← Сияса и кади

Сияса и кади · id 7236

بدائع السلك في طبائع الملك

ابن الأزرق

Полный текст (992 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

الانارة الثَّالِثَة توسع الْحِيلَة فِي الِاكْتِسَاب بِحَسب مزِيد الفطنة وجودة الْفِكر والروية قَالَ بعض الْحُكَمَاء يتحَرَّى ايضا بِبَالِهِ ضروب المهن وَمَا يُمكنهُ أَن ينفذ فِيهِ حِيلَة وَلَا يحفل فِيمَا يُنْفِقهُ من ذَلِك بقول قَائِل قَالَ وَبِالْجُمْلَةِ فَهُنَا فِي خدمَة السُّلْطَان والصنائع اللطيفة اشياء يُمكن الْفَهم أَن يخترع مِنْهَا فِي بلد دون بلد وَوقت دون وَقت مكسبا يُخَالف بِهِ الْعَامَّة أَن ساعده البخت الانارة الرَّابِعَة سَلامَة السَّعْي من الضّر وَكَثْرَة التَّعَب وان كَانَ الرِّبْح اقل وَحَيْثُ لَا يتهيأ ذَلِك ويضطر إِلَى الْحَرَكَة وخصوصا فِي الْبَحْر فعلى شرطين أَحدهمَا تخير الاوقات الَّتِي تغلب فِيهَا السَّلامَة مَعَ تقدم استجادة المراكب الْكِبَار غير الْقَدِيمَة والكاملة الْعدة الحاذقة النواتية وَالثَّانِي تقليل مَسَافَة الجري فِيهِ مَا أمكن قَالَ بعض الْحُكَمَاء وَهَذِه امور مَتى احرزها الحازم مَعَ تقليل ركُوبه كَانَت أقرب إِلَى السَّلامَة الانارة الْخَامِسَة اقتصاد النَّفَقَة بتوسطها بَين رذيلتي السَّرف والتبذير قَالَ الْبَلْخِي المَال إِنَّمَا يقتني ليرتفق بِهِ فِي مصَالح المعاش وبازاء كل جمع مِنْهُ تَفْرِيق وَمُقَابل كل كسب مِنْهُ اتِّفَاق وَلَكِن دخل مِنْهُ خرج قَالَ وَلذَلِك قد يُوجد المَال الْكثير إِذا انفق مِنْهُ باسراف لم يلبث أَن ينفذ ويفنى حَتَّى يبْقى صَاحبه عائلا مملقا قلت وَفِيمَا ارشد اليه الْكتاب الْعَزِيز مَعَ وضوح مَعْنَاهُ كِفَايَة قَالَ تَعَالَى وَالَّذين إِذا انفقوما لم يُسْرِفُوا وَلم يقترُوا وَكَانَ بَين ذَلِك قواما

стр. 912

المطلع الثَّانِي فِي أُمَّهَات مِمَّا تحفظ بِهِ من جَانب الْعَدَم وَفِيه اضاءات الاضاءة الأولى اجْتِنَاب مفرط الْحِرْص الْخَارِج عَن حُدُود الاجمال فِي الطّلب الْمَحْمُود عقلا ونقلا قَالَ الْبَلْخِي وَهُوَ صُورَة افراط قُوَّة الشَّهْوَة الَّتِي سمتها الْحُكَمَاء مصيدة لَان عَامَّة النَّاس إِنَّمَا يقعون فِي المتالف والمعاطب بتسليط هَذِه الْقُوَّة عَلَيْهِم قَالَ وَلَيْسَت هِيَ مصيدة لَهُم فَقَط بل ولاصناف الْحَيَوَان فَإِن اصطياده بالمصائد المنصوبة لَهَا إِنَّمَا يَقُودهَا اليه الشره المفرط إِلَى تنَاول مَا يلوح من الاغذية فِي تِلْكَ المصائد الاضاءة الثَّالِثَة اتقاء بخل النَّفَقَة فِي الاغراض الثَّلَاثَة الَّتِي هِيَ فِي هَذَا الْمقَام مَقَاصِد الساعين للدّين وَالدُّنْيَا وَهِي طلب اللَّذَّة وَالْحَمْد وَالْأَجْر لِئَلَّا يفوتهُ فِي ترك النَّفَقَة فِي تَحْصِيلهَا خيراتها العاجلة والاجلة فيفقد فَائِدَة النَّفْع بِالْمَالِ وَيعود عَلَيْهِ بالشقاء لَا السَّعَادَة وَفِي الحَدِيث إِنَّمَا لَك من مَالك مَا أكلت فأفنيت أَو لبست فأبليت أَو تَصَدَّقت فأبقيت قلت وَقد سبق أَن مَالا ينْتَفع بِهِ من المَال لَا يُسمى رزقا الاضاءة الثَّالِثَة احْتِرَاز الحزم من غرر الْمُعَامَلَة بِالنَّسِيئَةِ بِاعْتِبَار من يظنّ بِهِ عدم الْوَفَاء

стр. 913

فَفِي الْعود اليوانية مَا حَاصله أَن كساد السّلع وبوارها اولى من مقَامهَا ي ذمَّة من سَاءَ قَضَاؤُهُ لَا سِيمَا أَن اضْطر اليها واستمالك فِيهَا بِزِيَادَة الرِّبْح وَسُرْعَة الْقَضَاء ليحوزها مِنْك فهناك يتَوَقَّع مَحْذُور الْخطر لَا محَالة قَالَ وان كَانَ الاخلاف مَعَ هَذَا سهلا عَلَيْهِ وَالْحيَاء مفقودا مِنْهُ احتجت إِلَى مُقَابلَته بِمَا يزل سُورَة مروءتك وموقعك فِي الشَّرّ لَا يعدل هَذَا شَيْء من المصائب الاضاءة الرَّابِعَة تبَاعد التحفظ من عَاقِبَة التظاهر للنَّاس بأقصى مَا تبلغ اليه صُورَة الْحَال فَفِي العهود اليونانية لَا تخرجنك كَثْرَة مَالك إِلَى التصدي للنَّاس النَّاس فَإنَّك تبْتَاع بذلك حسن الثَّنَاء وتردع بِهِ حسد الْحَاسِد وَطعن الطاعن الاضاءة الْخَامِسَة هِيَ طلب السَّلامَة من مُخَالطَة السُّلْطَان فَفِي العهود لَا يحملنك ترَاهُ من قرب الْأُمُور على أهل طبقتك بالسلطان إِلَى ملابسته والترسم بِهِ فَإِن موقعك مِنْهُ موقع السخلة من الاسد يحميها فِي شبعه ويطرقها فِي جوعه تَمْثِيل قَالَ وَقد شبه المخالط للسُّلْطَان من ذَوي المَال بِرَجُل شقّ عَلَيْهِ نقل المَاء إِلَى دَاره لسقي بُسْتَان لَهُ بهَا واصابة حاجاتها مِنْهُ فاحتفر من

стр. 914

بَحر يجاوره نَهرا إِلَى دَاره فاستمته بِهِ وَحسن اثره عَلَيْهِ فِي سُكُون المَاء وتقاصره عَن الزِّيَادَة فَلَمَّا زَاد مَاء ذَلِك الْبَحْر وَمَاجَتْ امواجه غلب على النَّهر وَالنّهر على الدَّار فغرق جَمِيع مَا فِيهَا وَكَانَ مَا خسر بهَا اضعاف مَا توفر عَلَيْهِ مِنْهُ قَالَ وَلَا يغرنك سهولة الْأَمر عَلَيْهِ فِي موافقتك فَإِنَّهَا عَلَيْهِ فِي خِلافك اسهل عاطفة تَكْمِيل بتتميمتين التتميمة الأولى ذكرُوا مِمَّا يرجع لمعاني المطلع الأول امورا يدبر بهَا المعاش أَحدهَا خدمَة زمَان الشيخوخة قبل مَجِيئه كَمَا يخْدم فِي الصَّيف زمَان الشتَاء قبل هجومه بِجمع الْحَطب وَمَا يصعب إِذْ ذَاك الْوُصُول اليه الثَّانِي إِثْبَات مَكَارِم الاخوان الْمُحْسِنِينَ كَمَا يثبت ديوَان الْمُعَامَلَة ليتخلص مِنْهَا بِحسن الْمُكَافَأَة لَهُ فتسلم الْحُرِّيَّة من رق الايادي الثَّالِث احراز هني الْعَيْش بِحَمْد النَّاس مساعي الِاكْتِسَاب واصابتهم مِنْهُ مَا تقوم بِهِ الْحجَّة عَلَيْهِم ليعتصم بهم من الاشرار إِذْ سياسة الْغَنِيّ اشد من سياسة الْملك للرعية كَذَا فِي العهود الرَّابِع مُرَاعَاة من فَوْقك وتحتك وَمن فِي طبقتك فَالْأول بالتواضع مَعَه وَالثَّانِي بالشفقة عَلَيْهِ وَالثَّالِث بالانصاف لَهُ وَإِلَّا خشيت على نَفسك بِمَا يكدر معاشك

стр. 915

الْخَامِس اظهار الْفَاقَة عِنْد ضعف مَال السُّلْطَان فَفِي العهود الْوَاجِب فِي الْخدمَة من ذَوي الْيَسَار إِذا قلت أَمْوَال السُّلْطَان أَن يظهروا الْفَاقَة ويقبضوا التَّوسعَة حَتَّى ترجع اموالهم إِلَى وفورها فَإِن انتقاص أَمْوَال الْملك محنة لحقت الاغنياء بمملكته التميمة الثَّانِيَة قرروا أَيْضا مِمَّا هُوَ فِي غَرَض المطلع الثَّانِي امورا أَحدهَا مُعَاملَة الاصدقاء والمعارف فقد قَالُوا لَا تتمّ مبايعة بَين صديقين لَان من احوال الْمُبَايعَة استغلاء البَائِع الثّمن واسترخاص الْمُبْتَاع السّلْعَة وَلَيْسَت تحْتَمل الصداقة هذَيْن الثَّانِي مُسَامَحَة الاهل وَالْولد فِي الاسترسال فِي مطَالب الترف وعوائد البذخ لما فِي ذَلِك من الْفساد الْعَائِد على النَّفس وَالْمَال إِمَّا المَال فَظَاهر واما النَّفس فَلَمَّا سبق أَن الترف مُفسد لَهَا مِمَّا يرسم فِيهَا من الوان الشَّرّ والسفسفة الثَّالِث النَّاس الشرار بِقَضَاء حوائجهم وتوفية اغراضهم لِئَلَّا تعجز الْمقدرَة عَن الْوَفَاء لما تعود من ذَلِك وَحِينَئِذٍ فَلَا بُد من المحاجزة بَيْنك وَبينهمْ بسياج الْوُقُوف عِنْد حد مَحْدُود

