← Сияса и кади

Сияса и кади · id 7240

تهذيب الرياسة وترتيب السياسة

القلعي

Полный текст (299 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

بِالْكتاب مَعَ ابْنه عبد الْملك إِلَى سعيد وَقَالَ لَهُ لَو لم يكن الْكتاب لتجافيت عَن ذَلِك فَدَعَا سعيد بالكتابين فَأَعْطَاهُمَا عبد الْملك فجَاء بهما إِلَى مَرْوَان فَلَمَّا قرأهما قَالَ هُوَ أفضل منا فَكف عَن قبض أَمْوَال سعيد وَقَالَ سعيد لوَلَده من أَتَاكُم فِي مجالسكم فقد وَجب حَقه عَلَيْكُم وَمن أَتَاكُم فِي مَنَازِلكُمْ فقد وَجَبت حرمته عَلَيْكُم وَمن أَتَاكُم فِي حَاجَة فَلَا تدخروه شَيْئا فمنته عَلَيْكُم أعظم إِذْ رآكم موضعا لِحَاجَتِهِ وَلما حضرت سعيد بن الْعَاصِ الْوَفَاة قَالَ لِبَنِيهِ أَيّكُم يكفل بديني فَقَالَ ابْنه عَمْرو الْأَشْدَق وَكم دينك قَالَ ثَمَانُون ألفا قَالَ وفيم استدنتها قَالَ سددت بهَا خلة من كريم واشتريت بهَا عرضي من لئيم فَإِذن أَنا بهَا زعيم قَالَ هَذِه خصْلَة وَاحِدَة يَا بني وخصلتان قَالَ مَا هما قَالَ بَنَاتِي لَا تزوجوهن إِلَّا من الْأَكفاء وَلَو تعلق حَبل من الشّعْر قَالَ عَليّ يَا أبتي قَالَ وإخواني إِن فقدوا وَجْهي لم يفقدوا معروفي قَالَ عَليّ يَا أبتي قَالَ وَالله يَا بني مَا زلت أعرف الْكَرم فِي وَجهك وحماليق عَيْنَيْك وَأَنت فِي المهد وَالله يَا بني مَا شتمت أحدا مُنْذُ كنت رجلا وَلَا زاحمت بركبتي رجلا وَلَا كلفت من

стр. 177

يرتجيني أَن يسألني وَقَالَ زِيَاد اسْتَوْصُوا بِثَلَاثَة مِنْكُم خيرا الشريف والعالم وَالشَّيْخ وَالله لَا يأتيني شرِيف بوضيع أستخف بِهِ إِلَّا ضَربته وَلَا يأتيني شيخ بشاب استخف بِهِ إِلَّا أوجعته وَلَا يأتيني عَالم بجاهل استخف بِهِ إِلَّا نكلت بِهِ وَلِهَذَا قَالَ ارحموا ثَلَاثَة غَنِي قوم افْتقر وعزيز قوم ذل وعالما بَين جهال واختصم إِلَى زِيَاد رجلَانِ فَقَالَ أَحدهمَا أصلح الله الْأَمِير إِن هَذَا يدل بخاصته يزْعم أَنَّهَا لَهُ مِنْك قَالَ صدق وسأخبرك بِمَا يَنْفَعهُ عِنْدِي من مودته إِن كَانَ الْحق لَهُ عَلَيْك أخذتك بِهِ أخذا عنيفا وَإِن كَانَ الْحق لَك عَلَيْهِ أَقْْضِي عَلَيْهِ ثمَّ أَقْْضِي عَنهُ وَكَانَ زِيَاد إِذا ولى رجلا قَالَ لَهُ خُذ عَهْدك وسر إِلَى عَمَلك وَاعْلَم أَنَّك مَصْرُوف راس سنتك وَأَنت تصير إِلَى إِحْدَى ثَلَاث خِصَال

