← Сияса и кади

Сияса и кади · id 7239

تسهيل النظر وتعجيل الظفر في أخلاق الملك

الماوردي

Полный текст (288 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وعَلى الْعدْل فِي مؤاخذته فَلَا شَيْء أضرّ بِالْملكِ من أَن تخفى عَلَيْهِ حقائق الذُّنُوب وَلَا يقف مِنْهَا على مقادير الْحُدُود قَالَ النَّبِي ﷺ (إِذا استشاط السُّلْطَان تسلط الشَّيْطَان) وَقَالَ سُلَيْمَان بن دَاوُد ﵇ غضب الْملك كالأسد الَّذِي يزأر وَحكي أَن بعض مُلُوك الْفرس كتب كتابا وَدفعه إِلَى وزيره وَقَالَ إِذا أَنا غضِبت فناولني هَذَا وَكَانَ فِيهِ مَكْتُوبًا ١٦ آمالك وَالْغَضَب إِنَّمَا أَنْت بشر ارْحَمْ من فِي الأَرْض يَرْحَمك من فِي السَّمَاء وَكَانَ يفعل هَذَا ليزول عَنهُ الْغَضَب فيستبين لَهُ الصَّوَاب حذرا من قبح آثاره وَشدَّة إضراره فَإِذا استطفأ ثَائِر الْغَضَب واستكف بادرة الاشتطاط ثمَّ استعطفه الْمُغْضب واسترضاه فَمن كرم الشيمة وَحسن العاطفة أَن يلين لَهُ ويرضى عَنهُ

стр. 72

قيل من أعجب شَيْء أَن يكون الرجل يلْتَمس رِضَاهُ فَلَا يرضى وأعجب مِنْهُ أَن يلْتَمس رِضَاهُ فيغضب قَالَ بعض الْحُكَمَاء من لم يقبل التَّوْبَة عظمت خطيئته وَمن لم يحسن إِلَى التائب قبحت إساءته فَإِن أحب أَن يتدرج إِلَى الرِّضَا لِئَلَّا يصل بَين ضدين قدم مباديه وَسَهل دواعيه وَكَانَ فِي السِّرّ رَاضِيا وَفِي الظَّاهِر مغاضيا ليظْهر الرِّضَا عَن أَحْوَال مُتَقَارِبَة وتنتقل إِلَيْهِ بعد أُمُور متناسبة فَلَيْسَ بمستبعد إِذا كَانَ بطيء الرِّضَا غير أَن من أَخْلَاق الْمُلُوك سرعَة الْغَضَب وَلَيْسَ من أَخْلَاقهم سرعَة الرِّضَا وَالْعلَّة فِي ذَلِك لما قد اسْتَقر فِي الْقُلُوب من هيبتهم وأذعنت بِهِ النُّفُوس من طاعتهم لَا يلاقون مَا يكْرهُونَ وَلَا يرَوْنَ إِلَّا مَا يؤثرون فَإِذا بدر مَا يغضبهم خرج عَن عرفهم فتعجل بِهِ غضبهم وَمَا يرضيهم دَاخل فِي عرفهم فَلم يتعجل فِيهِ رضاهم وَمن عداهم فِي الْأَمريْنِ بخلافهم فَلذَلِك وَقع الْفرق بَين الْمُلُوك

стр. 73

وَغَيرهم فِي الرِّضَا وَالْغَضَب فَإِن لم يظْهر غضبهم فَهُوَ لسياسة وحزم هم فِيهِ مَعَ كَونه فيهم بَين أَمريْن إِمَّا أَن يوطئوا أنفسهم للصفح عَنهُ وَإِمَّا أَن يؤخروا ١٦ ب الْأَمر إِلَى وَقت الانتقام وَالْأول كرم ورأفة وَالثَّانِي حمية وتقويم الحذر من الْمحل واللجاج ثمَّ كَذَلِك الْمحل واللجاج يجب أَن يحذرهُ فَهُوَ أليف الْغَضَب وحليف العطب لِأَنَّهُ يركب من الْأُمُور أصعبها وَيُفَارق من الآراء أصوبها وَقل مَا أجدى اللجاج إِلَّا شرا وَأَقل الْأَمريْنِ خيرا وَكفى بلجاجه مضرَّة ومعرة أَنه إِن أكذبه الظَّن تورك وَإِن ساعده الْقَضَاء شُورِكَ فَيصير بالمتاركة مَعْذُورًا وَفِي الْمُشَاركَة ممكورا قَالَ الشَّاعِر (وَإِذا رَأَيْت أَخَاك لج فَلَنْ لَهُ ... حَتَّى يعود إِلَى الطَّرِيق الأقصد) (إِن اللجوج يلج إِن لاججته ... مثل الشهَاب يلج للمستوقد) // من الْكَامِل // فَإِذا انْقَادَ إِلَى الْأَمر الأرفق وساعده الرَّأْي الأوفق لم يعْدم دركا إِن أنجح وعاذرا إِن أكدح قَالَ الشَّاعِر (ليبلغ عذرا أَو يُصِيب رغيبة ... ومبلغ نفس عذرها مثل منجح) // من الطَّوِيل //

стр. 74

وَرُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ (إِن الرِّفْق لم يكن قطّ فِي شَيْء إِلَّا زانه وَلَا نزع من شَيْء إِلَّا شانه) وَليكن مساهلا للزمان فِي طلبته مباشرا للقدر فِي إِرَادَته

