Полный текст (992 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.
стр. 596
عِنْد الْقُدْرَة وَذُو حلم عِنْد الْغَضَب وَذُو سطوة عِنْد المغالبة وَذُو عُقُوبَة عِنْد الإجرام وَقد كسى رَعيته جميل نعْمَته وخوفهم عنيف عُقُوبَته فهم بتراؤه ترائي الْهلَال خيالا ويخافونه مَخَافَة الْمَوْت نكالا أوسعهم عدله ورد عَنْهُم سطوته فَلَا تمتهنه مزحة وَلَا توهنه غَفلَة إِذا أعْطى أوسع وَإِذا عاقب أوجع فَالنَّاس اثْنَان راج وخائف فَلَا الراجي خائب الأمل وَلَا الْخَائِف بعيد الْأَجَل قلت فَكيف هيبتهم لَهُ قَالَ لَا ترفع غليه الْعُيُون أجفانها وَلَا تتبعه الْأَبْصَار إنسانها كَأَن رَعيته قطا رفرفت عَلَيْهِم صقور صوائد فَحدثت الْمَأْمُون بِهَذَيْنِ الْحَدِيثين فَقَالَ كم قيمتهَا عنْدك قلت ألفا دِرْهَم قَالَ يَا فضل إِن قيمتهَا عِنْدِي لأكْثر من الْخلَافَة أما علمت قَول عَليّ بن أبي طَالب رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قيمَة كل أمرء هِيَ مَا يحسن أفتعرف أحدا من الخطباء البلغاء يحسن أَن يصف أحدا من خلفاء الله الرَّاشِدين المهديين بِمثل هَذِه الصّفة فقد أمرت لَهما بِعشْرين ألف دِينَار وَأَجْعَل الْعذر مَادَّة بيني وَبَينهمَا فِي الْجَائِزَة فلولا حُقُوق الْإِسْلَام وَأَهله لرأيت إعطاءهما مَا فِي بَيت مَال الْعَامَّة والخاصة دون مَا يستحقانه
الْعَارِض الْخَامِس
الْوُفُود
وللسياسة الفاضلة بهم عنايات
الْعِنَايَة الأولى احتفال السُّلْطَان للقائهم بِإِظْهَار زِينَة الْملك وجماله فقد كَانَ النَّبِي ﷺ يتجمل بهَا للوفود والعظماء
قَالَ الْقَرَافِيّ وَذَلِكَ أهيب وأوقع فِي النُّفُوس وأجدر لحُصُول التَّعْظِيم فِي الصُّدُور
стр. 597
قَالَ ابْن رضوَان فَهُوَ أَمر عادي وشرعي
الْعِنَايَة الثَّانِيَة إكرام من يرد فيهم من ذَوي النباهات فِي قومه وَفِي الحَدِيث أَن رَسُول الله ﷺ لما وَفد عَلَيْهِ زيد الْخَيل بسط لَهُ رِدَاءَهُ وَأَجْلسهُ عَلَيْهِ وَقَالَ إِذا أَتَاكُم كريم قوم فأكرموه
الْعِنَايَة الثَّالِثَة حسن الإقبال عَلَيْهِم بالتلطف لَهُم فِي الْخطاب تأنيسا لَهُم وإدلالا فَفِي الصَّحِيح أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ رَفِيقًا بالوفد
قلت كَقَوْلِه ﷺ لوفد عبد الْقَيْس مرْحَبًا بالوفد غير خزايا وَلَا ندامى
الْعِنَايَة الرَّابِعَة الْأذن فِي الْكَلَام لمن هُوَ أهل لَهُ فِي الْمقَام السلطاني لِئَلَّا يتجاسر عَلَيْهِ من لَا يسْتَحقّهُ هُنَاكَ فَفِي وفادة قُرَيْش على سيف بن ذِي يزن قَوْله لعبد الْمطلب جد النَّبِي ﷺ إِذْ كَانَ لَا يعرفهُ وَأَرَادَ أَن يتَكَلَّم إِن كنت مِمَّن يتَكَلَّم بَين يَدي الْمُلُوك فقد أذنا لَك وَفِي وفادة الْحِجَازِيِّينَ على عمر بن عبد الْعَزِيز ﵁ قَوْله للغلام الَّذِي تصدر
стр. 598
للْكَلَام ليَتَكَلَّم من هُوَ أسن مِنْك
الْعِنَايَة الْخَامِسَة إفَاضَة الْإِحْسَان على وَفد التهنئة مُبَالغَة فِي الترحيب بهم وَإِدْخَال السرُور عَلَيْهِم قَالَ ابْن رضوَان وَهِي من سنَن الْمُلُوك الْحَسَنَة وَكَأَنَّهَا فِي معرض شكر الله تَعَالَى بِإِدْخَال المسرة على خلقه على النِّعْمَة المهناء بهَا انْتهى
شرح إِشَارَة تقدّمت بحكايتين فيهمَا جمل من آدَاب هَذَا الْمقَام
الْحِكَايَة الأولى قَضِيَّة وَفد قُرَيْش على سيف بن ذِي يزن يرْوى عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ لما ظفر سيف بن ذِي يزن بِالْحَبَشَةِ وَذَلِكَ قبل بعث رَسُول الله ﷺ أَتَاهُ وُفُود الْعَرَب وأشرافهم وشعراؤهم لتهنئته وتمدحه وَأَتَاهُ وَفد قُرَيْش وَفِيه عبد الْمطلب بن هَاشم وَأُميَّة بن عبد شمس وخويلد بن أَسد فِي عدَّة من وُجُوه قُرَيْش وَأهل مَكَّة وأتوه بِصَنْعَاء وَهُوَ فِي قصره الَّذِي يُقَال لَهُ غمدان فَاسْتَأْذنُوا عَلَيْهِ فَأذن لَهُم ودخلوا عَلَيْهِ وَهُوَ متضمخ بالعنبر وبيض الْمسك من مفارقه وَعَن يَمِينه ويساره الْمُلُوك وَأَبْنَاء الْمُلُوك فَاسْتَأْذن عبد الْمطلب فِي الْكَلَام وَكَانَ أجل الْقَوْم قدرا وأعظمهم فخرا وَأَعْلَاهُمْ نسبا وَأكْرمهمْ حسبا وَلم يكن سيف يعرفهُ فَقَالَ لَهُ إِن كنت مِمَّن يتَكَلَّم بَين يَدي الْمُلُوك فقد أذنا لَك فَقَالَ عبد الْمطلب أَيهَا الْملك إِن الله قد أحلك محلا رفيعا صعبا منيعا شامخا باذخا وأنبتك نباتا طابت أرومته وعزت جرثومته وَثَبت أَصله وبسق فَرعه فِي أكْرم مَعْدن وَأطيب موطن وَأَنت رَأس الْعَرَب
стр. 599
وربيعها الَّذِي بِهِ تخصب وعمودها الَّذِي عَلَيْهِ الْعِمَاد ومعقلها الَّذِي إِلَيْهِ يلجأ الْعباد سلفك خير سلف وَأَنت مِنْهُم خير خلف وَلنْ يخمد ذكر من أَنْت خَلفه أَيهَا الْملك نَحن أهل حرم الله وسدنة بَيته أشخصنا عَلَيْك الَّذِي أبهجنا بك فَنحْن وَفد التهنئة لَا وَفد المرزية قَالَ فَأَيهمْ أَنْت أَيهَا الْمُتَكَلّم قَالَ أَنا عبد الْمطلب بن هَاشم بن عبد منَاف قَالَ ابْن أُخْتنَا قَالَ نعم قَالَ ادن فأدناه ثمَّ أقبل عَلَيْهِ وعَلى الْقَوْم قَالَ مرْحَبًا وَأهلا وناقة ورحلا وَأمنا ومستناخا سهلا وملكا مجلا يُعْطي عَطاء جزلا قد سمع الْملك مَقَالَتَكُمْ وَعرف قرابتكم وَقبل وسيلتكم لكم الْكَرَامَة رحبا مَا أقمتم والحباء إِذا أظعنتم فَأخْبرهُ ببعث رَسُول الله ﷺ من قومه وَأمر لكل رجل مِنْهُم بِمِائَة من الْإِبِل وَعشرَة أعبد وَعشر إِمَاء وَعشرَة أَرْطَال ذَهَبا وَعشرَة أَرْطَال فضَّة وكرش عنبر وَأمر لعبد الْمطلب بِعشْرَة أَمْثَال مَا أَمر لَهُم
الْحِكَايَة الثَّانِيَة
خبر وَفد الْحِجَازِيِّينَ على عمر بن عبد الْعَزِيز ﵁ فيروى أَنه لما ولي الْخلَافَة وَفد عَلَيْهِ الْوُفُود من كل بِلَاد فوفد عَلَيْهِ الحجازيون فَتقدم غُلَام مِنْهُم للْكَلَام وَكَانَ حَدِيث السن فَقَالَ لَهُ عمر ليَتَكَلَّم من هُوَ أسن مِنْك فَقَالَ أصلح الله أَمِير الْمُؤمنِينَ إِنَّمَا الْمَرْء بأصغريه قلبه وَلسَانه فَإِذا منح الله عبدا لِسَانا لافظا وَقَلْبًا حَافِظًا فقد اسْتحق الْكَلَام وَعرف فَضله من سمع خطابه من الْأَنَام وَلَو أَن الْأَمر يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ بِالسِّنِّ لَكَانَ فِي مجلسك هَذَا من الْأمة من هُوَ أَحَق بِهِ مِنْك فَقَالَ نعم صدقت قل مَا بدا لَك فَقَالَ
стр. 600
