابْن أبي حجلة عَن بعض الصَّالِحين فاستدل لَهُ وَإِن لم يرد بِهِ نَص صَرِيح بِحَدِيث أبي بن كَعْب ﵁ أَن رجلا قَالَ للنَّبِي ﷺ أجعَل لَك نصف صَلَاتي الحَدِيث وَفِي آخِره أجعَل لَك صَلَاتي كلهَا قَالَ إِذا تكفى همك وَيغْفر ذَنْبك وَذكر أَنه لما أَن أشاع مَا بلغه من ذَلِك وَأخْبر بِهِ أَصْحَابه قَالَ لَهُ بَعضهم الصَّلَاة على النَّبِي ﷺ تدفع كل بلَاء الطَّاعُون وَغَيره

стр. 590

قَالَ فقابليته بالتعظيم وَوَقع كَلَامه مني بموقع عَظِيم ثمَّ اجْتمعت بالشيخ شمس الدّين بن خطيب مرود وأخبرته بذلك فَقَالَ لقد أحسن فِي الْكَلَام الْمشَار إِلَيْهِ وَلَو رَأَيْته لقبلت يَده انْتهى الْمَقْصُود مِنْهُ الْوَسِيلَة الثَّالِثَة الصَّلَاة إِمَّا فِي السّنَن أَن النَّبِي ﷺ كَانَ إِذا أحزنه أَمر فزع إِلَى الصَّلَاة قَالَ ابْن أبي حجلة وَذَلِكَ أَن الصَّلَاة يستشفى بهَا من عَامَّة الوجاع قبل استحكانها فَمن أحس ببدء الْأَلَم من الطَّاعُون أَو غَيره فبادر إِلَى الْوضُوء وَالصَّلَاة وَفرغ قلبه لله تَعَالَى وَجمع همته على الله فِي صلَاته انْدفع عَنهُ ذَلِك الْأَلَم بِإِذن الله أَو خف فَلم يحصل لَهُ من ثقله مَا حصل لمن أعرض عَن الله وَعَن الصَّلَاة قَالَ وَبِالْجُمْلَةِ فلهَا أثر عَجِيب فِي حفظ صِحَة الْبدن وَالْقلب وقواهما وَدفع الْموَاد الردية عَنْهَا وَمَا ابتلى رجلَانِ بعاهة أَو أَذَى أَو محنة أَو بلية إِلَّا وَكَانَ حَظّ الْمُصَلِّي مِنْهُمَا أقل وعاقبته أسلم قَالَ للصَّلَاة تَأْثِير عَجِيب فِي دفع شرور الدُّنْيَا لَا سِيمَا إِذا أَعْطَيْت حَقّهَا من تَكْمِيل الطَّهَارَة ظَاهرا وَبَاطنا فَمَا استدفعت شرور الدَّاريْنِ وَلَا استجلبت مصالحها بِمثل الصَّلَاة وسر ذَلِك إِنَّهَا صلَة الله تَعَالَى فعلى قدر صلَة العَبْد لله يفتح عَلَيْهِ من الْخيرَات أَبْوَابهَا وَيدْفَع عَنهُ من الشرور أَسبَابهَا انْتهى مُلَخصا الْعَارِض الرَّابِع الرسَالَة ولموقعها من الْملك عِنْد مَسِيس الْحَاجة غليها تخصها رعايات من السياسة سَابِقَة ولاحقة

стр. 591

الرِّعَايَة الأولى تحقق أَن موقع الرَّسُول من السُّلْطَان موقع الدَّلِيل من الْمَدْلُول وَالْبَعْض من الْكل فَفِي سياسة أرسطو اعْلَم أَن الرَّسُول يدل على عقل من أرْسلهُ إِذْ هُوَ عينه فِيمَا لَا يرى وَأذنه فِيمَا لَا يسمع وَلسَانه عِنْدَمَا غَابَ عَنهُ وَقَالُوا الرَّسُول قِطْعَة من الْمُرْسل قلت وَمن الْمَشْهُور قَوْلهم ثَلَاثَة دَالَّة على صَاحبهَا الرَّسُول على الْمُرْسل والهدية على الْمهْدي وَالْكِتَابَة على الْكَاتِب الرِّعَايَة الثَّانِيَة اخْتِيَار من يرضى بهَا لأجل هَذَا الْموقع فَفِي بَقِيَّة كَلَام أرسطو الْمُتَقَدّم مقررا لما يَتَرَتَّب عَلَيْهِ فَيجب أَن تخْتَار أرفع من فِي حضرتك عقلا وبصيرة وَهبة وَأَمَانَة وتجنبا لجَمِيع الريب (إِذا مَا كنت متخذا رَسُولا ... فَلَا ترسل سوى رجل نبيل) (فَإِن النجح فِي الْحَاجَات يَأْتِي ... لطالبها على قدر الرَّسُول) الرِّعَايَة الثَّالِثَة تَقْسِيم الارسال بِحَسب اتصافهم بِمَا يطْلب فيهم إِلَى ثَلَاثَة كَمَا يظْهر من كَلَام أرسطو أَحدهَا الْكَامِل الاتصاف بِمَا شَرط فِيهِ وَهُوَ الْمُفَوض إِلَيْهِ بعد الْمعرفَة بغرض مرسله وَلذَلِك لَا يُوصي لاحْتِمَال أَن يرى عِنْد الْمُشَاهدَة أَن الصَّوَاب فِي غير مَا وَصِيّ بِهِ قَالَ