стр. 75

وَلَا يطْلب من الْأُمُور متعورا وَلَا متعذرا وَلَا يطْلب مِنْهَا مُدبرا وَلَا موليا فَإِن خاشنه الدَّهْر لَان وَإِن عَارضه الدَّهْر استكان فمطاول الدَّهْر مغلول ومعاند الْقدر مخذول قَالَ بعض الْحُكَمَاء من اسْتَعَانَ بِالرَّأْيِ ملك وَمن كَابر الْأُمُور هلك

стр. 76

قَالَ الشَّاعِر (ومكلف الْأَيَّام ضد طباعها ... متطلب فِي المَاء جذوة نَار) ١٧ آ (وَإِذا رَجَوْت المستحيل فَإِنَّمَا ... تبني الرَّجَاء على شَفير هار) // من الْكَامِل //

стр. 77

وليعلم أَن الْأُمُور الَّتِي تدبرها مِمَّا لَا تمْضِي إِلَّا بفرط الصرامة وَشدَّة الهيبة الَّتِي هِيَ قَاعِدَة الْملك وأس السلطنة وَذَلِكَ لَا يكون إِلَّا لمن خيف غَضَبه وخشيت سطوته وليجعل بدل الْغَضَب تغاضبا لَا غَضبا لِأَن التغاضب فعله يقدر أَن يقف مِنْهُ على الْحَد الْمَطْلُوب وَيعرف مِنْهُ حقائق الذُّنُوب وَالْغَضَب انفعال فِيهِ اضْطر إِلَيْهِ لَا يقدر أَن يقف مِنْهُ على قدر حَاجته وَلَا يقْتَصر مِنْهُ على قدر كِفَايَته حَتَّى يتَجَاوَز إِلَى الْحَد المضر والطيش المعر وَلَقَد أصَاب من كَانَت عُقُوبَته للأدب وَأَخْطَأ من كَانَت عُقُوبَته للغضب وَهَذَا مِمَّا ذكرنَا فِي معنى الطَّبْع والتطبع قَالَ الشَّاعِر (فَلم أر للسيادة كالعوالي ... وَلَا للثأر كالقوم الغضاب) // من الوافر // وعَلى هَذَا الْقيَاس لَا يَنْبَغِي أَن يستفزه السرُور فتملأ البشائر قلبه وتخلب الأفراح لبه فَيصير بهَا طائشا مرحا لَا يلين إِن صال وَلَا يَسْتَقِيم إِن مَال فينسبه الْعَدو إِلَى ضعف الْعَزِيمَة ولين الهمة وَإنَّهُ لحقيق بمناسبه إِلَيْهِ ووسمه بِهِ وَإِذا ضبط نَفسه عَن هَذِه الْحَال وتنزه عَن رذل الْمقَال وتصور أَن جَمِيع البشائر وَإِن جلت محتقرة إِذا قيست بعلو مَنْزِلَته وأضيفت إِلَى عَظِيم همته كفي استفزاز الْفَرح واهتزاز المرح فَكَانَ أشبه بِكَمَالِهِ وأليق باعتداله

стр. 78

قَالَ الشَّاعِر (وَلست بمفراح إِذا الْأَمر سرني ... وَلَا جازع من صرفه المتقلب) // من الطَّوِيل //

стр. 79

الْفَصْل الْعَاشِر الصَّبْر الصَّبْر والامتثال وَكَذَلِكَ الْحَوَادِث إِذا طرقت والنوازل إِذا ألمت كَانَت سهلة الْوَطْأَة ١٧ ب فِي جنب صبره وشهامته قَليلَة الْأَثر لسعة صَدره وَبعد همته فَإِن طَرَأَ عَلَيْهِ مِنْهَا طاريء بَان فَضله على من سواهُ بِالصبرِ والمسكة عِنْد جزعهم والأناة وَالْوَقار عِنْد خذلهم فَيكون بصبره ممتثلا أَمر الله تَعَالَى فِيمَا أَرَادَ راجيا للظفر فِيمَا يَقْصِدهُ ويتوخاه فَإِن تقلب الدُّنْيَا مألوف وأمنها مخوف ولقل مَا تساعد أحدا إِلَّا بعد شموس وَلَا تحسن إِلَيْهِ إِلَّا بعد بوس وَلِأَن يَرْجُو السَّعَادَة أولى من أَن يخَاف فَوَاتهَا وَيخْتم بهَا أولى من الخاتمة بضدها قَالَ بعض الأدباء بِالصبرِ على مواقع الكره تدْرك الحظوظ قَالَ الشَّاعِر (إِذا الْمَرْء لم يَأْخُذ من الصَّبْر حَظه ... تقطع من أَسبَابه كل مبرم) // من الطَّوِيل //

стр. 80

أَقسَام الصَّبْر وليعلم الْملك أَن الصَّبْر يَنْقَسِم ثَلَاثَة أَقسَام وَهُوَ فِي كل قسم مَحْمُود فَأول أقسامه الصَّبْر على مَا فَاتَ إِدْرَاكه من نيل رغائب أَو تقضت أوقاته من حُلُول مصائب وبالصبر فِي هَذَا يُسْتَفَاد رَاحَة الْقلب وهدوء الْجَسَد وفقد الصَّبْر فِيهِ مَنْسُوب إِلَى شدَّة الأسى وإفراط الْحزن فَإِن صَبر طَائِعا مُسلما وَرَضي بِقَضَاء الله مستسلما أعين على خطبه وَنَفس عَن كربه وَإِن ساعد جزعه احْتمل هما لَازِما وصبر كَارِهًا آثِما