الْغُلَام أصلح الله أَمِير الْمُؤمنِينَ نَحن وَفد تهنئة لَا وَفد تَعْزِيَة وَقد أَتَيْنَاك لحق الله الَّذِي من علينا بك لم يقدمنا عَلَيْك رَغْبَة وَلَا رهبة أما الرَّغْبَة فقد أتتنا مِنْك وَأما الرهبة فقد أمنا جورك بعدلك فَقَالَ لَهُ عمر عظني يَا غُلَام فَقَالَ اصلح الله أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن نَاسا من النَّاس غرهم حلم الله تَعَالَى عَنْهُم وَطول آمالهم وَكَثْرَة ثَنَاء النَّاس عَلَيْهِم فزلت بهم أَقْدَامهم فهووا فِي النَّار فَلَا يغرنك حلم الله تَعَالَى وَطول أملك وَكَثْرَة ثَنَاء النَّاس عَلَيْك فتزل بك قدمك فتلحق بالقوم فَلَا جعلك الله مِنْهُم وألحقك بِصَالح هَذِه الْأمة ثمَّ سكت فَسَأَلَ عمر عَن سنّ الْغُلَام فَإِذا هُوَ ابْن ثَمَان عشرَة سنة ثمَّ سَأَلَ عَن نسبه فَإِذا هُوَ من ولد الْحُسَيْن بن عَليّ بن أبي طَالب ﵁ وتمثل بقوله
(تعلم فَلَيْسَ الْمَرْء يُولد عَالما ... وَلَيْسَ أَخُو علم كمن هُوَ جَاهِل)
(وَإِن كَبِير الْقَوْم لَا علم عِنْده ... صَغِير إِذا الْتفت عَلَيْهِ المحافل)
(وَإِن صَغِير الْقَوْم وَالْعلم عِنْده ... كَبِير إِذا ردَّتْ غليه الْمسَائِل)
стр. 601
الْفَصْل الثَّانِي
فِي سياسة الْوَزير
وَالْمَذْكُور مِنْهَا بِاعْتِبَار مَا يَخُصُّهُ ثَلَاث سياسات لنَفسِهِ وسلطانه وأرباب دولته
السياسة الأولى
سياسة لنَفسِهِ
لينتهض بِمَا تحمل مَا وَرَاءَهَا كَمَا قيل لَا يضْبط الْكثير من النَّاس من لَا يضْبط نَفسه الْوَاحِدَة وجوا مَعهَا الْكُلية أَخذ نَفسه بمعتقدات علمية وعزائم عملية فَهِيَ ضَرْبَان
الضَّرْب الأول
المعتقدات العلمية
وَهِي جملَة
المعتقد الأول
إِن بِالتَّصَرُّفِ بِمُقْتَضى الْعدْل والنصفة يملك سَائِر الْقُلُوب ويظفر مِنْهَا بالمحبة الصادقة وبموجب الْجور والقهر لَا يملك مِنْهَا إِلَّا التصنع فِي الظَّاهِر وَهِي طالبة فِي السِّرّ لمن يملكهَا وَيَأْمُر عَلَيْهَا بِمَا تنقاد إِلَيْهِ ظَاهرا وَبَاطنا
стр. 602
قلت وَهَذَا وَإِن سيق مثله فِي السُّلْطَان فَهُوَ يجْرِي فِي الْوَزير إِذْ هُوَ فَرعه وَشعْبَة مِنْهُ
المعتقد الثَّانِي
إِن بَقَاء النِّعْمَة عَلَيْهِ بِبَقَاء النِّعْمَة مِنْهُ واستقامة الْأُمُور على حسب استقامتها بِهِ
قلت لِأَن النِّعْمَة من العَبْد شكران على النِّعْمَة عَلَيْهِ فَإِذا كفر بهَا بِتَرْكِهِ فقد عرضهَا للزوال كَمَا تقدم تَقْرِيره فِي الشُّكْر فليستحضر مَعْنَاهُ فِي هَذَا الْمقَام
المعتقد الثَّالِث
إِن صَلَاح الْأَمر بِهِ أفضل مَا يعْتَمد بِهِ من فَوَائِد الْولَايَة وعوائد الخصوصية بهَا كشمول الْأَمْن وَعُمُوم الرِّضَا ووفاء الذِّمَّة وإفاضة الْإِحْسَان فبذلك تحسن الْأَيَّام ويطيب الذّكر وتملك الْقُلُوب وَلَا كَذَلِك إِذا أعرض عَن هَذَا الْقَصْد ونأى عَنهُ بجانبه
المعتقد الرَّابِع
إِن إِيثَار الرَّاحَة وَقت الْحَاجة إِلَى الْحَرَكَة يعقب تعبا لَا بُد مِنْهُ عِنْد فَوَات البدار إِلَيْهَا تحصيلا لمصلحتها وَإِذ ذَاك فَتحمل تعبها أولى من النهوض لتعب لَا فَائِدَة فِيهِ الْبَتَّةَ
المعتقد الْخَامِس
إِن الْإِبْقَاء على من يهم بِزَوَال نعْمَته رِعَايَة لموجب الْإِقَالَة لَهُ من عناية سَابِقَة وَاسْتِحْقَاق لدوام استصحابها كَفِيل بِحسن الحراسة من الله تَعَالَى بإحراز السَّلامَة من التبعة وادخار المثوبة عَلَيْهِ يَوْم الْجَزَاء
стр. 603
الضَّرْب الثَّانِي
العزائم العلمية
وَهِي جملَة
الْعَزِيمَة الأولى
تَقْدِيم تقوى الله واستشعار مراقبته فِيمَا أوجب عَلَيْهِ من طَاعَة السُّلْطَان ومقابلة ثقته بِهِ بِمَا يُوفي بحقوقه اللَّازِمَة وَحمل الكافة على مُقْتَضى الشَّرْع الَّذِي هُوَ نِهَايَة المعدلة بَينهم وبذل الوسع فِيمَا تقلد من ذَلِك وَاعْتمد عَلَيْهِ فِي الْوَفَاء بِهِ
الْعَزِيمَة الثَّانِيَة
مسارعته للْقِيَام بِالْأَعْمَالِ الوقتية والوظائف الْحَاضِرَة حذرا من آفَات التَّأْخِير ومحذور عوائقه وَأَيْضًا فالوقت الَّذِي تُؤخر إِلَيْهِ لَهُ عمل آخر يَخُصُّهُ قَالُوا وَأَقل مَا يلْحق من ازدحام الْأَعْمَال دُخُول الْخلَل فِيهَا
الْعَزِيمَة الثَّالِثَة
احترازه من إغفال شَيْء تقلده اتكالا على ثَنَاء النَّاس عَلَيْهِ بمحاسن الْقيام بالوظيف لما يظنّ بِهِ من الْخُرُوج عَن الْمَحْمُود مِنْهُ بِمِقْدَار مَا خرج إِلَيْهِ من ذَلِك وَلِأَن الثِّقَة بمدح النَّاس ذهولا عَن المساوئ الْبَاطِنَة عدُول عَن اعْتِبَار مَا هُوَ أوفى فِي الْمعرفَة وأصدق فِي الدّلَالَة
الْعَزِيمَة الرَّابِعَة
اعْتِمَاده عِنْد توزيع وظائف الْخدمَة على وسيلتين الْكِفَايَة وَالْأَمَانَة وَإِن كَانَ المتصف يهما بَعيدا عَن الْعِنَايَة بِهِ لَوْلَا هما وَذَلِكَ لما يعود بِهِ قبُول
стр. 604
مَا سواهُمَا من التضييع المتصف بهما والخيانة مَعَ الرَّمْي بنقيضه الإيثار بهوى أَو هواده أَو تَقْصِير
الْعَزِيمَة الْخَامِسَة
ترفعه عَن التبذل لِكَثْرَة مُبَاشرَة الْعَامَّة لما فِي طباعها من إهانة من خالطها وتنقيصه بإفراط الدَّالَّة عَلَيْهِ لَكِن بِحَيْثُ لَا يفرط فِي غلطة الْحجاب لما تقدم من تَقْرِير مضرته وَعظم الْوَعيد عَلَيْهِ فقد جعل الله لكل شَيْء قدرا
السياسة الثَّانِيَة
سياسة السُّلْطَان
وَذَلِكَ بآداب يعظم يعظم بهَا مقامة ومتقيات يحذر مِنْهَا فِي خدمَة ملكه وتدبيره فَهِيَ نَوْعَانِ
النَّوْع الأول وَهُوَ جملَة آدَاب
الْأَدَب الأول إخلاص النِّيَّة الصَّالِحَة فِي كل مَا يلفظ بِهِ بَين يَدَيْهِ فقد قَالَ أفلاطون إِذا طابق الْكَلَام نِيَّة الْمُتَكَلّم حرك نِيَّة السَّامع وَإِن خالفها لم يحسن موقعه مِمَّن أُرِيد بِهِ وَذكر قَضيته مَعَ الْملك الَّذِي سجنه
قلت وَقَول الشَّيْخ تَاج الدّين كل كَلَام يبرز عَلَيْهِ كسْوَة الْقلب الَّذِي برز مِنْهُ يَشْمَل هَذَا الْمقَام وَغَيره ويعمه
стр. 605
الْأَدَب الثَّانِي عدوله بالسلطان عَن الْمضرَّة بِالنَّاسِ مَتى سلك طريقها بأعمال التلطف لَهُ فِي جذبه بالرفق بطرِيق الْمَنْفَعَة مظْهرا بِالنَّاسِ مَتى سلك طريقها بأعمال التلطف لَهُ فِي جذبه بالرفق بطرِيق الْمَنْفَعَة مظْهرا لَهُ أَن صورته عِنْده محبَّة الْإِحْسَان وَكَرَاهَة الأضرار
قلت وبالوثوق بِهِ يلجئه للسلوك على النهج الَّذِي أرشده إِلَيْهِ ذَلِك بنج الْهِدَايَة عَلَيْهِ
الْأَدَب الثَّالِث تنزله فِي إِلْقَاء الْفَائِدَة للسُّلْطَان بِحَيْثُ لَا يشْعر بِأَنَّهُ الْمُفِيد لَهُ بهَا فَفِي الأفلاطونيات يَنْبَغِي للوزير أَن يخرج إفادته للْملك فِي صُورَة الاستفادة مِنْهُ وَلَا ينسى مَحَله عِنْد رفع السُّلْطَان لَهُ
وَفِي العهود اليونانية إِذا شاورك الْملك فَلَا تكَلمه كَلَام المرشد لمن استهداه فِيمَا أشكل عَلَيْهِ ولير فِيك من الْحَاجة إِلَى عرض مَا تُشِير بِهِ عَلَيْهِ أَكثر من حَظه فِي فَائِدَة مَا بدا مِنْك
