Полный текст (288 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
وَإِذا اكْتفى من استكفاه اقْتصر وَلم يستكثر فحسبه فِي الْعَمَل من كَفاهُ فَمَا فِي الاستكثار بعد الِاكْتِفَاء إِلَّا مَال مضاع وسر مذاع وكلا الْأَمريْنِ خلل وزلل
قَالَ بعض البلغاء
لَيْسَ الْعَمَل بِكَثْرَة الإخوان وَلَكِن بِصَالح الأعوان
وَإِن وجد كَافِيا وَلم يجد عملا لاستيلاء الكفاة على الْأَعْمَال تمسك بِهِ وَلم يهمله وراعاه بِقدر كِفَايَته وادخره لوقت حَاجته فَلَا غنى بِالْملكِ عَن ادخار أعوان يعدهم لما يطغى ويستظهر بهم على من استكفى حَتَّى لَا تفجأه الْحَاجة وأعوانها متعذرون وَيَكْفِي أَن يسترسل أَو يدل عَلَيْهِ الناظرون
فَإِذا ادخر الْأَمْوَال لنوائب الْملك كَانَ ادخار الأعوان أَحَق لتماثل الْأَمْوَال وتفاضل الأعوان
стр. 212
الْفَصْل الرَّابِع وَالْعشْرُونَ أَشد مَا يمنى بِهِ الْملك فِي سياسة ملكه
وَأَشد مَا يمنى بِهِ الْملك فِي سياسة ملكه شَيْئَانِ
أَحدهمَا أَن يفْسد عَلَيْهِ الزَّمَان
وَالثَّانِي أَن يتَغَيَّر عَلَيْهِ الأعوان
فَسَاد الزَّمَان
فَأَما فَسَاد الزَّمَان فنوعان
نوع حدث عَن أَسبَاب إلهية
وَنَوع حدث عَن عوارض بشرية
مَا حدث عَن أَسبَاب إلهية
فَأَما الْحَادِث عَن الْأَسْبَاب الإلهية فَيجب أَن يقابلها الْملك بأمرين
أَحدهمَا إصْلَاح سَرِيرَته وسرائر رَعيته
فقد رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ
(إِذا جارت الْوُلَاة قحطت السَّمَاء)
стр. 213
وَقَالَ عَليّ بن أبي طَالب ﵁
من حاول أمرا بِمَعْصِيَة الله كَانَ أبعد لما رجا وَأقرب لمجيء مَا اتَّقى
وَالثَّانِي ٤٧ ب أَن يتطامن لَهَا إِذا طرقت ويتلطف فِي تلاقيها إِذا هجمت حَتَّى تنجلي عَنهُ وَهُوَ سليم من لفحتها معَان فِي شدتها فَمَا عَن أقضية الله صَاد وَلَا عَن أوامره راد فالسلم فِيهَا أسلم ودفاع الله عَنْهَا أقوم
وجد فِي عضد الْإِسْكَنْدَر صحيفَة فِيهَا مَكْتُوب
قلَّة الاسترسال إِلَى الدُّنْيَا أسلم والاتكال على الْقدر أروح وَعند حسن الظَّن تقر الْعين
стр. 214
وَقد قيل فِي منثور الحكم
لَا تجهدن فِي مَا لَا دَرك فِيهِ تربح التَّعَب وادحض الْبُخْل وَإِلَّا كنت خَازِن غَيْرك وَلَا تدخرن المَال لبعل عرسك وَلَا تظهرن إِنْكَار مَا لَا عدَّة مَعَك لدفعه وَلَا يلهينك قدره عَن كيد وحيلة
قَالَ الشَّاعِر
(مَا للرِّجَال مَعَ الْقَضَاء تحيل ... ذهب الْقَضَاء بحيلة الْمُحْتَال) // من الْكَامِل //
مَا حدث عَن الْعَوَارِض البشرية
وَأما الحادثات عَن الْعَوَارِض البشرية من أَفعَال الْعباد فَهِيَ الَّتِي يساس فَسَادهَا بالحزم حَتَّى تنحسم وبالاجتهاد حَتَّى تنتظم فَلَيْسَ ينشأ الْفساد إِلَّا عَن أَسبَاب خَارِجَة عَن الْعدْل والاقتصاد وَلَا تنحسم إِلَّا بحسم أَسبَابهَا
стр. 215
قَالَ الشَّاعِر
(وقلما يفجأ الْمَكْرُوه صَاحبه ... إِذا رأى لوجوه الشَّرّ أسبابا) // منالبسيط //
فيراعي الْملك سَبَب الْفساد فَإِن كَانَ حَادِثا عَن شدَّة وعسف وعنف حسمه باللين واللطف وَإِن حدث عَن لين وَضعف حسمه بالشدة والعنف وَكَذَلِكَ مَا عداهما من الْأَسْبَاب تنحسم بأضدادها فَإِن حسم الدَّاء بضده من الدَّوَاء فقد قَالَ الشَّاعِر
(فَالنَّار بِالْمَاءِ الَّذِي هُوَ ضدها ... تُعْطِي النضاج وطبعها الإحراق) // من الْكَامِل //
وَرُبمَا اخْتلفت الْأَسْبَاب لامتزاج أَنْوَاع الْفساد فتحسم الْأَسْبَاب المتنوعة بأضداد متنوعة كَمَا تعالج الْأَمْرَاض المضادة بأدوية متضادة فيستخرج حسم كل فَسَاد من سَببه وَمَا يصعب من هَذِه السياسة إِلَّا معرفَة الْأَسْبَاب فَإِذا عرفهَا وقف على الصَّوَاب وَإِن أشكلت عَلَيْهِ الْتبس عَلَيْهِ الصَّوَاب فتاه عَن قَصده وَذهل عَن رشده
قَالَ الشَّاعِر ٤٨ آ // من الطَّوِيل //
стр. 216
(إِذا مَا أتيت الْأَمر من غير بَابه ... ضللت وَإِن تقصد إِلَى الْبَاب تهتد) // من الطَّوِيل //
وتقلب الزَّمَان بأحوال أَهله يعود عَلَيْهِم بخيره وشره
رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ
(إِذا كَانَ أمراؤكم خياركم وأغنياؤكم سمحاءكم وَكَانَ أَمركُم بَيْنكُم فَظهر الأَرْض خير لكم من بَطنهَا وَإِذا كَانَ أمراؤكم شِرَاركُمْ وَكَانَ اغنياؤكم بخلاءكم وَكَانَ أَمركُم إِلَى نِسَائِكُم فبطن الأَرْض خير لكم من ظهرهَا)
تغير الأعوان
وَأما تغير الأعوان فنوعان
أَحدهمَا أَن يكون لفساد تعدى إِلَيْهِم
وَالثَّانِي أَن يكون لفساد حدث مِنْهُم
تغير الأعوان لفساد تعدى إِلَيْهِم
فَإِذا كَانَ تغيرهم لفساد تعدى إِلَيْهِم عوجلوا بحسم أَسبَابه قبل تفاقمها فسيجدهم بعد حسمها على السداد