стр. 81

وَحكم الصَّبْر فِيهِ أَن لَا يرى أسفا على رَغْبَة ولاجزعا من ذنكبة فَإِن الزَّمَان نحول والهموم نزُول قَالَ الشَّاعِر (وَفِي الصَّبْر عِنْد الضّيق للمرء مخرج ... وَفِي طول تحكيم الْأُمُور تجارب) // من الطَّوِيل // وَثَانِي أقسامه الصَّبْر على مَا نزل من مَكْرُوه أَو حل من أَمر مخوف ١٨ آوبالصبر فِي هَذَا تتفتح وُجُوه الآراء وتستدفع مكايد الْأَعْدَاء وَفِي مثله قَالَ الله تَعَالَى ﴿واصبر على مَا أَصَابَك إِن ذَلِك من عزم الْأُمُور﴾

стр. 82

قَالَ بعض الْحُكَمَاء بمفتاح عَزِيمَة الصَّبْر تعالج مغاليق الْأُمُور وفقد الصَّبْر فِيهِ مَنْسُوب إِلَى الْخرق والخور وَحكم الصَّبْر فِيهِ أَن لَا يدهشه مَا هجم وَلَا يذهله مَا ألم فللنوائب قدر معترض وَأجل مفترض قَالَ الشَّاعِر (أرى كل ريح سَوف تسكن مرّة ... وكل سَحَاب عَن قَلِيل تقشع) // من الطَّوِيل //

стр. 83

وثالث أقسامه الصَّبْر فِيمَا ينْتَظر وُرُوده من رَغْبَة يرجوها أَو يخَاف حُدُوثه من رهبة يخشاها وبالصبر والتلطف يدْفع عَادِية مَا يخافه من الشَّرّ وينال نفع مَا يرجوه من الْخَيْر قَالَ بعض الْحُكَمَاء من اسْتَعَانَ بِالصبرِ نَالَ جسيمات الْأُمُور وفقد الصَّبْر فِيهِ مَنْسُوب إِلَى الطيش والهلع وَحكم الصَّبْر فِيهِ مَنْسُوب إِلَى سُكُون الجأش فِي أمله وَقلة الاستيحاش من وجله فقضاء الله مَقْدُور وأجله مسطور قَالَ الشَّاعِر (اصْبِرِي أيتها النَّفس ... فَإِن الصَّبْر أحجى)

стр. 84

(رُبمَا خَابَ رَجَاء ... وأتى مَا لَيْسَ يُرْجَى) // من الرمل // فَإِذا اشْتَدَّ الْجزع والأذى تذكر بقايا النِّعْمَة عَلَيْهِ وَاعْتبر بِمن سلب مَا هُوَ فِيهِ فسيرى مِنْهَا عزاء يُخَفف أشجانه ويقلل أحزانه فصفو الدُّنْيَا مشوب بالكدر قَالَ بعض الْعلمَاء من الدُّنْيَا على الدُّنْيَا دَلِيل قَالَ الشَّاعِر

стр. 85

(وَمن عَادَة الْأَيَّام أَن خطوبها ... إِذا سر مِنْهَا جَانب سَاءَ جَانب) // من الطَّوِيل // وَأنْشد المعري لِلْمَأْمُونِ

стр. 86

(كذبتك نَفسك أَيهَا الدَّهْر ... لَك أَن تجور وَعِنْدِي الصَّبْر) (آلَيْت لَا أَنهَاك عَن خطل ... حَتَّى يردك من لَهُ الْأَمر) // الطَّوِيل //

стр. 87

الْفَصْل الْحَادِي عشر كتمان السِّرّ الكتمان والإفشاء وَلَيْسَ يَصح الصَّبْر فِي الْأُمُور بترك التسرع إِلَيْهَا دون كتمان السِّرّ فِيهَا فَهُوَ أقوى أَسبَاب الظفر بالمطالب وأبلغ فِي كيد الْعَدو الموارب قَالَ النَّبِي ﷺ (اسْتَعِينُوا على الْحَاجَات بِالْكِتْمَانِ فَإِن كل ذِي نعْمَة مَحْسُود)

стр. 88

وَقَالَ أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ كرم الله وَجهه سرك أسيرك فَإِذا تَكَلَّمت بِهِ صرت أسيره قَالَ أنوشروان من حصن سره فَلهُ بتحصينه خصلتان الظفر بحاجته والسلامة من السطوات وكتمان السِّرّ مَا صينت بِهِ الْأَقْوَال من الإذاعة وسترت بِهِ الْأَفْعَال من الإشاعة فَلم تَرَ آثاره وَلم تنم أخباره فَإِن لم تعم لم تنم ولقل مَا أنجح من أفشى السِّرّ فرام أَو خلا مِنْهُ مرام فَإِن لَهَا عَن قبض

стр. 89

عنانه وسها عَن حفظ لِسَانه بدر سره فاستضر وَألف إرْسَاله فاستمر وَلم يبْق مصون إِلَّا انهتك وَلَا مَسْتُور إِلَّا افتضح فبودر قبل بداره وعوجل قبل حذاره وَصَارَ إفشاء سره أنكى فِيهِ من مكر عدوه لانه إِن اخْتصَّ بإفشاء سره اخْتصَّ بِمَا قدمْنَاهُ من ضره وَإِن كَانَ مستودعا عِنْده لغيره صَار مستودعه بعد الْمَوَدَّة عدوا يطْلب ثَأْره وَيسْتَقْبل نفاره قَالَ الشَّاعِر (فَلَا تأمنن الدَّهْر حرا ظلمته ... فَمَا ليل مظلوم كريم بنائم) // من الطَّوِيل // وَلِهَذَا الحذر توَاصى بِهِ النَّاس حزما وعزما وَاتَّفَقُوا عَلَيْهِ قولا وَعَملا ١٩ - آحكي أَنه تَذَاكر نَاس من أهل الْفضل كتمان السِّرّ فِي مجْلِس عبد الله بن طَاهِر فَقَالَ عبد الله بن طَاهِر (ومستودعي سرا تَضَمَّنت سره ... فأودعته فِي مُسْتَقر الحشا قبرا)