الْأَدَب الرَّابِع
تَنْبِيه سُلْطَانه على إِمْضَاء التَّغْيِير لما يخل بِحِفْظ الشَّرِيعَة بإحياء سننها وقمع الْبدع فِيهَا مَعَ إِحَالَة ذَلِك عَلَيْهِ بعد مبادرته هُوَ لواجب التَّغْيِير بِنَفسِهِ ليظْهر للنَّاس أَن عناية السُّلْطَان بذلك فَوق مَا أهمه هُوَ من الْعِنَايَة بِهِ
قَالَ فِي العهود فَإنَّك تهدي إِلَيْهِ فِيهِ مَا يزِيد فِي مكانتك وَيحسن أثارك ويطيب أخبارك
الْأَدَب الْخَامِس أَعمال جهده فِي التمَاس عذر السُّلْطَان فِي مَا أقرّ لَهُ فِيهِ بالْخَطَأ مَعَ الحذر من التَّصْرِيح بالموافقة عَلَيْهِ فَفِي الأفلاطونيات إِذا ذكر لَك رَئِيس خطأ كَانَ مِنْهُ واعترف بِهِ فأجل فكرك فِي الِاعْتِذَار لَهُ مِنْهُ وَاحْذَرْ أَن تعنفه وَلَا تجمع مَعَه على ذمه
стр. 606
قلت ينظر إِلَى هَذَا قَوْله فِي مَوضِع آخر إِذا أردْت تسكين غضب الْملك على أحد فَادْخُلْ مَعَه فِي غيظة وَصغر أمره وأعلمه أَن مَنْزِلَته دون الَّتِي خرج إِلَيْهَا الْملك ليستريح إِلَيْك ويسكن ثمَّ يَتَأَتَّى لَهُ بعد ذَلِك كَمَا يعْمل الزّجاج بِآلَة الزّجاج ينقلها بعد الْخُرُوج من النَّار إِلَى مَوضِع حَار لِئَلَّا يضر بهَا برد الْهَوَاء
الْأَدَب السَّادِس
تَخْصِيص من أحسن إِلَيْهِ على تَخْصِيص الشُّكْر بالسلطان وَالِاعْتِرَاف لَهُ بالمنة لما فِيهِ تَعْظِيم مقَامه وتوفيقه على إِيثَار لَهُ بنتائج المساعي الحميدة فَفِي العهود حرض من أَحْسَنت إِلَيْهِ شكر الْملك دُونك ليقف على أَن سعيك لَهُ أَكثر من سعيك لنَفسك
الْأَدَب السَّابِع
اقْتِصَاره فِي التصريف بِمُقْتَضى الْفَضَائِل الملوكية على فضيلتي الصَّبْر وَالْعدْل وَمَا وَرَاء ذَلِك فَإلَى السُّلْطَان لَا لَهُ فَفِي الأفلاطونيات يحْتَاج الْوَزير إِلَى أَن لَا يُنَازع الْملك فَضِيلَة إِلَّا فَضِيلَة الصَّبْر على مزاولة الْأُمُور وَالْعدْل فِيهَا وَإِعْطَاء كل طبقَة مَا تستحقه فَإِن هَذَا لَهُ خَاصَّة وَالْملك الزِّيَادَة وَالنُّقْصَان بِمِقْدَار ميله ومحبته والتسمح الَّذِي لَا يسع الْوَزير فِي شَيْء مِنْهُ
الْأَدَب الثَّامِن
مُرَاعَاة أَحْوَال سُلْطَانه فِي السِّرّ والجهر والغيبة عَنهُ والحضور مَعَه بِحَيْثُ لَا يخفى عَلَيْهِ شَيْء من أُمُوره وَلَا يغيب عَنهُ قَلِيل مِنْهُ وَلَا كثير
стр. 607
قَالَ الطرطوشي لَا يعرف مَا لَهُ وَمَا عَلَيْهِ حَتَّى يُرَاعِي من صَاحبه الواثق بِهِ مَا يراعيه العاشق الغيور من المعشوقة المتهمة
قلت وَلَا يخفى على ذِي فهم فَإِذا بِهِ يتَوَصَّل إِلَى ذَلِك
الْأَدَب التَّاسِع
معرفَة خلق سُلْطَانه ليسلك فِي التَّدْبِير على حسبها وَهِي السخاء وَالْبخل وَالْقُوَّة على التَّدْبِير والضعف والاسترسال وَسُوء الظَّن وَحسن الْبشر والانقباض والسخي يُؤثر الشُّكْر على التوفير والبخيل يُؤثر التوفير على الشُّكْر وَالْقَوِي على التَّدْبِير يَسْتَدْعِي الْمُشَاركَة على السَّعْي ويحرز بذلك الْحجَّة للمشاركة والضعيف على التَّدْبِير يركن إِلَى التَّفْوِيض وَالْحِيلَة لما لَا يحمد عاقبته وَالْحسن الظَّن يتَمَكَّن مَعَه من إحكام أُمُوره وَيتبع فِيهَا أقْصَى مبالغ الْمصلحَة والسيئ الظَّن يشْتَغل بِطَلَب الْخَلَاص مِنْهُ على التفرغ لتدبيره وَالْحسن الْبشر يزِيد فِي نشاط صَاحبه وَيملك قُلُوب الْأَحْرَار بإقباله والشديد الانقباض يكل عَن السَّعْي فِي أُمُوره وَيمْنَع انْشِرَاح الصَّدْر لموالاته
قَالَ فِي العهود اليونانية وَيحدث عَن هَذِه الْأَخْلَاق إِذا ازدوجت سِتَّة عشر نوعا قَالَ وَقد ظن أَن بَين كل خلق مِنْهَا وضده خلقا معتدلا وَهَذَا مَوْجُود فِي الْعقل وَلَا ظُهُور لَهُ فِي الْحس وَالْمرَاد مَا يغلب من ذَلِك حسا قَالَ فأعط صُورَة من تخدمه من الْمُلُوك مَا يُنَاسب تأليفها من التَّدْبِير يحسن أثرك وينقاد لَك سلطانك
فَائِدَة لمعْرِفَة أَخْلَاق السُّلْطَان طَرِيقَانِ طَرِيق الْمُبَاشرَة لَهُ وَطَرِيق اعْتِبَارهَا بأخلاق من يغلب عَلَيْهِ فَفِي الأفلاطونيات اعرف أَخْلَاق الْملك من أَخْلَاق من يغلب عَلَيْهِ من معاشريه وَأدْخل إِلَيْهِ من خلق أقربهم إِلَيْهِ أَن وثقت من نَفسك بنفاذ فِي ذَلِك
стр. 608
الْأَدَب الْعَاشِر
وَهُوَ رَأس الْأُمُور كلهَا وملاك هَذِه الْآدَاب تقوى الله تَعَالَى وَذَلِكَ فِي تَقْدِيم طَاعَته وَذَلِكَ لأمرين
أَحدهمَا أَن السُّلْطَان لَا طَاعَة لَهُ فِي مَعْصِيّة الله تَعَالَى لما تقرر ذَلِك شرعا وَأنْظر فِي موعظة الْحسن لِابْنِ هُبَيْرَة وَقد سَأَلَهُ عَن الْكتاب يرد عَلَيْهِ من سُلْطَانه بِمَا فِيهِ مُخَالفَة هَل لَهُ سَعَة فِي تَقْدِيم الطَّاعَة لَهُ فَقَالَ الله أَحَق أَن تُطِيعهُ وَلَا طَاعَة لَهُ فِي مَعْصِيّة الله فَأَعْرض كتاب أَمِير الْمُؤمنِينَ على كتاب الله فَإِن وجدته مُوَافقا لَهُ فَخذ بِهِ وَإِن وجدته مُخَالفا فَأَبْعَده يَا ابْن هُبَيْرَة اتَّقِ الله فَإِنَّهُ يُوشك أَن يَأْتِيك رَسُول من رب الْعَالمين يزيلك عَن سريرك ويخرجك من سَعَة قصرك إِلَى ضيق قبرك فتدع سلطانك ودنياك خلف ظهرك وَتقدم على رَبك وتنزل على عَمَلك يَا ابْن هُبَيْرَة وَإِن الله ليمنعك من يزِيد وَإِن يزِيد لَا يمنعك من الله وَإِنِّي لأحذرك بَأْس الله الَّذِي لَا يردهُ الْقَوْم الْمُجْرمين انْتهى الْمَقْصُود مِنْهُ
وأحصل فِي يَدَيْهِ إِذا خرجت عَن يَديك وَإِنَّمَا لَك عَليّ الطَّاعَة فِي طَاعَته وَلَيْسَ لَك عَليّ الطَّاعَة فِي مَعْصِيَته فَبكى الْملك واستدناه وَزَاد فِي إكرامه
стр. 609
الثَّانِي إِن بِتَقْدِير إيثاره بِالطَّاعَةِ فَهُوَ الَّذِي بتسليطه تعجل الْعقُوبَة فقد قَالَ المقتدر بِاللَّه لوزيره عَليّ بن عِيسَى اتَّقِ الله يعطفني عَلَيْك وَلَا تعصه فيسلطني عَلَيْك قَالَ الْمَأْمُون لبَعض وزرائه إياك أَن تَعْصِي الله فِيمَا تتقرب بِهِ إِلَيّ فيسلطني عَلَيْك
قلت وَأولى إِذا كَانَت الْمعْصِيَة بِالطَّاعَةِ لَهُ فِي مَحْظُور كَمَا دلّ عَلَيْهِ حَدِيث من أعَان ظَالِما عَلَيْهِ
كِفَايَة مَحْذُور قد دلّ الْوُجُود وَشهد العيان أَن الصدْق مَعَ الله تَعَالَى فِي تَقْدِيم طَاعَته ضَامِن للنجاة وتيسير الْخَلَاص الْجَمِيل كَمَا حكى عَن الْوَزير الَّذِي أمره ملكه بقتْله فَقَالَ لَهُ إِن رأى الْملك أَن يعرفنِي بِمُوجب ذَلِك فعل قَالَ لَهُ إِنَّك حملت نَفسك على مخالفتي على حَال لَا يستجيزها رشيد فَقَالَ لَهُ الْوَزير لَو كنت أَيهَا الْملك مالكي وَحدك لأنفذت مَا تَأْمُرنِي بِهِ من