стр. 916

الرَّابِع مُرُور زمَان فِي غير مَا يعود بمصلحة معاش أَو معاد لَان الْعُمر قصير لَا يَتَّسِع بِخلق مَا يضيع مِنْهُ فِي غير شَيْء الْخَامِس اعْتِمَاد السُّلْطَان فِي مُطَالبَة المعاملين لما فِيهِ من خلاف حسن المدارات ولطيف التأني ومزاولة الْأُمُور بالرفق وَفَسَاد النيات كَذَا فِي العهود قلت وَلَا يُعَارض مَا تقدم فِي التعويل على الجاه فِي استخلاص الْحُقُوق لِأَن ذَلِك حَيْثُ لَا يُمكن بِهَذِهِ السِّيرَة وَهنا مَعَ وفائها بِالْمَقْصُودِ لَا تعدل عَنْهَا المطلع الثَّالِث فِي مهمات دينية يعْتَبر مِنْهَا حفظ المعاش من جَانِبي الْوُجُود والعدم وَفِيه لوامع اللامع الأول أَن الْعدْل فِي الْمُعَامَلَة المعاشية باتقاء الظُّلم فِيهَا وان لم يفْسد العقد وَهُوَ ظلمان مَا يعم ضَرَره وَمَا يخص المعامل الظُّلم الأول مَا يعم ضَرَره وَله مثالان الْمِثَال الأول الاحتكار وَقد سبق بَيَانه حكما وَحِكْمَة وتكميله الْآن بملاحظة امرين أَحدهمَا مَا ورد فِي فَضِيلَة تَركه فَفِي الحَدِيث من جلب طَعَاما فَبَاعَهُ بِسعْر وقته فَكَأَنَّمَا تصدق بِهِ وَفِي رِوَايَة فَكَأَنَّمَا اعْتِقْ رَقَبَة

стр. 917

الثَّانِي مَا روى عَن السّلف فِي شدَّة الحذر مِنْهُ وهم الاسوة فِي الِاتِّبَاع فَعَن بَعضهم انه جهز سفينة حِنْطَة إِلَى الْبَصْرَة وَكتب إِلَى وَكيله بِعْ هَذَا الطَّعَام يَوْم يدْخل الْبَصْرَة وَلَا تؤخره إِلَى الْغَد فَوَافَقَ سَعَة فِي السّعر فَقيل لَهُ أَن أَخَّرته جُمُعَة ربحت فِيهِ أضعافه فَأَخَّرَهُ جُمُعَة فربح فِيهَا امثاله وَكتب إِلَى صَاحبه بذلك فَكتب اليه يَا هَذَا انا كُنَّا قد قعننا بِرِبْح يسير مَعَ سَلامَة ديننَا وانك خَالَفت وَمَا نحب أَن نربح أضعافه لذهاب شَيْء من الدّين وَقد جنيت علينا جِنَايَة فَإِذا أَتَاك كتابي هَذَا فَخذ المَال كُله فَتصدق بِهِ على ضعفاء الْبَصْرَة وليتني انجو من الاحتكار كفافا لَا لي وَلَا عَليّ الْمِثَال الثَّانِي ترويج الدِّرْهَم الزائف فِي اثناء النَّقْد قَالَ الْغَزالِيّ إِذْ يستضر بِهِ المعامل أَن لم يعرف وان عرف فيروجه على غَيره كَذَلِك الثَّالِث وَالرَّابِع وَلَا يزَال يتَرَدَّد فِي الايدي ويعم الضَّرَر ويتسع الْفساد وَيكون وزر الْكل ووباله رَاجعا اليه فَإِنَّهُ الَّذِي فتح ذَلِك الْبَاب قَالَ رَسُول الله ﷺ من سنّ فِي الْإِسْلَام سنة سَيِّئَة فَعمل بهَا من بعده كَانَ عَلَيْهِ وزرها ووزر من عمل بهَا لَا ينقص من اوزارهم شَيْئا مُبَالغَة قَالَ وَقَالَ بَعضهم انفاق دِرْهَم زائف اشد من سَرقَة مائَة

стр. 918

دِرْهَم لِأَن السّرقَة مَعْصِيّة وَاحِدَة وَقد تمت وانقطعت وانفاق الزائف بِدعَة اظهرها فِي الدّين وَسنة سَيِّئَة يعْمل بهَا من بعده فَيكون عَلَيْهِ وزرها بعد مَوته والى مائَة سنة ومائتي سنة إِلَى أَن يفنى ذَلِك الدِّرْهَم وَيكون عَلَيْهِ مَا فسد وَنقص من أَمْوَال النَّاس بِسَبَبِهِ فطوبى لمن مَاتَ وَمَاتَتْ مَعَه ذنُوبه وَالْوَيْل الطَّوِيل لمن يَمُوت وَتبقى ذنُوبه مائَة سنة ومائتي سنة يعذب بهَا فِي قَبره ويسئل عَنْهَا إِلَى انقراضها قَالَ الله تَعَالَى ﴿ونكتب مَا قدمُوا وآثارهم﴾ أَي ونكتب أَيْضا مَا آخروا من آثَار اعمالهم كَمَا نكتب مَا قدموه تأصيل قَالَ الشَّيْخ أَبُو اسحاق الشاطبي قَاعِدَة أَن ايقاع السَّبَب بِمَنْزِلَة ايقاع الْمُسَبّب قلت وَيَعْنِي سَوَاء قصد ذَلِك الْمُسَبّب أَو لَا لما بَين هُوَ هَذَا فِي الْقَاعِدَة قَائِلا لِأَنَّهُ لما جعل مسببا عَنهُ فِي مجْرى الْعَادَات عد كَأَنَّهُ فَاعل لَهُ مُبَاشرَة تَحْصِيل قسم ابْن رشد التَّعَامُل بالزائف إِلَى اربعة حرَام مَعَ من يعلم غشه بِهِ ومكروه مَعَ من لَا يُؤمن غشه كالصيارفة وشبههم ومختلف فِي جَوَازه وكراهته مَعَ من يجهل صنعه وَجَائِز اتِّفَاقًا مَعَ من يكسرهُ أَو يعلم انه لَا يغش بِهِ إِلَّا على قِيَاس قَول سَحْنُون فِي نوازله من كتاب السّلم

стр. 919

تَفْرِيع قَالَ ابْن عَرَفَة مُخْتَصرا لكَلَامه فَإِن بَاعه مِمَّن يخْشَى أَن يغش بِهِ فَمَا عَلَيْهِ إِلَّا الاسْتِغْفَار وَمن يغش بِهِ يجب عَلَيْهِ رده أَن قدر فَإِن عجز فَفِي وجوب الصَّدَقَة بِكُل ثمنه أَو بِالزَّائِدِ على قيمَة بَيْعه مِمَّن لَا يغش بِهِ ثَالِثهَا لَا تجب صَدَقَة بِشَيْء مِنْهُ إِلَّا اسْتِحْبَابا الظُّلم الثَّانِي مَا يخص ضَرَره المعامل وَهُوَ كل مَا يستضر بِهِ وضابطه الْعدْل فِيهِ الْغَزالِيّ إِذْ لَا يحب لَهُ إِلَّا مَا يحب لنَفسِهِ قَالَ وكل مَا لَو عومل بِهِ لشق عَلَيْهِ وشق على قلبه فَيَنْبَغِي لَهُ أَن لَا يُعَامل بِهِ غَيره بل يَنْبَغِي أَن يَسْتَوِي عِنْده درهمه وَدِرْهَم غَيره تَفْصِيل لما يظْهر بِهِ بَيَان هَذِه الْجُمْلَة أَمْثِلَة الْمِثَال الأول الثَّنَاء على السّلْعَة بِمَا لَيْسَ فِيهَا وَوَجهه الْغَزالِيّ بِأَن الْكَذِب فِيهِ مَعَ الْقبُول تلبيس وَمَعَ رده اسقاط مرؤة لَان مَالا يروج بِهِ قد لَا يقْدَح فِي ظَاهر الْمُرُوءَة فِيهَا

стр. 920

قَالَ وان اثنى على السّلْعَة بِمَا فِيهَا هذيان وَتكلم بِمَا لَا يَعْنِي إِلَّا بِقصد تَعْرِيف اخيه الْمُسلم من غير اطناب تحذير قَالَ وَلَا يَنْبَغِي أَن يحلف عَلَيْهِ الْبَتَّةَ لِأَنَّهُ كذب فيمين غموس وَهِي من الْكَبَائِر الَّتِي تدع الديار بَلَاقِع وان صدق فقد جعل الله تَعَالَى عرضة لايمانه وَالدُّنْيَا اخس من أَن نقصد ترويجها بِذكر الله من غير ضَرُورَة وَفِي الْخَبَر ويل للتجار من بلَى وَالله وَلَا وَالله وويل للصناع من غَد وَبعد غَد تَنْبِيه قَالَ بَان الْحَاج وَهَذَا إِذا كَانَ الْحلف بِاللَّه فَإِن كَانَ بِالْعِتْقِ أَو الطَّلَاق فَهُوَ اشنع لدُخُوله تَحت شَهَادَة قَوْله ﷺ لَا تحلفُوا بِالطَّلَاق وَلَا بالعتاق فَإِنَّهُمَا من ايمان الْفُسَّاق وَلذَلِك قَالَ مَالك يُؤَدب من حلف بهما قَالَ وَلَا شكّ أَن فَاعل ذَلِك تمحق الْبركَة من بَين يَدَيْهِ فَلَا ينْتَفع بِالْمَالِ غَالِبا مُلَاحظَة قَالَ وَلذَلِك تَجِد كثيرا مِنْهُم كَأَنَّهُمْ وكلاء وأمناه فِي اموالهم لَا يَجدونَ سَبِيلا إِلَى التَّصَرُّف بهَا فِي طَاعَة غَالِبا بل هم خَزَنَة