стр. 178

فاختر لنَفسك إِن وجدناك أَمينا ضَعِيفا استبدلنا بك لضعفك وسلمتك من معرتنا أمانتك إِن وجدناك خائنا قَوِيا استهنا بقوتك وأحسنا على خِيَانَتك أدبك وأوجعنا ظهرك وَإِن وجدناك قَوِيا أَمينا زِدْنَا فِي عَمَلك رفعنَا لَك ذكرك وأوطئنا كعبك وكثرنا مَالك وَكَانَ لزياد سياسة عَظِيمَة حَتَّى إِنَّه كَانَ لَا يغلق أَبْوَاب الحوانيت فِي اللَّيْل وَمَا ذكر من حسن تَدْبيره أَنه أُتِي بِامْرَأَة كَانَت قد خرجت مَعَ الْخَوَارِج فِي الْحَرْب فَقَتلهَا ثمَّ عراها فَلم يخرج النِّسَاء عَلَيْهِ بعد ذَلِك وَكن إِذا دعين إِلَى الْخُرُوج قُلْنَ لَوْلَا التعرية لسارعنا إِلَى الْخُرُوج وَكَانَ يقتل الْمظَاهر بِالْخرُوجِ ويستصلح المسر مِنْهُم حَتَّى يستكفي شرهم وخروجهم عَلَيْهِ وَكَانَ يبْعَث إِلَى الْجَمَاعَة مِنْهُم فَيَقُول مَا أَحسب الَّذِي يمنعكم من إتياني إِلَّا الرجلة فَيَقُولُونَ أجل فيحملهم فَيَقُول أغشوني الْآن واسمروا عِنْدِي وَكَانَ عمر بن عبد الرَّحْمَن ﵀ يَقُول قَاتل الله زيادا جمع

стр. 179

لَهُم كَمَا تجمع الذّرة وحاطهم كَمَا تحوط الْأُم الْبرة وَأصْلح الْعرَاق بِأَهْل الْعرَاق وَترك أهل الشَّام فِي شامهم وَلما ولي يزِيد بن مُعَاوِيَة سلم بن زِيَاد قَالَ إِن أبي استكفى أَبَاك كَبِيرا وَقد استكفيتك صَغِيرا فَلَا تتكلن عَليّ عذر مني فقد اتكلت على كِفَايَة مِنْك وَإِيَّاك مني قبل أَن أَقُول إيَّايَ مِنْك فَإِن الظَّن إِذا أخلف مِنْك أخلف لَك وَأَنت فِي أدنى حظك فاطلب أقصاه وَقد أتعبك أَبوك فَلَا تريحن نَفسك واطلب فِي يَوْمك أَحَادِيث غدك وَكن لنَفسك تكن لَك وَدخل عبد الله بن جَعْفَر على يزِيد بن مُعَاوِيَة فَأكْرمه وَقَالَ بكم كَانَ يصلك مُعَاوِيَة فَقَالَ كَانَ يصلني بِأَلف ألف دِرْهَم وترحم عَلَيْهِ قَالَ

стр. 180

يزِيد وَقد زدناك ألف ألف أُخْرَى لترحمك عَلَيْهِ أَخذ مُصعب بن الزبير رجلا من أَصْحَاب الْمُخْتَار فَأمر بِضَرْب عُنُقه فَقَالَ أصلح الله الْأَمِير مَا أقبح من أَن أقوم يَوْم الْقِيَامَة إِلَى صُورَتك هَذِه الْحَسَنَة ووجهك هَذَا الْحسن الَّذِي يستضاء بِهِ فأتعلق ق ٣٥ بأطرافك فَأَقُول أَي رب سل مصعبا فيمَ قتلني فَقَالَ أَطْلقُوهُ قَالَ أَيهَا الْأَمِير أجعَل مَا وهبت لي من عمري فِي خفض قَالَ قد أمرت لَك بِمِائَة ألف دِرْهَم فَإِنِّي أشهد الله تَعَالَى وَأشْهد الْأَمِير أَن لِابْنِ قيس الرقيات نصفهَا قَالَ وَلما قَالَ لقَوْله

