← Сияса и кади

Сияса и кади · id 7239

تسهيل النظر وتعجيل الظفر في أخلاق الملك

الماوردي

Полный текст (288 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

فضعفت منته بالمتاركة وَقلت مساعدته بالإهمال فتموجت بِهِ الخطوب وتنكرت عَلَيْهِ الْقُلُوب قَالَ بعض الْحُكَمَاء لَو كَانَت الْمُلُوك تعرف مِقْدَار حَاجتهم إِلَى ذَوي الرَّأْي من النَّاس مثل الَّذِي يعرف أهل الرَّأْي من حَاجتهم إِلَى الْمُلُوك لم أر عجبا أَن ترى مواكب الْمُلُوك على أَبْوَاب الْعلمَاء كَمَا ترى مواكب الْعلمَاء على أَبْوَاب الْمُلُوك ٢٢ - ب

стр. 107

الْفَصْل الثَّالِث عشر الْأَخْلَاق المتقابلة فِي الْمُلُوك وليعلم الْملك أَن أَرْبَعَة أَخْلَاق متقابلة لَيْسَ يعرى مِنْهَا أَو من أبدالها ملك فَإِن اسْتعْملت فِي موَاضعهَا ووقف مِنْهَا على حُدُودهَا خمدت وَإِن اسْتعْملت فِي غير موَاضعهَا أَو خرجت عَن حُدُودهَا إِلَى زِيَادَة أَو تَقْصِير ذمت ١ - الرقة وَالرَّحْمَة فأحدها الرقة وَالرَّحْمَة تحمد عِنْد اعتدالها وَفِي موضعهَا وتذم عِنْد غلبتها وميلها لِأَنَّهَا إِذا غلبت أفضت إِلَى ترك الْحُدُود وإضاعة الْحُقُوق وَذَلِكَ دَاع إِلَى هياج طباع المفسدين وتحريك مطامع المتقلبين فينحل من عرى السياسة مَا كَانَ بالرهبة ملتئما وتخوف الْعقُوبَة منتظما وَمن نسب إِلَى رَحْمَة تبطل حدا أَو تضيع حَقًا أَو تحدث فَسَادًا كَانَ الْفساد عَلَيْهِ أَعُود وَهُوَ لنظره وسياسته أفسد وَصَارَ كَمَا قَالَه المتقدمون كالطبيب الَّذِي يرحم العليل من مرَارَة الدَّوَاء وألم الْحَدِيد فتوديه رَحمته إِلَى هَلَكته وتسوقه الشَّفَقَة إِلَى منيته فَتَصِير رَحمته لَهُ أبلى من قسوته ورفقه بِهِ اضر من غلظته وَالرَّحْمَة خلق مركب من الود والجزع ٢ - الْقَسْوَة والغلظة ثمَّ الْخلق الثَّانِي الْمُقَابل لهَذَا الْخلق وَهُوَ الْقَسْوَة والغلظة فَإِنَّهَا إِذا غلبت أفضت إِلَى مُجَاوزَة الْحُدُود فِي الْحَيَاة وعقوبة الأخيار المبراة والمواخذة بالتهم والظنون والتسوية بَين الشَّك وَالْيَقِين فَلَا يَأْمَن سليم

стр. 108

وَلَا يتَمَيَّز سقيم وَفِي ذَلِك من فَسَاد السياسة بإيحاش المؤانسين وخبث سرائر المناصحين مَا يَجْعَل كل ولي خصما وكل معِين ألتا وَرُبمَا ظن بعض الْوُلَاة أَن القساوة صرامة فَعدل عَن الاقتصاد والسداد إِلَى ضدهما وَتجَاوز حكم الدّين والسياسة إِلَى غَيرهمَا وَلَا خير ٢٣ آفي الْعُدُول عَن وَاحِد مِنْهُمَا وَقد قَالَ النَّبِي ﷺ (أَشد النَّاس عذَابا يَوْم الْقِيَامَة أَشَّدهم عذَابا للنَّاس فِي الدُّنْيَا) وَإِنَّمَا الصرامة قلَّة الْغَفْلَة عَن الجرائر وَمَعْرِفَة الْأُمُور على الْحَقَائِق حَتَّى لَا يتدلس عَلَيْهِ السقيم بالسليم والخائن بالأمين وَلَا يتَصَوَّر الخالع بِصُورَة الطائع والقساوة تهون فِي الْحُدُود وتعد فِي الْحُقُوق يَبْعَثهُ عَلَيْهِ اتِّبَاع شَهْوَته وتحكيم سطوته وَإِذا اعتدل فِيهِ هَذَانِ الخلقان فرق لأهل الْحق وعنف لأهل الْبَاطِل اعتدلت سيرته وَصحت سياسته وَالْقَسْوَة خلق مركب من البغض والجرأة ٣ - السماحة وَالعطَاء ثمَّ الْخلق الثَّالِث وَهُوَ السماحة وَالعطَاء فَإِن وقف على حَده

стр. 109

وَهُوَ بذل مَا يحْتَاج إِلَيْهِ عِنْد الْحَاجة وإيصاله إِلَى مُسْتَحقّه بِحَسب الطَّاقَة كَانَ مَحْمُود الْبَذْل مشكور الْعَطاء وَإِن تجَاوز هَذَا الْحَد فَأعْطى فِي غير حق وبذل من غير تَقْدِير صَار مَنْسُوبا إِلَى التبذير والإضاعة وَصَارَ بِإِزَاءِ تبذيره حُقُوق مضاعة قيل كل شرف فبإزائه حق مضيع وَإِذا انْتَشَر أَن أَمْوَاله تنَال بِغَيْر اسْتِحْقَاق وتدرك بِغَيْر سعي ثارت بِهِ مطامع المحتذين وتكاثرت عَلَيْهِ وُفُود السَّائِلين الَّذين ألفوا كلف الاحتراف واستبدلوا بِهِ دني الاقتراف فَإِن رام رضى جَمِيعهم لم يطق لاتساع آمالهم وَقُوَّة أطماعهم وَلَو أطَاق لأفسد سعي اتِّبَاعه وتخبثت نيات أشياعه إِذْ سوى فِي الْعَطاء بَينهم وَبَين من لم يسع ٢٣ ب سَعْيهمْ وَلَا سد فِي الموازرة والمظاهرة مسدهم قَالَ بعض الْحُكَمَاء لَا خير فِي السَّرف وَلَا سرف فِي الْخَيْر