стр. 217
فَإِن أهملوا فَلِكُل بُرْهَة تمْضِي من زمانهم تَأْثِير فِي استحكام فسادهم حَتَّى يُفْضِي إِلَى غَايَة لَا تستدرك لِأَن حسم مَا استحكم مُتَعَذر مستبعد
وَسبب هَذَا الْفساد وَاحِد من ثَلَاثَة أَسبَاب
إِمَّا أَن يكون لتقصير بهم فيستدرك بالتوفر عَلَيْهِم
وَإِمَّا أَن يكون لعدوان عَلَيْهِم فيستدرك بالكف عَنْهُم
وَإِمَّا أَن يكون لمفسد أطمعهم فَهُوَ أخبثها لِأَن الطمع مصائل للعقول ومفسدة للقلوب
فَإِن لم يصده حزم أَو حذر خبثت بِهِ السرائر فهيج من النُّفُوس سواكنها وأبرز من الْقُلُوب كوامنها وَصَارَ كأجيج النَّار فِي يَابِس الْحَطب
وَقد رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ
(استعيذوا بِاللَّه من طمع يُؤَدِّي إِلَى طبع)
стр. 218
وَقَالَ عمر بن الْخطاب ﵁
إِن الطمع فقر وَإِن الْيَأْس غنى وَإِن الْمَرْء إِذا يئس من شَيْء اسْتغنى عَنهُ
وحسم هَذَا الطمع يكون بمعالجة إرغاب من اشْتَدَّ حَتَّى ينسى وإرهاب من لَان حَتَّى يَنْتَهِي لتمتزج ٤٨ ب الرَّغْبَة بالرهبة فَفِي انْفِرَاد أَحدهمَا فَسَاد
стр. 219
قَالَ الشَّاعِر
(وَالنَّفس راغبة إِذا رغبتها ... وَإِذا ترد إِلَى قَلِيل تقنع) // من الْكَامِل //
تغير الأعوان لفساد حدث مِنْهُم
وَأما تغير الأعوان لفساد حدث مِنْهُم عدلوا بِهِ عَن الإستقامة وزالوا عَن أَحْوَال السَّلامَة فَهُوَ الدغل والقرح النغل والخطب العضل
وَالْفرق مَا بَين الْفساد الطَّارِئ عَلَيْهِم وَالْفساد النَّاشِئ مِنْهُم من وَجْهَيْن
أَحدهمَا أَن الطَّارِئ مُنْفَصِل والناشئ مُتَّصِل ونكاية الْمُتَّصِل أبلغ من نكاية الْمُنْفَصِل
وَالثَّانِي أَن الطَّارِئ ظهر قبل حُلُوله فيهم فَأمكن تَعْجِيل استدراكه والناشئ ظهر بعد استحكامه فيهم فَتعذر تَعْجِيل استدراكه فَلَزِمَ لدغل دائه وعضل دوائه أَن تقرر فِي تلافيه وحسم دواعيه قَوَاعِد كل حَالَة على قاعدتها وَيُدبر بموجبها
стр. 220
الْفَصْل الْخَامِس وَالْعشْرُونَ سياسة الْملك وأحواله
بِمَ يساس الْملك
وَإِذا كَانَ كَذَلِك فالملك يساس بِثَلَاثَة أُمُور
أَحدهمَا بِالْقُوَّةِ فِي حراسته وحفاظه
وَالثَّانِي بِالرَّأْيِ فِي تَدْبيره وانتظامه
وَالثَّالِث بالمكيدة فِي فل أعدائه
فَتكون الْقُوَّة مُخْتَصَّة بِالْعقلِ
والرأي مُخْتَصًّا بِالتَّدْبِيرِ
وهما على الْعُمُوم فِي جَمِيع الْأَحْوَال والأعمال
فَأَما المكيدة فمختصة بفل الْأَعْدَاء فَإِن من ضعف كَيده قوي عدوه وَهَذَا أصل يعْتَمد عَلَيْهِ مدَار السياسة وَيحمل عَلَيْهِ تَدْبِير الْملك
أَحْوَال الْملك
وللملك ثَلَاث أَحْوَال فالحال الأول تثبيت قَوَاعِده
وَالْحَال الثَّانِيَة تَدْبِير رَعيته
وَالْحَال الثَّالِثَة استقامة أعوانه
١ - تثبيت قَوَاعِد الْملك
فَأَما الْحَال الأولى فِي تثبيت قَوَاعِده وحراسته من الْأَعْدَاء المنازعين فِيهِ فضربان
أَحدهمَا ٤٩ آحاله قبل استقراره عِنْد الْمُنَازعَة فِيهِ والمحاربة عَلَيْهِ فيساس بالأمور الثَّلَاثَة
стр. 221
أَحدهَا بِالْقُوَّةِ فِي حراسته والذب عَنهُ حَتَّى تَسْتَقِر قَوَاعِده
وَالثَّانِي بِالرَّأْيِ فِي تَدْبيره حَتَّى يَنْتَظِم على اعتداله
وَالثَّالِث بالمكيدة فِي انتهاز فرصته وَدفع غوائله
وَالثَّانِي حَاله بعد استقراره فِي السّلم والدعة فيساس بأمرين أَحدهمَا بِالْقُوَّةِ الحافظة لقواعده المستقرة
وَالثَّانِي بِالرَّأْيِ الْجَامِع للسياسة العادلة
وَلَا حَاجَة إِلَى اسْتِعْمَال المكيدة فِيهِ عِنْد السّلم وَالْمُوَادَعَة
٢ - تَدْبِير الرّعية
وَأما الْحَال الثَّانِيَة فِي تَدْبِير الرّعية فضربان
أَحدهمَا حَالهم فِي السَّلامَة والسكون فيساس بِالرَّأْيِ وحدة الْمُحَافظَة لتدبيرهم على السِّيرَة العادلة
وَالضَّرْب الثَّانِي حَالهم فِي الِاضْطِرَاب وَالْفساد فيساسون بأمرين
أَحدهمَا بِالْقُوَّةِ فِي كف مفسدهم وكف الْفساد عَنْهُم
وَالثَّانِي بِالرَّأْيِ فِي تَدْبِير أُمُورهم على السِّيرَة العادلة
وَلَا وَجه لاستعمال المكيدة فيهم لِأَن حُقُوق الْأَمْوَال مستمدة مِنْهُم فَإِن كيدوا صَار الْملك بهم مكيدا فَكَانَ الضَّرَر عَلَيْهِ أَعُود وَالْفساد فِيهِ أَزِيد
أَحْوَال الْمُلُوك مَعَ رعيتهم
وَقد تَنْقَسِم أَحْوَال الْمُلُوك مَعَ رعيتهم أَرْبَعَة أَقسَام يعلم بتفصيلها أَسبَاب الصّلاح ومواد الْفساد
فالقسم الأول ملك صلحت سَرِيرَته واستقامت رَعيته فأعين على صَلَاح السِّيرَة باستقامة رَعيته وأعينت الرّعية على الاسْتقَامَة بصلاح سيرته فَهَذَا هُوَ الْعدْل مِنْهُمَا فَصَارَت السَّعَادَة شَامِلَة لَهما وَقد رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ
(خير أمرائكم الَّذين تحبونهم ويحبونكم وَشر أمرائكم ٤٩ ب الَّذين تبغضونهم ويبغضونكم)
стр. 222
وَالْقسم الثَّانِي ملك صلحت سيرته وفسدت رَعيته فقد أضاعت الرّعية بفسادها صَلَاح ملكهَا وَخَرجُوا من سُكُون الدعة إِلَى زواجر السياسة فَاحْتَاجَ إِلَى تقويمهم بالشدة بعد لينه وبالسطوة بعد سكونه ليقلعوا عَن الْفساد إِلَى السداد فيكف عَنْهُم وَالْعدْل فِي الْحَالين مُسْتَعْمل مَعَهم لِأَن الزّجر تَأْدِيب والرهبة تَهْذِيب
قَالَ بعض الألباء
لَا تعادوا الدول الْمُقبلَة فَإِنَّكُم تدبرون بإقبالها
وَالْقسم الثَّالِث ملك فَسدتْ سيرته واستقامت رَعيته
فَإِن استدرك صَلَاح ملكه بِعدْل سيرته وَصِحَّة سياسته وَإِلَّا تطاولت عَلَيْهِ الرّعية بِقُوَّة الاسْتقَامَة وَكَانَ مَعَهم على أَمريْن
أَحدهمَا أَن يصلحوه حَتَّى يَسْتَقِيم فَيصير مَأْمُورا بعد أَن كَانَ آمرا ومقهورا بعد أَن كَانَ قاهرا وتزول هيبته وَتبطل حشمته وَلَا يبْقى لَهُ من الْملك إِلَّا اسْم مستعار قد استبقوه عَلَيْهِ تفضلا
قيل من كثر تعديه كثر أعاديه
стр. 223
وَالثَّانِي أَن يعدلُوا إِلَى غَيره فيملكوه عَلَيْهِم فَيَكُونُوا لَهُ أعوانا إِن نوزع وأنصارا إِن قورع فَيصير بِفساد سيرته مزيلا لملكه ومعينا على هلكه
وَالْقسم الرَّابِع ملك فَسدتْ سيرته وفسدت رَعيته فَاجْتمع الْفساد فِي السايس والمسوس فَظهر الْعدوان من الرئيس والمرؤوس فَلم يتقاصد عَن فَسَاد وَلَا دَاع إِلَى صَلَاح فَخرجت الْأُمُور عَن سَبِيل السَّلامَة وزالت عَن قوانين الاسْتقَامَة وَلَا ثبات لملك زَالَت عَنهُ السَّلامَة ٥٠ آوعدمت فِيهِ الاسْتقَامَة وَهُوَ بِمَرْصَد من ثَائِر يصطلم وقاهر ينْتَقم
وَقد قَالَ أردشير بن بابك
بِمثل هَذَا الْملك وَهَذِه الرّعية تختم الدول وتستقبل الْفِتْنَة وتذال الدهور
٣ - استقامة الأعوان
وَأما الْحَال الثَّالِثَة فِي استقامة الأعوان فضربان
أَحدهمَا حَالهم فِي السّكُون والدعة فيساسون بِالرَّأْيِ وَحده فِي تدبيرهم بالرغبة والرهبة حَتَّى تَسْتَقِر أُمُورهم على السِّيرَة العادلة
قَالَ سَابُور فِي عَهده إِلَى ابْنه هُرْمُز
стр. 224
اعْلَم أَن جندك لم يغنوا عَنْك وَإِن كَثُرُوا وكملت عدتهمْ حَتَّى تكمل فيهم ثَلَاث خِصَال لَيْسَ عَنْهُن عوض مَحْض الْمَوَدَّة وَصدق النَّاس وسلس الطَّاعَة فَإِنَّهُم يؤدون بِهن حَقك ويدفعون بِهن عَدوك
وَالضَّرْب الثَّانِي حَالهم فِي تغيرهم وفسادهم
وفسادهم على ضَرْبَيْنِ
أَحدهمَا أَن يكون الْفساد خَاصّا فِي بَعضهم فيساس من فسد مِنْهُم بأمرين
بِالْقُوَّةِ فِي إصلاحهم بِمن سلم
وبالرأي فِي تَدْبِير أُمُورهم كالمسالم ليسيروا جَمِيعًا على السِّيرَة العادلة فَإِن انتشار فسادهم من كَثْرَة رُؤَسَائِهِمْ المتنافسين فِي الرتب فيجتذب كل رَئِيس حزبا يَدعُوهُم إِلَى طَاعَته ويبعثهم على نصرته فيصيرون أحزابا مُخْتَلفين وأضدادا متنافرين
فَهَذِهِ حَالهم إِن كَثُرُوا وهم بالضد مِنْهَا إِن قلوا
وَالضَّرْب الثَّانِي أَن يكون الْفساد عَاما فِي جَمِيعهم فَلَا يَخْلُو حَالهم فِي الْفساد الْعَام من أَن يتظاهروا بِهِ أَو يستروه
فَإِن ستروه فقد استبقوا بالمساترة شطرا فيساسون بِالرَّأْيِ وَحده لإعواز الْقُوَّة بفسادهم وَلَا يساسون بالمكيدة لمساترتهم
فَإِن جاهروا بِالْفَسَادِ ٥٠ ب فَهُوَ الوهن الواصم والخطب القاصم
стр. 225
ويتنوع ثَلَاثَة أَنْوَاع
أَحدهَا أَن يكون فسادهم مُخْتَصًّا بانتهاك الرعايا واستباحة الْأَمْوَال فقد سلبوه الْقُوَّة بمتاركته ومنعوه الطَّاعَة بمخالفته وجعلوه كالصنم الَّذِي لَا يُزَاد على التَّعْظِيم فاستبقوا يسير حشمته واستولوا على جَمِيع مَمْلَكَته فيسوسهم بِالرَّأْيِ واللين واجتذاب فريق فعساه يقوى فَيمْنَع ويشتد فَيدْفَع وَإِلَّا فالملك واه وَالْفساد متناه وَهُوَ كالمثل الْمَضْرُوب بقول الشَّاعِر
(كم ترى يلبث الرصاص على النَّار ... وَمِنْهَا يكون ذوب الرصاص) // من الْخَفِيف //
قَالَ بعض البلغاء
أَضْعَف الْحِيلَة خير من أقوى الشدَّة وَأَقل التأني أجدى من أَكثر العجلة والدولة رَسُول الْقَضَاء المبرم وَإِذا استبد الْملك بِرَأْيهِ عميت عَلَيْهِ المراشد
وَالنَّوْع الثَّانِي أَن يكون فسادهم مُخْتَصًّا بالإسراف فِي مُطَالبَته بِمَا لَا يستحقونه والإقتراح عَلَيْهِ فِي التمَاس مَا لَا يستوجبونه فَلَا يَخْلُو فِيهِ من أحد أَمريْن
إِمَّا أَن يكون قَادِرًا عَلَيْهِ
أَو عَاجِزا عَنهُ
فَإِن كَانَ قَادِرًا عَلَيْهِ كَانَ هَذَا مِنْهُم طَمَعا فِيهِ قد اطرحوا فِيهِ مراقبته واستبدلوا فِيهِ الاستطالة بحشمته وأوهنوا بالاستطالة ملكه فَصَارَ مسلوب الْقُوَّة باستطالتهم