стр. 90

فَقَالَ ابْنه عبيد الله (وَمَا السِّرّ فِي قلبِي كثاو بقبره ... لِأَنِّي أرى المقبور ينْتَظر النشرا) (ولكنني أخفيه حَتَّى كأنني ... من الدَّهْر يَوْمًا مَا أحطت بِهِ خَبرا)

стр. 91

من يستودع السِّرّ وَاعْلَم أَن من الْأَسْرَار مَا لَا يسْتَغْنى فِيهَا عَن مطالعة خليط مساهم واستشارة نَاصح مسالم فليخترلها أَمينا فَإِن الركون إِلَى حسن الظَّن ذَرِيعَة إِلَى إفشاء السِّرّ وَأكْثر مَا يُؤْتى الْعَاقِل فِي أسراره من حسن ظَنّه واغتراره فَلَيْسَ كل من كَانَ على الْأَمْوَال أَمينا يجب أَن يكون على الْأَسْرَار مؤتمنا والعفة عَن الْأَمْوَال أيسر من الْعِفَّة عَن إذاعة الْأَسْرَار لِأَن الْإِنْسَان قد يذيع سر نَفسه بمبادرة لِسَانه وَسقط كَلَامه ويشح باليسير من مَاله ضنا بِهِ وحفظا لَهُ وَلَا يرى مَا أضاع من سره كَبِيرا فِي جنب مَا حفظه من يسير مَاله مَعَ عظم الضَّرَر الدَّاخِل عَلَيْهِ فَمن أجل ذَلِك كَأَن أُمَنَاء الْأَسْرَار أَشد تعذرا وَأَقل وجودا من أُمَنَاء الْأَمْوَال وَلذَلِك عِلَّتَانِ أَحدهمَا أَن الضَّرَر فِي إِضَاعَة الْأَمْوَال عَاجل وَالضَّرَر فِي إذاعة الْأَسْرَار آجل وَنَفس الْإِنْسَان موكلة بالأذى وَإِن حل مَا مضى وَالثَّانيَِة أَن السِّرّ سهل الْخُرُوج مَعَ البروز لَا يُوجد لإذاعته مس فَهُوَ ينْطَلق إِن لم يحفظه حزم وَلَا يَقْهَرهُ عزم وَالْمَال صَعب المنطلق وثيق الْمجمع لَا يَبْدُو إِلَّا بسماحة نفس يتقابل فِيهَا الشُّح والسخاء ويترجح فِيهَا الْمَنْع وَالعطَاء وَفرق بَين مَا هُوَ مبذول إِلَّا بمانع وَبَين مَا هُوَ مَمْنُوع إِلَّا بباذل

стр. 92

وَإِذا كَانَ أُمَنَاء الْأَسْرَار بِهَذَا العوز تلوم قبل الِاخْتِيَار ١٩ ب حَتَّى يظفر بِمن تصفو ضمائره وتسلم سرائره ليقل حذره وَإِن لم يسلم من الحذر لِأَنَّهُ مستسلم والاستسلام غرر وَقد قَالَ النَّبِي ﷺ (احذر مِمَّن تثق بِهِ كَأَنَّك تحذر مِمَّن لَا تثق بِهِ) التحفظ فِي إِيدَاع السِّرّ فَإِذا ظفر بِهَذَا الْأمين المعوز أودعهُ سره إِيدَاع منتحرز متحفظ فَإِن وجده متطلعا إِلَيْهِ ومؤثرا للوقوف عَلَيْهِ حذره وتوقاه فَإِن طَالب الْوَدِيعَة خائن ومستدعي الْأَمَانَة ظنين قَالَ الشَّاعِر (لَا تذع سرا إِلَى طَالبه ... إِنَّمَا الطَّالِب للسر مذيع) // من الرمل //

стр. 93

ثمَّ لَا فسحة فِي إبداء الْأَسْرَار مَعَ الِاضْطِرَار إِلَّا لمستشير ليأمن عثارها ويتوقى أخطارها ويسرها إِلَى المستشار بِالْكِنَايَةِ دون الصَّرِيح وَيُشِير إِلَيْهَا بالتعريض دون الفصيح إِذا كَانَت أَحْوَال التَّعْرِيض مُمكنَة وشواهد الْكِنَايَة فِيهَا مُحْتَملَة ليأمن عواقب الإذاعة من ذَوي الظنة والاستطالة بالإدلال من ذَوي الْعِفَّة فَإِن للزمان تغيرا وللإخوان تنكرا قَالَ بعض الْحُكَمَاء من أفشى سره كثر عَلَيْهِ المتآمرون وَفِي منثور الحكم من ضَاقَ صَدره اتَّسع لِسَانه

стр. 94

قَالَ الشَّاعِر (إِذا ضَاقَ صدر الْمَرْء عَن سر نَفسه ... فصدر الَّذِي يستودع السِّرّ أضيق) // من الطَّوِيل // وَقَالَ بعض الشُّعَرَاء (ألم تَرَ أَن وشَاة الرِّجَال ... لَا يتركون أديما صَحِيحا)