стр. 110

وَإِن خص بالعطاء قوما وَحرم قوما لم يكن بَين من أعطَاهُ وَهُوَ غير مُسْتَحقّ وَبَين من حرمه فرق ولحقه من ذمّ من حرمه أَضْعَاف مَا لحقه من حمد من وَصله وَلَيْسَ يمْنَع هَذَا من التَّبَرُّع بالصلة وَمن مُرَاعَاة من أمت بجرمة إِذا ظَهرت أَسبَابهَا وتلوح صوابها لِأَن الْمُلُوك مطَالب ذَوي الْحَاجَات وذخائر ذَوي الحرمات وَهَذَا فِي حُقُوق الساسة من الْوَاجِبَات والسخاء خلق مركب من الْحيَاء والإيثار ٤ - الْبُخْل والإمساك ثمَّ الْخلق الرَّابِع الْمُقَابل لهَذَا الْخلق وَهُوَ الْبُخْل والإمساك الْمُؤَدِّي إِلَى تَفْرِيق النصحاء وتنكر الألباء واستطالة الْأَعْدَاء فَإِن الْأَمْوَال تصير إِلَى الْمُلُوك لتوضع فِي حَقّهَا وتفرق على مستحقها لَا ليعدل بهَا عَن الْعَطاء إِلَى الْمَنْع وَعَن التَّفْرِقَة إِلَى الْجمع وَقد قيل من جمع المَال لنفع غَيره أطاعوه وَمن جمعه لنفع نَفسه أضاعوه

стр. 111

وَإِذا شح وَمنع اعْتقد كل مَمْنُوع أَنه غَرِيم مماطل مُسْتَحقّ مَدْفُوع لَا يعْذر إِن منع وَلَا يشْكر إِن أعطي يرى أَن أَيَّام السَّلامَة مغرم وَأَن أَيَّام الِاخْتِلَاط مغنم فَهُوَ على رصد من تقلب الزَّمَان وتوقع الْغَيْر والحدثان ثمَّ تَدعُوهُ الضَّرُورَة إِن تطاولت بِهِ الْمدَّة إِلَى الْخِيَانَة فِي أَمَانَته والغش فِي نصيحته وَقبُول الرشا فِي مضرته فيعكس عَلَيْهِ قَوَاعِد دولته وَيفْسد لَهُ نظام مَمْلَكَته قَالَ بعض الْحُكَمَاء إِذا بخل ٢٤ آالملك كثرت أراجيف النَّاس عَلَيْهِ وفسدت مَوَدَّتهمْ لَهُ وَإِذا اعتدل فِيهِ هَذَانِ الخلقان فِي الْعَطاء وَالْمَنْع فَلم ينقبض فِي حق وَلم ينبسط فِي بَاطِل وسرف صلح واستصلح وَقَالَ هِشَام بن عبد الْملك إِنَّا لَا نعطي تبذيرا وَلَا نمْنَع تقتيرا إِنَّمَا نَحن خزان الله فَإِذا أحب أعطينا وَإِذا كره أَبينَا وَلَو كَانَ كل قَائِل يصدق وكل سَائل يسْتَحق مَا جبهنا قَائِلا وَلَا رددنا سَائِلًا وَالْبخل خلق مركب من القحة والأسف

стр. 112

فَهَذِهِ أَخْلَاق إِذا أَخذ الْملك نَفسه بتعديلها فِيهِ اتسقت لَهُ السياسة العادلة وانتظمت لَهُ السِّيرَة الفاضلة فَإِن خرج الْملك عَن الْقَصْد والاعتدال الْمَحْمُود فِي الْعَطاء وَالْمَنْع إِلَى أحد الطَّرفَيْنِ المذمومين من زِيَادَة فِي الْعَطاء بسخائه أَو زِيَادَة فِي الْمَنْع ببخله فقد تَنْقَسِم أَحْوَال الْمُلُوك فِيهَا أَرْبَعَة أَقسَام أَحدهمَا ملك سخي على نَفسه سخي على رَعيته وَالثَّانِي ملك بخيل على نَفسه بخيل على رَعيته وَالثَّالِث ملك سخي على نَفسه بخيل على رَعيته وَالرَّابِع ملك بخيل على نَفسه سخي على رَعيته وَقد اخْتلفت طوائف الْأُمَم أَي الْأَرْبَعَة أقرب إِلَى الصَّوَاب وَأبْعد من الْعَيْب وَإِن لم يخل بِالْخرُوجِ عَن الِاعْتِدَال من خطأ وعيب على أَرْبَعَة آراء فرأي الرّوم أَن أقربهم إِلَى الصَّوَاب وأبعدهم من الْعَيْب هُوَ الْبَخِيل على نَفسه وعَلى رَعيته لِأَنَّهُ مستبق وَغير مستهلك ورأي الْهِنْد أَن أقربهم إِلَى الصَّوَاب وأبعدهم من الْعَيْب هُوَ السخي على نَفسه السخي على رَعيته لِأَنَّهُ منتفع وَنَافِع ورأي الْفرس أَن أقربهم إِلَى الصَّوَاب وأبعدهم من الْعَيْب هُوَ السخي على نَفسه الْبَخِيل ٢٤ ب على رَعيته لأَنهم يرَوْنَ تنعيم النُّفُوس من الْوَاجِبَات فَكَانَ حق نَفسه أَحَق بِهِ من حق غَيره ورأي الْعَرَب أَن أقربهم إِلَى الصَّوَاب وأبعدهم من الْعَيْب هُوَ الْبَخِيل على نَفسه السخي على رَعيته لِأَنَّهُ إِيثَار غَيره على نَفسه

