Полный текст (992 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.
стр. 631
كَانَ روح بن زنباع يَقُول إِن أردْت أَن يمكنك الْملك من أُذُنه فَأمكن أُذُنك من الإصغاء إِلَيْهِ إِذا حدث
وَكَانَ مُعَاوِيَة يَقُول يغلب على الْملك حَتَّى يركب بشيئين شرف الْحلم عِنْد سورته والإصغاء إِلَى حَدِيثه
حِكَايَة قَالَ الجاحظ حكى عَن أبي بكر البرقي أَنه بَيْنَمَا هُوَ فِي مجْلِس أبي الْعَبَّاس إِذْ حدث أَبُو الْعَبَّاس بِحَدِيث من أَحَادِيث الْفرس فعصفت ريح فأوقعت طستاطينا من سطح إِلَى الْمجْلس فارتاع أَبُو الْعَبَّاس وَمن حَضَره وَلم يَتَحَرَّك أَبُو بكر لذَلِك وَلم تزل عينه مطالعة لأبي الْعَبَّاس
فَقَالَ لَهُ مَا أعجب شَأْنك يَا هَذَا لم يرعك مَا رَاعنا قَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن الله يَقُول ﴿مَا جعل الله لرجل من قلبين فِي جَوْفه﴾ وَإِنَّمَا للرجل قلب وَاحِد فَلَمَّا عمره السرُور بأمير الْمُؤمنِينَ لم يكن فِيهِ لحادث بِحَال مجَال وَإِن الله تَعَالَى إِذا أفرد لكرامة أحدا وَأحب أَن يبْقى لَهُ ذكرهَا جعل تِلْكَ الْكَرَامَة على لِسَان نبيه وخليفته وَهَذِه كَرَامَة خصصت بهَا مَال إِلَيْهَا ذهني وشغل بهَا فكري فَلَو انقلبت الخضراء على الغبراء لما أحسست بهَا إِلَّا بِمَا يلْزَمنِي فِي نَفسِي لأمير الْمُؤمنِينَ فَقَالَ لَهُ أَبُو الْعَبَّاس لِأَن بقيت لَك لأرفعن مِنْك موضعا لَا تَطوف بِهِ السبَاع وَلَا تنحط عَلَيْهِ العقبان
стр. 632
الْأَدَب الثَّالِث أَن يستشعر الصَّبْر فِي خدمته على كل حَال فَفِي الأفلاطونيات اسْتعْمل الصَّبْر فِي خدمَة الْمُلُوك لَيْسَ عِنْد الْمَكْرُوه وَحده وَلَكِن فِي المحبوب مثل أَن تصبر على مَا وَعدك وَلَا تكره بإنجازه
قلت وَذَلِكَ لأمرين
أَحدهمَا أَنه لَا ملْجأ لَهُ إِلَى البدار بِالنّظرِ فِي خَاص أَو عَام إِلَّا بعد الْفَرَاغ إِلَيْهِ مِمَّا هُوَ أهم فِي نفس الْأَمر أَو عِنْده وَحِينَئِذٍ فالصبر هُوَ المرجوع إِلَيْهِ وَمن ثمَّ قَالَ أفلاطون أَيْضا اصبر على سلطانك فلست بأكبر شغله وَلَا بك قوام أمره
الثَّانِي أَنه مَتى وَطن راجيه على مُلَازمَة الصَّبْر مَعَ إِسْقَاط الترفع عَن الخضوع لَهُ كَانَ أقرب لحُصُول مَقْصُوده فقد قيل من لزم بَاب السُّلْطَان بصبر جميل وكظم الغيظ وإطراح الأنفة وصل إِلَى حَاجته
حِكَايَة قيل أَنه قَامَ رجل على بَاب كسْرَى سنة فَلم يُؤذن لَهُ فَقَالَ لَهُ الْحَاجِب أكتب كتابا وخففه أوصله لَك فَقَالَ لَا أَزِيد على أَرْبَعَة أسطر فَكتب فِي السطر الأول الأمل والضرورة أقدماني على الْملك وَفِي الثَّانِي لَيْسَ مَعَ الْعَدَم صَبر على الْمطلب وَفِي الثَّالِث الرُّجُوع بِلَا إِفَادَة شماتة الْأَعْدَاء وَفِي الرَّابِع إِمَّا نعم مثمرة وَألا آمال ميؤسة فَوضع كسْرَى تَحت كل سطر عَلامَة انْصَرف بهَا بِسِتَّة عشر ألف دِرْهَم
الْأَدَب الرَّابِع أَن يَصْحَبهُ بالهيبة وَالْوَقار قَالُوا لِأَنَّهُ إِنَّمَا احتجب لأجل ذَلِك فَلَا يتْرك الهيبة مَعَه
قلت وَإِلَّا وَقع فِي محذورين
стр. 633
أَحدهمَا حَمَاقَة الدَّالَّة العائدة بِهَلَاك المجترئ بهَا عَلَيْهِ قيل لعبد الله بن جَعْفَر مَا الْخرق قَالَ الدَّالَّة على السُّلْطَان والوثبة قبل لعبد الله بن جَعْفَر مَا الْخرق قَالَ الدَّالَّة على السُّلْطَان والوثبة قبل الْإِمْكَان وَقَالَ ابْن المقفع أولى النَّاس بالتهلكة الْفَاحِشَة الْمُقدم على السُّلْطَان
الثَّانِي تَقْصِير الْأَنْفس بارتفاعها عَن تَعْظِيم الْمَزِيد من الْحُرْمَة والجديد من النِّعْمَة وَقد قيل إِذا زادك السُّلْطَان تأنيسا فزده إجلالا وَإِذا جعلك السُّلْطَان أَخا فاجعله أَبَا وَإِن زادك فزده
حِكَايَة يُقَال أَن يزدجرد رأى بهْرَام ابْنه بِموضع لم يكن لَهُ أَن يقف بِهِ فَقَالَ لَهُ مَرَرْت بالحاجب فَقَالَ نعم قَالَ وَعلم بدخولك قَالَ نعم قَالَ أخرج إِلَيْهِ فَاضْرِبْهُ ثَلَاثِينَ سَوْطًا ونحه عَن السِّرّ ووكل بالحجابة أزدهرد فَفعل ذَلِك بهْرَام وَهُوَ إِذْ ذَاك ابْن ثَلَاث عشر سنة وَلم يعلم الْحَاجِب فِيمَا غضب عَلَيْهِ الْملك فَلَمَّا
فَلَمَّا جَاءَ بهْرَام بعد ذَلِك ليدْخل دَفعه أزدهرد فِي صَدره دفْعَة أرقده مِنْهَا وَقَالَ إِن رَأَيْتُك بِهَذَا الْموضع ثَانِيَة ضربتك سِتِّينَ سَوْطًا ثَلَاثِينَ مِنْهَا لجنايتك على الْحَاجِب بالْأَمْس وَثَلَاثِينَ لِئَلَّا تطمع فِي الْجِنَايَة
стр. 634
عَليّ فَبلغ ذَلِك يزدجرد فَدَعَا أزدهرد فَخلع عَلَيْهِ وَأحسن إِلَيْهِ
قَالَ الجاحظ وَذكر لنا أَن مُوسَى الْهَادِي دخل على أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمهْدي فزجره وَقَالَ لَهُ إياك أَن تعود لمثلهَا إِلَّا أَن يفتح عَلَيْك بابك
قَالَ وَلَيْسَ لِابْنِ الْملك من الْملك إِلَّا مَا لغيره من الاستكانة والخضوع والتذلل والخشوع وَلَا لَهُ أَن يظْهر دَالَّة الْأُبُوَّة ومنزلة الْبُنُوَّة
الْأَدَب الْخَامِس أَن يرضى مِنْهُ بِمَا طَار لَهُ من السهْم من فرض الجراية ومتعود الإحسانفي أوقاته فَفِي الأفلاطونيات إِن اسْتَطَعْت أَن يرى الْملك غناك عَنهُ لَيْسَ بِأَن توهمه كَثْرَة الْجدّة وَلَكِن بِأَن تعلم أَن الْقَلِيل يُقيم أحوالك كَمَا يُقيم الْكثير أَحْوَاله فافعل فَإِنَّهُ أدوم لسلامتك عَلَيْهِ
قلت وَذَلِكَ لوَجْهَيْنِ أَحدهمَا أَن البطانة لَا ترفع فِي حوائجها إِلَّا لموجب وَرُبمَا لَا يسلم لَهَا وجوده وَإِذ ذَاك فَالْأولى بهَا القناعة بالحاصل إِلَى أَن تحظى بالمزيد مَعَ السَّلامَة كَانَ شيرويه يَقُول إِنَّمَا تعذر البطانة بِرَفْع حوائجها إِلَى الْملك عِنْد ضيقَة تكون أَو جفوة تنالهم من مُلُوكهمْ وَعند تتَابع أزمة أَو ظرف مُحدث
الثَّانِي أَن الْكِفَايَة إِذا بلغت مِنْهَا أقْصَى الْحُدُود وَهِي ترَاهَا من الْقَلِيل الَّذِي لَا يُغني فِي الْحمل حَتَّى أفصحت بِطَلَب الزِّيَادَة فَالَّذِي جرأها على ذَلِك إِنَّمَا هُوَ الشره والمنافسة
قَالَ الجاحظ وَمن ظَهرت مِنْهُ هَاتَانِ الخلتان كَانَ جَدِيرًا أَن تنْزع كِفَايَته من يَده وينقل إِلَى الطَّبَقَة الخسيسة وَيلْزم أَذْنَاب الْبَقر وحراسة الأَرْض
стр. 635
حِكَايَة ذكر عَن بعض الْأُمَرَاء أَن رجلا من نَاحيَة رفع إِلَيْهِ رقْعَة يسْأَله فِيهَا إِجْرَاء أرزاقه
فَقَالَ لَهُ كم عِيَالك فَزَاد فِي الْعدَد فَقَالَ لَهُ كذبت فَأَقَامَ سنة لَا يجترئ على كَلَامه ثمَّ رفع إِلَيْهِ رقْعَة أُخْرَى فَقَالَ لَهُ كم عِيَالك فَقَالَ لَهُ أَرْبَعَة فَقَالَ صدقت وَوَقع فِي حَاشِيَة الرقعة يجْرِي على عِيَاله كَذَا وَكَذَا
تَلْخِيص من جملَة هَذَا النَّوْع من الْآدَاب الدُّعَاء للسُّلْطَان عِنْد الدُّخُول عَلَيْهِ والإسراع بِالْقيامِ عَنهُ وَإِذا فهم أَنه يُرِيد ذَلِك التلطف فِي الشُّكْر لَهُ إِظْهَار الخفة فِي طَاعَته وَالْكِنَايَة عَن الِاسْم وَالصّفة إِذا وَافق ذَلِك اسْمه أَو صفته مجانية من سخط عَلَيْهِ خدمته على شَرط الطَّاعَة لَهُ فِي الْمَكْرُوه وَمِمَّا يُخَالف الْغَرَض التلطف فِي إِلْقَاء النَّصِيحَة غليه مسايرته عِنْد ركُوبه بِالْمحل الَّذِي لَا يضْطَر إِلَى التفاته نَحوه أَو الدُّخُول عَلَيْهِ بعد المهازلة دُخُول من لم يجر بَينهمَا شَيْء شدَّة الحذر بعد تقريبه وتمكينه حَتَّى يكون مِنْهُ على حد السنان خدمَة الْجَاهِل من الرؤساء بِاتِّبَاع رِضَاهُ والعاقل بِمَا فِيهِ إِحْرَاز الْحجَّة لَهُ وَعَلِيهِ إِظْهَار الاستهانة لَهُ بِمَا فضلت بِهِ عَلَيْهِ والتعجب بِمَا فضل بِهِ عَلَيْك إِخْرَاج القَوْل وَالْفِعْل بِحَسب مَا غلب عَلَيْهِ من خدمَة الطبيعة أَو الْعقل ادِّعَاء النَّقْص عَنهُ فِي قُوَّة غير الْقُوَّة الَّتِي ظهر لَك فِيهَا الْفضل عَلَيْهِ لتخف على قلبه مداراته بِحَسب الْإِمْكَان تعلمه وكأنك تتعلم مِنْهُ وتشير عَلَيْهِ وكأنك تستشيره
