Полный текст (992 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.
стр. 946
الْمُقدمَة السَّادِسَة
من اخلاق الْعَامَّة الْمُوجبَة لندور السَّلامَة مِنْهُم مَا ركب فيهم من الْخلاف الْمُقْتَضِي لذَلِك طبعا بِإِذن الله ومشيئة وَمرَاده وَيدل على امران
أَحدهمَا ورد الْخَبَر بِهِ فَفِي الحَدِيث أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ جَالِسا ذَات يَوْم وقدامه قوم يصنعون شَيْئا كرهه من كَلَامهم وَلَفْظهمْ فَقيل يَا رَسُول الله إِلَّا تنهاهم فَقَالَ لَو نهيتم عَن الْحجُون لَا وَشك بَعضهم أَن يَأْتِيهِ وَلَيْسَ لَهُ حَاجَة قَالَ الْخطابِيّ قد اخبر ﷺ بِهَذَا القَوْل أَن الشَّرّ طباع فِي النَّاس وان الْخلاف عَادَة لَهُم وحض بذلك على شدَّة الحذر مِنْهُم وَقلة الثِّقَة بهم
الثَّانِي وجود ذَلِك بالعيان قَالَ بعض الْعلمَاء أَن من النَّاس من يولع بِالْخِلَافِ أبدا حَتَّى يرى انه افضل الْأُمُور وان لَا يُوَافق احدا وَلَا يجمع مَعَه على أَمر وَرَأى وَلَا يواتيه على صُحْبَة وَمن كَانَ هَذِه عَادَته فَإِنَّهُ لَا ينصر الْحق وَلَا يَعْتَقِدهُ دينا ومذهبا إِنَّمَا يتعصب لرأيه وينتقم لنَفسِهِ وَيسْعَى فِي مرضاتها حَتَّى انك أَن رمت تترضاه وتوخيت أَن توافقه على الرَّأْي الَّذِي يَدْعُوك اليه تعمد إِلَى خِلافك فِيهِ وَلَا يرضى حَتَّى ينْتَقل لنقيض قَوْلك وَقَوله الأول
فَإِن عدت فِي ذَلِك إِلَى وفاقه عَاد فِيهِ إِلَى خِلافك قَالَ الْخطابِيّ فَمن كَانَ فِي هَذِه الْحَال فَعَلَيْك بمباعدته والنفار عَن قربه فَإِن رِضَاهُ غَايَة لَا تدْرك ومدى شأوه لَا يلْحق
стр. 947
حِكَايَة قَالَ الزّجاج كُنَّا عِنْد الْمبرد فَوقف علينا رجل فَقَالَ أَسأَلك عَن مَسْأَلَة من النَّحْو قَالَ لَا فَقَالَ اخطأت فَقَالَ يَا هَذَا كَيفَ اكون مخطئا أَو مصيبا وَلم اجبك عَن الْمَسْأَلَة فَأقبل عَلَيْهِ اصحابه يعنفونه فَقَالَ لَهُم خلوا سَبيله وَلَا تعرضوا لَهُ انا اخبركم بِقِصَّتِهِ هَذَا الرجل وَهُوَ انه يحب الْخلاف وَخرج من بَيته وقصدني على أَن يخالفني فِي كل شَيْء اقوله ويخطئني فَسبق لِسَانه بِمَا كَانَ فِي ضَمِيره
عاطفة
من اثر الشَّرّ الطبيعي فِي النَّاس تعدِي الظُّلم بِهِ والاذاية إِلَى الابرياء وَذَوي الْحُقُوق عَلَيْهِم
قَالَ بعض الْحُكَمَاء الشَّرّ فِي النَّاس طباع وَحب الْخلاف لَهُم عَادَة والجور فيهم سنة وَلذَلِك تراهم يُؤْذونَ من لَا يؤذيهم ويظلمون من لَا يظلمهم ويخالفون من ينصحهم
وَقَالَ الاصمعي قيل لرجل لم توذي جيرانك قَالَ فَمن اوذي أَو اوذي من لَا اعرف وانشد الْخطابِيّ لبَعْضهِم
(وَمَا أَنْت إِلَّا ظَالِم وَابْن ظَالِم ... لانك من اولاد حوا وآدَم)
(فَلَو كنت مثل الْقدح الفيت قَائِلا ... أَلا مَا لهَذَا الْقدح لَيْسَ بقائم)
(وَلَو كنت مثل النصل الفيت قَائِلا ... إِلَّا مَا لهَذَا النصل لَيْسَ بصارم)
قَالَ وَسُئِلَ بَعضهم مَتى يسلم الانسان من النَّاس قَالَ إِذا لم يكن فِي خير وَلَا شَرّ قيل وَمَتى يكون كَذَلِك قَالَ إِذا مَاتَ قَالَ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ وَهُوَ حَيّ إِمَّا أَن يكون خيرا فالاشرار يعادونه واما أَن يكون شريرا
стр. 948
فالاخيار يمقتونه والمثل فِي قديم الدَّهْر مَا لَقِي النَّاس من النَّاس
(وَمن ذَا الَّذِي ينجو من النَّاس سالما ... وَلِلنَّاسِ قيل بالظنون وَقَالَ)
قلت وَمن ثمَّ تعد السَّلامَة مِنْهُم أَن امكنت على اغرب نَادِر سَعَادَة مُعجلَة فقد رُوِيَ عَن حسان انه قَالَ احْفَظُوا عني هَذَا الْبَيْت
(وان امرء امسى واصبح سالما ... من النَّاس إِلَّا مَا جنى لسَعِيد)
الْمُقدمَة السَّابِعَة
فَسَاد الزَّمَان واهله مشهود بِهِ من جِهَتَيْنِ
الْجِهَة الأولى مَجِيء الاعلام بِهِ وَهُوَ نَوْعَانِ
أَحدهمَا الْأَخْبَار عَن النَّبِي ﷺ وَهُوَ الصَّادِق المصدوق كَقَوْلِه ﷺ يذهب الصالحون الأول فَالْأول وَتبقى حثالة كحثالة الشّعير لَا يُبَالِي الله بهم
قَالَ الْخطابِيّ حثالة الشّعير رذالته وَمَا لَا خير فِيهِ مِنْهُ يَقُول كَمَا لَا يُؤْكَل مَا يبْقى من حثالة الشّعير كَذَلِك لَا يصحب من يبْقى من النَّاس فِي آخر الزَّمَان
وَالثَّانِي آثَار عَن السّلف الْكَرِيم كَقَوْل أبي هُرَيْرَة ﵁ ذهب النَّاس وَبَقِي النسناس فَقيل لَهُ وَمَا النسناس قَالَ يشبهون بِالنَّاسِ وَلَيْسوا بناس وكتمثيل عَائِشَة ﵂ بقول لبيد
стр. 949
(ذهب الَّذين يعاش فِي اكنافهم ... بقيت فِي خلف كَجلْد الاجرب)
(يتحدثون مجانة وملاذة ... ويعاب قَائِلهمْ وان لم يشغب)
ثمَّ تَقول وَيْح لبيد لَو اِدَّرَكَ هَذَا الزَّمَان وَكَذَا قَالَ الرَّاوِي عَنْهَا ثمَّ كَذَلِك مسلسلا
حِكَايَة
التشكي من ذَلِك روى الْخطابِيّ عَن أبي داحة قَالَ خرج الينا يَعْقُوب بن دَاوُود وَزِير الْمهْدي وَنحن على بَابه فَقَالَ مَا صدر هَذَا الْبَيْت
(ومحترس من مثله وَهُوَ حارس ... )
فَإِن أَمِير الْمُؤمنِينَ سَأَلَ عَنهُ فَلم يكن عِنْد وَاحِد منا جَوَاب قَالَ قلت انا اخبرك بِهِ قَالَ ابْن داحة
(اقلي على اللوم يَا أم مَالك ... وذمي زَمَانا سَاد فِيهِ الفلافس)
(وساع مَعَ السُّلْطَان لَيْسَ بناصح ... ومحترس من مثله وَهُوَ حارس)
قَالَ والفلافس رجل من أهل الْكُوفَة من بني نهشل بن دارم وَكَانَ على شَرط القباع بِالْبَصْرَةِ فَقَالَ فِيهِ الاشهب بن رميلة النَّهْشَلِي
стр. 950
(يَا جَارة يَا ابْن أبي ربيعَة انه ... يَخْلُو إِذا اخْتَلَط الظلام وَيشْرب)
(جعل الفلافس حاجبين لبابه ... سُبْحَانَ من جعل الفلافس يحجب)
الْجِهَة الثَّانِيَة
وُقُوع اثره وجودا من ابلغ مَا يعرف بِهِ وصفان
الْوَصْف الأول قَالَ الْخطابِيّ قَرَأت لمنصور بن عمار فِي صفة الزَّمَان قَالَ تغير الزَّمَان حَتَّى كل عَن وَصفه اللِّسَان وامسى خربا بعد حداثته شرسا بعد لينه يَابِس الضَّرع بعد غزارته ذابل الفرغ بعد نضارته ناحل الْعود بعد رطوبته بشع المذاق بعد عذوبته فَلَا تكَاد ترى لبيبا إِلَّا ذَا كمد وَلَا ظريفا واثقا بِأحد وَلَا أصبح لَهُ حليفا إِلَّا جَاهِل وَلَا امسى بِهِ قرير الْعين إِلَّا غافل فَمَا بَقِي من الْخَيْر إِلَّا الِاسْم وَلَا من الدّين إِلَّا الرَّسْم وَلَا من التَّوَاضُع إِلَّا المخادعة وَلَا من الزهادة إِلَّا الانتحال وَلَا من الْمُرُوءَة إِلَّا غرور اللِّسَان وَلَا من الْأَمر بالمعورف وَالنَّهْي عَن الْمُنكر إِلَّا حمية النَّفس وَالْغَضَب لَهَا فَيطلع الْكبر مِنْهَا وَلَا من الاستفادة إِلَّا التعزز والتبجيل والتحلي وَلَا من الافادة إِلَّا الترأس والتجلل فالمغرور المائق والمذموم عِنْد الْخَلَائق والنادم من العواقب