стр. 113

وَقد جَاءَ الْقُرْآن بِمَا يظْهر هَذَا فِي قَول الله ﴿ويؤثرون على أنفسهم وَلَو كَانَ بهم خصَاصَة وَمن يُوقَ شح نَفسه فَأُولَئِك هم المفلحون﴾ وَقد ظهر ذَلِك فِي أشعار الْعَرَب حَتَّى قَالَ بَعضهم (وَإنَّك إِن أَعْطَيْت بَطْنك همه ... وفرجك نالا مُنْتَهى الذَّم أجمعا) // من الطَّوِيل //

стр. 114

الْفَصْل الرَّابِع عشر الْوَفَاء بالعهد مزايا الْوَفَاء بالعهد وليعلم الْملك أَن من قَوَاعِد دولته الْوَفَاء بعهوده فَإِن الْغدر قَبِيح وَهُوَ بالملوك أقبح وَمُضر وَهُوَ بالملوك اضر لِأَن من لم يوثق مِنْهُ بِالْوَفَاءِ على بذله وَلم يتَحَقَّق مِنْهُ تَصْدِيق قَوْله بِفِعْلِهِ ووسم بِنَقْض الْعُقُود ونكث العهود قل الركون إِلَيْهِ وَكثر النفور مِنْهُ وَعنهُ وانعقاد الْملك إِنَّمَا يكون بالركون الْمُوجب للاستسلام وَالطَّاعَة الباعثة على النُّصْرَة ليصير النَّاس مَعَ الْملك من بَين مستسلم إِلَيْهِ وناصر لَهُ وبهذين يكون الْملك منعقدا فَإِذا نفرهم الْغدر انتقضت قَوَاعِده لزوَال الاستسلام وَقلة التناصر وَإِذا عرف الْأَعْدَاء الْوَفَاء مِنْهُ لانوا وَطَالَ عَلَيْهِم بالنصرة فهانوا وقوبل على غدره بِمثلِهِ فدان لَهُ النَّاس بِمثل مَا دَان وَقد قَالَ النَّبِي ﷺ (كَمَا تدين تدان)

стр. 115

قَالَ الشَّاعِر (وَعِنْدِي قروض الْخَيْر وَالشَّر كلهَا ... فبؤسى لَدَى بؤسي ونعمى بأنعم) // من الطَّوِيل // فَإِذا لَا شَيْء أضرّ بِالْملكِ من الْغدر وَلَا أَنْفَع لَهُ من الْوَفَاء مساوئ الْغدر وَرُبمَا استسهل غدره ينتهزها فرْصَة فسامح نَفسه بهَا وَجعلهَا من الذُّنُوب المكفرة بِالتَّوْبَةِ وَلَا يعلم أَنَّهَا أنكى فِي مَمْلَكَته من عَدو ٢٥ آقاهر ومتغلب جَائِر لأَنهم قد وسموه بهَا وَإِن ندرت واكتفوا بهَا وَإِن

стр. 116

شذت وَلَا يقبلُونَ تَوْبَته ويجعلون مَا يعقبها من الْوَفَاء اضطرارا وَمن الْعذر اخْتِيَارا فَلَا يكون فِي وفائه مشكورا وَلَا فِي عذره مَعْذُورًا وَقد قيل مَا لغادر عاذر وَرُبمَا تَأَول الْملك فِي غدره تَأْوِيلا بجعله عذرا لنَفسِهِ فَلَا يجد من النَّاس عاذرا وَلَا يكون عِنْدهم إِلَّا غادرا لأَنهم يحملون الْأُمُور على ظواهرها وَلَا يكشفون عَن غوامضها فيقضون بسقم الظَّاهِر على سَلامَة الْبَاطِن وبفساد العيان على صَلَاح الكامن تَغْلِيبًا على السرائر وَمَا يَنْفَعهُ أَن يعْذر نَفسه وَهُوَ عِنْد النَّاس غير مَعْذُور ويشكرها وَهُوَ عِنْدهم غير مشكور قَالَ بعض الْحُكَمَاء الْوَفَاء من الْمُلُوك يجلب إِلَيْهِم نفوس الرعايا وأموالها وَقلة الْوَفَاء يقبض نفوس الرعايا وأموالها

стр. 117

الْفَصْل الْخَامِس عشر الْحَسَد تجنب الْحَسَد وَمِمَّا يجب على الْملك أَن يحفظ نَفسه من الْحَسَد فَإِنَّهُ خلق دني وطبع ردي فَهُوَ فِي عُمُوم النَّاس مَذْمُوم وَفِي أَخْلَاق الْمُلُوك أَذمّ لِأَن قدر الْملك يجل عَن دناءته ومنزلة الْمَحْسُود مستصغرة فِي عظم همته قَالَ بعض الْحُكَمَاء حسد الْمُلُوك يخفي بهجة الْملك وَلَو لم يكن فِي الْحَسَد من الذَّم إِلَّا مَا يُفْضِي إِلَيْهِ من تَفْضِيل الْمَحْسُود لكفى ذَا الْقدر خمولا وَذَا الْفَضِيلَة نقصا فَكيف بأثره إِذا وصم وبضرره إِذا قَصم قَالَ ابْن المقفع الْحَسَد والحرص يكثر الذُّنُوب وأصل المهالك أما الْحَسَد فَأهْلك إِبْلِيس وَأما الْحِرْص فَأخْرج آدم من الْجنَّة وَفِي الْحَسَد نوعا ذمّ يخْتَص أَحدهمَا بِظَاهِرِهِ وَالْآخر بباطنه فَأَما الْأَخَص بِالظَّاهِرِ فهجنه إِذا عرف وقبحه إِذا وصف لِأَنَّهُ فِي