стр. 95

(فَلَا تفش سرك إِلَّا إِلَيْك ... فَإِن لكل نصيح نصيحا) // من المتقارب // قَالَ بعض البلغاء إِذا وقفت الرّعية على اسرار الْمُلُوك هان عَلَيْهَا أمرهَا وَلَا عذر لمن ظفر بسر لم يُؤمن عَلَيْهِ أَن يذيعه كَمَا لَا عذر لمن ظفر بِمَال لم يؤتمن عَلَيْهِ أَن يستبيحه وَليكن فِي حفظهما على حكم المؤتمن يقْضِي على نَفسه ٢٠ آفي الْأَمَانَة بِالْوَفَاءِ وَفِي اللقط والضوال الشاردة بِالْأَدَاءِ وَمِمَّا يجب على الْملك أَن يحفظه على نَفسه من أسرارها أَن يروضها بِفضل حزمه ويأخذها بِقُوَّة عزمه حَتَّى لَا يظْهر فِي وَجهه إِمَارَة سخط وَلَا رضَا وَلَا يعرف مِنْهُ آثَار حزن وَلَا سرُور فَيظْهر مَا فِي نَفسه وهوكامن وينم عَلَيْهِ وَهُوَ آمن فيظن أَنه قد كتم سره وَقد ذاع وطوى مَا فِي نَفسه وَقد شاع وَليكن متشاكل الْأَحْوَال متماثل الْأَوْصَاف ليَكُون كتوم النَّفس كَمَا كَانَ كتوم اللِّسَان وَلَا يَبْدُو من نَفسه مَا يكره أَن يظْهر على لِسَانه ليكمل كتمان أسراره فِي الْحَالين وَإِن أَسْوَأ الْعُيُوب حَالا وأظهرها وبالا أَن يعرف مَا فِي نَفسه من غير اختباره فيعلمه الثِّقَة والظنين ويشترك فِيهِ الخائن والأمين وَهُوَ لَو أسره إِلَى أحد فأذاعه لاستكبره مِنْهُ ولرأى فِي مُوجب السياسة

стр. 96

وَمُقْتَضى الحزم أَن يؤاخذه بِهِ ويعاقبه عَلَيْهِ فَكيف يرضى من نَفسه مَا يستكره من غَيره ويتسامح فِي مَا يُعَاقب عَلَيْهِ كلا وَلَئِن كَانَ مرامه صعبا فَهُوَ سهل على من ساعده الطَّبْع ثمَّ على من تطبع بِهِ عِنْد نفور الطَّبْع فَيصير طبعا وتطبعا يسهل على ذِي الحزم إِذا صَادف عزما فَإِن الكره يسهل بالمرون عَلَيْهِ فَإِذا ضبط من نَفسه مَا يُنكر آثاره وينم أسراره كَانَ أفضل حزما وَأقوى عزما مِمَّن كتم سره بِلِسَانِهِ فَإِذا ساعده الْأَمْرَانِ لم ينم لَهُ سر وَلم يعرف لَهُ غور

стр. 97

الْفَصْل الثَّانِي عشر المشورة فَوَائِد المشورة وَيَنْبَغِي للْملك أَن لَا يمْضِي الْأُمُور المستبهمة بهاجس رَأْيه وَلَا ينفذ عَزَائِمه المحتملة ببداهة فكره تَحَرُّزًا من إفشاء سره وأنفة من الِاسْتِعَانَة بِغَيْرِهِ حَتَّى يشاور ذَوي الأحلام والنهى ويستطلع بِرَأْي ذَوي الْأَمَانَة والتقى ٢٠ ب مِمَّن حنكتهم التجارب فارتاضوا بهَا وَعرفُوا موارد الْأُمُور وحقائق مصادرها فَإِنَّهُ رُبمَا كَانَ استبداده بِرَأْيهِ أضرّ عَلَيْهِ من إذاعة سره وَلَيْسَ كل الْأُمُور أسرار مكتومة وَلَا الْأَسْرَار المكتومة بمشاورة النصحاء فَاشِية مَعْلُومَة قَالَ النَّبِي ﷺ (مَا سعد أحد بِرَأْيهِ وَلَا شقى عَن مشورة) وَقَالَ لِمعَاذ بن جبل (استشر فَإِن المستشير معَان والمستشار مؤتمن وَاحْذَرْ الْهوى فَإِنَّهُ قَائِد الأشقياء)

стр. 98

وَقد قيل الاستشارة عين الْهِدَايَة وَقد خاطر من اسْتغنى بِرَأْيهِ قَالَ بعض الْحُكَمَاء حق على الْعَاقِل أَن يضيف إِلَى رَأْيه آراء الْعلمَاء وَيجمع إِلَى عقله عقول الْحُكَمَاء فَالرَّأْي الْفَذ رُبمَا زل وَالْعقل الْفَرد رُبمَا ضل ويعتمد على استشارة من صَلَاحه يكون مَوْصُولا بصلاحه إِذا كَانَ عريا من الْهوى فالهوى مخدعة الْأَلْبَاب ومضلة الصَّوَاب

стр. 99

والعداوة تصد عَن النصح والإنصاف وتبعث على الْغِشّ والإجحاف وَلَا يَصح مَعَ أحد هذَيْن رَأْي لمشير وَلَا يخلص فيهمَا قَالَ النَّبِي ﷺ (حبك الشَّيْء يعمي ويصم) أَي يعمي عَن الرشد ويصم عَن الموعظة وَكَذَلِكَ حَال البغض الَّذِي هُوَ ضِدّه لِأَنَّهَا خُرُوج من الْعدْل إِلَى تَقْصِير أَو سرف

