← Сияса и кади

Сияса и кади · id 7239

تسهيل النظر وتعجيل الظفر في أخلاق الملك

الماوردي

Полный текст (288 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

فَقلت لَهُ قد لمت غَيْرك بذنب خلصت مِنْهُ نَفسك فَجَعَلته لنَفسك عذرا ولغيرك جرما ولعمري إِن المستظهر أعذر من المسترسل وأحجمت عَن اسْتِيفَاء مناظرته التزاما لحشمته وَإِن كَانَ حجاجه مُعْتَلًّا وعذره مختلا لِأَن قَلِيل الذل لَا يعري من قَلِيل العذل وَجه تَقْدِير الْأَمْوَال وَإِن كَانَ تَقْدِير الْأَمْوَال قَاعِدَة فتقديرها مُعْتَبر من وَجْهَيْن أَحدهمَا تَقْدِير دَخلهَا وَذَلِكَ مُقَدّر من أحد وَجْهَيْن إِمَّا بشرع ورد النَّص فِيهِ بتقديره فَلَا يجوز أَن يُخَالف وَإِمَّا بِاجْتِهَاد ولاه العَبْد فِيمَا أداهم الِاجْتِهَاد إِلَى وَضعه وَتَقْدِيره وَلَا يسوغ أَن ينْقض وَإِذا ردَّتْ إِلَى القوانين المستقرة ثمرت بِالْعَدْلِ وَكَانَ إضعافها بالجور ممحوقا وَالثَّانِي تَقْدِير خرجها وَذَلِكَ مُقَدّر من وَجْهَيْن أَحدهمَا بِالْحَاجةِ فِيمَا كَانَت أَسبَابه لَازِمَة أَو مُبَاحَة وَالثَّانِي بالمكنة حَتَّى لَا يعجز مِنْهَا دخل وَلَا يتَكَلَّف مَعهَا عسف

стр. 177

مُقَابلَة الدخل بالخرج ثمَّ لَا يَخْلُو حَال الدخل إِذا قوبل بالخرج من ثَلَاثَة أَحْوَال أَحدهَا أَن يفضل الدخل عَن الخرج فَهُوَ الْملك السَّلِيم وَالتَّقْدِير الْمُسْتَقيم ليَكُون فَاضل الدخل معدا لوجوه النوائب ٣٨ ب ومستحدثات الْعَوَارِض فَيَأْمَن الرّعية عواقب حَاجته ويثق الْجند بِظُهُور مكنته وَيكون الْملك قَادِرًا على دفع مَا طَرَأَ من خطب أَو حدث من خرق فَإِن للْملك فنونا لَا ترتقب وللزمان حوادث لَا تحتسب وَالْحَال الثَّانِيَة أَن يقصر الدخل عَن الخرج فَهُوَ الْملك المعتل وَالتَّدْبِير المختل لِأَن السُّلْطَان بِفضل الْقُدْرَة يتَوَصَّل إِلَى كِفَايَته كَيفَ قدر فتأول مَا وَجب وَيُطَالب بِمَا لَا يجب وَتَدْعُو الْحَاجة إِلَى الْعُدُول عَن لَوَازِم الشَّرْع وقوانين السياسة إِلَى حرف يصل بِهِ إِلَى حَاجته ويظفر بإرادته فَيهْلك مَعَه الرعايا وينبسط عَلَيْهِ الأجناد وَتَدْعُوهُمْ الْحَاجة إِلَى مثل مَا دَعَتْهُ فَلَا يُمكن قبضهم عَن التسلط وَقد تسلط وَلَا مَنعهم من الْفساد وَقد أفسد فَإِن استدرك أمره بالتقنع وساعده أجناده على الاقتصاد وَإِلَّا فَإلَى عطب مَا يؤول الْفساد وَالْحَال الثَّالِثَة أَن يتكافأ الدخل والخرج حَتَّى يعتدل وَلَا يفضل وَلَا يقصر فَيكون الْملك فِي زمَان السّلم مُسْتقِلّا وَفِي زمَان الفتوق والحوادث مختلا فَيكون لكل وَاحِد من الزمانين حكمه فَإِن ساعده الْقَضَاء بدوام السّلم كَانَ على

стр. 178

دَعَتْهُ واستقامته وَإِن تحركت بِهِ النوائب كده الِاجْتِهَاد وثلمه الأعوان فَيجْعَل الْملك ذخيرة نوائبه فِي مثل هَذِه الْأَحْوَال الْإِحْسَان إِلَى رَعيته وتحكيم الْعدْل فِي سياسته ليَكُون بالرعية مستكثرا وبالعدل مستثمرا

стр. 179

الْفَصْل الثَّانِي وَالْعشْرُونَ أصل مَا تبنى عَلَيْهِ السياسة العادلة وأصل مَا تبنى عَلَيْهِ السياسة العادلة فِي سيرة الرّعية بعد حراسته الدّين وتخير الأعوان أَرْبَعَة الرَّغْبَة والرهبة ٣٩ - آ والإنصاف والانتصاف فَأَما الرَّغْبَة فتدعو إِلَى التآلف وَحسن الطَّاعَة وتبعث على الإشفاق وبذل النَّصِيحَة وَذَلِكَ من أقوى الْأَسْبَاب فِي حراسة المملكة فَإِن قبضهَا عَنْهُم زَالَ حكمهَا مَعَهم وتصنعوا بِالطَّاعَةِ تربصا للدوائر وسارعوا إِلَى الْمعْصِيَة عِنْد هجوم النوائب فَهُوَ مِنْهُم بَين نفاق وَإِن ساتروه وَبَين شقَاق وَإِن جاهروه وَلَا خير فِي مَا تردد بَين نفاق وشقاق وَقَالَ أبرويز أَجْهَل النَّاس من يعْتَمد فِي أُمُوره على من لَا يأمل خَيره وَلَا يَأْمَن شَره وَأما الرهبة فتمنع خلاف ذَوي العناد وتحسم سعي أهل الْفساد حذرا من

стр. 180

السطوة وإشفاقا من الْمُؤَاخَذَة وَذَلِكَ أقوى الْأَسْبَاب فِي تَهْذِيب المملكة فَإِن زَالَت عَنْهُم زَالَ حكمهَا مَعَهم فلَان واشتدوا وَهَان واعتزوا فاستسهلوا مَعْصِيَته واستقلوا طَاعَته وَصَارَت أوامره فيهم لَغوا وزواجره لهوا وَقد قيل من إمارات الْجد حسن الْجد وَإِذا جمع بَين الرَّغْبَة والرهبة قادهم الرَّجَاء إِلَى طَاعَته وصدهم الْخَوْف عَن مَعْصِيَته وانبسط فيهم الأمل وَكثر مِنْهُم الوجل فعز سُلْطَانه واستقام اعوانه قَالَ بعض الْحُكَمَاء من أعرض عَن الحذر والاحتراس وَبنى أمره على غير أساس زَالَ عَنهُ الْعِزّ وَاسْتولى عَلَيْهِ الْعَجز وَأما الْإِنْصَاف فَهُوَ عَادل يفصل بَين الْحق وَالْبَاطِل ويستقيم بِهِ حَال الرّعية وتنتظم بِهِ أُمُور المملكة فَلَا ثبات لدولة لَا يتناصف أَهلهَا ويغلب جورها على عدلها فَإِن الندرة من الْجور تُؤثر فَكيف بِهِ إِذا كثر

