← Сияса и кади

Сияса и кади · id 7240

تهذيب الرياسة وترتيب السياسة

القلعي

Полный текст (299 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

بُلُوغ مآربه ونجاح مطالبه أَن لَا يدْخل فِي الْحَرْب ويكاشف بهَا مَا دَامَ يطْمع فِي بُلُوغ مآربه ونجاح مطالبه بِمَا هُوَ دونهَا قَالَ أَبُو الطّيب وَإِنَّمَا الْحَرْب غَايَة المكايد فَحِينَئِذٍ يَنْبَغِي أَن يعالجه قبل أَن تتمكن بوائقه وتتسع طرائقه فَكل أَمر لَا يداوى من قبل أَن يعضل وَلَا يدبر قبل أَن يستفحل عيي بِهِ مداويه وصعب تَدَارُكه وتلافيه قَالَ بَعضهم تفقد عَدوك قبل أَن يَمْتَد بَاعه وَيطول ذراعه وتكبر شَكِيمَته ويعضل دواؤه وَمن أَمْثَال الْعَرَب دَوَاء للشق أَن يحاص فِيهِ فيستعين عَلَيْهِ حِينَئِذٍ بِالدُّخُولِ فِي الهيجاء ومكاشفة الْأَعْدَاء قَالَ الشَّاعِر (إِذا لم يكن إِلَّا الأسنة مركبا ... فَلَا رَأْي للْمُضْطَر إِلَّا ركُوبهَا)

стр. 142

وَللْآخر (وَلَا أَتَمَنَّى الشَّرّ وَالشَّر تاركي ... وَلَكِن مَتى أحمل على الشَّرّ أركب) وَهَذَا مثل قَوْله ﷺ لَا تَتَمَنَّوْا لِقَاء الْعَدو وَإِذا لقيتموه فَاصْبِرُوا قَالَ الشَّاعِر لم أكن فِي جنباتها يعلم الله ... وَأَنِّي بحرها صالي) وَقَالَ آخر (الْحَرْب يلْحق فِيهَا الكارهون كَمَا ... تَدْنُو الصِّحَاح من الجربى فتعديها) وَقَالَ أَبُو الطّيب (لَا تلق أَشْجَع مِنْك تعرفه ... إِلَّا إِذا مَا ضَاقَتْ الْحِيَل)

стр. 143

فصل وَيجب أَن يسْتَعْمل الحزم فِي تَدْبيره ويلاحظ العواقب فِي جَمِيع أُمُوره فَمن نظر فِي العواقب سلم من المعاطب وَمن أخر تَدْبيره تقدم تدميره وَقيل من نظر بِالرَّأْيِ غنم وَمن نظر فِي العواقب سلم وَمن أخلد إِلَى التواني حصل على الْأَمَانِي وَمن ترك حزمه أعَان خَصمه قَالَ ابْن دُرَيْد (من ضيع الحزم جنى لنَفسِهِ ... ندامة ألذع من سفع الذكي) وَقَالَ آخر الحزم إِن ضيعته أبشر بِقرب التّلف قَالَ رَسُول الله ﷺ الحزم سوء الظَّن

стр. 144

وَقيل لمعاوية مَا بلغ من حزمك قَالَ لم أَثِق بِأحد قَالَ بعض الْحُكَمَاء الاحتراس من كل أحد حزم وَقلة الاسترسال إِلَى النَّاس أسلم وَكتب طَاهِر بن الْحُسَيْن إِلَى إِبْرَاهِيم بن الْمهْدي هَذِه الأبيات (ركوبك الهول مَا لم تلق فرْصَة جهل ... ورأيك فِي الإقحام تغرير) (أَهْون بدنيا ينَال المخطئون بهَا ... حَظّ المصيبين والمغرور مغرور) (فَإِن ظَفرت بعجز أَو نجوت بِهِ ... قَالُوا جهول أعانته الْمَقَادِير) (وَإِن حرمت بحزم أَو هَلَكت بِهِ ... فَأَنت عِنْد ذَوي الْأَلْبَاب مَعْذُور) وَلآخر فِي الْمَعْنى (على كل حَال فَاجْعَلْ الحزم عدَّة ... لما أَنْت باغيه وعونا على الدَّهْر)

стр. 145

(فَإِن نلْت أمرا نلته بعزيمة ... وَإِن قصرت عَنْك الحظوظ فَعَن عذر) وَهَذَا الْمَعْنى مَأْخُوذ من قَول بعض الْحُكَمَاء اسْتعْمل الحزم فِي الْأُمُور وَلَيْسَ عَلَيْك مَا قضى الله مِنْهَا فَإِن فزت بحظ أحرزت إِلَيْهِ حمدا وَإِن غرمته عوضت عَلَيْهِ عذرا وَقَالَ بَعضهم أذكر حسرات التَّفْرِيط يلذ لَك الحزم وَمن الحزم أَلا يحتقر عدوه وَإِن كَانَ حَقِيرًا وَلَا يستصغره وَإِن كَانَ صَغِيرا فَإِن ذَلِك عنوان الخذلان وَفِيه ترك للحزم وتوهين للعزم قَالَ ابْن نباتة (فَلَا تحقرن عدوا رماك ... وَإِن كَانَ فِي ساعديه قصر) (فَإِن السيوف تحز الرّقاب ... وتعجز عَن مَا تنَال الأبر) قيل ق ٢٨ للمهلب من أحزم النَّاس قَالَ من يُوهم عَلَيْهِ الْجُبْن من

стр. 146

شدَّة احتياطه وَكَانَ فِي قتال الْأزَارِقَة يبث الأحراس فِي الْأَمْن كَانَ يبثهم فِي الْأَمْن ويذكي الْعُيُون فِي الْأَمْصَار كَمَا يذكيها فِي الصَّحَارِي وَيَأْمُر أَصْحَابه بالتحرز ويخوفهم البيات وَإِن بعد عَنْهُم الْعَدو وَيَقُول انْظُرُوا أَن تكادوا كَمَا تكيدون وَلَا تَقولُوا هَذَا منا وَلَا علينا فَإِن الْقَوْم خائفون وجلون وَإِن الضَّرُورَة تفتح بَاب الْحِيلَة