стр. 181

(إِنَّمَا مُصعب شهَاب من الله ... تجلت عَن وَجهه الظلماء) (ملكه ملك رَحْمَة لَيْسَ فِيهِ ... جبروت مِنْهُ وَلَا كبرياء) (يَتَّقِي الله فِي الْأُمُور وَقد ... أَفْلح من كَانَ همه الاتقاء) فَضَحِك مُصعب وَقَالَ أرى فِيك موضعا للصنيعة فَأحْسن جائزته وَلما بلغ عبد الله بن الزبير قتل أَخِيه مُصعب خطب النَّاس فَقَالَ الْحَمد لله الَّذِي يعز من يَشَاء ويذل من يَشَاء إِنَّه لم يذل من كَانَ الْحق مَعَه وَإِن كَانَ فَردا وَلم يعز من كَانَ من أَوْلِيَاء الله الشَّيْطَان وَإِن كَانَ مَعَه الثَّقَلَان أَتَانَا خبر من الْعرَاق أحزننا وأفرحنا قتل مُصعب يرحمه الله فَأَما الَّذِي أحزننا فَإِن لفراق الْحَمِيم لوعة يجدهَا حميمه عِنْد الْمُصِيبَة ثمَّ يرعوي ذَوي الرَّأْي إِلَى جميل الصَّبْر وكريم العزاء وَأما الَّذِي أفرحنا فَعلمنَا أَن قَتله شَهَادَة وَأَن ذَلِك لنا وَله فِيهِ الْخيرَة أَلا وَإِن أهل الْعرَاق أهل الشقاق والنفاق باعوه بِأَقَلّ ثمن كَانُوا يأخذونه مِنْهُ إِنَّا وَالله مَا نموت إِلَّا قصعا بِالرِّمَاحِ وَتَحْت ظلال السيوف وَلَيْسَ كَمَا يَمُوت بَنو مَرْوَان حبجا وَالله إِن قتل مِنْهُم رجلا فِي جَاهِلِيَّة وَلَا إِسْلَام أَلا وَإِن الدُّنْيَا عَارِية من الْملك الْأَعْلَى فَإِن تقبل عَليّ لَا آخذها أَخذ البطر الأشر وَإِن تدبر عني لَا أبْكِي عَلَيْهَا بكاء الْحزن المهتر

стр. 182

قلت الحبج إِن ينتفخ بطن الدَّابَّة من كَثْرَة الْأكل فتموت والقصع أَن يطعن وَيضْرب فَيَمُوت مَكَانَهُ فِي الْحَال والمهتر الَّذِي يسْقط فِي كَلَامه من الْكبر وَقَالَ الْمُهلب بن أبي صفرَة لِبَنِيهِ يَا بني إِن ثيابكم على غَيْركُمْ أحسن مِنْهَا عَلَيْكُم وَإِن دوابكم تَحت غَيْركُمْ أحسن مِنْهَا تحتكم وَقَالَ أَيْضا لِبَنِيهِ لَا تتكلوا على مَا سبق من فعلي وافعلوا مَا ينْسب إِلَيْكُم وَأنْشد (إِنَّمَا الْمجد مَا بِنَا وَالِد الصدْق ... وَأَحْيَا فعاله الْمَوْلُود) وَقَالَ لِابْنِهِ يزِيد أَخفض جناحك وَاشْتَدَّ فِي سلطانك فَإِنِّي رَأَيْت النَّاس للسُّلْطَان أهيب مِنْهُم لِلْقُرْآنِ

стр. 183

وَمر فِي الْكُوفَة بحي من هَمدَان فِي نَاد لَهُم فَقَالَ رجل مِنْهُم وَالله مَا يُسَاوِي إِلَّا خَمْسمِائَة دِرْهَم وَكَانَ الْمُهلب أعورا فَنظر إِلَى الرجل حَتَّى أثْبته فَلَمَّا خرج بالعشى حمل فِي كَفه خَمْسمِائَة دِرْهَم ثمَّ ضرب دَابَّته حَتَّى وقف فِي نَادِي هَمدَان فيصر بالشاب فَقَالَ افْتَحْ حجرك وَقَالَ دُونك يَا بن أخي قيمَة عمك فو الله لَو قومته بِأَكْثَرَ من هَذَا لجاءتك فَقَالَ الْفَتى واسوأتاه قَالَ الْمُهلب لَا ضير فَقَالَ شيخ من هَمدَان مَا أَخطَأ سودك وَقدم زِيَاد بن الْعَجم على الْمُهلب بن أبي صفرَة الْأَزْدِيّ بخرسان فَنزل على ابْنه حبيب فَجَلَسَا على شراب وَفِي الدَّار شَجَرَة عَلَيْهَا حمامة فَجعلت تغرد فَقَالَ زِيَاد (تغني أَنْت فِي ذممي وعهدي ... وَذمَّة وَالِدي أَن لَا تضاري) (إِذا غنيت أَو طربت يَوْمًا ... ذكرت أحبتي وَذكرت دَاري) (فإمَّا يَقْتُلُوك طلبت ثَأْرِي ... بِقَتْلِهِم لِأَنَّك فِي جواري) فَأخذ حبيب سَهْما فَرَمَاهَا فأثبتها بِهِ فَمَاتَتْ فَقَالَ زِيَاد قتلت جاري بيني وَبَيْنك الْمُهلب فَأخْبرهُ فَقَالَ يَا حبيب ادْفَعْ إِلَى أبي أُمَامَة ألف دِينَار فَقَالَ حبيب أعز الله الْأَمِير إِنَّمَا كنت أَلعَب

