Полный текст (992 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.
стр. 876
الطَّرِيقَة الرَّابِعَة لأهل الْمشرق
وَهِي خلط التَّعْلِيم كَذَلِك فِيمَا بلغ عَنْهُم
قَالَ وَلَا أَدْرِي بِمَ عنايتهم مِنْهُ وَالَّذِي ينْقل لنا أَن عنايتهم بدراسة الْقُرْآن وصحف الْعلم فِي زمَان الشبيبة وَلَا يخلطونه بتعليم الْخط لاخْتِصَاص المنتصبين لتعليم قوانينه على انْفِرَاده كَسَائِر الصَّنَائِع فَلذَلِك لَا يتداولونه فِي الْمكَاتب وَإِذا كتبُوا لَهُم الالواح فبخط قَاصِر عَن الاجادة وَمن اراد تعلم الْخط ابتغاه من أهل صَنعته
فَائِدَة اختبار
قَالَ فَأَما أهل افريقية وَالْمغْرب فأفادهم الِاقْتِصَار على الْقُرْآن الْقُصُور عَن ملكة اللِّسَان جملَة لَان الْقُرْآن لَا ينشأ عَنهُ فِي الْغَالِب ملكة لعجز الْبشر عَن الاتيان بِمثلِهِ وَلَا ملكة لَهُم فِي غير اساليبه فَلَا ملكة لَهُم فِي اللِّسَان وحظهم الجمود على الْعبارَات وَقلة التَّصَرُّف فِي الْكَلَام وَرُبمَا كَانَ أهل افريقية اخف من أهل الْمغرب لخلطهم فِي تَعْلِيم الْولدَان بعبارات قوانين الْعُلُوم فيقتدرون على شَيْء من التَّصَرُّف فِي الْكَلَام الأول إِلَّا أَن ملكتهم فِي ذَلِك قَاصِرَة عَن البلاغة لنزول محفوظهم عَن تِلْكَ الْعبارَات مِنْهَا
قَالَ وَأما أهل الاندلس فأفادهم التفنن فِي التَّعْلِيم بِكَثْرَة رِوَايَة الشّعْر والترسيل ومدارسة الْعَرَبيَّة من أول الْعُمر حُصُول ملكة صَارُوا
стр. 877
بهَا أعرف فِي اللِّسَان الْعَرَبِيّ وَقصرُوا فِي سَائِر الْعُلُوم لبعدهم عَن مدارسة الْقُرْآن والْحَدِيث فَكَانُوا لذَلِك أهل خطّ وأدب بارع أَو مقصر على حسب التَّعْلِيم الْكتاب بعسر تَعْلِيم الصِّبَا
غَرِيبَة
قَالَ وَلَقَد ذهب ابْن الْعَرَبِيّ إِلَى غَرِيبَة فِي وَجه التَّعْلِيم واعاد فِي ذَلِك وأبدأ وَقدم تَعْلِيم الْعَرَبيَّة وَالشعر كَمَا هُوَ مَذْهَب أهل الاندلس
قَالَ لِأَن الشّعْر ديوَان الْعَرَب وَيَدْعُو إِلَى تَقْدِيمه مَعَ الْعَرَبيَّة فَسَاد اللُّغَة ثمَّ ينْتَقل مِنْهُ إِلَى الْحساب ليتمرن فِيهِ ثمَّ إِلَى درس الْقُرْآن واستغفل أهل بِلَاده فِي أَخذ الطِّفْل بِالْقُرْآنِ فِي أول أمره لقرَاءَته مَا لَا يفهم وَتَبعهُ فِي أَمر غَيره اهم مِنْهُ
قَالَ ثمَّ ينظر فِي أصُول الدّين ثمَّ أصُول الْفِقْه ثمَّ الجدل ثمَّ الحَدِيث وَنهي مَعَ ذَلِك عَن خلط علمين إِلَّا مَعَ قبُول المتعلم لجودة ذهنه ونشاطه
قَالَ وَهُوَ لعمري مَذْهَب حسن إِلَّا أَن العوائد لَا تساعد عَلَيْهِ وه ياملك بالاحوال
تَوْجِيه عَادَة
قَالَ وَوجه مَا اخْتصّت بِهِ العوائد من تقدم دراسة الْقُرْآن ايثار التَّبَرُّك بِهِ وخشية مَا يعرض للْوَلَد فِي جُنُون الصِّبَا من القواطع عَن الْعلم فيفوته
стр. 878
الْقُرْآن لِأَنَّهُ مَا دَامَ فِي حجر الصِّبَا منقاد للْحكم فَإِذا تجَاوز الْبلُوغ انحل من ربقة الْقَهْر فَرُبمَا عصفت بِهِ ريَاح الشبيبة فألقته بساحل البطالة فيغتنمون تَحْصِيل الْقُرْآن لَهُ قبل ذَلِك
قَالَ وَلَو حصل الْيَقِين باستمراره فِي طلب الْعلم وَقبُول تَعْلِيمه لَكَانَ هَذَا الْمَذْهَب اولى مِمَّا اخذ بِهِ أهل الْمشرق وَالْمغْرب وَلَكِن الله يحكم مَا يَشَاء لَا معقب لحكمه
الْمَسْأَلَة الْعَاشِرَة أَن الشدَّة على المتعلمين مضرَّة بهم
وَذَلِكَ لِأَن ارهاف الْحَد للتأديب مُضر بالمتعلم لَا سِيمَا فِي اصغار الْولدَان لانه من سوء الملكة بِدَلِيل أَن من كَانَ مرباه بالقهر من متعلم أَو مَمْلُوك أَو خديم عَاد عَلَيْهِ بِضيق النَّفس وَذَهَاب النشاط وَحُصُول الكسل وَالْحمل على الْكَذِب والخبث وَالْمَكْر والخديعة وَفَسَاد مَعَاني الانسانية من حَيْثُ الِاجْتِمَاع وَهِي الحمية والمدافعة وَالْقَبُول عَن اكْتِسَاب الْفَضَائِل والخلق الْجَمِيل حَتَّى ينقبض عَن غَايَة مَقْصُودَة فيرتكس وَيعود فِي أَسْفَل السافلين كَمَا وَقع لكل امة حصلت فِي قَبْضَة الْقَهْر والعسف
стр. 879
اعْتِبَار قَالَ وَاعْتبر ذَلِك فِي كل من يملك عَلَيْهِ امْرَهْ وَلَا تكون الملكة الكافلة لَهُ رَفِيقَة بِهِ تَجِد ذَلِك فيهم وَانْظُر فِي الْيَهُود وَمَا حصل فيهم بذلك من خلق السوء حَتَّى انهم يوصفون فِي كل افق وعصر بالحرج وَمَعْنَاهُ فِي الِاصْطِلَاح المقهور والمتخابث والكيد وَسَببه مَا قُلْنَاهُ فَلذَلِك يَنْبَغِي لمعلم الْولدَان أَن لَا يشدد عَلَيْهِم فِي التَّأْدِيب
استظهار
قَالَ وَقد قَالَ مُحَمَّد ابْن أبي زيد لَا يَنْبَغِي لمؤدب الصّبيان أَن يزِيد فِي ضَربهمْ إِذا احتاجوا اليه على ثَلَاثَة اسواط وَمن كَلَام عمر ﵁ من لم يؤدبه الشَّرْع لَا ادبه الله حرصا على صون النُّفُوس عَن مذلة التَّأْدِيب وعلما بِأَن الْمِقْدَار الَّذِي عينه الشَّرْع لذَلِك املك لَهُ فَإِنَّهُ اعْلَم بمصلحته
стр. 880
تَعْلِيم ملوكي
قَالَ وَمن أحسن مَذَاهِب التَّعْلِيم مَا تقدم بِهِ الرشيد لعلم وَلَده قَالَ خلف الاحمر بعث إِلَى الرشيد لتأديب وَلَده الامين فَقَالَ يَا أَحْمَر أَن امير الْمُؤمنِينَ قد دفع اليك مهجة نَفسه وَثَمَرَة فُؤَاده فصير يدك عَلَيْهِ مبسوطة وطاعته لَك وَاجِبَة فَكُن لَهُ بِحَيْثُ وضعك امير الْمُؤمنِينَ اقرئه الْقُرْآن وعرفه الْأَخْبَار وروه الاشعار وَعلمه السّنَن وعرفه بمواقع الْكَلَام وبدئه وامنعه من الضحك إِلَّا فِي اوقاته وخذه بتعظيم مَشَايِخ بني هَاشم إِذا دخلُوا عَلَيْهِ وَرفع مجَالِس القواد إِذا حَضَرُوا مَجْلِسه وَلَا تمرن بك سَاعَة إِلَّا وانت مغتنم تأديبة وَفَائِدَة تفيده إِيَّاهَا من غير أَن تحزنه فتميت قلبه وذهنه وَلَا تمعن فِي مسامحته فيستحلي الْفَرَاغ ويألفه وَقَومه مَا اسْتَطَعْت بالرفق والملاينة فَإِن اباهما فَعَلَيْك بالشدة والغلطة
الْمَسْأَلَة الْحَادِيَة عشرَة
أَن الرحلة فِي طلب الْعلم ولقاء المشيخة مزِيد كَمَال فِي التَّعْلِيم فَعَلَيْك بِهِ وَذَلِكَ لأمرين
стр. 881
أَحدهمَا أَن على قدر كَثِيرَة الشُّيُوخ تكن حُصُول الملكة ورسوخها لما فِي ذَلِك من تَكْرِير الْمُبَاشرَة والتلقين بِحَسب تعدد لقائهم
الثَّانِي أَن تكَرر الْأَخْذ عَنْهُم يُفِيد المتعلم تَمْيِيز الاصطلاحات لما يرى من اخْتِلَاف طرقهم فِيهَا بِمُجَرَّد الْعلم عَنْهَا وَتحقّق إِنَّهَا انحاء تَعْلِيم وطرق توصل لَا إِنَّهَا جُزْء مِنْهَا كَمَا يَعْتَقِدهُ كثير
قَالَ فالرحلة لَا بُد مِنْهَا فِي طلب الْعلم لِاكْتِسَابِ الْفَوَائِد والكمال بلقاء الْمَشَايِخ ومباشرة الرِّجَال وَالله يهدي من يَشَاء إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم
قلت ليشاع الْعِنَايَة بهَا عِنْد المحصلين
قَالَ الْغَزالِيّ قل مَذْكُور فِي الْعلم من زمَان الصَّحَابَة ﵃ إِلَى زَمَاننَا إِلَّا وَحصل الْعلم بِالسَّفرِ وَسَار لاجله وَعَن مَالك ابْن دِينَار ﵁ اوحى الله إِلَى مُوسَى ﵇ أَن اتخذ نَعْلَيْنِ من حَدِيد وعصا من حَدِيد ثمَّ اطلب الْعلم وماصبر حَتَّى تخرق نعالك وتكسر عصاك