стр. 921

لغَيرهم طَوْعًا أَو كرها وَلَا منتفع لَهُم بِهِ إِلَّا قَلِيلا قَالَ وعلامة كَون المَال لَهُ تسليطه على هَلَكته فِي الْحق انتفاعا بِهِ وتخليدا لآثار بركته حكايتان يعْتَبر بهما فِي شدَّة الحذر من الثَّنَاء وَلَو بالتلويح الْحِكَايَة الأولى روى عَن يُونُس بن عبيد انه كَانَ بزازا وانه طلب مِنْهُ خَز للشراء فَأخْرج غُلَامه سقط الْخَزّ فنشره وَنظر اليه وَقَالَ اللَّهُمَّ ارزقنا الْجنَّة فَقَالَ لغلامه رده إِلَى مَوضِع وَلم يَبِعْهُ وَخَافَ أَن يكون ذَلِك تعريضا بالثناء على السّلْعَة قَالَ الْغَزالِيّ فَهَؤُلَاءِ تحروا فِي الدُّنْيَا وَلم يضيعوا دينهم بل علمُوا أَن ربح الاخرة اولى من ربح الدُّنْيَا الْحِكَايَة الثَّانِيَة نقل عَن بعض السّلف أَن رجلا جَاءَ يطْلب مِنْهُ خرقَة ليشتريها فَأمر العَبْد فأخرجها لَهُ فَلَمَّا أخرجهَا ضرب عَلَيْهَا بِيَدِهِ فَقَالَ لَهُ سَيّده ردهَا وَقَالَ للْمُشْتَرِي لَا ابيعك اشيئا قَالَ وَلم قَالَ لِأَن العَبْد ضرب بِيَدِهِ عَلَيْهَا حِين اخرجها لَك وَذَلِكَ يحسنها فِي عَيْنك قَالَ ابْن الْحَاج فَهَكَذَا كَانَ فعل السّلف فِي تصرفهم فعلى منوالهم فَإِنَّهَا فِي أَن كنت محبا لَهُم وَألا فَلَا تدع مَا لَيْسَ فِيك

стр. 922

الْمِثَال الثَّانِي كتم عُيُوب الْمَبِيع خفيها وجليها قَالَ فِي الرسَالَة عاطفا على بعض مَا لَا يجوز فِي البيع وَلَا أَن يكتم من أَمر سلْعَته مَا إِذا ذكره كرهه الْمُبْتَاع أَو كَانَ ذكره ابخص لَهُ فِي الثّمن قَالَ بعض شراحها يُرِيد كرهها للْمُبْتَاع وَلَا ينتقص ذَلِك من الثّمن وَلَا يشينها عِنْد بعض النَّاس دون بعض بِدلَالَة قَوْله أَو كَانَ ذكره ابخس لَهُ فِي الثّمن قلت وَيدل عَلَيْهِ وَجْهَان أَحدهمَا انه غشر والغش حرَام بِدَلِيل قَوْله ﷺ من غَشنَا لَيْسَ منا وَالثَّانِي انه خلاف النصح الْمَبْنِيّ عَلَيْهِ دين الْإِسْلَام لما ورد أَن جَرِيرًا ﵁ كَانَ إِذا قَامَ إِلَى السّلْعَة يَبِيعهَا نَص على عيوبها ثمَّ خير وَقَالَ أَن شِئْت فَخذ وان شِئْت فاترك فَقيل لَهُ انك إِذا فعلت هَذَا لم ينْفد لَك بيع فَقَالَ انا بَايعنَا رَسُول الله ﷺ على النصح لكل مُسلم اعلام قرر الْغَزالِيّ أَن هَذَا النصح لمشقته لَا يَتَيَسَّر إِلَّا باعتقاد امرين أَحدهمَا أَن اخفاء الْعُيُوب لَا يزِيد فِي الرزق بل يمحقه وَيذْهب ببركته لما ورد فِي الحَدِيث البائعان إِذا صدقا وَنصحا بورك لَهما فِي بيعهمَا وان كذبا نزعت بركَة بيعهمَا الثَّانِي أَن ربح الاخرة خير من ربح الدُّنْيَا والعاقل لَا يسْتَبْدل

стр. 923

الَّذِي هُوَ ادنى بِالَّذِي هُوَ خير وَالْخَيْر كُله فِي سَلامَة الدّين تَنْزِيل ذكرُوا هُنَا نَوَادِر من الْعُيُوب الْوَاجِبَة الْبَيَان فِي الْمَبِيع كدراهم الكيمياء وثوب الْمَيِّت وخصوصا ميت الوباء وَالثَّوْب المنسوج من شعر الْميتَة وَالثَّوْب النَّجس إِذْ كَانَ جَدِيدا وشؤم الدَّار وَالْفرس وَتَحْقِيق مَا ينقص مِنْهُ الثّمن وَمَا لَا ينقص لَهُ مَوضِع آخر تَنْبِيه قَالَ الْغَزالِيّ الْغِشّ حرَام فِي الْبيُوع والصنائع جَمِيعًا لَا يَنْبَغِي أَن يتهاون الصَّانِع بِعَمَلِهِ على وَجه لَو عَامله بِهِ غَيره لما ارْتَضَاهُ لنَفسِهِ بل يَنْبَغِي أَن يحسن الصَّنْعَة ويحكمها ثمَّ يبين غشها أَن كَانَ فِيهَا فبه يتَخَلَّص قلت قَالَ ابْن الْحَاج كل مَا يرى أهل الصَّنْعَة انه غش أَو مَكْرُوه فَهِيَ يتجنبه وَلَا يقربهُ الْمِثَال الثَّالِث تطفيف الْمِكْيَال وَالْمِيزَان قَالَ تَعَالَى ﴿ويل لِلْمُطَفِّفِينَ الَّذين إِذا اكتالوا على النَّاس يستوفون وَإِذا كالوهم أَو وزنوهم يخسرون﴾ قَالَ الْغَزالِيّ لَا مخلص من هَذَا إِلَّا بِأَن يرجح إِذا اعطى وَينْقص إِذا

стр. 924

أَخذ إِذْ الْعدْل الْحَقِيقِيّ قَلما يتَصَوَّر وَمن استقصى حَقه بِكَمَالِهِ يُوشك أَن يتعداه قلت هَذَا من حَيْثُ الِاحْتِيَاط واما مَا يَقْتَضِيهِ لِسَان الْعلم فاعتدال لِسَان الْمِيزَان فِي قُبَّته وامتلاء الْمِكْيَال ثمَّ يُرْسل يَده هَذَا هُوَ الْوَاجِب فَقَط نَص عَلَيْهِ مَالك رَحمَه الله تَعَالَى فِي سَماع اشهب قَائِلا فَإِن سَأَلَهُ أَن يميله يَعْنِي لِسَان الْمِيزَان لم أر أَن ذَلِك من وَجه الْمَسْأَلَة قَالُوا وَكَذَلِكَ يسْأَله أَن يَكِيل الْكَيْل الْمُعْتَاد كَمَا فِي سُؤال السَّمْح لبَعض الثنم بِغَيْر تكلّف إِذْ هُوَ من الْمُسَامحَة تَعْمِيم قَالَ مَالك ﵀ يُقَال لكل شَيْء وَفَاء وتطفيف قَالَ ابْن الْعَرَبِيّ كَمَا أَن السّرقَة فِي كل شَيْء واسوأها الَّذِي يسرق صلَاته فَلَا يتم ركوعها وَلَا سجودها قلت وَقد قَالُوا الصَّلَاة مكيال فَمن وفا وَفِي لَهُ وَمن طفف طفف لَهُ الْمِثَال الرَّابِع الْخُرُوج عَن سعر الْوَقْت كذبا وتلبيسا وَذَلِكَ فِي مَوَاضِع يَكْفِي مِنْهَا اثْنَان أَحدهمَا تلقي الركْبَان قَالَ ابْن عَرَفَة إِلَّا وَشر التلقي تلقي الركْبَان للسلع الْوَارِدَة بِمحل بيعهَا لقرية قبل وُرُودهَا إِيَّاهَا منهى عَنهُ ثمَّ اسْتدلَّ بِحَدِيث البُخَارِيّ عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن

стр. 925

رَسُول الله ﷺ قَالَ لَا تتلقوا الركْبَان وَلَا يبع بَعْضكُم على بيع بعض وَلَا تناجشوا وَلَا يَبِيع حَاضر لباد وَلَا تصروا الْغنم وَمن ابتاعها فَهُوَ بِخَير النظرين بعد أَن يحلبها أَن رضيها امسكها وان سخطها ردهَا وصاعا من تمر تَخْفيف يجوز لمن بقرية على نَحْو سِتَّة اميال من الْمصر المجلوب اليه السّلع شِرَاء مَا يحْتَاج اليه من ذَلِك وَلَو للتِّجَارَة قَالَه فِي سَماع ابْن الْقَاسِم قَالَ ابْن عَرَفَة وَربح التلقي قَالَ مُحَمَّد لَا يطيب لَهُ وَفِي سَماع ابْن الْقَاسِم التَّصَدُّق بِهِ قَالَ لَيْسَ بِحرَام وَلَو فعله احْتِيَاطًا فَلَا بَأْس بِهِ وَالثَّانِي النجش لما سبق من النَّهْي عَنهُ فسره مَالك بِأَن يُعْطِيهِ فِي سلْعَته اكثر من ثمنهَا وَلَيْسَ فِي نَفسه شراؤها ليقتدي بِهِ غَيره وَقَالَ الْمَازرِيّ وَغَيره الناجش الَّذِي يزِيد فِي السّلْعَة ليقتدي بِهِ غَيره قَالَ ابْن عَرَفَة وَهُوَ اعْلَم من قَول مَالك لدُخُول اعطائه مثل ثمنهَا أَو اقل فِي قَول الْمَازرِيّ وَخُرُوجه عَن قَول مَالك ثمَّ نقل تَفْسِير ابْن الْعَرَبِيّ وَفِيه تَصْرِيح باستحسان الناجش قيمتهَا لدفع الْغبن عَن صَاحبهَا تَخْرِيج وَاقع قَالَ كَانَ بعض من كَانَ مَشْهُورا بِالْخَيرِ وَالصَّلَاح وَمَعْرِفَة صالحي الشُّيُوخ وَكَانَت لَهُ شهرة تجر فِي الْكتب إِذا حضر سوق الْكتب فيستفتح للدلالين فِي الْكتب مَا يبنون عَلَيْهِ الدّلَالَة وَلَا غَرَض لَهُ فِي شِرَاء الْكتاب

