← Сияса и кади

Сияса и кади · id 7239

تسهيل النظر وتعجيل الظفر في أخلاق الملك

الماوردي

Полный текст (288 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

الْبَاب الثَّانِي فِي سياسة الْملك تمهيد قَالَ أقضى الْقُضَاة ﵀ حق على من مكنه الله تَعَالَى من أرضه وبلاده وائتمنه على خلقه وعباده أَن يُقَابل جزيل نعْمَته بِحسن السريرة وَيجْرِي من الرّعية بجميل السِّيرَة قَالَ الله تَعَالَى ٣٠ آ ﴿يَا دَاوُد إِنَّا جعلناك خَليفَة فِي الأَرْض فاحكم بَين النَّاس بِالْحَقِّ وَلَا تتبع الْهوى﴾ وَقَالَ ﴿وَلَا تنس نصيبك من الدُّنْيَا وَأحسن كَمَا أحسن الله إِلَيْك﴾

стр. 142

وَرُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ (من سَار فِيمَن بَين ظهريه بسيرة حَسَنَة كَانَ لَهُ أجرهَا وَأجر من عمل بهَا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة من غير أَن ينقص من أُجُورهم شَيْء وَمن سَار فِيمَن بَين ظهريه بسيرة سَيِّئَة كَانَ عَلَيْهِ وزرها ووزر العاملين بهَا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة من غير أَن ينقص من أوزارهم شَيْء) وَرُوِيَ عَن عمر ﵁ أَنه قَالَ لَو ضَاعَت سخلة على شاطئ فرات لَخَشِيت أَن يسألني الله عَلَيْهَا وَحكي أَن عُثْمَان بن عبد الله وقف على مُحَمَّد بن سَمَّاعَة القَاضِي وَهُوَ فِي مجْلِس قَضَائِهِ يحكم بَين النَّاس فَقَالَ

стр. 143

إسمع لَا سَمِعت يَا ابْن سَمَّاعَة وَأنْشد يَقُول (لقد كلفت يَا مِسْكين أمرا ... تضيق لَهُ قُلُوب الخائفينا) (أتعلم أَن رب الْعَرْش قَاض ... وتقضي أَنْت بَين العالمينا) // من الوافر // فَقَامَ ابْن سَمَّاعَة من مَجْلِسه ودموعه تجْرِي على خديه فَلَيْسَ أحد أَجْدَر بالحذر والإشفاق وَأولى بِالنّصب وَالِاجْتِهَاد مِمَّن تقلد امور الرّعية لِأَنَّهَا أَمَانَة الله الَّتِي أَمنه عَلَيْهَا ورعيته الَّتِي استرعاه فِيهَا واستخلفه على أمورها وَهُوَ تَعَالَى ولي السُّؤَال عَنْهَا وَلِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ حسم مواد الِاعْتِرَاض مِنْهَا على أَفعاله وكف ألسنتها عَن رد مَا رَآهُ فِي اجْتِهَاده وَأوجب عَلَيْهَا طَاعَته وألزمها الانقياد لحكمه وَأمرهمْ أَن يتصرفوا بَين أمره وَنَهْيه فَقَالَ تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا أطِيعُوا الله وَأَطيعُوا الرَّسُول وأولي الْأَمر مِنْكُم﴾

стр. 144

وَجعل صَلَاح جَمَاعَتهمْ بصلاحه وَفَسَاد أُمُورهم بفساده لِأَنَّهُ قلب وهم أَطْرَاف وقطب وهم أكناف ٣٠ - ب قَالَ بعض الْعُقَلَاء رشاد الْوَالِي خير من خصب الزَّمَان وأرشد الْوُلَاة من حرس بولايته الدّين وانتظم بنظره صَلَاح الْمُسلمين لِأَن الدّين يصلح سرائر الْقُلُوب وَيمْنَع من ارْتِكَاب الذُّنُوب وَيبْعَث على التأله والتناصف وَيَدْعُو إِلَى الألفة والتعاطف وَهَذِه قَوَاعِد لَا تصلح الدُّنْيَا إِلَّا بهَا وَلَا يَسْتَقِيم الْخلق إِلَّا عَلَيْهَا وَإِنَّمَا السلطنة زِمَام لحفظها وباعث على الْعَمَل بهَا وَلَو أهملوا ونوازع الْأَهْوَاء جاذبة وَاخْتِلَاف الآراء مُتَقَارِبَة لتمارحوا وتغالبوا وَلما عرف حق من بَاطِل وَلَا تميز صَحِيح من فَاسد وَلَيْسَ فِي الْعقل مَا يجمعهُمْ على حكم يتساوى فِيهِ قويهم وضعيفهم ويتكافأ فِيهِ شريفهم ومشروفهم فَلذَلِك وقفت مصالحهم على دين يقودهم إِلَى جمع الشمل واتفاق الْكَلِمَة وَيَنْقَطِع بِهِ تنازعهم وتنحسم بِهِ مواد أطماعهم وَاخْتِلَافهمْ وَتصْلح بِهِ سرائرهم وتنحفظ بِهِ أمانتهم

стр. 145

وَرُبمَا أهمل بعض الْمُلُوك الدّين وعول فِي أُمُوره على قوته وَكَثْرَة أجناده وَلَيْسَ يعلم أَن أجناده إِذا لم يعتقدوا وجوب طَاعَته فِي الدّين كَانُوا أضرّ عَلَيْهِ من كل ضد مباين لاقتراحهم عَلَيْهِ مَا لَا ينْهض بِهِ وتحكمهم عَلَيْهِ بِمَا لَا يثبت لَهُ فَإِن سمعُوا بنابغ نبغ عَلَيْهِ قوي طمعهم فِي اجتياح أَمْوَاله وَلم يقنعهم اسْتِيعَاب حَاله وَكَانَ مِنْهُم على شفا جرف هار لَا يَأْمَن سطوتهم بِهِ وَقد قيل من جعل ملكه خَادِمًا لدينِهِ انْقَادَ لَهُ كل سُلْطَان وَمن جعل دينه خَادِمًا لملكه طمع فِيهِ كل إِنْسَان

стр. 146

الْفَصْل التَّاسِع عشر أَن يكون الْملك أفضل النَّاس دينا الدّين وَالْملك يَنْبَغِي للْملك أَن يأنف من أَن يكون ٣١ آفي رَعيته من هُوَ أفضل دينا مِنْهُ كَمَا يأنف أَن يكون فِي رَعيته من هُوَ أنفذ أمرا مِنْهُ وَقَالَ أردشير بن بابك فِي عَهده إِلَى مُلُوك فَارس

стр. 147

إِن الدّين وَالْملك توأمان لَا قوام لأَحَدهمَا إِلَّا بِصَاحِبِهِ لِأَن الدّين أس وَالْملك حارس وَلَا بُد للْملك من أسه وَلَا بُد للأس من حارسه لِأَن مَا لَا حارس لَهُ ضائع وَمَا لَا اس لَهُ منهدم