стр. 100

وَإِذا ظفر بِالرَّأْيِ مِمَّن لَا يرَاهُ للمشورة أَهلا أخفاه حَتَّى لَا يتخطى عَلَيْهِ غير أَهله وَلم يستنكف من الْعَمَل بِهِ فَإِن القرائح لَيست على قدر الأخطار والرتب وَإِنَّمَا هِيَ ذخائر مستودعة فِيمَن منحها من نبيه وخامل كَمَا قَالَ النَّبِي ﷺ (النَّاس معادن كمعادن الذَّهَب وَالْفِضَّة) فَلَا يتَصَوَّر قبح الْحَاجة إِلَى رَأْي من قل فَلَيْسَ يُرَاد للمباهاة والافتخار فتلتمس فِيهِ أَعْيَان ذَوي الأخطار وَإِنَّمَا يُرَاد للصَّوَاب وَالِانْتِفَاع كالضالة ٢١ آلا يمنعهُ من أَخذهَا مهانة ملتقطها وكاللؤلؤة لَا يمنعهُ من لبسهَا ذلة غائصها وَكفى بالإنسان سَعَادَة أَن تسهل عَلَيْهِ المطالب فيدرك مُرَاده بِأَهْوَن سعي وَأَقل عناء وَلَيْسَ عَلَيْهِ إِذا عمل بِالرَّأْيِ أَن يعزيه إِلَى قَائِله وينسبه إِلَى صَاحبه فيوتهن بمهانته ويعاب بذلته وَإِنَّمَا يتَنَبَّه بِهِ على صَوَاب مَا يَأْتِي وسداد مَا يُرِيد

стр. 101

وَقد رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ (كلمة الْحِكْمَة ضَالَّة الْحَكِيم حَيْثُ مَا وجدهَا فَهُوَ أَحَق بهَا) قَالَ بعض البلغاء من كَمَال عقلك استظهارك على عقلك وَقَالَ بعض البلغاء إِذا أشكلت عَلَيْك الْأُمُور وَتغَير لَك الْجُمْهُور فَارْجِع إِلَى رَأْي

стр. 102

الْعُقَلَاء وافزع إِلَى استشارة الْعلمَاء وَلَا تأنف من الاسترشاد وَلَا تستنكف من الاستمداد فَلِأَن تسْأَل وتسلم خير من أَن تستبد وتندم قَالَ بعض الْعلمَاء من اسْتغنى بِرَأْيهِ ضل وَمن اكْتفى بعقله زل وَإِذا لم يَأْته الرَّأْي عفوا وَلَا وصل إِلَيْهِ من غَيره تَبَرعا أَكثر من استشارة ذَوي الْأَلْبَاب وَلَا سِيمَا فِي الْأَمر الْجَلِيل والخطب المستبهم فَإِن لكل عقل ذخيرة من الصَّوَاب وحظا من التَّدْبِير ولقل مَا فضل عَن الْجَمَاعَة رَأْي لَا يعرف صَوَابه وَيشكل عَلَيْهِم أَمر لَا يفهم جَوَابه وَليكن أهل المشورة متصافين فِي الْمحبَّة برَاء من عَدَاوَة أَو بغضة ليعرف كل وَاحِد مِنْهُم لصَاحبه بِالصَّوَابِ إِذا ظفر بِهِ وَلَا يَبْعَثهُ الْحَسَد والعناد على رده فَإِن تعاندوا شغلهمْ العناد عَن الِاجْتِهَاد فَلَنْ يحظوا بِرَأْي وَلم يظفروا بصواب لالتباس الرَّأْي بنفور العناد وَيَنْبَغِي أَن يجمعهُمْ على المشورة فِي ٢١ ب بديهة الرَّأْي ليجتهد

стр. 103

كل وَاحِد مِنْهُم رَأْيه ويستكمل خاطره ليتخصص برتبة الْمُجيب وَيجمع فِي حظوة الْمُصِيب فَإِن اجْتَمعُوا فِي ابْتِدَاء الرَّأْي كَانُوا فِيهِ بَين أَمريْن إِمَّا أَن يقودهم أول رَأْي مِنْهُم إِلَى مُتَابَعَته فيصيروا مفوضين لرأي وَاحِد قلدوه وهم أكفاء وتابعوه وهم نظراء وَإِمَّا أَن يَخْتَلِفُوا فيتنابذوا ويتشاغل كل وَاحِد مِنْهُم بنصرة رَأْيه حَقًا كَانَ أَو بَاطِلا فَيخرج بالمناظرة عَن حكم الْمُجْتَهد والمنابذة عَن حكم المتأيد وكما أَن الأصوب إفرادهم فِي ابْتِدَاء الرَّأْي فَكَذَلِك الأصوب أَن لَا يطلع بَعضهم على استشارة بعض ليجتهد كل وَاحِد مِنْهُم فكره ويستنفد وَسعه حَتَّى إِن حظي بدرك الصَّوَاب تخصص برتبة التعويل وتميز بنباهة الْقبُول وَليكن مَعَ ذَلِك غير وان فِي الْفِكر وَلَا مقصر فِي الارتئاء تعويلا على رَأْي من شاوره لِئَلَّا يصير فِي الرَّأْي مفوضا وَفِي الْأَمر مُقَلدًا مباحثة ذَوي الرَّأْي قَالَ بعض الْحُكَمَاء الاستسلام إِلَى رَأْي المشير هُوَ الْعدْل الْخَفي وَإِذا أظهرُوا كوامل آرائهم عرضهَا على عقله وسبرها بفكره وتصفح مباديها وعواقبها وسألهم عَن أَسبَابهَا ونتائجها وباحثهم عَن أُصُولهَا وفروعها سُؤال منصف لَا متعنت وطالب للصَّوَاب لَا للرَّدّ ليستوضح الْحق من الْبَاطِل وَيعلم الصَّحِيح من الْفَاسِد وَلَا يُبْدِي لَهُم رَأْيه إِن خالفهم وَلَا أَنه يَأْخُذ بِهِ وَيعْمل عَلَيْهِ إِن وافقهم ليجري الْأَمر على