стр. 226
منهوب المَال بمطالبتهم قد جَعَلُوهُ مأكلة مطامعهم فَهُوَ مَعَهم كذي المَال المستضعف مَعَ الْبُغَاة الأقوياء محروب ومسلوب لَا يملك لنَفسِهِ نفعا وَلَا ضرا فيساسون بِالرَّأْيِ وَالْخداع فَمَا استبقوا من حشمته إِلَّا حشاشته فَلَا يعرضهَا لنفور مهلك ويتوصل إِلَى رضاهم سرا وجهرا بِمَا يَخْتَلِفُونَ ٥١ آفي أَسبَابه وهم لَا يَشْعُرُونَ لتمتزج أَسبَاب الرِّضَا من وُجُوه مُتَغَايِرَة فَيكون بِهِ أرْفق وَلَهُم أوفق كَمَا قَالَ الشَّاعِر
(وَإِذا عجزت عَن الْعَدو فداره ... وامزح لَهُ إِن المزاح وفَاق)
(فَالنَّار بِالْمَاءِ الَّذِي هُوَ ضدها ... تُعْطِي النضاج وطبعها الإحراق) // من الْكَامِل //
فَإِذا سكنوا من فورة الاشتطاط توصل إِلَى حسم مطامعهم وَإِن حسمت سلم ملكه بعد السقم وَإِن لم تحسم فَهُوَ ذَاهِب الْملك وشيك الهلك إِن لم يعضده نصر من الله وَفتح قريب
وَإِن كَانَ عَاجِزا عَمَّا اقترحوه وطمعوا فِيهِ فَهُوَ عنت مُسْتَحِيل قد جعلُوا الْعَنَت فِيهِ سَببا لغيره فيساسون بأمرين بِالرَّأْيِ والمكيدة فَإِنَّهُم لَا يقفون على حَالهم المستحيلة وسينقلون عَنْهَا إِلَى خصْلَة من ثَلَاث
إِمَّا أَن يكفوا عَن عنتهمْ فَيَكْفِي أَمرهم ويدبرهم بعد كفهم
وَإِمَّا أَن يَخْتَلِفُوا فيقوى بِمن وَافقه مِنْهُم على باقيهم
وَإِمَّا أَن يَنْتَقِلُوا إِن لم يعنه الْقدر عَلَيْهِم إِلَى مَا يَقع فِيهِ التَّسْلِيم والاستسلام وَالله يقْضِي فِيهِ بِمَا يَشَاء وَهُوَ الْقوي الْعَزِيز
стр. 227
وَالنَّوْع الثَّالِث أَن يكون فسادهم مُخْتَصًّا بالتعريض لنَفسِهِ وَهُوَ الشَّرّ المغتلم وَالْبَلَاء المصطلم وَقل أَن يكون إِلَّا لسَبَب من أحد ثَلَاثَة أوجه
أَحدهَا أَن يكون لسوء سيرته فيهم فَهُوَ الملوم دونهم وَلَيْسَ يُرْجَى زَوَاله مَعَ بَقَائِهِ على سوء السِّيرَة
فَإِن أقلع عَنْهَا فَرَجَعُوا عَنهُ وَإِلَّا ساسهم بِمَا اقْتَضَاهُ الرَّأْي من لين ولطف ثمَّ لله الْأَمر من قبل وَمن بعد
وَالسَّبَب الثَّانِي أَن يكون تغيرهم عَلَيْهِ لملل مِنْهُم لَهُ حدث بطول مكثه فيهم
فَلَيْسَ الْملَل من لَوَازِم الْعِلَل وَلَئِن لم ٥١ ب يزده الْمكْث حَقًا لم ينقصهُ
وَقل أَن يكون ذَلِك إِلَّا عِنْد حُدُوث ناشئة لم ينالوا من دولته حظا فهم يأملون بتقلب الْأُمُور أَن يستحدثوا نقما ويرجون بانتقالها توجيها وتقدما
فَإِن لم يفْسد بهم غَيرهم كَانَ الْخطب بهم أيسر للظفر بِبَقِيَّة مِنْهُم ليستعان بهَا عَلَيْهِم
وَإِن عَم بهم الْفساد فَهُوَ أصعب الخطبين فيسوسهم باللطف والتأمين واستصلاح فريق بعد فريق
فَإِن ظفر مِنْهُم بِظُهُور الأمل وَإِلَّا فَهُوَ بمرصاد من بغي قد استولى وَملك قد تولى إِلَّا أَن يمده الله تَعَالَى بلطف غير مرتقب وَعون غير محتسب
وَالسَّبَب الثَّالِث أَن يكون تغيرهم عَلَيْهِ لانحرافهم إِلَى عَدو قد مايلوه وإغرائهم إِلَى ضد قد استبدلوه فَهُوَ أَسْوَأ الخطوب حَالا
стр. 228
وَأَعْظَمهَا وبالا لِأَنَّهُ قد بلي بانحراف أعوانه واستطالة أعدائه لِأَن لكل وَاحِد مِنْهُمَا نكاية لَا تطاق فَكيف إِذا اجْتمعَا
قَالَ الشَّاعِر
(إِن الْبلَاء يُطَاق غير مضاعف ... فَإِذا تضَاعف صَار غير مطاق) // من الْكَامِل //
وَلم يبْق مَا يستدفع بِهِ خطبه إِلَّا المكيدة فَإِنَّهَا علاج مَا أعضل من دائهم فيعالجهم بهَا قبل أَن يستأصلوه وَيظْهر مَعهَا إِن تراخت لَهُ الْمدَّة بإجمال سيرته واحتماله رَعيته فَفِي كل وَاحِد مِنْهُمَا عون
فَإِن سرت المكيدة فِي عدوه لَان أعوانه
وَإِن سرت فِي أعوانه لَان عدوه لِأَن أعوانه يسر فِي وَاحِد مِنْهُم فَهُوَ موكول متوقع لما تجْرِي بِهِ الأقدار ويتقلب بِهِ اللَّيْل وَالنَّهَار وَلَئِن كَانَ فِي غَايَة متناهية فَلَيْسَ بمأيوس أَن يظفر
رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ ٥٢ آأنه قَالَ
(الدُّنْيَا دوَل فَمَا كَانَ مِنْهَا لَك أَتَاك على ضعفك وَمَا كَانَ مِنْهَا عَلَيْك لم تَدْفَعهُ بقوتك وَمن انْقَطع رجاؤه مِمَّا فَاتَ استراح بدنه وَمن رَضِي بِمَا رزقه الله قرت عينه)
стр. 229
وَقيل
رُبمَا كَانَ الْيَأْس إدراكا والحرص هَلَاكًا
وَقيل
رب مستسلم سلم ومتحرز نَدم
قَالَ الشَّاعِر
(وحذرت من أَمر فَمر بجانبي ... لم يبكني وَلَقِيت مَا لم أحذر) // من الْكَامِل //
وَلَيْسَ يطْرَأ أَمْثَال هَذِه الْحَوَادِث على الممالك إِلَّا من استرسال الْمُلُوك فِي حالتين
إِحْدَاهمَا أَن يغفلوا عَن الحزم حَتَّى ينتشر من الإهمال مَا يطغى
وَالثَّانيَِة أَن يسترسلوا فِي الْعدْل حَتَّى يظْهر من الْجور مَا يوحش