стр. 148

الدّفع عَن الدّين بِالْملكِ وَكتب حَكِيم الرّوم إِلَى الْإِسْكَنْدَر إدفع عَن دينك بملكك وَلَا تدفع بِدينِك عَن ملكك وصير دنياك وقاية لآخرتك وَلَا تصير آخرتك وقاية لدنياك وَكَيف يَرْجُو من تظاهر بإهمال الدّين استقامة ملك وَصَلَاح حَال وَقد صَار أعوان دولته أضدادها وَسَائِر رَعيته أعداءها مَعَ قبح أَثَره وَشدَّة ضَرَره وَبِذَلِك قَالَ النَّبِي ﷺ (إِنَّكُم ستحرصون على الْإِمَارَة ثمَّ تكون حسرة وندامة يَوْم الْقِيَامَة فنعمت الْمُرضعَة وبئست الفاطمة) ١٥١ وَقد قيل الْملك خَليفَة الله فِي بِلَاده وَلنْ يَسْتَقِيم أَمر خِلَافَته مَعَ مُخَالفَته فالسعيد من وقى الدّين بِملكه وَلم يُوقَ الْملك بِدِينِهِ وأحيى السّنة بعدله وَلم يمتها بجوره وحرس الرّعية بتدبيره وَلم يَضَعهَا بتدميره ليَكُون لقواعد ملكه موطدا ولأساس دولته مشيدا ولأمر الله فِي بِلَاده ممتثلا فَلَنْ يعجز الله استقامة الدّين عَن سياسة الْملك وتدبير الرعايا ١٥٢ الْفَصْل الْعشْرُونَ قَوَاعِد الْملك ثمَّ أَقُول إِن قَوَاعِد الْملك مُسْتَقِرَّة على أَمريْن تأسيس وسياسة

стр. 149

وَقد قيل الْملك خَليفَة الله فِي بِلَاده وَلنْ يَسْتَقِيم أَمر خِلَافَته مَعَ مُخَالفَته فالسعيد من وقى الدّين بِملكه وَلم يُوقَ الْملك بِدِينِهِ وأحيى السّنة بعدله وَلم يمتها بجوره وحرس الرّعية بتدبيره وَلم يَضَعهَا بتدميره ليَكُون لقواعد ملكه موطدا ولأساس دولته مشيدا ولأمر الله فِي بِلَاده ممتثلا فَلَنْ يعجز الله استقامة الدّين عَن سياسة الْملك وتدبير الرعايا ١٥٢ الْفَصْل الْعشْرُونَ قَوَاعِد الْملك ثمَّ أَقُول إِن قَوَاعِد الْملك مُسْتَقِرَّة على أَمريْن تأسيس وسياسة

стр. 150

الْفَصْل الْعشْرُونَ قَوَاعِد الْملك ثمَّ أَقُول إِن قَوَاعِد الْملك مُسْتَقِرَّة على أَمريْن تأسيس وسياسة

стр. 151

تأسيس الْملك وأقسامه فَأَما تأسيس الْملك فَيكون فِي تثبيت أَوَائِله ومباديه وإرساء قَوَاعِده ومبانيه وتنقسم ثَلَاثَة أَقسَام تأسيس دين وتأسيس قُوَّة ٣١ ب وتأسيس مَال وثروة تأسيس الْملك على الدّين فَأَما الْقسم الأول وَهُوَ تأسيس الدّين فَهُوَ أثبتها قَاعِدَة وأدومها مُدَّة وأخلصها طَاعَة وَلَيْسَ يَخْلُو انْتِقَال الْملك بِهِ من ثَلَاثَة أَسبَاب أَحدهَا أَن يخرج الْملك من منصيب الدّين حَتَّى يتَوَلَّى عَلَيْهِ غير أَهله وَيظْهر مِنْهُ خلاف عقده فتنفر مِنْهُ النُّفُوس إِن لَان وتعانده إِن خشن تعصيه

стр. 152

الْقُلُوب وَإِن أَطَاعَته الأجساد فيتطلب النَّاس للخلاص مِنْهُ أسبابا ويفتحون للوثوب عَلَيْهِ أبوابا يستهلون فِيهَا بذل النُّفُوس وَالْأَمْوَال حفظا لدينهم فَيصير ملكه عرضة للطَّالِب وحريمه غنيمَة للسالب وَقد قَالَ حَكِيم الرّوم لَا يزَال الجائر من الْمُلُوك ممهلا حَتَّى يتخطى إِلَى أَرْكَان الْعِمَارَة ومباني الشَّرِيعَة فَإِذا قَصدهَا اقْتَرَبت مدَّته وَالسَّبَب الثَّانِي أَن يكون الْملك مِمَّن قد استهان بِالدّينِ وهون أَهله فأهمل أَحْكَامه وطمس أَعْلَامه حَتَّى لَا تُؤَدّى فروضه وَتوفى حُقُوقه إِمَّا لضعف عزمه فِي الدّين وَإِمَّا لانهماكه فِي اللَّذَّات فَيرى النَّاس أَن الدّين أقوم ولحقوقه وفروضه ألزم فَيصير دينه مذحولا وَملكه محلولا قَالَ بعض الْحُكَمَاء إِذا أَقبلت الدولة خدمت الشَّهَوَات للعقول وَإِذا أَدْبَرت خمدت الْعُقُول للشهوات وَالسَّبَب الثَّالِث أَن يكون الْملك مِمَّن قد احدث بِدعَة فِي الدّين شنعة وَاخْتَارَ فِيهِ أقوالا بشعة يُفْضِي استمرارها إِلَى تبديله ويؤول إِلَى تَغْيِيره وتعطيله فتأبى نفوس النَّاس بِغَيْر دين قد صَحَّ لَهُم معتقده واستقرت فِي الْقُلُوب أُصُوله وقواعده فَيصير دينه مرفوضا وَملكه منقوضا فَإِذا طَرَأَ على الدّين هَذِه الْأَسْبَاب الثَّلَاثَة ونهض إِلَى طلب الْملك