قَالَ ابْن الْعَرَبِيّ وَهُوَ أول من رَحل فِي طلب الْعلم من أهل الشَّرَائِع
стр. 882
الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة عشرَة
أَن الْعلمَاء من بَين النَّاس ابعد عَن السياسة ومذاهبها وَذَلِكَ لامرين أَحدهمَا انهم يعتادون النّظر الفكري والغوص على الْمعَانِي الدقيقة واتنزاعها من المحسوسات وتجريدها فِي الذِّهْن امورا كُلية يحكم عَلَيْهَا بِأَمْر على الْعُمُوم لَا بِخُصُوص مَادَّة أَو شخص أَو جنس أَو صنف من النَّاس وَبعد ذَلِك يطبقون تِلْكَ الكليات على الخارجيات
الثَّانِي انهم يقيسون الْأُمُور على اشباهها بِمَا اعتادوا من الْقيَاس الفقهي فَلَا يزَال حكم نظرهم فِي الذِّهْن وَلَا يصير إِلَى الْمُطَابقَة إِلَّا بعد الْفَرَاغ من الْبَحْث وَالنَّظَر وَلَا يصير بِالْجُمْلَةِ اليها وانما يتَفَرَّع فِي الْخَارِج عماما فِي الذِّهْن من ذَلِك كل الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة فَإِنَّهَا فروع كَمَا فِي الْمَحْفُوظ من أَدِلَّة الْكتاب وَالسّنة فيطلب مُطَابقَة مَا فِي الْخَارِج لَهَا عكس مَا فِي الانظار فِي الْعُلُوم الْعَقْلِيَّة الْمَطْلُوب فِي صِحَّتهَا مطابقتها لما فِي الْخَارِج فَإِذا هم منفردون فِي سَائِر انظارهم بالأمور الذهنية لَا يعْرفُونَ سواهَا والسياسة تحْتَاج إِلَى مُرَاعَاة مَا فِي الْخَارِج أَو مَا يلْحقهَا من الاحوال الْخفية لَا مَكَان اشتمالها على مَا يمْنَع من الحاقها بشبه أَو مِثَال أَو تنافى الْكُلِّي الَّذِي يحاول تطبيقه عَلَيْهَا وَلَا
стр. 883
يُقَاس شَيْء من احوال الْعمرَان على الآخر لاحْتِمَال اخْتِلَافهمَا فِي غير مَا اشتبها فِيهِ من وُجُوه
قَالَ فَيكون الْعلمَاء لما تعودوه من تَعْمِيم الْأَحْكَام وَقِيَاس الْأُمُور بَعْضهَا على بعض إِذا نظرُوا فِي السياسة افرغوما ذَلِك فِي قالب افكارهم وَنَوع استدلالاتهم فيقعون فِي الْغَلَط الْكثير اولا يُؤمن عَلَيْهِم
تنيبه قَالَ وَيلْحق بهم أهل الذكاء والكيس لانهم ينزعون بثقوب اذهانهم إِلَى مثل شَأْن الْفُقَهَاء من الغوص على الْمعَانِي وَالْقِيَاس والمحاكات فيقعون فِي الْغَلَط والعامي السَّلِيم الطَّبْع الْمُتَوَسّط الْكيس لقُصُور ذهنه عَن ذَلِك وَعدم الِاعْتِبَار بِهِ يقْتَصر بِكُل مَادَّة على نَص حكمهَا فِي الاحوال والاشخاص على مَا اخْتصَّ بِهِ وَلَا يتَعَدَّى فِي الحكم بتعميم قِيَاس وقوفا ي اكثر نظره مَعَ الْموَاد المحسوسة كالسابح لَا يُفَارق الموج عِنْد الْمَدّ وَلذَا قيل
(وَلَا توغلن إِذا مَا سبحت ... فَإِن السَّلامَة فِي السَّاحِل)
قَالَ وَيكون مَأْمُونا من الْغَلَط فِي سياسته مُسْتَقِيم النّظر فِي مُعَاملَة ابناء جنسه فَيحسن معاشه وتندفع آفاته ومضاره وَفَوق كل ذِي علم عليم
стр. 884
الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة عشرَة أَن حَملَة الْعلم فِي الْإِسْلَام أَكْثَرهم الْعَجم
قَالَ وَمن الْغَرِيب الْوَاقِع أَن حَملَة الْعلم الشَّرْعِيّ أَو الْعقلِيّ فِي الْملَّة الاسلامية أَكْثَرهم الْعَجم إِلَّا فِي الْقَلِيل النَّادِر وان كَانَ مِنْهُم الْعَرَبِيّ فِي نسبه فَهُوَ اعجمي لي لغته ومرباه ومشيخته مَعَ أَن الْملَّة عَرَبِيَّة وَصَاحب شريعتها عَرَبِيّ
قلت ملخص مَا ذكر فِي ذَلِك من السَّبَب يظْهر باعتبارين وجود الْعلم بِكَثْرَة فِي الاعاجم وقلته فِي الْعَرَب
الِاعْتِبَار الأول كَثْرَة وجود الْعلم فِي الاعاجم وَذَلِكَ فِي نوعيه الشَّرْعِيّ والعقلي
النَّوْع الأول الشَّرْعِيّ وَالسَّبَب فِيهِ أَن الْملَّة فِي اولها لم يكن فِيهَا علم وَلَا صناعَة لسذاجة بداوتها إِذْ ذَاك واحكام شريعتها كَانَت لرجال ينقلونها فِي صُدُورهمْ وَقد عرفُوا مآخذها من الْكتاب وَالسّنة تلقوها عَن الشَّارِع واصحابه وَالْقَوْم يَوْمئِذٍ عرب لم يعرفوا أَمر التَّعْلِيم والتدوين وَلَا دعتهم اليه حَاجَة لجرى الْأَمر على ذَلِك من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَسموا الحاملين لذَلِك بالقراء الَّذين كَانُوا يقرأون الْكتاب وَلَيْسوا بأميين كباقي الْعَرَب فَلَمَّا بعد النَّقْل من لدن دولة الرشيد احْتِيجَ إِلَى وضع التفاسير القرآنية وَتَقْيِيد الحَدِيث مَخَافَة ضيَاعه إِلَى معرفَة الاسانيد وتعديل الروَاة ثمَّ كثر اسْتِخْرَاج احكام الْوَاقِعَات من الْكتاب وَالسّنة فَصَارَت الْعُلُوم الشَّرْعِيَّة ملكات فِي الاستنباط والتنظير
стр. 885
واحتاجت إِلَى عُلُوم آخر وَهِي وَسَائِل اليها كقوانين الْعَرَبيَّة لفساد اللِّسَان وقوانين ذَلِك الاستنباط والذب عَن العقائد الايمانية بالأدلة لظُهُور الْبدع والالحاد
وَهَذِه كلهَا عُلُوم ذَات ملكات محتاجة إِلَى التَّعْلِيم فاندرجت فِي جملَة الصَّنَائِع واحتاجت إِلَى التَّعْلِيم وَقد تقدم أَن الصَّنَائِع من منتحل الْحَضَر وان الْعَرَب ابعد النَّاس عَنْهَا فَصَارَت الْعُلُوم لذَلِك حضرية وَبعد الْعَرَب عَنْهَا والحضر لذَلِك الْعَهْد فهم الْعَجم أَو من فِي معناهم من الموَالِي وَمن تَبِعَهُمْ فِي الحضارة من أهل الامصار فَكَانَ صَاحب صناعَة النَّحْو سِيبَوَيْهٍ والفارسي والزجاج وهم عجم فِي النّسَب لَكِن ربوا فِي
стр. 886
اللِّسَان الْعَرَبِيّ فاكتسبوه بالمربي ومخالطة الْعَرَب وَحَملَة الحَدِيث أَكْثَرهم عجم أَو مستعجمون باللغة والمربي وعلماء علم الْكَلَام واصول الْفِقْه كَذَلِك وَكَذَلِكَ اكثر الْمُفَسّرين فَلم يقم بفهم الْعلم وتدوينه إِلَّا الاعاجم وَظهر مصداق قَوْله ﷺ لَو تعلق الْعلم بأعنان السَّمَاء لَنَالَهُ رجال من ابناء فَارس
النَّوْع الثَّانِي الْعقلِيّ وَذَلِكَ انه لم يظْهر فِي الْملَّة إِلَّا بعد أَن ظهر حَملَة الْعلم ومؤلفوه واستقرت اصنافه كلهَا صناعَة فاختصت بالعجم وَتركهَا الْعَرَب كَسَائِر الصَّنَائِع وَلم يزل فِي امصارهم طول مَا بقيت حضارتها كالعراق وخراسان وَمَا وَرَاء النَّهر فَلَمَّا خربَتْ تِلْكَ الامصار وَذَهَبت مِنْهَا الحضارة الَّتِي هِيَ سر الله فِي حُصُول الْعُلُوم والصنائع ذهب الْعلم جملَة لما شملهم فِي البداولة واختص بالامصار الموفورة الحضارة
قَالَ وَلَا اوفي الْيَوْم حضارة من مصر فَهِيَ أم الْعُلُوم وديوان الْإِسْلَام وينبوع الْعُلُوم والصنائع وَبَقِي بعض الحضارة فِيمَا وَرَاء النَّهر بالدولة الَّتِي فِيهَا فَلهم بذلك حِصَّة من الْعُلُوم والصنائع لَا تنكر وَاعْتبر ذَلِك بِمَا تقدم لَهُ من وُقُوفه على كتب التَّفْتَازَانِيّ
قَالَ واما غَيره من الْعَجم فَلم ير لَهُم بعد من بعد الْأَمَام فَخر الدّين ونصير الدّين الطوسي كَلَام يعول على نهايته فِي الاجادة
стр. 887
قَالَ فَاعْتبر ذَلِك وتأمله تَرَ عجبا فِي احوالك الخليقة وَالله يخلق مَا يَشَاء لَا اله إِلَّا هُوَ
الِاعْتِبَار الثَّانِي