стр. 104

استبهامه حَتَّى يعْمل بِهِ ليظْهر بِالْفِعْلِ دون الْعَزْم ليستفيد بذلك أَربع خِصَال إِحْدَاهُنَّ صَوَاب رَأْيه وَصِحَّة رويته وَالثَّانيَِة معرفَة عقل المشير وصواب رَأْيه وَالثَّالِثَة وضوح مَا استعجم ٢٢ آمن الرَّأْي وانفتاح مَا استغلق من الصَّوَاب وَالرَّابِعَة طي عزمه عَن الإشاعة والتحرز فِيهِ من خطر الإشاعة فَإِذا تقرر لَهُ الرَّأْي الَّذِي لَا يخالطه فِيهِ ارتياب وَلَا تعارضه فِيهِ شُبْهَة أَمْضَاهُ وَلم يؤاخذهم بعواقب الإكداء ودرك الزلل فَإِنَّمَا على الناصح الِاجْتِهَاد وَلَيْسَ عَلَيْهِ ضَمَان النجح لِأَن أقضية الله خافية وأقداره غالبة لَا يَدْفَعهَا رَأْي مُجْتَهد وَلَا يصد عَنْهَا روية مناصح فَلم يتَوَجَّه إِلَيْهِ لوم إِن أكدى وَلم يقْدَح فِيهِ ذمّ إِن أَخطَأ قَالَ بعض الْحُكَمَاء الْحَوَائِج تطلب بالعناء وتدرك بِالْقضَاءِ قَالَ الشَّاعِر

стр. 105

(ألم تَرَ أَن الدَّهْر يلْعَب بالفتى ... وَلَا يملك الْإِنْسَان دفع الْمَقَادِير) // من الطَّوِيل // وَمَتى عرف مِنْهُ تعقب المشير بلوم أَو ذمّ أسلم إِلَى رَأْيه وَهُوَ ملوم ووكل إِلَى تَدْبيره وَهُوَ مَذْمُوم فَبَقيَ بالمتاركة فَردا لَا يعاضد ومهملا لَا يساعد وَبِه من الْحَاجة إِلَى مشورة ذَوي الرَّأْي مَا لَا يجد مِنْهُ بدا قَالَ الشَّاعِر (من كَانَ ذَا عضد يدْرك ظلامته ... إِن الذَّلِيل الَّذِي لَيست لَهُ عضد) // من الْبَسِيط //

стр. 106

فضعفت منته بالمتاركة وَقلت مساعدته بالإهمال فتموجت بِهِ الخطوب وتنكرت عَلَيْهِ الْقُلُوب قَالَ بعض الْحُكَمَاء لَو كَانَت الْمُلُوك تعرف مِقْدَار حَاجتهم إِلَى ذَوي الرَّأْي من النَّاس مثل الَّذِي يعرف أهل الرَّأْي من حَاجتهم إِلَى الْمُلُوك لم أر عجبا أَن ترى مواكب الْمُلُوك على أَبْوَاب الْعلمَاء كَمَا ترى مواكب الْعلمَاء على أَبْوَاب الْمُلُوك ٢٢ - ب

стр. 107

الْفَصْل الثَّالِث عشر الْأَخْلَاق المتقابلة فِي الْمُلُوك وليعلم الْملك أَن أَرْبَعَة أَخْلَاق متقابلة لَيْسَ يعرى مِنْهَا أَو من أبدالها ملك فَإِن اسْتعْملت فِي موَاضعهَا ووقف مِنْهَا على حُدُودهَا خمدت وَإِن اسْتعْملت فِي غير موَاضعهَا أَو خرجت عَن حُدُودهَا إِلَى زِيَادَة أَو تَقْصِير ذمت ١ - الرقة وَالرَّحْمَة فأحدها الرقة وَالرَّحْمَة تحمد عِنْد اعتدالها وَفِي موضعهَا وتذم عِنْد غلبتها وميلها لِأَنَّهَا إِذا غلبت أفضت إِلَى ترك الْحُدُود وإضاعة الْحُقُوق وَذَلِكَ دَاع إِلَى هياج طباع المفسدين وتحريك مطامع المتقلبين فينحل من عرى السياسة مَا كَانَ بالرهبة ملتئما وتخوف الْعقُوبَة منتظما وَمن نسب إِلَى رَحْمَة تبطل حدا أَو تضيع حَقًا أَو تحدث فَسَادًا كَانَ الْفساد عَلَيْهِ أَعُود وَهُوَ لنظره وسياسته أفسد وَصَارَ كَمَا قَالَه المتقدمون كالطبيب الَّذِي يرحم العليل من مرَارَة الدَّوَاء وألم الْحَدِيد فتوديه رَحمته إِلَى هَلَكته وتسوقه الشَّفَقَة إِلَى منيته فَتَصِير رَحمته لَهُ أبلى من قسوته ورفقه بِهِ اضر من غلظته وَالرَّحْمَة خلق مركب من الود والجزع ٢ - الْقَسْوَة والغلظة ثمَّ الْخلق الثَّانِي الْمُقَابل لهَذَا الْخلق وَهُوَ الْقَسْوَة والغلظة فَإِنَّهَا إِذا غلبت أفضت إِلَى مُجَاوزَة الْحُدُود فِي الْحَيَاة وعقوبة الأخيار المبراة والمواخذة بالتهم والظنون والتسوية بَين الشَّك وَالْيَقِين فَلَا يَأْمَن سليم