стр. 926

الَّذِي يستفتح ثمنه قَالَ وَهُوَ جَائِز على ظَاهر تَفْسِير مَالك وَاخْتِيَار ابْن الْعَرَبِيّ لَا على ظَاهر تَفْسِير الْمَازرِيّ قَالَ الْبُرْزُليّ لَعَلَّ هَذَا مَا اشْتهر عَنهُ فِي سوق الكبيين انه يستفتح وَلَا إِرَادَة لَهُ فَيعلم بذلك المزايدون فَيجوز مُطلقًا على كل قَول قلت وَلأبي وَلَيْسَ من النجش مَا يتَّفق عَلَيْهِ أَن يَأْتِي الدَّلال بالسلعة لمن يعرف قيمتهَا فيستفتح مَا يُنَادي بِهِ وَهُوَ لَا يُرِيد شراءها لِأَنَّهُ وان كَانَ لَا يَشْتَرِيهَا فَهُوَ لَا يَفْعَله ليغر بِهِ غَيره فَائِدَة فِي نَوَازِل ابْن الْحَاج والنجش الْمُوجب للخيار مَا تواطأ عَلَيْهِ الناجش وَالْبَائِع أَو كَانَ من ناحيته وَلَو انْفَرد بِهِ الناجش اثم وَلَا شَيْء على البَائِع رخصَة يجوز لمن حضر سوم سلْعَة يُرِيد شراءها أَن يَقُول لرجل كف عني وَلَا تزد عَليّ قَالَه مَالك فِي سَماع الْقرَوِيين قَالَ وَلَا احب الْأَمر الْعَام أَن يتواطأ النَّاس بِهَذَا فَسدتْ الْبيُوع تَشْدِيد لَا يجوز تواطؤ جمَاعَة يحْضرُون بيع سلْعَة على أَن لَا يزِيدُوا على كَذَا وَكَذَا نَص عَلَيْهِ فِي سَماع الْقرَوِيين قَائِلا وَالله مَا هَذَا بِحسن قَالَ ابْن رشد لِأَنَّهُ فَسَاد على البَائِع وضرر بِهِ ثمَّ ذكر حكمه بعد الْوُقُوع وَلَا يسع نَقله حِكَايَة روى عَن بعض الصَّالِحين التَّابِعين انه كَانَ بِالْبَصْرَةِ وَله غُلَام بالسوس يُجهز اليه السكر فَكتب اليه غُلَامه أَن قصب السكر قد اصابته آفَة فِي هَذِه السّنة فاشتر سكرا كثيرا فَلَمَّا جَاءَ وقته ربح فِيهِ ثَلَاثِينَ الْفَا

стр. 927

وَانْصَرف إِلَى منزله ففكر ليلته فَقَالَ ربحت ثَلَاثِينَ ألفا وخسرت نصح رجل من الْمُسلمين فَلَمَّا اصبح غَدا إِلَى بَائِع السكر فَدفع اليه ثَلَاثِينَ الْفَا فَقَالَ بَارك الله لَك فِيهَا فَقَالَ وَمن ايْنَ صَارَت لي فَقَالَ أَنِّي كتمتك حَقِيقَة الْحَال وَكَانَ السكر قد غلا فِي ذَلِك الْوَقْت فَقَالَ رَحِمك الله قد اعلمتني الْآن وَقد طيبتها لَك قَالَ فَرجع بهَا إِلَى منزله وتفكر وَبَات ساهرا وَقَالَ مَا نَصَحته لَعَلَّه استحيا مني فبكر اليه من الْغَد وَقَالَ عافاك الله خُذ مَالك اليك فَهُوَ اطيب لقلبي فَأخذ مِنْهُ ثَلَاثِينَ ألفا قَالَ الْغَزالِيّ وَهَذِه الْحِكَايَة تدل على انه لَيْسَ لَهُ أَن يغتنم غَفلَة صَاحب الْمَتَاع ويخفي عَن البَائِع غلاء السّعر وَعَن المُشْتَرِي تراجع الاسعار وَألا كَانَ ظَالِما تَارِكًا للنصح وَالْعدْل للْمُسلمين اللامع الثَّانِي أَن الاحسان فِي الْمُعَامَلَة باحراز مَا يتكفل بنيل السَّعَادَة قَالَ الْغَزالِيّ وَهُوَ يجْرِي من التِّجَارَة مجْرى الرِّبْح كَمَا أَن الْعدْل سَبَب النجَاة فَقَط قَالَ وَلَا يعد من الْعُقَلَاء من قنع فِي مُعَاملَة الدُّنْيَا بِرَأْس مَاله وَكَذَا فِي معاملات الاخرة وَلَا يَنْبَغِي للمتدين أَن يقْتَصر على

стр. 928

الْعدْل ويدع ابواب الاحسان وَقد قَالَ تَعَالَى ﴿إِن الله يَأْمر بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَان﴾ ونعني بالاحسان فعل مَا يتنفع بِهِ المعامل وَهُوَ غير الْوَاجِب لدُخُوله فِي بعض الْعدْل لكنه تفضل وتكرم قلت وَتقدم أَن أَفْرَاده لَيست فِي الطّلب على حد وَاحِد بل هِيَ مُتَفَاوِتَة بِحَسب رتبته فِي الْمَعْنى الَّذِي يطْلب لأَجله ارشاد يُقَال تنَال رُتْبَة الاحسان فِيمَا قرر من هَذَا الْمقَام بِوَاحِد من امور سِتَّة الْأَمر الأول اجْتِنَاب مغابنة المعامل بِمَا لَا يتَغَابَن بِهِ عَادَة لَا مُطلقًا لمشروعية اصلها ضَرُورَة أَن البيع لَا يَنْفَكّ عَنْهَا فِي الْجُمْلَة فَمَتَى بذل المُشْتَرِي زِيَادَة على مُعْتَاد الرِّبْح لشدَّة رغبته أَو اجاته ندب ترك الْقُبُور إِذْ هُوَ احسان كَأَن لم يكن اخذ الزِّيَادَة ظلما حِكَايَة يروي انه كَانَ عِنْد يُونُس بن عبيد حلل مُخْتَلفَة الاثمان فَمر إِلَى الصَّلَاة وَخلف ابْن اخته فِي الدّكان فجَاء اعرابي وَطلب حلَّة بِأَرْبَع مائَة فَعرض عَلَيْهِ من حلل الْمِائَتَيْنِ فاستحسنها فاشتراها مِنْهُ فَمشى بهَا وَهِي على يَده فَاسْتَقْبلهُ يُونُس فَعرف حلته وَقَالَ لَهُ بكم اشْتَرَيْتهَا

стр. 929

فَقَالَ بأربعمائة فَقَالَ لَهُ لَا تَسَاوِي اكثر من مِائَتَيْنِ فَارْجِع حَتَّى تردها فَقَالَ هَذِه تَسَاوِي ببلدنا خَمْسمِائَة وَقد رضيتها فَقَالَ لَهُ انْصَرف فَإِن النصح فِي الدّين خير من الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا ثمَّ رده إِلَى الدّكان ورد عَلَيْهِ مِائَتَيْنِ دِرْهَم وخاسم ابْن اخته وَقَالَ لَهُ إِمَّا استحيت تربح مثل الثّمن وتترك النصح للْمُسلمين قَالَ وَالله مَا أَخذهَا إِلَّا وَقد رضى قَالَ فَهَل رضيت لنَفسك مَا رضيت لَهُ فَائِدَة هِيَ لِسَلَامَةِ هَذِه المغابنة من الظُّلم الْوَاجِب الاجتناب حَتَّى عِنْد التوقي مِنْهَا احسانا كَانَ الرَّد بهَا إِذا زَادَت على الثُّلُث فِي بيع المكايسة غير مَأْخُوذ بِهِ فِي الْمَشْهُور وَهُوَ ظَاهر الْمَذْهَب عِنْد ابْن رشد نعم إِذا كَانَ البيع استرسالا فالغبن فِيهِ ظلم واذ ذَاك فاجتنابه وَاجِب لَا احسان الحَدِيث غبن المسترسل ظلم الْأَمر الثَّانِي احْتِمَال الْغبن للْمُشْتَرِي أَن كَانَ فَقِيرا احسانا اليه بالتساهل ودخولا فِي قَوْله ﷺ رحم الله سهل البيع سهل الشِّرَاء فَإِن كَانَ غَنِيا طَالبا بتجره مزِيد الرِّبْح فاحتمال الْغبن لَهُ غير مَحْمُود لوَجْهَيْنِ أَحدهمَا انه تَضْييع مَال من غير اجْرِ وَلَا حمد فقد ورد المغبون لَا مَحْمُود وَلَا مأجور وَالثَّانِي انه من شَأْن المخدوع فِي عقله وَلذَلِك كَانَ خِيَار السّلف يستقصون فِي الشِّرَاء ثمَّ يهبون مَعَ ذَلِك الجزيل قيل لبَعْضهِم تستقصي فِي شرائك على الْيَسِير ثمَّ تهب الْكثير وَلَا تبالي فَقَالَ أَن الْوَاهِب