قلَّة وجود الْعلم فِي الْعَرَب وَذَلِكَ لَان الَّذين ادركوا مِنْهُم الحضارة وَخَرجُوا اليها عَن البداوة صرفُوا عَن النّظر فِي الْعلم لامرين
أَحدهمَا اشتغالهم بالرياسة فِي الدولة العباسية وَمَا دفعُوا اليه من الْقيام بِالْملكِ ووظائف الامارة فهم كَانُوا اولياء ذَلِك والقائمين بأعبائه
الثَّانِي انفتهم من انتحال الْعلم حِينَئِذٍ لمصيره من جملَة لاصنائع وشأن الؤساء استنكافهم عَن المهنة بهَا أَو بِمَا يجر اليها فدفعوا ذَلِك إِلَى من قَامَ بِهِ من الْعَجم والمولدين لَكِن مَا زَالُوا يرَوْنَ لَهُم حق الْقيام بِهِ فَإِنَّهُ دينهم وعلومهم وَلَا يحتقرون حملتها كل الاحتقار حَتَّى إِذا خرج الْأَمر من الْعَرَب إِلَى الْعَجم صَارَت الْعُلُوم الشَّرْعِيَّة غَرِيبَة النّسَب عِنْد أهل الْملك بِمَا هم عَلَيْهِ من الْبعد عَن نَسَبهَا وامتهن حملتها لبعدهم عَنْهُم واشتغالهم بِمَا لَا يجدي عَلَيْهِم فِي الْملك فِيمَا يَعْتَقِدُونَ وَعند ذَلِك فَظَاهر قلَّة وجود الْعلم فِي الْعَرَب وكثرته فِي الاعاجم
стр. 888
الخاتمة فِي سياستي الْمَعيشَة وَالنَّاس
وَقبل الْخَتْم بهما فَهُنَا مقدمتان
إِحْدَاهمَا فِي التَّقْوَى والاخرى فِي حسن الْخلق إِذْ برعاية هَاتين الخصلتين صَلَاح المعاش والمعاد وَمن ثمَّ تأكدت عناية النَّبِي ﷺ بِالْوَصِيَّةِ بهما فَعَن أبي ذَر ﵁ قَالَ قَالَ لي رَسُول الله ﷺ اتَّقِ الله حَيْثُ مَا كنت وَاتبع السَّيئَة الْحَسَنَة تمحها وخالق النَّاس بِخلق حسن
الْمُقدمَة الأولى فِي التَّقْوَى
وفيهَا مسَائِل
الْمَسْأَلَة الأولى سبق فِي مُقَدمَات الْكتاب أَن الْمَقْصُود بالخلق لَيْسَ مُجَرّد الدُّنْيَا فَقَط بل الدّين المتكفل بنيل سَعَادَة الابد فِي الدَّار الاخرة وَحِينَئِذٍ بِحَسب الِاعْتِبَار فالدنيا وَضعهَا لأخذ الزَّاد مِنْهَا فِي السَّعْي للفوز بِهَذِهِ السَّعَادَة وَهُوَ التَّقْوَى الْمَنْصُوص عَلَيْهَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وتزودوا فَإِن خير الزَّاد التَّقْوَى﴾ فَمن انْقَضى عَلَيْهِ نفس من انفاس عمره لَا يشْتَغل فِيهِ بِأخذ الزَّاد فقد أخل بِمَا قصد بِهِ وضيع
стр. 889
مَا لَا قيمَة لَهُ فِي اعتداده بِمَا لَيْسَ بِشَيْء وَهُوَ الخسران الْمُبين وَمن ثمَّ قَالَ الْحجَّاج واعجب ذَلِك الْحسن ﵁ أَن امْرَءًا تمْضِي هَل سَاعَة فِي غير مَا خلق لَهُ لجدير أَن تطول عَلَيْهَا حسرته إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَفِي مَعْنَاهُ قَالَ الْبَاجِيّ ﵀
(إِذا كنت اعْلَم علما يَقِينا ... بِأَن جَمِيع حَياتِي كساعة)
(فَلم لَا اكون ضنينا بهَا ... وَاجْعَلْهَا فِي صَلَاح وَطَاعَة)
الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة
مِمَّا يدل على أَن هَذِه الْخصْلَة الْعَظِيمَة اشرف غايات الْوُجُود الانساني وارفع مَا يترقى بِهِ لاحراز تِلْكَ السَّعَادَة إِنَّهَا وَصِيَّة الله تَعَالَى للاولين والآخرين من عباده قَالَ تَعَالَى ﴿وَلَقَد وصينا الَّذين أُوتُوا الْكتاب من قبلكُمْ وَإِيَّاكُم أَن اتَّقوا الله﴾
قَالَ الْغَزالِيّ لَو كَانَت فِي الْعَالم خصْلَة هِيَ أصلح للْعَبد من هَذِه الْخصْلَة الْأَمر بهَا عباده ووصى خواصه فَلَمَّا اقْتصر عَلَيْهَا علمنَا إِنَّهَا الْغَايَة الَّتِي لَا تجَاوز والخصلة الجامعة لخير الدُّنْيَا والاخرة
قلت ولأمر مَا تكَرر الحض عَلَيْهَا فِي الْكتاب الْعَزِيز تَصْرِيحًا وتلويحا
قَالَ ابْن الْعَرَبِيّ ذكرهَا فِي كِتَابه تَعَالَى نصا فِي نَحْو مائَة وَتِسْعين موضعا وَوَقعت بِالْمَعْنَى فِيمَا لَا يُحْصى قَالَ
ولكثرة ذكر الله تَعَالَى لَهَا لم تجر على لِسَان النَّبِي ﷺ إِلَّا قَلِيلا
الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة
من فوائدها الجامعة بَين خير الدُّنْيَا والاخرة امور يَكْفِي مِنْهَا عشرَة
стр. 890
الْفَائِدَة الأولى
التأييد والنصرة أَن الله مَعَ الَّذِي اتَّقوا وَالَّذين هم محسنون وَاعْلَمُوا أَن الله مَعَ الْمُتَّقِينَ قَالَ الْعلمَاء الْمَعِيَّة معيتان عَامَّة وَهِي معية الاحاطة وَالْعلم وَهُوَ مَعكُمْ اينما كُنْتُم وخاصة وَهِي معية المعونة والنصرة ﴿إِذْ يَقُول لصَاحبه لَا تحزن إِن الله مَعنا﴾
قَالَ صَاحب مشارع الاشواق وَهَذِه معية منوطة بالعبودية الْخَالِصَة من شوائب المخالفات فَمن كَانَ عبد الله حَقًا فَلَا غَالب لَهُ إِذْ الله مَعَه وَهُوَ ناصره ومؤيده ﴿ذَلِك بِأَن الله مولى الَّذين آمنُوا وَأَن الْكَافرين لَا مولى لَهُم﴾ من الله
الْفَائِدَة الثَّانِيَة
الحراسة من الاعداء وان تصبروما وتتقوا لَا يضركم كيدهم شَيْئا قَالَ ابْن الْعَرَبِيّ فَإِن فعلموها يَعْنِي الصَّبْر وَالتَّقوى لَا يصل اليكم كيدهم شَيْئا فَإِن الله مُحِيط بعلمهم ويمكر لكل ماكر امسكه الله أَو ارسله وان ادركتم قَوْله ﴿فَاتَّقُوا الله لَعَلَّكُمْ تشكرون﴾ أَي اتَّقوا الله أَن تدفعوها بنخوة تخَالف الشَّرِيعَة أَو بكبر يضاد الْملَّة وخذوها بامتثال الْحُدُود وَالْقِيَام تَحت جَرَيَان الْمَقَادِير تَكُونُوا من الشَّاكِرِينَ
واجل الشُّكْر مَا كَانَ على المصائب انْتهى
стр. 891
الْفَائِدَة الثَّالِثَة
النجَاة من الشدائد وَمن يتق الله يَجْعَل لَهُ مخرجا
قَالَ ابْن الْعَرَبِيّ إِذا صدق العَبْد فِي تقواه سَله من الْمعاصِي كالشعرة من الْعَجِين تقيا نقيا وَكَفاهُ المهم وَلم يبتله بِالشغلِ وَلَا كلفه طلب الرزق وَلَا مكن مِنْهُ الْخلق وجلى عَنهُ الظُّلم وَيسر لَهُ العسير كَمَا قَالَ وَمن ﴿يتق الله يَجْعَل لَهُ من أمره يسرا﴾ وان سبق مِنْهُ تَفْرِيط وَعَاد إِلَى التَّقْوَى كفر عَنهُ مَا مضى وَذَلِكَ قَوْله يكفر سيئاته انْتهى الْمَقْصُود مِنْهُ
الْفَائِدَة الرَّابِعَة
حُصُول الْعَاقِبَة الْحسنى وَالْعَاقبَة لِلْمُتقين
قَالَ ابْن الْعَرَبِيّ يَعْنِي الَّذين استعانوا بِاللَّه وصبروا على بلَاء الله وَرَضوا بِقَضَاء الله وَلم يُؤثر فيهم الْخُرُوج من الوطن وَلَا تعذر الزَّمن
الْفَائِدَة الْخَامِسَة
اصلاح الاعمال ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا اتَّقوا الله وَقُولُوا قولا سديدا يصلح لكم أَعمالكُم﴾
قَالَ ابْن الْعَرَبِيّ قيل سددوا اقوالكم تسدد اعمالكم وَلَقَد رفع عَنْك الْحَرج من رَضِي عَنْك بِحَالَة وقالة فالحالة ترك الشّرك والقالة كلمة الشَّهَادَة فَإِذا فَعلْتُمْ ذَلِك اصلح الله اعمالكم الدُّنْيَوِيَّة من الْخلَل وَغفر لكم فِي الْآخِرَة الزلل فحصلت لكم سَعَادَة الدَّاريْنِ
стр. 892
قَالَ وَمن فَوَائِد أبي سعيد الشَّهِيد ذكر الاعمال بِالْجمعِ وقدمها على الغفران لِأَنَّهُ مَا لم تصلح اعمالك وَلم تكفك اشغالك لم تتفرغ لحَدِيث آخرتك
الْفَائِدَة السَّادِسَة