стр. 147

فصل وَيَنْبَغِي لَهُ أَن يكون فِي حَال محاربته وقتاله كَمَا قَالَ عبد الله بن صَالح فِي وَصِيَّة لَهُ لقائد فِي مقدم جَيش مضى إِلَى بِلَاد الرّوم فَقَالَ إِنَّك تَاجر الله لِعِبَادِهِ فَكُن كالمضارب الْكيس إِن رَأَيْت ربحا لَا يشك فِيهِ اتجرت وَإِلَّا احتفظت بِرَأْس المَال لَا تطلب الْغَنِيمَة حَتَّى تحرز السَّلامَة وَكن فِي احتيالك على عَدوك أخوف من احتيال عَدوك عَلَيْك وَكَانَت الْفرس إِذا بعثت أَمِيرا على جَيش قَالَت احفظ مَا يلقى إِلَيْك وانتهز الفرصة فَإِنَّهَا خلسة وَأثبت عِنْد رَأس الْأَمر لَا عِنْد ذَنبه وَإِيَّاك وشفيعا مهيبا وَإِيَّاك وَالْعجز فَإِنَّهُ أوطأ مركب وَعَلَيْك بِالصبرِ فَإِنَّهُ سَبَب الظفر وَلَا تَحض الْغمر حَتَّى تعرف الْقدر وَقَالَ قطري بن الْفُجَاءَة وَقد ذكر الْمُهلب بن أبي صفرَة لأَصْحَابه هُوَ

стр. 148

من قد عرفتموه إِن أَخَذْتُم بِطرف ثوب أَخذ بطرفه الآخر يمده إِذا أرسلتموه ويرسله إِذا مددتموه وَلَا يبدؤكم حَتَّى تبدؤوه إِلَّا أَن يجد فرْصَة فينتهزها فَهُوَ اللَّيْث المبرز والثعلب الرواغ وَقَالَ مرّة إِن جَاءَكُم الْمُهلب لَا يناجزكم حَتَّى تناجزوه وَيَأْخُذ مِنْكُم وَلَا يعطيكم فَهُوَ الْبلَاء اللَّازِم وَالْمَكْرُوه الدَّائِم وَكَانَت الْخَوَارِج تسميه السَّاحر لأَنهم كَانُوا يدبرون الْأَمر فيجدونه قد احترس مِنْهُم ويدبرون التَّدْبِير لأَنْفُسِهِمْ فيجدونه قد سبق إِلَى بعض تدبيرهم وَسَأَلَ الْحجَّاج بريدا ورد عَلَيْهِ من قبل الْمُهلب أَيَّام حربه للأزارقة عَن الْمُهلب والجند اللَّذين مَعَه فَقَالَ يسوسهم سياسة الْمُلُوك وَيُقَاتل بهم قتال الصعلوك

стр. 149

وَقَالَ عبد الله خَالِد بن الْوَلِيد لمعاوية إِنَّك لتقدم إقداما أَرَاك تتعرض للْقَتْل وتتأخر تأخرا أَرَاك تهم بالهرب فَقَالَ وَالله مَا أتقدم لأقتل وَلَا أتأخر لأخرب ولكنني أتقدم إِذا كَانَ التَّقَدُّم غنما وأتأخر إِذا كَانَ التَّأَخُّر حزما كَمَا قَالَ الشَّاعِر (شُجَاع إِذا مَا أمكنتني فرْصَة ... وَإِن لم تكن لي فرْصَة فجبان) وَقَالَ بَعضهم احتل للشمس وَالْقَمَر وَالرِّيح أَن يَكُونَا مَعَك لَا عَلَيْك وَقيل الْإِقْدَام أنفى للعار وَأدْركَ للثأر والشجاع موقى والجبان ملقى وَقَالَ المتنبي (يقتل الْعَاجِز الجبان وَقد يعجز ... عَن قطع بخنق الْمَوْلُود)

стр. 150

(ويوقى الْفَتى المخش وَيَد خوض ... فِي مَاء لبة الصنديد) وَمن أَمْثَال الْعَرَب إِن الجبان حتفه من فَوْقه عصى الجبان أطول محرض خير من ألف مقَاتل إذكاء الْعُيُون أنفى للظنون لَا تغفل الحسك إِن كنت نازلا وَالْخَنْدَق إِن كنت مُقيما إِذا ابْتليت بِالْبَيِّنَاتِ فَعَلَيْك بالثبات الِانْصِرَاف قبل الْهَزِيمَة هزيمَة الْحَرْب سِجَال وعثراتها لَا تقال

стр. 151

وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاة السَّلَام الْحَرْب خدعة وَمن أَمْثَال الْعَرَب إِذا تغلب فاخلب المحاجزة قبل المناجزة التَّغْرِير مِفْتَاح الْبُؤْس لَا تمنع عَدوك السَّبِيل فِي هزيمته الهارب لَا يعرج على صَاحب اللَّيْل جنَّة الهارب الْفِرَار فِي وقته ظفر وَقَالَ تعضهم الْفِرَار عِنْد الْخَوْف من سنَن

стр. 152

الْمُرْسلين قَالَ الله تَعَالَى حِكَايَة عَن مُوسَى ﵇ ق ٢٩ ففرت مِنْكُم لما خفتكم وَمن أَمْثَال الْعَرَب الْفِرَار بقراب أَكيس وَمن أَمْثَال الْعَامَّة فر أَخْزَاهُ الله خير من قتل ﵀ وَمن أبلغ مَا قيل فِي الِاعْتِذَار من الْفِرَار قَول الْحَارِث بن هِشَام حَيْثُ يَقُول (الله يعلم مَا تركت قِتَالهمْ ... حَتَّى علوا فرسي بأشقر مزِيد)

стр. 153

(وَعلمت أَنِّي إِن أقَاتل وَاحِدًا ... أقتل وَلَا يبكي عدوي بمشهدي) (فصدرت عَنْهُم والحبة فيهم ... طَمَعا لَهُم بعقاب يَوْم مرصد) وَقَالَ هُبَيْرَة بن أبي وهب المَخْزُومِي (لعمرك مَا وليت ظَهْري مُحَمَّدًا ... وَأَصْحَابه جبنا وَلَا خيفة الْقَتْل) (وَلَكِنِّي قلبت أَمْرِي فَلم أجد ... لسيفي غناء إِن ضربت وَلَا نبلي) (وقفت فَلَمَّا خفت ضَيْعَة موقفي ... رجعت بِعُود كالهزبر إِلَى الْقَتْل)

стр. 154

بَاب فِي ذمّ الْحجاب قَالَ رَسُول الله ﷺ من ولي من أُمُور النَّاس شَيْئا فاحتجبت عَنْهُم احتجب الله عَنهُ دون حَاجته وفاقته وَفَقره وَلما أخبر مُعَاوِيَة بِهَذَا الحَدِيث جعل على حوائج النَّاس رجلا وَقَالَ الْفضل بن سهل لثمامة بن الأشرس مَا أَدْرِي مَا اصْنَع فِي كَثْرَة طلاب الْحَوَائِج وغاشية الْبَاب فَقَالَ زل عَن موضعك وَعلي أَن لَا يلقاك أحد قَالَ صدقت وَقعد لَهُم وَفِي معنى قَول ثُمَامَة قَول الشَّاعِر