стр. 610
غير مَسْأَلَة وَلَا استرابة وَلَكِنَّك تملك ظاهري ولي من سري وعلانيتي واحصل فِي يَدَيْهِ إِذا خرجت عَن يَديك وَإِنَّمَا لَك عَليّ الطَّاعَة فِي طَاعَته وَلَيْسَ لَك عَليّ الطَّاعَة فِي مَعْصِيَته فَبكى الْملك واستدناه وَزَاد فِي إكرامه
стр. 611
النَّوْع الثَّانِي
المتقي
وَهُوَ جملَة متقيات
المتقي الأول إِمْضَاء مَا فوض إِلَيْهِ من غير مطالعة (٤٥) لَهُ بمهماته. فَفِي الافلاطونيات: إِذا استوزرك الْملك فَلَا تقبلن مِنْهُ تفويضه فَإِن ذَلِك مخطر بالوزير
قلت زَاد فِي العهود والتفويض مَظَنَّة للتكثير
قَالَ فَإِن أكرمك بذلك لموجب فأشرك مَعَك حَاكم الشَّرِيعَة وخلد كل مَا أمضيته فِي ديوَان مُفْرد لَهُ وطالع الْملك بجملة ذَلِك تسلم
المتقي الثَّانِي ترك التحفظ فِي كَلَامه عِنْد مُخَاطبَة السُّلْطَان كمجاوزة مِقْدَار الْحَاجة فِيهِ والاحتجاج لغيره فَفِي العهود تحفظ فِي كلامك عِنْد مخاطبته وَاحْذَرْ أَن يتَعَدَّى قَوْلك مَا دعت إِلَيْهِ الْحَاجة وَسلم النَّاس عَلَيْك فِيهِ
وجنب كلامك الِاحْتِجَاج بغيرك والتمثيل بسواك فَرُبمَا أضرّ هَذَا بك وبمن تذكره
المتقي الثَّالِث تقدم السُّلْطَان عَلَيْهِ فِيمَا يعود بصلاح الْملك جدا وتشميرا
فَفِي العهود وَاعْلَم أَن عارا ونقيصة بك أَن يتقدمك الْملك فِي الصَّبْر على الملاذ وهجر الدعة وَشدَّة الْيَقَظَة وَقُوَّة التفكير فِي مصلحَة
стр. 612
المملكة فَإِنَّهُ إِن سامحك بذلك وسره فِي نَفسه تقدمه عَلَيْك فِيهِ فَهُوَ يحطك لَدَيْهِ وَيرى أَنه لَا مؤازر لَهُ فِيمَا عداهُ وَتَابعه فاجتهد أَن يراك مُتَقَدما لَهُ فِيهَا وَلَا يحس مِنْك بتقصير عَنْهَا
المتقي الرَّابِع إِظْهَار مَا لَهُ من فَضَائِل تجَاوز فَضَائِل أهل طبقتك فَفِي الأفلاطونيات إِذا خدمت ملكا فَلَا تظهر مِنْك لَهُ فَضِيلَة تجَاوز فَضَائِل أهل طبقتك فَإِنَّهُ لَا يحسن موقعها لَك وَيرى بهَا أَن قعودك أَكثر من كفايتك
قلت ينظر إِلَى هَذَا قَوْله فِي مَوضِع آخر يَنْبَغِي لمن طَال لِسَانه وَحسن بَيَانه أَلا يحدث النَّاس بِغَرَائِب مَا يسمع فَإِن الْحَسَد لحسن مَا يظْهر مِنْهُ يحملهم على تَكْذِيبه وَترك الْخَوْض فِي الشَّرِيعَة وَإِلَّا حملتهم المنافسة على تكفيره
المتقي الْخَامِس إجَابَته لمشاركة السُّلْطَان فِيمَا يذهل بِهِ عَن التَّدْبِير والسياسة وَلَو فِي لَحْظَة من الزَّمَان فَفِيهَا إِذا اسْتعْملت على أَمر ملك والسياسة وَلَو فِي لَحْظَة من الزَّمَان فَفِيهَا إِذا اسْتعْملت على أَمر ملك فَلَا تأنس بلذة وَلَا بنعماء فِي الْوَقْت الَّذِي يَخْلُو بِهِ لذَلِك وَاسْتعْمل الْجد وَالتَّدْبِير فِي الْوَقْت الَّذِي يهزل فِيهِ وَإِن دعَاك إِلَى مشاركته أعلمته أَنه لَا يجب أَن يجتمعا على اللَّهْو لِئَلَّا يغيب نور الْعقل عَن المملكة
المتقي السَّادِس ذمّ رذيلة ظَهرت فِيهِ وَنَهْيه عَنْهَا فَفِيهَا لَا تذمن رذيلة ظَهرت فِي أحد من الْمُلُوك عِنْده وَلَا تنه عَنْهَا فَإِن الْأَمر وَالنَّهْي للْملك دُونك وَلَكِن أذكر لَهُ الْفَضِيلَة الَّتِي خرجت تِلْكَ الرذيلة عَنْهَا وحسنها عِنْده فَإِنَّهُ يلْزمهَا وَيضْرب عَمَّا ظهر مِنْهُ من تِلْكَ الرذيلة كَأَن يبخل
стр. 613
فتحسن لَهُ تَوْفِيَة الْأَشْيَاء وإعطاءها حُقُوقهَا وتقبح عِنْده الْخرق والسرف فَإنَّك إِذا عَرفته بذلك رأى قبح الْبَخِيل فيجتنبه
المتقي السَّابِع إقدامه على مجاوبة معادية فِي الْمجْلس السلطاني إِلَّا بِإِذن
فَفِيهَا إِذا نابزك أحد بَين يَدي الْملك فَلَا تكَلمه إِلَّا بِإِذْنِهِ وَاذْكُر لَهُ أَنَّك لَا تطلق لسَانك فِي مَجْلِسه لجلالته عنْدك بِجَمِيعِ مَا يحضرك فِيهِ وَأظْهر التهاون بذلة والتبسم مِنْهُ فَإِنَّهُ يتشيظ وَتَقَع بِهِ التُّهْمَة وَأَنت وادع
المتقي الثَّامِن تَغْطِيَة بِحَضْرَة السُّلْطَان فَفِيهَا لَا تتغيظ بَين يَدي الْملك فَإِن الغيظ يُحَرك الِانْتِصَار وَلَا يكون فِي مَجْلِسه إِلَّا بِهِ وَلَكِن حرك غضب الْملك بِوُجُوب الْحجَّة وخل بَينه وَبَين الْأَمر
المتقي التَّاسِع تشفي الغيظ بِهِ من عَدو مكافح إيهاما أَن ذَلِك من مصَالح ملكه فَفِيهَا أَشد الْأَشْيَاء على الرئيس أَن قد تتشفى بِهِ من عَدوك وتوهمه أَن ذَلِك من مصلحَة أمره فَإنَّك تُقِيمهُ مقَام الْكَلْب الَّذِي تحركه على مَا ينفعك دونه فاحذر هَذَا وَلَا
стр. 614
تظهر لَهُ بغضا لأحد أَو محبَّة وَاجعَل غضبك ورضاك تِلْقَاء استخفاف النَّاس من مَمْلَكَته
المتقي الْعَاشِر تكلفه للسُّلْطَان مَا لَا يُوفي بِهِ مِقْدَاره فَفِي العهود لَا تنزل من الْملك منزلَة تحْتَاج فِيهَا إِلَى تكلّف مَا لَيْسَ فِي طبعك والاستعانة عَلَيْهِ فِي شَيْء مِنْهَا وإيقاع حِيلَة فِي مساورتها فَلَيْسَ عَائِد مَا عَلَيْك بِمِقْدَار أخطارها بك
المتقي الْحَادِي عشر قبُول رَضِي السُّلْطَان بعد العتب عَلَيْهِ إِلَّا بعد ظُهُور صحبته فَفِي العهود إِذا عتب عَلَيْك فِي شُبْهَة لاحت فِي أَمرك فَلَا تقبل رِضَاهُ عَنْك إِلَّا بعد أَن تقدم حجتك وأره انك لَا تُؤثر الْحَيَاة إِلَّا بِبَرَاءَة الساحة من سوء الظنة فَإِن ذَلِك زَائِد فِي محلك ومنبه على خطرك
المتقي الثَّانِي عشر كَثْرَة تردد حرم السُّلْطَان إِلَيْهِ فِي طلب الْحَوَائِج
فَفِي الأفلاطونيات ليحذر الْوَزير انصباب حرم الْملك إِلَيْهِ فِي حوائجهم ولتكن الْوَاسِطَة بَينه وَبينهمْ أما أم الْملك أَو من وقف الْملك على غيرته على الْوَزير من حرمه
المتقي الثَّالِث عشر سروره على مَا يخْتَص بالسلطان من ملبوس ومركوب ومتزين بِهِ فَفِي العهود وَاحْذَرْ لِبَاس ثَوْبه وركوب مركبه واستخدام مَا يتزين بِهِ
стр. 615
المتقي الرَّابِع عشر إفراط الدَّالَّة على السُّلْطَان لسوء منقلبها فَفِي العهود وَاحْذَرْ مصَارِع الدَّالَّة فَإِنَّهُ أَكثر أعدائك فِي سمو حالك واستقامة أَمرك
قلت فَفِي الأفلاطونيات شَرّ الإدلال الإدلال على الْمُلُوك وَمِنْه إمساكك عَن الِاعْتِذَار فِيمَا فرقت بِهِ عِنْد الْمُلُوك واستهانتك بخصمك حَتَّى يتأثر الْملك بقوله
المتقي الْخَامِس عشر مساواته للسُّلْطَان فِي الزِّينَة
قَالَ الطرطوشي إِذا كَانَ الْوَزير يُسَاوِي الْملك فِي الْهَيْئَة والطباعة فليصرعه الْملك فَإِن لم يفعل فَليعلم أَنه المصروع
قلت لِأَنَّهَا مبدأ الاستبداد عَلَيْهِ كَمَا يرد إِن شَاءَ الله وقديما تخوف من ذَلِك على الوزراء وحذروا من سوء عاقبته