стр. 181

وَلَو لم يتناصف أهل الْفساد لما تمّ لَهُم فعل الْفساد فَكيف بِملك قد استرعاه الله صَلَاح عباده ووكل إِلَيْهِ عمَارَة بِلَاده إِذا لم يحمل على التناصف والتعاطف ومزجت ٣٩ ب فِيهِ الْأَهْوَاء بالخرف وتحكمت الْقُوَّة فِي منع الْحق أَن لَا يُوفى وَفِي إِحْدَاث مَا لَا يسْتَحق أَن يسْتَوْفى وتهارج النَّاس فِيهَا بالتغالب وتمازجوا فِيهَا بالتطاول والتغاضب هَل يقترب بِهَذَا الْملك وَقد تعطلت هَذِه الْأُصُول بِهِ صَلَاح كلا لن يكون الْبَاطِل حَقًا وَالْفساد صلاحا وَقد قَالَ أردشير بن بابك إِذا رغب الْملك عَن الْعدْل رغبت الرّعية عَن الطَّاعَة قَالَ الْإِسْكَنْدَر لحكماء الْهِنْد أَيّمَا أفضل الْعدْل أم الشجَاعَة قَالُوا إِذا اسْتعْمل الْعدْل استغني عَن الشجَاعَة

стр. 182

قَالَ بعض الْعلمَاء الْملك يبْقى على الْكفْر وَلَا يبْقى على الظُّلم فَأَخذه بعض الشُّعَرَاء فَقَالَ فِي ذَلِك (عَلَيْك بِالْعَدْلِ إِن وليت مملكة ... وَاحْذَرْ من الْجور فِيهَا غَايَة الحذر) (فالملك يبْقى على الْكفْر البهيم وَلَا ... يبْقى مَعَ الْجور فِي بَدو وَفِي حضر) وَلَا ينْقض هَذَا القَوْل مَا قدمْنَاهُ من اعْتِبَار الدّين فِي قَوَاعِد الْملك لِأَن الْكفْر تدين بباطل وَالْإِيمَان تدين بِحَق وَكِلَاهُمَا دين مُعْتَقد وَإِن صَحَّ أَحدهمَا وَبَطل الآخر وَرُبمَا ظن من تسلط بالسطوة من الْوُلَاة أَنه بالجور أقدر وأقهر وَأَن أَمْوَاله بالحيف أَكثر وأوفر وَيخْفى عَنهُ أَن الْجور مستأصل يقطع قَلِيل باطله كثير الْحق فِي الْأَجَل ثمَّ إِلَى زَوَال يكون الْمَآل فقد قيل فِي حكم الْفرس سِتَّة أَشْيَاء لَا ثبات لَهَا

стр. 183

ظلّ الْغَمَام وخلة الأشرار وَعشرَة النِّسَاء وَالثنَاء الْكَاذِب وَالسُّلْطَان الجائر وَالْمَال الْكثير وَقَالُوا إِن الْجور يرفع نَفسه وَعلة هَذَا صَحِيحَة لِأَن الْجور مدرسة ولايبقى مَعَ الدارس مَا يتَوَجَّه الْجور إِلَيْهِ وَالْعدْل ثَابت الْأُصُول نامي الْفُرُوع مكين القوانين فَهُوَ كالغرس فِي الأَرْض يَعْلُو شَجَره ويتوالى ثمره والجور ٤٠ آمستأصل لما أنشأه الْعدْل فَلَا يدع لَهُ أصلا ثَابتا وَلَا فرعا نابتا

стр. 184

ثمَّ الْإِنْصَاف استثمار وَالْعدْل استكثار فَيصير الْإِنْسَان بالإنصاف مستثمرا وبالعدل مستكثرا وَمَا نقص ملك من إنصاف وَلَا جاه من إسعاف وهما بالمزيد أَجْدَر وَفرق مَا بَين الْعدْل والإنصاف فِي الْحُقُوق الْخَاصَّة وَلَيْسَ يخرجَانِ بِهَذَا الْفرق من الِاشْتِرَاك فِي الْحق كَمَا أَن بِمثلِهِ يكون فرق مَا بَين الْجور والحيف وَلَا يمْنَع من الِاشْتِرَاك فِي الْبَاطِل وَقد قيل من عدل فِي سُلْطَانه اسْتغنى عَن أعوانه وَقَالَ جَعْفَر بن يحيى الْخراج عَمُود الْملك وَمَا استغزر المَال بِمثل الْعدْل وَمَا استنزر بِمثل الْجور

стр. 185

وَأما الانتصاف فَهُوَ اسْتِيفَاء الْحُقُوق الْوَاجِبَة واستخراجها بِالْأَيْدِي العادلة فَإِن فِيهِ قوام الْملك وتوفير أَمْوَاله وَظُهُور عزه وتشييد قَوَاعِده وَلَيْسَ فِي الْعدْل ترك مَال من وجهة وَلَا أَخذه من غير وجهة بل كلا الْأَمريْنِ عدل لَا استقامة للْملك إِلَّا بهما وكما أَن الانتصاف عدل فِي حُقُوق الْملك وَلما كَانَ الحيف فِي حُقُوق الرّعية قبيحا كَانَ الحيف فِي حُقُوق الْملك أقبح لِأَن يَده أَعلَى ونفع مَاله أَعم وَإِن لم ينتصف لعجز كَانَ ذَلِك من وهاء ملكه وَإِن لم ينتصف لإهمال كَانَ ذَلِك من ضعف سياسته وَإِن لم ينتصف لترك كَانَ ذَلِك من تبذيره وسرفه إِلَّا أَن يكون عفوا لموجب ينْدب إِلَى مثله لَا يخرج عَن قانون السياسة وَهُوَ مِنْهَا وَلَيْسَ بعام فيلام فَإِذا ذهبت الْأَمْوَال أَمْوَال الْملك بِأحد هَذِه الْأَسْبَاب القاطعة لمواده زَالَ عَنهُ الرَّجَاء وَاشْتَدَّ فِيهِ الطمع وَصَارَ على شفا جرف إِن صدعه خطب أَو قارعه ٤٠ ب ضد فتلجئه الْحَوَادِث إِذا ترك مَا يسْتَحق إِلَى أَن يَأْخُذ مَا لَا يسْتَحق فَيصير فِي التّرْك جائرا على ملكه