стр. 951
المحطوط عَن الْمَرَاتِب من اغْترَّ بِالنَّاسِ وَلم يحسم رجاؤه باليأس وَلم يطْلب قلبه بِشدَّة الاحتراس فالحذر الحذر من النَّاس فقد اقل النَّاس وَبَقِي النسناس ذئاب عَلَيْهِم ثِيَاب أَن استردفتهم حرموك وان استنصرتهم خذلوك وان استنصحتهم غشوك وان عاملتهم غبنوك وان غبت عَنْهُم اغتابوك أَن كنت شريفا حسدوك وان كنت وضيعا حقروك وان كنت عَالما ضللوك وبدعوك وان كنت جَاهِلا عيروك وَلم يرشدوك وان نطقت قَالُوا مهذار حَدِيد وان سكت قَالُوا عيي بطيء بليد وان تعقت قَالُوا متكلف متعمق وان تغافلت قَالُوا جَاهِل احمق فمعاشرتهم دَاء وشقاء ومزايلتهم دَوَاء وشفاء وَلَا بُد أَن يكون فِي الدَّوَاء كَرَاهَة ومرارة فاختر الدَّوَاء بمرارته وكراهته على الدَّاء بغائلته وآفاته وَالله الْمُسْتَعَان
الْوَصْف الثَّانِي
روى الْخطابِيّ عَن الْحسن انه قَالَ اعلموا أَن النَّاس شَجَرَة لظى وفراش نَار ودبان طمع أَن الدُّنْيَا فتحت على أَهلهَا كلبوا وَالله عَلَيْهَا اسوا الْكَلْب حَتَّى عدا بَعضهم على بعض بِالسُّيُوفِ واستحل بَعضهم حُرْمَة بعض تخالفوا على شجنه كسببوها من كل
стр. 952
حرَام وانفقوها فِي كل شَرّ وطبقوا الأَرْض ظلما قَاتلهم الله وَهُوَ قَاتلهم اتَّخذُوا عباد الله خولا وَاتَّخذُوا هَذَا المَال دولا سُبْحَانَ الله مَا لقِيت هَذِه الْأمة من مُنَافِق قهرهم واستأثر عَلَيْهِم وَمن صَاحب بِدعَة خرج عَلَيْهِم بِسَيْفِهِ صنفان حثيثان قد عَمَّا على كل مُؤمن من اعلاج عجم واعرابي لَا فقه لَهُ وَلَا دين ومنافق مكذب وامير مترف نعق بهم ناعق وَخَرجُوا يسعون مَعَه فرَاش نَار وذبان طمع يَبِيع اقوام دينهم بِثمن بخس من مَاتَ إِلَى النَّار وَمن عَاشَ عَاشَ فِي شَرّ ظهر الْجفَاء وَقل الْعلمَاء وَذهب الْحيَاء وفشت النكراء ذهب الصالحون وَبَقِي خشارة كخشارة الشّعير لَا يُبَالِي الله بهم باله انْتهى
الْمُقدمَة الثَّامِنَة
اخْتِلَاف طَبَقَات النَّاس فِي الْخلق والسجايا ناشيء عَن مُقْتَضى مَا خلقُوا مِنْهُ ونسبوا اليه وَيدل عَلَيْهِ خبران
أَحدهمَا قَوْله ﷺ أَن الله تَعَالَى خلق آدم من قَبْضَة قبضهَا من جَمِيع الأَرْض فجَاء بَنو آدم على قدر الأَرْض مِنْهُم الاحمر والاسود والابيض والسهل والحزن والخبيث وَالطّيب
стр. 953
قَالَ الْخطابِيّ قد بَين ﷺ فِي هَذَا القَوْل أَن النَّاس اصناف وطبقات وانهم إِلَى تفَاوت فِي الطباع والاخلاق فيهم الْخَيْر الْفَاضِل الَّذِي ينْتَفع بِصِحَّتِهِ وَمِنْهُم الرَّدِيء النَّاقِص الَّذِي يتَضَرَّر بِقُرْبِهِ وعشرته كَمَا أَن الأَرْض مُخْتَلفَة الْأَجْزَاء وَالتُّرَاب فَمِنْهَا العذاة الطّيبَة الَّتِي يطيب نباتها ويزكو ربيعها وَمِنْهَا السباخ الخبيثة الَّتِي تضيع بذرها ويبيد زرعه وَمَا بَين ذَلِك حسب مَا يُوجد مِنْهَا حسا ويشاهد عيَانًا
الثَّانِي قَوْله ﷺ النَّاس معادن قَالَ
стр. 954
الْخطابِيّ وَفِي هَذَا القَوْل أَيْضا بَيَان أَن اخلاق النَّاس غرائز فيهم كَمَا أَن الْمَعَادِن ودائع مركوزة فِي الأَرْض فَمِنْهَا الْجَوْهَر النفيس وَمِنْهَا الفلز الخسيس كَذَلِك ظواهر النَّاس وطباعهم مِنْهَا الزكي الرضى وَمِنْهَا النَّاقِص الدني وَإِذا كَانُوا كَذَلِك كَانَ الْأَمر فِي العيان مِنْهُم مُشكلا اَوْ اسْتِبْرَاء الْعَيْب فيهم متعذرا فالحزم إِذا الامساك عَنْهَا والتوقف عَن مداخلتهم إِلَى أَن تنكشف المحنة أَن اسرارهم وبواطن امورهم فَيكون عِنْد ذَلِك اقدام على خبْرَة وماحجام عَن بَصِيرَة
قَالَ ولعلك إِذا خبرتهم قليتهم وَإِذا عرفتهم انكرتهم إِلَّا من يخصهم الثَّنَاء وَقَلِيل مَا هم
استظهار
أورد هُنَا اسْتِدْلَالا على مَا ذكر مَا روى بِسَنَدِهِ إِلَى أبي الدَّرْدَاء ﵁ مَرْفُوعا إِلَى النَّبِي ﷺ اخبر تقله
стр. 955
وثق النَّاس رويدا ثمَّ قَالَ سَمِعت شَيخنَا أَبَا بكر الْقفال يَقُول لَوْلَا انه قد قيل اخبر تقله لَقلت انا اقله تخبر
تَفْرِيع
ترَتّب على هَذِه الْمُقدمَة مَا سبقت الاشارة اليه فِي صُورَة الْبَاب الأول من الْكتاب الثَّانِي أَن الَّذِي تسهل بِهِ صُحْبَة الْخلق انزالهم منزلَة الْحَيَوَان الْمُشبه بهم فِي الْخلق ليحلق بِهِ الْمُعَامَلَة وان اصل التَّنْبِيه على ذَلِك لِسُفْيَان ابْن عُيَيْنَة فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا من دَابَّة فِي الأَرْض وَلَا طَائِر يطير بجناحيه إِلَّا أُمَم أمثالكم﴾ كَمَا يشْهد لَهُ الخبران المتقدمان
стр. 956
قَالَ عَنهُ الْخطابِيّ مَا فِي الأَرْض آدَمِيّ إِلَّا وَفِيه شبه من شبه الْبَهَائِم فَمنهمْ من يهتصر اهتصار الاسد وَمِنْهُم من يعدو عَدو الذِّئْب وَمِنْهُم من ينبح نباح الْكلاب وَمِنْهُم من يتطوس كَفعل الطاووس وَمِنْهُم من يشبه الْخَنَازِير الَّتِي لَو القى اليها الطَّعَام الطّيب عافته فَإِذا قَامَ الرجل عَن رجيعه ولغت فِيهِ وَكَذَلِكَ تَجِد الادميين من لَو سمع خمسين كلمة لم يحفظ وَاحِدَة مِنْهَا وان اخطأ رجل عَن نَفسه أَو حكى خطأ غَيره ترواه وَحفظه
تَسْلِيم
قَالَ الْخطابِيّ مَا احسن مَا تَأَول أَبُو مُحَمَّد هَذِه الاية واستنبط مِنْهَا هَذِه الْحِكْمَة
قَالَ وَإِذا كَانَ الْأَمر كَذَلِك فَاعْلَم يَا اخي انك إِنَّمَا تعاشر الْبَهَائِم وَالسِّبَاع فَلْيَكُن حذرك مِنْهُم ومباعدتك اياهم على حسب ذَلِك
قَالَ وَلأَجل ذَلِك رأى الْحُكَمَاء أَن السَّلامَة من آفَات السبَاع الضارية والخلاص مِنْهَا اسهل من السَّلامَة من شَرّ النَّاس ثمَّ انشد للشَّافِعِيّ رَحمَه الله
стр. 957
(لَيْت الْكلاب لنا كَانَت مجاورة ... واننا لَا نرى مِمَّن نرى احدا)
(أَن الْكلاب لتهدي فِي مواطنها ... وَالنَّاس لَيْسَ بهاد شرهم أبدا)
(فاحتل لنَفسك فِي تغريدها أبدا ... تعش سعيدا إِذا مَا كنت مُنْفَردا)
قَالَ وَنَحْو هَذَا قَوْله
(شَرّ السبَاع الضواري دونه وزر ... وَالنَّاس شرهم مَا دونه وزر)
(كم معشر سلمُوا لم يؤذهم سبع ... وَلم نرا بشرا لم يوذه بشر)
стр. 958
قَالَ روينَا عَن الشَّافِعِي انه قَالَ مَا اشبه هَذَا الزَّمَان إِلَّا بِمَا قَالَ تأبط شرا