стр. 155

(فَلَا تعتذر بِالشغلِ عني فَإِنَّمَا تناط ... بك الْحَاجَات مَا اتَّصل الشّغل) وَقَول الآخر (افرغ لحاجاتنا مَا دمت مَشْغُولًا ... فَلَو فرغت لقد أَصبَحت مملولا قُلْنَا وَلَيْسَ المُرَاد بترك الْحجاب أَن يبرز السُّلْطَان إِلَى الْعَوام على الدَّوَام فِي الطرقات ويباشر بِنَفسِهِ أَحْوَال الرّعية فِي جَمِيع الْأَوْقَات إِنَّمَا بذلك أَلا يحجب عَن مَجْلِسه خَواص النَّاس وَذَوي المروءات وأرباب الشّرف والبيوتات وَأَن يَأْذَن للْعُلَمَاء وَأهل الدّين إِذا اسْتَأْذنُوا عَلَيْهِ لإبلاغ نصح يرجع صَلَاحه إِلَيْهِ وَإِلَى كَافَّة الْمُسلمين وَأَن يصغي بِنَفسِهِ إِلَى مخاطبتهم وَيَأْذَن لكلامهم ومحاوراتهم وَلَا يكل ذَلِك إِلَى وزرائه وحجابه وَسَائِر من يعْتَمد عَلَيْهِ من نوابة فَإِن أهل الْعلم وَالْفضل وَذَوي الرياسة والنبل قد يأنفون من رفع حَاجتهم إِلَى من لعِلَّة دونهم على الْحَقِيقَة فِي الْقدر والمنزلة وَإِن كَانَ الْملك قد أَهله من الرياسة لما هُوَ أَهله وَرُبمَا استشعر بذلك عَلَيْهِم شرفا وفخرا وشمخ بِأَنْفِهِ عَلَيْهِم صلفا وكبرا وَذَوي المناصب الْعلية قد لَا تسمح أنفسهم الأبية بِقبُول ذَلِك وَإِن عمتهم البلية

стр. 156

ودهمتهم الرزية وَرُبمَا قلدهم بِمَا يرفع من مأربهم وينجح على يَدَيْهِ من مطالبهم مِنْهُ يصعب على مثلهم من مثله تحملهَا ويعسر عَلَيْهِم تقلدها وَأَيْضًا فقد لَا ينقلون لَفظهمْ على صيغته وَلَا يصيبون الْمَعْنى المُرَاد على حَقِيقَته فيصيرون لسوء نقلهم ونقصان عقلهم الْمَدْح قدحا والتلطف تعسفا التودد تهددا والإبانة نِيَابَة وَالْأَمَانَة خِيَانَة ثمَّ يَنْبَغِي الْملك إِذا اتخذ حاجبا أَن يكون أَمينا عَاقِلا أديبا عَارِفًا بمقادير النَّاس ومنازلهم وعالما بحقهم وحرمتهم ليأذن لَهُم على قدر أَحْوَالهم ويقدمهم فِي الدُّخُول على حسب درجاتهم قَالَ عبد الْملك بن مَرْوَان لِأَخِيهِ عبد الْعَزِيز بن مَرْوَان حِين وَجهه إِلَى مصر اعرف حاجبك وكاتبك وجليسك فَإِن الْغَائِب عَنْك يُخبرهُ عَنْك كاتبك والمتوسم لَك يعرفك بحاجبك وَالْخَارِج يعرفك بجليسك قَالَ رجل

стр. 157

لزياد أَن حاجبك يبْدَأ بِالْإِذْنِ لمعارفه قَالَ قد أحسن فالمعرفة تَنْفَع عِنْد الْكَلْب الْعَقُور والجمل الغصوص كن من معارفه أَنْت أَيْضا ثمَّ يُقيم لحوائج النَّاس وتعريفها إِلَيْهِ من خواصه أروعهم وآدبهم وأحرصهم على طلب الْخَيْر وَطلب الْأجر وتجنب الْعَار والوزر واكتساب الثَّنَاء وَالشُّكْر ثمَّ يَجْعَل لعوام النَّاس وكافة ذَوي الْحَوَائِج والمتظلمين يَوْمًا فِي الْأُسْبُوع أَو فِي الشَّهْر على قدر الْحَاجة إِلَيْهَا يَأْذَن لَهُم فِي الدُّخُول عَلَيْهِ ليستدرك كل مِنْهُم مَا عجز عَن تَدَارُكه بالوسائط والذرائع ويصل من حَقه إِلَى ق ٣٠ مَا لم يوصله إِلَيْهِ الْقُضَاة وأرباب الصَّنَائِع وَعجز عَن إنصافه وُلَاة الْمَظَالِم وَكَاد يخرج عَمَّا هُوَ فِيهِ عَن مَعْلُوم الْعَالم فَهَذِهِ أَحْمد

стр. 158

السّير وأرضاها عِنْد ذَوي الرَّأْي والنظرة وَمِمَّا قيل فِي ذمّ الْحجاب قَول أبي الْعَتَاهِيَة فِي أَحْمد بن يُوسُف وَقد حجب عَنهُ (لِأَن عدت بعد الْيَوْم أَنِّي لظَالِم ... سأصرف وَجْهي حَيْثُ تبغى المكارم) (مَتى يظفر الغادي إِلَيْك بحاجة ... ونصفك مَحْجُوب ونصفك نَائِم) وَقَالَ أَيْضا فِي عَمْرو بن الْعَلَاء (أَتَيْتُك يَا هَذَا فأغلقت بابك ... أَكنت تراني حَيْثُ أبغي بابكا) (وَلَيْسَ لشَيْء غير تَسْلِيم مرّة ... أَتَيْتُك فاشدد مَا بقيت حجابكا) (لَك الله أَلا جِئْت بابك غير مَا ... فعلت وَلَا كلفت نَفسِي طلابكما) وَلأَحْمَد بن عبد الله مؤلف كتاب العقد فِي آخِره (مَا بَال بابك مَحْجُوب بنواب ... تحميه من طَارق يَأْتِي ومنتاب)

стр. 159

(لَا تحجب وَجهك الممقوت من أحد ... فالمقت يَحْجُبهُ من غير حجاب) (واعزل عَن الْبَاب من قد ظلّ يَحْرُسهُ ... فَإِن وَجهك طلسم عَن الْبَاب) وَقَالَ آخر (حجابك من مهابته عسير ... وخيرك من بر يَده يسير) (خرجت كَمَا دخلت إِلَيْك إِلَّا ... ترابك طَار فِي جفني كثير)