стр. 592

(إِذا كنت فِي حَاجَة مُرْسلا ... فَأرْسل حكيما وَلَا توصه) (وَإِن بَاب أَمر عَلَيْك التوى ... فَشَاور لبيبا وَلَا تعصه) الثَّانِي الْمُتَوَسّط الانصاف اقتصارا على الثِّقَة وَالْأَمَانَة والتيقظ وَهُوَ المقتصر على مَا ألْقى إِلَيْهِ من غير زِيَادَة وَلَا نقص ليؤدي الْجَواب عَلَيْهِ كَمَا سَمعه الثَّالِث المقتصر على الْأَمَانَة فَقَط وَهُوَ الموجه بِكِتَاب ليَأْتِي بجوابه قلت وَالْعرْف الْآن أَنه لَا يعد من الارسال وَإِنَّمَا يُسمى رقاصا ورتبته متخلفة عَنْهُم بِكَثِير الرِّعَايَة الرَّابِعَة اجْتِنَاب تَخْصِيص الْوَزير بهَا وَإِن كَانَ المتصف بأكمل الصِّفَات وأجمعها فَفِي سياسة أرسطو إياك أَن ترسل وزيرك وَلَا تخرجه عَن حضرتك فَإِن فِي ذَلِك فَسَاد ملكك قلت لِأَن منزلَة الْوَزير من السُّلْطَان منزلَة السُّلْطَان من الرّعية فَكَمَا لَا تَسْتَغْنِي الرّعية عَن السُّلْطَان لَا يَسْتَغْنِي هُوَ عَن الْوَزير الرِّعَايَة الْخَامِسَة اعْتِمَاد التلطف فِي الْوُصُول إِلَى الْمَقْصُود بهَا والتيقظ لوجوه التهدي غليه تحصيلا واستجلابا كَمَا حكى ابْن رضوَان أَن الْوَزير الشهير أَبَا عبد الله بن الْحَكِيم لما وَفد رَسُولا عَن سُلْطَانه ملك الأندلس

стр. 593

على السُّلْطَان أبي يَعْقُوب ملك الْمغرب قَالَ لَهُ مَا مطلب سلطانك بعد أَن فعلنَا لَهُ كَذَا وأسعفناه بِكَذَا وَعدد مَا قدمه إِلَيْهِ من الصَّنَائِع الْحَسَنَة فَقَالَ لَهُ نعم يَا مَوْلَانَا رَضِي الله عَنْكُم كل ذَلِك كَانَ وَلم يُنكره مولَايَ وَلَا جَهله لَكِن لِسَان حَاله ينشد (أيا ملبسي النعما الَّتِي جلّ قدرهَا ... لقد خلقت تِلْكَ الثِّيَاب فجدد) قَالَ فأكمل مطالبه ووفى بِحسن تلطفه مآربه الرِّعَايَة السَّادِسَة اتقاء التساهل فِي اخْتِيَار الرَّسُول لما يُؤَدِّي إِلَيْهِ من عَظِيم الضَّرَر مَعَ الموَالِي والمعادي فَعَن بعض الْحُكَمَاء اختر رَسُولك فِي الْحَرْب والمسالمة فَإِن الرَّسُول يلين الْقُلُوب ويخشنها وَيبعد الْأُمُور ويقربها وَيصْلح الود ويفسده وَكَانَ أزدشير يَقُول كم من دم سفكه الرَّسُول بِغَيْر حق وَكم من جيوش قد قتلت وعساكر قد انتهكت وَمَال قد نهب وعهد قد نقص بخيانة الرَّسُول وَكذبه الرِّعَايَة السَّابِعَة امتحان الرَّسُول قبل ترشيحه للرسالة قَالَ الجاحظ من الْحق على الْملك أَن يمْتَحن رَسُوله محنة طَوِيلَة قبل أَن يَجعله رَسُولا إِلَى بعض خاصته ثمَّ حكى عَن مُلُوك الْأَعَاجِم إِنَّهَا كَانَت تمتحن من تختاره للرسالة بجعله رَسُولا إِلَى بعض خاصته مَعَ جعل عين عَلَيْهِ فَإِذا طابق مَا أَحْصَاهُ