الرزق الْحَلَال ﴿وَيَرْزقهُ من حَيْثُ لَا يحْتَسب﴾ خرج ابْن الْمُبَارك عَن الْحسن قَالَ لزم رجل بَاب عمر رَضِي الله عخنه كلما خرج رَآهُ بِالْبَابِ فَقَالَ يَوْمًا انْطلق فأقرأ الْقُرْآن فَإِنَّهُ سيغنيك عَن بَاب عمر فَانْطَلق الرجل فَقَرَأَ الْقُرْآن فَفَقدهُ عمر فَجعل يَطْلُبهُ إِذْ رَآهُ يَوْمًا فَقَالَ لَهُ يَا فلَان لقد فقدناك فَمَا الَّذِي حَبسك عَنَّا فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أَمرتنِي أَن اقْرَأ الْقُرْآن فَقَرَأته فإنني عَن بَاب عمر فَقَالَ لَهُ وَمَا قَرَأت قَالَ ﴿وَمن يتق الله يَجْعَل لَهُ مخرجا وَيَرْزقهُ من حَيْثُ لَا يحْتَسب﴾ فَقَالَ عمر ﵁ فقه الرجل فلأجل هَذَا قيل فِي هَذَا الْمَعْنى من تحقق بالتقوى هون الله عَلَيْهِ الاعراض عَن الدُّنْيَا
الْفَائِدَة السَّابِعَة
فتح ابواب البركات الكفيلة باتمام النِّعْمَة وَحسن عَاقبَتهَا ﴿وَلَو أَن أهل الْقرى آمنُوا وَاتَّقوا لفتحنا عَلَيْهِم بَرَكَات من السَّمَاء وَالْأَرْض﴾
قَالَ ابْن الْعَرَبِيّ وَلَو اتَّقوا مَا حذرناهم مِنْهُ واعتبروا بِمن سلف قبلهم من الامم لمكناهم من امالهم الدُّنْيَوِيَّة وعصمناهم من الافات
قَالَ وَلَيْسَ الْعبْرَة فِي النِّعْمَة وانما الْعبْرَة فِي الْبركَة فِيهَا وَلَيْسَت الْعبْرَة فِي الْبركَة إِنَّمَا الْعبْرَة فِي الْعَاقِبَة وَهِي الرِّضَا
стр. 893
الْفَائِدَة الثَّامِنَة
الْكَرَامَة والعزة ﴿إِن أكْرمكُم عِنْد الله أَتْقَاكُم﴾
قَالَ ابْن الْعَرَبِيّ وَذَلِكَ من أعظم مراتبها واكثر فوائدها وَأجل ثمراتها فَأكْرم الْخلق عِنْد اله أَكْثَرهم وقاية وَمن استوفاها فَهُوَ اقْربْ إِلَى الله وارفع مرتبَة لَدَيْهِ
قَالَ فِي احكامه وَفِي الحَدِيث الْحسب يُسَاوِي المَال وَالْكَرم يُسَاوِي التَّقْوَى
الْفَائِدَة التَّاسِعَة
الْبشَارَة فِي الدُّنْيَا وَعند الْمَوْت الَّذين آمنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ لَهُم الْبُشْرَى فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا وَفِي الْأُخْرَى
قَالَ ابْن الْعَرَبِيّ الَّذين قَالُوا لَا اله إِلَّا الله ووفوا بذلك فِي الاعتقادات والتحرز من الغفلات والتوقي من الشُّبُهَات دع عَنْك الْمُحرمَات لَهُم الْبُشْرَى قطعا فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا بالمعيشة الطّيبَة وَفِي الْأُخْرَى بالحالة المرضية
الْفَائِدَة الْعَاشِرَة
رَجَاء الرَّحْمَة وَاتَّقوا الله لَعَلَّكُمْ ترحمون
قَالَ الاستاذ أَبُو سعيد التَّقْوَى على كمالها عزيزة الْوُجُود واجتماع خصالها مُتَعَذر وَرَحْمَة الله تَعَالَى لَا تَنْحَصِر فيستقيم حمل
стр. 894
الْأَمر بهَا مَعَ الترجية على انه فِي كل خصْلَة مِنْهَا على انفرادها مَعَ قطع النّظر عَن غَيرهَا لِأَن الاية لَيست نصا فِي عُمُوم التَّقْوَى وَلَا فِي عُمُوم الرَّحْمَة لِأَن اتَّقوا وترحمون فعلان فِي الاثبات لَا عُمُوم لَهما وَيدل عَلَيْهِ حَدِيث الْبَغي فِي البُخَارِيّ وَحَدِيث غُصْن الشوك فِي الْمُوَطَّأ
قَالَ وَمن هَذَا الْبَاب خلطوا عملا صَالحا وَآخر سَيِّئًا ثمَّ رجام برحمة التَّوْبَة عَلَيْهِم أجل عَمَلهم الصَّالح وان كَانَ مشوبا بِشَيْء
الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة
مَحل هَذَا التَّقْوَى الْقلب لقَوْله ﷺ التَّقْوَى هَا هُنَا اشار إِلَى صَدره فالعناية بِهِ لذَلِك ولتوقف صَلَاح سَائِر الْجَوَارِح عَلَيْهِ متأكدة قَالَ ﷺ أَن فِي الْجَسَد مُضْغَة إِذا صلحت صلح الْجَسَد كُله وَإِذا فَسدتْ فسد الْجَسَد كُله إِلَّا وَهِي الْقلب
قَالَ الْغَزالِيّ وصلاحه بتقدم تَطْهِيره من حب الدُّنْيَا هُوَ رَأس كل خَطِيئَة والداء العضال الَّذِي اعجز الْخلق
قَالَ وَطَرِيقه فِي ذَلِك بِمَعْرِِفَة عيب الدُّنْيَا وآفتها وَشرف الاخرة ورتبتها
قَالَ واقل آفاتها وَهُوَ مُتَيَقن للعاقل وَالْجَاهِل إِنَّهَا منقضية على الْقرب وسعادة الاخرة لَا انْقِضَاء لَهَا هَذَا أَن سلمت من الموذيات والمكدرات وهيهات لم يسلم أحد من ذَلِك
стр. 895
الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة
قَالَ الْغَزالِيّ حَدهَا تبرئة الْقلب عَن شَرّ لم يسْبق اليك مثله بِقُوَّة الْعَزْم على تَركه حَتَّى يصير ذَلِك وقاية بَيْنك وَبَين كل شَرّ
قَالَ ثمَّ الشرور قِسْمَانِ اصلي كالمعاصي المحضرة وَغير اصلي كالمباح الْمَأْخُوذ بِشَهْوَة وتقوى الأول فرض وَهِي ادنى الدَّرَجَات وتقوى الثَّانِي ادب وَهِي اعلاها وَالْجمع بَينهمَا هُوَ الْكَمَال الْجَامِع لكل خير فِيهَا وَهُوَ الْوَرع الَّذِي هُوَ ملاك الدّين انْتهى مُلَخصا
الْمَسْأَلَة السَّادِسَة
قَالَ الْعلمَاء منَازِل التَّقْوَى ثَلَاثَة عَن الشّرك وَعَن الْبِدْعَة وَعَن الْمعاصِي
قَالَ الْغَزالِيّ وَقد ذكرهَا الله تَعَالَى فِي آيَة وَاحِدَة فِي قَوْله ﴿لَيْسَ على الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات جنَاح فِيمَا طعموا إِذا مَا اتَّقوا وآمنوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات ثمَّ اتَّقوا وآمنوا ثمَّ اتَّقوا وأحسنوا﴾ فالاولى عَن الشّرك والايمان فِي مُقَابلَة التَّوْحِيد وَالثَّانيَِة عَن الْبِدْعَة والايمان الَّذِي ذكر مَعَهُمَا إِقْرَار بِالسنةِ وَالْجَمَاعَة وَالثَّالِثَة عَن الْمعاصِي الفرعية والاقرار فِيهَا مقابلها بالاحسان وَهُوَ الطَّاعَة والاستقامة عَلَيْهَا
الْمَسْأَلَة السَّابِعَة
تفْتَقر التَّقْوَى إِلَى عُلُوم ثَلَاثَة
الْعلم الأول المتقى وَهُوَ الله سُبْحَانَهُ لقَوْله تَعَالَى ﴿وَاتَّقوا الله﴾ فَإِذا لَا تصح إِلَّا بعد مَعْرفَته بأسمائه وَصِفَاته ووعوده ووعيده ضَرُورَة لِأَن تعبده بهَا ثَان عَن معرفَة المتعبد لَهُ بِمَا يجب لوُجُوده الْمُقَدّس جلّ جَلَاله
стр. 896
الْعلم الثَّانِي وَهُوَ المتقى بِهِ وَهُوَ الْعَمَل بالطاعات وَاجْتنَاب السَّيِّئَات قَالَ الاستاذ أَبُو سعيد من لَا يعرف مَا يعْمل وَلَا مَا يتْرك لَا يَصح أَن يكون متقيا وَألا فيتقي مَاذَا
وَقد قَالَ الْقَائِل
(خل الذُّنُوب صغيرها ... وكبيرها فَهُوَ التقى)
(واصنع كماش فَوق ارْض ... الشوك يحذر مَا يرى)
(لَا تحتقرن صَغِيرَة ... أَن الْجبَال من الْحَصَا)
قَالَ وَلَا شكّ أَن الْأَعْمَى لَا يعرف الشوك من غَيرهَا ليتقيها فَلَا بُد لَهُ أَن يَقع فِيهَا كَذَلِك كل من لَا يعرف طرق الشَّرْع اعمى عَنْهَا حَيْثُ لَا يتَصَوَّر أَن يسلكها انْتهى
قلت وَمن هُنَا يجب علم مَا بِهِ التَّقْوَى الْوَاجِبَة من بَاب مَا لَا يتَوَصَّل إِلَى الْوَاجِب إِلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِب
الْعلم الثَّالِث الْبَاعِث على التَّقْوَى وَهُوَ الفكرة الْمعبر عَنْهَا بِالذكر الْخَفي وَهُوَ ذكر الله تَعَالَى عِنْد أمره وَنَهْيه
قَالَ الاستاذ أَبُو سعيد من لَا يعرف موضعهَا لَا يكون لَهُ باعث على التَّقْوَى
قَالَ وموضوعها امران
أَحدهَا فَوَائِد التَّقْوَى
قلت وَقد سبق مِنْهَا مَا فِيهِ كِفَايَة