стр. 118

الظَّاهِر شدَّة الأسى على ٢٥ ب الْخَيْر أَن يكون للنَّاس الأفاضل وَظَاهر هَذَا قَبِيح إِذا ذكر وشائع إِذا ستر وخاصة الْمُلُوك الَّذين هم أس الْفَضَائِل ومعدن الْخيرَات وَأما الْأَخَص بالباطن فكد الْقلب بغمه وهد الْجَسَد بسقمه لَا يجد لِقَلْبِهِ سلوا وَلَا لجسده هُدُوا وَهَذَا عَذَاب جنته يَدَاهُ والمحسود قرير الْعين وادع الْجَسَد قد ضرّ وَلم يستضر وَقيل لَيْسَ فِي خِصَال الشَّرّ شَيْء أعدل من الْحَسَد لِأَنَّهُ يبْدَأ بإضرار الْحَاسِد قبل الْمَحْسُود المنافسة وَأما المنافسة فَهِيَ غير الْحَسَد فَلَا بَأْس أَن ينافس الْأَكفاء فِي فضائلهم ويتشبه بالأخيار فِي محاسنهم ويجتهد إِن لم يزدْ عَلَيْهِم أَن لَا يقصر عَنْهُم فَمَا تَكَامل فضل الأخيار إِلَّا بالاقتداء بالأخيار لِأَن لكل نفس فِي الْخَيْر حظا مطبوعا وحظا مكتسبا فَإِذا اجْتمعَا تَكَامل الْخَيْر بهما

стр. 119

وَالْعرب تَقول لَوْلَا الوئام لهلك الْأَنَام أَي لَوْلَا النَّاس يرى بَعضهم بَعْضًا فيقتدي بِهِ فِي الْخَيْر وَيَنْتَهِي بِهِ عَن الشَّرّ لهلكوا قيل لعيسى بن مَرْيَم ﵇ من أدبك قَالَ مَا أدبني أحد وَلَكِنِّي رَأَيْت جهل الْجَاهِل فاجتنبته وَرُبمَا غلط قوم فظنوا أَن المنافسة فِي الْخَيْر هِيَ الْحَسَد وَلَيْسَ كَمَا ظنُّوا لِأَن المنافسة طلب الشبيه بالأفاضل من غير إِدْخَال ضَرَر عَلَيْهِم

стр. 120

والحسد مَصْرُوف إِلَى الضَّرَر لِأَن غَايَته أَن يعْدم الْفَاضِل فَضله وَإِن لم يصر للحاسد مثله فَهَذَا هُوَ الْفرق بَين المنافسة والحسد فَصَارَت المنافسة خيرا والحسد شرا الامتنان وَمِمَّا هُوَ جدير بِالْملكِ أَن يجْتَنب الامتنان بإنعامه والبذخ بإحسانه لِأَنَّهُ من ضيق النَّفس وَضعف الْمِنَّة وَهُوَ تَابع لفساد الْأَخْلَاق وملحق بمساوئ الشيم وَفِيه تكدير للصنيع وإحباط للشكر وإغراء بالذم فينعكس عَلَيْهِ مَا صنع فَيصير مسيئا ١٦ آبإحسانه ومذموما بامتنانه فيعتاض بِالْإِحْسَانِ كفرا وبالامتنان عصيانا إِلَّا قوما قد أظهرُوا كفر إحسانه واستبطان عصيانه فَيخرج الامتنان عَلَيْهِم مخرج الْوَعيد والتهديد مُقَابلَة على مَا أضاعوه من شكر إحسانه فَيكون ذَلِك مِنْهُ اسْتِئْنَاف إِحْسَان إِلَيْهِم لِأَنَّهُ تَقْوِيم على ميل وتأديب على ذَلِك وحسبك بذم الامتنان أَن يصير عصيانا قَالَ الشَّاعِر

стр. 121

(أفسدت بالمن مَا أسديت من حسن ... لَيْسَ الْكَرِيم إِذا أسدى بمنان) // من الْبَسِيط //

стр. 122

الْفَصْل السَّادِس عشر تصفح الْأَعْمَال اعتياد تصفح الْأَعْمَال ليكن من دأبه التصفح فِي ليله أَعمال نَهَاره فَإِن اللَّيْل أحضر للخاطر وَأجْمع للذّكر ليَكُون مَا فعله مَوْقُوفا على استيضاح الرَّأْي فِيهِ فَإِن كَانَ صَوَابا أبرمه وأمضاه واقتفى أَثَره فِيمَا جانسه وضاهاه وَإِن كَانَ قد مَال فِيهِ عَن سنَن الصَّوَاب وَزَل عَن نهج الاقتصاد بَادر إِلَى استدراكه فِيمَا أمكن وانْتهى عَن مثله فِي الْمُسْتَقْبل ليَكُون بالماضي مُعْتَبرا وبالمستأنف خَبرا وليعلم أَن مَا صدر من أَفعاله لَا يَخْلُو من ثَلَاثَة احوال إِمَّا أَن يكون قد اقتصد فِيهَا ووقف مِنْهَا على حَدهَا وَهُوَ الْعدْل الْمَقْصُود وَالْغَرَض الْمَطْلُوب أَو يكون قد أفرط فِيهَا فزادت أَو قصر فِيهَا فنقصت وَكِلَاهُمَا خُرُوج عَن الْعدْل وميل عَن الْقَصْد فليعرف ذَلِك بسبره وتصفحه وليمضه بعد الْعلم بصوابه قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

стр. 123

(إِذا تثبت أصبت أَو كدت تصيب وَإِذا استعجلت أَخْطَأت أَو كدت تخطئ) وَليكن مَعَ ذَلِك متصفحا لأفعال غَيره فَمَا أعجبه من جميلها وَاسْتَحْسنهُ من فضائلها بَادر إِلَى فعله وزين نَفسه بِالْعَمَلِ بِهِ فَإِن السعيد من تصفح أَفعَال غَيره فَانْتهى ٢٦ ب عَن سيئها واقتدى بحسنها فنال هنيء الْمَنَافِع وَأمن خطر التجارب وَوصل إِلَى الصَّوَاب بِغَيْر تكلّف وَعمل بالحزم من غير تعنف قَالَ النَّبِي ﷺ (السعيد من وعظ بِغَيْرِهِ) وَوجد على حجر بِالْهِنْدِ مَكْتُوب