قَالَ أردشير بن بابك
стр. 230
إِذا رغب الْملك عَن الْعدْل رغبت الرّعية عَن الطَّاعَة
وهما أسان للْملك فَإِذا خلا مِنْهُمَا فَاجْتمع فِيهِ طغيان الإهمال واستيحاش الْجور تقوضت قَوَاعِد صَلَاحه وتهدمت أَرْكَان سداده فَلم تبعد عَلَيْهِ نتائج فَسَاده بحوادث لَا تحتسب لِأَن عواقب الْفساد أدهى وَأمر ونتائج الشَّرّ أعدى وأضر
كَمَا قَالَ لُقْمَان لِابْنِهِ
يَا بني اعتزل الشَّرّ يعتزلك فَإِن الشَّرّ للشر خلق
قَالَ بعض الألباء
من فعل الْخَيْر فبنفسه بدا وَمن فعل الشَّرّ فعلى نَفسه جنى
стр. 231
قَالَ الشَّاعِر
(الْخَيْر لَا يَأْتِيك مجتمعا ... وَالشَّر يسْبق سيله مطره)
اسْتِعْمَال الحزم وَبسط الْعدْل
وَإِذا أحكم الْملك قَوَاعِد ملكه بِاسْتِعْمَال الحزم وَبسط الْعدْل وَلم يغْفل عَن الحزم فِي صَغِير وَلَا كَبِير وَلم يترخص فِي الْجور من قَلِيل وَلَا كثير أحاطت السَّلامَة بِملكه وحفت السَّعَادَة بدولته فأمن غوائل الْفساد وَسلم ٥٢ ب من ظُهُور الْفساد وَكَانَ النَّاس مَعَه من بَين حَامِد لعدله وإحسانه وحذر من بأسه وسلطانه فشكره الأخيار واتقاه الأشرار وَلم يتَطَرَّق إِلَى ملكه خلل وَلَا على نَفسه وَجل فصح أَن الحزم وَالْعدْل أدفَع لشوائب الْملك ومخاوف الْمُلُوك من كل عدَّة وأبلغ فِي صَلَاحهمْ من كل نجدة فيستنجد للْملك حزمه ويستعد عدله فَإِنَّهُ يسْتَغْنى بهما عَن كل عدَّة ويستعان بهما فِي حراسته من الْخطر وَحفظ ملكه من الْغَيْر
стр. 232
قَالَ بعض الْعلمَاء
بِالْعَدْلِ والإنصاف تكون مُدَّة الائتلاف
قيل لأنوشروان أَي الْخَيْر أوفى قَالَ الدّين قيل وَأي الْعدَد أقوى قَالَ الْعدْل
تصفح أَحْوَال الْحَاشِيَة فِي زمَان السّلم
وليعلم الْملك أَن من الحزم أَن يتصفح أَحْوَال حَاشِيَته وأعوانه فِي زمَان السّلم وأوقات السّكُون لِأَن الْقُدْرَة أَشد والمكيدة أمد فَإِن لكل صنف من الْحَوَاشِي والأعوان آفَة مفْسدَة وبلية قادحة تجْعَل الصّلاح بهم فَسَادًا والميل مِنْهُم عنادا فيقف عَلَيْهَا يتصفح أَحْوَالهم ليسلموا فَيصير مِنْهُم سليما ويستقيموا فَيصير بهم مُسْتَقِيمًا فقد قيل فِي منثور الحكم
آفَة الْمُلُوك سوء السِّيرَة
وَآفَة الوزراء خبث السريرة
وَآفَة الْأُمَرَاء مُفَارقَة الطَّاعَة
стр. 233
وَآفَة الْجند مُخَالفَة القادة
وَآفَة الرّعية ضعف السياسة
وَآفَة الْعلمَاء حب الرياسة
وَآفَة الْقُضَاة حب الطمع
وَآفَة الْعُدُول قلَّة الْوَرع
وَآفَة الْملك تضَاد الحماة
وَآفَة الْعدْل ميل الْوُلَاة
وَآفَة الجرئ إِضَاعَة الحزم
وَآفَة الْقوي استضعاف الْخصم
وَآفَة الْمجد عوائق الْقُضَاة
وَآفَة الْمُشَاورَة انْتِقَاض الارآء
وَآفَة الْمُنعم قبح الْمَنّ
وَآفَة المذنب سوء الظَّن
стр. 234
وَآفَة الزعماء قلَّة السياسة ٥٣ آ
وَلَيْسَ أَسبَاب الْفساد فِي هَؤُلَاءِ الْأَصْنَاف مَقْصُورَة على هَذِه الْأَوْصَاف حَتَّى لَا يتعداها إِلَى مَا سواهَا وَإِنَّمَا ذكر الْأَغْلَب من فَسَاد كل صنف وَإِن جَازَ أَن يفْسد بِغَيْرِهِ فيتوصل إِلَيْهِ بتصفحه وسبره
حسم مواد الْفساد
فَإِذا وقف الْملك على مواد فسادهم وَأَسْبَاب آفاتهم قطع أَسبَابهَا وحسم موادها لتسلم لَهُ مصَادر الْأُمُور فتستقيم مواردها ويأمن نتائج التَّقْصِير فتحمد عواقبها فَإِن مبادئ الْأُمُور أس إِن رسا تشيد وَإِن وَهِي تقوض
стр. 235
الْفَصْل السَّادِس وَالْعشْرُونَ دوَام تفقد الْملك الْأَحْوَال الْعَامَّة
١ - تفقد الْملك سيرة حماة الْبِلَاد وولاة الْأَطْرَاف
وَليكن كثير الاعتناء بسير حماة الْبِلَاد وولاة الْأَطْرَاف الَّذين فوض إِلَيْهِم أمانات ربه واستخلفهم على رِعَايَة خلقه فَينْدب لذَلِك من أمنائه من حَاز خِصَال التَّفْوِيض وَاسْتحق بحزمه وشهامته الْولَايَة والتقليد
قَالَ أردشير بن بابك من بعض حكمه
لَا يصلح لسد الثغور وقود الجيوش وتدبير الْجنُود وحراسة الأقاليم إِلَّا من تكاملت فِيهِ خمس خِصَال
حزم يتَيَقَّن بِهِ عِنْد موارد الْأُمُور حقائق مصادرها
وَعلم يحجزه عَن التهور فِي المشكلات إِلَّا عِنْد تجلي فرصتها
وشجاعة لَا تنقصها الملمات بتواتر حوائجها وَعظم هولها
وَصدق فِي الْوَعْد والوعيد يوثق مِنْهُ بِالْوَفَاءِ عَلَيْهِمَا
стр. 236
وجود يهون عِنْده تبذير الْأَمْوَال عِنْد ازدحام السُّؤَال عَلَيْهِ
وَأَقُول
إِن كمالها فِيهِ مُقَيّد بِاعْتِبَار خَصْلَتَيْنِ مَعهَا
إِحْدَاهمَا أَن يقدم مصَالح مَا تقلده على مصَالح نَفسه لعود صَلَاحه إِلَيْهِ وَرُجُوع فَسَاده عَلَيْهِ