стр. 160

الْقسم الثَّانِي من الْكتاب فِي الحكايات عَن الْخُلَفَاء والوزراء والعمال والأمراء الدَّالَّة على مناقبهم وارتفاع مَرَاتِبهمْ ولنبدأ بِذكر مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان ﵁ لقرب عَهده ثمَّ من بعده على تَرْتِيب وجودهم وتعاقب أزمنتهم إِلَى حَيْثُ يَنْتَهِي بِنَا الْكَلَام وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق رُوِيَ أَن مُعَاوِيَة كَانَ يجلس وَيَأْذَن كل يَوْم خمس مَرَّات كَانَ إِذا صلى الْفجْر جلس فَيقْرَأ الْقَصَص وَيَقْضِي حَاجَة من حضر ثمَّ يَأْخُذ

стр. 161

الْمُصحف فَيقْرَأ أَجزَاء من الْقُرْآن الْكَرِيم ثمَّ يدْخل بَيته فيأمر وَينْهى وَيُصلي أَربع رَكْعَات ثمَّ يقْعد فِي مَجْلِسه وَيدخل إِلَيْهِ خَاصَّة الْخَاصَّة وَيَدْعُو بالغداء الْأَصْغَر من فضلات الْعشَاء ثمَّ يَأْمر بكرسيه حَيْثُ الْمَقْصُورَة من الْمَسْجِد فيأتيه ابْن السَّبِيل والأعرابي وَمن تستدعى من الْإِمَاء والعجائز وَالصبيان فَيَقْضِي حوائجهم وَلَا يضجر ثمَّ يدْخل منزله فيأتيه أَشْرَاف النَّاس وَالْعُلَمَاء فَيَقْضِي لَهُم الْحَوَائِج ثمَّ يَدْعُو بغدائه الْأَكْبَر فيطيل الْأكل ويصغي لكل أَصْحَاب الْحَوَائِج ثمَّ يدْخل منزله إِلَى الظّهْر فَلَا يرَاهُ أحد ثمَّ يخرج يُصَلِّي الظّهْر وَيدخل إِلَيْهِ الْخَواص فَإِن كَانَ أَيَّام الشتَاء دَعَا بالحلوات الْيَابِسَة وَإِن كَانَ صيفا دَعَا بالفواكه فَيَأْخُذ من الْأكل إِلَى الْعَصْر ثمَّ يجلس على سَرِيره وَيَأْذَن للنَّاس إِلَى الْغُرُوب ثمَّ يَأْذَن لخاصته إِلَى ثلث اللَّيْل يسامرونه وينام الثُّلُث الْأَوْسَط وَيُصلي الثُّلُث الْأَخير فَلم يزل على ذَلِك حَتَّى قَبضه الله تَعَالَى قيل سمر مُعَاوِيَة ذَات لَيْلَة فَذكر كَلَام الزَّرْقَاء بنت عدي امْرَأَة من أهل الْكُوفَة مِمَّن نصر عليا عَلَيْهِ

стр. 162

السَّلَام يَوْم صفّين فَقَالَ لأَصْحَابه أَيّكُم يحفظ كَلَام الزَّرْقَاء فَقَالُوا كلنا يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ نَحْفَظهُ فَقَالَ فَمَا تشيرون عَليّ فِيهَا فَقَالُوا نشِير بقتلها فَقَالَ بئس الرَّأْي رَأَيْتُمْ أيحسن بمثلي أَن يتحدث النَّاس عَليّ أَنِّي قتلت امْرَأَة بَعْدَمَا ملكت فظفرت ثمَّ دَعَا بكاتبه فَكتب إِلَى واليه بِالْكُوفَةِ أَن أوفد إِلَى الزَّرْقَاء بنت عدي مَعَ نفر من عشيرتها وعدة من فرسَان قَومهَا ومهد لَهَا وطاء لينًا فَلَمَّا ورد عَلَيْهِ الْكتاب ركب إِلَيْهَا فأقرأها الْكتاب فَقَالَت أما أَنا فَغير زائغة عَن الطَّاعَة فَإِن كَانَ أَمِير الْمُؤمنِينَ جعل الِاخْتِيَار إِلَيّ لم أرم من بلدي وَإِن كَانَ حتم الْأَمر فالسمع وَالطَّاعَة لَهُ فحملها على أحسن مَطِيَّة فِي هودج وَجعل غشاءه خَزًّا مبطنا وَأحسن صحبتهَا فَلَمَّا قدمت على مُعَاوِيَة قَالَ لَهَا مرْحَبًا وَأهلا خير مقدم قدمه وَافد كَيفَ حالك يَا خَالَة وَكَيف رَأَيْت ق ٣١ مسيرك فَقَالَت خير مسير كَأَنِّي ربيبة بَيت أَو طِفْل فِي مهد فَهَل تعلمين لما بعثت إِلَيْك فَقَالَت لَا يعلم الْغَيْب إِلَّا الله فَقَالَ أَلَسْت راكبة الْجمل الْأَحْمَر يَوْم صفّين وَأَنت بَين الصفين توقدين نَار الْحَرْب وتحضين على الْقِتَال قَالَت بلَى قَالَ فَمَا حملك على ذَلِك فَقَالَت

стр. 163

يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِنَّه قد مَاتَ الرَّأْس وبتر الذَّنب وَالِده ذُو غير وَمن تفكر أبْصر وَالْأَمر يحدث بعده الْأَمر قَالَ صدقت فَهَل تحفظين كلامك قَالَت لَا وَالله قَالَ لله أَبوك لقد سَمِعتك تَقُولِينَ أَيهَا النَّاس إِنَّكُم فِي فتْنَة عمياء صماء غشيتكم جلابيب الظُّلم وجارت بكم عَن قصد المحجة فيا لَهَا من فتْنَة لَا يسمع لقائلها وَلَا تنقاد لسائقها أَيهَا النَّاس إِن الْمِصْبَاح لَا يضيء فِي الشَّمْس وَإِن الْكَوَاكِب لَا تنير مَعَ الْقَمَر وَإِن الْبَغْل لَا يسْبق الْفرس وَلَا يقطع الْحَدِيد إِلَّا الْحَدِيد أَلا من استرشد أرشدناه وَمن سَأَلنَا أخبرناه أَن الْحق كَانَ يطْلب ضالته فَوَجَدَهَا فصبرا يَا معاشر الْمُسلمين من الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار على الْغصَص فَكَأَنَّهُ قد التأم شعب الشتات وَظَهَرت كلمة الْعدْل وَغلب الْحق باطله فَلَا يعجلن أحدكُم يَقُول كَيفَ ذَلِك ليقضي أمرا كَانَ مَفْعُولا إِن خضاب النِّسَاء الْحِنَّاء وخضاب الرِّجَال الدِّمَاء وَالصَّبْر خير فِي الْأُمُور عواقب أَيهَا إِلَى الْحَرْب قدما غير ناكصين فَهَذَا يَوْم لَهُ مَا بعده قَالَ يَا زرقاء لقد شاركت عليا عَلَيْهِ السَّلَام