стр. 594

الْعين عَلَيْهِ وَعلم صدق لهجته جعله رَسُولا إِلَى عدوه مَعَ بعث الْعين عَلَيْهِ فَإِن اتفقنا فِيمَا رجعا بِهِ وَعلم أَن قد صدقه وسيره رَسُولا إِلَى مُلُوك الْأُمَم ووثق بِهِ وَأقَام بعد ذَلِك خَبره مقَام الْحجَّة انْتهى مُلَخصا الرِّعَايَة الثَّامِنَة إرداف الرَّسُول بثان أَو بثالث ورابع إِن كَانَا اثْنَيْنِ وَذَلِكَ مِمَّا اخذ بِهِ بعض حكماء الْمُلُوك مُبَالغَة فِي التحفظ من خِيَانَة الرَّسُول أَو تَقْصِيره فَعَن أزدشير أَنه كَانَ يَقُول يجب على الْملك إِذْ وَجه رَسُولا إِلَى ملك آخر أَن يردفه بآخر وَإِن وَجه رسولين أَن يتبعهما اثْنَيْنِ فَإِن أمكنه أَن لَا يجمع رسولين فِي طَرِيق وَلَا ملاقاة وَلَا يترافقا فيتوافقا فعل قلت وَهَذَا مُبَالغَة يعسر الْعَمَل بهَا والميسور مِنْهَا لَا يتْرك الرِّعَايَة التَّاسِعَة تربص الْعَمَل بِمُقْتَضى مَا ورد بِهِ الرَّسُول حَتَّى يُوقف على حَقِيقَته من جِهَة أُخْرَى ذكر ذَلِك الجاحظ قَائِلا على السُّلْطَان إِذا عَاد إِلَيْهِ رَسُول بِكِتَاب أَو رِسَالَة من ملك فِي خير أَو شَرّ أَن لَا يحدث فِي ذَلِك أمرا حَتَّى يكْتب إِلَيْهِ مَعَ رَسُول آخر بحكاية الأول حرفا حرفا فَإِن الرَّسُول رُبمَا حرر بعض مَا أمل فافتعل الْكتاب وحرض الْمُرْسل الْمُرْسل إِلَيْهِ وأغرى بِهِ كذبا عَلَيْهِ ثمَّ حكى مَا اتّفق لرَسُول عَن الأسكندر لما أَمر بخلع لِسَانه من قَفاهُ حِين وقف على زِيَادَة مِنْهُ تعرفها بِإِعَادَة ارسول إِلَى من كذب عَلَيْهِ ذَلِك الرَّسُول