стр. 930

يُعْطي فَضله والمغبون عقله الْأَمر الثَّالِث اسْتِيفَاء الْحق على مُقْتَضى التخلق بِهِ وَمن ذَلِك أحد وَجْهَيْن أَحدهمَا الِاقْتِضَاء بالسمح والمساهلة لقَوْله ﷺ رحم الله بعدا سَمحا إِذا بَاعَ سَمحا إِذا اشْترى سَمحا إِذا اقْتضى اخرجاه فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ الثَّانِي انظار الْمُعسر بِالْحَقِّ لقَوْله ﷺ فِي حَدِيث عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ من يسر على مُعسر فِي الدُّنْيَا يسر الله عَلَيْهِ فِي الاخرة رَوَاهُ مُسلم حِكَايَة روى أَن الْحسن بَاعَ بغلة لَهُ بأربعمائة دِرْهَم فَلَمَّا اسْتوْجبَ المَال قَالَ لَهُ المُشْتَرِي اتسمح يَا أَبَا سعيد فَقَالَ لَهُ قد وهبت لَك مائَة دِرْهَم فَقَالَ لَهُ فَأحْسن يَا أَبَا سعيد فَقَالَ لَهُ قد وهبت لَك مائَة دِرْهَم أُخْرَى فَقبض من حَقه مِائَتَيْنِ دِرْهَم فَقيل لَهُ هَذَا نصف الثّمن فَقَالَ هَكَذَا الاحسان وَألا فَلَا الْأَمر الرَّابِع تَوْفِيَة الدّين على وَجه الاحسان فِيهِ اقتفاء لفضله فَفِي الصَّحِيح عَن أبي رَافع مولى رَسُول الله ﷺ قَالَ

стр. 931

استسلف رَسُول الله ﷺ بكرا فَجَاءَتْهُ ابل الصَّدَقَة قَالَ أَبُو رَافع فَأمر فِي رَسُول الله ﷺ أَن اقضى الرجل بكرته فَقلت لَا اجد فِي الابل إِلَّا جملا خيارا ورباعيا فَقَالَ رَسُول الله ﷺ اعطيه اياه فَإِن خِيَار النَّاس احسنهم قَضَاء فَائِدَة مِمَّا يلْتَمس بِهِ احراز هَذَا الاحسان امران أَحدهمَا البدار اليه وان عجز نوى الْقَضَاء مَتى مَا قدر فَعَن الْقَاسِم مولى مُعَاوِيَة ﵁ انه بلغه أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ من تداين بدين وَهُوَ يُرِيد أَن يَقْضِيه حَرِيص على أَن يُؤَدِّيه فَمَاتَ وَلم يقْض دينه فَإِن الله قَادر على أَن يُرْضِي غَرِيمه بِمَا شَاءَ من عِنْده وَيغْفر للمتوفي وَمن تداين بدين وَهُوَ يُرِيد أَن لَا يَقْضِيه فَمَاتَ على ذَلِك لم يقْض دينه فَإِنَّهُ يُقَال لَهُ ظَنَنْت أَن لن توفى فلَانا حَقه مِنْك فَيُؤْخَذ من حَسَنَاته فَيجْعَل حَسَنَات لرب الدّين فَإِن لم تكن لَهُ حَسَنَات اخذ من سيئات رب الدّين وَجعلت فِي سيئات الْمَطْلُوب رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ الثَّانِي احْتِمَال كَلَام صَاحب الْحق فَفِي الحَدِيث أَن صَاحب دين جَاءَ إِلَى رَسُول الله ﷺ عِنْد حُلُول اجله وَلم يتَّفق قَضَاؤُهُ لجعل يشدد الْكَلَام على رَسُول الله ﷺ فهم بِهِ اصحابه فَقَالَ دَعوه فَإِن لصَاحب الْحق مقَالا الْأَمر الْخَامِس اقالة المستقيل قَالَ الْغَزالِيّ فَإِنَّهُ لَا يستقيل إِلَّا متندم مستضر بِالْبيعِ فَلَا يَنْبَغِي أَن يُرْضِي لنَفسِهِ أَن يكون سَبَب استضرار اخيه قلت روى أَبُو دَاوُود فِي مراسيله عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ

стр. 932

قَالَ رَسُول الله ﷺ من اقال نَادِما اقاله الله نَفسه يَوْم الْقِيَامَة الْأَمر السَّادِس قصد مُعَاملَة الْفَقِير بِالنَّسِيئَةِ نَاوِيا فِي الْحَال إِلَّا يُطَالِبهُ مَا لم يظْهر لَهُ ميسرَة توسعة عَلَيْهِ وتيسير النّيل مَا يعجز عَنهُ لَوْلَا الاحسان اليه فَهَذَا الْقَصْد الحميد قَالَ الْغَزالِيّ وَقد كَانَ فِي صَالح السّلف من لَهُ دفتران للحسنات أَحدهمَا تَرْجَمته مَجْهُولَة فِيهَا أَسمَاء من لَا يعرف من الضُّعَفَاء كَأَنَّهُ يَقُول خُذ مَا تُرِيدُ فَإِن يسر لَك فَاقْض وَألا فَأَنت فِي حل وسعة فَائِدَة الْحق ابْن الْحَاج بِقصد مبايعة الْفَقِير بِالدّينِ مَعُونَة أهل الْخَيْر وَالدّين كَمَا ينْدب السَّمْح لَهُم فِي بيع النَّقْد مَا لم يضر بِحَالهِ قَائِلا يَنْبَغِي لمن لَهُ جدة أَن يَبِيع بِالدّينِ لمن اتّصف بذلك ويصبر عَلَيْهِ حَتَّى يفتح الله لَهُ انعطاف قَالَ الْغَزالِيّ مُشِيرا لهَذِهِ الْأُمُور السّنة فَهَذِهِ تِجَارَات السّلف وَقد اندرست والقائم بهَا محيي لسنتها قَالَ وَبِالْجُمْلَةِ التِّجَارَة محك الرِّجَال وَبهَا يمْتَحن دين الرجل وورعه

стр. 933

وَلذَلِك قيل (لَا يغرنك من المر ... ء قَمِيص رقعه) (أَو ازار فَوق كَعْب السَّاق مِنْهُ رَفعه ... ) (ولدى الدِّرْهَم فَانْظُر ... غيه أَو ورعه) اللامع الثَّالِث أَن شَفَقَة التَّاجِر على دينه يحفظه من ايثار الدُّنْيَا عَلَيْهِ اغْتِرَارًا بهَا وغفلة عَن الْمعَاد وَقد قَالَ تَعَالَى ﴿بل تؤثرون الْحَيَاة الدُّنْيَا وَالْآخِرَة خير وَأبقى﴾ وَمَا هُوَ كَذَلِك لَا يَنْبَغِي لعاقل أَن يشْغلهُ عَنهُ مَا هُوَ بالضد مِنْهُ فيفوته الرِّبْح الْعَظِيم والسعادة الَّتِي لَا نفاد لَهَا توضيح الشَّفَقَة الحافظة لدين الَّذِي هُوَ رَأس مَال الْمُؤمن وغنيمة عمره مُتعَدِّدَة الْجِهَات وَالْمَذْكُور من امهاتها خمس الشَّفَقَة الأولى أَن يدْخل بنية الاستعفاف فِي التِّجَارَة عَن السُّؤَال وكف الطمع عَن النَّاس اكْتِفَاء فِي الْقيام على نَفسه وَمن يعود لَهُ بِمَا يعود عَلَيْهِ الدُّخُول فِي هَذَا السَّبَب إِلَى غير ذَلِك من النيات الَّتِي لَا حصر لَهَا كنية الْقيام بِفَرْض الْكِفَايَة أَن كَانَ سَببه كَذَلِك ونصح الْمُسلمين ومعاملتهم بِالْعَدْلِ والاحسان وَالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر وَشبه ذَلِك مِمَّا لَا يخفي على ملتقط منثور نفائسها من مَوَاضِع تقريرها

стр. 934

ثَمَرَة قَالَ الْغَزالِيّ وَإِذا اضمر هَذِه النيات كَانَ عَاملا فِي طَرِيق الاخرة فَإِن اسْتَفَادَ مَالا فَهُوَ مزِيد وان خسر فِي الدُّنْيَا ربح فِي الاخرة قلت وَتَكون نفس تِجَارَته لَا فرق بَينهَا وَبَين الصَّلَاة وَنَحْوهَا بِحَيْثُ لَو فاجأه الْمَوْت وجده على افضل الاحوال فِي الْجُمْلَة كَمَا قَرَّرَهُ ابْن الْحَاج فِي ذَلِك وَهُوَ ظَاهر الشَّفَقَة الثَّانِيَة أَن لَا يمنعهُ سوق الدُّنْيَا عَن سوق الاخرة وَهِي الْمَسَاجِد قَالَ تَعَالَى رجال لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَة وَلَا بيع عَن ذكر الله واقام الصَّلَاة وايتاء الزَّكَاة قلت وأهم مَا يربح فِيهَا أَدَاء الصَّلَاة فِي وَقتهَا جمَاعَة قَالَ الشَّيْخ تَاج الدّين لانه أَن ضيعها اشتغالا بِنَفسِهِ اسْتوْجبَ المقت من ربه وَرفعت الْبركَة من كَسبه قَالَ ويستحيي أَن يرَاهُ الْحق سُبْحَانَهُ مشتغلا بحظوظ نَفسه عَن حُقُوق ربه تبصرة من وُجُوه التَّجر فِي سوق الاخرة عملان أَحدهمَا جعل أول النَّهَار للُزُوم الْمَسْجِد اشتغالا بأوراده كَانَ عمر ﵁ يَقُول

стр. 935

للتجار اجعلوا أول نهاركم لآخرتكم وَمَا بعده لدنياكم وَكَانَ السّلف الصَّالح يجْعَلُونَ أول النَّهَار وَآخره للاخرة وَالْوسط للتِّجَارَة فَلم يكن بيع الهريسة والرؤوس إِلَّا للصبيان واهل الذِّمَّة لانهم كَانُوا من بعد فِي الْمَسَاجِد الثَّانِي مبادرة الْقيام إِلَى الصَّلَاة عِنْد النداء اليها قَالَت عَائِشَة ﵂ كَانَ رَسُول الله ﷺ يكون فِي بَيته يخصف النَّعْل ويعين الْخَادِم حَتَّى إِذا نُودي للصَّلَاة قَامَ كَأَنَّهُ لَا يعرفنا اتِّبَاع كَانَ السّلف لذَلِك يبتدرون عِنْد الاذات ويتركون الاسواق للصبيان وَأهل الذِّمَّة ويتسأجرون بالقراريط لحفظ الحوانيت وَكَانَ ذَلِك معيشة لَهُم قَالَ الْغَزالِيّ وَجَاء فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى ﴿رجال لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَة وَلَا بيع عَن ذكر الله﴾ انهم كَانُوا حدادين وخرازين فَكَانَ أحدهم إِذا رفع المطرقة وغرز الاشفا وَسمع الاذان لم يخرج الاشفا من المغرز وَلم يرفع المطرقة وَرمى بهَا وَقَامَ إِلَى الصَّلَاة