الثَّانِي الْأَحْكَام الْمُتَعَلّقَة بأقوال الْعباد واعمالهم وَهِي خَمْسَة عشر حكما مَنْصُوصا عَلَيْهَا من علمهَا مَعَ تِلْكَ الْفَوَائِد فقد توفرت عِنْده دواعي التَّقْوَى وَعلم علومها الَّتِي تضمنها قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّمَا يخْشَى الله من عباده الْعلمَاء﴾
стр. 897
الْمَسْأَلَة الثَّامِنَة
الْأَحْكَام الَّتِي أَشَارَ اليها هِيَ الِاطِّلَاع والترقب والتلقي وَالْحِفْظ والاملاء والكتب والاتساخ والتعاقب والمقابلة وَالْعرض وَالدُّعَاء والاداء والروية وَالْوَزْن وَالْجَزَاء
فَالْأول وَهُوَ الِاطِّلَاع أَنْوَاع أَحدهَا اطلَاع الله تَعَالَى ﴿ونعلم مَا توسوس بِهِ نَفسه﴾ ﴿ألم يعلم بِأَن الله يرى﴾
(إِذا مَا خلوت الدَّهْر يَوْمًا فَلَا تقل خلوت وَلَكِن قل على رَقِيب ... وَلَا تحسبن الله يغْفل سَاعَة وَلَا أَن مَا يخفى عَلَيْهِ يغيب)
الثَّانِي اطلَاع الْحفظَة الْكِرَام وان عَلَيْكُم لحافظين كراما كاتبين يعلمُونَ مَا تَفْعَلُونَ
قلت وَفِي الحَدِيث أَن لسَانك قلمهم وَرِيقك مدادهم وَمَا ينطوي الْقلب عَلَيْهِ قَلِيل يطلعون عَلَيْهِ وَذَلِكَ بعلامة يَجْعَلهَا الله لَهُم وَقيل يبْقى عَنْهُم مغيبا
الثَّالِث اطلَاع جَمِيع الْمَلَائِكَة لما ورد أَن الْعَرْش مرآتهم الَّتِي يرَوْنَ فِيهَا جَمِيع الْوُجُود كالادميين واحوالهم ليشهدوا لَهُم وَعَلَيْهِم فِي الاخرة
وَالثَّانِي هُوَ الترقب من الْحفظَة ﴿مَا يلفظ من قَول إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيب عتيد﴾ أَي حَاضر فَهُوَ بِمَعْنى الْمُلَازمَة قَالَ الاستاذ أَبُو سعيد وَفِي هَذَا يُفَارق الِاطِّلَاع يُرِيد الْمُتَقَدّم الذّكر قَالَ إِذْ الْمُلَازمَة أَمر زَائِد على الْعلم
قلت وَكتب الشَّيْخ أَبُو اسحاق الشاطبي على هَذَا الْموضع وَمن خطه نقلت وَتَأمل اطلَاع ابليس وقبيله على احوال العَبْد ﴿إِنَّه يراكم هُوَ وقبيله من حَيْثُ لَا ترونهم﴾
стр. 898
وَالثَّالِث وَهُوَ التلقي فِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِذْ يتلَقَّى المتلقيان عَن الْيَمين وَعَن الشمَال قعيد﴾ وَمَعْنَاهَا أَخذ الْملكَيْنِ الْكَاتِبين عَنْك اقوالك وافعالك قبل أَن توخذ عَنْك وَمثله تلقي الركْبَان فَإِذا صدرت مِنْك حَسَنَة أَو سَيِّئَة بقوله أَو فعل تلقياها قبل النَّاس أَجْمَعِينَ
قَالَ الاستاذ وَهَذَا يَقْتَضِي الْمُبَادرَة وَذَلِكَ أَمر زَائِد على الْمُلَازمَة وَالْعلم
وَالرَّابِع وَهُوَ الْحِفْظ فَمن قَوْله تَعَالَى ﴿وَيُرْسل عَلَيْكُم حفظَة﴾ ﴿وَإِن عَلَيْكُم لحافظين﴾ وَمَعْنَاهُ خلاف النسْيَان أَي يعلمونه ثمَّ لَا ينسونه إِلَى أَن يؤدوا الشَّهَادَة يَوْم الْقِيَامَة فَيكون الْعَمَل مَكْتُوبًا فِي كتبهمْ مَحْفُوظًا فِي نُفُوسهم
وَالْخَامِس وَهُوَ الاملاء وَمَعْنَاهُ القاؤك على الْملكَيْنِ كل مَا تَقوله من خير أَو شرك فَإِن أكثرت اكثرا وَإِن اقللت قللا فمستفاد من قَوْله تَعَالَى ﴿إِذْ يتلَقَّى المتلقيان﴾ الاية أَي مَا يلقيه العَبْد كَانَت عَائِشَة ﵂ تَقول لمن تحدث بعد الْعَتَمَة أَلا تريحون الْكتاب
السَّادِس وَهُوَ الْكتب فَفِي قَوْله ﴿إِن رسلنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ﴾ كراما كاتبين قَالَ عَليّ بن أبي طَالب ﵁ أَن لله مَلَائِكَة ينزلون كل يَوْم بِشَيْء يَكْتُبُونَ فِيهِ اعمال الْعباد
وَالسَّابِع وَهُوَ الاستنساخ فِي قَوْله تَعَالَى هَذَا كتَابنَا ينْطق عَلَيْكُم بِالْحَقِّ انا كُنَّا نَسْتَنْسِخ مَا كنت تعلمُونَ
стр. 899
قَالَ الاستاذ فسره ابْن عَبَّاس ﵄ بِأَن الله تَعَالَى خلق النُّون وَهِي الدواة وَخلق الْقَلَم فَقَالَ اكْتُبْ قَالَ وَمَا أكتب قَالَ مَا هُوَ كَائِن إِلَى يَوْم الْقِيَامَة من عمل مَعْمُول برا وفجورا ورزق مقسوم من حَلَال أَو حرَام ثمَّ ألزم كل شَيْء من ذَلِك شَأْنه دُخُوله فِي الدُّنْيَا ومقامه فِيهَا وَخُرُوجه مِنْهَا كم هُوَ ثمَّ جعل على الْعباد حفظَة كتابا وعَلى الْكتاب خزانا فالحفظة ينسخون فِي كل يَوْم من الْخزَّان عمل ذَلِك الْيَوْم فَإِذا فنى ذَلِك الرزق وَانْقطع الاثر وانقضى الاجل أَتَت الْحفظَة الخزنة يلطبون عمل ذَلِك الْيَوْم فَتَقول الخزنة مَا نجد لصاحبكم عندنَا شَيْئا فترجع الْحفظَة فيجدونه قد مَاتَ
ثمَّ قَالَ ابْن عَبَّاس ري الله عَنهُ ألستم قوما عربا تَسْمَعُونَ الْحفظَة تَقول انا كُنَّا نَسْتَنْسِخ مَا كُنْتُم تعلمُونَ وَهل يكون الاستنساخ إِلَّا من اصل قَالَ فقد اخبرك ابْن عَبَّاس أَن على الْعباد حفظَة وعَلى الْحفظَة خزانا يسمون أَيْضا حفظَة الْحفظَة
وَالثَّامِن وَهُوَ التَّعَاقُب فَالْمُرَاد بِهِ تعاقب الْمَلَائِكَة فِي الْخلق لَيْلًا وَنَهَارًا لقَوْله ﷺ يتعاقبون فِيكُم مَلَائِكَة بِاللَّيْلِ وملائكة بِالنَّهَارِ الحَدِيث قَالَ الاستاذ وَهُوَ مُسْتَفَاد من قَوْله تَعَالَى ﴿وَيُرْسل عَلَيْكُم حفظَة﴾ فهم يتعاقبون عِنْد مَا يرسلون
وَالتَّاسِع وَهُوَ الْمُقَابلَة فَهِيَ فِي الاتنساخ قَالَ ابْن عَبَّاس ﵁ فرغ الله مِمَّا هُوَ كَائِن تنسخ الْمَلَائِكَة مَا يعْمل الْعباد يَوْمًا فيوما من اللَّوْح الْمَحْفُوظ فيقابل بِهِ عمل الانسان لَا يزِيد على ذَلِك وَلَا ينقص
والعاشر وَهُوَ الْعرض فَفِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ تعرض الاعمال يَوْم الِاثْنَيْنِ وَيَوْم الْخَمِيس فَأحب أَن يعرض عَمَلي وَأَنا
стр. 900
صَائِم قَالَ الاستاذ قيل أَن المعروض مَا كتبت الْمَلَائِكَة وَألا فالاعمال مَعْلُومَة لله تَعَالَى فِي كل وَقت وَعند الْعرض ينْسَخ مِنْهَا مَا يجْرِي عَلَيْهِ من خير ويلغى سائره والمكتوب اولا هُوَ الْجَمِيع
قَالَ وَتعرض أَيْضا على ارواح المعارف الْمُؤمنِينَ وعَلى رَسُول الله ﷺ ليشهدون بهَا وَقع ذَلِك فِي رقائق ابْن الْمُبَارك انْتهى
وَالْحَادِي عشر وَهُوَ الدُّعَاء فَفِي قَوْله تَعَالَى ﴿كل أمة تدعى إِلَى كتابها﴾ أَي إِلَى الْكتاب الَّذِي كتبته حَفظتهَا فِي الدُّنْيَا
الثَّانِي عشر وَهُوَ الاداء فَفِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَقَالَ قرينه هَذَا مَا لدي عتيد﴾ أَي هَذَا مَا عِنْدِي حَاضر مِمَّا كتبته عَلَيْهِ فَهُوَ أَدَاء شَهَادَة يحملهَا القرين فِي الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ أَدَاء الاعضاء وَالْأَرْض بشهادتها يَوْم تشهد عَلَيْهِم ألسنتهم وايديهم وارجلهم بِمَا كَانُوا يعْملُونَ وَالْأَرْض يَوْمئِذٍ تحدث اخبارها
الثَّالِث عشر وَهُوَ الرُّؤْيَة فَفِي قَوْله تَعَالَى ﴿ليروا أَعْمَالهم فَمن يعْمل مِثْقَال ذرة خيرا يره وَمن يعْمل مِثْقَال ذرة شرا يره﴾
وَالرَّابِع عشر وَهُوَ الْوَزْن فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَالْوَزْن يَوْمئِذٍ الْحق فَمن ثقلت مَوَازِينه فَأُولَئِك هم المفلحون﴾ الاية حمل على الموزونات أَو على انه اتى بِلَفْظ الْجمع تَعْظِيمًا لشأنه وتحذيرا من السَّيِّئَات وتحريضا على الْحَسَنَات