стр. 595

قلت الْوُقُوع فِي ذَلِك نَادِر والتحفظ مِنْهُ بِهَذِهِ الْمُبَالغَة رُبمَا يتَعَذَّر فَلَا توقف لما ذكر وَالصَّوَاب مَا تَقْتَضِيه الْحَال وَالله تَعَالَى المرشد غليه والمعين لمن شَاءَ عَلَيْهِ الرِّعَايَة الْعَاشِرَة تعلم الرَّسُول مَا يجب عَلَيْهِ شرعا وسياسة فقد قَالَ النَّوَوِيّ فِي فصل معرفَة مَا يحْتَاج إِلَيْهِ الْمُسَافِر حَسْبَمَا تقدم عَنهُ وَإِن كَانَ رَسُولا عَن سُلْطَان إِلَى سُلْطَان أَو نَحوه اهتم بتَعَلُّم مَا يحْتَاج غليه من أدب المخاطبات وأجوبة المحاورات وَمَا يحل من الضيفات والهدايا وَمَا يجب عَلَيْهِ من رعايات النَّصِيحَة وَتُوفِّي الْغِشّ وَالْخداع والنفاق والحذر من التثبت فِي مُقَدمَات الْعذر إِلَى غير ذَلِك مِمَّا يتَعَيَّن عَلَيْهِ انْتهى مُلَخصا تتميم من مستحسن مَا وفت بِهِ الارسال من حُقُوق مرسلها فِي الثَّنَاء عَلَيْهِ بِحسن السِّيرَة على أبلغ بَيَان مَا حدث بِهِ الجاحظ عَن الْفضل بن سهل قَالَ كَانَت الْمُلُوك إِذا جَاءَت بالهدايا لِلْمَأْمُونِ تجْعَل اخْتلَافهمْ إِلَيّ فَكنت أسأَل رجلا مِنْهُم عَن سير مُلُوكهمْ وأخبار عظمائهم فَسَأَلت رَسُول ملك الرّوم عَن سير ملكهم فَقَالَ بذل عرفه وجرد سَيْفه فاجتمعت عَلَيْهِ الْقُلُوب رَغْبَة وَرَهْبَة لَا يبطر جنده وَلَا يحوج رَعيته سهل النوال حزن النكال الرَّجَاء وَالْخَوْف معقودان فِي يَده فَقلت كَيفَ حكمه قَالَ يرد الظُّلم ويردع الظَّالِم وَيُعْطِي كل ذِي حق حَقه فالرعية اثْنَان رَاض ومغتبط قلت وَكَيف هيبتهم لَهُ قَالَ يتَصَوَّر فِي الْقُلُوب فتغضى لَهُ الْعُيُون قَالَ فَنظر رَسُول ملك الْحَبَشَة إِلَى إصغائي لَهُ إقبالي عَلَيْهِ فَسَأَلَ ترجمانه مَا الَّذِي يَقُول الرُّومِي قَالَ لَهُ يذكر ملكهم ويصف سيرته فَتكلم مَعَ الترجمان بِشَيْء فَقَالَ لَهُ الترجمان إِنَّه يَقُول أَن ملكهم ذُو أَنَاة

стр. 596

عِنْد الْقُدْرَة وَذُو حلم عِنْد الْغَضَب وَذُو سطوة عِنْد المغالبة وَذُو عُقُوبَة عِنْد الإجرام وَقد كسى رَعيته جميل نعْمَته وخوفهم عنيف عُقُوبَته فهم بتراؤه ترائي الْهلَال خيالا ويخافونه مَخَافَة الْمَوْت نكالا أوسعهم عدله ورد عَنْهُم سطوته فَلَا تمتهنه مزحة وَلَا توهنه غَفلَة إِذا أعْطى أوسع وَإِذا عاقب أوجع فَالنَّاس اثْنَان راج وخائف فَلَا الراجي خائب الأمل وَلَا الْخَائِف بعيد الْأَجَل قلت فَكيف هيبتهم لَهُ قَالَ لَا ترفع غليه الْعُيُون أجفانها وَلَا تتبعه الْأَبْصَار إنسانها كَأَن رَعيته قطا رفرفت عَلَيْهِم صقور صوائد فَحدثت الْمَأْمُون بِهَذَيْنِ الْحَدِيثين فَقَالَ كم قيمتهَا عنْدك قلت ألفا دِرْهَم قَالَ يَا فضل إِن قيمتهَا عِنْدِي لأكْثر من الْخلَافَة أما علمت قَول عَليّ بن أبي طَالب رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قيمَة كل أمرء هِيَ مَا يحسن أفتعرف أحدا من الخطباء البلغاء يحسن أَن يصف أحدا من خلفاء الله الرَّاشِدين المهديين بِمثل هَذِه الصّفة فقد أمرت لَهما بِعشْرين ألف دِينَار وَأَجْعَل الْعذر مَادَّة بيني وَبَينهمَا فِي الْجَائِزَة فلولا حُقُوق الْإِسْلَام وَأَهله لرأيت إعطاءهما مَا فِي بَيت مَال الْعَامَّة والخاصة دون مَا يستحقانه الْعَارِض الْخَامِس الْوُفُود وللسياسة الفاضلة بهم عنايات الْعِنَايَة الأولى احتفال السُّلْطَان للقائهم بِإِظْهَار زِينَة الْملك وجماله فقد كَانَ النَّبِي ﷺ يتجمل بهَا للوفود والعظماء قَالَ الْقَرَافِيّ وَذَلِكَ أهيب وأوقع فِي النُّفُوس وأجدر لحُصُول التَّعْظِيم فِي الصُّدُور