(عوى الذِّئْب فاستأنست بالذئب إِذْ عوى ... وَصَوت انسان فكدت مِنْهُ اطير)
فَائِدَة
قَالَ وسأفيدك يَا أخي فَائِدَة يجل نَفعهَا وتعظم عائدتها وَمَا اقولها إِلَّا عَن ودك وشفقة عَلَيْك فَإِن الْبلوى ف يمعاشرة أهل زَمَانك عَظِيمَة فَاسْتَعِنْ بِاللَّه على مَا يلقاك من اذاهم فَإنَّك لن تَخْلُو من قَلِيله وان سلمت من كَثِيره وَذَلِكَ انك قد ترى الْوَاحِد بعد الوماحد مِنْهُم يتكالب على النَّاس ويتسفه على اعراضهم وينبح فيهم نباح الْكلاب فيهمك من شَأْنه مَا يهمك وتود مِنْهُ أَن لَا يكون رجلا فَاضلا يُرْجَى خَيره ويؤمن شَره فَيطول فِي امْرَهْ فكرك ويدوم بِهِ شغل قَلْبك فازح هَذَا الْعَارِض عَن نَفسك بِأَن تعده على الْحَقِيقَة كَلْبا خلقَة وجهلة وزد بِهِ فِي عدد الْكلاب وَاحِدًا أَو لَعَلَّك قد مَرَرْت مرّة من
стр. 959
المرات بكلب من الْكلاب ينبح ويعوي وَرُبمَا كَانَ أَيْضا قد تساور وتقهقر فَلم تحدث نَفسك فِي امْرَهْ أَن يعود انسانا ينْطق وينبح وَلم تتأسف لَهُ أَن لَا يكون دَابَّة تركب أَو شَاة تحلب فَاجْعَلْ هَذَا المتكلب كَلْبا مثله واسترح من شغله وارح مئونة الْفِكر فِيهِ وَكَذَلِكَ فَلْيَكُن عنْدك بِمَنْزِلَة من جهل حَقك وَكفر مَعْرُوفك فاحسبه حمارا أَو زد بِهِ فِي عدد الْحمير وَاحِدًا فبمثل هَذَا تتخلص من آفَة هَذَا الْبَاب وغائلته وَكَثْرَة الْمَلَامَة وَالله الْمُسْتَعَان
الْمُقدمَة التَّاسِعَة
فَسَاد الْخَاصَّة من النَّاس وَاقع بِحَسب الانذار بِهِ لَا محَالة وَذَلِكَ فِي صنفين
الصِّنْف الأول الْعلمَاء المسممون لاستحكام فسادهم بعلماء السوء وَمن الْوَارِد بذلك مِنْهُم خبران
أَحدهَا قَول النَّبِي ﷺ فِي الصَّحِيح أَن الله لَا يقبض الْعلم انتزاعا ينتزعه من النَّاس وَلَكِن يقبض الْعلم بِقَبض الْعلمَاء فَإِذا لم يبْق عَالم اتخذ النَّاس رؤوسا جُهَّالًا فسئلوا فافتوا بِغَيْر علم فضلوا واضلوا
стр. 960
قَالَ الْخطابِيّ قد اعْلَم ﷺ أَن آفَة الْعلم ذهَاب اهله وانتحال الْجُهَّال لَهُ وترؤسهم على النَّاس باسمه وحذر النَّاس أَن يقتدوا بِمن كَانَ من أهل هَذِه الصّفة وَاخْبَرْ انهم ضلال مضلون
الثَّانِي قَول ابْن مَسْعُود ﵁ كَيفَ بكم إِذا البستكم فتْنَة يَرْبُو فِيهَا الصَّغِير ويهرم فِيهَا الْكَبِير وتتخذ سنة فَإِن غيرت يَوْمًا قلت هَذَا مُنكر قَالُوا وَمَتى ذَلِك يَا أَبَا عبد الرَّحْمَن قَالَ ذَلِك إِذا قلت امناؤكم وَكثر امراؤكم وَقلت فقهاؤكم وتفقه لغير الدّين والتمست الدُّنْيَا بِعَمَل الاخرة
تَعْرِيف روى عَن الْحسن انه قَالَ طلاب هَذَا الْعلم ثَلَاثَة اصناف من النَّاس فاعرفوهم بصفاتهم فصنف تعلموه للمراء والجدل وصنف تعلموه للاستطالة والختل وصنف تعلموه للتفقه وَالْعقل فَصَاحب المراء والجدال متعرض لِلْقِتَالِ فِي اندية الرِّجَال يذاكر الْعلم بخفة الْحلم قد تسربل الجشع وتبرأ من الْوَرع فدق الله من هَذَا خيشومه وَقطع مِنْهُ الحزم حيزومه وَصَاحب الاستطالة والختل ذُو خب وملق
стр. 961
يستطيل على اشباهه من امثاله فيختلهم بخلع حليته فَهُوَ لحلوانهم هاضم ولدينه حاطم فاعمى الله عَن هَذَا خَبره وَقطع من آثَار الْعلمَاء اثره وَصَاحب التفقه وَالْعقل ذُو كآبة وحزن قد تنحى عَن فرشه وَقَامَ اللَّيْل فِي حندسه يعْمل ويخشع قد ازكتاه يَدَاهُ واعمرتاه رِجْلَاهُ فَهُوَ مقبل على شَأْنه عَارِف بِأَهْل زَمَانه قد استوحش من كل ثِقَة من اقرانه فَشد الله من هَذَا اركانه واعطاه يَوْم الْقِيَامَة امانه
الصِّنْف الثَّانِي الامراء الموصوفون لتحَقّق فسادهم بأمراء الْجور وَمن الانذار بذلك خبران
أَحدهمَا قَوْله ﷺ فِي الصَّحِيح انكم سَتَرَوْنَ بعد اثره وامورا تنكرونها قَالُوا فَمَا تَأْمُرنَا بِهِ يَا رَسُول الله قَالَ ادوا اليهم حَقهم واسألوا الله حقكم
الثَّانِي قَوْله ﷺ لكعب بن عجْرَة اعاذك الله من امارة السُّفَهَاء فَقَالَ وَمَا امارة السُّفَهَاء قَالَ امراء يكونُونَ من بعدِي لَا يَهْتَدُونَ بهديي وَلَا يستنون بِسنتي فَمن صدقهم بكذبهم واعانهم على ظلمهم فَأُولَئِك لَيْسُوا مني وَلست مِنْهُم وَلَا يردون على حَوْضِي وَمن لم
стр. 962
يُصدقهُمْ وَلم يُعِنْهُمْ على ظلمهم فولئك مني وَأَنا مِنْهُم وسيردون على حَوْضِي يَا كَعْب بن عجْرَة النَّاس غاديان فمبتاع نَفسه فمعتقها وبائع نَفسه فموبقها رَوَاهُ الْأَمَام احْمَد وَاللَّفْظ لَهُ
اعلام
فَسَاد اخذ هذَيْن الصِّنْفَيْنِ ملازم فِي الْوُجُود لفساد الصِّنْف الآخر غَالِبا وَمن ثمَّ يتضاعف بهما محنة النَّاس وافاتهم فَمن كَلَام أبي مَرْوَان بن حَيَّان فِي ذَلِك وَلم تزل آفَة النَّاس مُنْذُ خلقُوا فِي صنفين مِنْهُم هم كالملح فيهم الامراء وَالْفُقَهَاء قَلما تتنافر فِي اشكالهم بصلاحهم يصلحون وبفسادهم يردون
قَالَ فقد خص الله سُبْحَانَهُ هَذَا الْقرن الَّذِي نَحن فِيهِ من اعوجاج هذَيْن الصِّنْفَيْنِ لدينا بِمَا لَا كفاء لَهُ وَلَا مخلص مِنْهُ فالامراء القاسطون قد نكبوا بهم عَن نهج الطَّرِيق ذيادا عَن الْجَمَاعَة وجريا إِلَى الْفرْقَة وَالْفُقَهَاء ائمتهم صموت وصرفوا عَمَّا اكده الله عَلَيْهِم من التَّبْيِين لَهُم قد اصبحوا بَين آكل من حلوائهم وخابط فِي اهوائهم وَبَين مستشعر مخافتهم اخذا بالتقية فِي صدقهم
قَالَ فَمَا القَوْل فِي ارْض فسد ملحها الَّذِي هُوَ المصلح لجَمِيع اغذيتها هَل هِيَ إِلَّا مشفية على بوارها واستئصالها
قلت قَالَ الْغَزالِيّ مُشِيرا إِلَى مَا ينظر إِلَى هَذَا الْمَعْنى وَلذَلِك قيل مَا
стр. 963
فَسدتْ الرّعية إِلَّا بِفساد الْمُلُوك وَلَا فَسدتْ الْمُلُوك إِلَّا بِفساد الْعلمَاء
الْمُقدمَة الْعَاشِرَة
الْقَصْد فِي المخالطة وَالْعُزْلَة هُوَ الْمَحْمُود فِي الْجُمْلَة وَفِيه عِبَارَات تحوم على لُزُوم التَّوَسُّط بِهِ بَين طرفِي افراط ذَلِك وتفريطه
أَحدهمَا قَول اكثم بن صَيْفِي الانقباض عَن النَّاس مكسبة للعداوة ومعرفتهم مكسبة لقرين السوء فَكُن للنَّاس بَين المنقبض والمقارب فَإِن خِيَار الْأُمُور اوسطها
الثَّانِيَة قَول وهب بن مُنَبّه لَو هيب بن الْورْد وَقد قَالَ لَهُ أَنِّي أُرِيد أَن اعتزل النَّاس فَقَالَ لَهُ لَا بُد لَك من النَّاس وَلَا بُد للنَّاس مِنْك لَك اليهم حوائج وَلَهُم اليك حوائج وَلَكِن كن فيهم اصم سميعا اعمى بَصيرًا سكُوتًا ونطوقا