стр. 153

من يقوم بنصرة الدّين وَيدْفَع ٣٢ آتبديل المبتدعين وَيجْرِي فيهم على السّنَن الْمُسْتَقيم أذعنت النُّفُوس لطاعته واشتدت فِي مؤازرته ونصرته وَرَأَوا أَن بذل النُّفُوس لَهُ من حُقُوق الله المفترضة وَأَن النُّصْرَة لَهُ من أوامره الملتزمة فَملك الْقُلُوب والأجساد واستخلص الأعوان والأجناد فَإِن نالوا مَعَه من الدُّنْيَا حظا وجمعوا بِهِ بَين صلاحي الدّين وَالدُّنْيَا صَار مجتذبا إِلَى الْملك لَا جاذبا ومرغوبا إِلَيْهِ لَا رَاغِبًا ولان لَهُ كل صَعب وَهَان عَلَيْهِ كل خطب وتوطد لَهُ من اس الْملك مَا لَا يُقَاوم سُلْطَانه وَلَا تغل أعوانه لفرق مَا بَين ملك الطَّالِب وَالْمَطْلُوب وتباين مَا بَين طَاعَة الْخَاطِب والمخطوب تأسيس الْملك على الْقُوَّة وَأما الْقسم الثَّانِي وَهُوَ تأسيس الْقُوَّة فَهُوَ أَن يحل نظام الْملك إِمَّا بالإهمال وَالْعجز وَإِمَّا بالظلم والجور فينتدب لطلب الْملك أولو الْقُوَّة ويتوثب عَلَيْهِ ذُو الْقُدْرَة إِمَّا طَمَعا فِي الْملك حِين يضعف وَإِمَّا دفعا للظلم حِين اسْتمرّ وَهَذَا إِنَّمَا يتم لجيش قد اجْتمعت فيهم ثَلَاث خلال كَثْرَة الْعدَد وَظُهُور الشجَاعَة وتفويض الْأَمر الى مقدم عَلَيْهِم إِمَّا لنسب وأبوة وَإِمَّا لفضل رَأْي وشجاعة فَإِذا توثبوا على الْملك بِالْكَثْرَةِ واستولوا عَلَيْهِ بِالْقُوَّةِ كَانَ ملك قهر فَإِن عدلوا مَعَ الرّعية وَسَارُوا فيهم بالسيرة الجميلة صَار ملك تَفْوِيض وَطَاعَة فرسا وَثَبت

стр. 154

وَإِن جاروا وعسفوا فَهِيَ حولة توثب ودولة تغلب يبيدها الظُّلم ويزيلها الْبَغي بعد أَن تهْلك بهم الرعايا وتخرب بهم الْبِلَاد تأسيس الْملك على المَال والثروة وَأما الْقسم الثَّالِث فَهُوَ تأسيس المَال والثروة فَهُوَ أَن يكثر المَال فِي ٣٢ ب قومه فَيحدث لَهُم بعلو الهمة طَمَعا فِي الْملك وَقل أَن يكون هَذَا الْأَمر إِلَّا فِيمَن لَهُ بالسلطنة اخْتِلَاط وبأعوان الْملك امتزاج فيبعث مطامع الراغبين فِيهِ على طَاعَته وَتَسْلِيم الْأَمر إِلَى زعامته وبعيد أَن يتم ذَلِك إِلَّا عِنْد ضعف الْملك ووهائه وَفَسَاد أعوانه وزعمائه وَقيل فِي منثور الحكم المَال رُبمَا سود غير السَّيِّد وقوى غير الأيد فَإِذا انْتقل بِهِ الْملك كَانَ أَوْهَى الْأَسْبَاب قَاعِدَة وأقصرها مُدَّة لِأَن المَال ينفذ مطامع طالبيه وَيذْهب باقتراح الراغبين فِيهِ وَقد قيل من ودك لأمر ولى مَعَ انقضائه قَالَ سُلَيْمَان بن دَاوُد عَلَيْهِ السَّلَام

стр. 155

الَّذِي يتوكل على غنائه سُقُوطه سريع فَإِن اقْترن بِسَبَب يَقْتَضِي ثُبُوت الْملك ثَبت وَإِلَّا فَهُوَ وشيك الزَّوَال سريع الِانْتِقَال وَاعْلَم أَن الدولة تبتدئ بخشونة الطباع وَشدَّة الْبَطْش لتسرع النُّفُوس إِلَى بذل الطَّاعَة ثمَّ تتوسط باللين والاستقامة لاستقرار الْملك وَحُصُول الدعة ثمَّ تختم بانتشار الْجور وَشدَّة الضعْف لانتقاض الْأَمر وَقلة الحزم وبحسب هَذِه الْأَحْوَال الثَّلَاثَة يكون مُلُوكهَا فِي الآراء والطباع وَقد شبه المتقدمون الدولة بالثمرة فَإِنَّهَا تبدو حَسَنَة الملمس مرّة الطّعْم ثمَّ تدْرك فتلين وتستطاب ثمَّ تنضج فَتكون أقرب للْفَسَاد والاستحالة وكما تبتدأ الدولة بِالْقُوَّةِ وتختم بالضعف كَذَلِك تبتدأ بِالْوَفَاءِ وتختم بالغدر لِأَن الْوَفَاء مشيد والغدر مشرد

стр. 156

الْفَصْل الْحَادِي وَالْعشْرُونَ سياسة الْملك قَوَاعِد سياسة الْملك وَأما سياسة الْملك بعد تأسيسه واستقراره ٣٣ آفتشتمل على أَربع قَوَاعِد وَهِي عمَارَة الْبلدَانِ وحراسة الرّعية وتدبير الْجند وَتَقْدِير الْأَمْوَال ١ - عمَارَة الْبلدَانِ فَأَما الْقَاعِدَة الأولى وَهِي عمَارَة الْبلدَانِ فالبلاد نَوْعَانِ مزارع وأمصار

стр. 157

آعمارة الْمزَارِع فَأَما الْمزَارِع فَهِيَ أصُول الْموَاد الَّتِي يقوم بهَا أود الْملك وتنتظم بهَا أَحْوَال الرعايا فصلاحها خصب وثراء وفسادها جَدب وخلاء وَهِي الْكُنُوز المدخورة وَالْأَمْوَال المستمدة وَأي بلد كثرت ثماره ومزارعه اسْتَقل بخيره وفاض على غَيره فَصَارَت الْأَمْوَال إِلَيْهِ تجلب والأقوات مِنْهُ تطلب وَهُوَ بالضد إِن قلت أَو اختلت فَلَزِمَ مُدبر الْملك فِيهَا ثَلَاثَة حُقُوق أَحدهمَا الْقيام بمصالح الْمِيَاه الَّتِي هُوَ عَلَيْهَا أقدر وَلها أقهر حَتَّى تدر فَلَا تَنْقَطِع وتعم فَلَا تمْتَنع ويشترك فِيهَا الْقَرِيب والبعيد وَيَسْتَوِي فِي الِانْتِفَاع بهَا الْقوي والضعيف فَإِن أهملت حَتَّى قلت وتغالب النَّاس عَلَيْهَا بسطوة وَقُوَّة اخْتَلَّ نظامها وَفَسَد التئامها واستبد فِيهَا من استطال وتحكم فِي الْأَمْوَال والأقوات فضيق على النَّاس لسعته وهزهم لمنفعته وَصَارَ خصبه جدبا وخطبه صعبا وَالْحق الثَّانِي عَلَيْهِ أَن يحميهم من تخطف الْأَيْدِي لَهُم ويكف الْأَذَى عَنْهُم فَإِنَّهُم مطامع أولي السلاطة ومأكلة ذَوي الْقُوَّة ليأمنوا فِي مَزَارِعهمْ وَلَا يتشاغلوا بالذب عَن أنفسهم وَلَا يكون لَهُم غير الزِّرَاعَة عملا لِأَن لكل صَنْعَة أَهلا فيستكثروا من الْعِمَارَة ويتسعوا فِي الزِّرَاعَة فَيَكُونُوا عونا وعوانا لمن عداهم وَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