النَّوْع الثَّانِي وَهُوَ أَيْضا جملَة خِصَال يتأدب مَعَه بِتَرْكِهَا نذكرها ملخصة مَخَافَة التَّطْوِيل وَهِي إفراط الدُّعَاء لَهُ ومناداته باسمه وَرفع
стр. 636
الصَّوْت بِحَضْرَتِهِ ابْتِدَاء الحَدِيث بمجلسه إِذا كَانَ هُوَ الْمُتَكَلّم والضحك من حَدِيثه وَإِظْهَار التَّعَجُّب مِنْهُ وإعادة الحَدِيث عَلَيْهِ وَإِن طَال الْعَهْد بإلقائه عَلَيْهِ رفع الرَّأْس إِلَى حرمه رفع الْعين إِلَيْهِ إِذا دخل عَلَيْهِ وَقد كَانَ مازحه وإعلامه أَن لَهُ عَلَيْهِ حَقًا إِظْهَار أَن صَوَاب قَول أَو فعل إِنَّمَا كَانَ مِنْهُ حمله مَا يرى مِنْهُ جملَة على أَن يدْخل بَينه وَبَين أَهله وَولده أَن يرى لنَفسِهِ أَنه بِموضع سره ويعنه إِذا أصَاب مِنْهُ لطف منزلَة الانقباض عَنهُ التهالك عَلَيْهِ إِذا تغير لَهُ السُّؤَال عَن أَحْوَاله عِنْد السُّؤَال التهاون بِالْكَذِبِ بَين يَدَيْهِ على وَجه الْهزْل الْمُبَادرَة بِالْجَوَابِ إِذا سَأَلَ غَيره أَن يسَار بمجلسه أحدا أَو يُومِئ إِلَيْهِ بالغمز الإلحاح عَلَيْهِ فِي الْمَسْأَلَة استبطاؤه إِذا سَأَلَهُ إِضْمَار العتب عَلَيْهِ مَخَافَة أَن يَبْدُو على وَجهه مكابرته فِي التَّحَوُّل عَمَّا يحب أَو يكره التملق لَهُ فِي كل سَاعَة إِذا نزل مِنْهُ منزلَة أمره استيحاشه من إكرامه للأشرار لأجل الْحَاجة إِلَيْهِم الْإِكْثَار من غشيانه أَو الصعُود عِنْده إِظْهَار شرف نَفسه إِذا فضل عَلَيْهِ غَيره معاداة أحد من حرمه كَمَا قيل
стр. 637
(لَيْسَ الشَّفِيع الَّذِي يَأْتِيك مئتزرا ... مثل الشَّفِيع الَّذِي يَأْتِيك عُريَانا)
خَاتِمَة إِفَادَة
من مستحسن مَا ورد فِي هَذَا النَّوْع فِي معرض الْوَصِيَّة بِهِ لمصاحب الْأُمَرَاء معينا أَو مُفِيدا وصيتان
الْوَصِيَّة الأولى مَا رَوَاهُ الشّعبِيّ عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ قَالَ لي أبي أَنِّي أرى هَذَا الرجل يَعْنِي عمر بن الْخطاب ﵁ يستفهمك ويقدمك على الأكابر من أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ وَإِنِّي مُوصِيك بخلال أَربع لَا تفشين لَهُ سرا وَلَا يجزين عَلَيْك كذبا وَلَا تطو عَنهُ نصيحة وَلَا تغتابن عِنْده أحدا قَالَ الشّعبِيّ فَقلت لِابْنِ عَبَّاس كل وَاحِدَة خير من ألف قَالَ أَي وَالله خير من عشرَة آلَاف
الْوَصِيَّة الثَّانِيَة قَالَ الْأَصْمَعِي قَالَ لي الرشيد أول يَوْم عزم فِيهِ على تأنيسي يَا عبد الْملك أَنْت أحفظنا وَنحن اعقل مِنْك لَا تعلمنا فِي
стр. 638
مَلأ وَلَا تسرع إِلَى تدبيرنا فِي خلا واتركنا حَتَّى نبتديك بالسؤال فَإِذا بلغت من الْجَواب قدر اسْتِحْقَاقه فَلَا تزد وَإِيَّاك والبدار إِلَى تصديقنا وَشدَّة الْعجب بِمَا يكون منا وَعلمنَا من الْعلم مَا نحتاج إِلَيْهِ على عتبات المنابر وَفِي فواصل المخاطبات وَدعنَا من رِوَايَة وَحشِي الْكَلَام وَمن غرائب الْأَشْعَار وَإِيَّاك وإطالة الحَدِيث إِلَى أَن نستدعي ذَلِك مِنْك وَمَتى رايتنا صادين عَن الْحق فأرجعنا غليه من غير تَعْزِير بالْخَطَأ وَلَا الإضجار بطول الترداد قَالَ الْأَصْمَعِي فَقلت لَهُ أَنا إِلَى حفظ هَذَا الْكَلَام أحْوج مني إِلَى كثير من الْبر
стр. 639
الْبَاب الثَّانِي
فِي وَاجِبَات مَا يلْزم السُّلْطَان سياسة الْقيام بهَا وَفَاء بعهدة مَا تحمله وطولب مِنْهُ وَالْمَذْكُور مِنْهَا جملَة
الْوَاجِب الأول حفظ أصُول الدّين وَقد تقدم مَا يَتَّضِح بِهِ أَن ذَلِك هُوَ الْمَقْصُود الْأَعْظَم من السُّلْطَان وَالْغَرَض الْآن تَفْصِيل بعض مَا يكون بِهِ هَذَا النَّوْع من الْحِفْظ مَتى ظهر مُبْتَدع أَو منجم زائغ وفرضه فِي مسَائِل
الْمَسْأَلَة الأولى الْقيام على المبتدع فِي الدّين بِمَا يكفه عَن ضلال بدعته من نَاحيَة الْوُلَاة وَغَيرهم وعَلى حِسَاب موقع الْبِدْعَة فِي الْمُخَالفَة يظْهر بِأَحْكَام مُتَفَاوِتَة الطّلب بِاعْتِبَار ذَلِك الْموقع تجْرِي عَلَيْهِ إرشادا أَو نكالا
أَحدهَا التَّعْلِيم وَإِقَامَة الْحجَّة كَمَا وَقع لِابْنِ عَبَّاس ﵄ مَعَ الْخَوَارِج حِين ذهب إِلَيْهِم مناظرا ومرشدا حَتَّى رَجَعَ مِنْهُم أَلفَانِ أَو ثَلَاثَة آلَاف ولعمر بن عبد الْعَزِيز ﵁ مَعَ غيلَان القدري
стр. 640
الثَّانِي الهجران بترك الْكَلَام وَالسَّلَام كَمَا وَردت الْوَصِيَّة بذلك عَن غير وَاحِد من السّلف كَقَوْلِهِم إِذا ألفيت صَاحب بِدعَة فِي طَرِيق فَخذ فِي طَرِيق آخر وَقَوْلهمْ من جلس إِلَى صَاحب بِدعَة نزعت مِنْهُ الْعِصْمَة
الثَّالِث التَّغْرِيب كَفعل عمر ﵁ بصبيغ حِين سَأَلَ عَن المشكلات على غير طَرِيق الِاتِّبَاع لنهج الصِّرَاط السوي حَتَّى أدْركهُ شؤمه النكال بذلك فَبَقيَ بَين قومه خاملا حَتَّى هلك بعد أَن كَانَ سيدهم
الرَّابِع الضجر قَالَ الشَّيْخ الإِمَام أَبُو إِسْحَق الشاطبي كَمَا سجنوا الحلاج قبل قَتله بسنين عدَّة
قلت وَبعد ذَلِك كَانَ قَتله بفتوى فُقَهَاء ذَلِك الْعَصْر
الْخَامِس ذكره بِمَا هُوَ عَلَيْهِ تحذيرا مِنْهُ وتنفيرا بِشَرْط أَن لَا يتَعَدَّى فِيهِ الصدْق فَلَا يفترى عَلَيْهِ مَا لم يفعل وَأَن لَا يتَجَاوَز إِلَى ذكر معايبه الخلقية أَو شَرّ كَانَ فِي أَبِيه أَو أمه لِأَن مَا وَرَاء الْمُحْتَاج إِلَيْهِ بَاقٍ على التَّحْرِيم
стр. 641
السَّادِس الْقِتَال إِذا ناصبوا الْمُسلمين بِالْحَرْبِ وَخَرجُوا عَلَيْهِم بِالسَّيْفِ والسنان كَمَا فعله عَليّ ﵁ وَغَيره من الْخُلَفَاء الرَّاشِدين وأحكامهم فِي ذَلِك مُخَالفَة فِي أُمُور لقِتَال الْكفَّار وَهِي مقررة فِي موَاضعهَا
السَّابِع الْقَتْل إِذا عثر عَلَيْهِ وَلَا يَخْلُو إِذْ ذَاك أَن يظْهر بدعته أَو يسْتَتر بهَا فَإِن أظهرها وَلم يرجع عَنْهَا قتل بعد استتابته وَإِن استتر بهَا وَكَانَت كفرا أَو تؤول إِلَيْهِ قتل دون استتابته وَهُوَ
الثَّامِن قَالُوا لِأَنَّهُ فِي حكم الزنديق الْمَقْتُول عِنْد العثور عَلَيْهِ دون اسْتِتَابَة وَعند جمَاعَة لَا بُد من استتابته قَالَ ابْن زرقون وَبِه أفتى ابْن لبَابَة
التَّاسِع تَكْفِير من قَامَ الدَّلِيل على تكفيره إِمَّا لصراحة الْبِدْعَة بالْكفْر كالإباحة وَالْقَوْل بالحلول وَالِاخْتِيَار لتكفير مَا يؤول مِنْهَا إِلَى الْكفْر كَمَا ذهب إِلَيْهِ القَاضِي أَبُو بكر فِي جملَة من الْفرق
الْعَاشِر وَهُوَ مَبْنِيّ على ذَلِك أَن لَا يرثهم ورثتهم من الْمُسلمين وَلَا يرثوا أحدا مِنْهُم وَلَا يغسلون إِذا مَاتُوا وَلَا يدفنوا فِي مَقَابِر الْمُسلمين قَالَ
стр. 642
الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق الشاطبي وَلَا الْمُسْتَتر فَإِنَّهُ يحكم لَهُ بِحكم الْكَافرين وورثته أعرف بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمِيرَاث
الْحَادِي عشر الْأَمر بِأَن لَا يناكحوا تَأْكِيدًا للهجران وَعدم المواصلة
قلت وَلما يَتَّقِي على وَلَده من سيران الْبِدْعَة إِلَيْهِ خُصُوصا بعد مَوته وتخلفه فِي حضَانَة نِسَائِهِم أَشَارَ إِلَيْهِ الشَّيْخ أَبُو حَفْص الْعَطَّار فِيمَا حَكَاهُ الْبُرْزُليّ