الثَّالِثَة قَول ابْن مَسْعُود ﵁ خالط النَّاس وزايلهم وَدينك لَا تكلمنه
قَالَ الْخطابِيّ يُرِيد خالطهم ببدنك وزايلهم بقلبك
قَالَ وَلَيْسَ هَذَا من بَاب النِّفَاق بل من بَاب المدارات وَهِي صَدَقَة كَمَا فِي الحَدِيث
стр. 964
الرَّابِعَة قَول مُحَمَّد بن الْحَنَفِيَّة ﵁ من لم يعاشر بِالْمَعْرُوفِ من لَا يجد لَهُ من معاشرته بدا يَجْعَل الله لَهُ فرجا ومخرجا
قلت فِي مَعْنَاهُ قَالَ المتنبي
وَمن نكد الدُّنْيَا على الْحر أَن يرى ... عدوا لَهُ مَا من صداقته بُد
الْخَامِسَة
قَالَ الْخطابِيّ الطَّرِيقَة المثلى فِي هَذَا الْبَاب أَن لَا تمْتَنع من حق يلزمك للنَّاس وان لم يطالبوك بِهِ وان لَا تنهمك لَهُم فِي بَاطِل لَا يجب عَلَيْك وان دعوك اليه وان من اشْتغل بِمَا لَا يعنيه فَاتَهُ مَا يعنيه وَمن انحل فِي الْبَاطِل جمد عَن الْحق وَكن مَعَ النَّاس فِي الْخَيْر وَكن بمعزل عَنْهُم فِي الشَّرّ وتوخ أَن تكون فيهم شَاهدا كغائب وعالما كجاهل
قَالَ وانشد أَبُو زيد فِي الْمَعْنى
(إِذا مَا عممت النَّاس بالانس لم تزل ... لصَاحب سوء مستفيدا وكاسبا)
(وان تقصهم يرموك عَن سهم بغضة ... فَكُن خالطا أَن شِئْت أَو كن مجانبا)
(فَلَا تدنون مِنْهُم وملا تقصينهم ... وَلَكِن امرا بَين ذَاك مقاربا)
عاطفة رُجُوع
إِذا تقررت هَذِه الْمُقدمَات فَقَالُوا مَنْفَعَة هَذِه السياسة فِي امرين
أَحدهمَا السَّلامَة من النَّاس والاخرة اسْتِخْرَاج الْمَنَافِع مِنْهُم وجوامع مَا يحصل بِهِ ذَلِك ملخص فِي مسَائِل
стр. 965
الْمَسْأَلَة الأولى
فِي ملك اللِّسَان وملاكه عَن خطرين قَاتل كَمَا قيل اللِّسَان كالسبع أَن لم توثقه عدا عَلَيْك وَقَالَ
(واحفظ لسَانك ايها الانسان ... لَا يلدغنك انه ثعبان)
(كم فِي الْمَقَابِر من قَتِيل لِسَانه ... كَانَت تهاب لقاءه الشجعان)
ومفسدكما قيل لَا تفسدن لسَانك فَيفْسد عَلَيْك شَأْنك
وَقَالَ
٠ - احفظ لسَانك أَن تَقول فتبتلي ... أَن الْبلَاء مُوكل بالْمَنْطق)
الْخطر الأول الْقَاتِل واسرعه بذلك امران كَلَام فِي الشَّرْع بِمَا يُخَالِفهُ وخوض فِي السُّلْطَان بِمَا يغضبه
الْأَمر الأول الْكَلَام فِي الشَّرْع وَذَلِكَ باحدى مَحْظُورَات أَحدهَا مُخَالفَة السّنة اعتقادا أَو عملا على وَجه قريب أَو بعيد
قلت إِمَّا الْقَرِيب وخصوصا فِي القطعيات فَظَاهر والنظريات قد يَنْتَهِي بشؤم الانحراف فِيهَا عَن نهج الطّرق السّنيَّة إِلَى توقع ذَلِك الْمَحْظُور وَفِي الْوَاقِع من ذَلِك مَا فِيهِ عِبْرَة الثَّانِي دَقِيق الْكَلَام فِي تَفْسِير قُرْآن أَو حَدِيث وخصوصا أَن كَانَ مذهبا لِذَوي ضَلَالَة
стр. 966
قلت وَلَيْسَ هَذَا لأجل السَّلامَة من النَّاس فَقَط بل ولمفسدة الْكَلَام مَعَهم بِمَا لَا يفهمون وَالنَّهْي عَنهُ مُقَرر فِي موَاضعه واقل مَا فِيهِ حَدِيث السَّلامَة من الْقدح فِي الدّيانَة مَا اشار اليه ابْن الرُّومِي فِي قَوْله
(غموض الْأَمر حِين يذب عَنهُ ... يقلل نَاظر القَوْل المحق)
(تجل عَن الدَّقِيق عقول قوم ... فَيَقْضِي للمجل من المدق)
الثَّالِث ذكر أَسمَاء الفلاسفة فضلا عَن الْخَوْض فِي شَيْء فِي علومهم فِي مَلأ من النَّاس أَو مَعَ وَاحِد مِنْهُم
قلت وَلَا يفهم من هَذَا التحفظ انه لمُجَرّد سد بَاب التُّهْمَة خَاصَّة بل الْحق أَن الفلسفة مَعَ مضرتها بِالدّينِ بَاطِلَة فِي نَفسهَا لما تقرر إِنَّهَا غير وافية بِالْقَصْدِ الْمُدَّعِي فِيهَا وَلَا كَافِيَة فِي معرفَة السَّعَادَة الْمَوْعُود بهَا بعد الْمَوْت والناظر فِيهَا بِشَرْطِهِ لَهُ غَرَض آخر غير مَا يظنّ من حسن فِيهَا الِاعْتِقَاد وضل بهَا عَن سَوَاء السَّبِيل وَبسط ذَلِك لَا يَلِيق بالموضع
الْأَمر الثَّانِي الْخَوْض فِي السُّلْطَان وَذَلِكَ بِأحد اسباب مهلكة
стр. 967
أَحدهَا ذكره بِسوء فِي نَفسه أَو فِيمَا هُوَ من سَببه أَن كَانَ حَقًا وَمن مُبَالغَة التحفظ فِي ذَلِك أَن يعلم مِنْك انك لَا تَأْخُذ فِي شَيْء من ذمه كَأَنَّهُ لَيْسَ فِي طباعك إِلَّا مَعَ ثِقَة وَقَلِيل مَا هم الثَّانِي مُشَاهدَة المواطن الْمَذْكُور فِيهَا بِمَا يكره وَمن الْوَاجِب فِي ذَلِك أَن يبعد فِي الْهَرَب والبعد على الْمُشَاركَة طلبا للسلامة
الثَّالِث مصاحبة الْمُتَّهم عِنْده باضمار الانحراف عَنهُ أَو يتَوَقَّع مصيره إِلَى ذَلِك خوف أَن يظنّ بِهِ مثل ذَلِك إِذْ الْمَرْء على دين خَلِيله
الْخطر الثَّانِي الْمُفْسد وَذَلِكَ امران أَحدهَا وَهُوَ اشهدهما سبّ النَّاس والتعرض لَهُم فَإِنَّهُ جالب عدواتهم ومثير مطالبتهم بالمعارضة عَلَيْهَا
قلت وَمن كَلَام مَالك ﵀ ادركت اقواما كَانَت لَهُم عُيُوب فَسَكَتُوا عَن عُيُوب النَّاس فَسكت النَّاس عَن عيوبهم وادركت اقواما لم تكن لَهُم عُيُوب فتكلموا فِي النَّاس فأحدث النَّاس لَهُم عيوبا
وَصِيَّة
قَالُوا وَلَا تقارض عَلَيْهِ من واجهه بِهِ فالدنيا احقر والعمر اقصر من اشْتِغَال رفيع الهمة بعداوة من السب ارْفَعْ مِنْهُ بعداوة من واجهه بِمَا يكره
قلت وَقد سبق فِي الْمُقدمَة الثَّامِنَة مَا قرر الْخطابِيّ فِي ذَلِك
الثَّانِي كلمة سخيفة يسْقط بهَا قَائِلهَا وان لم يعد على أحد والسلامة مِنْهَا وَمن كل كَلَام ضار إِنَّمَا هُوَ بأمرين قِرَاءَة الاداب الدَّالَّة على فرق مَا
стр. 968
بَين الْكَلَام الغث والسمين وتعود ترك الْكَلَام إِلَّا بعد التروي فِيمَا يَلِيق أَن يتَكَلَّم بِهِ أَو يمسك عَنهُ
فَائِدَة
مِمَّا يستعان بِهِ على السَّلامَة من اللِّسَان طلبا للسلامة من النَّاس مُلَاحظَة امرين أَحدهمَا النجَاة من ملك مَا يتَكَلَّم بِهِ فَعَن الشَّافِعِي انه قَالَ للربيع من اصحابه يَا ربيع لَا تَتَكَلَّم فِيمَا لَا يَعْنِيك فَإنَّك إِذا تَكَلَّمت بالكلة مَلكتك وَلم تَملكهَا
الثَّانِي ستر الْعُيُوب عَنْهُم بِالصَّمْتِ قَالَ النَّوَوِيّ بلغنَا أَن قس بن سَاعِدَة واكثم بن سَاعِدَة واكثم بن صَيْفِي اجْتمعَا فَقَالَ أَحدهمَا لصَاحبه كم وجدت فِي ابْن آدم من الْعُيُوب قَالَ هِيَ اكثر من أَن تحصى وَالَّذِي احصيته ثَمَانِيَة الاف عيب وَوجدت خصْلَة وَاحِدَة أَن استعملها سترت الْعُيُوب كلهَا قَالَ وَمَا هِيَ قَالَ حفظ اللِّسَان
قلت وَفِي مَعْنَاهُ قَالَ ابْن الجزار
(اياك من زلل اللِّسَان فَإِنَّمَا ... عقل الْفَتى من لَفظه المسموع)