стр. 158

(التمسوا الرزق فِي خبايا الأَرْض الزَّرْع) وَالْحق الثَّالِث عَلَيْهِ تَقْدِير مَا يُؤْخَذ مِنْهُم بِحكم الشَّرْع وَقَضِيَّة الْعدْل ٣٣ ب حَتَّى لَا ينالهم فِي قدرهَا حيف وَلَا يلحقهم فِي أَخذهَا عسف فَإِنَّهُم لَا يصلونَ إِلَى إنصافه إِلَّا بعدله لتذعن نُفُوسهم ببذل الْحق مِنْهَا طَوْعًا وَيكون لَهُم فِي تَخْفيف الكلف عَنْهُم فضل فَإِن الزَّمَان باتساعهم خصب وَالْملك باستقامة أُمُورهم ملتئم فَإِن حيف عَلَيْهِم فِي الْقدر أَو عسف بهم فِي الْأَخْذ انعكس الصّلاح إِلَى ضِدّه فدانوا وأدانوا وَصَارَت ولَايَة فهر تخرج من سيرة الْعدْل والإنصاف ثمَّ هم لإخلالهم واختلالهم من وَرَاء نفور وجلاء قَالَ سُلَيْمَان بن دَاوُد ﵇ اشرب المَاء من ينبوعك وليفض ماؤك فِي أسواقك ليَكُون ينبوعك مُبَارَكًا

стр. 159

قَالَ بزرجمهر من عمر بَيت المَال من ظلم رَعيته كمن طين سطحه من قَوَاعِد بَيته وَكتب زِيَاد إِلَى عماله على السوَاد أَحْسنُوا إِلَى المزارعين فَإِنَّكُم لَا تزالون سمانا مَا سمنوا ب عمَارَة الْأَمْصَار وَأما الْأَمْصَار فَهِيَ الأوطان الجامعة وَالْمَقْصُود بهَا خَمْسَة أُمُور أَحدهَا أَن يستوطنها أَهلهَا طلبا للسكون والدعة

стр. 160

وَالثَّانِي حفظ الْأَمْوَال فِيهَا من اسْتِهْلَاك وإضاعة وَالثَّالِث صِيَانة الْحَرِيم وَالْحرم من انتهاك ومذلة وَالرَّابِع إلتماس مَا تَدْعُو إِلَيْهِ الْحَاجة من مَتَاع وصناعة وَالْخَامِس التَّعَرُّض للكسب وَطلب الْمَادَّة فَإِن عدم فِيهَا أحد هَذِه الْأُمُور الْخَمْسَة فَلَيْسَتْ من مَوَاطِن الِاسْتِقْرَار وَهِي منزل قيعة ودمار قَالَ الزبير بن الْعَوام ﵁ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول (إِن الْبِلَاد بِلَاد الله فَحَيْثُ مَا وجدت خيرا فاحمد الله وأقم) وحظ السُّلْطَان فِي عمَارَة ٣٤ آالبلدان والأوطان أوفى من حَظّ رَعيته لِأَنَّهُ أصل هم فروعه ومتبوع هم أَتْبَاعه شُرُوط إنْشَاء الْأَمْصَار وَالَّذِي يعْتَبر فِي إنشائها سِتَّة شُرُوط أَحدهمَا سَعَة الْمِيَاه المستعذبة وَالثَّانِي إِمْكَان الْميرَة المستمدة وَالثَّالِث اعْتِدَال الْمَكَان الْمُوَافق لصِحَّة الْهوى والتربة

стр. 161

وَالرَّابِع قربَة مِمَّا تَدْعُو الْحَاجة إِلَيْهِ من المراعي والأحطاب وَالْخَامِس تحصين مَنَازِله من الْأَعْدَاء والزعار وَالسَّادِس أَن يُحِيط بِهِ سَواد يعين أَهله بمواده فَإِذا تكاملت هَذِه الشُّرُوط السِّتَّة فِي إنْشَاء مصر استحكمت قَوَاعِد تأبيده وَلم يزل إِلَّا بِقَضَاء محتوم وَأجل مَعْلُوم مَا على منشيء الْمصر فِي حُقُوق ساكنيه ثمَّ على منشيء الْمصر فِي حُقُوق ساكنيه ثَمَانِيَة شُرُوط أَحدهَا أَن يَسُوق إِلَيْهِ مَاء السارية إِن بَعدت أَطْرَافه إِمَّا فِي أَنهَار جَارِيَة أَو حِيَاض سَائِلَة ليسهل الْوُقُوف إِلَيْهِ من غير تعسف وَالثَّانِي تَقْدِير طرقه وشوارعه حَتَّى تتناسب وَلَا تضيق بِأَهْلِهَا فيستضر الْمَار بهَا وَالثَّالِث أَن يَبْنِي جَامعا للصلوات فِي وَسطه ليقرب على جَمِيع أَهله ويعم شوارعه بمساجده وَالرَّابِع أَن يقدر أسواقه بِحَسب كِفَايَته وَفِي مَوَاضِع حَاجته وَالْخَامِس أَن يُمَيّز خطط أَهله وقبائل ساكنيه وَلَا يجمع بَين أضداد متنافرين وَلَا بَين أَجنَاس مُخْتَلفين وَالسَّادِس إِن أَرَادَ الْملك أَن يستوطنه سكن مِنْهُ فِي أفسح أَطْرَافه وأطاف بِهِ جَمِيع خواصه وَمن يَكْفِيهِ من أَمر أجناده وَفرق باقيهم فِي بَقِيَّة أَطْرَافه ليكفوه من جَمِيع جهاته وَخص أَهله بِالْعَدْلِ وَجعل وَسطه بعوام أَهله ٣٤ ب ليكونوا مكنوفين بهم وَليقل ركُوبه فيهم حَتَّى لَا يلين فِي أَعينهم