стр. 597

قَالَ ابْن رضوَان فَهُوَ أَمر عادي وشرعي الْعِنَايَة الثَّانِيَة إكرام من يرد فيهم من ذَوي النباهات فِي قومه وَفِي الحَدِيث أَن رَسُول الله ﷺ لما وَفد عَلَيْهِ زيد الْخَيل بسط لَهُ رِدَاءَهُ وَأَجْلسهُ عَلَيْهِ وَقَالَ إِذا أَتَاكُم كريم قوم فأكرموه الْعِنَايَة الثَّالِثَة حسن الإقبال عَلَيْهِم بالتلطف لَهُم فِي الْخطاب تأنيسا لَهُم وإدلالا فَفِي الصَّحِيح أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ رَفِيقًا بالوفد قلت كَقَوْلِه ﷺ لوفد عبد الْقَيْس مرْحَبًا بالوفد غير خزايا وَلَا ندامى الْعِنَايَة الرَّابِعَة الْأذن فِي الْكَلَام لمن هُوَ أهل لَهُ فِي الْمقَام السلطاني لِئَلَّا يتجاسر عَلَيْهِ من لَا يسْتَحقّهُ هُنَاكَ فَفِي وفادة قُرَيْش على سيف بن ذِي يزن قَوْله لعبد الْمطلب جد النَّبِي ﷺ إِذْ كَانَ لَا يعرفهُ وَأَرَادَ أَن يتَكَلَّم إِن كنت مِمَّن يتَكَلَّم بَين يَدي الْمُلُوك فقد أذنا لَك وَفِي وفادة الْحِجَازِيِّينَ على عمر بن عبد الْعَزِيز ﵁ قَوْله للغلام الَّذِي تصدر

стр. 598

للْكَلَام ليَتَكَلَّم من هُوَ أسن مِنْك الْعِنَايَة الْخَامِسَة إفَاضَة الْإِحْسَان على وَفد التهنئة مُبَالغَة فِي الترحيب بهم وَإِدْخَال السرُور عَلَيْهِم قَالَ ابْن رضوَان وَهِي من سنَن الْمُلُوك الْحَسَنَة وَكَأَنَّهَا فِي معرض شكر الله تَعَالَى بِإِدْخَال المسرة على خلقه على النِّعْمَة المهناء بهَا انْتهى شرح إِشَارَة تقدّمت بحكايتين فيهمَا جمل من آدَاب هَذَا الْمقَام الْحِكَايَة الأولى قَضِيَّة وَفد قُرَيْش على سيف بن ذِي يزن يرْوى عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ لما ظفر سيف بن ذِي يزن بِالْحَبَشَةِ وَذَلِكَ قبل بعث رَسُول الله ﷺ أَتَاهُ وُفُود الْعَرَب وأشرافهم وشعراؤهم لتهنئته وتمدحه وَأَتَاهُ وَفد قُرَيْش وَفِيه عبد الْمطلب بن هَاشم وَأُميَّة بن عبد شمس وخويلد بن أَسد فِي عدَّة من وُجُوه قُرَيْش وَأهل مَكَّة وأتوه بِصَنْعَاء وَهُوَ فِي قصره الَّذِي يُقَال لَهُ غمدان فَاسْتَأْذنُوا عَلَيْهِ فَأذن لَهُم ودخلوا عَلَيْهِ وَهُوَ متضمخ بالعنبر وبيض الْمسك من مفارقه وَعَن يَمِينه ويساره الْمُلُوك وَأَبْنَاء الْمُلُوك فَاسْتَأْذن عبد الْمطلب فِي الْكَلَام وَكَانَ أجل الْقَوْم قدرا وأعظمهم فخرا وَأَعْلَاهُمْ نسبا وَأكْرمهمْ حسبا وَلم يكن سيف يعرفهُ فَقَالَ لَهُ إِن كنت مِمَّن يتَكَلَّم بَين يَدي الْمُلُوك فقد أذنا لَك فَقَالَ عبد الْمطلب أَيهَا الْملك إِن الله قد أحلك محلا رفيعا صعبا منيعا شامخا باذخا وأنبتك نباتا طابت أرومته وعزت جرثومته وَثَبت أَصله وبسق فَرعه فِي أكْرم مَعْدن وَأطيب موطن وَأَنت رَأس الْعَرَب