يحْكى أَن وَالِد بعض الوزراء قَالَ لوَلَده وَقد رَآهُ تجَاوز الْحَد فِي حَاله يَا بني إِنَّه لقد غمني نظام أَمرك وَمَا رَأَيْت من فَسَاده فَقَالَ لَهُ ابْنه وَمَا أنْكرت مني فَقَالَ رَأَيْت هَيْئَة ابْن الْملك وعدده أقل من هيئتك وعددك وَرَأَيْت الْجند قد أعطوك من إعظامهم مَا لَيْسَ عِنْدهم فِيهِ
стр. 616
مستزاد للْملك ولاان يعمر مَنْزِلَته فَأنْزل مِمَّا رقيت إِلَيْهِ من قبل أَن يرميك الْملك عَنهُ
المتقي السَّادِس عشر تعرضه بالتوسع فِي الْحَال لتغيير السُّلْطَان عَلَيْهِ فَفِي الأفلاطونيات أَكثر استثقال الْمُلُوك من خدمهم على كَثْرَة مَا يحتجنون من الْأَمْوَال ويملكون من الضّيَاع والآلات فَإِذا رأى مِنْك مَا يستكثره فَرده إِلَيْهِ وعرفه بأنك جمعته لَهُ بِاسْمِك وَالْتزم هَذَا لَهُ وَإِن أظهر كرهه لَهُ
قلت وعَلى أَن توسعه قد يكون بِحَسب مَا يُطلق لَهُ عناية بِهِ لاسيما فِي الدول الْعَظِيمَة الوفر كَمَا يحْكى عَن الْوَزير أبي الْفرج يَعْقُوب أَن مخدومه الْعَزِيز صَاحب مصر أقطعه مائَة ألف دِينَار وخوله بعد مَوته من العبيد والممالك أَرْبَعَة آلَاف وخوله جوهرا بأربعمائة ألف دِينَار
المتقي السَّابِع عشر
إفراط سَعْيه فِي تَكْثِير الْبَنِينَ والأتباع فَفِي العهود تجنب الانهماك فِي طلب كَثْرَة الْوَلَد وَالزِّيَادَة فِي الحشم فَإِن الْحَاسِد يراهم وَمَا
стр. 617
يضْطَر إِلَيْهِ لَهَا من نعمه وَإِنَّمَا هم مُؤنَة مستهلكة لعائدك لَهُم وردهَا وَعَلَيْك صدرها والاقتصاد فِي أمورك أدوم لسلامتك وأغض لطرفك الساهر عَنْك وأروح لقلبك وجوارحك
قَالَ وَليكن وكدك وَنِهَايَة خوضك فِي استقراء حَال المملكة وَتَأمل أقطارها وَمَا عَلَيْهِ كل جُزْء مِنْهَا من زِيَادَة أَو نُقْصَان أَو سداد ثغر أَو تَدْبِير مصلحَة تبقى لَك شرفها وَيحسن بك أَثَرهَا
المتقي الثَّامِن عشر ظُهُور موجدته على استوائه فِي الْعَائِد مَعَ من دونه فَفِي العهود إِذا كنت للْملك أنصح من جَمِيع وزرائه وساوى عائدك عائدهم فَلَا كربك ذَلِك لِأَنَّك تَأْخُذ مِنْهُ مَا فَرْضه لَك الْعقل وهم يَأْخُذُونَ مَا أَعْطَاهُم إِيَّاه الْهوى الَّذِي لَا يثبت مَعَ التكشف
المتقي التَّاسِع عشر
إِقَامَة الْحجَّة عِنْد قصد السُّلْطَان لَهُ أَو لأحد من أَتْبَاعه بِتَغَيُّر حَال دون طلب الْعذر فَفِي الأفلاطونيات إِن قصدك الْملك فِي تَابع لَك أَو فِي شَيْء من أمورك فَلْيَكُن طلب الْعذر لَهُ فِي ذَلِك أرشد من طلب الْحجَّة الَّتِي تعصم مِنْهُ
وَلَا يتأثر كَلَام الأتباع فِيهِ وَانْظُر على ولدك فضلا عَن غَيره بِعَين الْملك تسلم من انحرافه
المتقي الْعشْرُونَ
طلب الترفع عِنْد الْمَزِيد لَهُ فِي الْكَرَامَة فَفِي الأفلاطونيات زد فِي
стр. 618
تواضعك للْملك بِمِقْدَار زِيَادَته فِي رفعتك فَإِن استعفاك من ذَلِك فَأعلمهُ أَن ترك ذَلِك عنْدك إِثْم وَأَن فِي تخطيه حرجا عَلَيْك فَإِن عُقبى ذَلِك مَحْمُود لَك
السياسة الثَّالِثَة لخواص السُّلْطَان
وَسَائِر أَرْبَاب الدولة
وهم طبقتان
المسالمون لَهُ فِي الظَّاهِر والمتطلعون إِلَى مَنْزِلَته
الطَّبَقَة الأولى المسالمون
والنافع لَهُ فِي سياستهم مدارات خَمْسَة
المدارة الأولى
تنزيلهم حَيْثُ يضعهم الِاسْتِحْقَاق من خطْوَة المكانة الْوَاضِحَة عِنْد ذَوي الأقدار على موفور الجراية دونهَا مَعَ إرضاء السُّلْطَان فِي تَفْضِيل الْأُمَرَاء بِمَا لَا يتَجَاوَز من الْإِحْسَان إِلَى حُدُود الشّرف فبذلك يُؤمن مَحْذُور الْوُقُوع فِي خلل التَّدْبِير لسَائِر الطَّبَقَات وغرور مُخَالفَة قصد السُّلْطَان بِالْجُمْلَةِ
المدارة الثَّانِيَة
إرضاؤهم بعد ذَلِك بِحسن الِاعْتِذَار لَهُم بِمَا يصلح قُلُوبهم ويسكن فِي الرِّضَا بِمَا وصلت إِلَيْهِ نُفُوسهم مَعَ التلطف فِي تَحْسِين طَاعَة السُّلْطَان إِلَيْهِم ليهدي الله سُبْحَانَهُ نتيجة قصدك وشكر فَضِيلَة سعيك فتظفر مِنْهُ بصفاء النِّيَّة لَك وتأمينك على جَمِيع الْأُمُور
стр. 619
المدارة الثَّالِثَة
إعلامهم بأنك لَا تتصرف إِلَّا بِإِذن السُّلْطَان ومشورته فِيمَا دق وَجل
قَالَ العهود مكن فِي نُفُوسهم أَنَّك لَا تعْمل إِلَّا مَا رَآهُ وَلَا تُؤثر إِلَّا مَا رضيه وَإِن لَك مِنْهُ منزلَة من زادك عَنْهَا فقد أخطر بك وَأَن قبُولهَا يزري على اختيارك
المدارة الرَّابِعَة
كفايتهم كَثْرَة التَّرَدُّد عَلَيْهِ بإحالتهم على السُّلْطَان فِي اسْتِيفَاء مطالبهم تَعْظِيمًا لمقامه وليأخذ سَائِر الْأَوْلِيَاء مِنْهُ بحظ فَفِي العهود احذر انضباب هَذِه الْجَمَاعَة عَلَيْك وإخلالها بمرادها مؤد أَن للْملك اعْتِمَادًا على قيامك بأمرها ووضعها إياك من قلوبها بِحَيْثُ لَا يؤثره الْملك فَإِنَّهُ ينْبت للْملك فِي قلبه سوء الظَّن بك وَفَسَاد النِّيَّة
المدارة الخانسة
كتم الْأَسْرَار السُّلْطَانِيَّة عَنْهُم وَلَو تناهوا فِي الرّفْعَة وَالْجَلالَة فَفِي العهود لَا تفش لأحد وَإِن عظم قدره لديك سر الْملك وَاجعَل قَلْبك قبرا لَهُ وَإِن كثرت عَلَيْك أسراره أثبتها بخطك بترجمة اخترعتها لَا يعرفهَا سواك وتصفحها فِي كل أوقاتك
الطَّبَقَة الثَّانِيَة
المتطلعون إِلَى مَنْزِلَته
وَله مَعَهم فِي التحفظات والسياسات مقابلات جمة
الْمُقَابلَة الأولى
استكثاره من الْعَمَل بِمُقْتَضى الْفَضَائِل المرغمة لأنف المنافس
стр. 620
والمطالب الصَّوَاب أَن تجاهدهم بِالزِّيَادَةِ فِي فضائلك والتقدم بمناصحته والترفع عَن قَصدهَا فَإِن المنافسين لفضل مَا بَيْنك وَبينهمْ كثير والمتعالين عَنْك عَددهمْ جم غفير الْمُقَابلَة الثَّانِيَة
اصطناعه لمن ضادهم وطهر عَلَيْهِم من يَحْرُسهُ مِنْهُم ويكفيه مُؤنَة الِانْتِصَار لَهُ مَعَ رميهم بأشكالهم وقرع بَعضهم بِبَعْض
قلت وعَلى شَرط أَن يكون ذَلِك بِمَا لَا تبعة فِيهِ وفاءا بالتقوى الَّتِي هِيَ ملاك الشَّأْن كُله كَمَا تقدم
الْمُقَابلَة الثَّالِثَة
إغضاؤه عَنْهُم كرما وصفحا فَفِي العهود اليونانية تلق فرائطهم بِحسن الْإِقَالَة وَسُوء قَوْلهم بكرم الْعَفو وخلهم وَمَا خامر قُلُوبهم من الحسائف فَإِن تسلط الْجَاهِل على نَفسه فِيمَا قصر عَنهُ أضرّ من سوء ظفر أعدائه بِهِ
قلت وَفِي مَعْنَاهُ قيل
(لن يبلغ الْأَعْدَاء من جَاهِل ... مَا يبلغ الْجَاهِل من نَفسه)
الْمُقَابلَة الرَّابِعَة
أَخذ حَاشِيَته بإنصاف النَّاس وتخطي الْعدْل فيهم إِلَى الْفضل
стр. 621
قلت وَهُوَ من أبلغ الْمَزِيد فِي الْفَضِيلَة لِأَن فَضِيلَة التَّابِع من حَيْثُ تبعيته فرع فَضِيلَة الْمَتْبُوع
الْمُقَابلَة الْخَامِسَة