стр. 901
قَالَ بعض الشُّيُوخ وَلَو لم تسمع من الْقُرْآن إِلَّا هَذِه الاية لَكَانَ فِيهَا للعاقل كِفَايَة لاشتمالها على الْوَعيد التَّام لأهل الذُّنُوب والوعد الْجَمِيل لأهل الطَّاعَات
وَالْخَامِس عشر وَهُوَ الْجَزَاء ﴿الْيَوْم تُجْزونَ مَا كُنْتُم تَعْمَلُونَ﴾ ﴿ليجزي الله كل نفس مَا كسبت﴾
قلت وَمن ثمَّ سميت الْقِيَامَة بِيَوْم الْجَزَاء اعلاما بِأَن لَا تجزي نفس عَن نفس شَيْئا
قَالَ ابْن الْعَرَبِيّ أَي لَا تقضي وَلَا تفدى لقَوْله تَعَالَى ﴿فاليوم لَا يُؤْخَذ مِنْكُم فديَة﴾
قَالَ أما انه يقْضِي بِغَيْر اخْتِيَاره من حَسَنَاته بِمَا عَلَيْهِ من الْحُقُوق
الْمَسْأَلَة التَّاسِعَة
قَالَ الشَّيْخ عز الدّين النَّاس فِي رُتْبَة مشقة التَّقْوَى على ثَلَاثَة
أَحدهَا شَاب نَشأ فِي عبَادَة الله وَلَا تقع مِنْهُ إِلَّا الصَّغَائِر نَادرا فرعايتها سهلة عَلَيْهِ لمصيرها كالعادة المألوفة لَهُ وَمهما وَقعت مِنْهُ الزلة استوحش مِنْهَا وبادر إِلَى الاقلاع عَنْهَا
الثَّانِي تائب من ذنُوبه بعد مَا ألف الْمعاصِي فنفسه تذكره بشهواتها والشيطان يحثه على ذَلِك فرعايتها شاقة عَلَيْهِ لما ألف من الركون إِلَى الشَّهَوَات والاستراحة من مشقة الطَّاعَات
الثَّالِث مُسلم موحد مرتكب جَمِيع مَا يهواه من الْمعاصِي والمخالفات
стр. 902
فرعايتها شَدِيدَة الْمَشَقَّة لما يفوتهُ من تِلْكَ الشَّهَوَات ويشق عَلَيْهِ من مُلَابسَة الطَّاعَات
الْمَسْأَلَة الْعَاشِرَة
تقدم فِي الْبَاعِث على التَّقْوَى مَا يُؤْخَذ مِنْهُ تسهيل مشقتها وَحَاصِله بالخوف تَارَة وبالرجاء أُخْرَى وَمن ثمَّ قَالَ الشَّيْخ عز الدّين إِذا نظر إِلَى مَا أعد الله لِلْمُتقين من الكرامات حثه على حتمال مشقة الطَّاعَات وَإِذا نظر إِلَى مَا توعد بِهِ العصاة من الْعقَاب حثه على أَن يتقيها بملازمة المشقات فِي اقامة الطَّاعَات
قَالَ وَلَا بُد من استحضار ذَلِك دَائِما حَتَّى يصير الثَّوَاب وَالْعِقَاب نصب عين فيحثاه على فعل الطَّاعَات وَترك المخالفات
الْمُقدمَة الثَّانِيَة فِي حسن الْخلق
وَقد سبق فِي مُقَدمَات الْبَاب الثَّانِي من الْكتاب الثَّانِي أَيْضا مَا هُوَ من فُصُول هَذَا الْمقَام وكماله الْآن بِمَا يفْتَقر اليه من مسَائِله
الْمَسْأَلَة الأولى
قَالَ الْغَزالِيّ هُوَ صفة سيد الْمُرْسلين وَأفضل اعمال الصديقين والاخلاق السَّيئَة هِيَ السمُوم القاتلة والمخازي الفاضحة
стр. 903
وَقَالَ الطرطوشي وَاعْلَمُوا أَن الْخلق الْحسن افضل مَنَاقِب العَبْد وَبِه يظْهر جَوَاهِر الرِّجَال
قَالَ والانسان مَشْهُور بخلقه فَإِن الله تَعَالَى خص النَّبِي ﷺ بِمَا خصّه بِهِ من الْفَضَائِل وَلم يثن عَلَيْهِ بِشَيْء بِمثل مَا أثنى عَلَيْهِ بخلقه فَقَالَ ﴿وَإنَّك لعلى خلق عَظِيم﴾
قَالَ وَعَن هَذَا قَالَ الشُّيُوخ أَن الله دَعَا الْخلق اليها كَمَا دَعَا نبيه ﷺ
الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة
من فضائله المرغب فِيهَا أُمُور أَحدهَا دلَالَته على أَن المنتصف بِهِ من خِيَار الْعباد فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن عبد الله بن عمر ﵄ قَالَ لم يكن النَّبِي ﷺ فَاحِشا وَلَا متفحشا وَكَانَ يَقُول أَن من خياركم أحسنكم خلقا
الثَّانِي انه أثقل مَا يوضع فِي ميزَان الْحَسَنَات يَوْم الْقِيَامَة فَعَن أبي الدَّرْدَاء ﵁ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ مَا شَيْء اثقل فِي ميزَان الْمُؤمن يَوْم الْقِيَامَة من خلق حسن وَالله يبغض الْفَاحِش الْبَذِيء رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ
الثَّالِث أَن صَاحبه احب إِلَى رَسُول الله ﷺ وَأقرب النَّاس اليه فِي الْآخِرَة فَعَن عبد الله بن عمر ﵄ انه سمع رَسُول الله ﷺ يَقُول إِلَّا اخبركم بأحبكم الي وأقربكم مني مَجْلِسا
стр. 904
يَوْم الْقِيَامَة قَالُوا نعم يَا رَسُول الله قَالَ أحسنكم خلقا رَوَاهُ الْأَمَام احْمَد
الرَّابِع تبليغه لَا عظم الدَّرَجَات مَعَ التَّقْصِير فِي الْعَمَل فَعَن أنس بن مَالك ﵁ عَن رَسُول الله ﷺ قَالَ أَن العَبْد ليبلغ بِحسن خلقه عَظِيم دَرَجَات الاخرة وَشرف الْمنَازل وانه لضعيف الْعِبَادَة وانه ليبلغ بِسوء خلقه أَسْفَل دَرَجَة فِي جَهَنَّم
الْخَامِس انه فِي مُعَاملَة الْخلق لما يفوت من ارضائهم بِمَعْرُوف المَال فَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ انكم لن تسعوا النَّاس بأموالكم وَلَكِن يسعهم مِنْكُم بسط الْوَجْه وَحسن الْخلق
الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة
لحسن الْخلق عَلَامَات تدل على عدوى الْوَفَاء بهَا بعد المجاهدة
قَالَ الْغَزالِيّ وَأول مَا يمْتَحن بِهِ الصَّبْر على الاذى وَاحْتِمَال الجفا قَالَ وَقَالَ يُوسُف بن اسباط علامتها عشرَة اشياء قلَّة الْخلاف وَحسن الانصاف وَترك طلب العثرات وتحسين مَا يَبْدُو من السَّيِّئَات والتماس المعذرة وَاحْتِمَال الاذى وَالرُّجُوع بالملامة على النَّفس والتفرد بِمَعْرِِفَة عُيُوب نَفسه دون عُيُوب غَيره وطلاقة الْوَجْه للكبير وَالصَّغِير ولطف الْكَلَام لمن دونه وفوقه
стр. 905
الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة
قَالَ الْغَزالِيّ وَلم يبلغ كَمَال الِاعْتِدَال فِيهَا يَعْنِي الْخلق الْحسن إِلَّا رَسُول الله ﷺ النَّاس بعده متفاوتون فِي الْقرب والبعد مِنْهُ
قَالَ فَكل من قرب مِنْهَا فَهُوَ قريب من الله تَعَالَى بِقدر قربه من رَسُول الله ﷺ وكل من جمع كمالها اسْتحق أَن يكون بَين الْخلق ملكا مُطَاعًا يرجعُونَ اليه ويقتدون بِهِ وَمن انْفَكَّ عَن جُمْلَتهَا واتصف بأذدادها اسْتحق أَن يخرج من بَين الْعباد لقُرْبه من الشَّيْطَان اللعين المبعد وَلم يبْعَث ﷺ إِلَّا بتميم محَاسِن الاخلاق
قلت مثله للطرطوشي وَهُوَ مَقْطُوع بِهِ من سيرته ﷺ
الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة
الحكايات فِي حسن الْخلق مُتعَدِّدَة وَيَكْفِي مِنْهَا فِي الْموضع حكايتان
الْحِكَايَة الأولى يرْوى أَن عَليّ بن مُوسَى الرِّضَا كَانَ يمِيل وَجهه إِلَى السوَاد إِذْ كَانَت أمه سَوْدَاء وَكَانَ لَهُ فِي نيسابور على بَاب دَاره حمام وَكَانَ إِذا دخله فرغ لَهُ فدخله يَوْمًا فاطبق بَابه وَمر الحمامي إِلَى بعض حَوَائِجه فَتقدم انسان رستاقي وَنزع ثِيَابه وَدخل الْحمام فَرَأى عَليّ بن مُوسَى الرِّضَا ﵁ فَظن أَنه بعض خدم الْحمام فَقَالَ لَهُ قُم فاحمل الي المَاء فَقَامَ وامتثل جَمِيع مَا كَانَ يَأْمُرهُ بِهِ فَرجع الحمامي فَرَأى ثِيَاب
стр. 906
الرستاقي وَسمع كَلَامه مَعَ عَليّ بن مُوسَى فخاف وهرب وخلاهما فَلَمَّا خرج عَليّ بن مُوسَى وَسَأَلَ عَن الحمامي فَقيل لَهُ خَافَ مِمَّا جرى فهرب فَقَالَ مَا يَنْبَغِي لَهُ أَن يهرب أَن الذَّنب على من وضع مَاءَهُ عِنْد أمة سَوْدَاء هلا اخْتَار