стр. 164

فِي كل دم سفكه قَالَت أحسن الله بشارتك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ وأدام سلامك مثلك بشر بِخَير وسر جليسه قَالَ لَهَا وَقد سرك ذَلِك قَالَت نعم وَالله سرني قَوْلك وأنى لي بتصديقه قَالَ وَالله لوفاؤكم لَهُ بعد مَوته أعجب إِلَيّ من حبكم لَهُ فِي حَيَاته اذكري حَاجَتك فَقَالَت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِنِّي آلَيْت على نَفسِي أَن لَا أسأَل أحدا أعنت عَلَيْهِ شَيْئا أبدا وَمثلك من أعْطى بِغَيْر مَسْأَلَة وجاد من غير طلبة قَالَ صدقت ثمَّ أقطعها ضَيْعَة استغلت مِنْهَا أول سنة عشرَة آلَاف دِرْهَم وَذكر أَن سَوْدَة بنت عمَارَة بن أَسد اسْتَأْذَنت عَلَيْهِ فَلَمَّا أذن لَهَا قَالَ هيه يَا بنت أَسد أَلَسْت القائلة يَوْم صفّين (شمر كَفعل أَبِيك يَا بن عمَارَة ... يَوْم الطعان وملتقى الأقران) (وانصر عليا وَالْحُسَيْن ورهطه ... واقصد لهِنْد وأبنها بهوان) (إِن الإِمَام أهوَ النَّبِي مُحَمَّد ... علم الْهدى ومنارة الْإِيمَان) (فقد الجيوش وسر أَمَام لوائه ... قدما بأبيض صارم وَسنَان) فَقَالَت بلَى يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فَمَا مثلي من رغب عَن الْحق وَلَا اعتذر بِالْكَذِبِ قَالَ فَمَا حملك على ذَلِك قَالَت حب عَليّ وَاتِّبَاع الْحق فَقَالَ وَالله مَا أرى عَلَيْكُم من أثر عَليّ شَيْئا فَقَالَت نشدتك الله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ من إِعَادَة مَا مضى وتذكار مَا خلا فَقَالَ هَيْهَات مَا مثل مقَام أَخِيك ينسى

стр. 165

وَمَا لقِيت من أحد مَا لقِيت من أَخِيك وقومك قَالَت صدقت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ لم يكن أخي وَالله دهش الْمقَال وَلَا خَفِي الْمَكَان وَكَانَ وَالله كَمَا قَالَت الخنساء (وَإِن صخرا لتأتم الهداة بِهِ كَأَن ... هـ علم فِي رَأسه نَار) وَأَنا أسأَل أَمِير الْمُؤمنِينَ إعفائي مِمَّا استعفيته مِنْهُ فَقَالَ قد فعلت فَمَا حَاجَتك فَقَالَت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِنَّك أَصبَحت للنَّاس سيدا ولأمرهم واليا وَالله سَائِلك عَن أمورنا وَمَا افْترض الله عَلَيْك من حَقنا وَمَا يزَال بقدم علينا من يهجم بعزك ويبطش بسلطانك فيحصدها حصد السنبل ويدوسنا دوس الْبَقر ويسومنا الْخَسْف هَذَا ابْن أراطة قدم علينا فَقتل

стр. 166

رجَالًا وَأخذ أَمْوَالًا وَلَوْلَا الطَّاعَة لَكَانَ فِينَا عز ومنعة فإمَّا عزلته فشكرناك وَإِلَّا عرفناك فَقَالَ مُعَاوِيَة أبقومك تهدديني لقد هَمَمْت أحملك على قتب أَشْرَس فاردك إِلَيْهِ فَينفذ فِيك حكمه فاطرقت وبكت وأنشأت تَقول (صلى الْإِلَه على قبر تظمنه ... قبر فَأصْبح فِيهِ الْعدْل مَدْفُونا) (قد حَالف الْحق لَا يَنْبَغِي بِهِ بَدَلا ... فَصَارَ بِالْحَقِّ وَالْإِيمَان مَقْرُونا) قَالَ وَمن ق ٢٣ ذَلِك قَالَت أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ بن أبي طَالب ﵇ قَالَ وَمَا علمك بذلك فَقَالَت أَتَيْته فِي رجل ولاه علينا لم يكن بَيْننَا وَبَينه إِلَّا مَا بَين الغث وَالسِّين فَوَجَدته قَائِما يُصَلِّي فَلَمَّا نظر إِلَيّ انْفَتَلَ من صلَاته فَقَالَ برأفة وَرَحْمَة أَلَك حَاجَة فَأَخْبَرته فَبكى وَقَالَ اللَّهُمَّ أشهد عَليّ وَعَلَيْهِم إِنِّي لم أَمرهم بظُلْم أحد من خلقك وَلَا بترك شَيْء من حَقك ثمَّ أخرج من جيبه قِطْعَة جلد وَكتب فِيهَا بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم قد جاءتكم بَيِّنَة من ربكُم فأوفوا الْكَيْل وَالْمِيزَان وَلَا تخسوا النَّاس أشياءهم وَلَا تعثوا فِي الأَرْض مفسدين بقيت الله خير لكم إِن كُنْتُم مُؤمنين وَمَا أَنا عَلَيْكُم بحفيظ إِذا قَرَأت كتابي هَذَا فاحتفظ بِمَا فِي يدك حَتَّى يقدم عَلَيْك من