стр. 186

وَفِي الْأَخْذ جائرا على رَعيته فَلَا يَنْفَكّ فِي الْحَالين من أَن يكون خاطئا ملوما وجائرا مذموما قَالَ بعض البلغاء لَا يَسْتَغْنِي الْملك عَن الكفاة وَلَا الكفاة عَن الإفضال والإفضال عَن الْمَادَّة وَلَا الْمَادَّة عَن الْعدْل فالملك بِغَيْر الكفاة مختل والكفاة بِغَيْر الإفضال مسلطون والإفضال بِغَيْر الْمَادَّة مُنْقَطع وَإِنَّمَا يُقيم الْموَاد تسليط الْعدْل وَفِي تسليط الْعدْل حَيَاة الدُّنْيَا وبهاء الْملك وَفِي هَذَا التَّنْزِيل تَعْلِيل للعدل فَإِنَّهُ من قَوَاعِد الْملك

стр. 187

فَإنَّك لن تَجِد صلاحا كَانَ الْجور عِلّة وجوده وَلَا فَسَادًا كَانَ الْعدْل عِلّة ظُهُوره وَإِنَّمَا تجتذب الْعِلَل إِلَى الْأُصُول نظائرها شُرُوط استقامة الْملك بِهَذِهِ الْقَوَاعِد الْأَرْبَع ولاستقامة الْملك بِهَذِهِ الْقَوَاعِد الْأَرْبَع ثَلَاثَة شُرُوط أَحدهَا أَن يقف مِنْهَا على الْحَد الْمَقْصُود وَيَنْتَهِي فِيهَا إِلَى الْعرف الْمَعْهُود فَإِن تجَاوز فِيهَا مُسْرِفًا أَو مقصرا كَانَ باللوم جَدِيرًا فَإِن الزِّيَادَة فِي الرَّغْبَة صرع وَالزِّيَادَة فِي الرهبة سلاطة وَكَذَلِكَ النُّقْصَان مِنْهُمَا يكون على ضدهما وَالثَّانِي أَن يستعملها فِي موَاضعهَا وَلَا يعدل بالرغبة إِلَى مَوضِع الرهبة وَلَا يسْتَعْمل الرهبة فِي مَوضِع الرَّغْبَة فَيصير تَارِكًا للرغبة والرهبة وَقد تكلّف عناء ضَاعَت مغارمه وَبَطلَت مغانمه فَهُوَ كآكل الطَّعَام من الظمأ وشارب المَاء من المجاعة لَا يرتوي بِمَا أكل وَلَا يشْبع بِمَا شرب شرب

стр. 188

ثمَّ هُوَ على وَجل من ضَرَره وحذر من خطره وَقد أحسن المتنبي فِي قَوْله (وَوضع الندى فِي مَوضِع السَّيْف بالعلى ... ٤١ آمضر كوضع السَّيْف فِي مَوضِع الندى) // من الطَّوِيل // قَالَ بعض الْحُكَمَاء من سَكَرَات السُّلْطَان الرِّضَا عَن بعض من يسْتَوْجب السخط والسخط على بعض من يسْتَحق الرِّضَا

стр. 189

وَالثَّالِث أَن يترجى لَهَا زمانها ويتوقع إبانها حَتَّى لَا تضيع الرَّغْبَة والرهبة إِن قدمهما وَلَا يقر بِأَن آن آخرهما فَإِن فعل الشَّيْء فِي غير زَمَانه كصلاح الْمَرَض فِي غير أَوَانه لَا يَقع من الِانْتِفَاع موقعا وَلَا يكون الْعَمَل فِيهِ إِلَّا ضائعا وَقد قيل من أخر الْعَمَل عَن وقته فَلْيَكُن على ثِقَة من فَوته وليسير ذَلِك فِي وقته أَنْفَع من كَثِيره فِي غير وقته وَرُبمَا ضرّ كَمَا يستضر بالدواء فِي الصِّحَّة وَإِن كَانَ نَافِعًا فِي الْمَرَض وَإِذا صَادف بالرغبة زمانها وَوَافَقَ بالرهبة أوانها سعد بحزمه وحظي بعزمه وطبق مفاضل أغراضه وَبلغ كنه مُرَاده

стр. 190

الْفَصْل الثَّالِث وَالْعشْرُونَ تَهْذِيب الأعوان والحاشية سياسة الْملك بالأعوان والحاشية وليعلم الْملك أَنه لَا استقامة لَهُ ولرعيته إِلَّا بتهذيب أعوانه وحاشيته لِأَنَّهُ لَا يقدر على مُبَاشرَة الْأُمُور بِنَفسِهِ وَإِنَّمَا يَسْتَنِيب فِيهَا الكفاة من أَصْحَابه لِأَن سياسات الْمُلُوك مَقْصُورَة فِي مباشرتهم لَهَا على أَمريْن أَحدهمَا تَدْبِير أُمُور الْجُمْهُور بآرائهم وَالثَّانِي استنابة الكفاة فِي تنفيذها على أوامره وَمَا سوى ذَلِك فالأعوان هم كفلاء مباشرتها وزعماء الْقيام بأعوامها وَقد شبه المتقدمون السايس الْمُدبر للمملكة فِي السّلم وَالْحَرب بالطبيب الْمُدبر للجسد فِي حفظ الصِّحَّة وعلاج الْأَمْرَاض الْيَدَيْنِ فِي بطشهما بالجند والأعوان وَالرّجلَيْنِ بِالْكُرَاعِ ٤١ ب وَالظّهْر والعينين بالحجاب والحرس والأذنين بأصحاب الْبَرِيد وَالْأَخْبَار وَاللِّسَان فِي نطقه بالوزراء وَالْكتاب والأعضاء الْمُجَاورَة فِي الْقلب بحاشية الْملك على طبقاتهم فِي الْقرب والبعد وحاجة الْخَاصَّة للعامة فِي الِاسْتِخْدَام كحاجة الْأَعْضَاء الشَّرِيفَة إِلَى الَّتِي لَيست بشريفة لِأَن بعض الْأُمُور لبَعض سَبَب وعوام النَّاس لخواصهم عدَّة وَبِكُل صنف مِنْهُم إِلَى الآخر حَاجَة