стр. 162

وَالسَّابِع أَن يحوطهم بسور إِن تاخموا عدوا أَو خَافُوا اغتيالا حَتَّى لَا يدْخل عَلَيْهِم إِلَّا من أرادوه وَلَا يخرج عَنْهُم إِلَّا من عرفوه لِأَنَّهُ دَار لساكنيه وحرز لمستوطنيه وَالثَّامِن أَن ينْقل إِلَيْهِ من أَعمال أهل الْعُلُوم والصنائع مَا يحْتَاج أَهله إِلَيْهِ حَتَّى يكتفوا بهم ويستغنوا عَن غَيرهم فَإِذا قَامَ منشئه بِهَذِهِ الشُّرُوط الثَّمَانِية فِيهِ فقد أدّى حق مستوطنيه وَلم يبْق لَهُم عَلَيْهِ إِلَّا أَن يسير فيهم بالسيرة الْحسنى ويأخذهم بالطريقة المثلى وَقد صَار من أكمل الْأَمْصَار وطنا وأعدلها مسكنا أَنْوَاع الْأَمْصَار والأمصار نَوْعَانِ مصر مزارع وَسَوَاد ومصر فرْصَة وتجارة مصر الْمزَارِع والسواد فَأَما مصر الْمزَارِع والسواد فَهُوَ أثبت المصرين أَهلا وأحسنهما حَالا وأولاهما استيطانا لوُجُود مواده فِيهِ واقتناء أصولهما مِنْهُ من شُرُوط مصر الْمزَارِع والسواد وَمن شَرطه أَن يكون فِي وسط سوَاده وَبَين جَمِيع أَطْرَافه حَتَّى تعتدل مواده مِنْهَا وتتساوى طرقه إِلَيْهَا وَهُوَ موفور الْعِمَارَة مَا كَانَ سوَاده عَامِرًا فَإِن نَالَ أَهله فِيهِ حيف فرقهم الحيف فِي سوَاده فَأَصَابُوا عَيْشًا ودافعوا من زمَان الحيف وقتا وَإِن جَار السوَاد على أَهله كَانَ لَهُم فِي الْمصر أَمن وملاذ وَيكون كل وَاحِد مِنْهُمَا للْآخر معَاذًا

стр. 163

مصر الفرصة وَالتِّجَارَة وَأما مصر الفرصة وَالتِّجَارَة فَهُوَ من كَمَال الإقليم وزينة الْملك لِأَنَّهُ مَقْصُود بتحف الْبِلَاد وطرف ٣٥ آالأقاليم فَلَا يعوذ فِيهِ مَطْلُوب وَلَا يَنْقَطِع عَنهُ مجلوب شُرُوط هَذَا النَّوْع من الْأَمْصَار وَالْمُعْتَبر فِيهِ ثَلَاثَة شُرُوط أَحدهَا أَن يتوسط أَمْصَار الرِّيف وَيقرب من بِلَاد المتاجر فَلَا يبعد على طَالبه وَلَا يسْبق على قاصده وَالثَّانِي أَن يكون على جادة تسهل مسالكها وَيُمكن نقل الأثقال فِيهَا إِمَّا فِي نهر أَو على ظهر فَإِن توعرت مسالكه وأجدبت مفاوزه عدل النَّاس عَنهُ إِلَّا من ضَرُورَة وَالثَّالِث أَن يكون مَأْمُون السبل لأهل الطرقات خَفِيف الكلف قَلِيل الأثقال فانه لَيْسَ يَأْتِيهِ إِلَّا جالب مجتاز يطْلب من الْبِلَاد أجداها فَإِن توعر هجر وَهَذَا أَكثر البلدين طَالبا وأنشرهما فِي الأقاليم ذكرا وَهُوَ معد لمطالب الْمُلُوك لَا لموادهم فَإِن استمدوه وتحيفوه بالمكوس والأعشار نفروا عَنهُ وَإِن وجدوا سواهُ صَار لأهل الضرورات دون الِاخْتِيَار وَلَا دوَام لأوطان الْإِضْرَار وَلَا يبعد أَن يندرس فَيلْحق الْمُضْطَر بالمختار وَإِن لم يَسْتَدْرِكهُ سُلْطَانه بتَخْفِيف وإنصاف لِأَن أَمْوَاله أَمْوَال تِجَارَة منتقلة

стр. 164

لَا يشق عَلَيْهِم تحويلها فهم يستوطنون من الْبِلَاد أعدلها ويقصدون من المتاجر والمعاملات أسهلها فَإِن نبا بهم وَطن فَكل الْبِلَاد لَهُم وَطن قَالَ الشَّاعِر (واترك مَحل السوء لَا تحلل بِهِ ... وَإِذا نبا بك منزل فتحول) // من الْكَامِل //

стр. 165

٢ - حراسة الرّعية وَأما الْقَاعِدَة الثَّانِيَة وَهِي حراسة الرّعية فلأنهم لأمانات الله الَّتِي استودعه حفظهَا واسترعاه الْقيام بهَا لَا يقدرُونَ على الدّفع عَن أنفسهم إِلَّا بسلطانه وَلَا يصلونَ إِلَى الْعدْل والتناصف إِلَّا بإحسانه وَهُوَ مِنْهُم بِمَنْزِلَة ولي الْيَتِيم الْمَنْدُوب لكفالته والقيم بمصالحه يلْزمه بِحكم الاسترعاء وَالْأَمَانَة أَن يقوم زلله وَيصْلح خلله ويحفظ أَمْوَاله ويثمر مواده كَذَلِك مَكَانَهُ من رَعيته فِي الذب عَنْهُم وَالنَّظَر لَهُم وَالْقِيَام ٣٥ ب بمصالحهم فَإِن النَّفْع بصلاح أَحْوَالهم عَائِد عَلَيْهِ وَالضَّرَر بفسادها مُتَعَدٍّ إِلَيْهِ فَلَنْ تُوجد استقامة ملك فَسدتْ فِيهِ أَحْوَال الرعايا

стр. 166

مَا يلْزم الْمُلُوك فِي حق الاسترعاء وَالَّذِي يلْزم الْملك فِي حُقُوق الاسترعاء عَلَيْهِم عشرَة أَشْيَاء أَحدهَا تَمْكِين الرّعية من استيطان مساكنهم وادعين وَالثَّانِي التَّخْلِيَة بَينهم وَبَين مساكنهم آمِنين وَالثَّالِث كف الْأَذَى وَالْأَيْدِي الْغَالِبَة عَنْهُم وَالرَّابِع اسْتِعْمَال الْعدْل والنصفة مَعَهم وَالْخَامِس فصل الْخِصَام بَين المتنازعين مِنْهُم وَالسَّادِس حملهمْ على مُوجب الشَّرْع فِي عباداتهم ومعاملاتهم وَالسَّابِع إِقَامَة حُدُود الله تَعَالَى وحقوقه فيهم وَالثَّامِن أَمن سبلهم ومسالكهم وَالتَّاسِع الْقيام بمصالحهم فِي حفظ مِيَاههمْ وقناطرهم والعاشر تقديرهم وترتيبهم على أقدارهم ومنازلهم فِيمَا يتميزون بِهِ من دين وَعمل وَكسب وصيانة فَإِذا قَامَ فيهم بِهَذِهِ الْحُقُوق فَهِيَ السياسة العادلة والسيرة الفاضلة الَّتِي تستخلص بهَا طَاعَة الرّعية وينتظم بهَا صَلَاح المملكة وَإِن أخل بهَا كَانَ وإياهم على ضدها قَالَ أردشير بن بابك

стр. 167

سَعَادَة الرّعية فِي طَاعَة الْملك وسعادة الْملك فِي طَاعَة الْمَالِك قَالَ بعض الألباء إِذا لم يكن فِي سُلْطَان الْملك سرُور لرعيته كَانَ ملكه ظلما حُكيَ أَن أنوشروان أنفذ رَسُولا إِلَى ملك قد أزمع على محاربته وَأمره أَن يتعرف سيرته فِي نَفسه ورعيته فَرجع إِلَيْهِ وَقَالَ وجدت عِنْده الْهزْل أقوى من الْجد وَالْكذب أَكثر من الصدْق والجور أرفع من الْعدْل فَقَالَ أنوشروان رزقت الظفر عَلَيْهِ سر إِلَيْهِ وَليكن عَمَلك فِي