стр. 124

من اعْتبر بِغَيْرِهِ لم تصبه محنة قَالَ الشَّاعِر (إِن السعيد لَهُ فِي غَيره عظة ... وَفِي التجارب تحكيم ومعتبر) // من الْبَسِيط //

стр. 125

الحذر والاحتراس يَنْبَغِي للسُّلْطَان أَن لَا يغْفل عَن الحذر والاحتراس ليجعل التَّوَكُّل على الْأَعْذَار وَمَا تجْرِي بِهِ الأقدار طَرِيقا إِلَى إِضَاعَة الحزم فيستسلم لنوائب الدَّهْر فَإِن الله تَعَالَى أمرنَا بالتوكل بعد الْإِنْذَار وَندب إِلَيْهِ بعد الْإِعْذَار بذلك أنزل كِتَابه وأمضى سنته فَقَالَ ﴿خُذُوا حذركُمْ﴾ وَقَالَ ﴿وَلَا تلقوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَة﴾ وَقَالَ النَّبِي ﷺ (اعقلها وتوكل) وَسُئِلَ مَا الحزم قَالَ (الحذر) وَقيل لبَعض الْحُكَمَاء مَا الحزم

стр. 126

قَالَ أَن تحذر مَا يُمكن كَونه قيل فَمَا الْعَجز قَالَ أَن تأمن مَا يُمكن كَونه وليعلم الْملك أَن شدَّة الاتقاء والحذر تَدْعُو إِلَى وُقُوع مَا يَتَّقِي ويحذر فَإِنَّهُ رُبمَا عَاد عَلَيْهِ من استظهاره فشل وداخله من شدَّة حذره وَجل فَصَارَ بهما عرضة للنوائب وهدفا للمصائب فتدخله شدَّة اتقائه فِيمَا كَانَ مِنْهُ بَدْء إشفاقه وَقيل من التوقي ترك الإفراط فِي التوقي وَإِذا أَخذ بالحذر والاحتراس فِي مَوَاضِع الشدَّة وَعمل على الجرأة والإقدام عِنْد انتهاز الفرصة فقد أَخذ بالحزم فِي شدته وَعمل بالعزم عِنْد فرصته قَالَ طَاهِر بن الْحُسَيْن

стр. 127

(ركوبك الْأَمر مَا لم تبد فرصته ... جهل ورأيك فِي الإقحام تغرير) (فاعمل صَوَابا وَخذ بالحزم مأثرة ... فَلَنْ يذم لأهل الحزم تَدْبِير) // من الْبَسِيط // الْوَعْد والوعيد وعَلى هَذَا قِيَاس مَا قدمنَا مَعَ الْمَنْع وَالعطَاء لِأَن لكل فَضِيلَة حدا وَتجَاوز الْحَد نقص فِي الْمَحْدُود ليكن من عَادَة الْملك إِذا اراد الْمُقَابلَة على الْإِحْسَان والإساءة أَن لَا يعد محسنا بالثواب وَلَا يتوعد مسيئا بعقاب لِأَنَّهُ على الْأَمريْنِ قَادر وَفِي الْوَعْد بالثواب تكدير وَفِي الْوَعيد بالعقاب تنفير فاستغنى بِالْفِعْلِ عَن القَوْل إِلَّا أَن يَجْعَل حَمده ثَوابًا وذمه عقَابا فَيقْتَصر على الْجَزَاء بالْقَوْل بِحَسب الْإِحْسَان والإساءة وَلَا يغريه توعد وَلَا وَعِيد على زِيَادَة وليعتمد

стр. 128

على الْجَزَاء بالْقَوْل فِيمَن كَانَ بِالْحَقِّ عروفا وَعَن المَال عزوفا فَإِن تَأْثِير الْكَلَام فِي الْكِرَام ابلغ من تَأْثِير الْفِعْل باللئام وَقد قَالَ أنوشروان النَّاس ثَلَاث طَبَقَات تسوسهم ثَلَاث سياسات طبقَة من خَاصَّة الْأَحْرَار تسوسهم باللين واللطف وطبقة من خَاصَّة الأشرار تسوسهم بالشدة والعنف وطبقة هم الْعَامَّة تسوسهم باللين والشدة لِئَلَّا تحرجهم الشدَّة وَلَا يبطرهم اللين

стр. 129

الْفَصْل السَّابِع عشر الطَّيرَة والفأل اعْتِقَاد الطَّيرَة وليعلم الْملك أَن من أقوى الْأُمُور فِي نقض العزائم اعْتِقَاد الطَّيرَة فَإِنَّهُ لَا شَيْء اضر بِالرَّأْيِ وَلَا أفسد للتدبير مِنْهَا مَعَ وُرُود السّنة باجتنابها وَالنَّهْي عَنْهَا فَمَا الأقدار إِلَّا بِقَضَاء محتوم وَأجل مَعْلُوم قَالَ الشَّاعِر (مَا للرِّجَال مَعَ الْقَضَاء تحيل ... ذهب الْقَضَاء بحيلة الْمُحْتَال) // من الْكَامِل // ٢٧ - آ وَمن ظن أَن الطَّيرَة ترد قَضَاء أَو تدفع مَقْدُورًا فقد جهل إِن أقضية الله نَافِذَة بأَمْره وَجَارِيَة على قدره فليحذر الطَّيرَة وَلَا يَجْعَل لنقض عَزَائِمه أسبابا وَلَا لفساد الرَّأْي عللا وليمض الْأُمُور على مُقْتَضى أحوالها قيل