الثَّانِي عشر تجريمهم على الْجُمْلَة قَالَ الشَّيْخ أَبُو إِسْحَق الشاطبي فَلَا تقبل شَهَادَتهم وَلَا روايتهم وَلَا يكونُونَ وُلَاة قُضَاة وَلَا ينصبون فِي مناصب الْعَدَالَة من إِمَامَة وخطابة قَالَ إِلَّا أَنه قد ثَبت عَن جملَة من السّلف رِوَايَة عَن جمَاعَة مِنْهُم وَاخْتلفُوا فِي الصَّلَاة خَلفهم من بَاب الْأَدَب ليرجعوا عَمَّا هم عَلَيْهِ
الثَّالِث عشر ترك عِيَادَة مرضاهم زجرا وعقوبة
قلت لِأَن عيادته من بَاب التوقير لَهُم وَقد ورد من أَتَى صَاحب بِدعَة ليوقره أعَان على هدم الْإِسْلَام وروى مَرْفُوعا وَهُوَ ظَاهر الْمَعْنى
الرَّابِع عشر ترك شُهُود جنائزهم إهانة لَهُم وإذلالا قَالَ فِي الْمُدَوَّنَة وَلَا يسلم على أهل الْبدع وَلَا يناكحون وَلَا يُصَلِّي خَلفهم جُمُعَة وَلَا غَيرهَا وَلَا تشهد جنائزهم
الْخَامِس عشر ضَربهمْ كَمَا فعل عمر ﵁ بصيغ وَعَن مَالك فِي الْقَائِل بِخلق الْقُرْآن أَن يوجع ضربا ويسجن حَتَّى يَتُوب
وَعَن الشَّافِعِي حكمي فِي أَصْحَاب الْكَلَام أَن يضْربُوا بِالْجَرِيدِ ويجملوا
стр. 643
على الْإِبِل وَيُطَاف بهم فِي العشائر والقبائل وَيُقَال هَذَا جُزْء من ترك الْكتاب وَالسّنة وَأخذ فِي الْكَلَام قَالَ الْأَئِمَّة وعني بذلك أهل الْبدع
لأمر نصر السّنة بذلك
الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة ركون المبتدع إِلَى الْوُلَاة من أعظم مَا يخل بِهَذَا الْحِفْظ لأمرين أَحدهمَا مَا فِيهِ من الإخافة لمن أَبى من الْإِجَابَة لَهُ سجنا وَضَربا وقتلا كَمَا وَقع لبشر المريسي بِعَهْد الْمَأْمُون وَلأَحْمَد بن أبي دَاوُد فِي أَيَّام الواثق وَفِي الْوَاقِع من ذَلِك نَظَائِر
الثَّانِي مَا ينشأ عَن ذَلِك من كَثْرَة المجيبين للدعوة لِأَن سوق أَكثر النُّفُوس لما يُرَاد مِنْهَا بوازع السُّلْطَان أمكن مِمَّا هُوَ بِمُجَرَّد الْبَاعِث الديني وَعند ذَلِك فَيجب على وُلَاة الْأَمر إبعاد هَذَا الصِّنْف المشؤوم وإسلامهم لإجراء
стр. 644
أَحْكَام السّنة عَلَيْهِم مَخَافَة الْفِتْنَة بهم أَولا وَإِدْخَال الضَّرَر بهم على الدّين ثَانِيًا
تَعْرِيف من عصمَة الْقيام بِهَذَا الْوَاجِب من وصمة الْإِخْلَال بِهِ مَا وَقع بِعَهْد أَمِير الْمُسلمين الْغَالِب بِاللَّه ابْن نصر أَيّدهُم الله فِي قَضِيَّة الْمَعْرُوف بالفزاري الظَّاهِر بمالقة أَيَّام المتغلب عَلَيْهَا إِذْ ذَاك من رُؤَسَاء بني إشقيلولة مُلَخصا من كَلَام الشَّيْخ ابْن الْخَطِيب أَن هَذَا الشقي لتناهي الْفِتْنَة بِهِ إِلَى أَن تخطى مُوجب ذَلِك إِلَى أَن ادّعى النُّبُوَّة كَانَ قد استهوى هَذَا الرئيس وتببعه لذَلِك ثاغية وراغية من الْعَوام الصم الْبكم مستبصرين فِيهِ جِنَايَة وَبعد زمَان من قَتله على يَد الْأُسْتَاذ أبي جَعْفَر بن الزبير بغرناطة وَذَلِكَ عِنْد إدالة الدولة بمالقة إِلَى أَمِير الْمُسلمين أبي عبد الله بن نصر وَتمكن الْأُسْتَاذ من الْمُطَالبَة لَهُ والاستظهار عَلَيْهِ بالشهادات
стр. 645
قلت ففاز هَذَا السُّلْطَان ﵀ بمنقبة هَذَا الْوَاجِب فِي مثل هَذَا الدَّجَّال الْمفْتُون بِهِ من عميت عَلَيْهِ مراشده
نادرة فَائِدَة قَالَ الشَّيْخ ابْن الْخَطِيب حَدثنِي شَيخنَا أَبُو الْحسن بن الجياب قَالَ لما أَمر بالتأهب يَوْم قَتله وَهُوَ فِي السجْن الَّذِي اخْرُج مِنْهُ إِلَى مصرعه جهر بِتِلَاوَة سُورَة يسن فَقَالَ لَهُ أحد الزعرة مِمَّن جمع السجْن بَينهمَا اقْرَأ قراءتك لأي شَيْء تتطفل على قراءتنا الْيَوْم وَمَا فِي معنى هَذَا فَتَركهَا مثلا للوذعيته
الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة مَا يتَأَكَّد على السُّلْطَان أَن يمْنَع مِنْهُ مُنكرَات من الفضول المخلة برعاية هَذَا الْحِفْظ وَأَعْظَمهَا مُنْكرا
الْمُنكر الأول الكهانة وَمَا فِي مَعْنَاهَا وَقد تقدم وَعِيد التَّلَبُّس بهَا شرعا وعَلى فرض عدم الذكرى بِهِ كَمَا عِنْد غير المتشرعين فقد شهدُوا بِضَرَر إِبَاحَة السَّمْح فِيهَا لآحاد الرّعية فَفِي العهود اليونانية لَا تطلق لأحد أَن يتكهن فِي مملكتك وَلَا يَدعِي علم شَيْء مِمَّا هُوَ كَائِن فَإِن ذَلِك يبْعَث سوء القَوْل فِي أيامك وَيُطلق السّنة المرجفين بك
الْمُنكر الثَّانِي الْجِدَال غير الْمَحْمُود لأمرين
أَحدهمَا مصير من اشْتغل بِهِ إِلَى الضلال بعد الْهوى فَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ مَا ضل قوم بعد هدى إِلَّا أَتَوا الْجِدَال ثمَّ قَرَأَ مَا ضربوه لَك إِلَّا جدلا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن صَحِيح
стр. 646
الثَّانِي مآله للتفكير المفضي للتقاتل بِالسَّيْفِ والسنان فَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ ﵁ قَالَ كُنَّا جُلُوسًا عِنْد رَسُول الله ﷺ تتذاكر ينْزع هَذَا بِآيَة وَينْزع هَذَا بِآيَة فَخرج علينا رَسُول الله ﷺ كَأَنَّمَا يفقأ فِي وَجهه حب الرُّمَّان فَقَالَ يَا هَؤُلَاءِ بِهَذَا بعثتم أم بِهَذَا أمرْتُم لَا ترجعوا بعدِي كفَّارًا يضْرب بَعْضكُم رِقَاب بعض
مُطَابقَة فِي العهود اليونانية لَا تطلق الْجِدَال إِلَّا لمن اسْتحق الْفتيا فِيمَا جادل عَلَيْهِ من مَنْفَعَة فِي دين أَو عَالم بصناعة قد استقرى خواصها وناضل عَلَيْهَا بمعرفته بهَا فَإِن من قصد لمعارضة دين أَو إِفْسَاد مَعَاني علم من الْعُلُوم من غير خدمَة لَهُ وطالب بالأدلة مَا يعجز عَن نصرته ومرتبة التَّصْدِيق بِهِ فأذقه من بأسك مَا يردعه عَن سوء الْخَوْض فَإِنَّهُ يفْسد عَلَيْك النشأ ويحيل الْأَحْدَاث عَن خدمَة الْأَدْيَان والعلوم والمعايش وَيُرِيهمْ أَنه قد أعتقهم من رق الزلل وَإِنَّمَا تعبدهم للشكوك وحرمهم الارتياض بِمَا يسْتَمر عائده وَهُوَ من اضر مَا فِي مملكتك وأسوأهم أثرا فِي من أصغى إِلَيْهِ
الْوَاجِب الثَّانِي تَنْفِيذ الْأَحْكَام بَين المتشاجرين وَقطع الْخِصَام بَين المتنازعين قَالَ الْمَاوَرْدِيّ حَتَّى تعم النصفة فَلَا يتَعَدَّى ظَالِم وَلَا يضعف مظلوم
стр. 647
قلت وَهنا للنَّظَر الْكُلِّي طرفان أَحدهمَا فِيمَا يسوغ لَهُ فِي هَذَا الْمقَام رعيا للسياسة الْمُعْتَبرَة
الثَّانِي فِيمَا لَا يسوغ لَهُ مِمَّا لَا يعْتَبر من السياسة وَقبل ذَلِك فَهُنَا مقدمتان فِي تَنْبِيه
الْمُقدمَة الأولى أَن الْمَاوَرْدِيّ وَتَبعهُ الْقَرَافِيّ فِي النَّقْل عَنهُ فرضا مَا يذكر فِي الطّرف الأول بِاعْتِبَار صَاحب الْمَظَالِم وَصَاحب الجرائم وقصدنا ذكر ذَلِك من حَيْثُ هِيَ أَحْكَام سلطانية من غير تنزل لتِلْك الخطط لذهاب رسمها إِلَّا مَا كَانَ من خطة الشرطة حَسْبَمَا تقدم
الْمُقدمَة الثَّانِيَة انهما خصا ذَلِك بالسلطان دون القَاضِي كَأَنَّهُمَا يقصران النّظر السياسي وَإِن شهد لَهُم الشره بِالِاعْتِبَارِ على السُّلْطَان فَقَط وَإِن القَاضِي بمعزل عَن الْمُشَاركَة فِي ذَلِك وَابْن فَرِحُونَ قد نبه فِي كثير مِنْهَا على أَن القَاضِي لَهُ مُشَاركَة فِي ذَلِك لَا يخرج بهَا عَن مَوْضُوع خطته حَسْبَمَا يذكر عَنهُ إِن شَاءَ الله
الطّرف الأول فِي مَا يسوغ للسُّلْطَان فِي هَذَا الْمقَام وَفِيه مَسْأَلَتَانِ
الْمَسْأَلَة الأولى مَا جلبه الْمَاوَرْدِيّ فِي ذَلِك وَتَبعهُ الْقَرَافِيّ مَخْصُوصًا بِصَاحِب الْمَظَالِم وَهُوَ أُمُور
أَحدهمَا أَن لَهُ من الْقُوَّة والهيبة مَا لَيْسَ للقضاة