اخْتِيَار من يصطفيه ويصطنعه فَفِي العهود اختر من تصطنعه فَإِن اخْتِيَار الصنيعة يرد عَنْك سوء الذّكر وقيح القَوْل
قلت وَقد تقدم أَن صَلَاحه بصلاح حَاشِيَته وبطانته
فِي سياسة سَائِر الْخَواص والبطانة
فِي صُحْبَة السُّلْطَان وخدمته
وَقبل بَيَان ذَلِك فَهُنَا مقدمتان
الْمُقدمَة الأولى
فِي التَّرْهِيب من مخالطته
وَلَو بِمُجَرَّد الدُّخُول عَلَيْهِ إِذا جَار قَالَ الْغَزالِيّ هِيَ حَالَة مذمومة جدا وَمِنْهَا تغليظات وتشديدات تَوَاتَرَتْ بهَا الْأَخْبَار والْآثَار
قلت وَيَكْفِي من الْوَارِد من ذَلِك أَمْرَانِ أَحدهمَا أَن النجَاة والسلامة فِي اجْتِنَاب ذَلِك وَبِالْعَكْسِ فَفِي الحَدِيث وَقد وصف ﷺ الْأُمَرَاء الظلمَة وَقَالَ فَمن نابذهم نجا وَمن اعتزلهم سلم أَو كَاد أَن يسلم وَمن وَقع مَعَهم فِي دنياهم فَهُوَ مِنْهُم وَعَن سُفْيَان الثَّوْريّ أَنه قله لمن طلب مِنْهُ الْوَصِيَّة إياك والأهواء إياك وَالسُّلْطَان
стр. 622
الثَّانِي مَا ينقص من الدّين بِهِ فَوق مَا يزِيد من الْحَط بِهِ قَالَ أَبُو ذَر ﵁ لسَلمَة يَا سَلمَة لَا تغش أَبْوَاب السلاطين فَإنَّك لَا تصيب من دنياهم شَيْئا إِلَّا أَصَابُوا من دينك أفضل مِنْهُ وَعَن الْحسن أَنه قَالَ لَا تجيبن أَمِيرا وَإِن دعَاك لتقرأ عِنْده سُورَة من الْقُرْآن فَإنَّك لَا تخرج من عِنْده إِلَّا شرا مِمَّا دخلت
موعظة روى أَن الزُّهْرِيّ لما خالط السُّلْطَان كتب إِلَيْهِ أَخ لَهُ فِي الدّين عَافَانَا الله وَإِيَّاك أَبَا بكر من الْفِتَن فقد أَصبَحت بِحَال يَنْبَغِي لمن عرفك أَن يَدْعُو لَك الله ويرحمك أَصبَحت شَيخا كَبِيرا وَقد أثقلتك نعم الله بِمَا فهمك من كِتَابه وعلمك من سنة نبيه ﷺ وَلَيْسَ كَذَلِك أَخذ الله الْمِيثَاق على الْعلمَاء قَالَ تَعَالَى ﴿لتبيننه للنَّاس وَلَا تكتمونه﴾ وَاعْلَم أَن أيسر مَا ارتكبت وأخف مَا احتملك أَنَّك أَنْت آنست وَحْشَة الظَّالِم وسهلت سَبِيل الغي بذنوبك مِمَّن لم يرد حَقًا وَلم يتْرك بَاطِلا حِين دناك اتَّخذُوا قطبا تَدور عَلَيْك رحى ظلمهم وجسرا يعبرون عَلَيْك إِلَى بلائهم وسلما يصعدون فِيهِ إِلَى ضلالهم يدْخلُونَ بك الشَّك على الْعلمَاء ويقتادون بك قُلُوب الْجُهَّال فَمَا أيسر مَا عمروا لَك فِي جنب مَا أخربوا عَلَيْك وَمَا أَكثر مَا أخذُوا مِنْك مِمَّا أفسدوا عَلَيْك من دينك فَمَا يُؤمنك أَن تكون فِيمَن قَالَ الله تَعَالَى فيهم
стр. 623
﴿فخلف من بعدهمْ خلف أضاعوا الصَّلَاة وَاتبعُوا الشَّهَوَات فَسَوف يلقون غيا﴾ الْآيَة وانك تعامل من لَا يجهل ويحفظ عَلَيْك من لَا يغْفل فداو دينك فقد دخله سقم وهيئ زادك فقد حضر سفر بعيد وَمَا يخفى على الله من شَيْء فِي الأَرْض وَلَا فِي السَّمَاء وَالسَّلَام
توضيح من معنى مَا لأَجله ورد هَذَا التَّغْلِيظ أَمْرَانِ
أَحدهمَا مَعْصِيّة السُّكُوت عَن تَغْيِير مَا يرى من مُنكرَات مُتعَدِّدَة كلبس حَرِير وافتراشه وَاسْتِعْمَال أواني ذهب أَو فضَّة وَهُوَ أَن عذر بالخوف فقد كَانَ فِي غنى عَن تعرضه بِالْمُشَاهَدَةِ لتوجه الْخطاب عَلَيْهِ بالتغيح ثمَّ سُقُوطه عَنهُ بذلك الْعذر
تَعْمِيم قَالَ الإِمَام الْغَزالِيّ وعَلى هَذَا القَوْل من علم فَسَادًا فِي مَوضِع لَا يقدر على إِزَالَته لَا يجوز لَهُ أَن يحضر ليجري ذَلِك بَين يَدَيْهِ
وَهُوَ يُشَاهِدهُ ويسكت بل يَنْبَغِي أَن يحْتَرز عَن مشاهدته
قلت إِلَّا إِن كَانَ حُضُوره فِي طَرِيق استجلاب مصلحَة وَلَا انفكاك لَهُ عَن تِلْكَ الْمُشَاهدَة وَله نَظَائِر
الثَّانِي سنة القَوْل الْمَحْظُور شرعا كالدعاء وَالثنَاء على غير شَرط ذَلِك وكالتصديق فِي بَاطِل تَصْرِيحًا أَو تَلْوِيحًا وكإظهار مَا يَدعِيهِ من حبه والشوق إِلَى لِقَائِه إِذْ الْغَالِب أَنه لَا يقْتَصر على السَّلَام وَفِي كل من ذَلِك وَعِيد لحَدِيث من دَعَا لظَالِم بِالْبَقَاءِ فقد أحب أَن يعْصى الله فِي أرضه
стр. 624
وَفِي حَدِيث إِن الله ليغضب إِذا مدح الْفَاسِق
قلت ولعسر التَّحَرُّز من هَذِه الْآفَات استبعد الْعلمَاء نجاة من يتَعَرَّض لَهَا مخاطرا بِنَفسِهِ وَدينه
قَالَ الْخطابِيّ لَيْت شعري من الَّذِي يدْخل إِلَيْهِم الْيَوْم فَلَا يُصدقهُمْ على كذبهمْ وَمن الَّذِي يتَكَلَّم بِالْعَدْلِ إِذا شهد مجَالِسهمْ وَمن الَّذِي ينصح وَمن الَّذِي ينتصح مِنْهُم
ثمَّ قَالَ إِن الَّذِي هُوَ أسلم يَا أخي فِي هَذَا الزَّمَان وأحوط لدينك أَن نقل من مخالطتهم وغشيان أَبْوَابهم وان تسْأَل الله الْغنى والتوفيق لَهُم ٣ معذرة قَالَ الْغَزالِيّ اثر تَقْرِيره بِمَا لخصناه من كَلَامه أَولا فَلَا يجوز الدُّخُول عَلَيْهِم إِلَّا بعذرين
أَحدهمَا أَن يكون من جهتهم أَمر إِلْزَام لَا أَمر إكرام وعَلى أَنه لَو امْتنع لأوذي أَو أفسد عَلَيْهِ طَاعَة الرّعية واضطرب أَمر السياسة فَتجب الْإِجَابَة طَاعَة لَهُم بل مُرَاعَاة لمصْلحَة الْخلق حَتَّى لَا تضطرب الْولَايَة
الثَّانِي أَن يدْخل عَلَيْهِم فِي دفع ظلم عَن نَفسه أَو عَن مُسلم سواهُ إِمَّا بطرِيق الْحِسْبَة وَإِمَّا بطرِيق التظلم والتكلم بِشَرْط أَلا يكذب وَلَا يسيء وَلَا يدع نصيحة يتَوَقَّع لَهَا قبولا
стр. 625
قلت وَمثله قَول ابْن الْعَرَبِيّ صُحْبَة الظَّالِم على التقية مُسْتَثْنَاة من النَّهْي حَال الِاضْطِرَار
الْمُقدمَة الثَّانِيَة
التحذير من صحبته
قَالَ الطرطوشي اتّفقت حكماء العربوالعجم ووصاياهم على النَّهْي من صُحْبَة السُّلْطَان
قلت وَالْمَذْكُور هُنَا من الْغرَر قرروه بَيَانا لعِلَّة ذَلِك النَّهْي جملَة
الْغرَر الأول ندور الْإِخْلَاص والسلامة فِيهَا فَفِي دمنة وكليلة ثَلَاثَة لَا يسلم مِنْهَا إِلَّا الْقَلِيل صُحْبَة السُّلْطَان وائتمان النِّسَاء على الْأَسْرَار وَشرب السم على التجربة
وَكَانَ يُقَال قد خاطر بِنَفسِهِ من ركب الْبَحْر وَأعظم مِنْهُ خطرا صُحْبَة السُّلْطَان فَإِن من صحب السُّلْطَان فقد لبس شعار الْغرُور
الْغرَر الثَّانِي فَوَات قيام خَيرهَا بشرها قَالَ الطرطوشي لَا يتكافأ خير السُّلْطَان وشره لِأَن خَيره لَا يعدو مزيدا لمَال وَشر السُّلْطَان قد
стр. 626
يزِيل المَال ويتلف النَّفس الَّتِي بهَا طلب الْمَزِيد وَلَا خير فِي الشَّيْء الَّذِي سَلَامَته مَال وجاه وَفِي نكبته الْجَائِحَة والتلف
قَالَ وَلِهَذَا قيل للعتابي لم لَا تصْحَب السُّلْطَان على مَا فِيك من الْأَدَب
قَالَ لِأَنِّي رَأَيْته يُعْطي عشرَة آلَاف فِي غير شَيْء ويردي من السُّور فِي غير شَيْء وَلَا أَدْرِي من أَي الرجلَيْن أكون