стр. 167

يقبضهُ مِنْك وَالسَّلَام فَأَخَذته مِنْهُ وَالله مَا حزمه بحزامه وَلَا خَتمه بطين فَعَزله بِهِ فَقَالَ مُعَاوِيَة اكتبوا لَهَا برد مَالهَا وَالْعدْل عَلَيْهَا فَقَالَت إِلَيّ خَاصَّة أم لقومي عَامَّة فَقَالَ مَا أَنْت وقومك فَقَالَت هِيَ وَالله الْفَحْشَاء إِذن اللؤم إِن كَانَ عدلا شَامِلًا وَإِلَّا فَأَنا كَسَائِر قومِي قَالَ هَيْهَات يَا أهل الْعرَاق لمظكم عَليّ بن أبي طَالب الجرأة على السُّلْطَان اكتبوا لَهَا بحاجتها ولسائر قَومهَا وَرُوِيَ أَنه أُتِي مُعَاوِيَة بِرَجُل من أَصْحَاب أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ بن أبي طَالب ﵇ كَانَ قد أبلى مَعَه بلَاء حسنا فَقَالَ مُعَاوِيَة الْحَمد لله الَّذِي أمكن مِنْك فَقَالَ لَا تقل ذَلِك وَلَكِن قل إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون فَإِنَّهَا مُصِيبَة قَالَ وَأي نعْمَة هِيَ أكبر من أَن الله قد أَظْفرنِي بِرَجُل قتل بساعة وَاحِدَة جمَاعَة من أَصْحَابِي اضربا عُنُقه فَقَالَ اللَّهُمَّ اشْهَدْ أَن مُعَاوِيَة لم يقتلني فِيك وَلَا أَنَّك رضيت قَتْلِي وَلَكِن يقتلني على سَبِيل الْغَلَبَة على حطام هَذِه الدُّنْيَا فَإِن فعل فافعل بِهِ مَا هُوَ أَهله وَإِن لم يفعل فافعل بِهِ مَا أَنْت أَهله قَالَ مُعَاوِيَة قَاتلك الله لقد سببت فأبلغت بالسب ودعوت فأبلغت فِي الدُّعَاء خليا عَنهُ

стр. 168

وَرُوِيَ عَن مُعَاوِيَة أَنه قَالَ اجعلوا للشعر أَكثر همكم وَأحد دأبكم فَإِن مآثر أسلافكم ومواضع إرشادكم فَلَقَد رَأَيْتنِي يَوْم الهرير وَقد عزمت على الْهَرَب فَمَا يردني إِلَّا قَول عَمْرو بن الأطنابة حَيْثُ يَقُول (أَبَت همتي وأبى حيائي ... وأخذي الْحَمد بِالثّمن الربيح) (وَقَوْلِي كلما جشأت وجاشت ... مَكَانك تحمدي أَو تستريحي) (وإقدامي على الْمَكْرُوه نَفسِي ... وضربي هَامة البطل المشيح) (لِأَنِّي عَالم أَن سَوف تنئا ... مَسَافَة بَين جثماني وروحي) وَقَالَ مُعَاوِيَة (كَأَن الجبان يرى أَنه ... يدافع عَنهُ الْفِرَار الْأَجَل) (فقد تدْرك الحادثان الجبان ... وَيسلم مِنْهَا الشجاع البطل)

стр. 169

وَقَالَ مُعَاوِيَة لعبد الرَّحْمَن بن الحكم يَا ابْن أخي إِنَّك لقد لهجت تَقول الشّعْر فإياك والتشبيب فتعر شريفا وَإِيَّاك والهجاء فتهجي كَرِيمًا أَو تثربه لئيما وَإِيَّاك والمدح فَإِنَّهُ كسب الخسيس وَلَكِن أَفْخَر بمآثر قَوْمك وَقل فِي الْأَمْثَال مَا تزين نَفسك وتؤدب بِهِ غَيْرك فَإِن لم تَجِد بَدَأَ من المديح فَكُن كالمبرار حِين مدح فَإِنَّهُ شفع بِنَفسِهِ حِين بَدَأَ بِغَيْرِهِ فَقَالَ (أنزلت نَفسِي فِي بني ثغل ... إِن الْكَرِيم للكريم مجل) وَقيل حج مُعَاوِيَة فَلَمَّا دخل الْمَدِينَة قَالَ الْحُسَيْن بن عَليّ لِأَخِيهِ الْحسن بن عَليّ صلوَات الله عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ لَا تلقه وَلَا تسلم عَلَيْهِ فَلَمَّا خرج قَالَ

стр. 170

الْحسن إِن علينا دينا وَلَا بُد من إِتْيَانه فَركب فِي أَثَره فَلحقه فَسلم عَلَيْهِ وَأخْبرهُ بِدِينِهِ فَمروا غَلبه ببختي عَلَيْهِ ثَلَاثُونَ ألف دِينَار قد أعيى وتخلف عَن الْإِبِل وَقوم سيوقونه فَقَالَ مُعَاوِيَة مَا هَذَا فَذكر لَهُ فَقَالَ اصرفوا مَا عَلَيْهِ لأبي مُحَمَّد قَالَ زِيَاد مَا غلبني مُعَاوِيَة فِي شَيْء من أُمُور السياسة قطّ إِلَّا فِي شَيْء وَاحِد وَذَلِكَ أَنِّي اسْتعْملت رجلا على دست ميسَان فَكسر عَلَيْهِ الْخراج فلحق بِمُعَاوِيَة فَكتبت إِلَيْهِ أسأله تَسْلِيمه إِلَيّ فَكتب فِي جَوَابه أما بعد فَلَيْسَ يَنْبَغِي لمثلي وَمثلك أَن نسوس النَّاس جَمِيعًا بسياسة وَاحِدَة لَكِن ق ٣٣ تكون أَنْت للغلطة والفظاظة وأكون أَنا للرأفة وَالرَّحْمَة فَإِذا هرب هارب وجد لَهُ بَابا يلج فِيهِ وَالسَّلَام وَقيل لمعاوية أَنْت أدهى أم زِيَاد فَقَالَ إِن زيادا لَيْسَ يدع الْأُمُور

стр. 171

تتفرق عَلَيْهِ بل يجمعها قبل ذَلِك وَإِنَّهَا لتتفرق عَليّ ثمَّ أجمعها قَالَ قوم لزياد بِمَ ضبط الْعرَاق قَالَ بِالسَّيْفِ قَالَ أَنا ضبط الْعرَاق وَالشَّام والحجاز بالحلم وَلما هم مُعَاوِيَة بالبيعة لِابْنِهِ يزِيد كتب إِلَى زِيَاد يستشيره فِيهِ فَدَعَا زِيَاد عبد بن كَعْب النميري فأوفده على مُعَاوِيَة فَقَالَ إِن لَك مستشير ثِقَة وَلَك سر مستودعا وَإِن النَّاس قد ابتدعت علم خصلتان إِضَاعَة السِّرّ وإفساد النَّصِيحَة وَلَيْسَ يستودع إِلَّا عِنْد رجلَيْنِ رجل يَرْجُو ثَوَاب الْآخِرَة وَرجل لَهُ حسب وعقل يصون حَسبه وعقله وَإِن أَمِير الْمُؤمنِينَ يستشيرني وعلاقة الْإِسْلَام وضمانه شَدِيد لِأَن يزِيد صَاحب لعب وتهاون مَعَ مَا أولع فِيهِ من الصَّيْد فألق أَمِير الْمُؤمنِينَ مُؤديا عني فَأخْبرهُ وَقل لَهُ رويدك فِي الْأَمر يَسْتَقِيم فَإِن دركا فِي تأجير خير من تَعْجِيل أَخَاف عاقبته وَلَا تَدْرِي إِلَى مَا يصير الْأَمر فَلَمَّا بلغه الرسَالَة أَخذ مُعَاوِيَة بِرَأْي زِيَاد وَأخر بيعَته وَكتب إِلَى سعيد بن الْعَاصِ يستشيره فَرجع جَوَابه إِلَيْهِ أَنه