стр. 130

الْخيرَة فِي ترك الطَّيرَة ولينسب مَا جَرّه الْقَضَاء وَسَاقه الْقدر إِلَى مُدبر الْأُمُور ومقلب الدهور فَمَا لمتطير عَيْش يصفو من وَجل وَلَا عزم يَخْلُو من فشل فيحسم وساوس الشَّيْطَان عَن نَفسه فَمَا جعل الله لما اسْتَأْثر لعلمه من الغيوب بشيرا وَلَا نذيرا وَإِنَّمَا وَكله إِلَى عقول يتدبرون بهَا ويعملون بموجبها وَلم يَجْعَل للطيرة فِيهَا حظا وَقد قَالَ الشَّاعِر (وَمَا عاجلات الطير تدني من الْفَتى ... رشادا وَلَا عَن ريثهن يخيب) (وَرب أُمُور لَا تضيرك ضيرة ... وللقلب من مخشاتهن وجيب) // من الطَّوِيل // التفاؤل فَأَما الفأل فمحمود الْأَثر مؤنس الْخِبْرَة لِأَن فِيهِ تَنْفِيذ الآراء وتقوية العزائم فَصَارَ فِي مُوَافقَة الرَّأْي على ضد الطَّيرَة فِي مُخَالفَة الرَّأْي فَلذَلِك ندب إِلَى الفأل وَمنع من الطَّيرَة

стр. 131

تفاءل رَسُول الله ﷺ فِي غَزَوَاته وحروبه وَلم يتطير فَافْتَرقَا فِي النَّص وَالتَّعْلِيل وَاخْتلفَا فِي الْمَدْلُول وَالدَّلِيل قيل لَا تحرّك من الْأُمُور مَا كَانَ سَاكِنا وَلَا نظهر مِنْهَا مَا كَانَ كامنا فتعجل تَحْقِيق الحذر وَتقدم بادرة الْخطر وليترك الْأُمُور على مطاوي الدعة ومجاري السَّلامَة مَا لم يبلغهُ اضطرار وَلَا تسقه إِلَيْهِ أقدار فقد قيل فِي منثور الحكم لَا تفتح بَابا يعييك سَده وَلَا ترم سَهْما يعجزك رده وَلَا تفْسد أمرا يعييك ٢٨ آإصلاحه وَلَا تغلق بَابا يعجزك افتتاحه قَالَ الشَّاعِر (فإياك وَالْأَمر الَّذِي إِن توسعت ... موارده ضَاقَتْ عَلَيْك المصادر)

стр. 132

(فَمَا حسن أَن يعْذر الْمَرْء نَفسه ... وَلَيْسَ لَهُ من سَائِر النَّاس عاذر) // من الطَّوِيل //

стр. 133

الْفَصْل الثَّامِن عشر الْمُلُوك قدوة للنَّاس البدء بِالنَّفسِ لَا يحسن بِالْملكِ أَن يَأْمر بِالْمَعْرُوفِ إِلَّا بَدَأَ بِفِعْلِهِ وَلَا ينْهَى عَن مُنكر إِلَّا بَدَأَ بِتَرْكِهِ وَلَا يلم أحدا فِيمَا لَا يلوم عَلَيْهِ نَفسه وَلَا يستقبح مِنْهُ مَا لَا يستقبحه من نَفسه وَلَا يَأْمُرهُم بِالْبرِّ بِمَا لَا يَأْمر بِهِ نَفسه فَإِن النَّاس على شاكلة مُلُوكهمْ يجرونَ وبأخلاقهم يستنون لأَنهم أَعْلَام متبوعة ومناهج مَشْرُوعَة قَالَ بعض الْحُكَمَاء أصلح نَفسك لنَفسك يكن النَّاس تبعا لَك

стр. 134

وَقَالَ الْمَأْمُون أسوس الْمُلُوك من سَاس نَفسه لرعيته فأسقط عَنهُ مواقع حجتها وَقطع مواقع حجَّته عَنْهَا قَالَ بعض الْحُكَمَاء أفضل الْمُلُوك من أبقى بِالْعَدْلِ ذكره وَاسْتَعْملهُ النَّاس بعده وَالْملك الْفَاضِل هُوَ الَّذِي يحوش الْفَضَائِل ويجود بهَا على من دونه حَتَّى تكْثر فِي أَيَّامه ويتجمل بهَا من لم تكن فِيهِ وجدير بِمن أَمر بصلاح أَن يكون احق بِفِعْلِهِ وبمن نهى عَن فَسَاد أَن يكون أَحَق بِتَرْكِهِ وَلِأَن كَانَ علو الْقدر لَا يزِيدهُ تحفظا لم ينقص قَالَ الشَّاعِر

стр. 135

(لَا تنه عَن خلق وَتَأْتِي مثله ... عر عَلَيْك إِذا فعلت عَظِيم) // من الْكَامِل // وَقَالَ الشَّاعِر (لَك الْخَيْر لم نفسا عَلَيْك ذنوبها ... ودع لوم نفس مَا عَلَيْك مليم) (وَكَيف ترى فِي عين صَاحبك القذى ... وَيخْفى قذى عَيْنَيْك وَهُوَ عَظِيم) // من الطَّوِيل // الرُّجُوع إِلَى الْحق لَا يأنف من حق إِن لزم أَو حجَّة إِن قَامَت فَإِن الرُّجُوع إِلَى الْحق أولى من ٢٨ ب الْعُدُول إِلَى بَاطِل قد كَانَ ناهيا عَنهُ وَرُبمَا منعته الْقُدْرَة من الِاعْتِرَاف بِمَا لَا يهواه وأخذته الْعِزَّة أَن يلين بِمن سواهُ فعاند الْحق

стр. 136

ونبذه واستقل المحق ورفضه وَلم ير للمحق حَقًا فمرح وَلَئِن طَال لِسَان الْملك فلسان الْحق أطول وَلَئِن وَجَبت طَاعَته فطاعة الْحق أوجب قَالَ بعض الألباء من خَادع الْحق خدع وَمن صارعه صرع قَالَ الشَّاعِر (مَتى مَا تقد بِالْبَاطِلِ الْحق يأبه ... وَإِن قدت بِالْحَقِّ الرواسِي تنقد) وَلَئِن يحْتَج لنَفسِهِ لمن علم وضوح حجَّته وَظهر عَجزه عَن إبانته أليق بسلطانه وَأحمد لزمانه فَإِن كل امْرِئ إِنَّمَا يخاطبه بأصفر لِسَانه وَيقبض