قلت لَا سِيمَا عِنْد مصير الْخُرُوج عَن عصبية الدولة والبعد عَن ولايتها بالنصرة والحماية إِلَى الضعْف الَّذِي تقدّمت الْإِشَارَة إِلَيْهِ عَن ابْن خلدون وَحَتَّى فِي وُلَاة خططها السُّلْطَانِيَّة فهم لذَلِك أقوى من الْقُضَاة وأهيب كَمَا فَرْضه الْمَاوَرْدِيّ وَمَعَ ذَلِك فَلَا يدْفع القَاضِي فِي الْجُمْلَة عَن تِلْكَ الخصوصية
стр. 648
فقد قَالَ سَحْنُون يَنْبَغِي للْقَاضِي أَن يشْتَد حَتَّى يستنطق الْحق وَلَا يدع من حق الله شَيْئا وَلَا يلين فِي غير ضعف نَقله ابْن بطال فِي مقنعه قَالَ ابْن فَرِحُونَ وَهَذَا نَص فِي اسْتِعْمَال الْقُوَّة والهيبة
الثَّانِي أَنه أفسح مجالا وأوسع مقَاما
قلت لوُجُود الْمُقْتَضى لذَلِك حسب مَا تقدم لتنبيه على مثله مرَارًا وللقاضي مِنْهُ حَظّ وافر كَمَا لَا يخفى
الثَّالِث مَا لَهُ من اسْتِعْمَال الإرهاب وكشف الْأُمُور بالإمارات الدَّالَّة وشواهد الْحَال اللائحة مِمَّا يُؤَدِّي إِلَى ظُهُور الْحق
قَالَ ابْن فَرِحُونَ وللقاضي أَن يَأْخُذ بالإمارات والقرائن فِي وُجُوه كَثِيرَة قَالَ وَقد نقل ابْن قيم الجوزية أَن مَالِكًا رَحمَه الله تَعَالَى ذهب إِلَى التَّوَصُّل بِالْإِقْرَارِ بِالْحَقِّ بِمَا يرَاهُ الْحَاكِم استنادا لقَوْله تَعَالَى ﴿إِن كَانَ قَمِيصه قد من قبل﴾ الْآيَة
الرَّابِع أَنه يُقَابل من ظهر ظلمه بالتأديب
قَالَ ابْن فَرِحُونَ وَهُوَ الْمَذْهَب كتأديب أحد الْخَصْمَيْنِ إِذا آذَى صَاحبه أَو الشُّهُود
стр. 649
وَلابْن سهل أَن الْمُدَّعِي إِذا انْكَشَفَ للْحَاكِم انه مُبْطل فِي دَعْوَاهُ فَإِنَّهُ يؤدبه واقل ذَلِك الْحَبْس ليندفع بذلك أهل الْبَاطِل واللدد عَن ذَلِك
الْخَامِس أَنه يتأنى فِي تردد الْخُصُوم عِنْد اللّبْس ليمعن فِي الْكَشْف بِخِلَاف الْقُضَاة إِذا سَأَلَهُمْ أحد الْخَصْمَيْنِ فصل الحكم لَا يُؤَخر
قَالَ ابْن فَرِحُونَ وَهَذَا هُوَ الْمَذْهَب كَمَا ذكره فِي آدَاب القَاضِي وَمِنْه إِذا طَال الْخِصَام فِي أَمر وَكثر التشغيب فِيهِ لَا بَأْس لَهُ أَن يخرق كتبهمْ إِذا رجا فِي ذَلِك تقَارب الْأَمر وَيفْسخ مَا بأيدهم من الْحجَج وَيَأْمُرهُمْ بإبداء الْخُصُومَة وَهُوَ فِي الْمُتَيْطِيَّة وَغَيرهَا
السَّادِس أَن لَهُ رد الْخُصُوم إِذا أعضلوا إِلَى وَاسِطَة الْأُمَنَاء ليفصل بَينهم صلحا عَن ترَاض وَلَيْسَ ذَلِك للْقَاضِي إِلَّا برضى الْخَصْمَيْنِ
قَالَ ابْن فَرِحُونَ وقواعد الْمَذْهَب ومسائله تَقْتَضِي ذَلِك فقد ذكر فِي آدَاب القَاضِي انه إِذا خشِي تفاقم الْأَمر بإنقاذ الحكم بَين الْخَصْمَيْنِ أَو كَانَا من أهل الْفضل أَو بَينهمَا رحم أَو وَلَاء بَينهمَا أقامهما وَأَمرهمَا بِالصُّلْحِ وَقد أَقَامَ سَحْنُون رجلَيْنِ من صالحي جِيرَانه من بَين يَدَيْهِ وَقَالَ استرا على أنفسكما وَلَا تطلعاني على سركما قَالَ وَلَا بُد فِي هَذَا كُله من الوسائط
وَقد قَالَ عمر ﵁ رددوا الْقَضَاء بَين ذَوي الْأَرْحَام حَتَّى يصطلحوا فَإِن فعل الْقَضَاء يُورث الضغائن
стр. 650
السَّابِع أَن لَهُ أَن يقم فِي مُلَازمَة الْخَصْمَيْنِ إِذا وضحت إمارات التجاحد وبادر فِي إِلْزَام الْكفَالَة فِيمَا يشرع فِيهِ تكفل لينقاد الْخُصُوم إِلَى التناصف ويتركوا التجاحد بِخِلَاف الْقُضَاة
قَالَ ابْن فَرِحُونَ وَعِنْدنَا أَنه يؤدبهما على ذَلِك
قلت وَهُوَ أعرف فِي السياسة وأجدى على نهج التَّقْوِيم بهَا
الثَّامِن أَنه يستمع شَهَادَة المستورين بخلافهم
قَالَ ابْن فَرِحُونَ وَالْمذهب أَن القَاضِي يسمع أَيْضا فِي مَوَاضِع عديدة كَمَا فِي الْقَضَاء بِشَهَادَة التوسم وبشهادة غير الْعُدُول للضَّرُورَة
التَّاسِع انه يحلف الشُّهُود أَن ارتاب فيهم بِخِلَاف الْقُضَاة
قَالَ ابْن فَرِحُونَ وَقد فعله ابْن بشير قَاضِي الْجَمَاعَة بقرطبة
وروى عَن ابْن وضاح أَنه قَالَ أرى لفساد الزَّمَان أَن يحلف الْحَاكِم الشُّهُود قَالَ وَابْن وضاح مِمَّن أَخذ عَن سَحْنُون
стр. 651
الْعَاشِر أَن لَهُ أَن يبْدَأ باستدعاء الشُّهُود ويسألهم عَمَّا عِنْدهم فِي الْقَضِيَّة بِخِلَاف الْقُضَاة لَا يسمعُونَ الْبَيِّنَة حَتَّى يُرِيد الْمُدَّعِي إحضارها وَلَا يسمعونها إِلَّا بعد مَسْأَلَة الْمُدَّعِي لسماعها
قَالَ ابْن فَرِحُونَ وَعِنْدنَا أَن للْقَاضِي أَن يفعل ذَلِك فِي مَوَاطِن
قَالَ فَتحصل من هَذَا أَن مَا ذكره الْقَرَافِيّ لَيْسَ هُوَ مَذْهَب مَالك رَحمَه الله تَعَالَى
الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة مَا جعله من ذَلِك مَنُوطًا بوالي الجرائم وَهُوَ أُمُور
أَحدهَا سَماع قذف الْمُتَّهم من أعوان الْإِمَارَة فِي غير تَحْقِيق الدَّعْوَى الْمُعْتَبرَة وَيرجع إِلَى قَوْلهم هَل هُوَ من أهل هَذِه التُّهْمَة أم لَا فَإِن نزهوه أطلقهُ أَو قَذَفُوهُ بَالغ فِي الْكَشْف بِخِلَاف الْقُضَاة
قَالَ ابْن فَرِحُونَ وَقد استحبوا للْقَاضِي أَن يتَّخذ كاشفا قد ارْتَضَاهُ يكْشف عَن أَحْوَال الشُّهُود فِي السِّرّ وَيقبل مِنْهُ مَا نقل إِلَيْهِ وَقَالُوا يَنْبَغِي أَن يستبطن أهل الدّين وَالْأَمَانَة وَالْعَدَالَة ليستعين بهم على مَا هُوَ بسبيله ويقوى بهم على التَّوَصُّل إِلَى مَا ينوبه وأجازوا التجريح فِي السِّرّ بِالْوَاحِدِ الْعدْل وَهُوَ نَحْو مَا ذكره من أعوان الْإِمَارَة
الثَّانِي أَنه يُرَاعِي شَوَاهِد الْحَال وأوصاف الْمُتَّهم فِي قُوَّة التُّهْمَة وضعفها بِأَن يكون الْمُتَّهم بِالنسَاء متصنعا لَهُنَّ فتقوى التُّهْمَة أَو مُتَّهمًا بِالسَّرقَةِ وَفِيه اثر ضرب مَعَ قُوَّة بدن وَهُوَ من أهل الدعارة فتقوى أَولا يكون شَيْء من ذَلِك فتخف وَلَيْسَ ذَلِك للقضاة
стр. 652
قَالَ ابْن فَرِحُونَ وَعِنْدنَا يجوز للْقَاضِي مُرَاعَاة شَاهد الْحَال
الثَّالِثَة تَعْجِيل حبس الْمُتَّهم للاستبراء والكشف ومدته شهر أَو حسب مَا يرَاهُ بِخِلَاف الْقُضَاة قَالَ ابْن فَرِحُونَ وَذَلِكَ أَيْضا للْقَاضِي
ثمَّ ذكر عَن ابْن سهل فِي قَضِيَّة الرَّامِي بِالدَّمِ من غير حُضُور بَيِّنَة أَن الْمُتَّهم بِهِ يحبس من خَمْسَة عشر يَوْمًا إِلَى ثَلَاثِينَ يَوْمًا وَغير الْمُتَّهم يحبس كاليومين وَالثَّلَاثَة وَنَحْوهَا ثمَّ إِن أَتَى طَالب الدَّم فِي دَاخل الْمدَّة بِسَبَب قوي وَجَبت الزِّيَادَة فِي حَبسه بِقدر مَا يرَاهُ
الرَّابِع أَنه يجوز لَهُ مَعَ قُوَّة التُّهْمَة ضرب المتهوم ضرب تَقْرِير ليصدق فَإِن أقرّ وَهُوَ مَضْرُوب لِيُقِر لم يعْتَبر إِقْرَاره تَحت الضَّرْب وَإِن كَانَ ليصدق عَن حَاله قطع ضربه واستعاد إِقْرَاره
فَإِن أقرّ بِخِلَاف الْإِقْرَار الأول أَخذه بِالثَّانِي وَيجوز الْعَمَل بِالْإِقْرَارِ الأول مَعَ كَرَاهَة وَلَيْسَ ذَلِك للقضاة
قَالَ ابْن فَرِحُونَ وَذَلِكَ عندنَا يجوز للْقَاضِي تعاطيه فِي الدعاوي على أهل التهم والعدوان لَكِن لَا يخرجهم ذَلِك عَن صفة الضَّرْب الْمَحْدُود وَلَا يعاقبهم بِغَيْر الْعُقُوبَات الشَّرْعِيَّة
الْخَامِس أَن لَهُ فِيمَن تَكَرَّرت مِنْهُ الجرائم وَلم ينزجر بالحدود اسْتِدَامَة حَبسه إِذا أضرّ بِالنَّاسِ فِي جرائمه حَتَّى يَمُوت ويقوته ويكسوه من بَيت المَال بِخِلَاف الْقُضَاة
стр. 653
قَالَ ابْن فَرِحُونَ وَذَلِكَ مِمَّا يَفْعَله القَاضِي وَذكر من ذَلِك عَن ابْن سهل أَن من شهد فِيهِ انه من أهل الْفساد والتعدي وَجب عَلَيْهِ الْأَدَب الموجع وَالْحَبْس الطَّوِيل
قَالَ فَإِن الإغلاظ على أهل الشَّرّ وَالْأَخْذ على أَيْديهم مِمَّا يصلح الله بِهِ الْعباد والبلاد