стр. 172

قد بقيت مشيخة من أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ عَلَيْهِ وعَلى آله وَسلم فرويدا بِهَذَا الْأَمر لَعَلَّهُم ينقرضون فَقَالَ مُعَاوِيَة صدق سعيد فَأخر الْبيعَة وَلم يزل يُدَارِي النَّاس بعد ذَلِك سبع سِنِين إِلَى أَن تمّ لَهُ الْأَمر وَقيل إِنَّه اسْتَشَارَ الْأَحْنَف بن قيس فَقَالَ أَدخل على يزِيد فَأدْخلهُ عَلَيْهِ فَلَمَّا خرج قَالَ لَهُ مُعَاوِيَة كَيفَ رَأَيْت يزِيد فَقَالَ رَأَيْت شبَابًا وجلدا ونشاطا ثمَّ قَالَ نخافكم إِن صدقنا ونخاف الله إِن كذبنَا وَأَنت أعلم يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ بليله ونهاره ومدخله ومخرجه وسره وجهاره وإيراده وإصداره فَإِن كنت تعلم أَن فِيهِ لله رضى ولهذه الْأمة صلاحا فَلَا تشَاور النَّاس وَإِن كنت تعلم مِنْهُ غير ذَلِك فَلَا تزوده الدُّنْيَا وَأَنت عَائِد إِلَى الْآخِرَة وَإِنَّمَا علينا السّمع وَالطَّاعَة فَقَالَ مُعَاوِيَة جَزَاك الله عَن الطَّاعَة خيرا وَلما أَخذ مُعَاوِيَة فِي الْبيعَة ليزِيد قَالَ لَهُ يَا بني لقد ذللت لَك الشدَّة ومنحتك اللين وتحملت دُونك الغلظة وَقد وليتك أمرا عَظِيما من

стр. 173

أَمر هَذِه الْأمة وَلَيْسَ حَيّ من أَحيَاء الْعَرَب إِلَّا وَله عِنْدِي تره قد كنت أشغله عَنْهَا بِحسن الْوِفَادَة وجزيل الرفد حَتَّى تركت قُلُوبهم كالطينة المؤتثة فَلَا تخالفن فعلي فيهم فَعَلَيْك بإدرار عطيتك ومباشرة أمورك وَلَا تشغل نَفسك بمفاكهة الْإِمَاء ومداعبتهن فَإِن ذَلِك من فعل ضعفة الرِّجَال وَانْظُر هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَة من قُرَيْش أما الْحُسَيْن بن عَليّ فَإِنِّي قد أوصيك فِيهِ بِحِفْظ قرَابَته ورعاية حق رَحمَه فَإِن الْقُلُوب إِلَيْهِ جانحة فَاجْعَلْ لَهُ عِنْد ظفرك نَصِيبا من رَحِمك واطوي كشحا عَن ابْن عمر وَابْن أبي بكر فَإِنَّهُمَا كَمثل الهقل لَا يحمل ثقلا وَلَا يجمع نهوضا وَأما ابْن الزبير فكالثعلب رواغ بالحيلة وكالليث صال بالجراءة وَفِي رِوَايَة أُخْرَى أَنه قَالَ أما عبد الله بن عمر فقد شغلته الْعِبَادَة

стр. 174

وَأما عبد الرَّحْمَن بن أبي بكر فَلَيْسَ لَهُ همة إِلَّا فِي النِّسَاء وَاللَّهْو فَلَمَّا بُويِعَ يزِيد حج بِالنَّاسِ وَقسم بِمَكَّة وَالْمَدينَة أَمْوَالًا كَثِيرَة وَقَالَ لَهُ

стр. 175

عبد الله بن الزبير إِذا خرجت فَاخْرُج مَعَك الْحُسَيْن بن عَليّ واطلب من مَرْوَان دَاره فَإنَّك لَا تَأتي بفائدة مثلهَا فَقَالَ مَا اتهمَ رَأْيك أما الْحُسَيْن فَإِنِّي أوفد إِلَيْهِ فَإِن خرج مَعَهم وَأقَام بِالشَّام عرفنَا حَقه ورعينا قرَابَته وَإِن رَجَعَ إِلَى أَهله لم نَدع صلته فقد أَقَامَ دهره بِالْمَدِينَةِ لم يأتنا نته مَا نكره وَكتب مُعَاوِيَة إِلَى سعيد بن الْعَاصِ وَهُوَ أَمِير بِالْمَدِينَةِ بِالْقَبْضِ على مَال مَرْوَان بن الحكم فَلم يفعل فَرَاجعه فِيهِ ثمَّ كتب كتابا ثَانِيًا فدافعه واحتفظ ق ٣٤ بالكتابين فَلَمَّا عزل سعيد وَولي مَرْوَان بن الحكم الْمَدِينَة وَكتب لَهُ بِالْقَبْضِ على أَمْوَال سعيد فَأرْسل مَرْوَان

стр. 176

بِالْكتاب مَعَ ابْنه عبد الْملك إِلَى سعيد وَقَالَ لَهُ لَو لم يكن الْكتاب لتجافيت عَن ذَلِك فَدَعَا سعيد بالكتابين فَأَعْطَاهُمَا عبد الْملك فجَاء بهما إِلَى مَرْوَان فَلَمَّا قرأهما قَالَ هُوَ أفضل منا فَكف عَن قبض أَمْوَال سعيد وَقَالَ سعيد لوَلَده من أَتَاكُم فِي مجالسكم فقد وَجب حَقه عَلَيْكُم وَمن أَتَاكُم فِي مَنَازِلكُمْ فقد وَجَبت حرمته عَلَيْكُم وَمن أَتَاكُم فِي حَاجَة فَلَا تدخروه شَيْئا فمنته عَلَيْكُم أعظم إِذْ رآكم موضعا لِحَاجَتِهِ وَلما حضرت سعيد بن الْعَاصِ الْوَفَاة قَالَ لِبَنِيهِ أَيّكُم يكفل بديني فَقَالَ ابْنه عَمْرو الْأَشْدَق وَكم دينك قَالَ ثَمَانُون ألفا قَالَ وفيم استدنتها قَالَ سددت بهَا خلة من كريم واشتريت بهَا عرضي من لئيم فَإِذن أَنا بهَا زعيم قَالَ هَذِه خصْلَة وَاحِدَة يَا بني وخصلتان قَالَ مَا هما قَالَ بَنَاتِي لَا تزوجوهن إِلَّا من الْأَكفاء وَلَو تعلق حَبل من الشّعْر قَالَ عَليّ يَا أبتي قَالَ وإخواني إِن فقدوا وَجْهي لم يفقدوا معروفي قَالَ عَليّ يَا أبتي قَالَ وَالله يَا بني مَا زلت أعرف الْكَرم فِي وَجهك وحماليق عَيْنَيْك وَأَنت فِي المهد وَالله يَا بني مَا شتمت أحدا مُنْذُ كنت رجلا وَلَا زاحمت بركبتي رجلا وَلَا كلفت من