стр. 191

وَإِذا كَانَ أعوانه مِنْهُ بِمَنْزِلَة أَعْضَائِهِ الَّتِي لَا قوام للجسد إِلَّا بهَا وَلَا يقدر على التَّصَرُّف إِلَّا بِصِحَّتِهَا واستقامتها وَجب عَلَيْهِ تَقْوِيم عوجهم وَإِصْلَاح فاسدهم ليستقيموا فيستقيم الْملك بهم كَمَا لَا تستقيم أَفعاله إِلَّا باستقامة أَعْضَائِهِ من جسده قَالَ النَّبِي ﷺ (العينان دليلان والأذنان قمعان وَاللِّسَان ترجمان وَالْيَدَانِ جَنَاحَانِ والكبد رَحْمَة وَالطحَال ضحك والرئة نفس والكليتان مكر وَالْقلب ملك فَإِذا صلح الْملك صلحت رَعيته وَإِذا فسد الْملك فَسدتْ رَعيته) فتشابهت أعضاؤه فِي حق نَفسه بحواشيه فِي حق ملكه وَمن لم يستقم مِنْهُم من عوجه بعد التَّقْوِيم وَلَا كف عَن زيغة بعد التَّهْذِيب كَانَ إبعاده مِنْهُم أسلم لبَقيَّة أعوانه كالسلع الَّتِي تقطع من الْجَسَد قَالَ أبرويز من اعْتمد على كفاة السوء لم يخل من رَأْي فَاسد وَظن كَاذِب وعدو غَالب

стр. 192

أصل مَا يبْنى عَلَيْهِ قَاعِدَة أمره فِي اختيارهم وأصل مَا يبْنى عَلَيْهِ قَاعِدَة أمره فِي اخْتِيَار أعوانه وكفاته أَن يختبر أهل مَمْلَكَته ويسبر جَمِيع حَاشِيَته بتصفح عُقُولهمْ وآرائهم وَمَعْرِفَة هممهم وأخلاقهم حَتَّى يعرف بِهِ ٤٢ آباطن سرائرهم وَمَا يلائم كامن شيمهم فَإِنَّهُ سيجد طباعهم مُخْتَلفَة وهممهم متباينة ومننهم متفاضلة وَقد قيل الهمة رائد الْجد فَيصْرف كل وَاحِد مِنْهُم فَمَا طبع عَلَيْهِ من خلق وتكاملت فيهم الْآلَة وتخصصت بِهِ من همة فَهِيَ أَحْوَال ثَلَاث يجب اعْتِبَارهَا فِي كل مستكف وَهِي الْخلق والكفاية والهمة فَلَا يُعْطي أحدهم منزلَة لَا يَسْتَحِقهَا لنَقص أَو خلل وَلَا يستكفيه أَمر ولايتة وَلَا ينْهض بهَا لعجز أَو فشل فَإِنَّهُم آلَات الْملك فَإِذا اختلت كَانَ تأثيرها مختلا وفعلها مُعْتَلًّا

стр. 193

قيل لبزرجمهر كَيفَ اضْطَرَبَتْ أُمُور آل ساسان وَفِيهِمْ مثلك قَالَ لأَنهم استعانوا بأصاغر الْعمَّال على أكَابِر الْأَعْمَال فآل أَمرهم إِلَى مَا آل وَقيل فِي منثور الحكم من اسْتَعَانَ بأصاغر رِجَاله على أكَابِر أَعماله فقد ضيع الْعَمَل وأوقع الْخلَل وَقيل من استوزر غير كَاف خاطر بِملكه وَمن اسْتَشَارَ غير أَمِين أعَان على هلكه وَمن أسر إِلَى غير ثِقَة ضيع سره وَمن اسْتَعَانَ بِغَيْر مُسْتَقل أفسد أمره وَمن ضيع عَاقِلا دلّ على ضعف عقله وَمن اصْطنع جَاهِلا أعرب عَن فرط جَهله

стр. 194

قَالَ عبيد الله بن عبد الله بن طَاهِر (لَا بُد للشاة من رَاع يدبرها ... فَكيف بِالنَّاسِ إِن كَانُوا بِلَا وَال) (وَإِن أضيف إِلَى الأذناب أَمرهم ... دون الرؤوس فهم فِي حَال إهمال) // من الْبَسِيط // وكما أَنه لَا يزِيد أحدهم على قدر اسْتِحْقَاقه فَكَذَلِك لَا ينقصهُ عَن الْمنزلَة الَّتِي يَسْتَحِقهَا بكفايته ويستوجبها بِكَمَال آلَته ويترقى إِلَيْهَا بعلو همته فتضاع كِفَايَته وَتبطل ٤٢ ب آلَته فَيصير لأنفه من عمله متهاونا وباستقلاله واحتقاره متوانيا فيختل الْعَمَل بِكَمَالِهِ كَمَا اخْتَلَّ عمل الْعَاجِز بنقصه فَيصير الْكَمَال فِيهِ نقصا فِي عمله والكفاية فِيهِ عَجزا فِي نظره وَإِذا وَافق بهم قدر استحقاقهم فصرف أكَابِر الْعمَّال فِي أكَابِر الْأَعْمَال وأصاغرهم فِي أصاغرها اسْتَقَلت أَعماله واستقام عمله وَإِن خَالف فالخلل بالأمرين وَاقع وَكِلَاهُمَا بِالْعَمَلِ مُضر وبالسياسة معر وتدبير هَذَا على امتيازه حَتَّى يُوَافق قدر اسْتِحْقَاقه صَعب إِلَّا على من كَانَ صائب الفكرة حسن الفطنة صَادِق الفراسة ثمَّ ساعده الْقَضَاء فِي تَقْدِيره وأعانه التَّوْفِيق فِي تَدْبيره وَإِن كَانَ تَقْدِير الحظوظ بِحَسب الْفَضَائِل متعذرا وَإِنَّمَا هِيَ أَقسَام جرها قدر محتوم وساقها حَظّ مقسوم قَالَ بزرجمهر يجب للعاقل أَن لَا يجزع من جفَاء الْوُلَاة وتقديمهم الْجُهَّال عَلَيْهِ

стр. 195

إِذا كَانَت الْأَقْسَام لم تُوضَع على قدر الأخطار وَإِن حكم الدُّنْيَا أَن لَا تُعْطى أحدا مَا يسْتَحقّهُ لَكِن تزيده أَو تنقصه وليحذر الْملك تَوْلِيَة أحد بشفاعة شَفِيع أَو لرعاية حُرْمَة إِذا لم يكن مضطلعا بثقل مَا ولي وَلَا ناهضا بعبء مَا استكفي فيختل الْعَمَل لعجز عَامله ويفتضح الْعَامِل بانتشار عمله فَيصير الحزم بهما مضاعا والهوى فيهمَا مُطَاعًا وليقض حُقُوق الْحُرْمَة بأمواله فِي معونتهم وتقريبهم ومنزلتهم ففيهما حفاظ وأجزاء وَقد سلمت أَعماله من خلل الْعَجز وضياع التَّقْصِير قَالَ بعض الْحُكَمَاء من قلد لذِي الرِّعَايَة نَدم وَمن قلد لذِي الْكِفَايَة سلم قيل فِي ٤٣ آحكم الْفرس