стр. 599

وربيعها الَّذِي بِهِ تخصب وعمودها الَّذِي عَلَيْهِ الْعِمَاد ومعقلها الَّذِي إِلَيْهِ يلجأ الْعباد سلفك خير سلف وَأَنت مِنْهُم خير خلف وَلنْ يخمد ذكر من أَنْت خَلفه أَيهَا الْملك نَحن أهل حرم الله وسدنة بَيته أشخصنا عَلَيْك الَّذِي أبهجنا بك فَنحْن وَفد التهنئة لَا وَفد المرزية قَالَ فَأَيهمْ أَنْت أَيهَا الْمُتَكَلّم قَالَ أَنا عبد الْمطلب بن هَاشم بن عبد منَاف قَالَ ابْن أُخْتنَا قَالَ نعم قَالَ ادن فأدناه ثمَّ أقبل عَلَيْهِ وعَلى الْقَوْم قَالَ مرْحَبًا وَأهلا وناقة ورحلا وَأمنا ومستناخا سهلا وملكا مجلا يُعْطي عَطاء جزلا قد سمع الْملك مَقَالَتَكُمْ وَعرف قرابتكم وَقبل وسيلتكم لكم الْكَرَامَة رحبا مَا أقمتم والحباء إِذا أظعنتم فَأخْبرهُ ببعث رَسُول الله ﷺ من قومه وَأمر لكل رجل مِنْهُم بِمِائَة من الْإِبِل وَعشرَة أعبد وَعشر إِمَاء وَعشرَة أَرْطَال ذَهَبا وَعشرَة أَرْطَال فضَّة وكرش عنبر وَأمر لعبد الْمطلب بِعشْرَة أَمْثَال مَا أَمر لَهُم الْحِكَايَة الثَّانِيَة خبر وَفد الْحِجَازِيِّينَ على عمر بن عبد الْعَزِيز ﵁ فيروى أَنه لما ولي الْخلَافَة وَفد عَلَيْهِ الْوُفُود من كل بِلَاد فوفد عَلَيْهِ الحجازيون فَتقدم غُلَام مِنْهُم للْكَلَام وَكَانَ حَدِيث السن فَقَالَ لَهُ عمر ليَتَكَلَّم من هُوَ أسن مِنْك فَقَالَ أصلح الله أَمِير الْمُؤمنِينَ إِنَّمَا الْمَرْء بأصغريه قلبه وَلسَانه فَإِذا منح الله عبدا لِسَانا لافظا وَقَلْبًا حَافِظًا فقد اسْتحق الْكَلَام وَعرف فَضله من سمع خطابه من الْأَنَام وَلَو أَن الْأَمر يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ بِالسِّنِّ لَكَانَ فِي مجلسك هَذَا من الْأمة من هُوَ أَحَق بِهِ مِنْك فَقَالَ نعم صدقت قل مَا بدا لَك فَقَالَ

стр. 600

الْغُلَام أصلح الله أَمِير الْمُؤمنِينَ نَحن وَفد تهنئة لَا وَفد تَعْزِيَة وَقد أَتَيْنَاك لحق الله الَّذِي من علينا بك لم يقدمنا عَلَيْك رَغْبَة وَلَا رهبة أما الرَّغْبَة فقد أتتنا مِنْك وَأما الرهبة فقد أمنا جورك بعدلك فَقَالَ لَهُ عمر عظني يَا غُلَام فَقَالَ اصلح الله أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن نَاسا من النَّاس غرهم حلم الله تَعَالَى عَنْهُم وَطول آمالهم وَكَثْرَة ثَنَاء النَّاس عَلَيْهِم فزلت بهم أَقْدَامهم فهووا فِي النَّار فَلَا يغرنك حلم الله تَعَالَى وَطول أملك وَكَثْرَة ثَنَاء النَّاس عَلَيْك فتزل بك قدمك فتلحق بالقوم فَلَا جعلك الله مِنْهُم وألحقك بِصَالح هَذِه الْأمة ثمَّ سكت فَسَأَلَ عمر عَن سنّ الْغُلَام فَإِذا هُوَ ابْن ثَمَان عشرَة سنة ثمَّ سَأَلَ عَن نسبه فَإِذا هُوَ من ولد الْحُسَيْن بن عَليّ بن أبي طَالب ﵁ وتمثل بقوله (تعلم فَلَيْسَ الْمَرْء يُولد عَالما ... وَلَيْسَ أَخُو علم كمن هُوَ جَاهِل) (وَإِن كَبِير الْقَوْم لَا علم عِنْده ... صَغِير إِذا الْتفت عَلَيْهِ المحافل) (وَإِن صَغِير الْقَوْم وَالْعلم عِنْده ... كَبِير إِذا ردَّتْ غليه الْمسَائِل)
следующие страницы →