وَالثَّانيَِة أَن يرى أَن اكْتِسَاب الْأجر وَالْحَمْد أفضل مكاسبه فَإِن لم يجذبه الْميل إِلَى نَفسه فَهُوَ موثوق بخيره مَأْمُون على غَيره وَإِلَّا فَلَا خير فِيهِ
стр. 237
فَهَذِهِ خِصَال إِن لم يحزها ٥٣ ب سائس الْملك ومدبر الرعايا كَانَ اختلال عمله بِحَسب اختلال كَمَاله لِأَن لكل ثلم مسدا وَلكُل وَهِي مردا
وَقد يقْتَرن بِهَذِهِ الْخِصَال مَا يخْتَلف باخْتلَاف الزَّمَان فَرُبمَا حمد فِي بعض الأحيان اللين واللطف وَفِي بَعْضهَا الخشونة والعنف فَإِن لكل وَقت حكما وَلكُل قوم تدبيرا
وَقد وصف عمر بن الْخطاب ﵁ أَخْلَاق الْوُلَاة فَقَالَ
لَا يصلح لمن يَلِي أَمر الْأمة إِلَّا أَن يكون حصيف الْعقْدَة قَلِيل الْعِزَّة بعيد الهمة شَدِيدا من غير عنف لينًا من غير ضعف جوادا من غير سرف لَا يخْشَى فِي الله لومة لائم
وَهَذِه الْأَخْلَاق الَّتِي وصفهَا يجب أَن تكون لَازِمَة فِي كل وَال مطبوعة فِي كل مُدبر وَقد ذكر الْإِيَادِي مَعَ إعرابيته أَوْصَاف الْوُلَاة فِي شعره فَقَالَ
стр. 238
(وقلدوا أَمركُم لله دركم ... رحب الذِّرَاع بِأَمْر الْحَرْب مضطلعا)
(لَا مترفا إِن رخاء الْعَيْش ساعده ... وَلَا إِذا عض مَكْرُوه بِهِ خشعا)
(مَا زَالَ يحلب در الْعَيْش أشطره ... يكون مُتبعا يَوْمًا ومتبعا)
(حَتَّى استمرت على شزر مريرته ... مستحكم الرَّأْي لَا قحما وَلَا ضرعا) // من الْبَسِيط //
стр. 239
ثمَّ عَلَيْهِ أَن يحفظ مَرَاتِب جَمَاعَتهمْ وَينزل كل وَاحِد مِنْهُم الْمنزلَة الَّتِي يَسْتَحِقهَا بكفايته وَحسن أَثَره
وَإِن حفظ الْمَرَاتِب فِي المملكة كحفظ السّمع وَالْبَصَر لعظم المنافسة فِيهَا وانتشار الْعَدَاوَة مِنْهَا وَقد تدلس عَلَيْهَا كتدليس البهرج ويترشج لَهَا من لَيْسَ لَهَا كفوا وَلَا من أَهلهَا غَاصبا أَو مغالطا فتصفر مِنْهَا أَيدي أَرْبَابهَا وَينفذ فِيهَا حكم غصابها وَلَيْسَ كل من تعظم بعظيم وَلَا كل من تنسك بناسك وَلَا كل من تسود بِسَيِّد والناسك غير المتناسك ٥٤ آوالشريف غير المشرف وَلَا خير فِي مملكة صَار الرؤوس فِيهَا أذنابا والأذناب فِيهَا رؤوسا
عهد بعض مُلُوك الْفرس إِلَى ابْنه فَقَالَ
لَا تكونن فِي شَيْء من الْأَشْيَاء أَشد خشيَة مِنْك من رَأس صَار ذَنبا أَو ذَنْب صَار رَأْسا أَو يَد مَشْغُولَة أحدثت فراغا أَو كريم حَال إِلَى ضرّ أَو لئيم صَار إِلَى فَرح فَإِنَّهُ يتَوَلَّد من تنقل النَّاس عَن حالاتهم فَسَاد مُضر
стр. 240
وَحفظ الْمَرَاتِب مُعْتَبر من وَجْهَيْن
أَحدهمَا فِي الْولَايَة والتقليد
وَالثَّانِي فِي الْإِكْرَام والتقريب
فَلَا يتَجَاوَز بأحدهم قدر الِاسْتِحْقَاق فِي أَحدهمَا فَإِنَّهُ يطغى بِالزِّيَادَةِ ويستوحش من النُّقْصَان
وَهَذَا أَمر يجب صرف الاهتمام إِلَيْهِ لما فِي نظامه من نضارة وغضارة وَحفظ مراتبه وحشمته إِذْ لَا شَيْء أعظم إيحاشا وَلَا أَكثر تنكرا أَو فَسَادًا من حط مَرَاتِب الكفاة وَرفع السفلة والدناة
حُكيَ أَن أنوشروان وَقع إِلَى وُلَاة الْحِسْبَة من أَعماله أَن لَا يدعوا أَوْلَاد السفلة أَن يقعدوا فِي الْمكَاتب وَأَن يطردوا عَن مجَالِس الْقُضَاة
стр. 241
لأَنهم مَتى مَا تعلمُوا الْجِدَال قَدَحُوا فِي الدّين وَمَتى مَا تمكنوا من أَعمال السُّلْطَان عمِلُوا فِي بوار أهل البيوتات فَقَالَ فِيهِ
(لله در أنوشروان من ملك ... مَا كَانَ أعرفهُ بالدون والسفل)
(نَهَاهُم أَن يمسوا بعده قَلما ... وَأَن يروموا ركُوب الْخَيل وَالْإِبِل) // من الْبَسِيط //
وَإِذا حمد سعي صَاحب فِي ولَايَته أقره على عمله فَإِنَّهُ وَإِن حسن أَن ينْقل الْحَمد من مَدِينَة إِلَى أُخْرَى وَهُوَ الأولى حَتَّى لَا يسْتَقرّ بهم وَطن يأسون إِلَى فِرَاقه وَلَا يفتتنون فِيهِ مَا يطيبون نفسا بِتَرْكِهِ فَلَيْسَ بصواب أَن ينْقل وَالِي الْمَدِينَة وَلَا صَاحب الْخراج بل يكون على ولَايَته مَا بَقِي على حميد سيرته
٥٤ - ب فَإِن أَتَى بِمَعْصِيَة أَو خِيَانَة صرف صرفا لَا وُلَاة بعده إِلَّا عَن تَوْبَة وإقلاع وَكَذَلِكَ فِي الْحَوَاشِي والحكام
وَالْعلَّة فِي ذَلِك أَنه مَتى عرف من السُّلْطَان أَنه يرى الصّرْف والاستبدال اعْتقد كل وَال أَن أَيَّامه قَصِيرَة فَعمل لسوق يَوْمه وَلم يلْتَفت إِلَى صَلَاح غده واحتجن الْأَمْوَال فِي صدر ولَايَته وتأهب عَلَيْهَا لزمان عطلته فَإِذا صرف عَنْهَا خلف الْبِلَاد على من بعده مختلة وزاده الثَّانِي اختلالا على مثل حَاله وَلَا يلبث الإهمال حَتَّى تخرب بمناهبة الْعمَّال
وَإِذا سكنت نفس النَّاظر إِلَى أَن أَعماله مقرة عَلَيْهِ مَا أَقَامَ على
стр. 242