стр. 196

لَا تستكفين مخدوعا عَن عقله والمخدوع من بلغ بِهِ قدرا لَا يسْتَحقّهُ أَو أثيب ثَوابًا لَا يستوجبه وعَلى هَذَا الِاعْتِبَار لَا يُورث الْأَبْنَاء منَازِل الْآبَاء إِذا لم يتناسبوا فِي الطباع كَمَا لَا يَرث الأشرار مَرَاتِب الأخيار وَلَا يسْتَعْمل فِي الكتبة من كَانَ أَبوهُ كَاتبا إِذْ كَانَ هُوَ غير كَاتب فَإِن أحب مُكَافَأَة وَاحِد من هَؤُلَاءِ لحقوق آبَائِهِم كافأه بِمَا قدمْنَاهُ من المَال والتقريب دون الْولَايَة والتقليد ليَكُون قَاضِيا لحقوقهم بِمَالِه وَلَا يكون قَاضِيا لحقوقهم بِملكه حُكيَ أَنه كَانَ على بَاب كسْرَى ساجة عَلَيْهَا مَكْتُوب الْعَمَل للكفاة وَقَضَاء الْحُقُوق على بيُوت الْأَمْوَال وَمن رَآهُ قد تصدى للمعالي وَلَيْسَ من أَهلهَا وَقد تطاول للرتب وَلم يؤهل لَهَا فَلَا بَأْس باستكفائه إِذْ كَانَ على مَا تصدى لَهُ مطبوعا وَلما

стр. 197

تطاول لَهُ مُسْتَحقّا إِذا نهزته الهمة وساعدته الْآلَة فَلَا سَبِيل إِلَى نجباء الْأَوْلَاد نجباء على الْأَبَد وَقد قيل من فَاتَهُ حسب نَفسه لم يَنْفَعهُ حسب أَبِيه وعير رجل سقراط بنسبه فَقَالَ سقراط نسبك إِلَيْك انْتهى ونسبي مني ابتدا قَالَ أَبُو تَمام الطَّائِي (إِذا مَا شِئْت حسن الْعلم ... مِنْك بِصَالح الْأَدَب) (فَمِمَّنْ شِئْت كن فَلَقَد ... فلحت بأكرم النّسَب) (فنفسك قطّ أصلحها ... وَدعنِي من قديم أَب) // من الوافر // وَحكي فِي سيرة الأكاسرة أَن بعض مُلُوكهمْ مر بِغُلَام يَسُوق حمارا غير منبعث وَهُوَ يعنف عَلَيْهِ بِالسوقِ فَقَالَ ياغلام أرْفق بِهِ فَقَالَ أَيهَا الْملك فِي الرِّفْق بِهِ مضرَّة عَلَيْهِ وَفِي العنف بِهِ إِحْسَان إِلَيْهِ

стр. 198

قَالَ ٤٣ ب وَمَا فِي الرِّفْق بِهِ من الْمضرَّة قَالَ يطول طَرِيقه ويشتد جوعه قَالَ وَمَا فِي العنف من الْإِحْسَان قَالَ يخف حمله وَيطول أكله فأعجب الْملك بِكَلَامِهِ قَالَ قد أمرت لَك بِأَلف دِرْهَم قَالَ رزق مَقْدُور وواهب مأجور قَالَ وَقد أمرت بِإِثْبَات اسْمك فِي حشمي قَالَ كفيت مؤونة وَرزقت مَعُونَة قَالَ وَلَوْلَا أَنَّك حدث السن لاستوزرتك قَالَ لن يعْدم الْفضل من رزق الْعدْل قَالَ فَهَل تصلح ذَلِك قَالَ إِنَّمَا يكون الْحَمد والذم بعد التجربة وَلَا يعرف الْإِنْسَان نَفسه حَتَّى يبلوها فاستوزره فَوَجَدَهُ ذَا رَأْي صَلِيب وَفهم رحيب ومشورة تقع مواقع التَّوْفِيق ولقل مَا يتكامل للْملك الظفر بكفاة أَعماله لِكَثْرَة الْأَعْمَال وَقلة الكفاة

стр. 199

فَإِذا ظفر بِذِي الْكِفَايَة لمنصب اغتنمها وَلم يعطلها وَأَن اسْتغنى فِي الْحَال عَنْهَا فَإِنَّهُ لَا يدْرِي مَتى يحْتَاج إِلَيْهَا ليَكُون ذخْرا لِحَاجَتِهِ ومعدا لطوارقه كَمَا لَا يضيع أَمْوَاله إِذا اسْتغنى عَنْهَا ويعدها ذخْرا للْحَاجة والكفاة أعوز من الْأَمْوَال وَالْأَمْوَال أوجد من الكفاة وبهم تجتذب الْأَمْوَال وتستجر الْأَعْمَال وَإِن ترَاد الْأَعْمَال للكفاة دون النّسَب وَإِن كَانَت الْكِفَايَة هِيَ النّسَب وَحسب صَاحبهَا مَا يبلغ بهَا إِذا ساعده الْجد وَإِن كَانَت الْكِفَايَة من الْجد قيل فِي منثور الحكم من عَلامَة الإقبال اصطناع الرِّجَال وَإِن نفرت النُّفُوس من هجوم رتبته وَلم تذعن بالانقياد لطاعته وطنت لَهُ النُّفُوس بتدريجه فِيهَا إِلَى رُتْبَة بعد رُتْبَة حَتَّى تصل إِلَى الْكِفَايَة من أقرب مراقيها فَلَا تنفر مِنْهُ النُّفُوس إِذا ٤٤ آرقاها وَلَا تقف عَن الطَّاعَة لَهُ إِذا علاها ليَكُون على عمله معانا وَالْعَمَل بتدريجه فِيهِ مصانا فَمَا أحد يحم إِلَّا عَن غمض وَلَا ارْتَفع إِلَّا عَن خفض وَلَا يقدم إِلَّا من تَأْخِير وَلَا كمل إِلَّا عَن تَقْصِير وَمن خبر الزَّمَان لم يستجهل أخباره وَلم يستهول آثاره وَقد قَالَ النَّبِي ﷺ (النَّاس بأزمنتهم أشبه)

стр. 200

من يتفقدهم الْملك من أعوانه وبالملك أَشد الْحَاجة إِلَى أَن يتفقد أَربع طَبَقَات لَا يَسْتَغْنِي عَن تفقد أَحْوَالهم بِنَفسِهِ لأَنهم عماد مَمْلَكَته وقواعد دولته ليستكفيهم وَهُوَ على ثِقَة من سدادهم وأمانتهم ويستعملهم بعد علمه بكفايتهم وشهامتهم فالطبقة الأولى الوزراء لأَنهم خلفاؤه فِي سُلْطَانه وسفراؤه فِي أعوانه وشركاؤه فِي تَدْبيره وأمناؤه على أسراره ثمَّ لَهُم مزية الِاسْتِيلَاء والتفويض لِأَن على ألسنتهم تظهر أَقْوَاله وعَلى أَيْديهم تصدر أَفعاله فَإِذا باشروا عَنهُ الْأُمُور عَاد عَلَيْهِ خَيرهَا وشرها وَكَانَ لَهُ نَفعهَا وضرها وَبَقِي عَلَيْهِ صفوها وكدرها فَإِن أَحْسنُوا نسب إِلَيْهِ إحسانهم وَإِن أساءوا أضيفت إِلَيْهِ مساوئهم فَيصير بإحسانهم مَحْمُودًا وبإساءتهم مذموما وبسدادهم مشكورا وبالتوائهم موتورا يخفي صَلَاحه بفسادهم وَيبْطل عدله بجورهم ويقل خَيره بشرهم مَعَ عظم الضَّرَر الدَّاخِل على مَمْلَكَته