стр. 177

يرتجيني أَن يسألني وَقَالَ زِيَاد اسْتَوْصُوا بِثَلَاثَة مِنْكُم خيرا الشريف والعالم وَالشَّيْخ وَالله لَا يأتيني شرِيف بوضيع أستخف بِهِ إِلَّا ضَربته وَلَا يأتيني شيخ بشاب استخف بِهِ إِلَّا أوجعته وَلَا يأتيني عَالم بجاهل استخف بِهِ إِلَّا نكلت بِهِ وَلِهَذَا قَالَ ارحموا ثَلَاثَة غَنِي قوم افْتقر وعزيز قوم ذل وعالما بَين جهال واختصم إِلَى زِيَاد رجلَانِ فَقَالَ أَحدهمَا أصلح الله الْأَمِير إِن هَذَا يدل بخاصته يزْعم أَنَّهَا لَهُ مِنْك قَالَ صدق وسأخبرك بِمَا يَنْفَعهُ عِنْدِي من مودته إِن كَانَ الْحق لَهُ عَلَيْك أخذتك بِهِ أخذا عنيفا وَإِن كَانَ الْحق لَك عَلَيْهِ أَقْْضِي عَلَيْهِ ثمَّ أَقْْضِي عَنهُ وَكَانَ زِيَاد إِذا ولى رجلا قَالَ لَهُ خُذ عَهْدك وسر إِلَى عَمَلك وَاعْلَم أَنَّك مَصْرُوف راس سنتك وَأَنت تصير إِلَى إِحْدَى ثَلَاث خِصَال

стр. 178

فاختر لنَفسك إِن وجدناك أَمينا ضَعِيفا استبدلنا بك لضعفك وسلمتك من معرتنا أمانتك إِن وجدناك خائنا قَوِيا استهنا بقوتك وأحسنا على خِيَانَتك أدبك وأوجعنا ظهرك وَإِن وجدناك قَوِيا أَمينا زِدْنَا فِي عَمَلك رفعنَا لَك ذكرك وأوطئنا كعبك وكثرنا مَالك وَكَانَ لزياد سياسة عَظِيمَة حَتَّى إِنَّه كَانَ لَا يغلق أَبْوَاب الحوانيت فِي اللَّيْل وَمَا ذكر من حسن تَدْبيره أَنه أُتِي بِامْرَأَة كَانَت قد خرجت مَعَ الْخَوَارِج فِي الْحَرْب فَقَتلهَا ثمَّ عراها فَلم يخرج النِّسَاء عَلَيْهِ بعد ذَلِك وَكن إِذا دعين إِلَى الْخُرُوج قُلْنَ لَوْلَا التعرية لسارعنا إِلَى الْخُرُوج وَكَانَ يقتل الْمظَاهر بِالْخرُوجِ ويستصلح المسر مِنْهُم حَتَّى يستكفي شرهم وخروجهم عَلَيْهِ وَكَانَ يبْعَث إِلَى الْجَمَاعَة مِنْهُم فَيَقُول مَا أَحسب الَّذِي يمنعكم من إتياني إِلَّا الرجلة فَيَقُولُونَ أجل فيحملهم فَيَقُول أغشوني الْآن واسمروا عِنْدِي وَكَانَ عمر بن عبد الرَّحْمَن ﵀ يَقُول قَاتل الله زيادا جمع

стр. 179

لَهُم كَمَا تجمع الذّرة وحاطهم كَمَا تحوط الْأُم الْبرة وَأصْلح الْعرَاق بِأَهْل الْعرَاق وَترك أهل الشَّام فِي شامهم وَلما ولي يزِيد بن مُعَاوِيَة سلم بن زِيَاد قَالَ إِن أبي استكفى أَبَاك كَبِيرا وَقد استكفيتك صَغِيرا فَلَا تتكلن عَليّ عذر مني فقد اتكلت على كِفَايَة مِنْك وَإِيَّاك مني قبل أَن أَقُول إيَّايَ مِنْك فَإِن الظَّن إِذا أخلف مِنْك أخلف لَك وَأَنت فِي أدنى حظك فاطلب أقصاه وَقد أتعبك أَبوك فَلَا تريحن نَفسك واطلب فِي يَوْمك أَحَادِيث غدك وَكن لنَفسك تكن لَك وَدخل عبد الله بن جَعْفَر على يزِيد بن مُعَاوِيَة فَأكْرمه وَقَالَ بكم كَانَ يصلك مُعَاوِيَة فَقَالَ كَانَ يصلني بِأَلف ألف دِرْهَم وترحم عَلَيْهِ قَالَ

стр. 180

يزِيد وَقد زدناك ألف ألف أُخْرَى لترحمك عَلَيْهِ أَخذ مُصعب بن الزبير رجلا من أَصْحَاب الْمُخْتَار فَأمر بِضَرْب عُنُقه فَقَالَ أصلح الله الْأَمِير مَا أقبح من أَن أقوم يَوْم الْقِيَامَة إِلَى صُورَتك هَذِه الْحَسَنَة ووجهك هَذَا الْحسن الَّذِي يستضاء بِهِ فأتعلق ق ٣٥ بأطرافك فَأَقُول أَي رب سل مصعبا فيمَ قتلني فَقَالَ أَطْلقُوهُ قَالَ أَيهَا الْأَمِير أجعَل مَا وهبت لي من عمري فِي خفض قَالَ قد أمرت لَك بِمِائَة ألف دِرْهَم فَإِنِّي أشهد الله تَعَالَى وَأشْهد الْأَمِير أَن لِابْنِ قيس الرقيات نصفهَا قَالَ وَلما قَالَ لقَوْله
следующие страницы →