стр. 184

فَقَالَ مَعَ هَذَا اللّعب جَار أبي أُمَامَة جاري فَدفع حبيب إِلَيْهِ ألف دِينَار فَأَنْشَأَ زِيَاد يَقُول (فَللَّه عينا من رأى من قَضِيَّة ... قَضَاهَا فأمضاها الْأَمِير الْمُهلب) (قضى ألف دِينَار لِجَار أجرته ... من الطير حضان على الْبيض ينعب) (رَمَاه حبيب بن الْمُهلب رمية ... فأنفذه بِالسَّهْمِ وَالشَّمْس تغرب) (فألزمه عقل الْقَتِيل بأسره ... فَقَالَ حبيب إِنَّمَا كنت أَلعَب) (فَقَالَ زِيَاد لَا يروع جَاره ... وجاره جاري بل من الْجَار اقْربْ) فَلَمَّا سَمعهَا الْمُهلب أجَازه بجائزة حَسَنَة وَصَرفه مكرما فَبلغ ذَلِك الْحجَّاج فَقَالَ مَا أَخْطَأت الْعَرَب إِذْ جعلت الْمُهلب شَيخا وقف أَعْرَابِي على عبد الْملك بن مَرْوَان فَسلم ثمَّ قَالَ يَرْحَمك الله أَنه مرت بِنَا سنُون ثَلَاث أما إِحْدَاهَا فَأخذت الْمَوَاشِي وَأما الثَّانِيَة فنفضت اللَّحْم وَأما الثَّالِثَة فخلصت إِلَى الْعظم وعندك مَال فَإِن يكن لله فأعطه عباد الله وَأَن يكن لَك فَتصدق علينا إِن الله يَجْزِي المتصدقين فَأعْطَاهُ عشرَة آلَاف دِرْهَم وَقَالَ لَو كَانَ النَّاس يحسنون يسْأَلُون مَا حرمنا أحدا ذكرت نُسْخَة ب ج د قصَّة إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن طَلْحَة مَعَ الْحجَّاج الْوَارِدَة فِي صفحة ١٤٤ ١٤٦ فِي هَذَا الْموضع وَلما كنت أحقق

стр. 185

الأَصْل فقد اكتفيت بذكرها هُنَاكَ وكما وَردت فِي الأَصْل مُرَاعَاة لحُرْمَة الأَصْل وَلما ولى عبد الْملك الْحجَّاج كتب إِلَيْهِ إِنِّي قد اسْتَعْمَلْتُك على

стр. 186

العراقين صدمة فَأخْرج إِلَيْهَا كميش الأزار شَدِيد العذار منطوي الخصيلة قَلِيل الثميلة غرار النّوم طَوِيل الْيَوْم فَلَمَّا دخل الْحجَّاج الْكُوفَة أَتَاهُم آتٍ فَقَالَ إِن الْحجَّاج قد قدم أَمِيرا على الْعرَاق فاشرأب النَّاس نَحوه وتطاولوا ثمَّ افرجوا لَهُ فُرْجَة عَن صحن الْمَسْجِد فَإِذا هُوَ يتبهنس فِي مشيته متلثما بعباءة خَز حَمْرَاء منتكبا قوسا عَرَبِيَّة يؤم الْمِنْبَر فرقاه وَجلسَ وَأهل الْكُوفَة إِذْ ذَاك لَهُم مَنْعَة وَفِي الْمَسْجِد عُمَيْر بن ضابي فَقَالَ لمُحَمد بن عَطاء هَل لَك أَن أحصبه فَقَالَ لَا حَتَّى نسْمع كَلَامه فَقَالَ لعن الله بني أُميَّة حَيْثُ يستعملون علينا هَذَا لَو كَانَ هَذَا كُله كلَاما لم يكن شَيْئا فَقَالَ الْحجَّاج يَا أهل الْعرَاق أَنا لَا أعرف قدر اجتماعكم أفقد اجْتَمَعْتُمْ فَقَالَ رجل قد اجْتَمَعنَا أعز الله الْأَمِير فَسكت هنيهة لَا يتَكَلَّم فَقَالُوا يمنعهُ العي والحصر ثمَّ قَامَ فحدر اللثام وَقَالَ (أَنا ابْن جلا وطلاع الثنايا ... مَتى أَضَع الْعِمَامَة تعرفوني) (صَلِيب الْعود من سلفي نزار ... كنصل السَّيْف وضاح الجبين)