الْغرَر الثَّالِث تعرض قَاصد الصّلاح بهَا لعودها عَلَيْهِ بِالْفَسَادِ قَالَ مَيْمُون بن مهْرَان قَالَ لي عمر بن عبد الْعَزِيز ﵁ يَا مَيْمُون احفظ عني أَرْبعا لَا تصحبن سُلْطَانا وَإِن أَمرته بِالْمَعْرُوفِ ونهيته عَن الْمُنكر وَلَا تخلون بِامْرَأَة وَإِن أقرأتها الْقُرْآن وَلَا تصلن من قطع رَحمَه فَإِنَّهُ لَك قَاطع وَلَا تتكلمن بِكَلَام الْيَوْم تعتذر مِنْهُ غَدا
قَالَ الطرطوشي وَكم قد رَأينَا وبلغنا عَمَّن صحب السُّلْطَان من أهل الْفضل وَالْعلم وَالْعقل وَالدّين لمصْلحَة ففسد هُوَ بِهِ
الْغرَر الرَّابِع حرمَان سَعَادَة من ابتلى بهَا فِي دمنة وكليلة من ابتلى بِصُحْبَة السُّلْطَان فَلَا سَعَادَة لَهُ فَإِنَّهُم لَا عهد لَهُم وَلَا وَفَاء وَلَا حميم وَلَا قريب
стр. 627
وَلَا يكرم عَلَيْهِم أحدا إِلَّا أَن يطمعوا فِيهِ فيقربوه عِنْد ذَلِك فَإِذا قضوا حَاجتهم تَرَكُوهُ
الْغرَر الْخَامِس تردد صَاحبهَا بَين فَوت اللَّذَّة إِن قصد اللَّذَّة إِن نصح أَو تحمل الْوزر إِن خَان قَالَ ابْن المقفع لِابْنِهِ إِن وجدت من السُّلْطَان وصحبته غنى فاغن نَفسك عَنهُ واعتزله جهدك فَإِنَّهُ من يَأْخُذهُ السُّلْطَان بِحقِّهِ يحل بَينه وَبَين لذات الدُّنْيَا وَمن لَا يَأْخُذهُ بِحقِّهِ يكسبه الفضيحة فِي الدُّنْيَا والوزر فِي الْآخِرَة
قلت وَبِذَلِك اعْتَرَفُوا بوضوح الْأَمر فِيهِ فيحكى عَن زِيَاد أَنه قَالَ لجلسائه من أغبط النَّاس عَيْشًا قَالُوا لأمير وجلساؤه قَالَ مَا صَنَعْتُم شَيْئا إِن لأعواد الْمِنْبَر لهيبة وَإِن لقرع لجام الْبَرِيد لروعة وَلَكِن أغبط النَّاس عِنْدِي رجل لَهُ دَار لَا يجْرِي عَلَيْهِ كراؤها وَزَوْجَة صَالِحَة قد رضيته ورضيها فهما راضيان بعيشهما لَا يعرفونا وَلَا نعرفهم فَإِنَّهُ إِن عرفنَا وعرفناه أتعبنا ليله ونهاره وأذهبنا دينه ودنياه
أَحدهمَا فِي حكم الْهِنْد إِنَّمَا مثل السُّلْطَان فِي قلَّة وفائه فِي أَصْحَابه وسخاء نَفسه عَمَّن فَقده مِنْهُم مثل الصَّبِي والمكتب كلما ذهب وَاحِد جَاءَ الآخر
قلت السُّلْطَان إِذا انْقَطع عَنْهُم فَهِيَ الأولى فأرحامهم مَقْطُوعَة وحبالهم مصرومة إِلَّا من رَضوا عَنهُ فِي ساعتهم ووقتهم
стр. 628
الثَّانِي فِيهَا أَيْضا صُحْبَة السُّلْطَان على مَا فِيهَا من الْعِزّ والثروة عَظِيمَة الْخطر إِنَّمَا تشبه بالحبل الوعر فِيهِ الثِّمَار الطّيبَة وَالسِّبَاع العادية والثعابين الْمهْلكَة والارتقاء إِلَيْهِ شَدِيد وَالْمقَام فِيهِ أَشد
خَاتِمَة من منظوم التحذير وغبطة التَّخَلُّف عَن صُحْبَة السُّلْطَان قيل
(إِن الْمُلُوك بلَاء حَيْثُمَا حلوا ... فَلَا يكن لَك فِي أَكْنَافهم ظلّ)
(مَاذَا يؤمل من قوم إِذا غضبوا ... جاروا عَلَيْك وَإِن أرضيتهم ملوا)
(وَإِن نصحت لَهُم ظنوك تخدعهم ... واستثقلوك كَمَا يستثقل الْكل)
(فاستغن بِاللَّه عَن أَبْوَابهم كرما ... إِن الْوُقُوف على أَبْوَابهم ذل)
وَقَول آخر
(أنست بوحدتي ولزمت بَيْتِي ... فطاب الْعَيْش لي وَصفا السرُور)
(وأدبني الزَّمَان فَلَا أُبَالِي ... هجرت فَلَا أزار وَلَا أَزور)
стр. 629
(وَلست بسائل مَا دمت حَيا ... أسار الْجند أم ركب الْأَمِير)
انعطاف إِذا تقرر مَحْذُور هَذَا الْأَمر عَاجلا وموعوده مَا هُوَ أدهى مِنْهُ آجلا فلصحبة السُّلْطَان على كَثْرَة غررها وتقصير نَفعهَا عَن ضرها آدَاب كَثِيرَة وشروط وَحُقُوق يبعد الْمَطْلُوب مِنْهَا والمشروط لَكِنَّهَا نَوْعَانِ فِي التَّحْصِيل وضربان فِي التَّقْسِيم الْخَاص للتفصيل مَا يتأدب بِفِعْلِهِ ترفعا لَدَيْهِ وترقيا وَمَا يتأدب بِتَرْكِهِ حذرا مِنْهُ وتوقيا وَرُبمَا جمع الغرضين وَشَمل المطلوبين المفترضين
النَّوْع الأول وَهُوَ جملَة آدَاب
الْأَدَب الأول أَن يتلطف لَهُ عِنْد الْخطاب لأمرين
أَحدهمَا أَن الله تَعَالَى قد أَمر باللين فِي القَوْل فِي مُخَاطبَة العظماء وان كفرُوا وَذَلِكَ فِي حق الْمُؤمن أوجب قَالَ الله تَعَالَى ﴿فقولا لَهُ قولا لينًا لَعَلَّه يتَذَكَّر أَو يخْشَى﴾
الثَّانِي أَن حسن التلطف فِي الْخطاب يحظى بنجح السَّعْي وبلوغ الْقَصْد لَا سِيمَا فِي مقَامي السُّؤَال والاستعطاف
حِكَايَة دخل معن بن زَائِدَة على الرشيد وَقد كَانَ وجد عَلَيْهِ
стр. 630
فَمشى يُقَارب الخطو فَقَالَ لَهُ كَبرت يَا معن قَالَ فِي طَاعَتك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فَقَالَ وَإنَّك لجلد قَالَ على أعدائك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فَرضِي عَنهُ وولاه
الْأَدَب الثَّانِي أَن يصغي لكَلَامه إِذا تكلم لأمرين
أَحدهمَا أَن ذَلِك من الْحُقُوق الَّتِي لَا يتَقرَّب أَرْبَاب الخصوصية بِأَفْضَل مِنْهَا بِحَسب الظَّاهِر
قَالَ الجاحظ من حق الْملك إِذا حدث بِحَدِيث أَن يصرف كل من حَضَره فكره وذهنه وَنَحْوه
فَقَالَ وَكَانَ عبد عَوْف يَقُول لم يتَقرَّب الْعَامَّة إِلَى الْمُلُوك بِمثل الطَّاعَة وَلَا العبيد بِمثل الْخدمَة وَلَا البطانة بِمثل حسن الِاسْتِمَاع
الثَّانِي أَن التأدب بِهِ بعيد بنيل الحظوة وترفيع الدرجَة
стр. 631
كَانَ روح بن زنباع يَقُول إِن أردْت أَن يمكنك الْملك من أُذُنه فَأمكن أُذُنك من الإصغاء إِلَيْهِ إِذا حدث
وَكَانَ مُعَاوِيَة يَقُول يغلب على الْملك حَتَّى يركب بشيئين شرف الْحلم عِنْد سورته والإصغاء إِلَى حَدِيثه
حِكَايَة قَالَ الجاحظ حكى عَن أبي بكر البرقي أَنه بَيْنَمَا هُوَ فِي مجْلِس أبي الْعَبَّاس إِذْ حدث أَبُو الْعَبَّاس بِحَدِيث من أَحَادِيث الْفرس فعصفت ريح فأوقعت طستاطينا من سطح إِلَى الْمجْلس فارتاع أَبُو الْعَبَّاس وَمن حَضَره وَلم يَتَحَرَّك أَبُو بكر لذَلِك وَلم تزل عينه مطالعة لأبي الْعَبَّاس
فَقَالَ لَهُ مَا أعجب شَأْنك يَا هَذَا لم يرعك مَا رَاعنا قَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن الله يَقُول ﴿مَا جعل الله لرجل من قلبين فِي جَوْفه﴾ وَإِنَّمَا للرجل قلب وَاحِد فَلَمَّا عمره السرُور بأمير الْمُؤمنِينَ لم يكن فِيهِ لحادث بِحَال مجَال وَإِن الله تَعَالَى إِذا أفرد لكرامة أحدا وَأحب أَن يبْقى لَهُ ذكرهَا جعل تِلْكَ الْكَرَامَة على لِسَان نبيه وخليفته وَهَذِه كَرَامَة خصصت بهَا مَال إِلَيْهَا ذهني وشغل بهَا فكري فَلَو انقلبت الخضراء على الغبراء لما أحسست بهَا إِلَّا بِمَا يلْزَمنِي فِي نَفسِي لأمير الْمُؤمنِينَ فَقَالَ لَهُ أَبُو الْعَبَّاس لِأَن بقيت لَك لأرفعن مِنْك موضعا لَا تَطوف بِهِ السبَاع وَلَا تنحط عَلَيْهِ العقبان
стр. 632