стр. 201

والقدح الموهن لدولته والخلل الْعَائِد على رَعيته فَهُوَ وَملكه مَعَهم على استقامة مَا استقاموا وعَلى اختلال إِذا فسدوا قَالَ النَّبِي ﷺ (إِذا أَرَادَ الله بِالْملكِ خيرا جعل لَهُ وَزِير صدق إِن نسي ذكره وَإِن ذكر أَعَانَهُ وَإِذا أَرَادَ بِهِ ٤٤ ب غير ذَلِك جعل لَهُ وَزِير سوء إِن نسي لم يذكرهُ وَإِن ذكر لم يعنه) ووصى سَابُور بن أردشير ابْنه فِي عَهده فَقَالَ ليكن وزيرك مَقْبُول القَوْل عنْدك مكين الْمحل من نَفسك يمنعهُ مَكَانَهُ مِنْك من الضراعة إِلَى غَيْرك حَتَّى تبعثه بك إِلَى مَحْض النَّصِيحَة لَك والتجريد فِي منابذة عَن عنتك أَو نقض عهد حَقك وَذكر حكماء الْملك من صِفَات اختباره أَن يكون وافر الْعقل سليم الطَّبْع أديب النَّفس معتدل الْأَخْلَاق مُنَاسِب الْأَفْعَال عالي الهمة قوي الْمِنَّة سريع البديهة مَقْبُول الصُّورَة جزل الرَّأْي صائب الفكرة كثير التجربة شَدِيد النزاهة قَلِيل الشرة حسن التَّدْبِير تَامّ الصِّنَاعَة

стр. 202

وَهَذِه أَوْصَاف كَمَال يوفق الله تَعَالَى لَهَا من شَاءَ ويسعد بهَا من الْمُلُوك من أحب والطبقة الثَّانِيَة الْقُضَاة والحكام الَّذين هم مَوَازِين الْعدْل وتفويض الحكم إِلَيْهِم وحراس السّنة باتباعها فِي أحكامهم وبهم ينتصف الْمَظْلُوم من الظَّالِم فِي رد ظلامته والضعيف من الْقوي فِي اسْتِيفَاء حَقه فَإِن قل ورعهم وَكثر طمعهم فأماتوا السّنة بِأَحْكَام مبتدعة وأضاعوا الْحُقُوق بأهواء متبعة فَكَانَ قدحهم فِي الدّين أعظم من قدحهم فِي المملكة وإضرارهم بالمملكة فِي إبِْطَال الْعدْل أعظم من إضرارهم بالمتحاكمين إِلَيْهِم فِي إبِْطَال الْحق وَقد قيل من أقبح الْأَشْيَاء سخف الْقُضَاة وظلم الْوُلَاة وَقَالَ أنوشروان مَا عدل من جارت قُضَاته وَلَا صلح من فَسدتْ كفاته وَالَّذِي تَقْتَضِيه السياسة فِي اختيارهم بعد الشُّرُوط الْمُعْتَبرَة فيهم بِالشَّرْعِ أَن يكون القَاضِي حسن الْعَلَانِيَة مَأْمُون السريرة كثير الْجد

стр. 203

قَلِيل الْهزْل شَدِيد الْوَرع قَلِيل الطمع قد صرفته القناعة عَن الضراعة ومنعته النزاهة من الشرة ٤٥ آوكفه الصَّبْر عَن الضجر وصده الْعدْل عَن الْميل يَسْتَعِين بدرسه على علمه وبمذاكرته على فهمه لطيف الفطنة جيد التَّصَوُّر مجانبا للشبه بَعيدا من الريب يشاور فِيمَا أشكل ويتأنى فِيمَا أعضل فَلَا معدل عَمَّن تكاملها وَلَا رَغْبَة فِيمَن أخل بهَا والطبقة الثَّالِثَة أُمَرَاء الأجناد الَّذين هم أَرْكَان دولته وحماة مَمْلَكَته والذابون عَن حَرِيم رَعيته والمالكون أَعِنَّة أجناده والعاطفون بهم على صدق نصرته وموالاته فَإِن استقامت لَهُ هَذِه الطَّبَقَة استقام لَهُ جَمِيع أعوانه وَإِن اضْطَرَبَتْ عَلَيْهِ فسد نظام تَدْبيره مَعَ سَائِر أجناده لأَنهم إِلَى طَاعَة أمرائهم أسْرع وَلقَوْل زعمائهم أطوع فَإِن خَافَ سطوة من بِهِ يَسْطُو وَلم يَأْمَن جَانب من بِهِ ينجو كَانَ بِملكه مغررا وبنفسه مخاطرا وَقيل إِن الْوَفَاء لَك بِقدر الْجَزَاء مِنْك وَالْمُعْتَبر فيهم النجدة وَالْحمية وَالْوَفَاء والمودة وَظُهُور الطَّاعَة مِنْهُم وَلَهُم ليكونوا بطاعتهم منقادين وبالطاعة لَهُم قائدين

стр. 204

والطبقة الرَّابِعَة عُمَّال الْخراج الَّذين هم جباة الْأَمْوَال وعمار الْأَعْمَال والوسائط بَينه وَبَين رَعيته فَإِن نصحوه فِي أَمْوَاله وَعدلُوا فِي أَعماله توفرت خزائنه بسعة الدخل وعمرت بِلَاده ببسط الْعدْل وَقد قيل فَضِيلَة السُّلْطَان عمَارَة الْبلدَانِ وَإِن خانوه فِي مَا اجتنبوه من أَمْوَاله وجاروا فِي مَا تقلدوه من أَعماله نقصت مواده وَخَربَتْ بِلَاده وَتغَير عَلَيْهِ لقلَّة دخله أعوانه وأجناده وتولد مِنْهُ مَا يكون مَحل فَسَاد قَالَ بعض الْعلمَاء ٤٥ ب ظلم الْعمَّال ظلمَة الْأَعْمَال وَحكي أَن الْمَأْمُون جلس ذَات يَوْم وأحضر الْعمَّال فقبلهم أَعمال السوَاد واحتاط فِي الْعُقُود فَلَمَّا فرغ قَامَ إِلَيْهِ بعض قُضَاته فَقَالَ