стр. 187

(أَخُو خمسين مُجْتَمع أشدي ... ونجذني مداورة الشؤون) يَا أهل الْعرَاق إِنِّي أرى رؤوسا قد أينعت وحان قطافها وَإِنِّي لصَاحِبهَا وَكَأَنِّي أنظر إِلَى الدِّمَاء بَين العمائم واللحى (لَيْسَ أَوَان عشك فادرجي ... لَيْسَ أَوَان يكثر الخلاط) (قد لفها اللَّيْل بعصلبي ... أروع خراج من الدوي) (مهَاجر لَيْسَ بأعرابي ... ) ... ... ... ... ... ... (قد لفها اللَّيْل بسواق حطم) (لَيْسَ براعي إبل وَلَا غنم ... وَلَا بجزار على ظهر وَضم) إِنِّي وَالله يَا أهل الْعرَاق مَا يغمز جَانِبي من اللين وَلَا يقعقع لي بالشنان وَلَقَد فَرَرْت عَن تجربة وأجريت مَعَ الْغَايَة وَأَن أَمِير الْمُؤمنِينَ نكث كِنَانَته بَين يَدَيْهِ فعجم عيدانها فوجدني أمرهَا عودا وأصلبها مكسرا فوجهني إِلَيْكُم فوَاللَّه لأعصبنكم عصب السلمة ولألحونكم لحو الْعود وأضربنكم ضرب غرائب الْإِبِل ولآخذن الْوَلِيّ بالولي حَتَّى تستقيم لي قناتكم حَتَّى يلقى أحدكُم أَخَاهُ فَيَقُول انج سعد فقد قتل سعيد أَلا وإياي وَهَذِه السقفاء

стр. 188

والزرافات فَإِنِّي لَا أجد أحدا من الجالسين فِي زرافة إِلَّا ضربت عُنُقه فاستوسقوا واعتدلوا وَلَا تميلوا وَأَطيعُوا وَاعْلَمُوا أَنه لَيْسَ مني الْإِكْثَار والإهذار وَلَا معي ذَلِك الْفِرَار والتعرار وَإِنَّمَا هُوَ انتضائي هَذَا السَّيْف ثمَّ لَا أغمده الشتَاء وَلَا الصَّيف حَتَّى يظْهر أَمر الله ويذل لأمير الْمُؤمنِينَ صعبكم ويستقيم لَهُ أودكم وصعركم وَإِن أَمِير الْمُؤمنِينَ أَمرنِي بأعطياتكم وأشخاصكم إِلَى مجاهدة عَدوكُمْ وَقد أَمرتكُم بذلك وأجلتكم ثَلَاثًا وَأعْطيت الله عهدا لِأَن تخلف أحد مِنْكُم بعد قَبضه عطائه يَوْمًا وَاحِدًا لَأَضرِبَن عُنُقه ولأنهبن مَاله يَا غُلَام إقرأ كتاب أَمِير الْمُؤمنِينَ فقرأه ثمَّ دخل دَار الْإِمَارَة وَهَذِه الْحِكَايَة قد اشْتَمَلت على أَلْفَاظ كَثِيرَة من الْغَرِيب وَأَنا أُشير إِلَى بَيَانهَا على سَبِيل الِاخْتِصَار قَوْله صدمة أَي ضَرْبَة وَاحِدَة ودفعة وَاحِدَة وكميش الْإِزَار مشمر الْإِزَار وَيُقَال فِي الْمثل لمن جد فِي الشَّيْء وشمر فِيهِ هُوَ كميش الْإِزَار شَدِيد العذار والخصيلة لحم الفخدين وَلحم السَّاقَيْن وَأَرَادَ بذلك الْإِسْرَاع وَالْجد فِي الْأَمر والثميلة الْبَقِيَّة من الطَّعَام وَالشرَاب فِي بطن الْإِنْسَان أَرَادَ أَن لَا يستكثر من الطَّعَام ويشتغل بصنوفه وَلَكِن اقْتصر على مَا لَا بُد مِنْهُ فعل الجاد المشمر وغرار النّوم قَلِيله وَيُقَال لمن عمل فِي يَوْمه ق ٣٧ وجد فِيهِ وَلم يشْتَغل بلهو وَلَا لعب هُوَ طَوِيل الْيَوْم فَإِن اشْتغل بِالشرابِ وَاللَّهْو قيل هُوَ قصير الْيَوْم واشرأب النَّاس تطاولوا وأشرفوا تبهنس تمايل فِي مشيته وتخايل وَيُقَال لمن كَانَ ظَاهرا مَشْهُورا غير