الْأَدَب الثَّالِث أَن يستشعر الصَّبْر فِي خدمته على كل حَال فَفِي الأفلاطونيات اسْتعْمل الصَّبْر فِي خدمَة الْمُلُوك لَيْسَ عِنْد الْمَكْرُوه وَحده وَلَكِن فِي المحبوب مثل أَن تصبر على مَا وَعدك وَلَا تكره بإنجازه
قلت وَذَلِكَ لأمرين
أَحدهمَا أَنه لَا ملْجأ لَهُ إِلَى البدار بِالنّظرِ فِي خَاص أَو عَام إِلَّا بعد الْفَرَاغ إِلَيْهِ مِمَّا هُوَ أهم فِي نفس الْأَمر أَو عِنْده وَحِينَئِذٍ فالصبر هُوَ المرجوع إِلَيْهِ وَمن ثمَّ قَالَ أفلاطون أَيْضا اصبر على سلطانك فلست بأكبر شغله وَلَا بك قوام أمره
الثَّانِي أَنه مَتى وَطن راجيه على مُلَازمَة الصَّبْر مَعَ إِسْقَاط الترفع عَن الخضوع لَهُ كَانَ أقرب لحُصُول مَقْصُوده فقد قيل من لزم بَاب السُّلْطَان بصبر جميل وكظم الغيظ وإطراح الأنفة وصل إِلَى حَاجته
حِكَايَة قيل أَنه قَامَ رجل على بَاب كسْرَى سنة فَلم يُؤذن لَهُ فَقَالَ لَهُ الْحَاجِب أكتب كتابا وخففه أوصله لَك فَقَالَ لَا أَزِيد على أَرْبَعَة أسطر فَكتب فِي السطر الأول الأمل والضرورة أقدماني على الْملك وَفِي الثَّانِي لَيْسَ مَعَ الْعَدَم صَبر على الْمطلب وَفِي الثَّالِث الرُّجُوع بِلَا إِفَادَة شماتة الْأَعْدَاء وَفِي الرَّابِع إِمَّا نعم مثمرة وَألا آمال ميؤسة فَوضع كسْرَى تَحت كل سطر عَلامَة انْصَرف بهَا بِسِتَّة عشر ألف دِرْهَم
الْأَدَب الرَّابِع أَن يَصْحَبهُ بالهيبة وَالْوَقار قَالُوا لِأَنَّهُ إِنَّمَا احتجب لأجل ذَلِك فَلَا يتْرك الهيبة مَعَه
قلت وَإِلَّا وَقع فِي محذورين
стр. 633
أَحدهمَا حَمَاقَة الدَّالَّة العائدة بِهَلَاك المجترئ بهَا عَلَيْهِ قيل لعبد الله بن جَعْفَر مَا الْخرق قَالَ الدَّالَّة على السُّلْطَان والوثبة قبل لعبد الله بن جَعْفَر مَا الْخرق قَالَ الدَّالَّة على السُّلْطَان والوثبة قبل الْإِمْكَان وَقَالَ ابْن المقفع أولى النَّاس بالتهلكة الْفَاحِشَة الْمُقدم على السُّلْطَان
الثَّانِي تَقْصِير الْأَنْفس بارتفاعها عَن تَعْظِيم الْمَزِيد من الْحُرْمَة والجديد من النِّعْمَة وَقد قيل إِذا زادك السُّلْطَان تأنيسا فزده إجلالا وَإِذا جعلك السُّلْطَان أَخا فاجعله أَبَا وَإِن زادك فزده
حِكَايَة يُقَال أَن يزدجرد رأى بهْرَام ابْنه بِموضع لم يكن لَهُ أَن يقف بِهِ فَقَالَ لَهُ مَرَرْت بالحاجب فَقَالَ نعم قَالَ وَعلم بدخولك قَالَ نعم قَالَ أخرج إِلَيْهِ فَاضْرِبْهُ ثَلَاثِينَ سَوْطًا ونحه عَن السِّرّ ووكل بالحجابة أزدهرد فَفعل ذَلِك بهْرَام وَهُوَ إِذْ ذَاك ابْن ثَلَاث عشر سنة وَلم يعلم الْحَاجِب فِيمَا غضب عَلَيْهِ الْملك فَلَمَّا
فَلَمَّا جَاءَ بهْرَام بعد ذَلِك ليدْخل دَفعه أزدهرد فِي صَدره دفْعَة أرقده مِنْهَا وَقَالَ إِن رَأَيْتُك بِهَذَا الْموضع ثَانِيَة ضربتك سِتِّينَ سَوْطًا ثَلَاثِينَ مِنْهَا لجنايتك على الْحَاجِب بالْأَمْس وَثَلَاثِينَ لِئَلَّا تطمع فِي الْجِنَايَة
стр. 634
عَليّ فَبلغ ذَلِك يزدجرد فَدَعَا أزدهرد فَخلع عَلَيْهِ وَأحسن إِلَيْهِ
قَالَ الجاحظ وَذكر لنا أَن مُوسَى الْهَادِي دخل على أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمهْدي فزجره وَقَالَ لَهُ إياك أَن تعود لمثلهَا إِلَّا أَن يفتح عَلَيْك بابك
قَالَ وَلَيْسَ لِابْنِ الْملك من الْملك إِلَّا مَا لغيره من الاستكانة والخضوع والتذلل والخشوع وَلَا لَهُ أَن يظْهر دَالَّة الْأُبُوَّة ومنزلة الْبُنُوَّة
الْأَدَب الْخَامِس أَن يرضى مِنْهُ بِمَا طَار لَهُ من السهْم من فرض الجراية ومتعود الإحسانفي أوقاته فَفِي الأفلاطونيات إِن اسْتَطَعْت أَن يرى الْملك غناك عَنهُ لَيْسَ بِأَن توهمه كَثْرَة الْجدّة وَلَكِن بِأَن تعلم أَن الْقَلِيل يُقيم أحوالك كَمَا يُقيم الْكثير أَحْوَاله فافعل فَإِنَّهُ أدوم لسلامتك عَلَيْهِ
قلت وَذَلِكَ لوَجْهَيْنِ أَحدهمَا أَن البطانة لَا ترفع فِي حوائجها إِلَّا لموجب وَرُبمَا لَا يسلم لَهَا وجوده وَإِذ ذَاك فَالْأولى بهَا القناعة بالحاصل إِلَى أَن تحظى بالمزيد مَعَ السَّلامَة كَانَ شيرويه يَقُول إِنَّمَا تعذر البطانة بِرَفْع حوائجها إِلَى الْملك عِنْد ضيقَة تكون أَو جفوة تنالهم من مُلُوكهمْ وَعند تتَابع أزمة أَو ظرف مُحدث
الثَّانِي أَن الْكِفَايَة إِذا بلغت مِنْهَا أقْصَى الْحُدُود وَهِي ترَاهَا من الْقَلِيل الَّذِي لَا يُغني فِي الْحمل حَتَّى أفصحت بِطَلَب الزِّيَادَة فَالَّذِي جرأها على ذَلِك إِنَّمَا هُوَ الشره والمنافسة
قَالَ الجاحظ وَمن ظَهرت مِنْهُ هَاتَانِ الخلتان كَانَ جَدِيرًا أَن تنْزع كِفَايَته من يَده وينقل إِلَى الطَّبَقَة الخسيسة وَيلْزم أَذْنَاب الْبَقر وحراسة الأَرْض
стр. 635
حِكَايَة ذكر عَن بعض الْأُمَرَاء أَن رجلا من نَاحيَة رفع إِلَيْهِ رقْعَة يسْأَله فِيهَا إِجْرَاء أرزاقه
فَقَالَ لَهُ كم عِيَالك فَزَاد فِي الْعدَد فَقَالَ لَهُ كذبت فَأَقَامَ سنة لَا يجترئ على كَلَامه ثمَّ رفع إِلَيْهِ رقْعَة أُخْرَى فَقَالَ لَهُ كم عِيَالك فَقَالَ لَهُ أَرْبَعَة فَقَالَ صدقت وَوَقع فِي حَاشِيَة الرقعة يجْرِي على عِيَاله كَذَا وَكَذَا
تَلْخِيص من جملَة هَذَا النَّوْع من الْآدَاب الدُّعَاء للسُّلْطَان عِنْد الدُّخُول عَلَيْهِ والإسراع بِالْقيامِ عَنهُ وَإِذا فهم أَنه يُرِيد ذَلِك التلطف فِي الشُّكْر لَهُ إِظْهَار الخفة فِي طَاعَته وَالْكِنَايَة عَن الِاسْم وَالصّفة إِذا وَافق ذَلِك اسْمه أَو صفته مجانية من سخط عَلَيْهِ خدمته على شَرط الطَّاعَة لَهُ فِي الْمَكْرُوه وَمِمَّا يُخَالف الْغَرَض التلطف فِي إِلْقَاء النَّصِيحَة غليه مسايرته عِنْد ركُوبه بِالْمحل الَّذِي لَا يضْطَر إِلَى التفاته نَحوه أَو الدُّخُول عَلَيْهِ بعد المهازلة دُخُول من لم يجر بَينهمَا شَيْء شدَّة الحذر بعد تقريبه وتمكينه حَتَّى يكون مِنْهُ على حد السنان خدمَة الْجَاهِل من الرؤساء بِاتِّبَاع رِضَاهُ والعاقل بِمَا فِيهِ إِحْرَاز الْحجَّة لَهُ وَعَلِيهِ إِظْهَار الاستهانة لَهُ بِمَا فضلت بِهِ عَلَيْهِ والتعجب بِمَا فضل بِهِ عَلَيْك إِخْرَاج القَوْل وَالْفِعْل بِحَسب مَا غلب عَلَيْهِ من خدمَة الطبيعة أَو الْعقل ادِّعَاء النَّقْص عَنهُ فِي قُوَّة غير الْقُوَّة الَّتِي ظهر لَك فِيهَا الْفضل عَلَيْهِ لتخف على قلبه مداراته بِحَسب الْإِمْكَان تعلمه وكأنك تتعلم مِنْهُ وتشير عَلَيْهِ وكأنك تستشيره
النَّوْع الثَّانِي وَهُوَ أَيْضا جملَة خِصَال يتأدب مَعَه بِتَرْكِهَا نذكرها ملخصة مَخَافَة التَّطْوِيل وَهِي إفراط الدُّعَاء لَهُ ومناداته باسمه وَرفع
следующие страницы →