(فالمرء يختبر الاناء بنقره ... فَيرى الصَّحِيح بِهِ من المصدوع)
الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة
فِي ملك الْحَواس واهمها العينان لوَجْهَيْنِ
أَحدهمَا اسْتِدْلَال النَّاس خَاصَّة وَعَامة على مُضْمر النَّاظر بهما كنظره إِلَى الْوُجُوه الحسان من ذكر أَو أُنْثَى وَلَو كالتفاتة لحظ
стр. 969
الثَّانِي وَهُوَ سَبَب عَن ذَلِك حكمهم عَلَيْهِ بِمَا كَانَ فِي غنى عَنهُ ومستورا فِيمَا ينطوي عَلَيْهِ جنانه
قلت وَاقْتصر هُنَا على ملك هَذِه الحاسة دون اخواتها لَان غَرَض هَذِه السياسة إِنَّمَا هُوَ اصلاح الظَّاهِر فَقَط ومدركات بَاقِي الْحَواس لَا يكون بِحَضْرَة النَّاس فَلَا جرم لم تقع بِهِ عناية فِي الْموضع
الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة
فِي صُورَة الانسان بَاطِنا وظاهرا وَالْمرَاد بذلك رِعَايَة امور
أَحدهَا ملك قواه النفسانية فالغضبية عَن الحدة والحرج وَالْكبر وَجب الاستعلاء وَظُهُور الْحَسَد والعداوة والمضرة وَشبه ذَلِك والشهوانية عَن السَّبق والاستهتار واطلاق الْحَواس فِي الملاذ وترديد خسائس الشَّهَوَات على اللِّسَان وَنَحْو ذَلِك
الثَّانِي تَحْسِين مُعَامَلَته بِالْعَدْلِ والانصاف وَترك اسْتِعْمَال الْخبث وفرط الدهاء إِلَّا لحَاجَة وَاجْتنَاب الْكَذِب والمرآء والجدال والمزاح المفرط وَنَحْو ذَلِك
الثَّالِث ضبط حركاته عَمَّا يشين كالاشارة بِالْيَدِ أَو الرَّأْس أَو غير ذَلِك عِنْد الْكَلَام والعبث بنتف اللِّحْيَة وفتلها وتنقية الانف وَقتل مَا يخرج مِنْهُ بَين الاصابع وَشبه ذَلِك
الرَّابِع توسطه فِي احوال نَفسه وبدنه بَين طرفِي الافراط والتفريط باتيان الاقتصاد والميل إِلَى التستر وكتم سره والترسل فِي الْكَلَام باعتدال وَاجْتنَاب الحشو فِيهِ كسمعت وَنَحْو ذَلِك من الْكَلِمَات الْمعينَة والهذي فِي الحركات وَالْوَقار والتؤدة واتقاء مَوَاضِع الريب وتقليل الْكَلَام وَتَقْدِيره فِي كل
стр. 970
مقَام بِمَا يَلِيق بِهِ واعتدال حَرَكَة الْعين والجوارح بَين الحدة والخمود وَنَحْو ذَلِك
الْخَامِس تَزْيِين ظَاهره بِمَا يدل على المرؤة وَشرف النَّفس كنظافة الْجِسْم والاطراف والفم وقص الشَّارِب وَالظفر وَشبه ذَلِك
الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة
فِي احواله الْخَارِجَة عَنهُ وَالْمَذْكُور من ذَلِك سيرة اللبَاس والاولى مِنْهُ فِي اعْتِدَال التحسين لَهُ مَا جمع امور
أَحدهَا تَخْصِيص الدرجَة بِهِ أَو ترفيع الْقدر خُصُوصا أَن ترفع بِنَفسِهِ أَو كَانَ فِي دَار غربَة فَإِن الْغَرِيب ابْن ثَوْبه
الثَّانِي عدم اخلاله بمقدرة مَا لَهُ لَيْلًا يعاب من حَيْثُ قصد الْجمال فِي اعين النَّاس وتوهم السَّلامَة مِنْهُم
وَالثَّالِث توسطه فِي مرتبَة مثله وجريه على مُعْتَاد الزَّمَان وَالْمَكَان فَإِن الْخُرُوج عَن المألوف منفر وَأَيْضًا من شَأْن الْعَامَّة أَن لَا تفضل من الموجودات إِلَّا الْأَجْسَام الدُّنْيَوِيَّة والسائس يترفع فيهم بِمَا هُوَ رفيع عِنْدهم عَظِيم الْمحل فِي اعينهم فيفوز مِنْهُم بالكرامة وَقَضَاء الْحَوَائِج مَعَ السَّلامَة مِنْهُم إِذْ الضَّرُورَة دافعته اليهم
قلت وَمن المنظوم فِي الحض على استجادة الثِّيَاب فِي الْجُمْلَة قَوْله
стр. 971
(اجد الثِّيَاب إِذا اكتسيت فَإِنَّهَا ... زين الرِّجَال بهَا تهاب وتكرم)
(ودع التَّوَاضُع فِي اللبَاس تحريا ... فَالله يعلم مَا تكن وتكتم)
(فدنى ثَوْبك لَا يزيدك زلفة ... عِنْد الْإِلَه وانت عبد مجرم)
(وبهاء ثَوْبك لَا يَضرك بعد أَن ... تخشى الْإِلَه وتتقي مَا يحرم)
جَامع بَيَان
قَالُوا وقطب هَذَا الْمدَار معوله مِنْك النَّفس واعتياد التروي فِي الْأَقْوَال والافعال فَمَا وَجب اطلاقه أَو صرفه عمل عَلَيْهِ وقانون ذَلِك اطلاق الحركات لمَنْفَعَة أَو رَاحَة لَا تعقب الما أَو تستلزمه فاللذة راجحة عَلَيْهِ
قلت وعَلى شَرط مُوَافقَة الشَّرْع بِبَرَاءَة الذِّمَّة من تَبعته
الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة
فِي الاخوان وَالصديق مِنْهُم بِاعْتِبَار مَا لاجله الصداقة ثَلَاثَة صديق التَّعْلِيم والراحة وَالْمَنْفَعَة
الصّديق الأول صديق التَّعْلِيم وَشَرطه جودة الْفَهم معلما أَو مرافقا أَو متعلما والسلامة من الْحَسَد وَحب الْغَلَبَة وخبث الطباع والغدر والتلون والملق
قلت وَقد مر فِي رَوْضَة الاعلام من آدَاب هَذِه الصداقة مَا فِيهِ بَلَاغ واطناب بَيَان
الصّديق الثَّانِي صديق الرَّاحَة وَيَنْبَغِي فِيهِ الظّرْف وخفة الرّوح وسلامة الْجِهَة وكتم الاسرار والمحبة ولبراءة من الْحَسَد والمساعدة وَحسن الْخلق
стр. 972
قلت وَيجب على المتدين تَقْيِيد الرَّاحَة وطريقها بِمُقْتَضى مَا تبيحه الشَّرِيعَة وتطلقه وَلَا اعْتِبَار هُنَا بِكَلَام من لَا يَنْضَبِط بدي فليحذر مِنْهُ وَنحن نستعيذ بِاللَّه تَعَالَى أَن نزيد ذَلِك بتصريح أَو تلويح
الصّديق الثَّالِث صديق الْمَنْفَعَة وَيطْلب فِيهِ الْأَمَانَة والنصيحة وَالِاجْتِهَاد والمعرفة بالمنتفع بِهِ فِيهِ وَلَا احْتِيَاج إِلَى مَا وَرَاء ذَلِك مَتى احرزه وَجمعه
قلت وَتقدم أَن الخديم المستكفي بِهِ مَعَ الوثوق بغنائه كالمفقود وان المستكفي وان كَانَ غير مَأْمُون ارجح من عَكسه
تَعْمِيم الْقدر الْمُحْتَاج اليه فِي الْجَمِيع اطراح الْحَسَد والخبث والعداوة وَسُوء النِّيَّة وَالظَّن وَحب الاضرار وَالْغَلَبَة والغبن والمكالبة والاستنقاص وأصل ذَلِك كُله خبث لانفس واخفها سوء الظَّن والجميع لَهَا سم قَاتل لَا تفي بِهِ الصداقة بالعداوة وَلَا الْمَنْفَعَة بالمضرة
تَخْصِيص وَقع للخطابي فِيمَا يرجع لمعاني الصداقة الأولى تحذير بَالغ من الاغترار فِيهَا بِصُحْبَة شرار المتعلمين
ولخصه الغزال بِمَا نَصه دع الراغبين فِي صحبتك والتعليم مِنْك فَلَيْسَ لَك مِنْهُم مَال وَلَا جمال اخوان الْعَلَانِيَة اعداء السريرة إِذا لقوك تملقوك وَإِذا غبت عَنْهُم سفهوك وَمن اتاك مِنْهُم كَانَ عَلَيْك رقيبا وَإِذا
стр. 973
خرج عَلَيْك كَانَ خَطِيبًا أهل نفاق ونميمية وغل وخديعة وَلَا تغتر بإجتماعهم عَلَيْك فَمَا غرضهم الْعلم بل المَال والجاه أَن يتخذوك سلما إِلَى اوطارهم وَحِمَارًا فِي حوائجهم وان قصرت فِي غَرَض من اغراضهم كَانُوا اشد اعدائك ثمَّ يعدون ترددهم اليك دَالَّة عَلَيْك ويرونه حَقًا وَاجِبا لديك ويفرضون عَلَيْك أَن تبذل عرضك وجاهك وَدينك لَهُم فتعادي عدوهم وَتَنصر قريبهم وخادمهم ووليهم وتنتهض لَهُم سَفِيها وَقد كنت فَقِيها وَتَكون لَهُم تَابعا خسيسا بعد أَن كنت متبوعا رَئِيسا وَلذَلِك قيل اعتزال الْعَامَّة مرؤة تَامَّة