стр. 189

خَافَ وَلَا خامل هُوَ ابْن جلا والثنايا مَا ارْتَفع من الأَرْض وَغلظ وَيُقَال لمن لم يزل يفعل أفعالا شريفة هُوَ طلاع الثنيا وَيُقَال للقوي فِي أمره هُوَ صَلِيب الْعود والأشد جمع شدَّة وَهُوَ الْقُوَّة يُقَال لمن جرب الْأُمُور وأحكمها هُوَ منجد والناجذ أقْصَى الأضراس والشؤون جمع شَأْن يُقَال أينعت الثَّمَرَة إِذا أدْركْت وَبَلغت وقطف الثَّمَرَة أَخذهَا فَشبه الرؤوس بذلك لَيْسَ أَوَان عشك فادرجي يضْرب مثلا للمطمئن وَقد أظلهُ أَمر عَظِيم يحْتَاج إِلَى مُبَاشَرَته وَالْقِيَام بأَمْره والخلاط الْفساد وَهُوَ شَبيه بِالْمثلِ الأول وَيُقَال العصلبي الشَّديد من الرِّجَال فجعلهم بِمَنْزِلَة نَاقَة أَو إبل لرجل قوي شَدِيد يسري عَلَيْهَا ويتبعها وَلَا يركن إِلَى دعة وَلَا سُكُون فَجعل ذَلِك كَذَلِك ولف جمع وأروع جميل والداوي جمع داوية وَهِي الفلاة يُرِيد أَنه صَاحب أسفار ورحل والحطم العنيف من السُّوق وَهُوَ شَبيه بِالْمثلِ الأول والوضم كل مَا وقيت بِهِ اللَّحْم من خوان أوحصير أَو غَيره يُقَال يقعقع بالشنان أَي يُحَرك الشنان وَهُوَ مَا خلق من الأسقية وَأَصله أَن يُحَرك الشن حَتَّى يسمع لَهُ صَوت ليفر بِهِ الوحوش ويجلب بِهِ على الطير وَشبههَا يَقُول لست مِمَّن يروع بالأباطيل ويقرع بالتخيلات وَقَوله فَرَرْت عَن تجربة أَصله أَن يفر الدَّابَّة أَي يكْشف جحفلتها لينْظر إِلَى أسنانها فَيعرف بهَا سنّهَا والكنانة الَّتِي يكون فِيهَا السِّهَام ونكثها أَي كبها وصب مَا فِيهَا والعجم الِاخْتِيَار يُرِيد أَنه اختبرها ليعلم صلابتها من خورها وقويها من ضعيفها وَعصب السلمة يُقَال إِن الرجل إِذا حطبها شدها بنسعة لِئَلَّا يُصِيبهُ شَوْكهَا يضْرب مثلا لمن عصبته بشر وَأمر شَدِيد يُقَال لحوت الْعود ولحيته إِذا قشرته يُقَال فِي الْمثل ضربه ضرب غرائب الْإِبِل وَالْأَصْل فِيهِ أَن الْإِبِل إِذا وَردت فَدخل فِيهَا غَرِيبَة لَيست من الْإِبِل عَن المَاء وَضربت حَتَّى تخرج عَنْهَا وَيُقَال فِي الْمثل لمن يعْنى