السَّادِس أَن لَهُ تَحْلِيف الْمُتَّهم للاختبار حَاله ويغلظ عَلَيْهِ الْكَشْف ويحلفه بِالطَّلَاق وَالْعتاق وَالصَّدَََقَة كَإِيمَانِ بيعَة السُّلْطَان وَلَا يحلف قَاض أحدا فِي غير حق وَلَا يحلف إِلَّا بِالْيَمِينِ بِاللَّه
قَالَ ابْن فَرِحُونَ وللقاضي أَن يحلف الْمُتَّهم وَهُوَ مَشْهُور وَأما الْيَمين بِالطَّلَاق فَإِنَّمَا ذكروها فِي الْوَالِي يَأْخُذ الشَّارِب فيحلفه بِالطَّلَاق مكْرها على أَلا يشرب الْخمر وَلَا يفسق وان لَا يغش فِي عمله وَلَا يتلَقَّى الركْبَان وَفِي الْوَالِد أَن يحلف وَلَده مكْرها لَهُ على الْيَمين تأديبا لَهُ قَالَ وألزموا الْحَالِف الْيَمين وَإِن أكره عَلَيْهَا
قَالَ وَكَانَ ابْن عَاصِم محتسبا بالأندلس وَكَانَ يحلف بِالطَّلَاق تَغْلِيظًا بِهِ
قَالَ ابْن وضاح وَذكرت ذَلِك لسَحْنُون فَقَالَ من أَيْن أَخذ ذَلِك فَقلت لَهُ من الْأَثر الْمَرْوِيّ عَن عمر بن عبد الْعَزِيز ﵁ تحدث للنَّاس أقضية يقدر مَا أَحْدَثُوا من الْفُجُور فَقَالَ سَحْنُون مثل ابْن عَاصِم يتَأَوَّل هَذَا تَعْظِيمًا لشأن ابْن عَاصِم لِأَنَّهُ مِمَّن أَخذ عَن ابْن الْقَاسِم
قلت وَعَن الشَّيْخ ابْن مهْدي الوانوغي من أَصْحَاب
стр. 654
ابْن عَرَفَة أَنه كَلَام يحْتَمل الْمَدْح والذم ذكره فِي تَعْلِيقه على الْمُدَوَّنَة
السَّابِع أَن لَهُ أَخذ المجرم بِالتَّوْبَةِ قهرا وَيظْهر لَهُ من الْوَعيد مَا يَقُودهُ إِلَيْهِ طَوْعًا ويتوعده بِالْقَتْلِ فِيمَا لَا يجب فِيهِ لِأَنَّهُ إرهاب لَا تَحْقِيق وَيجوز أَن يحققه بالدب فَقَط بِخِلَاف الْقُضَاة
قَالَ ابْن فَرِحُونَ وَلم أَقف عَلَيْهِ فِي حق القَاضِي
الثَّامِن أَن لَهُ سَماع شَهَادَة أهل المهن إِذا كثر عَددهمْ وَلَا يسمعهم القَاضِي
قَالَ ابْن فَرِحُونَ وللقاضي ذَلِك عِنْد الضَّرُورَة
التَّاسِع أَن لَهُ النّظر فِي المواثبات وَإِن لم يُوجب غرما وَلَا حدا ثمَّ إِن لم يكن بِوَاحِد مِنْهُمَا أثر سمع قَول السَّابِق فِي الدَّعْوَى وَإِن كَانَ بِأَحَدِهِمَا اثر فَقيل يبْدَأ بِسَمَاع دَعْوَى ذِي الْأَثر
وَقَالَ الْأَكْثَرُونَ يبْدَأ بِسَمَاع السَّابِق والمبتدي بالمواثبة اعظم جرما وتأديبا وَيخْتَلف تأديبهما باختلافهما بالجرم وباختلافهما بالهيئة
قَالَ ابْن فَرِحُونَ ومسائل الْمَذْهَب تَقْتَضِي أَن للْقَاضِي ذَلِك
قَالَ وعَلى الْجُمْلَة فقد قَالَ أَبُو إِسْحَاق ابْن الْأمين للْقَاضِي النّظر فِي جَمِيع الْأَشْيَاء إِلَّا فِي قبض الْخراج وَاخْتلف هَل لَهُ قبض أَمْوَال الصَّدقَات وصرفها فِي مستحقها إِذا لم يحضر نَاظر أم لَا
стр. 655
قلت وَإِلَّا مَا أخرج عَن نظره بِحكم النَّص أَو الْعَادة كَمَا تقدم عَن ابْن قيم الجوزية
الطّرف الثَّانِي فِيمَا لَا يسوغ لَهُ مِمَّا لَا يعْتَبر من السياسة وَمن ذَلِك الحكم بالفراسة
قَالَ ابْن الْعَرَبِيّ الفراسة لَا يَتَرَتَّب عَلَيْهَا حكم وَقد كَانَ قَاضِي الْقُضَاة الشَّامي الْمَالِكِي بِبَغْدَاد أَيَّام كَونه بِالشَّام يحكم بالفراسة جَريا على طَرِيق القَاضِي إِيَاس بن مُعَاوِيَة وَقد كَانَ إِيَاس قَاضِيا فِي أَيَّام عمر بن عبد الْعَزِيز وَله أَحْكَام كَثِيرَة بطرِيق الفراسة
قَالَ وَكَانَ شَيخنَا فَخر الْإِسْلَام أَبُو بكر الشَّاشِي صنف جُزْءا فِي الرَّد عَلَيْهِ كتبه لي بِخَطِّهِ وأعطانيه
قَالَ وَذَلِكَ صَحِيح فَإِن مدارك الْأَحْكَام مَعْلُومَة شرعا مدركة قطعا وَلَيْسَت الفراسة مِنْهَا انْتهى
قَالَ ابْن فَرِحُونَ فَالْحكم بهَا مثل الحكم بالحزر والتخمين وَذَلِكَ فسق وجور من الْحَاكِم وَالظَّن يُخطئ ويصيب وَإِنَّمَا أجيزت شَهَادَة الوسم فِي مَحل مَخْصُوص بِالضَّرُورَةِ
стр. 656
قلت فِي قَوَاعِد الْمقري يمْنَع فِي حكم الدّين اعْتِمَاد الحزر والتخمين
وَمن ثمَّ منع الحكم بالنجوم والفأل وَإِن كَانَ يُعجبهُ الْحسن مِنْهُ ﷺ وَكَذَلِكَ الزّجر والرمل والفراسة وَإِن كَانَت الفراسة من صِفَات الْمُؤمن وَفِي التَّنْزِيل ﴿إِن فِي ذَلِك لآيَات للمتوسمين﴾
قَالَ وينقض الحكم بذلك وَإِن وَافق الْحق لفساد مبناه
قَالَ وَكره الْمَالِكِيَّة أَن يكون القَاضِي داهية كَذَلِك وغن استحسنوا أَن يكون ذكيا فطنا بِحَيْثُ لَا يخدع انْتهى الْمَقْصُود مِنْهُ
تَكْمِلَة فِي تَنْبِيه
إِذا كَانَت الفراسة بالمقدار الَّذِي يتَوَصَّل بلطف الْحِيلَة بِهِ إِلَى اسْتِخْرَاج الْحق بعد ظُهُور الْإِمَارَة الْمُعْتَبرَة فِي استناد الحكم إِلَيْهَا فَهِيَ من مستحسن مَا يعد من ذكاء المتصف بهَا من الْمُلُوك وَسَائِر الْوُلَاة وَيَكْفِي من الْمَنْقُول من ذَلِك حكايتان
الْحِكَايَة الأولى يرْوى عَن الْمَنْصُور أَنه جلس فِي إِحْدَى قباب مدينته فَرَأى رجلا ملهوفا يجول فِي الطرقات فَأرْسل إِلَيْهِ من أَتَاهُ بِهِ فَسَأَلَ عَن حَاله فَأخْبرهُ أَنه خرج فِي تِجَارَة فَأفَاد مَالا وَأَنه رَجَعَ بِالْمَالِ إِلَى منزله فَدفعهُ إِلَى أَهله فَذكرت امْرَأَته أَن المَال سرق من بَيتهَا وَلم ير نقبا بِالدَّار وَلَا أثرا فَقَالَ لَهُ الْمَنْصُور مُنْذُ كم تَزَوَّجتهَا قَالَ مُنْذُ سنة قَالَ أبكرا تَزَوَّجتهَا أم ثَيِّبًا قَالَ ثَيِّبًا قَالَ أفلها ولد من سواك قَالَ لَا قَالَ فشابة هِيَ أم مُسِنَّة قَالَ بل حَدثهُ فَدَعَا الْمَنْصُور بقارورة طيب كَانَ يتَّخذ لَهُ حاد الرَّائِحَة غَرِيب
стр. 657
النَّوْع فَدَفعهَا غليه وَقَالَ لَهُ تطيب من هَذَا الطّيب فَإِنَّهُ يذهب همك
قَلما دخل الرجل من عِنْد الْمَنْصُور قَالَ الْمَنْصُور لأربعة من ثقاته ليقعد كل وَاحِد مِنْكُم على بَاب من أَبْوَاب الْمَدِينَة فَمن مر بِهِ أحد فشم مِنْهُ هَذَا الطّيب فليأتيني وَخرج الرجل بالطيب فَدفعهُ إِلَى امْرَأَته وَقَالَ لَهَا وهبه لي أَمِير الْمُؤمنِينَ فَلَمَّا شمته بعثت بِهِ إِلَى رجل كَانَت تحبه
وَقد كَانَت دفعت المَال إِلَيْهِ وَقَالَت لَهُ تطيب من هَذَا الطّيب فَإِن أَمِير الْمُؤمنِينَ وهبه لزوجي فتطيب مِنْهُ الرجل
مر مجتازا بِبَعْض أَبْوَاب الْمَدِينَة فشم الْمُوكل بِالْبَابِ رَائِحَة الطّيب مِنْهُ فَأَخذه فَأتى بِهِ الْمَنْصُور فَقَالَ لَهُ الْمَنْصُور من أَيْن اسْتَفَدْت هَذَا الطّيب فَإِن رَائِحَته غَرِيبَة معجبة فَقَالَ اشْتَرَيْته فَقَالَ أَخْبرنِي من أَيْن اشْتَرَيْته فتلجلج الرجل وَاخْتَلَطَ كَلَامه فدعى الْمَنْصُور صَاحب شرطته وَقَالَ لَهُ خُذ هَذَا الرجل إِلَيْك فَإِن أحضر كَذَا وَكَذَا من الدَّنَانِير فخله يذهب حَيْثُ يَشَاء وَإِن امْتنع فَاضْرِبْهُ ألف سَوط من غير مُؤَامَرَة
فَلَمَّا خرج من عِنْده دَعَا صَاحب شرطته وَقَالَ لَهُ هول عَلَيْهِ وجرده وَلَا تقدمن بِضَرْب حَتَّى ترى أَمْرِي فَخرج بِهِ صَاحب الشرطة فَلَمَّا جرده وسجنه أذعن ورد الدَّنَانِير ودعا الرجل
وَقَالَ أريتك إِن رددت عَلَيْك الدَّنَانِير بِأَعْيَانِهَا تحكمني فِي امْرَأَتك قَالَ نعم قَالَ فَهَذِهِ دنانيرك وَقد طلقت الْمَرْأَة عَلَيْك
وَأخْبرهُ بخبرها
стр. 658
الْحِكَايَة الثَّانِيَة يرْوى أَن رجلا قدم بَغْدَاد يُرِيد الْحَج وَكَانَ مَعَه عقد يُسَاوِي ألف دِينَار فاجتهد فِي بَيْعه فَلم يتَّفق فجَاء إِلَى عطار مَوْصُوف بِالْخَيرِ فأودعه إِيَّاه ثمَّ حج وَعَاد فَأَتَاهُ بهدية فَقَالَ لَهُ الْعَطَّار من أَنْت وَمَا هَذَا