نصيحته وَجرى على جميل سيرته نظر فِيهَا كنظر القنى فِي عمَارَة ضياعهم وتميز خلاتهم وفكره فِي صَلَاح غده قبل فكره فِي صَلَاح يَوْمه لعلمه بِبَقَاء الْعَمَل عَلَيْهِ وَأَن خير الْعَاقِبَة وشرها عَائِد عَلَيْهِ ومنسوب إِلَيْهِ فتوفر نصحه واجتهاده وَعم صَلَاحه وعفافه وَليكن نزها عَن أَمْوَالهم وَإِن توفرت غير طامع فِيهَا وَإِن كثرت مَا لم تظهر مِنْهُم خِيَانَة واحتجان لأَنهم قد يَكْسِبُونَ بجاه أَعْمَالهم من مباحات الْوُجُوه مَا لَا تبعة فِيهَا عَلَيْهِم وَلَئِن يَكُونُوا ذَوي أَحْوَال وأموال يستعينون بهَا على الْعِفَّة وَالْأَمَانَة أولى من أَن يَكُونُوا ذَوي فاقة تضطرهم إِلَى الْخِيَانَة فقد قيل
لَا أَمَانَة لمحتاج
وليعلم أَنه مَتى طمع مِنْهُم فِي الْيَسِير أطمعهم فِي الْكثير وَإِن أَخذ أَمْوَالهم جَهرا بِتَأْوِيل أخذُوا مِنْهُ أضعافها سرا بِغَيْر تَأْوِيل فيظن أَنه قد ارتفق بِمَال غَيره وَهُوَ قد أَخذ بعض حَقه وَيصير معدودا من الظَّالِمين وَهُوَ مظلوم ويصيروا معدودين فِي المظلومين وَمَا مِنْهُم إِلَّا ظلوم وَإِذا كف عَنْهُم استكفهم فناصف ونوصف
قَالَ بعض الْعلمَاء
من طمع فِي أَمْوَال عماله ألجأهم إِلَى اقتطاع أَمْوَاله
وَقَالَ أنوشروان ٥٥ آ
من خَافَ شرك أفسد أَمرك
стр. 243
وَقَالَ أردشير
لَا ترجو خير من لَا يَرْجُو خيرك وَلَا تأمن جَانب من لَا يَأْمَن جَانِبك
فَإِن ظهر مِنْهُم على مَال قد احتجنوه وَحقّ قد خانوه طالبهم بِهِ مُطَالبَة الْمَدِين الْمنصف واستوفاه مِنْهُم اسْتِيفَاء المحق المسعف بعد إِقَامَة حججه وَإِظْهَار شواهده وَلَا يسْتَغْنى بِالْقدرِ عَن إِظْهَار الْحجَّة ليَكُون مَعْذُورًا وهم مذمومين ومنصفا وهم خائنين
فَإِذا استوفى حَقه واسترجع مَاله كَانَ من وَرَاء تأديبهم تقويما لَهُم واستصلاحا لغَيرهم
وعَلى حسب أقدارهم يكون التَّقْوِيم
وَإِذا وجد من بعض خدمه هفوة أَو تقصيرا لم يَأْته عمدا لم يَأْخُذهُ بذنب الدَّهْر وعوائق الزَّمَان مَعَ حسن الثِّقَة وَجَمِيل الظَّن فِيهِ فَلَيْسَ من الزلل أَمَان وَلَا إِلَى الْعِصْمَة سَبِيل وَقد قيل
أَي عَالم لَا يهفو وصارم لَا ينبو وجواد لَا يكبو
стр. 244
قَالَ بعض الْعُقَلَاء
من كثر صَوَابه لم يطْرَح لقَلِيل الْخَطَأ
قَالَ الشَّاعِر
(وَلست بمستبق أَخا لَا تلمه ... على شعث أَي الرِّجَال الْمُهَذّب) // من الطَّوِيل //
قَالَ النَّبِي ﷺ
(لَا حَلِيم إِلَّا ذُو عَثْرَة وَلَا حَكِيم إِلَّا ذُو تجربة)
стр. 245
وَفِي تَأْوِيله وَجْهَان
أَحدهمَا أَن مَعْنَاهُ أَنه لَا يَخْلُو حَلِيم من عَثْرَة وَلَا حَكِيم أَن يحْتَاج إِلَى تجربة
وَالثَّانِي أَن لَا يكون حَلِيمًا وَلَا حكيما حَتَّى تكْثر عثراته وتجربته فَيصير بعد كَثْرَة التجارب والعثرات حَلِيمًا حكيما
وَإِذا قطعت بَعضهم عَن الْخدمَة قواطع قطع وَظَهَرت بأعدارها ووضح برهانها لم يكلفه فعل مَا لَيْسَ فِي وَسعه وطاقته فقد رفع الله الْحَرج عَن الْمَعْذُور فِي حَقه وَقد تقطع الْمُلُوك القواطع عَن حُقُوق أنفسهم وهم أقدر فَكيف بأوليائهم وخدمهم وهم أعجز وَقد قَالَ الشَّاعِر
(مَا كلف الله نفسا فَوق طاقتها ... وَلَا تجود يَد إِلَّا بِمَا تَجِد) // من الْبَسِيط //
стр. 246
٢ - استخبار الْملك عَن رَعيته وحاشيته والنائبين عَنهُ
وَإِن الْملك لجدير أَن لَا يذهب عَلَيْهِ صَغِير وَلَا كَبِير من أَخْبَار رَعيته وَأُمُور حَاشِيَته وسير خلفائه والنائبين عَنهُ فِي أَعماله بمداومة الاستخبارعنهم وَبث أَصْحَاب الْأَخْبَار فيهم سرا وجهرا وَينْدب لذَلِك أَمينا ويوثق بِخَبَرِهِ وَينْصَح الْملك فِي مغيبه ومشهده غير شَره فيرتشي وَلَا ذِي هوى فيروي أَو يعتدي لتَكون النَّفس إِلَى خَبره سَاكِنة وَإِلَى كشفه عَن حقائق الْأُمُور راكنة فَإِنَّهُ لَا يقدر على رِعَايَة قوم تخفى عَلَيْهِ أخبارهم وتنطوي عَنهُ آثَارهم فَرُبمَا ظن استقامة الْأُمُور بتمويه الخونة فأفضى بِهِ حسن الظَّن إِلَى فَسَاد مَمْلَكَته وهلاك رَعيته وَأَن ينتهز الْعَدو فرْصَة غفلته فيستثير عَن غوائل ضَرَره مَا عساه يصعب بعد أَن كَانَ سهل المرام ويقوى بعد أَن كَانَ ضَعِيف القوام فَإِن كبار الْأُمُور تبدأ صغَارًا
قَالَ بهْرَام جور
لَا شَيْء أضرّ على الْملك من استكفاء من لَا ينصح إِذا دبر واستخبار من لَا يصدق إِذا خبر
стр. 247
وَلم يكن فِي طلب الأجناد أَشد بحثا عَنْهَا من أردشير بن بابك فِي آل ساسان وَمن عمر بن الْخطاب ﵁ فِي خلفاء الْإِسْلَام فَإِنَّهُ كَانَ علمهما بأحوال الْعَامَّة كعلمهما بأحوال الْخَاصَّة وعلمهما بِمن بعد عَنْهُمَا كعلمهما بِمن قرب مِنْهُمَا
وَبِه استقامت سيرتهما وَظَهَرت حرمتهما