قَالَ الْغَزالِيّ وَصدق فَإنَّك ترى المدرسين فِي رق دَائِم وَتَحْت حق لَازم مِمَّن تردد إِلَيْهِم كَأَنَّهُ يرى حَقه وَاجِبا عَلَيْهِم ثمَّ مضى فِي تَقْرِير ذَلِك بِمَا فِيهِ بَلَاغ فَرَاجعه من هُنَاكَ
ارشاد الْمُسْتَعْمل مَعَ الاخوان عملان تفصيلي واجمالي
الْعَمَل التفصيلي بِحَسب طَبَقَات الصداقة فَمَعَ صديق التَّعْلِيم اسْتِعْمَال حركات س حَرَكَة الْمعلم ج // س المعلمين من غير انبساط وَلَا ميل كثير عَمَّا يلم بِهِ من ذَلِك أَن
стр. 974
سلمت طباعه وان كَانَ ساذجا سلك سَبيله فِي وقاره وَملك نَفسه عَن سَائِر قوى النَّفس وَمَعَ صديق الرَّاحَة اسْتِعْمَال مَا لَا يُبَالِي بِهِ أَن نقل عَنْك وَلَا يحصل ذَلِك إِلَّا مَعَ التحفظ ومزجه بحركات الشَّرْع
قلت وعَلى شطر مَا تقدم من التَّقْيِيد بِمُقْتَضى الشَّرْع واذ ذَاك يكون المزح بِهِ حَقِيقَة لَا لمُجَرّد التَّحَرُّز خَاصَّة وَمَعَ صديق الْمَنْفَعَة اسْتِعْمَال صُورَة الْوَقار مَعَه مَعَ اطراح قوى النَّفس ومشاركته مَا يُشَارك فِيهِ من غير مزِيد عَلَيْهِ
الْعَمَل الثَّانِي الاجمالي بإعتبار الْجَمِيع وَذَلِكَ تَحْسِين النِّيَّة فِي الْمُعَامَلَة وتوسط الظَّن وَالْمَنْفَعَة بِمِقْدَار التَّوَسُّع وَالْوَفَاء واللقاء بِالْبرِّ والبشاشة وَقَضَاء الحومائج وَحسن الثَّنَاء عَلَيْهِ فِي الْغَيْب وَالشَّهَادَة ومشاهدة فَرَحهمْ وَلُزُوم التَّوَسُّط فِي النَّفَقَة مَعَ الْكَرم والبراءة من التملق بذلك وَاجْتنَاب الْكبر وَالْكذب والترأس واظهار انه افضل وافهم وَاعْلَم وَالسُّكُوت عَن عيب هُوَ فِيهِ فَلَا يذكرهُ لَهُ وَلَا لغيره وَاحْتِمَال سَائِر الْعُيُوب مَتى صفي مِنْهُ الْأَكْثَر وتمهيد يذكرهُ لَهُ وَلَا لغيره وَالِاحْتِمَال خُصُوصا مَتى كَانَت عوارض زائلة وَالِاعْتِبَار بهَا عَمَّا لَا يرضاه مِنْك أَو سيقبلها أَن صحت الصداقة
стр. 975
الْمَسْأَلَة السَّادِسَة
فِي المعارف وهم صنفان
أَحدهمَا المطبوع على غائلة الشَّرّ وخبث النَّفس وفسادها وعلاجه مداراته بِالسَّلَامِ والبعد من خلطته ومعاملته بالوقار والسكون مَتى تسور عَلَيْهَا حَتَّى يثقل عَلَيْهِ وَالثنَاء عَلَيْهِ بالجميل والتحيل فِي عدم لِقَائِه حَتَّى ينساك ويشتغل بغيرك
الثَّانِي سَائِر من لَا يَنْتَهِي إِلَى ذَلِك ومعاملتهم بِالسَّلَامِ عَلَيْهِم وَالسُّؤَال عَن حَالهم والبشاشة عِنْد اللِّقَاء وَترك الانبساط وَالْكَلَام مَعَهم وتقليل خلطهم إِلَّا بعد التجربة الطَّوِيلَة أحد الْمَقَاصِد الْمُتَقَدّمَة
تَكْمِلَة بَيَان ذكر الْغَزالِيّ فِي تَقْرِير هَذَا الْبَاب جملتين لكثير من آدَاب الْمَعيشَة والمعاشرة نذكرها تَمامًا لهَذَا الْغَرَض
الْجُمْلَة الأولى قَالَ وَهِي الجامعة أَن لَا تصغر مِنْهُم احدا حَيا أَو مَيتا فتهلك إِذْ لَا تَدْرِي لَعَلَّه خير مِنْك للختم لَهُ بالصلاح وان كَانَ فَاسِقًا وَلَا تنظر إِلَيْهِم بالتعظيم لَهُم فِي حَال دنياهم فَإِن الدُّنْيَا صَغِيرَة عِنْد الله تَعَالَى صَغِير مَا فِيهَا وَمهما عظم أهل الدُّنْيَا فِي نَفسك فقد عظمت الدُّنْيَا فَتسقط عِنْد الله تَعَالَى وَلَا تبذل لَهُم دينك لتنال من دنياهم فتصغر فِي اعينهم ثمَّ تحرم دنياهم فَإِن لم تحرم كنت قد استبدلت الَّذِي هُوَ ادنى بِالَّذِي هُوَ خير وَلَا تعاديهم
стр. 976
بِحَيْثُ تظهر العداولة فَيطول الْأَمر عَلَيْك فِي المعاداة وَيذْهب دينك ودنياك فيهم وَيذْهب دينهم فِيك إِلَّا إِذا رَأَيْت مُنْكرا فِي الدّين فتعادي افعالهم القبيحة وَتنظر إِلَيْهِم بِعَين الرَّحْمَة لتعرضهم لمقت الله تَعَالَى وعقوبته بعصيانهم فحسبهم جَهَنَّم يصلونها فَإنَّك تحقد عَلَيْهِم وَلَا تستكن إِلَيْهِم فِي مودته لَك وثنائهم عَلَيْك فِي وَجهك وَحسن بشرهم لَك فَإنَّك أَن طلبت حَقِيقَة ذَلِك لم تَجِد فِي الْمِائَة إِلَّا وماحدا وَرُبمَا لم تَجدهُ وَلَا تشك إِلَيْهِم احوالك فيكللك الله إِلَيْهِم وَلَا تطمع أَن يَكُونُوا لَك فِي الْغَيْب والسر كَمَا فِي الْعَلَانِيَة فَذَلِك طمع كَاذِب وأنى تظفر بِهِ وَلَا تطمع بِمَا فِي ايديهم فتستعجل الذل وَلَا تنَال الْغَرَض وَلَا تعل عَلَيْهِم تكبرا لاستغنائك عَنْهُم فَإِن الله تَعَالَى يلجئك إِلَيْهِم عُقُوبَة على التكبر بِإِظْهَار الِاسْتِغْنَاء وَإِذا سَأَلت اخاص مِنْهُم حَاجَة فقضاها فَهُوَ أَخ مُسْتَفَاد فَإِن لم يقضها فَلَا تعاتبه فَيصير عدوا تطول عَلَيْك مقاساته وَلَا تشتغل بوعظ من لَا ترى فِيهِ مخائل الْقبُول فَلَا يسمع مِنْك ويعاديك وَليكن وعظك عرضا وارسالا من غير تنصيص على الشَّخْص وَمهما رَأَيْت مِنْهُم كَرَامَة فاشكر الله تَعَالَى الَّذِي سخرهم لَك واستعذ بِاللَّه أَن يكلك إِلَيْهِم وان بلغك مِنْهُم غيبَة وَرَأَيْت مِنْهُم شرا أَو اصابك مِنْهُم مَا يسوءك فَكل أَمرهم إِلَى الله تَعَالَى واستعذ بِاللَّه من شرهم وَلَا تشغل نَفسك بالمكافأة فيزيد الضَّرَر بِعَمَلِهِ ويضيع الْعُمر بشغله وَلَا تقل لَهُم لم تعرفوا حَقي أَو موضعي
واعتقد انك لَو استحققت ذَلِك لجعل الله تَعَالَى لَك موضعا فِي قروبهم فَالله تَعَالَى هُوَ المحبب والمبغض إِلَى الْقُلُوب وَكن فيهم سميعا لحقهم اصم عَن باطلهم نطوقا بحقهم صموتا عَن باطلهم وَاحْذَرْ صُحْبَة اكثر النَّاس فَإِنَّهُم لَا يقيلون عَثْرَة وَلَا يغفرون زلَّة وَلَا يسترون عَورَة ويحاسبون على
стр. 977
النقير والقطمير ويحسدون على الْقَلِيل وَالْكثير ينتصفون وَلَا ينصفون وَيَأْخُذُونَ على الْخَطَأ وَالنِّسْيَان وَلَا يعفون يعيرون الاخوان بالنميمية والبهتان فصحبة أَكْثَرهم خسران وقطيعتهم رُجْحَان أَن رَضوا فظاهرهم الملق ومان سخطوا فباطنهم الحنق لَا يُؤمنُونَ فِي حنقهم أَو لَا يرحمون فِي قلقهم ظَاهِرهمْ ثِيَاب وَبَاطِنهمْ ذياب يقطعون بالظنون ويتغامزون بالعيون ويتربصون بصديقهم ريب الْمنون يُحصونَ عَلَيْك العثرات فِي صحبتهم ليواجهونه بهَا فِي غضبهم وَلَا تعول على مَوَدَّة من لم تختبره كل الْخِبْرَة فَإِن صحبته مُدَّة فِي دَار أَو مَوضِع فتجربه فِي عَزله وولايته وغناه وَفَقره أَو تُسَافِر مَعَه أَو تعامله فِي الدِّينَار وَالدِّرْهَم أَو تقع فِي شدَّة فتحتاج إِلَيْهِ فَإِن رضيته فِي هَذِه الْأَحْوَال فتخذه أَبَا لَك أَن كَانَ كَبِيرا أَو ابْنا لَك أَن كَانَ صَغِيرا أَو أَخا لَك أَن كَانَ مثيلا