стр. 936

تذكرة قَالَ الشَّيْخ تَاج الدّين وليذكر إِذا سمع الْمُؤَذّن قَوْله تَعَالَى ﴿يَا قَومنَا أجِيبُوا دَاعِي الله﴾ وَقَوله ﴿اسْتجِيبُوا لله وَلِلرَّسُولِ إِذا دعَاكُمْ لما يُحْيِيكُمْ﴾ وَقَوله ﴿اسْتجِيبُوا لربكم﴾ قلت وَقد تقدم أَن افضل الذّكر ذكر الله عِنْد امْرَهْ وَنَهْيه الشَّفَقَة الثَّالِثَة إِلَّا يكون شَدِيد الْحِرْص على السُّوق للتِّجَارَة وَذَلِكَ بِأَن يكون أول دَاخل وَآخر خَارج وَذَلِكَ لأمرين أَحدهمَا أَن الاسواق عش الشَّيْطَان وَمَوْضِع توليده كَانَ عبد الله بن عَمْرو بن العَاصِي ﵁ يَقُول لَا تكن أول من يدْخل السُّوق وَلَا آخر خَارج مِنْهَا فَإِن بهَا باض الشَّيْطَان الثَّانِي أَن الشَّيْطَان الْمُوكل بالاسواق مصاحب لمن كَانَ كَذَلِك وَمن ثمَّ هُوَ شَرّ أَهلهَا فقد روى أَن ابليس يَقُول لوَلَده سر بكتائبك فأت صَاحب الاسواق وزين الْكَذِب وَالْحلف والخديعة وَالْمَكْر والخيانة وَكن مَعَ أول دَاخل وَآخر خَارج مِنْهُ وَفِي الْخَبَر سرع الْبِقَاع الاسواق وَشر أَهلهَا اولهم دُخُولا وَآخرهمْ خُرُوجًا تَعْلِيم قَالَ الْغَزالِيّ وَتَمام هَذَا الِاحْتِرَاز أَن يراقب وَقت كِفَايَته فَإِذا حصلت انْصَرف واشتغل بِتِجَارَة الاخرة فقد كَانَ من السّلف من إِذا ربح

стр. 937

دانقا انْصَرف قناعة بِهِ وَكَانَ فيهم من ينْصَرف بعد الظّهْر وَبعد الْعَصْر وَمن لَا يعْمل فِي الاسبوع إِلَّا يَوْمًا أَو يَوْمَيْنِ اكْتِفَاء بذلك الشَّفَقَة الرَّابِعَة أَن لَا يَكْتَفِي بتوقي لِلْحَرَامِ بل يحذر مثار الشُّبْهَة ومظان الرِّيبَة قَالَ الْغَزالِيّ وَلَا ينظر إِلَى الفتاوي بل يستفتي قلبه فَمَا وجد فِيهِ حزازة اجتنبه قلت لقَوْله ﷺ دع مَا يريبك إِلَى مَا لَا يريبك فَإِن الصدْق طمأنينة وَالْكذب رِيبَة وَفِي الصَّحِيح عَن النواس بن سمْعَان ﵁ قَالَ سَأَلت رَسُول الله ﷺ عَن الْبر والاثم فَقَالَ الْبر حسن الْخلق والاثم مَا حاك فِي صدرك وكرهت أَن يطلع النَّاس عَلَيْهِ وَتَحْقِيق ذَلِك بِصَرْف الِاسْتِنَاد اليه والى النّظر فِي تَحْقِيق منَاط الحكم لَا فِي النّظر فِي دَلِيله لانحصار مداركه فِيمَا لَا مدْخل فِيهِ لما يَقع فِي الْقُلُوب وَبسطه خَارج عَن الْقَصْد فَلَا نطيل بِهِ والاشارة اليه كَافِيَة انعطاف قَالَ الْغَزالِيّ مُبينًا لمظان الشُّبْهَة عِنْد الْمُعَامَلَة وانما الْوَاجِب أَن ينظر التَّاجِر إِلَى من يعامله فَكل مَنْسُوب إِلَى ظلم أَو خِيَانَة أَو سَرقَة أَو رَبًّا فَلَا يعامله وَكَذَلِكَ الاجناد والظلمة واعوانهم لانه معِين بذلك على الظُّلم

стр. 938

قَالَ وَبِالْجُمْلَةِ فَيَنْبَغِي أَن يقسم النَّاس عِنْده إِلَى من يُعَامل وَمن لَا يُعَامل وَليكن من يعامله اكثر فِي هَذَا الزَّمَان قلت وَمَا يلْزم عَن هَذَا من ضيق مجَال الْمُعَامَلَة يوسعه لمن أَخذ فِيهِ بالعزيمة مَدْلُول قَوْله تَعَالَى ﴿وَمن يتق الله يَجْعَل لَهُ مخرجا وَيَرْزقهُ من حَيْثُ لَا يحْتَسب﴾ على أَن فِي الْمَسْأَلَة نظرا لَهُ مَحل آخر الشَّفَقَة الْخَامِسَة أَن يراقب جَمِيع معاملاته مَعَ كل وَاحِد مِمَّن عَامله وَذَلِكَ لامرين أَحدهمَا انه يُحَاسب فِي الْجُمْلَة كَغَيْرِهِ فليعد الْجَواب ليَوْم السُّؤَال والحساب وَالثَّانِي انه يُقَال يُوقف التَّاجِر يَوْم الْقِيَامَة مَعَ كل من بَاعَ مِنْهُ شَيْئا وَقْفَة وَيُحَاسب عَن كل وَاحِد محاسبة على عدد من عاملهم قَالَ بَعضهم رَأَيْت بعض التُّجَّار فِي النّوم فَقلت مَا فعل الله بك قَالَ نشر على خمسين ألف صحيفَة فَقل اهذه كلهَا ذنُوب فَقَالَ هَذِه معاملات النَّاس عدد من كنت تعامله فِي الدُّنْيَا لكل انسان صحيفَة مُفْردَة فِيمَا بَيْنك وَبَين هـ من أول الْمُعَامَلَة إِلَى آخرهَا جَامع إِشَارَة قَالَ الْغَزالِيّ مُشِيرا لجَمِيع مَا لخصناه فِي هَذَا المطلع فَهَذَا مَا على المكتسب فِي مُعَامَلَته من الْعدْل والاحسان والشفقة على الدّين قَالَ فَإِن اقْتصر على الْعدْل كَانَ من الصَّالِحين وان اضاف اليه الاحسان كَانَ من المقربين فَإِن راعي مَعَ ذَلِك وظائف الدّين يَعْنِي بالشفقة عَلَيْهِ كَانَ من الصديقين

стр. 939

السياسة الثَّانِيَة سياسة النَّاس وَقبل التَّلْخِيص لَهَا فَهُنَا مُقَدمَات الْمُقدمَة الأولى قَالَ الْغَزالِيّ الالفة ثَمَرَة حسن الْخلق والتفرق ثَمَرَة سوء الْخلق فَحسن الْخلق يُوجب التحبب والتآلف والتوافق وَسُوء الْخلق يُثمر التباغض والتحاسد والتناكر قلت مِمَّا يدل على حمد الثَّمَرَة الأولى تَعْظِيم الْمِنَّة بهَا على الْخلق فِي قَوْله تَعَالَى لَو انفقت مَا فِي الأَرْض جَمِيعًا مَا ألفت بَين قُلُوبهم وَلَكِن الله ألف بَينهم فأصبحتم بنعمته اخوانا وعَلى سوء مغبة الثَّانِيَة صَرِيح الزّجر عَنْهَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿واعتصموا بِحَبل الله جَمِيعًا وَلَا تفَرقُوا﴾ والشواهد على الْأَمريْنِ من السّنة الْكَرِيمَة لَا تَنْحَصِر الْمُقدمَة الثَّانِيَة الاستكثار من الاصدقاء مَذْمُوم لوَجْهَيْنِ أَحدهمَا ندور من يصلح مِنْهُم للحصبة المعتد بهَا وَحِينَئِذٍ فالتوسع فِيهَا خلاف التوقي والحذر فَفِي الحَدِيث تَجِدُونَ النَّاس كإبل مائَة لَيْسَ فِيهَا رَاحِلَة قَالَ الْخطابِيّ الرَّاحِلَة الْبَعِير الذلول الَّذِي يركب عَلَيْهِ

стр. 940

ويرحل عَلَيْهِ فَاعل بِمَعْنى مفعول كَقَوْلِهِم سر كاتم أَي مَكْتُوم وَمَاء دافق أَي مدفوق وَالَّذِي يُرِيد وَالله اعْلَم أَن الْوَاحِد من الْمِائَة من النَّاس لَا يصلح أَن يصحب كَمَا أَن الْوَاحِد من الْمِائَة من النَّاس لَا يصلح أَن يصحب كَمَا أَن الاحد من الْمِائَة من الابل لَا يصلح أَن يركب يُشِير بِهِ إِلَى الاقلال من صُحْبَة النَّاس والحذر مِنْهُم وَالثَّانِي اداؤه إِلَى الْعَدَاوَة آخر الْأَمر فَعَن بَعضهم انه قَالَ الاستكثار من الاخوان وَسِيلَة الهجران قَالَ الْخطابِيّ يُرِيد انهم إِذا كَثُرُوا كثرت حُقُوقهم فَلم يسعهم برك وان تَأَخَّرت حُقُوقهم عَنْهُم استبطئوك فهجروك وعادوك لَهُ وَمَا احسن مَا عبر ابْن الرُّومِي عَن هَذَا حِين قَالَ (عَدوك من صديقك مُسْتَفَاد ... فَلَا تستكثرن من الصحاب) (فَإِن الدَّاء اكثر مَا ترَاهُ ... يكون من الطَّعَام أَو الشَّرَاب) الْمُقدمَة الثَّالِثَة الْوَصِيَّة من التحذير من قرناء السوء متكررة الْوُرُود وَيَكْفِي مِنْهَا اثْنَتَانِ أَحدهَا مَا فِي الحَدِيث عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ الْمَرْء على دين خَلِيله فَلْينْظر الْمَرْء من يخالل قَالَ الْخطابِيّ مَعْنَاهُ لَا تخالل إِلَّا من رضيت دينه وأمانته فَإنَّك إِذا خاللته قادك إِلَى دينه ومذهبه فَلَا تغرر بِدينِك وَلَا تخاطر بِنَفْسِك فتخالل