стр. 205

يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن الله قد دَفعهَا إِلَيْك أَمَانَة فَلَا تخرجها من يدك قبالة فَقَالَ صدقت وَفسخ ذَلِك وَإِنَّمَا أَرَادَ القَاضِي أَن تَقْبِيل الْأَعْمَال ذَرِيعَة إِلَى تحكم الْعمَّال وتحكمهم سَبَب لخراب الْأَعْمَال فَتنبه الْمَأْمُون على مُرَاده وَعمل بِرَأْيهِ وَالْمُعْتَبر فِي أخيارهم أَن يكون فيهم إنصاف وانتصاف وَعمارَة وخبرة ونزاهة لتدر أَمْوَال الرّعية وتتوفر أَمْوَال السلطنة والطبقة الْخَامِسَة من يستخدمهم فِي شؤونه الْخَاصَّة وَهَا هُنَا طبقَة أُخْرَى يجب أَن يتفقد أَحْوَالهم بِنَفسِهِ غير أَنهم يختصون بحراسة نَفسه لَا بسياسة ملكه وهم الَّذين يستخدمهم فِي مطعمه

стр. 206

ومشربه وملبسه وَمن يقرب مِنْهُ فِي خلوته فَإِنَّهُم حصنه من الْأَعْدَاء وجنته من الأسواء وَقد اخْتَار حكماء الْمُلُوك أَن لَا يستخدموا فِي مثل هَذِه الْحَال إِلَّا أحد ثَلَاثَة إِمَّا من تربى مَعَ الْملك وألفه وَإِمَّا من رباه الْملك على أخلاقه وَإِمَّا من ربى الْملك فِي حجره فَإِن هَؤُلَاءِ أهل صدق فِي موالاته ونصح فِي خدمته وعلو فِي حفاظه وحياطته وَمن أجل ذَلِك وَجب أَن يكون إحسانه إِلَيْهِم أفضل وتفضله عَلَيْهِم أظهر ويتولى فعل ذَلِك بِنَفسِهِ وَلَا يكل مُرَاعَاتهمْ إِلَى غَيره كَمَا لم يكل مراعاته إِلَى غَيرهم حَتَّى لَا يلجئهم إِلَى من يجتذب قُلُوبهم بِنَفَقَتِهِ فِيمَا يلوه وَيكون من تقلبهم على عرض وَمن تنكرهم على خطر فقد قيل فِي سالف الحكم ٤٦ آ لَيْسَ من استكره نَفسه فِي حظك كمن كَانَ حَظه فِي طَاعَتك تفقده لمن سوى هَؤُلَاءِ ثمَّ يتفقد فِي من سوى هَذِه الطَّبَقَات بِحَسب مَنَازِلهمْ من خدمته فقد قيل

стр. 207

من قضيت واجبه أمنت جَانِبه وَليكن اعتناؤه بمراعاته من استبطنه مِنْهُم أَكثر ليكونوا أخيارا مهذبين وأصفياء مأمونيين فَيسلم من مَكْرهمْ ويأمن من شرهم فقد رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ (مَا بعث الله من نَبِي وَلَا اسْتخْلف من خَليفَة إِلَّا كَانَت لَهُ بطانتان بطانة تَأمره بِالْخَيرِ وتحضه عَلَيْهِ وبطانة تَأمره بِالشَّرِّ وتحضه عَلَيْهِ والمعصوم من عصمه الله تَعَالَى) وَيمْنَع كل أحد من أعوانه أَن يتَجَاوَز قدر رتبته أَو يتَعَدَّى إِلَى غير عمله فَيكون بِعَمَلِهِ مُنْفَردا وعَلى رتبته مُقْتَصرا وَرُبمَا دلّ بَعضهم بحظوة نالها فتخطى بهَا إِلَى غير عمله وَتجَاوز بهَا قدر رتبته ثِقَة بِحسن رَأْي الْملك فِيهِ وتعويلا على مَكَانَهُ مِنْهُ وَقد رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ (مَا هلك امْرُؤ عرف قدره فانتشر بجناح مهيض وزاحم بجسد مَرِيض)

стр. 208

فَلَا يلبث أَن يهْبط سَرِيعا أَو يخط صَرِيعًا بعد مضرَّة إفراطه وهجنة انبساطه وَكَذَا عَاقِبَة من عدل طوره وَجَهل قدره ثمَّ قد اخْتلفت بِهِ الرتب حَتَّى هَانَتْ واعتلت بِهِ المملكة حَتَّى لانت فَصَارَ عزها مسكونا وملكها متهونا من يحذر الْملك أَن يجعلهم فِي بطانته وليحذر الْملك أَن يستبطن أَو يسترسل إِلَى أحد من عدد معاينهم مفترقة وأحكامهم متفقة بالأعداء المباينين أشبه مِنْهُم بالأعوان المساعدين فَإِن صرعة الاسترسال لَا تقال

стр. 209

أحدهم ٤٦ ب شرير مظَاهر بِالْخَيرِ لِأَنَّهُ ذُو نفاق ومكر وَالثَّانِي مطرح للدّين والمراقبة لِأَنَّهُ قَلِيل الْوَفَاء سريع الْغدر وَالثَّالِث حرص شَره لِأَنَّهُ ينبى باليسير ويطمع فِي التافه الحقير وَالرَّابِع مضرور ذُو فاقة فَإِنَّهُ لَا يصفو لمن لَا يجر فاقته ويسد خلته وَالْخَامِس محطوط عَن رُتْبَة بلغَهَا أَو مَمْنُوع من حُقُوق استوجبها وَهُوَ ساخط متنكر وَالسَّادِس مهَاجر بذنب لم يعف عَنهُ وَلم ينْتَقم مِنْهُ فَهُوَ خَائِف حذر وَالسَّابِع مذنب مَعَ جمَاعَة عُفيَ عَنْهُم وعوقب فَصَارَ موتورا وَالثَّامِن محسن مَعَ جمَاعَة جوزوا وَمنع فَصَارَ محروما وَالتَّاسِع ذُو كفاءة من حسدة وأعداء قدمُوا عَلَيْهِ وَأخر فَصَارَ حنقا والعاشر مستضر بِمَا ينفعك أَو منتفع بِمَا يَضرك فَلَا يكون إِلَّا مباينا وَالْحَادِي عشر من كَانَ لعدوك أَرْجَى مِنْهُ لَك فَيكون لعدوك ممايلا وَالثَّانِي عشر من بغى عَلَيْهِ أعداؤه فسوعدوا عَلَيْهِ فتنتقل عداوته إِلَى من صَار لَهُ مساعدا فَلَا حَظّ للْملك فِي استكفاء أحدهم وَلَا أَقَاربه إِن هزته الرتب ولزته النوائب كَانَ بَين مراقبة مختلس أَو مواثبة مفترس