الْجُمْلَة الثَّانِيَة قَالَ وَهِي مِمَّا حفظ من كَلَام بعض الْحُكَمَاء قَالَ أَن اردت حسن الْمَعيشَة والمجالسة فالق صديقك وعدوك بالرضى من غير ذَلِك لَهُم وَلَا هَيْبَة مِنْهُم وتوقر فِي غير كبر وتواضع فِي غير ذلة وَكن فِي جَمِيع امورك فِي اوسطها فكلا طرفِي قصد الْأُمُور ذميم وَلَا تنظر فِي عقبك وَلَا تكْثر الِالْتِفَات وَلَا تقف على الْجَمَاعَات وَإِذا جَلَست فَلَا تستوفز وَتحفظ عَن شبيك اصابعك والعبث بلحيتك وتخليل اسنانك
стр. 978
وادخال اصبعك فِي انْفَكَّ وَكَثْرَة بصاقك وتنحمك وطرد الذُّبَاب عَن وَجهك وَكَثْرَة التمطي والتثاوب ف يوجوه النَّاس وَفِي الصَّلَاة وَغَيرهَا وَليكن مجلسك هاديا وحديثك منظوما مُرَتبا واصغ إِلَى الْكَلَام الْحسن مِمَّن حَدثَك من غير اظهار عجب مفرط وَلَا تسأله اعادته واسكت عَن المضاحك فِي الحكايات وَلَا تحدث عَن عجائب ولدك أَو جاريتك أَو شعرك أَو صنيفك سَائِر مَا يخصك وَلَا تتصنع تصنع الْمَرْأَة فِي التزين وَلَا تتبذل تبذل العَبْد وتوق كَثْرَة الْكحل والاسلاف فِي الدّهن وَلَا تلح فِي الْحَاجَات وَلَا تشجع احدا على الظُّلم وَلَا تعلم اهلك وولدك فضلا عَن غَيرهم مِقْدَار مَالك فَإِنَّهُم أَن رَأَوْهُ قَلِيلا هنت عَلَيْهِم وان كَانَ كثيرا لم تبلغ قطّ رضاهم واخفهم من غير عنف وَلنْ لَهُم من غير ضعف وَلَا تهازل عَبدك وَلَا امتك فَيسْقط وقارك وَإِذا خَاصَمت فتوقر وَتحفظ من جهلك وتجنب عجلتك وتفكر فِي حجتك وَلَا تكْثر الاشارة بِيَدِك وَلَا تكْثر الِالْتِفَات لمن وَرَاءَك وَلَا تجث على ركبتيك وَإِذا هدأ غضبك فَتكلم
وَإِذا قربك السُّلْطَان فَكُن مِنْهُ على مثل حد السنان وان استرسل اليك فَلَا تأمن انقلابه عَلَيْك وارفق بِهِ رفقك بِالصَّبِيِّ وَكَلمه بِمَا يشتهيه وَلَا يحملك لطفه بك أَن تدخل بَينه وَبَين اهله وَولده وحشمه وان كنت لذَلِك مُسْتَحقّا عِنْده فَإِن سقطة الدَّاخِل بَين الْملك واهله سقطة لَا تنعش وزلة لَا تقال
واياك وصديق الْعَافِيَة فَإِنَّهُ أعدى الاعداء وَلَا تجْعَل مَالك اكرم
стр. 979
من عرضك وَإِذا دخلت مَجْلِسا فالادب فِيهِ الْبِدَايَة بِالتَّسْلِيمِ وَترك التخطي لمن سبق وَالْجُلُوس حَيْثُ اتَّسع وَحَيْثُ تكون اقْربْ إِلَى التَّوَاضُع أَن تحيي بِالسَّلَامِ من قرب مِنْك عِنْد الْجُلُوس
وَلَا تجْلِس عِنْد الطَّرِيق فَإِن جَلَست فأدبه غض الطّرف وَنصر الْمَظْلُوم واغاثة الملهوف وَعون الضَّعِيف وارشاد الضال ورد السَّلَام واعطاء السَّائِل وَالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر والارتياد لموْضِع البصاق فَلَا تبصقن فِي جِهَة الْقبْلَة وَلَا عَن يَمِينك وَلَكِن عَن يسارك أَو تَحت قدمك الْيُسْرَى
وَلَا تجَالس الْمُلُوك فَإِن فعلت فأدبه ترك الْغَيْبَة ومجانبة الْكَذِب وصيانة السِّرّ وَقلة الْحَوَائِج وتهذيب الالفاظ والاعراب فِي الْخطاب والمذاكرة بأخلاق الْمُلُوك وَقلة المداعبة وَكَثْرَة الحذر مِنْهُم وان ظَهرت الْمَوَدَّة وَلَا تتجشأ بمحضره وَلَا تتخلل بعد الاكل عِنْده وعَلى الْملك أَن يحْتَمل كل شَيْء إِلَّا افشاء السِّرّ والقدح فِي الْملك والتعرض للحرم
وَلَا تجَالس الْعَامَّة فَإِن فعلت فأدبه ترك الْخَوْض فِي حَدِيثهمْ وَترك الاصغاء إِلَى اراجيفهم والتغافل عَمَّا يجْرِي من سوء الفاظهم وَقلة اللِّقَاء لَهُم مَعَ الْحَاجة إِلَيْهِم واياك أَن تمازح لبيبا أَو غير لَبِيب فَإِن اللبيب يحقد عَلَيْك وَالسَّفِيه يتجرأ عَلَيْك لِأَن المزح يخرق الهيبة وَيسْقط مَاء الْوَجْه وَيذْهب بحلاوة الود ويشين فقه الْفَقِيه ويجريء السَّفِيه وَيسْقط الْمنزلَة عِنْد الحكم وتمقته النُّفُوس وَيُمِيت الْقلب ويباعد عَن الرب تَعَالَى ويكسب الْغَفْلَة وَيُورث الذلة وَبِه تظلم السرائر وَتَمُوت الخواطر وَبِه تكْثر الْعُيُوب وَتبين الذُّنُوب وَقد قيل لَا يكون المزاح إِلَّا من سخف أَو بطر وَمن بلَى فِي مجْلِس بمزاح أَو لغط فليذكر الله تَعَالَى عِنْد قِيَامه ثمَّ ذكر حَدِيث كَفَّارَة الْمجْلس
стр. 980
مسكة الختام
تقدم أَن احدا لم يلغ فِي كَمَال الِاعْتِدَال فِي اصول الاخلاق وفروعها مبلغ النَّبِي ﷺ وَمُقْتَضى ذَلِك مَعَ طلب الِاقْتِدَاء بِهِ أَن سيرته ﷺ فِي سياسة الدّين وَالدُّنْيَا هِيَ السِّيرَة الجامعة لمحاسن الشيم وَمَكَارِم الاخلاق
وَقبل الْخَتْم بتلخيص ذَلِك تبركا فَهُنَا مَسْأَلَتَانِ
الْمَسْأَلَة الأولى
فِي فَوَائِد الْوُقُوف عَلَيْهِ وَهِي جملَة
الْفَائِدَة الأولى دلَالَته على صدق نبوته ﷺ وَلَكِن بعد الْعلم بِجَوَاز النُّبُوَّة فِي الْجُمْلَة على مَا أَشَارَ إِلَيْهِ ابْن التلمساني وان كَانَ الجاحظ اعتبرها على الاطلاق وَتَبعهُ الْغَزالِيّ فِي المنقذ من الضلاة والامام فَخر الدّين فِي المعالم وملخصها من تَقْرِير الْغَزالِيّ أَن من شَاهد احواله ﷺ أَو بلغه مستفيض خَبَرهَا الْمُشْتَمل على اخلاقه واقوال وافعاله وسياسته لاصناف الْخلق بالهداية والتآلف والانقياد مُنْضَمًّا إِلَى مَا خص بِهِ من عجائب الاجوبة فِي مضائق الاسئلة وترافع التَّدْبِير ومحاسن الاشارة لتفاصيل الْأَحْكَام الَّتِي يعجز نحارير الْفُقَهَاء عَن ادراك اوائلها لم يبْق لَهُ ريب فِي أَن ذَلِك لَا قدرَة للبشر على اكتسابه بحيلة وانما يتَصَوَّر بتأييد سماوي وَقُوَّة الهية لَا سِيمَا وَهُوَ ﷺ امي لم يقْرَأ كتابا وَلم تلمذ لاستاذ وَلَا رَحل فِي طلب الْعلم واذ ذَاك فَهُوَ قَاطع بصدقه وبصحة مَا أَتَى بِهِ وَمن ثمَّ كَانَ الْعَرَبِيّ القح يَقُول عِنْد رُؤْيَته ص وَمَا هَذَا وَجه كَذَّاب
стр. 981
الْفَائِدَة الثَّانِيَة
شَهَادَته بإنه اكرم الْخلق على الله تَعَالَى وارفعهم لَدَيْهِ مقَاما وَتَقْرِيره على طَريقَة الْأَمَام الْفَخر انه ﷺ بلغ لهَذَا الْكَمَال الْعَظِيم فِي انْتِفَاع الْخلق بِهِ فِي الدعْوَة إِلَى التَّوْحِيد اولا والحث على مَكَارِم الاخلاق ثَانِيًا مبلغا لم يبلغهُ أحد من اكابر الْأَنْبِيَاء وَالرسل لانه عِنْد ظُهُوره ﷺ قلب الدُّنْيَا من الْبَاطِل إِلَى الْحق وَمن الظلمَة إِلَى النُّور فِي اكثر بِلَاد الْمَعْمُور حَتَّى اطلق الالسنة بِالتَّوْحِيدِ وطهر النُّفُوس من خبائث الاخلاق وَرجع الْخلق من حب الدُّنْيَا إِلَى حب الْمولى بِحَسب الْإِمْكَان وَعند ذَلِك فَهُوَ ﷺ اكرم الْخلق على الله تَعَالَى وافضل رَسُول بَعثه