стр. 941

من لَيْسَ يُرْضِي فِي دينه ومذهبه قَالَ عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة وَقد ذكر هَذَا الحَدِيث انْظُر إِلَى سُلَيْمَان بن عبد الْملك صَحبه رَجَاء بن حَيْوَة فقومه وسدده انْظُر إِلَى فِرْعَوْن مَعَه هامان انْظُر إِلَى الْحجَّاج مَعَه يزِيد بن أبي مُسلم شَرّ مِنْهُ الثَّانِيَة مَا روى عَن عمر بن الْخطاب ﵁ قَالَ عَلَيْك باخوان الصدْق تعش فِي اكنافهم فَإِنَّهُم زِينَة فِي الرخَاء وعدة فِي الشدَّة وَالْبَلَاء وضع أَمر اخيك على احسنه حَتَّى يجبك مَا يعلمك مِنْهُ وَاعْتَزل عَدوك واحضر صديقك إِلَّا الامين الامين من خشِي الله وَلَا تصْحَب الْفَاجِر فَتَتَعَلَّمُ من فجوره وَلَا تطلعه على سرك وَاسْتَشِرْ فِي امرك الَّذين يَخْشونَ الله قلت قد سبق فِي الرُّكْن الرَّابِع عشر من اركان الْملك شَيْء من هَذَا الْمَعْنى وَمن المروى فِيهِ عَليّ بن أبي طَالب ﵁ منظوما قَوْله (وَلَا تصْحَب اخا الْجَهْل ... واياك واياه) (فكم من جَاهِل اردى ... حكيما حِين آخاه) (يُقَاس الْمَرْء بِالْمَرْءِ ... إِذا مَا هُوَ مَا شاه) (وللشيء على الشَّيْء ... مقاييس واشباه) (وللقلب على الْقلب ... دَلِيل حِين تَلقاهُ) الْمُقدمَة الرَّابِعَة التَّحَرُّز من عوام النَّاس مَطْلُوب من جِهَات واهمها اثْنَتَانِ

стр. 942

أَحدهمَا اساءة الظَّن بهم فَعَن عمر بن الْخطاب ﵁ احترسوا من النَّاس بِسوء الظَّن وَعَن حُصَيْن الرقاشِي وَقد سُئِلَ مَا بَقِي من رَأْيك فَقَالَ سوء الظَّن الثَّانِيَة قلَّة الثِّقَة بهم وقديما وَردت الْوَصِيَّة بذلك فقد رى أَن عبد الْملك بن مَرْوَان وجد حجرا فِيهِ مَكْتُوب بالعبرانية فَبعث إِلَى وهب بن مُنَبّه فَإِذا فِيهِ مَكْتُوب إِذا كَانَ الْغدر فِي النَّاس طباعا فالثقة بِكُل أحد عجز وَقد قَالَ عمر بن عبد الْعَزِيز ﵁ لمُحَمد بن كَعْب الْقرظِيّ أَي خِصَال الرجل اوضع لَهُ قَالَ كَثْرَة كَلَامه وافشاء سره والثقة بِكُل وَاحِد تَنْبِيه تقدم فِي الْقَاعِدَة الْخَامِسَة عشر من قَوَاعِد الْملك أَن اساءة الظَّن إِنَّمَا هِيَ حَيْثُ يُؤَدِّي تحسينه إِلَى مفْسدَة راجحة على مصْلحَته وَمَتى رجحت مصْلحَته فَهِيَ الْمُعْتَبرَة فِي النَّهْي عَن هَذِه الاساءة لقَوْله تَعَالَى اجتنوا كثيرا من الظَّن وَمن ثمَّ قَالَ ابْن قيم الجوزية الْفرق بَين الِاحْتِرَاز وَسُوء الظَّن أَن المحترز كَرجل خرج مُسَافِرًا بِمَالِه ومركوبه فَهُوَ يحْتَرز جهده من مَكْرُوه مَا يتَوَقَّع فِي السّفر والسيء الظَّن ممتليء الْقلب بالظنون السَّيئَة بِالنَّاسِ حَتَّى يظْهر على لِسَانه وجوارحه فيبغضهم ويبغضونه ويحذر مِنْهُم ويحذرونه

стр. 943

قَالَ فَالْأول يخالطهم ويحترز مِنْهُم وَالثَّانِي يتجنبهم ويلحقه اذاهم الأول فيهم دَاخل بِالنَّصِيحَةِ والاحسان مَعَ الِاحْتِرَاز وَالثَّانِي خَارج مِنْهُم مَعَ الْغِشّ والدغل والبغض انْتهى مُلَخصا قلت وَقد ذكر الْخطابِيّ أَن اكثر مَا يعرض هَذَا لمن يحس من نَفسه بتهمة وَيعرف عِنْد النَّاس بريبة كوصف الْمُنَافِقين بِهِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿يحسبون كل صَيْحَة عَلَيْهِم﴾ قَالَ وَمَا احسن قَول المتنبي فِي أهل هَذِه الصّفة حَيْثُ يَقُول (إِذا سَاءَ فعل الْمَرْء ساءت ظنونه ... وَصدق مَا يعتاده من توهم) (وعادى محبيه بقول عداته ... واصبح فِي ليل من الشَّك مظلم) الْمُقدمَة الْخَامِس ترك الِاعْتِدَاد بالعوام وَقلة الاكتراث بهم مَطْلُوب من وَجْهَيْن أَحدهمَا أَن رضاهم كَمَا قيل غَايَة لَا تدْرك روى اكثر من صَيْفِي قَائِلا بعده وَلَا يكره سخط من رِضَاهُ الْجور وَعَن يُونُس بن عبد الاعلى قَالَ لي الشَّافِعِي يَا أَبَا مُوسَى رضَا النَّاس غَايَة لَا

стр. 944

تدْرك لَيْسَ إِلَى السَّلامَة من النَّاس سَبِيل فَانْظُر مَا فِيهِ اصلاح نفس فالزمه ودع النَّاس وَمَا هم فِيهِ انْتهى وَفِي مَعْنَاهُ انشد أَبُو الْعَبَّاس ثَعْلَب (دع النَّاس مَا شاؤوا يَقُولُونَ فإنني ... لأكْثر مَا يَحْكِي عَليّ حمول) (فَمَا كل من اغضبته انا معتب ... وَمَا كل مَا يرْوى عَليّ اقول) الثَّانِي أَن الاغترار رُبمَا يصدر مِنْهُم فَمَا الشَّأْن أَن يعْتَبر مِمَّن سواهُم منَاف لكَمَال البصيرة بهم قَالَ الْخطابِيّ الْوَاجِب على الْعَاقِل أَن لَا يغتر بِكَلَام الْعَوام وثنائهم وان لَا يَثِق بعهودهم واخائهم فانهم يقبلُونَ مَعَ الطمع ويدبرون مَعَ الْغنى ويطيرون مَعَ كل ناعق كَانَ الْحسن يَقُول إِذا رَآهُمْ هَؤُلَاءِ قتلة الْأَنْبِيَاء وَكَانَ بَعضهم يَقُول إِذا رَآهُمْ قَاتل الله هَذِه الْوُجُوه الَّتِي لَا ترى إِلَّا عِنْد الشَّرّ وَقَالَ آخر إِذا اجْتَمعُوا غلبوا وَإِذا تفَرقُوا لم يعرفوا وَقيل إِذا اجْتَمعُوا ضروا وَإِذا تفَرقُوا نفعوا قَالَ يُرِيد انهم إِذا تفَرقُوا رَجَعَ كل وَاحِد مِنْهُم إِلَى صناعته فيخرز الاسكاف ويخصف الْحذاء وينسج الحائك ويخيط الخائط فينتفع النَّاس بهم انْتهى ثمَّ انشد لِابْنِ عَائِشَة

стр. 945

(جربت النَّاس واخراقهم ... فصرت استأنس بالوحدة) (مَا اكثر النَّاس لعمري وَمَا ... اقلهم فِي ملتقى الْعدة) فَائِدَة يُطلق الغوغاء على هَؤُلَاءِ الَّذين لَا عِبْرَة بهم قَالَ الاصمعي والغوغاء الْجَرَاد إِذا ماج بعضه فِي بعض قَالَ وَبِه سمي الغوغاء من النَّاس قلت وَمن علاماتهم مَا تضمنته الْخطابِيّ عَن أبي عَاصِم النَّبِيل وَذَلِكَ أَن رجلا أَتَاهُ فَقَالَ أَن امْرَأَتي قَالَت لي يَا غوغاء فَقلت لَهَا أَن كنت غوغاء فَأَنت طَالِق ثَلَاثًا فَقَالَ لَهُ أَبُو عَاصِم هَل أَنْت مِمَّن يحضر المناطحة بالكباش والمناقرة بالديوك فَقَالَ لَا فَقَالَ لَهُ فَهَل أَنْت مِمَّن يحضر يَوْم يعرض السُّلْطَان أهل السجون يَقُول فلَان اجلد من فلَان فَقَالَ لَا فَقَالَ هَل أَنْت الرجل الَّذِي إِذا خرج الْأَمِير يَوْم الْجُمُعَة جَلَست على ظهر الطَّرِيق حَتَّى يمر ثمَّ تقيم بمكانك حَتَّى يُصَلِّي وينصرف فَقَالَ لَا قَالَ أَبُو عَاصِم لست بغوغاء إِنَّمَا الغوغاء من يفعل هَذَا