وَإِذا كَانَ باحثا على الْأَخْبَار مطلعا على غوامض الْأَسْرَار جمع فِي الاستخبار بَين مَعْرُوف مجاهر يكون بِهِ فِي النَّاس محذورا وَبَين مَجْهُول مساتر يصير بِهِ واثقا خَبِيرا لَا يتعارفان فيتواطآن انْكَشَفَ لَهُ غطاء الْغَفْلَة وانجلت شبه الْحيرَة فساس الْأُمُور ٥٦ آبثقته وبصيرته وحرس الرّعية بيقظته وَصدق عزيمته وتهيب أعوانه فعل الْخَيْر فاستقاموا وتجنبوا قبح المكاسب فأنصفوا ووثقت الرّعية بكف العوادي عَنْهُم فَأمنُوا
وَإِذا أنس بمطالعة الْأَخْبَار استلذ غرائبها واستمد فوائدها
وَقد قَالَ الْمَنْصُور ﵁
عجبت للسُّلْطَان الَّذِي لَا يتَّخذ بِقِرَاءَة الْأَخْبَار لهوا بِمَاذَا يلهو وللمدبر الَّذِي لَا يعلم مَا حدث فِي عمله كَيفَ يمْضِي تَدْبيره
قَالَ بعض الْعلمَاء
إِذا لَهَا السُّلْطَان عَن الْأَخْبَار وَلم يَله بهَا وَانْصَرف عَنْهَا وَلم ينْصَرف إِلَيْهَا فاسم الْعَجز أولى بِهِ من اسْم الحزم وَالتَّقْصِير عَلَيْهِ أغلب من الِاسْتِيفَاء وَجَهل الْوَاجِب أبين فِيهِ من علم الصَّوَاب
وَيجب أَن تكون عنايته بأخبار من بعد عَن حَضرته كعنايته بأخبار من قرب مِنْهَا بل رُبمَا كَانَ أهم لِأَن بعد الدَّار يبسط أَيدي الظلمَة فَإِذا وَافق بعد دَارهم قلَّة الاستخبار عَن أَحْوَالهم أمنُوا فِي اتِّبَاع أهوائهم وَسَكنُوا إِلَى
стр. 248
الْغَفْلَة عَن مَذْمُوم أفعالهم فَكَانَت أَيْديهم مبسوطة فِي الرعايا وأهواؤهم مخلة فِي القضايا وَرُبمَا أفْضى ذَلِك إِلَى فسادهم فِي الطَّاعَة لقبح آثَارهم ومذموم أفعالهم فَإِن الْمُسِيء مستوحش والمهمل مسترسل فكم من عصيان كَانَ هَذَا بدأه وانقراض ملك كَانَ هَذَا بدره وَقد قيل
لَيْسَ بَين الْملك وَبَين أَن يملك رَعيته أَو تملكه إِلَّا الحزم والتواني
وَلَا يغترر بِمن سداده فِي حسن الثِّقَة بِهِ وَيتْرك الاستخبار عَن حَاله تعويلا على من يقدر من سداده فَرُبمَا يصنع فِي الأول ويغتر فِي الآخر فَإِن تقلب الزَّمَان يُغير أَهله فَرُبمَا أفسد الصَّالح وَأصْلح الطالح
فَمَا تبقى الدُّنْيَا على حَالَة وَلَا تمنع من اسْتِحَالَة
وَإِذا أخبر بمنكر لم يستعجل الْمُؤَاخَذَة وَالْإِنْكَار وَيثبت لكشفه حَتَّى يقف على حَقه من باطله فَمَا كل مخبر يصدق فِي ٥٦ ب خَبره
وَإِذا عرف بالأناة للكشف لم يخبر إِلَّا بِالصّدقِ وَلم يُعَاقب إِلَّا الْمُسْتَحق
قَالَ الشَّاعِر
стр. 249
(تأن وَلَا تعجل بلومك صاحبا ... لَعَلَّ لَهُ عذرا وَأَنت تلوم) // من الطَّوِيل //
٣ - مُرَاعَاة أَخْبَار الْبِلَاد المتاخمة وملوكها
وَلَئِن كَانَ من حُقُوق مَا استرعى من بِلَاده أَن يتعرف أَخْبَار أَعماله وعماله فَمن حُقُوق السياسة أَن يُرَاعى أَخْبَار مَا تاخمها من بِلَاد وملوك يتَّصل بِهِ خَيرهمْ وشرهم وَيعود عَلَيْهِ نَفعه وضرهم لِأَن الصّلاح وَالْفساد يسريان فِيمَا جاوراه وَرُبمَا روصد فاعتقل بالاهمال وعوجل بالاسترسال فيحم عَلَيْهِ الْأَعْدَاء ويحجم عَنهُ الْأَوْلِيَاء لِأَن للغفلات فرصا ينتهزها المستيقظ من اللاهي ويدركها المتحفظ من الساهي لِأَن الفرصة لمن واثبها بحزمه وسابقها بعزمه فليستدفع بَوَادِر الْغَفْلَة بالاستخبار ويتحذر مِنْهَا بالاستظهار وَلَا يغْفل فيستغفل ويهمل فيستعذر ليحرس ملكه ويحوط رَعيته فَإِنَّهُ لم تطل مُدَّة الْملك إِلَّا لمن يتيقظ ويتحفظ
стр. 250
وَقد ذكر الْأَوَائِل فِي مواعظ الْمُلُوك أَن الْملك تطول مدَّته إِذا كَانَ فِيهِ أَربع خِصَال
إِحْدَاهَا أَن لَا يرضى لرعيته مَا يرضاه لنَفسِهِ
وَالثَّانيَِة أَن لَا يسوف عملا يخَاف عاقبته
وَالثَّالِثَة أَن يَجْعَل ولي عَهده من ترضاه رعاياه لَا من تهواه نَفسه
وَالرَّابِعَة أَن يفحص عَن أَحْوَال رَعيته فحص الْمُرضعَة عَن مَنَام رضيعها
٤ - حذر الْملك قبُول السّعَايَة فِي أَصْحَابه
وَمِمَّا يَنْبَغِي للْملك أَن يحذرهُ قبُول السّعَايَة فِي أَصْحَابه فَذَلِك يوحش الناصح ويؤمن الخائن وَيفتح للسعادة أَبْوَاب الرشا
وليعلم أَن السَّاعِي لم يحملهُ على سَعْيه إفراط نصحه لسلطانه وَإِنَّمَا يَفْعَله إِمَّا حسدا لمن سعى بِهِ وطلبا للتشفي بِهِ وَإِمَّا تعرضا للكسب بِهِ وَإِمَّا ٥٧ آالتماسا للحظوة عِنْد السُّلْطَان
فَإِذا شرع فِي السّعَايَة أعْطى الْملك الرِّشْوَة فَأدْخل عَلَيْهِ الشُّبْهَة حَتَّى يتَصَوَّر الْأمين بِصُورَة الخائن والمحسن بِصُورَة المسيئ فتقل ثقته بِأَصْحَابِهِ وَإِذا قلت ثقته بهم أوحشهم وَإِذا أوحشهم خافهم فَيكون إضراره بِمن سعى إِلَيْهِ أَكثر من إضراره بِمن سعى بِهِ
وَقد رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ
(إياك ومهلك الثَّلَاثَة)
قيل وَمَا مهلك الثَّلَاثَة
следующие страницы →