قَالَ ابْن التلمساني لَا شكّ فِي فَضله من هَذَا الْوَجْه مَعَ مَاله من الْفَضَائِل
الْفَائِدَة الثَّالِثَة
اقتضاؤه بِهَذِهِ الدّلَالَة وَالشَّهَادَة اقْتِدَاء الْخلق بِهِ فِي سياسة الدّين وَالدُّنْيَا لامرين
أَحدهمَا وُرُود الْأَمر بذلك كتابا وَسنة بقوله تَعَالَى ﴿لقد كَانَ لكم فِي رَسُول الله أُسْوَة حَسَنَة لمن كَانَ﴾ الاية قَالَ عِيَاض عَن التِّرْمِذِيّ الْحَكِيم الاسوة فِي الرَّسُول الِاقْتِدَاء بِهِ والاتباع لسنته وَترك مُخَالفَته فِي قَول أَو فعل وَقَوله ﷺ أَن احسن الحَدِيث كتاب الله وَخير الْهدى هدى مُحَمَّد وَشر الْأُمُور محدثاتها
стр. 982
الثَّانِي حصر السَّعَادَة فِي مُتَابَعَته ﷺ إِمَّا فِي الدّين فَظَاهر واما فِي الدُّنْيَا فَلَمَّا تقرر وَقد تقدم أَن مصالحها إِنَّمَا تعْتَبر برعاية الشَّرْع لَهَا تحصيلا وجلبا وَمن ثمَّ اعْرِض الموفقون عَن اعْتِبَار سياسة الدُّنْيَا بِمَا يفهم مِنْهُ الاستبداد بِهِ لآراء الفلاسفة
حِكَايَة قَالَ ابْن الْعَرَبِيّ كَانَ الْبَاجِيّ ينْتَظر يَوْمًا اذن احْمَد بن هود فجالسه ابْنه الملقب بالمؤتمن وَكَانَ يفلسف وجاذبه ذيل الحَدِيث فَقَالَ لَهُ هَل قَرَأت ادب النَّفس لافلاطون فَقَالَ لَهُ إِنَّمَا قَرَأت أدب النَّفس لمُحَمد بن عبد الله ﷺ قَالَ ابْن الْعَرَبِيّ وعني بذلك مَا تضمنته الشَّرِيعَة من قُرْآن وَسنة فِي هِدَايَة الْبشر وايضاح السّنَن
الْفَائِدَة الرَّابِعَة
اعلامه بِأَن أدب هَذَا الِاقْتِدَاء فِي الظَّاهِر عنوان مثله فِي الْبَاطِن لوَجْهَيْنِ
أَحدهمَا أَن سرائر الْقُلُوب منابع الاعمال ومغارس بذرها فَمَتَى عذب موردها واينع روضها دلّ على أَن الْقلب صَالح السريرة لَا محَالة
الثَّانِي أَن انوار السرائر إِذا اشرقت على الظَّوَاهِر زينتها بدلت مساويها محَاسِن
стр. 983
قَالَ الْغَزالِيّ وَمن لم يكن صَدره مشكاة الانوار الإلهية لم يفض على ظَاهره جمال الاداب النَّبَوِيَّة انْتهى
الْفَائِدَة الْخَامِسَة
احالته فِي هَذَا الِاقْتِدَاء على الْقُرْآن الَّذِي كَانَ خلقه ﷺ وَاصل تهذيبه وتكميله
قَالَ الْغَزالِيّ وَمِنْه يشرق النُّور على كَافَّة الْخلق
قلت وَعند ذَلِك فَمن اقْتدى بِغَيْرِهِ ﷺ ضل وَمن استضاء بسواه بَقِي فِي الْعَمى وَمن لم يَجْعَل الله لَهُ نورا فَمَا لَهُ من نور
الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة
فِي سِيَاق مَا يدل من الْأَخْبَار على فَضله ﷺ مَعَ الاشارة إِلَى جمل من اوصافه الظَّاهِرَة واخلاقه الْبَاطِنَة الشَّاهِد ذَلِك كُله بِاسْتِحْقَاق ذَلِك الْفضل الْعَظِيم وَالْمَذْكُور من ذَلِك خبران
الْخَبَر الأول يرْوى أَن عمر ﵁ سمع بعد وَفَاة النَّبِي ﷺ يَقُول وَهُوَ يبكي بِأبي أَنْت وَأمي يَا رَسُول الله لقد كَانَ لَك جذع تخْطب النَّاس عَلَيْهِ فَمَا كثر النَّاس اتَّخذت منبرا لتسمعهم فحن الْجذع لفراقك حَتَّى جعلت يدك عَلَيْهِ فسكن فأمتك اولى بالحنين عَلَيْك حِين فَارَقْتهمْ بِأبي أَنْت وَأمي يَا رَسُول الله لقد بلغ من فضلك عِنْد رَبك أَن جعل طَاعَتك طَاعَته فَقَالَ من يطع الرَّسُول فقد اطاع الله بِأبي أَنْت وَأمي يَا رَسُول الله لقد بلغ من فضيلتك عِنْد أَن اخبرك بِالْعَفو
стр. 984
عَنْك قبل أَن يُخْبِرك بذنبك فَقَالَ عَفا الله عَنْك لم اذنت لَهُم بِأبي أَنْت وَأمي يَا رَسُول الله لقد بلغ من فضيلتك عِنْده أَن بَعثك آخر الْأَنْبِيَاء وذكرك فِي اولهم فَقَالَ تَعَالَى وَإِذا اخذنا من النَّبِيين ميثاقهم ومنك وَمن نوح وابراهيم ومُوسَى وَعِيسَى بن مَرْيَم لقد بلغ من فضيلتك عِنْده أَن أهل النَّار يودون لَو يَكُونُوا اطاعوك وهم بَين اطباقها يُعَذبُونَ ﴿يَقُولُونَ يَا ليتنا أَطعْنَا الله وأطعنا الرَّسُول﴾ بِأبي أَنْت وَأمي يَا رَسُول الله لَئِن كَانَ مُوسَى بن عمرَان اعطاه الله حجرا يتفجر مِنْهُ الانهار فَمَا ذَاك بِأَعْجَب من اصابعك حِين نبع مِنْهَا المَاء ﷺ بِأبي أَنْت وَأمي يَا رَسُول الله لَئِن كَانَ سُلَيْمَان بن دَاوُود اعطاه الله الرحي غدوها شهر ورواحها شهر فَمَا ذَاك بِأَعْجَب من الْبَراء حِين سرت عَلَيْهِ إِلَى السَّمَاء السَّابِعَة ثمَّ صليت الصُّبْح من ليلتك بالابطح ﷺ بِأبي أَنْت وَأمي يَا رَسُول الله لَئِن كَانَ عِيسَى بن مَرْيَم اعطاه الله احياء الْمَوْتَى فَمَا ذَاك بِأَعْجَب من الشَّاة المسمومة حِين كلمتك وَهِي مَسْمُومَة فَقَالَت لَا تأكلني فَإِن مَسْمُومَة بِأبي أَنْت أُمِّي يَا رَسُول الله لقد دَعَا نوح على قومه فَقَالَ رَبِّي لَا تذر على الأَرْض من الْكَافرين ديارًا وَلَو دعون علينا مثلهَا لهلكنا عَن آخِرنَا فَلَقَد وطأ ظهرك وادمى وَجهك وَكسرت رباعيتك فأبيت أَن تَقول إِلَّا خيرا فَقلت اللَّهُمَّ اغْفِر لقومي فَإِنَّهُم لَا يعلمُونَ بِأبي أَنْت وَأمي يَا رَسُول الله لقد ابتعك فِي قلَّة سنيك وَقصر عمرك مَا لم يتبع نوحًا فِي كَثْرَة سنه وَطول عمره فَلَقَد آمن بك الْكثير وَمَا آمن مَعَه إِلَّا قَلِيل بِأبي أَنْت وَأمي يَا
стр. 985
رَسُول الله لَو لم تجَالس الاكفؤا مَا جالستنا وَلَو لم تنْكح الاكفؤا مَا انكحت إِلَيْنَا وَلَو لم تؤاكل إِلَّا كُفؤًا مَا واكلتنا لبست الصَّيف وَركبت الْحمار وَوضعت طَعَامك على الأَرْض ولعقت اصابعك تواضعا مِنْك ﷺ
قَالَ الرشاطي قد جمع هَذَا الْخَبَر كثيرا من آيَاته ومعجزاته ﷺ تَسْلِيمًا
الْخَبَر الثَّانِي روى عَن ابْن أبي هَالة التَّمِيمِي عَن الْحسن بن عَليّ ﵄ قَالَ سَأَلت خَالِي هِنْد بن أبي هَالة وَكَانَ وصافا عَن حلية النَّبِي ﷺ وَأَنا اشتهي أَن يصف لي مِنْهَا شَيْئا اتعلق بِهِ
قَالَ كَانَ رَسُول الله ﷺ فخما مفخما يتلألأ وَجهه تلألؤ الْقَمَر لَيْلَة الْبَدْر اطول من المربوع واقصر من المذب عَظِيم الهامة رجل الشّعْر أَن انفرقت عقيقته فرقها وَألا فَلَا يُجَاوز شعره شحمة اذنيه إِذا هُوَ وفره ازهر اللَّوْن وَاسع الجبين ازج الحواجب سوابغ فِي غير قرن بَينهمَا عرق يدره الْغَضَب اقنى الْعرنِين لَهُ نور يعلوه يحسبه من
следующие страницы →