الْحِكَايَة الثَّانِيَة قيل كَانَ مُحَمَّد بن سَحْنُون ايام قَضَائِهِ بأفريقية إِذا قعد للتدريس أَتَاهُ انسان يتخطى رِقَاب النَّاس حَتَّى يصل اليه فيحدثه سَاعَة فِي أُذُنه ثمَّ ينْصَرف فبقى كَذَلِك مُدَّة وَكَانَ إِذا اقبل يَقُول القَاضِي لجماعته افسحوا لَهُ وَيَأْتِي فيفعل الْعَادة ثمَّ انْقَطع بعد ذَلِك مُدَّة فَسَأَلَ عَنهُ من حَضَره فقاولوا لَا عرف خَبره فَقَالَ اطلبوه فَإِذا وجدتموه فآتوني بِهِ فوجدوه فَأتوا بِهِ اليه فَأَخذه وخلا بِهِ وَقَالَ لَهُ مَا مَنعك من عادتك فَقَالَ لَهُ يَا سَيِّدي لي بَنَات قد كبرن واحتجن إِلَى التَّزْوِيج وَأَنا فَقير فَقَالَ لي بعض النَّاس أغضبت فلَانا فَنحْن نزيل فقرك ونجهز بناتك أَو كَمَا قَالُوا فَبَقيت تِلْكَ الْمدَّة أجيء اليك فاقذفك واشتمك وأفعل مَا قدر رَأَيْت علك تغْضب يَوْمًا فَيحصل لي مَا اتَّفقُوا عَلَيْهِ فَلَمَّا أَيِست من غضبك تركت ذَلِك إِذْ لَا فَائِدَة فِيهِ فَقَالَ لَهُ لَو اخبرتني كنت اقوم لَك بضرورتك ثمَّ قَالَ لَهُ اعليك سفر فَقَالَ لَهُ لَو اخبرتني كنت اقوم لَك بضرورتك ثمَّ قَالَ لَهُ اعليك سفر فَقَالَ يَا سَيِّدي أَي شَيْء اشرت بِهِ على فعلت فَأمر الْكَاتِب أَن يكْتب لَهُ كتابا بِالْوَصِيَّةِ عَلَيْهِ إِلَى نوابه فِي الْبِلَاد وانه مُسْتَحقّ مِمَّن يعتني بِهِ القَاضِي فسافر إِلَى الْبِلَاد ثمَّ رَجَعَ وَمَعَهُ الْأَمْوَال مَا أَزَال فقره وجهز بَنَاته
стр. 907
السياسة الأولى
سياسة الْمَعيشَة
وَقبل النّظر فِيهَا فَهُنَا مُقَدمَات
الْمُقدمَة الأولى
أَن الِاكْتِسَاب للمعاش مَطْلُوب شرعا مَا لم يمْنَع مِنْهُ مَانع كَمَا أَن تَركه مَعَ الْقُدْرَة عَلَيْهِ مَذْمُوم كَذَلِك أَو مفضول فقك كَانَ رَسُول الله ﷺ يكْتَسب لنَفسِهِ وَعِيَاله وَيدخل الاسوال لذَلِك حَتَّى قَالَت الْكَفَرَة ﴿مَا لهَذَا الرَّسُول يَأْكُل الطَّعَام وَيَمْشي فِي الْأَسْوَاق لَوْلَا أنزل إِلَيْهِ﴾ توهما أَن ذَلِك ينْقض من على منصبه وحاشاه بل هُوَ الْمُعظم عِنْد الله وَأقرب إِلَى مرضاته لما فِيهِ من التَّوَاضُع والفهم عَنهُ فِي الدّلَالَة على طرق المكاسب بِحَسب مَا وضع الْوُجُود عَلَيْهِ
قَالَ الشَّيْخ الْأَمَام أَبُو اسحاق الشاطبي فِي بعض تقاييده وَكَذَلِكَ اصحابه ﵃ كَانُوا بَين عَامل فِي سوقه وعامل فِي أرضه ومسافر يَبْتَغِي من فضل الله وهم الْقدْوَة لمن سوماهم وَلم يَكُونُوا يتحاشون من ذَلِك وَلَا يلحقهم فِيهِ كسل وَكَانَ الْغِنَا من مقاصدهم والتكسب من شَأْنهمْ وعَلى صِحَة ذَلِك اتّفق الْعلمَاء ﵃
الْمُقدمَة الثَّانِيَة
أَن الْقيام بأمهات الصَّنَائِع الضرورية فرض على الْكِفَايَة كَمَا قَرَّرَهُ غير وَاحِد كالفلاحة وَالْبناء والخياطة وَالتِّجَارَة والحياكة حَتَّى الْحجامَة مِمَّا تَدْعُو اليه الضَّرُورَة
стр. 908
غنيمَة ثاب يَنْبَغِي لمن قَامَ بِشَيْء من هَذِه الصَّنَائِع الْمَفْرُوضَة على الْكِفَايَة أَن يَنْوِي فِيهِ أَمريْن
أَحدهمَا امْتِثَال الْأَمر بِهِ وان كَانَ مَعْقُول الْمَعْنى ليحصل لَهُ الثَّوَاب من تِلْكَ الْجِهَة
الثَّانِي اسقاط الطّلب بِهِ عَن الْمُسلمين ليدْخل فِي قَوْله ﷺ الله فِي عون العَبْد مَا كَانَ العَبْد فِي عون اخيه واذ ذَاك فَلَا فرق بَين الِاشْتِغَال بِهِ والتلبس بِالْعبَادَة الْمَحْضَة كَالصَّلَاةِ وَنَحْوهَا وَهُوَ من بَرَكَات النِّيَّة الصَّالِحَة نبه عَن ذَلِك ابْن الْحَاج وحض عَلَيْهِ وَهُوَ ظَاهر
الْمُقدمَة الثَّالِثَة
أَن الممعايش المبتغى بهَا طلب الرزق من جملَة الاسباب الْمَوْضُوع عَلَيْهَا تَرْتِيب الْوُجُود والاسباب من حَيْثُ هِيَ اسباب لَا اثر لَهَا بِنَفسِهَا فِي مسبباتها وَلَا هِيَ مولدة لَهَا وانما الاثر فِي الْحَقِيقَة لفاعل كل شَيْء وَهُوَ الله تَعَالَى لما نبه عَلَيْهِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿أَفَرَأَيْتُم مَا تمنون أأنتم تخلقونه أم نَحن الْخَالِقُونَ﴾ أَفَرَأَيْتُم مَا تَحْرُثُونَ أأنتم تزرعونه أم نَحن الزارعون فالامناء والحرث سَبَب يكتسبه الانسان وَمَا ينشأ عَنْهُمَا فَالله خالقه ومبدعه
تَنْزِيل
قَالَ الشَّيْخ أَبُو اسحاق الشاطبي ﵀ فَكَذَلِك قعُود التَّاجِر فِي الْحَانُوت مثلا هُوَ السَّبَب وَالله يُهَيِّئ لَهُ المعاش إِذْ لَا قدرَة لَهُ على جلب
стр. 909
البائعين والمشترين فَهُوَ شبه ناصب يَد الْفقر إِلَى الله تَعَالَى فِي ذَلِك السَّبَب
ثَمَرَة
قَالَ وكل من علم هَذَا تحقق أَن الله هُوَ الرَّزَّاق ذُو الْقُوَّة المتين ينشأ لَهُ من هَذَا الْعلم حَالَة قلبية تسمى التَّوَكُّل وَهُوَ الِاعْتِمَاد على الله والتعويل على فَضله وَرَحمته دون الِاعْتِمَاد على السَّبَب والاكتساب عَلامَة
قَالَ وعلامة ذَلِك فِي العَبْد أَن لَا يتَغَيَّر بِتَغَيُّر الاحوال فَإِن الِاكْتِسَاب لَا يُؤمن اختلافه بالكساد والنفاق والنشاط والكسل وَغير ذَلِك فقد يكون موسعا عَلَيْهِ ثمَّ يصير مَقْدُورًا عَلَيْهِ وَبِالْعَكْسِ فَإِذا كَانَ ثَابتا صَابِرًا مَعَ وجود هَذِه الْعَوَارِض فَذَلِك هُوَ الدَّلِيل على أَن قلبه مُتَعَلق بمسبب الاسباب وَهَذَا اعلى مَرَاتِب التَّوَكُّل وَقد قَالَ تَعَالَى ﴿وَمن يتوكل على الله فَهُوَ حَسبه﴾ انْتهى الْمَقْصُود مِنْهُ
إِذا تقرر هَذَا فَلَا نوار الاضاءة بجوامع الْعَمَل بِهَذِهِ السياسة مطالع ثَلَاثَة
стр. 910
المطلع الأول
فِي كليات مِمَّا تدبر بِهِ الْمَعيشَة من جَانب الْوُجُود وَفِيه انارات
الانارة الأولى
اقتناء المكاسب فِي الْوَقْت الْمَحْمُود لذَلِك وَهُوَ سنّ الشبيبة والاكتهال وَذَلِكَ لِأَن الانسان اربعة احوال الصِّبَا والشبيبة والاكتهال والشيخوخة مانعان من ذَلِك لفساد الاعضاء وَضعف القوى لَا سِيمَا الْعقل والتجربة فِي الصِّبَا قَالُوا وَمن أول الشبيبة إِلَى مُنْتَهى الاكتهال من أَرْبَعِينَ وَذَلِكَ من الْعشْرين إِلَى السِّتين وَمَا وَرَاء السِّتين فضعيف لما تفي بتدبير نَفسه ومكابدة ضعفه وَمَا قبل الْعشْرين فَتخرج وَتعلم وَأَوَان للارتياض واكتساب الْفَضَائِل
الانارة الثَّانِيَة
توَسط سعي هَذَا الاقتناء بَين طرفِي الافراط والتفريط فَالْأول لِئَلَّا يقطع عمره فِي جَمِيع مَا يصل بِهِ إِلَى اللَّذَّات الَّتِي يُشَارِكهُ فِيهَا الْحمار وَالْخِنْزِير أَو يستعد بِهِ لمتخوف الْحَاجة وَقد وَقع فِيهَا مثلهَا أَو اشد كَمَا قيل
(وَمن ينْفق السَّاعَات فِي جمع مَاله ... مَخَافَة فقر فَالَّذِي فعل الْفقر)
وَالثَّانِي لِئَلَّا يهمل التكسب اتكالا على البخث وايثارا لدواعي الطباع من غير مَادَّة كَافِيَة فيضيع الحزم ويعجز عَن غَايَة مَا اخْتَارَهُ ومقصد اليه إِذْ لَا قدرَة عَلَيْهِ غَالِبا إِلَّا بِالْمَالِ
стр. 911
الانارة الثَّالِثَة