стр. 137

نَفسه عَن إِقَامَة الْحجَّة عَلَيْهِ يُرَاعِي حق نَفسه فِي ضبط شهواته فَإِنَّهَا من نتائج الْهوى المذموم المذهل عَن زواجر الْعُقُول فَيَأْتِي مِنْهَا مَا لم يكن فِي الْعقل قبيحا وَلَا فِي الشَّرْع مَحْظُورًا قَالَ بعض الْعُقَلَاء إِذا تفرغ الْملك للهوه تفرغت الرّعية لإفساد ملكه قَالَ بعض البلغاء من آثر اللَّهْو ضَاعَت رَعيته وَمن دوَام السكر فَسدتْ رويته الِاعْتِدَال وليقف فِي مُبَاح الشَّهَوَات على حد معتدل بَين منزلتين متقابلتين منع وتمكين ليصل بالتمكين إِلَى لذته وَيقف بِالْمَنْعِ على مصْلحَته وَلِأَن يمِيل إِلَى الْمَنْع فيتوفر على سياسته خير من أَن يمِيل إِلَى التَّمْكِين فينهمك فِي لذته لِأَن زمَان السياسة جد وزمان اللَّهْو هزل وَالْجد حق والهزل بَاطِل وَالْقِيَام بِالْحَقِّ أولى من الانهماك فِي الْبَاطِل ٢٩ - آ قَالَ بعض الْحُكَمَاء من قوي على نَفسه تناهى فِي الْقُوَّة وَمن صَبر على شَهْوَته بَالغ فِي الْمَرْوَة

стр. 138

وَقيل فِي منثور الحكم أَيدي الْعُقُول تمسك اعنة الْأَنْفس السواسية وَرُبمَا اخْتصَّ بعض الْمُلُوك فِي اللَّذَّات بِمَا يحظره على من سواهُ لينفرد باللذة كَمَا تفرد بِالْقُدْرَةِ ويأسى أَن يُشَارِكهُ فِيهَا من لَا يُسَاوِيه فِي الرُّتْبَة فيخالف عدل السياسة وصواب التَّدْبِير لِأَنَّهُ يوغر الصُّدُور وينشيء النفور لما جبلت عَلَيْهِ الْقُلُوب من بغض من استبد واستأثر وتوقع الْغَيْر بِمن استباح مَا حظر وَرُبمَا عوجل بالغوائل فان نوازع الشَّهَوَات تبْعَث على التَّوَصُّل إِلَيْهَا بِكُل حق وباطل فَيصير الْخطر فِي حظرها يكدر اللَّذَّة فِي استباحتها وَلَو أَبَاحَ مَا استباح لَكَانَ أصفى للذمة وَأسلم فِي عاقبته فَلْيَكُن مَا استباحه من اللَّذَّات مُبَاحا للْعُمُوم وَلَو أَطَاعَته نَفسه على أَن يمْنَعهَا من اللَّذَّات الَّتِي لَا يقدر من دونه عَلَيْهَا كَانَ أبلغ فِي استعطاف الْقُلُوب وطمس الْعُيُوب كتب الْإِسْكَنْدَر إِلَى معلمه يسترشده فِي تَدْبِير ملكه فَكتب إِلَيْهِ فِي جملَة رسَالَته

стр. 139

لَا تتَنَاوَل من لذيذ الْعَيْش مَا لَا يُمكن أوساط أَصْحَابك تنَاول مثله فَلَيْسَ مَعَ الاستبداد محبَّة وَلَا مَعَ الْمُوَاسَاة بغضة محاسبة النَّفس ليكن من دأب الْملك تَهْذِيب نَفسه بسبر أخلاقه وتصفح أَحْوَاله وأفعاله فَإِنَّهُ لَا يحبذ عَلَيْهَا بإنكار وَإِن استنكرت وَلَا يواجه عَلَيْهَا بإكبار وَإِن أكبرت وَلَا يسمع لَهَا بذم وَإِن ذمت وَلَا يلقى فِيهَا إِلَّا بِمَا يرضيه من سداد مختلها ٢٩ ب وَصَلَاح معتلها فَإِن ترك نَفسه وَهُوَ مَتْرُوك محتشم وأهملها وَهُوَ مُطَاع مُعظم قَادَهُ الْهوى فِي الْقُدْرَة إِلَى مساوئ الْأَخْلَاق وَسَاقه الإهمال والمتاركة إِلَى قبائح الْأَفْعَال قَالَ بعض الألباء من عمل عملا فِي السِّرّ يستحيي مِنْهُ فِي الْعَلَانِيَة فَلَيْسَ لنَفسِهِ عِنْده قدرَة

стр. 140

فيهذب الْملك نَفسه بِنَفسِهِ ويستعين فِي صَلَاحهَا بحزمه ويراقب وليه كَمَا يراقب عدوه وَلَا تحدث لَهُ الثِّقَة والأنسة والانبساط ترك التحفظ عِنْد ولي أَو نسيب فَمن عرف مِنْهُم زلته اسْتَقل هيبته وَقد يصير الموَالِي المؤنس عدوا وموحشا فينم بِمَا علم قَالَ بعض الْعلمَاء ليكن استحياؤك من نَفسك أَكثر من استحيائك من غَيْرك وَقيل مَا أَحْبَبْت أَن تسمعه أذناك فأته وَمَا كرهت أَن تسمعه أذناك فاجتنبه فَهَذِهِ جملَة كَافِيَة فِي أَخْلَاق الْملك الرشيد وَالله ولي التَّوْفِيق والتسديد