стр. 946

الْمُقدمَة السَّادِسَة من اخلاق الْعَامَّة الْمُوجبَة لندور السَّلامَة مِنْهُم مَا ركب فيهم من الْخلاف الْمُقْتَضِي لذَلِك طبعا بِإِذن الله ومشيئة وَمرَاده وَيدل على امران أَحدهمَا ورد الْخَبَر بِهِ فَفِي الحَدِيث أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ جَالِسا ذَات يَوْم وقدامه قوم يصنعون شَيْئا كرهه من كَلَامهم وَلَفْظهمْ فَقيل يَا رَسُول الله إِلَّا تنهاهم فَقَالَ لَو نهيتم عَن الْحجُون لَا وَشك بَعضهم أَن يَأْتِيهِ وَلَيْسَ لَهُ حَاجَة قَالَ الْخطابِيّ قد اخبر ﷺ بِهَذَا القَوْل أَن الشَّرّ طباع فِي النَّاس وان الْخلاف عَادَة لَهُم وحض بذلك على شدَّة الحذر مِنْهُم وَقلة الثِّقَة بهم الثَّانِي وجود ذَلِك بالعيان قَالَ بعض الْعلمَاء أَن من النَّاس من يولع بِالْخِلَافِ أبدا حَتَّى يرى انه افضل الْأُمُور وان لَا يُوَافق احدا وَلَا يجمع مَعَه على أَمر وَرَأى وَلَا يواتيه على صُحْبَة وَمن كَانَ هَذِه عَادَته فَإِنَّهُ لَا ينصر الْحق وَلَا يَعْتَقِدهُ دينا ومذهبا إِنَّمَا يتعصب لرأيه وينتقم لنَفسِهِ وَيسْعَى فِي مرضاتها حَتَّى انك أَن رمت تترضاه وتوخيت أَن توافقه على الرَّأْي الَّذِي يَدْعُوك اليه تعمد إِلَى خِلافك فِيهِ وَلَا يرضى حَتَّى ينْتَقل لنقيض قَوْلك وَقَوله الأول فَإِن عدت فِي ذَلِك إِلَى وفاقه عَاد فِيهِ إِلَى خِلافك قَالَ الْخطابِيّ فَمن كَانَ فِي هَذِه الْحَال فَعَلَيْك بمباعدته والنفار عَن قربه فَإِن رِضَاهُ غَايَة لَا تدْرك ومدى شأوه لَا يلْحق

стр. 947

حِكَايَة قَالَ الزّجاج كُنَّا عِنْد الْمبرد فَوقف علينا رجل فَقَالَ أَسأَلك عَن مَسْأَلَة من النَّحْو قَالَ لَا فَقَالَ اخطأت فَقَالَ يَا هَذَا كَيفَ اكون مخطئا أَو مصيبا وَلم اجبك عَن الْمَسْأَلَة فَأقبل عَلَيْهِ اصحابه يعنفونه فَقَالَ لَهُم خلوا سَبيله وَلَا تعرضوا لَهُ انا اخبركم بِقِصَّتِهِ هَذَا الرجل وَهُوَ انه يحب الْخلاف وَخرج من بَيته وقصدني على أَن يخالفني فِي كل شَيْء اقوله ويخطئني فَسبق لِسَانه بِمَا كَانَ فِي ضَمِيره عاطفة من اثر الشَّرّ الطبيعي فِي النَّاس تعدِي الظُّلم بِهِ والاذاية إِلَى الابرياء وَذَوي الْحُقُوق عَلَيْهِم قَالَ بعض الْحُكَمَاء الشَّرّ فِي النَّاس طباع وَحب الْخلاف لَهُم عَادَة والجور فيهم سنة وَلذَلِك تراهم يُؤْذونَ من لَا يؤذيهم ويظلمون من لَا يظلمهم ويخالفون من ينصحهم وَقَالَ الاصمعي قيل لرجل لم توذي جيرانك قَالَ فَمن اوذي أَو اوذي من لَا اعرف وانشد الْخطابِيّ لبَعْضهِم (وَمَا أَنْت إِلَّا ظَالِم وَابْن ظَالِم ... لانك من اولاد حوا وآدَم) (فَلَو كنت مثل الْقدح الفيت قَائِلا ... أَلا مَا لهَذَا الْقدح لَيْسَ بقائم) (وَلَو كنت مثل النصل الفيت قَائِلا ... إِلَّا مَا لهَذَا النصل لَيْسَ بصارم) قَالَ وَسُئِلَ بَعضهم مَتى يسلم الانسان من النَّاس قَالَ إِذا لم يكن فِي خير وَلَا شَرّ قيل وَمَتى يكون كَذَلِك قَالَ إِذا مَاتَ قَالَ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ وَهُوَ حَيّ إِمَّا أَن يكون خيرا فالاشرار يعادونه واما أَن يكون شريرا

стр. 948

فالاخيار يمقتونه والمثل فِي قديم الدَّهْر مَا لَقِي النَّاس من النَّاس (وَمن ذَا الَّذِي ينجو من النَّاس سالما ... وَلِلنَّاسِ قيل بالظنون وَقَالَ) قلت وَمن ثمَّ تعد السَّلامَة مِنْهُم أَن امكنت على اغرب نَادِر سَعَادَة مُعجلَة فقد رُوِيَ عَن حسان انه قَالَ احْفَظُوا عني هَذَا الْبَيْت (وان امرء امسى واصبح سالما ... من النَّاس إِلَّا مَا جنى لسَعِيد) الْمُقدمَة السَّابِعَة فَسَاد الزَّمَان واهله مشهود بِهِ من جِهَتَيْنِ الْجِهَة الأولى مَجِيء الاعلام بِهِ وَهُوَ نَوْعَانِ أَحدهمَا الْأَخْبَار عَن النَّبِي ﷺ وَهُوَ الصَّادِق المصدوق كَقَوْلِه ﷺ يذهب الصالحون الأول فَالْأول وَتبقى حثالة كحثالة الشّعير لَا يُبَالِي الله بهم قَالَ الْخطابِيّ حثالة الشّعير رذالته وَمَا لَا خير فِيهِ مِنْهُ يَقُول كَمَا لَا يُؤْكَل مَا يبْقى من حثالة الشّعير كَذَلِك لَا يصحب من يبْقى من النَّاس فِي آخر الزَّمَان وَالثَّانِي آثَار عَن السّلف الْكَرِيم كَقَوْل أبي هُرَيْرَة ﵁ ذهب النَّاس وَبَقِي النسناس فَقيل لَهُ وَمَا النسناس قَالَ يشبهون بِالنَّاسِ وَلَيْسوا بناس وكتمثيل عَائِشَة ﵂ بقول لبيد

стр. 949

(ذهب الَّذين يعاش فِي اكنافهم ... بقيت فِي خلف كَجلْد الاجرب) (يتحدثون مجانة وملاذة ... ويعاب قَائِلهمْ وان لم يشغب) ثمَّ تَقول وَيْح لبيد لَو اِدَّرَكَ هَذَا الزَّمَان وَكَذَا قَالَ الرَّاوِي عَنْهَا ثمَّ كَذَلِك مسلسلا حِكَايَة التشكي من ذَلِك روى الْخطابِيّ عَن أبي داحة قَالَ خرج الينا يَعْقُوب بن دَاوُود وَزِير الْمهْدي وَنحن على بَابه فَقَالَ مَا صدر هَذَا الْبَيْت (ومحترس من مثله وَهُوَ حارس ... ) فَإِن أَمِير الْمُؤمنِينَ سَأَلَ عَنهُ فَلم يكن عِنْد وَاحِد منا جَوَاب قَالَ قلت انا اخبرك بِهِ قَالَ ابْن داحة (اقلي على اللوم يَا أم مَالك ... وذمي زَمَانا سَاد فِيهِ الفلافس) (وساع مَعَ السُّلْطَان لَيْسَ بناصح ... ومحترس من مثله وَهُوَ حارس) قَالَ والفلافس رجل من أهل الْكُوفَة من بني نهشل بن دارم وَكَانَ على شَرط القباع بِالْبَصْرَةِ فَقَالَ فِيهِ الاشهب بن رميلة النَّهْشَلِي

стр. 950

(يَا جَارة يَا ابْن أبي ربيعَة انه ... يَخْلُو إِذا اخْتَلَط الظلام وَيشْرب) (جعل الفلافس حاجبين لبابه ... سُبْحَانَ من جعل الفلافس يحجب) الْجِهَة الثَّانِيَة وُقُوع اثره وجودا من ابلغ مَا يعرف بِهِ وصفان الْوَصْف الأول قَالَ الْخطابِيّ قَرَأت لمنصور بن عمار فِي صفة الزَّمَان قَالَ تغير الزَّمَان حَتَّى كل عَن وَصفه اللِّسَان وامسى خربا بعد حداثته شرسا بعد لينه يَابِس الضَّرع بعد غزارته ذابل الفرغ بعد نضارته ناحل الْعود بعد رطوبته بشع المذاق بعد عذوبته فَلَا تكَاد ترى لبيبا إِلَّا ذَا كمد وَلَا ظريفا واثقا بِأحد وَلَا أصبح لَهُ حليفا إِلَّا جَاهِل وَلَا امسى بِهِ قرير الْعين إِلَّا غافل فَمَا بَقِي من الْخَيْر إِلَّا الِاسْم وَلَا من الدّين إِلَّا الرَّسْم وَلَا من التَّوَاضُع إِلَّا المخادعة وَلَا من الزهادة إِلَّا الانتحال وَلَا من الْمُرُوءَة إِلَّا غرور اللِّسَان وَلَا من الْأَمر بالمعورف وَالنَّهْي عَن الْمُنكر إِلَّا حمية النَّفس وَالْغَضَب لَهَا فَيطلع الْكبر مِنْهَا وَلَا من الاستفادة إِلَّا التعزز والتبجيل والتحلي وَلَا من الافادة إِلَّا الترأس والتجلل فالمغرور المائق والمذموم عِنْد الْخَلَائق والنادم من العواقب
следующие страницы →