توسع الْحِيلَة فِي الِاكْتِسَاب بِحَسب مزِيد الفطنة وجودة الْفِكر والروية قَالَ بعض الْحُكَمَاء يتحَرَّى ايضا بِبَالِهِ ضروب المهن وَمَا يُمكنهُ أَن ينفذ فِيهِ حِيلَة وَلَا يحفل فِيمَا يُنْفِقهُ من ذَلِك بقول قَائِل
قَالَ وَبِالْجُمْلَةِ فَهُنَا فِي خدمَة السُّلْطَان والصنائع اللطيفة اشياء يُمكن الْفَهم أَن يخترع مِنْهَا فِي بلد دون بلد وَوقت دون وَقت مكسبا يُخَالف بِهِ الْعَامَّة أَن ساعده البخت
الانارة الرَّابِعَة
سَلامَة السَّعْي من الضّر وَكَثْرَة التَّعَب وان كَانَ الرِّبْح اقل وَحَيْثُ لَا يتهيأ ذَلِك ويضطر إِلَى الْحَرَكَة وخصوصا فِي الْبَحْر فعلى شرطين
أَحدهمَا تخير الاوقات الَّتِي تغلب فِيهَا السَّلامَة مَعَ تقدم استجادة المراكب الْكِبَار غير الْقَدِيمَة والكاملة الْعدة الحاذقة النواتية
وَالثَّانِي تقليل مَسَافَة الجري فِيهِ مَا أمكن قَالَ بعض الْحُكَمَاء وَهَذِه امور مَتى احرزها الحازم مَعَ تقليل ركُوبه كَانَت أقرب إِلَى السَّلامَة
الانارة الْخَامِسَة
اقتصاد النَّفَقَة بتوسطها بَين رذيلتي السَّرف والتبذير قَالَ الْبَلْخِي المَال إِنَّمَا يقتني ليرتفق بِهِ فِي مصَالح المعاش وبازاء كل جمع مِنْهُ تَفْرِيق وَمُقَابل كل كسب مِنْهُ اتِّفَاق وَلَكِن دخل مِنْهُ خرج
قَالَ وَلذَلِك قد يُوجد المَال الْكثير إِذا انفق مِنْهُ باسراف لم يلبث أَن ينفذ ويفنى حَتَّى يبْقى صَاحبه عائلا مملقا
قلت وَفِيمَا ارشد اليه الْكتاب الْعَزِيز مَعَ وضوح مَعْنَاهُ كِفَايَة قَالَ تَعَالَى وَالَّذين إِذا انفقوما لم يُسْرِفُوا وَلم يقترُوا وَكَانَ بَين ذَلِك قواما
стр. 912
المطلع الثَّانِي
فِي أُمَّهَات مِمَّا تحفظ بِهِ من جَانب الْعَدَم وَفِيه اضاءات
الاضاءة الأولى
اجْتِنَاب مفرط الْحِرْص الْخَارِج عَن حُدُود الاجمال فِي الطّلب الْمَحْمُود عقلا ونقلا
قَالَ الْبَلْخِي وَهُوَ صُورَة افراط قُوَّة الشَّهْوَة الَّتِي سمتها الْحُكَمَاء مصيدة لَان عَامَّة النَّاس إِنَّمَا يقعون فِي المتالف والمعاطب بتسليط هَذِه الْقُوَّة عَلَيْهِم
قَالَ وَلَيْسَت هِيَ مصيدة لَهُم فَقَط بل ولاصناف الْحَيَوَان فَإِن اصطياده بالمصائد المنصوبة لَهَا إِنَّمَا يَقُودهَا اليه الشره المفرط إِلَى تنَاول مَا يلوح من الاغذية فِي تِلْكَ المصائد
الاضاءة الثَّالِثَة
اتقاء بخل النَّفَقَة فِي الاغراض الثَّلَاثَة الَّتِي هِيَ فِي هَذَا الْمقَام مَقَاصِد الساعين للدّين وَالدُّنْيَا وَهِي طلب اللَّذَّة وَالْحَمْد وَالْأَجْر لِئَلَّا يفوتهُ فِي ترك النَّفَقَة فِي تَحْصِيلهَا خيراتها العاجلة والاجلة فيفقد فَائِدَة النَّفْع بِالْمَالِ وَيعود عَلَيْهِ بالشقاء لَا السَّعَادَة وَفِي الحَدِيث إِنَّمَا لَك من مَالك مَا أكلت فأفنيت أَو لبست فأبليت أَو تَصَدَّقت فأبقيت
قلت وَقد سبق أَن مَالا ينْتَفع بِهِ من المَال لَا يُسمى رزقا
الاضاءة الثَّالِثَة
احْتِرَاز الحزم من غرر الْمُعَامَلَة بِالنَّسِيئَةِ بِاعْتِبَار من يظنّ بِهِ عدم الْوَفَاء
стр. 913
فَفِي الْعود اليوانية مَا حَاصله أَن كساد السّلع وبوارها اولى من مقَامهَا ي ذمَّة من سَاءَ قَضَاؤُهُ لَا سِيمَا أَن اضْطر اليها واستمالك فِيهَا بِزِيَادَة الرِّبْح وَسُرْعَة الْقَضَاء ليحوزها مِنْك فهناك يتَوَقَّع مَحْذُور الْخطر لَا محَالة
قَالَ وان كَانَ الاخلاف مَعَ هَذَا سهلا عَلَيْهِ وَالْحيَاء مفقودا مِنْهُ احتجت إِلَى مُقَابلَته بِمَا يزل سُورَة مروءتك وموقعك فِي الشَّرّ لَا يعدل هَذَا شَيْء من المصائب
الاضاءة الرَّابِعَة
تبَاعد التحفظ من عَاقِبَة التظاهر للنَّاس بأقصى مَا تبلغ اليه صُورَة الْحَال فَفِي العهود اليونانية لَا تخرجنك كَثْرَة مَالك إِلَى التصدي للنَّاس النَّاس فَإنَّك تبْتَاع بذلك حسن الثَّنَاء وتردع بِهِ حسد الْحَاسِد وَطعن الطاعن
الاضاءة الْخَامِسَة
هِيَ طلب السَّلامَة من مُخَالطَة السُّلْطَان فَفِي العهود لَا يحملنك ترَاهُ من قرب الْأُمُور على أهل طبقتك بالسلطان إِلَى ملابسته والترسم بِهِ فَإِن موقعك مِنْهُ موقع السخلة من الاسد يحميها فِي شبعه ويطرقها فِي جوعه
تَمْثِيل قَالَ وَقد شبه المخالط للسُّلْطَان من ذَوي المَال بِرَجُل شقّ عَلَيْهِ نقل المَاء إِلَى دَاره لسقي بُسْتَان لَهُ بهَا واصابة حاجاتها مِنْهُ فاحتفر من
стр. 914
بَحر يجاوره نَهرا إِلَى دَاره فاستمته بِهِ وَحسن اثره عَلَيْهِ فِي سُكُون المَاء وتقاصره عَن الزِّيَادَة فَلَمَّا زَاد مَاء ذَلِك الْبَحْر وَمَاجَتْ امواجه غلب على النَّهر وَالنّهر على الدَّار فغرق جَمِيع مَا فِيهَا وَكَانَ مَا خسر بهَا اضعاف مَا توفر عَلَيْهِ مِنْهُ
قَالَ وَلَا يغرنك سهولة الْأَمر عَلَيْهِ فِي موافقتك فَإِنَّهَا عَلَيْهِ فِي خِلافك اسهل
عاطفة تَكْمِيل بتتميمتين
التتميمة الأولى
ذكرُوا مِمَّا يرجع لمعاني المطلع الأول امورا يدبر بهَا المعاش
أَحدهَا خدمَة زمَان الشيخوخة قبل مَجِيئه كَمَا يخْدم فِي الصَّيف زمَان الشتَاء قبل هجومه بِجمع الْحَطب وَمَا يصعب إِذْ ذَاك الْوُصُول اليه
الثَّانِي إِثْبَات مَكَارِم الاخوان الْمُحْسِنِينَ كَمَا يثبت ديوَان الْمُعَامَلَة ليتخلص مِنْهَا بِحسن الْمُكَافَأَة لَهُ فتسلم الْحُرِّيَّة من رق الايادي
الثَّالِث احراز هني الْعَيْش بِحَمْد النَّاس مساعي الِاكْتِسَاب واصابتهم مِنْهُ مَا تقوم بِهِ الْحجَّة عَلَيْهِم ليعتصم بهم من الاشرار إِذْ سياسة الْغَنِيّ اشد من سياسة الْملك للرعية كَذَا فِي العهود
الرَّابِع مُرَاعَاة من فَوْقك وتحتك وَمن فِي طبقتك فَالْأول بالتواضع مَعَه وَالثَّانِي بالشفقة عَلَيْهِ وَالثَّالِث بالانصاف لَهُ وَإِلَّا خشيت على نَفسك بِمَا يكدر معاشك
стр. 915
الْخَامِس اظهار الْفَاقَة عِنْد ضعف مَال السُّلْطَان فَفِي العهود الْوَاجِب فِي الْخدمَة من ذَوي الْيَسَار إِذا قلت أَمْوَال السُّلْطَان أَن يظهروا الْفَاقَة ويقبضوا التَّوسعَة حَتَّى ترجع اموالهم إِلَى وفورها فَإِن انتقاص أَمْوَال الْملك محنة لحقت الاغنياء بمملكته
التميمة الثَّانِيَة
قرروا أَيْضا مِمَّا هُوَ فِي غَرَض المطلع الثَّانِي امورا
أَحدهَا مُعَاملَة الاصدقاء والمعارف فقد قَالُوا لَا تتمّ مبايعة بَين صديقين لَان من احوال الْمُبَايعَة استغلاء البَائِع الثّمن واسترخاص الْمُبْتَاع السّلْعَة وَلَيْسَت تحْتَمل الصداقة هذَيْن
الثَّانِي مُسَامَحَة الاهل وَالْولد فِي الاسترسال فِي مطَالب الترف وعوائد البذخ لما فِي ذَلِك من الْفساد الْعَائِد على النَّفس وَالْمَال إِمَّا المَال فَظَاهر واما النَّفس فَلَمَّا سبق أَن الترف مُفسد لَهَا مِمَّا يرسم فِيهَا من الوان الشَّرّ والسفسفة
الثَّالِث النَّاس الشرار بِقَضَاء حوائجهم وتوفية اغراضهم لِئَلَّا تعجز الْمقدرَة عَن الْوَفَاء لما تعود من ذَلِك وَحِينَئِذٍ فَلَا بُد من المحاجزة بَيْنك وَبينهمْ بسياج الْوُقُوف عِنْد حد مَحْدُود
следующие страницы →