стр. 141

الْبَاب الثَّانِي فِي سياسة الْملك تمهيد قَالَ أقضى الْقُضَاة ﵀ حق على من مكنه الله تَعَالَى من أرضه وبلاده وائتمنه على خلقه وعباده أَن يُقَابل جزيل نعْمَته بِحسن السريرة وَيجْرِي من الرّعية بجميل السِّيرَة قَالَ الله تَعَالَى ٣٠ آ ﴿يَا دَاوُد إِنَّا جعلناك خَليفَة فِي الأَرْض فاحكم بَين النَّاس بِالْحَقِّ وَلَا تتبع الْهوى﴾ وَقَالَ ﴿وَلَا تنس نصيبك من الدُّنْيَا وَأحسن كَمَا أحسن الله إِلَيْك﴾

стр. 142

وَرُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ (من سَار فِيمَن بَين ظهريه بسيرة حَسَنَة كَانَ لَهُ أجرهَا وَأجر من عمل بهَا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة من غير أَن ينقص من أُجُورهم شَيْء وَمن سَار فِيمَن بَين ظهريه بسيرة سَيِّئَة كَانَ عَلَيْهِ وزرها ووزر العاملين بهَا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة من غير أَن ينقص من أوزارهم شَيْء) وَرُوِيَ عَن عمر ﵁ أَنه قَالَ لَو ضَاعَت سخلة على شاطئ فرات لَخَشِيت أَن يسألني الله عَلَيْهَا وَحكي أَن عُثْمَان بن عبد الله وقف على مُحَمَّد بن سَمَّاعَة القَاضِي وَهُوَ فِي مجْلِس قَضَائِهِ يحكم بَين النَّاس فَقَالَ

стр. 143

إسمع لَا سَمِعت يَا ابْن سَمَّاعَة وَأنْشد يَقُول (لقد كلفت يَا مِسْكين أمرا ... تضيق لَهُ قُلُوب الخائفينا) (أتعلم أَن رب الْعَرْش قَاض ... وتقضي أَنْت بَين العالمينا) // من الوافر // فَقَامَ ابْن سَمَّاعَة من مَجْلِسه ودموعه تجْرِي على خديه فَلَيْسَ أحد أَجْدَر بالحذر والإشفاق وَأولى بِالنّصب وَالِاجْتِهَاد مِمَّن تقلد امور الرّعية لِأَنَّهَا أَمَانَة الله الَّتِي أَمنه عَلَيْهَا ورعيته الَّتِي استرعاه فِيهَا واستخلفه على أمورها وَهُوَ تَعَالَى ولي السُّؤَال عَنْهَا وَلِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ حسم مواد الِاعْتِرَاض مِنْهَا على أَفعاله وكف ألسنتها عَن رد مَا رَآهُ فِي اجْتِهَاده وَأوجب عَلَيْهَا طَاعَته وألزمها الانقياد لحكمه وَأمرهمْ أَن يتصرفوا بَين أمره وَنَهْيه فَقَالَ تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا أطِيعُوا الله وَأَطيعُوا الرَّسُول وأولي الْأَمر مِنْكُم﴾

стр. 144

وَجعل صَلَاح جَمَاعَتهمْ بصلاحه وَفَسَاد أُمُورهم بفساده لِأَنَّهُ قلب وهم أَطْرَاف وقطب وهم أكناف ٣٠ - ب قَالَ بعض الْعُقَلَاء رشاد الْوَالِي خير من خصب الزَّمَان وأرشد الْوُلَاة من حرس بولايته الدّين وانتظم بنظره صَلَاح الْمُسلمين لِأَن الدّين يصلح سرائر الْقُلُوب وَيمْنَع من ارْتِكَاب الذُّنُوب وَيبْعَث على التأله والتناصف وَيَدْعُو إِلَى الألفة والتعاطف وَهَذِه قَوَاعِد لَا تصلح الدُّنْيَا إِلَّا بهَا وَلَا يَسْتَقِيم الْخلق إِلَّا عَلَيْهَا وَإِنَّمَا السلطنة زِمَام لحفظها وباعث على الْعَمَل بهَا وَلَو أهملوا ونوازع الْأَهْوَاء جاذبة وَاخْتِلَاف الآراء مُتَقَارِبَة لتمارحوا وتغالبوا وَلما عرف حق من بَاطِل وَلَا تميز صَحِيح من فَاسد وَلَيْسَ فِي الْعقل مَا يجمعهُمْ على حكم يتساوى فِيهِ قويهم وضعيفهم ويتكافأ فِيهِ شريفهم ومشروفهم فَلذَلِك وقفت مصالحهم على دين يقودهم إِلَى جمع الشمل واتفاق الْكَلِمَة وَيَنْقَطِع بِهِ تنازعهم وتنحسم بِهِ مواد أطماعهم وَاخْتِلَافهمْ وَتصْلح بِهِ سرائرهم وتنحفظ بِهِ أمانتهم

стр. 145

وَرُبمَا أهمل بعض الْمُلُوك الدّين وعول فِي أُمُوره على قوته وَكَثْرَة أجناده وَلَيْسَ يعلم أَن أجناده إِذا لم يعتقدوا وجوب طَاعَته فِي الدّين كَانُوا أضرّ عَلَيْهِ من كل ضد مباين لاقتراحهم عَلَيْهِ مَا لَا ينْهض بِهِ وتحكمهم عَلَيْهِ بِمَا لَا يثبت لَهُ فَإِن سمعُوا بنابغ نبغ عَلَيْهِ قوي طمعهم فِي اجتياح أَمْوَاله وَلم يقنعهم اسْتِيعَاب حَاله وَكَانَ مِنْهُم على شفا جرف هار لَا يَأْمَن سطوتهم بِهِ وَقد قيل من جعل ملكه خَادِمًا لدينِهِ انْقَادَ لَهُ كل سُلْطَان وَمن جعل دينه خَادِمًا لملكه طمع فِيهِ كل إِنْسَان
следующие страницы →