стр. 168

محاربته بِمَا هُوَ أَضْعَف عِنْده وَأَقل وأوضع فَإنَّك مَنْصُور عَلَيْهِ وَهُوَ مخذول فَسَار إِلَيْهِ فظفر بِهِ وَاسْتولى على ملكه ٣ - تَدْبِير الْجند وَأما الْقَاعِدَة الثَّالِثَة وَهِي تَدْبِير الْجند فَلِأَن بهم ملك ٣٦ آحتى قهر وَاسْتولى على قدر فَإِن صلحوا كَانَت قوتهم لَهُ وَإِن فسدوا صَارَت قوتهم عَلَيْهِ وبعيد مِمَّن كَانَ مَعَه فَصَارَ عَلَيْهِ أَن يرى مَعَه رشدا شُرُوط تَدْبِير الْجند وتدبيرهم الَّذِي يحقط عَلَيْهِم طاعتهم ويستخلص بِهِ نصرتهم يكون بأَرْبعَة شُرُوط إِن استكملها صلحوا بِهِ واستقاموا لَهُ وَإِن أخل بهَا فسدوا عَلَيْهِ وأفسدوا ملكه أَحدهَا تقويمهم بالأدب الَّذِي يحفظ عَلَيْهِ وفور نجدتهم وَكَمَال تجنيدهم ليصلحهم بذلك لأَنْفُسِهِمْ ثمَّ لنَفسِهِ ثمَّ لرعيته

стр. 169

فَأَما صَلَاحهمْ لأَنْفُسِهِمْ فَيكون بِثَلَاثَة أَشْيَاء أَحدهَا معطاة مَا يحْتَاج إِلَيْهِ أجناد الْمُلُوك من الارتياض بالركوب والخبرة بالحروب لِأَنَّهَا صناعَة تجمع بَين علم وَعمل وَالثَّانِي اختصاصهم بالجندية واقتصارهم عَلَيْهَا حَتَّى لَا ينقطعوا عَنْهَا بكسب سواهَا فيصيروا مقصرين فِيهَا وَالثَّالِث أَن يقفوا فِي اللَّذَّات على اعْتِدَال مُبَاح لَا يقطعون إِلَيْهَا فتلهيهم وَلَا يمْنَعُونَ مِنْهَا فتغريهم وَأما صَلَاحهمْ لنَفسِهِ فَيكون بِثَلَاثَة أَشْيَاء أَحدهَا أَن تَسْتَقِر محبته فِي نُفُوسهم حَتَّى ينصحوه وَالثَّانِي أَن تعظم هيبته فِي قُلُوبهم حَتَّى يطيعوه وَالثَّالِث أَن يعتقدوا أَن صَلَاح ملكه عَائِد عَلَيْهِم وفساده مُتَعَدٍّ إِلَيْهِم وَأما صَلَاحهمْ لرعيته فَيكون بِثَلَاثَة أَشْيَاء أَحدهَا أَن يكف نَفسه عَن أذاهم وَالثَّانِي أَن يذب عَنْهُم من أَرَادَهُم وَالثَّالِث أَن يكون عونا لَهُم على منافعهم فَإِذا صَحَّ لَهُ حملهمْ على هَذَا التَّأْدِيب واستقاموا على هَذَا التَّهْذِيب كَانُوا أصلح جند لأسعد ملك

стр. 170

كتب الْإِسْكَنْدَر إِلَى معلمه يسترشده فِي جنده فَكتب إِلَيْهِ تفقد جندك فَإِنَّهُم أَعدَاء ينْتَقم بهم من أَعدَاء وَمَعْنَاهُ أَنهم اعداء إِذا فسدوا ينْتَقم بهم من أَعدَاء إِذا صلحوا وَالشّرط الثَّانِي أَن يرتبوا على حسب عنائهم فِي الحروب وذبهم عَن الْملك ومسارعتهم إِلَى الطَّاعَة حَتَّى يعلمُوا أَن سَعْيهمْ مشكور ونصحهم مذخور ٣٦ ب يتقدمون بِهِ ويتجازون عَلَيْهِ فَإِن ذَلِك مفض بهم إِلَى ثَلَاث خِصَال تصلح بهَا أُمُورهم وينتظم بهَا تدبيرهم إِحْدَاهُنَّ أَن يزْدَاد محسنهم طَاعَة وَنصحا طلبا للزِّيَادَة فِي التَّقْدِيم ورغبة مضاعفة الْجَزَاء وَالثَّانيَِة أَن يرغب من قصر مِنْهُم أَو أَسَاءَ فِي مثل مَا ناله المحسن من منزلَة وَجَزَاء فيتأسى بِهِ فِي الطَّاعَة ويساويه فِي المناصحة وَالثَّالِثَة أَن يكف المقصر عَن طلب مَا لَا يسْتَحقّهُ ويتأخر عَن مقَام لَا يستوجبه ويرضى بالخمول إِن صغرت همته ويقنع بالتقصير إِن ضعفت منته فَإِن حركته حمية لم يتَرَدَّد إِن لم يزدْ

стр. 171

وَالشّرط الثَّالِث أَن يقوم بكفاياتهم حَتَّى لَا يحتاجوا فَإِن الْحَاجة تدعوهم إِلَى خصْلَة من ثَلَاث لَا خير فِي وَاحِدَة مِنْهُنَّ إِمَّا أَن يتسلطوا على أَمْوَال الرّعية وَإِمَّا أَن يعدلُوا إِلَى من يقوم لَهُم بالإكفاء وَإِمَّا أَن يشتغلوا بمكسب فيوهنوا وَإِذا احْتِيجَ إِلَيْهِم لم يغنوا مَا بذلوا انفسهم إِلَّا لقِيَامه بكفايتهم وَقد قيل من وثق بإحسانك أشْفق على سلطانك وَمَتى اقتطعهم طلب الْكسْب ضعف فِي أنفسهم رجاؤه وَقل فِي أَعينهم عطاؤه ثمَّ إِن بدر عَلَيْهِم الْعَطاء فَلَا يحوجون إِلَى الْمُطَالبَة فَإِن المطالب جرئ وَفِي جرأتهم خرق للحشمة ووهن للهيبة وَقل مَا يخْتل الْملك إِلَّا بِمثلِهِ لِأَن بهم تدفع الخطوب الملمة فَإِذا كَانُوا هم الْخطب الملم فبمن يدْفَعُونَ إِلَّا بالتلطف والإنصاف فهم كالمثل السائر فِي قَول الشَّاعِر (بالملح يصلح مَا يخْشَى تغيره ... فَكيف بالملح إِن حلت بِهِ الْغَيْر) // من الْبَسِيط // وَقد كَانُوا يرَوْنَ الْقَصْد فِي إعطائهم قدر الْكِفَايَة أولى من التَّوسعَة عَلَيْهِم بِالزِّيَادَةِ لِأَن الزِّيَادَة تؤول بهم إِلَى إِحْدَى خَصْلَتَيْنِ مذمومتين