стр. 108

وَلَا يتَمَيَّز سقيم وَفِي ذَلِك من فَسَاد السياسة بإيحاش المؤانسين وخبث سرائر المناصحين مَا يَجْعَل كل ولي خصما وكل معِين ألتا وَرُبمَا ظن بعض الْوُلَاة أَن القساوة صرامة فَعدل عَن الاقتصاد والسداد إِلَى ضدهما وَتجَاوز حكم الدّين والسياسة إِلَى غَيرهمَا وَلَا خير ٢٣ آفي الْعُدُول عَن وَاحِد مِنْهُمَا وَقد قَالَ النَّبِي ﷺ (أَشد النَّاس عذَابا يَوْم الْقِيَامَة أَشَّدهم عذَابا للنَّاس فِي الدُّنْيَا) وَإِنَّمَا الصرامة قلَّة الْغَفْلَة عَن الجرائر وَمَعْرِفَة الْأُمُور على الْحَقَائِق حَتَّى لَا يتدلس عَلَيْهِ السقيم بالسليم والخائن بالأمين وَلَا يتَصَوَّر الخالع بِصُورَة الطائع والقساوة تهون فِي الْحُدُود وتعد فِي الْحُقُوق يَبْعَثهُ عَلَيْهِ اتِّبَاع شَهْوَته وتحكيم سطوته وَإِذا اعتدل فِيهِ هَذَانِ الخلقان فرق لأهل الْحق وعنف لأهل الْبَاطِل اعتدلت سيرته وَصحت سياسته وَالْقَسْوَة خلق مركب من البغض والجرأة ٣ - السماحة وَالعطَاء ثمَّ الْخلق الثَّالِث وَهُوَ السماحة وَالعطَاء فَإِن وقف على حَده

стр. 109

وَهُوَ بذل مَا يحْتَاج إِلَيْهِ عِنْد الْحَاجة وإيصاله إِلَى مُسْتَحقّه بِحَسب الطَّاقَة كَانَ مَحْمُود الْبَذْل مشكور الْعَطاء وَإِن تجَاوز هَذَا الْحَد فَأعْطى فِي غير حق وبذل من غير تَقْدِير صَار مَنْسُوبا إِلَى التبذير والإضاعة وَصَارَ بِإِزَاءِ تبذيره حُقُوق مضاعة قيل كل شرف فبإزائه حق مضيع وَإِذا انْتَشَر أَن أَمْوَاله تنَال بِغَيْر اسْتِحْقَاق وتدرك بِغَيْر سعي ثارت بِهِ مطامع المحتذين وتكاثرت عَلَيْهِ وُفُود السَّائِلين الَّذين ألفوا كلف الاحتراف واستبدلوا بِهِ دني الاقتراف فَإِن رام رضى جَمِيعهم لم يطق لاتساع آمالهم وَقُوَّة أطماعهم وَلَو أطَاق لأفسد سعي اتِّبَاعه وتخبثت نيات أشياعه إِذْ سوى فِي الْعَطاء بَينهم وَبَين من لم يسع ٢٣ ب سَعْيهمْ وَلَا سد فِي الموازرة والمظاهرة مسدهم قَالَ بعض الْحُكَمَاء لَا خير فِي السَّرف وَلَا سرف فِي الْخَيْر

стр. 110

وَإِن خص بالعطاء قوما وَحرم قوما لم يكن بَين من أعطَاهُ وَهُوَ غير مُسْتَحقّ وَبَين من حرمه فرق ولحقه من ذمّ من حرمه أَضْعَاف مَا لحقه من حمد من وَصله وَلَيْسَ يمْنَع هَذَا من التَّبَرُّع بالصلة وَمن مُرَاعَاة من أمت بجرمة إِذا ظَهرت أَسبَابهَا وتلوح صوابها لِأَن الْمُلُوك مطَالب ذَوي الْحَاجَات وذخائر ذَوي الحرمات وَهَذَا فِي حُقُوق الساسة من الْوَاجِبَات والسخاء خلق مركب من الْحيَاء والإيثار ٤ - الْبُخْل والإمساك ثمَّ الْخلق الرَّابِع الْمُقَابل لهَذَا الْخلق وَهُوَ الْبُخْل والإمساك الْمُؤَدِّي إِلَى تَفْرِيق النصحاء وتنكر الألباء واستطالة الْأَعْدَاء فَإِن الْأَمْوَال تصير إِلَى الْمُلُوك لتوضع فِي حَقّهَا وتفرق على مستحقها لَا ليعدل بهَا عَن الْعَطاء إِلَى الْمَنْع وَعَن التَّفْرِقَة إِلَى الْجمع وَقد قيل من جمع المَال لنفع غَيره أطاعوه وَمن جمعه لنفع نَفسه أضاعوه
следующие страницы →