стр. 210

وليحذر الْملك من استدنائهم فَإِنَّهُ مَعَهم على خطر من اغتيال أَو احتيال قَالَ حَكِيم الرّوم يَنْبَغِي للْملك أَن يصرف حذره إِلَى الأشرار واستنامته إِلَى الأخيار فَإِن زَالَت أَسبَاب الحذر وعادوا إِلَى أَحْوَال السَّلامَة صَارُوا كأهلها فِي جَوَاز الاستكفاء والاصطناع فَلَيْسَ الْمَأْمُون أَن يصلح الْفَاسِد كَمَا لَيْسَ بمأمون أَن يفْسد الصَّالح وللعلل نتائج يرْتَفع معلولها ٤٧ آبزوال تعليلها ونتائج الأضداد متباينة وَقد قيل فِي منثور الحكم من حسن صفاؤه وَجب اصطفاؤه قَالَ الشَّاعِر (وَقد تقلب الْأَيَّام حالات أَهلهَا ... وتعدو على أَسد الرِّجَال الثعالب) // من الطَّوِيل //

стр. 211

وَإِذا اكْتفى من استكفاه اقْتصر وَلم يستكثر فحسبه فِي الْعَمَل من كَفاهُ فَمَا فِي الاستكثار بعد الِاكْتِفَاء إِلَّا مَال مضاع وسر مذاع وكلا الْأَمريْنِ خلل وزلل قَالَ بعض البلغاء لَيْسَ الْعَمَل بِكَثْرَة الإخوان وَلَكِن بِصَالح الأعوان وَإِن وجد كَافِيا وَلم يجد عملا لاستيلاء الكفاة على الْأَعْمَال تمسك بِهِ وَلم يهمله وراعاه بِقدر كِفَايَته وادخره لوقت حَاجته فَلَا غنى بِالْملكِ عَن ادخار أعوان يعدهم لما يطغى ويستظهر بهم على من استكفى حَتَّى لَا تفجأه الْحَاجة وأعوانها متعذرون وَيَكْفِي أَن يسترسل أَو يدل عَلَيْهِ الناظرون فَإِذا ادخر الْأَمْوَال لنوائب الْملك كَانَ ادخار الأعوان أَحَق لتماثل الْأَمْوَال وتفاضل الأعوان

стр. 212

الْفَصْل الرَّابِع وَالْعشْرُونَ أَشد مَا يمنى بِهِ الْملك فِي سياسة ملكه وَأَشد مَا يمنى بِهِ الْملك فِي سياسة ملكه شَيْئَانِ أَحدهمَا أَن يفْسد عَلَيْهِ الزَّمَان وَالثَّانِي أَن يتَغَيَّر عَلَيْهِ الأعوان فَسَاد الزَّمَان فَأَما فَسَاد الزَّمَان فنوعان نوع حدث عَن أَسبَاب إلهية وَنَوع حدث عَن عوارض بشرية مَا حدث عَن أَسبَاب إلهية فَأَما الْحَادِث عَن الْأَسْبَاب الإلهية فَيجب أَن يقابلها الْملك بأمرين أَحدهمَا إصْلَاح سَرِيرَته وسرائر رَعيته فقد رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ (إِذا جارت الْوُلَاة قحطت السَّمَاء)

стр. 213

وَقَالَ عَليّ بن أبي طَالب ﵁ من حاول أمرا بِمَعْصِيَة الله كَانَ أبعد لما رجا وَأقرب لمجيء مَا اتَّقى وَالثَّانِي ٤٧ ب أَن يتطامن لَهَا إِذا طرقت ويتلطف فِي تلاقيها إِذا هجمت حَتَّى تنجلي عَنهُ وَهُوَ سليم من لفحتها معَان فِي شدتها فَمَا عَن أقضية الله صَاد وَلَا عَن أوامره راد فالسلم فِيهَا أسلم ودفاع الله عَنْهَا أقوم وجد فِي عضد الْإِسْكَنْدَر صحيفَة فِيهَا مَكْتُوب قلَّة الاسترسال إِلَى الدُّنْيَا أسلم والاتكال على الْقدر أروح وَعند حسن الظَّن تقر الْعين

стр. 214

وَقد قيل فِي منثور الحكم لَا تجهدن فِي مَا لَا دَرك فِيهِ تربح التَّعَب وادحض الْبُخْل وَإِلَّا كنت خَازِن غَيْرك وَلَا تدخرن المَال لبعل عرسك وَلَا تظهرن إِنْكَار مَا لَا عدَّة مَعَك لدفعه وَلَا يلهينك قدره عَن كيد وحيلة قَالَ الشَّاعِر (مَا للرِّجَال مَعَ الْقَضَاء تحيل ... ذهب الْقَضَاء بحيلة الْمُحْتَال) // من الْكَامِل // مَا حدث عَن الْعَوَارِض البشرية وَأما الحادثات عَن الْعَوَارِض البشرية من أَفعَال الْعباد فَهِيَ الَّتِي يساس فَسَادهَا بالحزم حَتَّى تنحسم وبالاجتهاد حَتَّى تنتظم فَلَيْسَ ينشأ الْفساد إِلَّا عَن أَسبَاب خَارِجَة عَن الْعدْل والاقتصاد وَلَا تنحسم إِلَّا بحسم أَسبَابهَا

стр. 215

قَالَ الشَّاعِر (وقلما يفجأ الْمَكْرُوه صَاحبه ... إِذا رأى لوجوه الشَّرّ أسبابا) // منالبسيط // فيراعي الْملك سَبَب الْفساد فَإِن كَانَ حَادِثا عَن شدَّة وعسف وعنف حسمه باللين واللطف وَإِن حدث عَن لين وَضعف حسمه بالشدة والعنف وَكَذَلِكَ مَا عداهما من الْأَسْبَاب تنحسم بأضدادها فَإِن حسم الدَّاء بضده من الدَّوَاء فقد قَالَ الشَّاعِر (فَالنَّار بِالْمَاءِ الَّذِي هُوَ ضدها ... تُعْطِي النضاج وطبعها الإحراق) // من الْكَامِل // وَرُبمَا اخْتلفت الْأَسْبَاب لامتزاج أَنْوَاع الْفساد فتحسم الْأَسْبَاب المتنوعة بأضداد متنوعة كَمَا تعالج الْأَمْرَاض المضادة بأدوية متضادة فيستخرج حسم كل فَسَاد من سَببه وَمَا يصعب من هَذِه السياسة إِلَّا معرفَة الْأَسْبَاب فَإِذا عرفهَا وقف على الصَّوَاب وَإِن أشكلت عَلَيْهِ الْتبس عَلَيْهِ الصَّوَاب فتاه عَن قَصده وَذهل عَن رشده قَالَ الشَّاعِر ٤٨ آ // من الطَّوِيل //
следующие страницы →