стр. 172

إِمَّا إِلَى صرفهَا فِي الْفساد ليفسدوا وَإِمَّا إِلَى الِاسْتِغْنَاء بهَا فيتقاعدوا حكى ابْن ابْن قُتَيْبَة أَن أبرويز ٣٧ آقال لِابْنِهِ شيرويه وَهُوَ فِي حَبسه لَا توسعن على جندك فيستغنوا عَنْك وَلَا تضيقن عَلَيْهِم فيضجوا مِنْك وأعطهم عَطاء قصدا وامنعهم منعا جميلا ووسع لَهُم فِي الرَّجَاء وَلَا توسع عَلَيْهِم فِي الْعَطاء

стр. 173

وَالشّرط الرَّابِع أَن لَا تنطوي عَنهُ أخبارهم وَلَا تخفى عَلَيْهِ آثَارهم وهم رُعَاة دولته وحماة رَعيته فَإِن تدلس سقيمهم وَستر جميلهم للقبيح سرى فيهم أَخبث الْأَمريْنِ لِأَن الشَّرّ أنفر بَين الْخَيْر فمالوا وأمالوا وتلحقهم ثَلَاث آفَات خطرة تقدح فِي صَلَاحهمْ وتمنع فِي فلاحهم إِحْدَاهُنَّ أَن يكرهوا زمن السَّلامَة والمسالمة ويستقلوا مُدَّة الدعة لبوار نفاقهم وفتور أسواقهم فيجعلوا لفتق الرتوق أسبابا ويفتحوا لمخارجة الْعَدو أبوابا يتوصلون بهَا إِلَى مطامع حسمها السَّلَام والدعة فَإِن استدركت غوائلهم وَإِلَّا فهم الْخطب الأطم والفدح الْأَعَمّ وَالثَّانيَِة أَن يتَوَصَّل الْعَدو إِلَى استمالتهم لفرصة الْغَفْلَة عَنْهُم فَإِذا لم يمنعهُ التيقظ وَلم يكفه التحفظ وسهام الرغائب صائبة ظفر بكيده فاصطلم وَمَال بِهِ فاحتكم وَالثَّالِثَة أَن يَبْعَثهُم الإغفال على التسلط ويدعوهم الإهمال إِلَى التبسط

стр. 174

تطاولا للسلطنة فَلَا يقبضوا يدا عَن إِرَادَة يستهلكون بهَا الْأَمْوَال ويستأصلون بهَا الْأَحْوَال فتكثر بهم الرزايا وتهلك بهم الرعايا ويكونوا أضرّ بِالْملكِ من كل متغلب وأذكى فِيهِ من كل متوثب وَهَذَا لَا ينحسم إِذا اسْتمرّ إِلَّا بالزواجر الْقَاهِرَة وهم يَده الباطشة فيستعين بمستقيمهم إِن ظفر بِتَسْلِيم مُسْتَقِيم وَإِلَّا فَإلَى عطب يؤول إِلَى الْفساد فبعيد أَن يعم فسادهم وَفِي الْملك ثبات فَإِن ٣٧ ب أسعده الْفضل بصلاحهم استدرك مَا يستأنفه بالبحث عَن أَحْوَالهم المستقلة وَلم يغْفل عَن صَغِير لكبير فَإِن كبار الْأُمُور تبدو صغَارًا كالنار يصير إغفال قليلها ضرا مَا لم يسْتَدرك وأصعب مَا يعانيه الْمُدبر للدولة سياسة الْجند لِأَن بهم يقهر حَتَّى يسوس وَإِذا عجز بفسادهم صَار مقهورا وَإِن ساسهم بحزمه حَتَّى انقادوا كَانَ لَهُم بِالْقُوَّةِ سُلْطَانا وَكَانُوا لَهُ بِالطَّاعَةِ أعوانا وَقد قيل من عَلَامَات الدولة قلَّة الْغَفْلَة ٤ - تَقْدِير الْأَمْوَال وَأما الْقَاعِدَة الرَّابِعَة وَهِي تَقْدِير الْأَمْوَال فَلِأَنَّهَا الْموَاد الَّتِي يَسْتَقِيم الْملك بوفورها ويختل بقصورها

стр. 175

وتقديرها على الْمُلُوك مستصعب لأَنهم يرَوْنَ بِفضل الْقُدْرَة بُلُوغ كل غَرَض ودرك كل مطلب فَإِن وصلوا إِلَيْهِ بالأسهل الألطف وَإِلَّا توصلوا بالأصعب الأعنف وَإِن استباحوه شرعا وَإِلَّا ارتكبوا محذوره وكابدوا معسوره فَإِن أَقَامُوا بِفضل الحزم على السياسة العادلة حَتَّى وقفت بهم الْقُدْرَة على تَقْدِير الْأَمْوَال أَن يعْتَبر بِمَا استدام حُصُوله ويسهل وُصُوله وَلم يحْتَج مَعَه إِلَى التمَاس معذر وارتياد مُتَعَذر اعتدلت ممالكهم وتعدلت مطالبهم فَلم يعْجزُوا عَن حق وَلم يتعدوا إِلَى بَاطِل وَكَانَ الظافر بِهَذِهِ الْحَال مِنْهُم هُوَ الْملك السعيد ورعيته بِهِ أسعد الرعايا وَكَانَ المقصر فِيهَا على ضدها قَالَ لي بعض الْمُلُوك وَقد توفر على لذته وَلَام غَيره من الْمُلُوك عَلَيْهَا وَكنت سفيرا بَينهمَا إِنِّي قدرت خرجي بدخلي وَجعلت لكل خرج دخلا كَافِيا واستنبت فِيهِ أُمَنَاء ٣٨ آكفاة وأذنت لمن قصر دخله عَن خرجه أَن يقترض من غَيره مَا يَقْضِيه عِنْد وفور دخله ثمَّ صرفت زمَان التشاغل بِهِ إِلَى اللَّذَّة بعد إحكامه وَنَفْسِي سَاكِنة إِلَى انتظامه فَإِن الْملك يُرَاد للالتذاذ بِهِ وَلَو لم أفعل هَذَا لَكُنْت فِي التشاغل باللذة ملوما فَإِن كَانَ هَذَا الْملك قبل توفره على لذته قد أحكم مَا أحكمته لم يلم وَإِن كَانَ قد أهمله فَهُوَ الملوم دوني