فَقَالَ لَهُ الرجل أَنا صَاحب العقد الَّذِي أودعتك إِيَّاه فَأنكرهُ وَدفعه من دكانه وَقَالَ يَدعِي عَليّ مثل هَذِه الدَّعْوَى فَاجْتمع النَّاس وَقَالُوا للْحَاج وَيلك هَذَا رجل خير فَمَا وجدت من تَدعِي عَلَيْهِ إِلَّا هَذَا فتحير الْحَاج وَتردد إِلَيْهِ فَمَا زَاده إِلَّا شتما وَضَربا فَقيل لَهُ اذْهَبْ إِلَى عضد الدولة فَلهُ فِي هَذِه الْأَشْيَاء فراسة فَكتب قصَّته وَجعلهَا على قَصَبَة ورفعها إِلَى عضد الدولة فصاح بِهِ فجَاء فَسَأَلَهُ عَن حَاله فَأخْبرهُ بالقصة فَقَالَ لَهُ اذْهَبْ إِلَى الْعَطَّار غدْوَة واقعد على دكانه فَإِن مَنعك فَاقْعُدْ على دكان يُقَابله من بكرَة إِلَى الْمغرب وَافْعل هَذَا ثَلَاثَة أَيَّام فَإِنِّي أَمر عَلَيْك فِي الْيَوْم الرَّابِع وأقف وَأسلم عَلَيْك فَلَا تقم لي وَلَا تزدني على رد السَّلَام وَجَوَاب مَا أَسأَلك عَنهُ وَإِذا انصرفت عَنْك فأعد عَلَيْهِ ذكر العقد ثمَّ أعلمني بِمَا يَقُول لَك فَإِن أعطاكه فجيء بِهِ إِلَيّ فَقَالَ فجَاء إِلَى دكان الْعَطَّار ليجلس فَمَنعه فَجَلَسَ مُقَابِله ثَلَاثَة أَيَّام فَلَمَّا كَانَ فِي الْيَوْم الرَّابِع جَاءَ عضد الدولة فِي موكبه الْعَظِيم فَلَمَّا رأى الْخُرَاسَانِي وقف فَقَالَ لَهُ سَلام عَلَيْك فَقَالَ الْخُرَاسَانِي وَلم يَتَحَرَّك وَعَلَيْكُم السَّلَام فَقَالَ يَا أخي تقدم فَلَا تأت إِلَيْنَا وَلَا تعرض عَن حوائجك علينا فَقَالَ كَذَا اتّفق وَلم يشبعه الْكَلَام وعضد الدولة يسْأَله ويحتففي بِهِ وَقد وقف الْعَسْكَر كُله والعطار قد أُغمي عَلَيْهِ من الْخَوْف فَلَمَّا انْصَرف الْتفت الْعَطَّار إِلَى الْحَاج فَقَالَ لَهُ وَيحك مَتى أودعتني هَذَا العقد وَفِي أَي شَيْء كَانَ ملفوفا فذكرني لعَلي أذكر فَقَالَ من صفته كَذَا وَكَذَا فَقَامَ يفتش ثمَّ نفض جرة عِنْده فَوَقع العقد فَقَالَ قد كنت نَسِيته وَلَو لم تذكرني فِي الْحَال مَا ذكرته ثمَّ أَخذ العقد وَقَالَ أَي فَائِدَة لي أَن أعلم عضد الدولة ثمَّ قَالَ لنَفسِهِ فَلَعَلَّهُ يُرِيد أَن يَشْتَرِيهِ فَذهب إِلَيْهِ وأعلمه فَبعث بِهِ مَعَ الْحَاجِب وعاقب الْعَطَّار
стр. 659
الْوَاجِب الثَّالِث
إِقَامَة الْحُدُود
وَفِيه مسَائِل
الْمَسْأَلَة الأولى من الْوَارِد فِي التَّرْهِيب من مواقعة الْحُدُود وانتهاك الْمَحَارِم أَمْرَانِ
أَحدهمَا غيرَة الله تَعَالَى عَلَيْهَا فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ رَسُول الله ﷺ أَن الله يغار وغيرة الله أَن يَأْتِي العَبْد الْمُؤمن مَا حرم الله عَلَيْهِ
الثَّانِي مصير الْعَمَل الصَّالح بذلك كالهباء المنثور فَعَن ثَوْبَان ﵁ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ لأعلمن أَقْوَامًا من أمتِي يأْتونَ يَوْم الْقِيَامَة بأعمال أَمْثَال جبال تهَامَة بَيْضَاء فيجعلها الله هباء منثورا قَالَ ثَوْبَان ﵁ يَا رَسُول الله صفهم لنا لِئَلَّا نَكُون مِنْهُم وَنحن لَا نعلم قَالَ أما أَنهم من إخْوَانكُمْ وَمن جلدتكم وَيَأْخُذُونَ من اللَّيْل كَمَا تأخذون وَلَكنهُمْ أَقوام إِذا خلوا بمحارم الله انتهكوها رَوَاهُ ابْن ماجة قَالَ الْمُنْذِرِيّ وَرُوَاته ثقاة
تَمْثِيل روى التِّرْمِذِيّ عَن النواس بن سمْعَان ﵁ قَالَ رَسُول الله ﷺ أَن الله ضرب مثلا صراطا مُسْتَقِيمًا على كنفي الصِّرَاط أَي جانبيه داران لَهما أَبْوَاب مفتحة على الْأَبْوَاب سور وداع يَدْعُو على رَأس السراط وَالله يَدْعُو إِلَى دَار السَّلَام وَيهْدِي من يَشَاء إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم والأبواب الَّتِي على كنفي الصِّرَاط حُدُود
стр. 660
الله فَلَا يَقع أحد فِي حُدُود الله حَتَّى يكْشف السّتْر وَالَّذِي يَدْعُو من فوقم واعظ ربه
الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة من التَّرْغِيب الْمَرْوِيّ فِي إِقَامَة الْحُدُود أَمْرَانِ
أَحدهمَا تَأْكِيد الْأَمر بهَا باستواء الْقَرِيب والبعيد فِيهَا فَعَن عبَادَة بن الصَّامِت ﵁
قَالَ قَالَ ﷺ أقِيمُوا حُدُود الله فِي الْقَرِيب والبعيد وَلَا تأخذكم فِي الله لومة لائم رَوَاهُ ابْن ماجة
الثَّانِي تَعْجِيل ثَمَرَة السياسة بهَا خُصُوصا وعموما فَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لحد يُقَام فِي الأَرْض خير لأهل الأَرْض من أَن يمطروا ثَلَاثِينَ صباحا رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَابْن ماجة وَلَفظه قَالَ رَسُول الله ﷺ حد يعْمل بِهِ فِي الأَرْض خير لأهل الأَرْض من أَن يمطروا أَرْبَعِينَ صباحا
الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة المداهنة فِي إِقَامَة الْحُدُود عَائِدَة بنقيض مصلحتها من حُلُول النقمَة بهَا عَاجلا فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن عَائِشَة ﵂ أَن قُريْشًا أَهَمَّهُمْ شَأْن المخزومية الَّتِي سرقت فَقَالُوا من يكلم فِيهَا رَسُول الله ﷺ ثمَّ قَالُوا وَمن يجترئ عَلَيْهِ إِلَّا أُسَامَة حب النَّبِي ﷺ فَكَلمهُ أُسَامَة فَقَالَ رَسُول الله ﷺ يَا أُسَامَة أَتَشفع فِي حد من حُدُود الله
стр. 661
تَعَالَى ثمَّ قَامَ فَاخْتَطَبَ فَقَالَ إِنَّمَا هلك الَّذين منقبلكم أَنهم كَانُوا إِذا سرق فيهم الشريف تَرَكُوهُ وَإِذا سرق فيهم الضَّعِيف أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَد وأيم الله لَو أَن فَاطِمَة بنت مُحَمَّد سرقت لَقطعت يَدهَا
تَمْثِيل روى البُخَارِيّ عَن النُّعْمَان بن بشير ﵄ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ مثل الْقَائِم فِي حُدُود الله وَالْوَاقِع فِيهَا كَمثل قوم استهموا على سفينة فَأصَاب بَعضهم أَعْلَاهَا وَبَعْضهمْ أَسْفَلهَا فَكَانَ الَّذين فِي أَسْفَلهَا إِذا استقوا من المَاء مروا على من فَوْقهم فَقَالُوا لَو أَن خرقنا فِي نصيبنا خرقا وَلم نؤذ من فَوْقنَا فَإِن تركوهم وَمَا أَرَادوا هَلَكُوا جَمِيعًا وَإِن أخذُوا على أَيْديهم نَجوا جَمِيعًا
الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة مِمَّا يدل على منع الشَّفَاعَة فِي الْحُدُود زَائِدا على مَا يفهم من الحَدِيث الأول فِي الْمَسْأَلَة قبل أَمْرَانِ
أَحدهمَا تردده بهَا فِي غضب الله تَعَالَى حَتَّى ينْزع فَعَن أبي الدَّرْدَاء ﵁ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ أَيّمَا رجل حَالَتْ شَفَاعَته دون حد من حُدُود الله تَعَالَى لم يزل فِي غضب الله تَعَالَى حَتَّى ينْزع وَأَيّمَا رجل شدّ غَضبا على مُسلم فِي خُصُومَة لَا علم لَهُ بهَا فقد عاند الله فِي حَقه وحرص على سخطه وَعَلِيهِ لعنة الله تتَابع إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَأَيّمَا رجل أشاع على مُسلم كلمة هُوَ مِنْهَا بَرِيء سبه بهَا فِي الدُّنْيَا كَانَ حَقًا لله أَن يدليه يَوْم الْقِيَامَة فِي النَّار حَتَّى يَأْتِي بنفاذ مَا قَالَ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ
الثَّانِي مضادة الله تَعَالَى بهَا وَأعظم بذلك هَلَاكًا فَعَن ابْن عمر ﵄ قَالَ سَمِعت رَسُول الله يَقُول من حَالَتْ شَفَاعَته دون حد فِي حُدُود الله فقد ضاد الله وَمن خَاصم فِي بَاطِل وَهُوَ
стр. 662
يعلم لم يزل فِي سخط الله حَتَّى ينْزع وَمن قَالَ فِي مُؤمن مَا لَيْسَ فِيهِ أسقاه الله ردعه الخبال حَتَّى يخرج مِمَّا قَالَ رَوَاهُ أَبُو دَاوُود
تَفْسِير قَالَ الْمُنْذِرِيّ فِي الردعة بِفَتْح الرَّاء وَسُكُون الدَّال الْمُهْملَة وتحريكهما أَيْضا وبالعين الْمُعْجَمَة هِيَ الوجل والخبال بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَالْهَاء الْمُوَحدَة هِيَ عصارة أهل النَّار وعرفهم كَمَا جَاءَ مُفَسرًا فِي مُسلم وَغَيره
الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة قبُول الشَّفَاعَة فِي الْحُدُود وَهُوَ من بَاب إرضاء النَّاس بسخط الله تَعَالَى ووباله مَحْذُور من وَجْهَيْن
أَحدهمَا أَن فَاعل ذَلِك مُوكل إِلَى النَّاس وَلنْ يغنوا عَنهُ من الله شَيْئا فقد كتب مُعَاوِيَة إِلَى عَائِشَة ﵂ أَن اكتبي لي كتابا توصيني فِيهِ وَلَا تكثري عَليّ فَكتبت إِلَيْهِ سَلام عَلَيْك أما بعد فَإِنِّي سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول من التمس رضى الله بسخط النَّاس كَفاهُ الله مُؤنَة النَّاس وَمن التمس رضى النَّاس بسخط الله وَكله الله إِلَيْهِم وَالسَّلَام
الثَّانِي إِن ذَلِك يعود عَلَيْهِ بسخط الله وَسخط النَّاس فَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من أَسخط الله فِي رضى النَّاس سخط الله عَلَيْهِ وأسخط عَلَيْهِ من أرضاه فِي سخطه وَمن أرْضى الله فِي سخط النَّاس ﵁ وأرضى عَنهُ من أسخطه فِي رِضَاهُ حَتَّى يزينه ويزين عمله وَقَوله فِي عينه رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ
فَوَائِد فقهية تكمل مَقْصُود الْموضع فِي الْجُمْلَة
стр. 663
الْفَائِدَة الأولى إِقَامَة الْحُدُود ولَايَة مَخْصُوصَة بالسلطان وَالسَّيِّد فِي رَفِيقه على تَفْصِيل فِي مَوَاضِع مقررة قَالَ ابْن الْعَرَبِيّ وَهُوَ قِسْمَانِ تنَاول إِيجَابهَا وَذَلِكَ للقضاة
قلت مَا دَامَت مستندة إِلَيْهِم كَمَا تقدم
قَالَ وَتَنَاول استيفائها وَقد جعله النَّبِي ﷺ لقوم مِنْهُم عَليّ بن أبي طَالب ﵁ وَمُحَمّد بن مسلمة وَهِي أشرف الولايات لِأَنَّهَا على أشرف الْأَشْيَاء وَفِي الْأَبدَان فلمعصية النَّاس ورخصهم بِالذنُوبِ ألزمهم الله الذلة بِأَن جعلهَا فِي أَيدي الأدنياء والأوضاع من الْخلق
الْفَائِدَة الثَّانِيَة قَالَ ابْن الْحَاجِب وَالْحُدُود كلهَا بِسَوْط وَضرب معتدلين قَاعِدا غير مربوط مخلي الْيَدَيْنِ على الظّهْر والكتفين دون غَيرهمَا ويجرد الرجل وَيتْرك على الْمَرْأَة مَا لَا يَقِيهَا وَاسْتحْسن أَن تجْعَل الْمَرْأَة فِي قفة
قلت زَاد الْبَاجِيّ عَن الموازنة فِي متولى الضَّرْب أَن يكون وسطا من الرِّجَال الأقوياء وَلَا ضَعِيفا وَزَاد ابْن الْعَرَبِيّ وَيفرق عَلَيْهِ الضَّرْب فِي ظَهره ويتجنب مقاتله
قَالَ وَقَالَ أَبُو حنيفَة ضرب الزَّانِي أَشد من ضرب الْقَذْف وَضرب الْقَذْف أَشد من ضرب الشّرْب
قَالَ وَكَأَنَّهُم رَأَوْا صُورَة الذِّئْب فَرَكبُوا عَلَيْهَا صُورَة الْعقُوبَة وَالشرب أخف من الْقَذْف وَالْقَذْف أخف من الزِّنَى فَحَمَلُوهُ عَلَيْهِ وقرنوه بِهِ
الْفَائِدَة الثَّالِثَة قَالَ ابْن الْحَاجِب وَيُؤَخر حَيْثُ يخْشَى الْهَلَاك كَمَا تقم فِي الزَّانِي
стр. 664
قلت يَعْنِي قَوْله هُنَالك وينتظر للجلد اعْتِدَال الْهَوَاء وروى أَلا يُؤَخر للْحرّ وَهُوَ قَول أَن خيف على السَّارِق أَن يقطع فِي الْبرد أخر قَالَ ابْن الْقَاسِم وَالَّذِي يضْرب الْحَد فِي الْبرد مثله إِذا خيف عَلَيْهِ أخر وَالْحر بِمَنْزِلَة الْبرد قَالَ ابْن رَاشد وَمثله فِي الْكتاب وَيُؤَخر الْمَرِيض إِلَى برئه
الْفَائِدَة الرَّابِعَة قَالَ فِي الْمُدَوَّنَة وَلَا يجلد السَّكْرَان حَتَّى يصحو
قَالَ ابْن عَرَفَة زَاد فِي سَماع أبي زيد بن الْقَاسِم وَلَو خَافَ أَن يَأْتِيهِ شَفَاعَة فَيبْطل حَده اللَّخْمِيّ وَكَذَا فِي الزِّنَا والفرية فَإِن أَخطَأ الإِمَام فحده فِي حَال سكره وَهُوَ طافح لم يجزه وَإِن كَانَ سكرا خَفِيفا أَجزَأَهُ وَإِن كَانَ طافحا فَأذْهب ذَلِك الضَّرْب عَنهُ حسب ضرب وَقت ذهب عَنهُ إِلَّا أَن يكون ضربه فِي الْفِرْيَة بِرِضا المفتري عَلَيْهِ فَيجوز قَالَ ابْن عَرَفَة هَذَا على أَن الْحق فِيهِ كُله أَو على رعى الْخلاف قَالَ وَقَالَ عبد الْحق عَن بعض شُيُوخه الْقرَوِيين إِن جهل الإِمَام وَأقَام الْحَد على السَّكْرَان قبل صحوه مضى ذَلِك وَلَا يُعَاد قَالَ يُرِيد لِأَنَّهُ يجد ألم الضَّرْب بعد صحوه
الْفَائِدَة الْخَامِسَة قَالَ ابْن عَرَفَة نَاقِلا عَن الشَّيْخ عَن ابْن حبيب
стр. 665
لَيْسَ عَلَيْهِ نفي الشَّارِب مَعَ الضَّرْب وسواه من حلاق وَلَا سجن وَلَا طواف إِلَّا المدمن الْمُعْتَاد الْمَشْهُور بِالْفِسْقِ فَلَا بَأْس أَن يُطَاف بِهِ ويشهر وَاسْتحبَّ مَالك أَن يلْزم السجْن
الْفَائِدَة السَّادِسَة قَالَ فِي الْمُدَوَّنَة وَيُقِيم أَمِير الْجَيْش الْحُدُود بِبِلَاد الْحَرْب على أهل الْجَيْش فِي السّرقَة وَغَيرهَا وَذَلِكَ أقوى لَهُ على الْحق
قلت وَلَو كَانَت من الْمغنم لقَوْله بعد ذَلِك وَمن سرق من بَيت المَال أَو من الْمغنم وَهُوَ من أهل ذَلِك الْمغنم قطع قيل أَو لَيْسَ لَهُ فِي الْمغنم حِصَّة قَالَ قَالَ مَالك وَكم تِلْكَ الْحصَّة
الْفَائِدَة السَّابِعَة قَالَ ابْن حبيب يَنْبَغِي أَن تكون إِقَامَة الْحُدُود عَلَانيَة لينتهي النَّاس عَمَّا حرم الله عَلَيْهِم
قلت لقَوْله تَعَالَى ﴿وليشهد عذابهما طَائِفَة من الْمُؤمنِينَ﴾ قَالَ ابْن الْعَرَبِيّ وَفقه ذَلِك أَن الْحَد يردع الْمَحْدُود وَمن شهده وحضره يتعظ بذلك ويزدجر ويشيع حَدِيثه فَيعْتَبر بِهِ بعده
الْفَائِدَة الثَّامِنَة لَا رأفة فِي الْحُدُود لقَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا تأخذكم بهما رأفة فِي دين الله﴾ فَقيل فِي إِسْقَاط الْحَد وَقيل فِي تخفيفه
قَالَ ابْن الْعَرَبِيّ وَهُوَ عِنْدِي مَحْمُول عَلَيْهِمَا مَعًا فَلَا يسْقط الْحَد على الزَّانِي وَلَا يُخَفف عَنهُ
الْفَائِدَة التَّاسِعَة قَالَ ابْن الْعَرَبِيّ يزِيد الْحَد لزِيَادَة الذَّنب فقد أَتَى عمر ﵁ بسكران فِي رَمَضَان فَضَربهُ مائَة وَثَمَانِينَ حد الْخمر وَعشْرين لهتك حُرْمَة الشَّهْر وَكَذَا يجب أَن تتركب الْعُقُوبَات على تَغْلِيظ الْجِنَايَات وهتك الحرمات انْتهى الْمَقْصُود مِنْهُ
стр. 666
الْفَائِدَة الْعَاشِرَة قَالَ الْمقري فِي قَوَاعِده الشُّبْهَة إِمَّا قريبَة جدا كالشركة فِي الْقطع فَتعْتَبر أَو بعيدَة جدا كالأجير والصدق فِيهِ فَلَا تعْتَبر أَو متوسطة فَقَوْلَانِ هَذَا ضَابِط مَذْهَب مَالك قَالَ وَمن هَذَا تعرف وَجه الرَّد لما أفتى بِهِ الْفَقِيه أَبُو مُوسَى عِيسَى ابْن الإِمَام حَدثنِي ﵀ أَن عبد الْحق بن أبي بكر حَاكم تونس أخبرهُ أَنه وجد رجلا وَامْرَأَة فَأَفلَت الرجل فأقرت الْمَرْأَة بِأَنَّهَا مكنته من نَفسهَا واعتلت بِمَا كَانَ النَّاس فِيهِ يَوْمئِذٍ من شدَّة المسغبة وَأَنَّهَا لحقها من الْجُوع مَا حملهَا على ذَلِك فرحمتها وسرحتها قَالَ فَقلت لَهُ أصبت فقد قَالُوا إِذا سرق لجوع لم يقطع
فَقلت الْجُوع يُبِيح أَخذ مَال الْغَيْر باخْتلَاف فِي لُزُوم الثّمن فِيهِ فسرقته لَو لم تكن جَائِزَة فَهِيَ شُبْهَة قَوِيَّة وَلَا يُبَاح الزِّنَى بِوَجْه وَلَا على حَال وَلَا مُنَاسبَة بَينه وَبَين إِبَاحَته فَلَا تنهض شُبْهَة تدرء الْحَد فَيجب الْحَد وَلَا بُد انْتهى المُرَاد مِنْهُ
عاطفة تتميم من صدق الحذر من مُوَافقَة الْحُدُود طلب الْقصاص والاستحلال مِمَّا عَسى أَن يكون فِيهِ خلاص وَلَا تؤمن فِيهِ تبعة وَيَكْفِي من ذَلِك أثران