стр. 176

فَقلت لَهُ قد لمت غَيْرك بذنب خلصت مِنْهُ نَفسك فَجَعَلته لنَفسك عذرا ولغيرك جرما ولعمري إِن المستظهر أعذر من المسترسل وأحجمت عَن اسْتِيفَاء مناظرته التزاما لحشمته وَإِن كَانَ حجاجه مُعْتَلًّا وعذره مختلا لِأَن قَلِيل الذل لَا يعري من قَلِيل العذل وَجه تَقْدِير الْأَمْوَال وَإِن كَانَ تَقْدِير الْأَمْوَال قَاعِدَة فتقديرها مُعْتَبر من وَجْهَيْن أَحدهمَا تَقْدِير دَخلهَا وَذَلِكَ مُقَدّر من أحد وَجْهَيْن إِمَّا بشرع ورد النَّص فِيهِ بتقديره فَلَا يجوز أَن يُخَالف وَإِمَّا بِاجْتِهَاد ولاه العَبْد فِيمَا أداهم الِاجْتِهَاد إِلَى وَضعه وَتَقْدِيره وَلَا يسوغ أَن ينْقض وَإِذا ردَّتْ إِلَى القوانين المستقرة ثمرت بِالْعَدْلِ وَكَانَ إضعافها بالجور ممحوقا وَالثَّانِي تَقْدِير خرجها وَذَلِكَ مُقَدّر من وَجْهَيْن أَحدهمَا بِالْحَاجةِ فِيمَا كَانَت أَسبَابه لَازِمَة أَو مُبَاحَة وَالثَّانِي بالمكنة حَتَّى لَا يعجز مِنْهَا دخل وَلَا يتَكَلَّف مَعهَا عسف

стр. 177

مُقَابلَة الدخل بالخرج ثمَّ لَا يَخْلُو حَال الدخل إِذا قوبل بالخرج من ثَلَاثَة أَحْوَال أَحدهَا أَن يفضل الدخل عَن الخرج فَهُوَ الْملك السَّلِيم وَالتَّقْدِير الْمُسْتَقيم ليَكُون فَاضل الدخل معدا لوجوه النوائب ٣٨ ب ومستحدثات الْعَوَارِض فَيَأْمَن الرّعية عواقب حَاجته ويثق الْجند بِظُهُور مكنته وَيكون الْملك قَادِرًا على دفع مَا طَرَأَ من خطب أَو حدث من خرق فَإِن للْملك فنونا لَا ترتقب وللزمان حوادث لَا تحتسب وَالْحَال الثَّانِيَة أَن يقصر الدخل عَن الخرج فَهُوَ الْملك المعتل وَالتَّدْبِير المختل لِأَن السُّلْطَان بِفضل الْقُدْرَة يتَوَصَّل إِلَى كِفَايَته كَيفَ قدر فتأول مَا وَجب وَيُطَالب بِمَا لَا يجب وَتَدْعُو الْحَاجة إِلَى الْعُدُول عَن لَوَازِم الشَّرْع وقوانين السياسة إِلَى حرف يصل بِهِ إِلَى حَاجته ويظفر بإرادته فَيهْلك مَعَه الرعايا وينبسط عَلَيْهِ الأجناد وَتَدْعُوهُمْ الْحَاجة إِلَى مثل مَا دَعَتْهُ فَلَا يُمكن قبضهم عَن التسلط وَقد تسلط وَلَا مَنعهم من الْفساد وَقد أفسد فَإِن استدرك أمره بالتقنع وساعده أجناده على الاقتصاد وَإِلَّا فَإلَى عطب مَا يؤول الْفساد وَالْحَال الثَّالِثَة أَن يتكافأ الدخل والخرج حَتَّى يعتدل وَلَا يفضل وَلَا يقصر فَيكون الْملك فِي زمَان السّلم مُسْتقِلّا وَفِي زمَان الفتوق والحوادث مختلا فَيكون لكل وَاحِد من الزمانين حكمه فَإِن ساعده الْقَضَاء بدوام السّلم كَانَ على

стр. 178

دَعَتْهُ واستقامته وَإِن تحركت بِهِ النوائب كده الِاجْتِهَاد وثلمه الأعوان فَيجْعَل الْملك ذخيرة نوائبه فِي مثل هَذِه الْأَحْوَال الْإِحْسَان إِلَى رَعيته وتحكيم الْعدْل فِي سياسته ليَكُون بالرعية مستكثرا وبالعدل مستثمرا

стр. 179

الْفَصْل الثَّانِي وَالْعشْرُونَ أصل مَا تبنى عَلَيْهِ السياسة العادلة وأصل مَا تبنى عَلَيْهِ السياسة العادلة فِي سيرة الرّعية بعد حراسته الدّين وتخير الأعوان أَرْبَعَة الرَّغْبَة والرهبة ٣٩ - آ والإنصاف والانتصاف فَأَما الرَّغْبَة فتدعو إِلَى التآلف وَحسن الطَّاعَة وتبعث على الإشفاق وبذل النَّصِيحَة وَذَلِكَ من أقوى الْأَسْبَاب فِي حراسة المملكة فَإِن قبضهَا عَنْهُم زَالَ حكمهَا مَعَهم وتصنعوا بِالطَّاعَةِ تربصا للدوائر وسارعوا إِلَى الْمعْصِيَة عِنْد هجوم النوائب فَهُوَ مِنْهُم بَين نفاق وَإِن ساتروه وَبَين شقَاق وَإِن جاهروه وَلَا خير فِي مَا تردد بَين نفاق وشقاق وَقَالَ أبرويز أَجْهَل النَّاس من يعْتَمد فِي أُمُوره على من لَا يأمل خَيره وَلَا يَأْمَن شَره وَأما الرهبة فتمنع خلاف ذَوي العناد وتحسم سعي أهل الْفساد حذرا من

стр. 180

السطوة وإشفاقا من الْمُؤَاخَذَة وَذَلِكَ أقوى الْأَسْبَاب فِي تَهْذِيب المملكة فَإِن زَالَت عَنْهُم زَالَ حكمهَا مَعَهم فلَان واشتدوا وَهَان واعتزوا فاستسهلوا مَعْصِيَته واستقلوا طَاعَته وَصَارَت أوامره فيهم لَغوا وزواجره لهوا وَقد قيل من إمارات الْجد حسن الْجد وَإِذا جمع بَين الرَّغْبَة والرهبة قادهم الرَّجَاء إِلَى طَاعَته وصدهم الْخَوْف عَن مَعْصِيَته وانبسط فيهم الأمل وَكثر مِنْهُم الوجل فعز سُلْطَانه واستقام اعوانه قَالَ بعض الْحُكَمَاء من أعرض عَن الحذر والاحتراس وَبنى أمره على غير أساس زَالَ عَنهُ الْعِزّ وَاسْتولى عَلَيْهِ الْعَجز وَأما الْإِنْصَاف فَهُوَ عَادل يفصل بَين الْحق وَالْبَاطِل ويستقيم بِهِ حَال الرّعية وتنتظم بِهِ أُمُور المملكة فَلَا ثبات لدولة لَا يتناصف أَهلهَا ويغلب جورها على عدلها فَإِن الندرة من الْجور تُؤثر فَكيف بِهِ إِذا كثر
следующие страницы →