الْأَثر الأول قيل دخل عُثْمَان ﵁ فَوجدَ غُلَاما لَهُ يعلف نَاقَته فَرَأى فِي عَلفهَا شَيْئا فَأخذ بأذنه فعركها ثمَّ نَدم فَقَالَ لغلامه قُم فاقتص مني فَأبى الْغُلَام فَلم يزل بِهِ حَتَّى قَامَ فَأخذ بأذنه قَالَ أعرك وَهُوَ يَقُول شدّ حَتَّى عرف عُثْمَان أَنه قد بلغ مِنْهُ ثمَّ قَالَ واها لقصاص الدُّنْيَا من قصاص الْآخِرَة
الْأَثر الثَّانِي قَالَ مَالك بَلغنِي أَن عمر بن الْخطاب ﵁ لما ولى ضرب رجلا ثمَّ نَدم فَقَالَ مَالِي وَلِهَذَا إِلَّا رَددتهَا عَلَيْهِم
فَسمِعت عَائِشَة ﵂ بذلك فَأرْسلت إِلَيْهِ فجَاء إِلَيْهَا فَقَالَ
стр. 667
إِنِّي ضربت رجلا وَقد كنت معافى من هَذَا أَن أضْرب أحدا قَالَت عَائِشَة ﵂ كَذَلِك الإِمَام قَالَ فَمَا الْمخْرج قَالَت أَن تَأتي الرجل فتسأله أَن يجعلك فِي حل فاستحل مِنْهُ
دلَالَة قَالَ الطرطوشي وَدلّ ذَلِك على أَن الْأَمِير والمأمور فِي الْقصاص سَوَاء إِذا جنى أَحدهمَا على الآخر وان الْأَمِير إِذا ظلم الْمَأْمُور زَالَ تَأمره عَلَيْهِ وَكَانَ الْأَمِير فِي ذَلِك الْمَعْنى كبعض المؤمر عَلَيْهِم حَتَّى يتحاكموا إِلَى السُّلْطَان الْأَعْظَم
الْوَاجِب الرَّابِع
عُقُوبَة الْمُسْتَحق وتعزيزه
وَقبل تَلْخِيص الْكَلَام فَهُنَا مقدمتان التَّعْزِير قَالَ ابْن فَرِحُونَ وَهُوَ تاديب استصلاح وزجر على ذنُوب لم يشرع فِيهَا حد وَلَا كَفَّارَة
قلت تَأْدِيب الاستصلاح يعم الْمُكَلف وَغَيره كتأديب الصّبيان والبهائم والمجانين والزجر على الذُّنُوب الَّتِي لم يشرع فِيهَا حد وَلَا كَفَّارَة يخْتَص بالمكلف جَزَاء على الذُّنُوب الَّذِي لم يقدر فِيهِ حد وَمن ثمَّ قَالَ ابْن عَرَفَة وَمُوجب الْمعْصِيَة غير الْمُوجبَة حدا عُقُوبَة فاعلها إِن رفع للْإِمَام
الْمُقدمَة الثَّانِيَة فِيمَا يدل على مشروعيته وَيَكْفِي من ذَلِك الْإِجْمَاع قَالَ ابْن قيم الجوزية فِيمَا نقل عَنهُ ابْن فَرِحُونَ اتّفق الْعلمَاء فِي أَن التَّعْزِير مَشْرُوع فِي كل مَعْصِيّة لَيْسَ فِيهَا حد بِحَسب الْجِنَايَة فِي الْعظم والصغر وَحسب الْجَانِي فِي الشَّرّ وَعَدَمه
стр. 668
قلت وَسَيَأْتِي إِن شَاءَ الله من مواضيع التَّأْدِيب بِهِ عَن السّنة الْكَرِيمَة حَظّ صَالح إِذا عرفت هَذَا فلكمال التَّلْخِيص لَهُ نظران أَحدهمَا من حَيْثُ هُوَ مَشْرُوع فِي الْجُمْلَة وَالْآخر من جِهَة مَا يخص السُّلْطَان بِحَسب رِعَايَة السياسة فِيهِ
النّظر الأول وَفِيه مسَائِل
الْمَسْأَلَة الأولى التَّعْزِير فِي حق الله تَعَالَى وَاجِب عِنْد مَالك وَأبي حنيفَة وَقَالَ الشَّافِعِي لَيْسَ بِوَاجِب وَللْإِمَام أَن يقيمه أَو يتْركهُ لِأَن النَّبِي ﷺ لم يُعَزّر الْقَائِل لَهُ فِي قصَّته مَعَ الزبير ﵁ إِن كَانَ ابْن عَمَّتك وَلِأَنَّهُ غير مُقَدّر فَلَا يجب كضرب الْأَب والمعلم وَالزَّوْج قَالَ الْقَرَافِيّ وَالْجَوَاب عَن الأول أَنه حق لرَسُول الله ﷺ فَجَاز لَهُ تَركه بِخِلَاف حق الله تَعَالَى وَعَن الثَّانِي أَن غير الْمُقدر يجب كنفقات الزَّوْجَات والإقارب وَنصِيب الْإِنْسَان من بَيت المَال قَالَ لِأَن تِلْكَ الْكَلِمَات كَانَت تصدر من الْأَعْرَاب لجفائهم لَا لقصد السب
الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة قَالَ الْقَرَافِيّ وَاتَّفَقُوا على عدم تَحْدِيد أَقَله وَاخْتلفُوا فِي أَكْثَره فعندنا هُوَ بِحَسب الْجِنَايَة والمجني عَلَيْهِ وَقَالَ أَبُو حنيفَة لَا يتَجَاوَز بِهِ أول الْحُدُود وَهُوَ أَرْبَعُونَ حدا لعبد بل ينقص مِنْهُ سَوط وَللشَّافِعِيّ قَولَانِ قَالَ مَا حَاصله لنا وَجْهَان أَحدهمَا أَن عمر ﵁ زور عَلَيْهِ معن بن زُرَارَة كتابا وَنقش عَلَيْهِ مثل خَاتمه فجلده مائَة فتشفع فِيهِ قوم فَقَالَ ذَكرتني الطعْن وَكنت نَاسِيا فجلده بعد ذَلِك مائَة أُخْرَى ثمَّ جلده بعد ذَلِك مائَة أُخْرَى وَلم يُخَالِفهُ أحد وَكَانَ إِجْمَاعًا
стр. 669
قلت حكى عَن ابْن فَرِحُونَ عَن ابْن قيم الجوزية أَنَّهَا ثَلَاثمِائَة فِي ثَلَاثَة أَيَّام الثَّانِي أَن الأَصْل مُسَاوَاة الْعقُوبَة للجناية
قلت سبق مثله لِابْنِ الْعَرَبِيّ فِي قَوَاعِد الْمقري الْعُقُوبَات تَتَفَاوَت بتفاوت أَنْوَاع الْجِنَايَات كَالْخمرِ وَالزِّنَا لَا بتفاوت أَفْرَاد النَّوْع الْوَاحِد كالقطرة من الْخمر والجرة وَربع دِينَار وقنطار فَيَنْبَغِي مُلَاحظَة هَذَا الْمَعْنى فِي التَّعْزِير عِنْدِي ردا لما وكل لاجتهادنا إِلَى مَا فَصله رَبنَا ﴿وَمَا كَانَ رَبك نسيا﴾ لَا يُقَال قَوْله ﷺ لَا تجلدوا فَوق حد من حُدُود الله تَعَالَى حجَّة فِي منع الزِّيَادَة لأَنا نقُول لَا حجَّة فِيهِ لوَجْهَيْنِ أَحدهمَا أَنه مَقْصُور على زَمَانه ﷺ لِأَن الْجَانِي إِذْ ذَاك لَا يَكْفِيهِ هَذَا الْمِقْدَار وَحَكَاهُ الْمَازرِيّ عَن الْأَصْحَاب الثَّانِي أَن لفظ الْحُدُود فِي عرف الشَّرْع لَا يقصر على حد الزِّنَى وَشبهه بل يتَنَاوَل كل مَأْمُور بِهِ ومنهى عَنهُ فالتعزير على هَذَا من جملَة الْحُدُود
قَالَ ابْن الشَّاط وَهَذَا أصح وَأقوى قَالَ فَإِن قيل الحَدِيث يَقْتَضِي بمفهومه أَنه يجلد عشر جلدات فَمَا دونهَا غير الْحُدُود فَمَا المُرَاد بذلك فَالْجَوَاب أَن المُرَاد بِهِ جلد غير الْمُكَلّفين كالصبيان والمجانين والبهائم وَالله تَعَالَى أعلم انْتهى
الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة قَالَ ابْن فَرِحُونَ مَا حَاصله إِذا زيد فِيهِ على الْحَد فَهَل يبلغ بِهِ الْقَتْل أَولا فِيهِ خلاف عندنَا يجوز قتل الجاسوس الْمُسلم إِذا تجسس لِلْعَدو وَقَالَ بِهِ بعض الْحَنَابِلَة وَقتل الداعية للبدعة والمفرق للْجَمَاعَة بعد استتابتهم وَقَالَ بِهِ بعض الشَّافِعِيَّة وَصرح
стр. 670
الْحَنَفِيَّة بقتل من لَا يَزُول فَسَاده إِلَّا بِالْقَتْلِ كاللوطي المكثر من ذَلِك انْتهى
الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة يُلَاحظ فِيهِ وَإِن لم يتَقَدَّر كالحد اجْتِنَاب أَمريْن أَحدهمَا إِسْقَاطه بِالْجُمْلَةِ بِحَسب الْغَرَض والهوى قَالَ الْقَرَافِيّ وَهُوَ فسوق خلاف الْإِجْمَاع
الثَّانِي إفراط الزِّيَادَة فِيهِ على الْقدر الْكَافِي مِنْهُ قَالَ ابْن عبد السَّلَام يَنْبَغِي أَن يقْتَصر على الْقدر الَّذِي يظنّ انزجار الْجَانِي بِهِ وَلَا يزِيد عَلَيْهِ وَفِي الحَدِيث وَلِأَن يُخطئ الإِمَام فِي الْعَفو خير من أَن يُخطئ فِي الْعقُوبَة قَالَ وَإِن كَانَ هَذَا الْكَلَام جَاءَ فِي الْحُدُود فَهُوَ متناول لغَيْرهَا من الزواجر
الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة إِذا أَتَى على النَّفس فَلَا اكتراث بذلك وَإِن زَاد على الْحَد فقد أَمر مَالك ﵀ بِضَرْب إِنْسَان وجد مَعَه صبي فَوق سطح مَسْجِد وَقد جرده وضمه إِلَى صَدره أَرْبَعمِائَة سَوط فانتفخ من ذَلِك وَمَات وَلم يستعظم ذَلِك مَالك وَقَالَ ابْن حبيب وَقَالَ لي مطرف وَلَقَد أَتَى هِشَام بن عبد الْملك وَهُوَ قَاضِي الْمَدِينَة بِرَجُل خَبِيث مَعْرُوف بِاتِّبَاع الصّبيان قد لصق بِغُلَام فِي ازدحام النَّاس حَتَّى أمنى فَبعث بِهِ هِشَام إِلَى مَالك وَقَالَ أَتَرَى أَن أَقتلهُ فَقَالَ مَالك أما الْقَتْل فَلَا وَلَكِن أرى أَن تعاقبه عُقُوبَة موجعة فَأمر بِهِ هِشَام فَضرب أَرْبَعمِائَة سَوط وألقاه فِي السجْن فَمَا لبث أَن مَاتَ فَذكر ذَلِك لمَالِك فَمَا استنكره
الْمَسْأَلَة السَّادِسَة إِذا كَانَ التَّعْزِير مصروفا إِلَى اجْتِهَاد الْحَاكِم بِقدر الْقَائِل مثلا وَالْمقول لَهُ وَالْقَوْل فَقَالَ ابْن الْحَاجِب فيخفف ويتجافى
следующие страницы →