стр. 190

برحمه أَو حميمة أَنْج سعد فقد قتل سعيد وَأَصله أَن سَعْدا وسعيدا ابْني ضبه خرجا يطلبان أباهما فَرجع سعد وَلم يرجع سعيد والزرافات الْجَمَاعَات وَأما السقفاء فَلم يذكر أحد لَهَا تَفْسِيرا وَقَالَ تعضهم إِنَّهَا تَصْحِيف وَإِنَّمَا هُوَ الشعفاء وَهُوَ اللَّذين يشفعون عِنْد السُّلْطَان فِي المذنب فنهاهم عَن ذَلِك وَقَالَ عبد الْملك بن مَرْوَان لكثير بن هراثة الْكلابِي هَذَا الْحجَّاج قادما من الْعرَاق وَقد شمخ بِأَنْفِهِ وَنفخ الشَّيْطَان فِي منخره فَإِذا دخل عَليّ فتعرض لَهُ بِمَا يكره قَالَ أفعل يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فَلَمَّا دخل الْحجَّاج وَأخذ مَجْلِسه وأفاضوا فِي الحَدِيث قَالَ لَهُ عبد الْملك مَا تَقول فِي ثَقِيف يَا حجاج فقد زعم أنَاس أَنهم من إياد وَقَالَ آخَرُونَ من قيس وَأَنت أعرف بقومك فَقَالَ أصلح الله أَمِير الْمُؤمنِينَ الْحق أَبْلَج وَطَرِيق الرشد أبهج وَلنْ يجد من ركب الْحق وَقصد الصدْق نَحن من قيس ثبته أصولنا نابتة أصولنا نابتة غصوننا باسقة فروعنا فعلى ذَلِك قَومنَا فَقَالَ كثير لقد كَانَ لَك مُنْذُ دهر طَوِيل وَهُوَ على أَهله عَار وبيل وخطب جليل وَدخُول رجل فِي قوم لَيْسَ مِنْهُم وَتَركه قومه رَغْبَة عَنْهُم قَالَ الْحجَّاج أما وَالله لَوْلَا مَكَان أَمِير الْمُؤمنِينَ

стр. 191

لاستوعرت موطنك ولاستعظمت مركبك ولأوردتك موردا يعبأ بالإصدار عَنهُ ذَوُو الْقُوَّة فَقَالَ كثير أَنْت أَضْعَف كوعا وأملى روعا وَلنْ تنَال بذلك شَيْئا يَا حجاج على مَا ضيعت من الْأَمَانَة وأظهرت من الْخِيَانَة مَعَ سوء سيرة وقبح سياسة فَإنَّك خربَتْ وَمَا عمرت وأفسدت وَمَا أصلحت وَجَرت وَمَا عدلت وَتركت الْحق إِذْ حكمت ق ٣٨ فَقَالَ الْحجَّاج أما أَنَّك يَا كثير لتمد يدا قَصِيرَة وأنامل حقيرة لَا يستعاذ بك فِي الْمَظَالِم وَلَا يستعان بك فِي المغارم وَلَا تؤهل لدفع الْمَظَالِم فَلَمَّا خشِي عبد الْملك أَن يعظم بَينهمَا الْخطب عزم عَلَيْهِمَا أَن يسكتا فَخرج كل وَاحِد مِنْهُمَا ممليا غيظا وحقدا وَلم يلبث الْحجَّاج أَن خرج إِلَى الْعرَاق وَقدم وَفد من الْعرَاق على عبد الْملك فَلَمَّا أَرَادوا الِانْصِرَاف قَالَ لكثير بن هراثة انْطلق مَعَ هَؤُلَاءِ الْقَوْم إِلَى الْحجَّاج حَتَّى تقوم خَطِيبًا وتذكر السّمع وَالطَّاعَة لولاة الْأَمر وَكَيف ينزل بِأَهْل الْخلاف والشقاق من النقمَة فِي العاجل ولآجل فَقَالَ لَهُ كثير إِنَّك قد علمت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ مَا بيني وَبَينه وَأَنت لي ملْجأ إِن قهرت وَعزا إِن أذللت فَإِن أصابتني جَائِحَة أَو حلت بِي مُصِيبَة من الْحجَّاج فَأَنت المطالب بِثَأْرِي وَأَنت بعد الله ثقتي وَقد بعث أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَى بلد أَتَخَوَّف أَهله وأميرا أحذر فعله وَقد شمخ بِأَنْفِهِ نَحْو السَّمَاء واجترأ على سفك الدِّمَاء وَلَيْسَ بحضرتي حفدة يعينوني عَلَيْهِ وَلَا أنصار

стр. 192

ينصرونني فَقَالَ لَهُ عبد الْملك أنفذ لأمري فلعمري الْحجَّاج أحكم رَأيا أَن يأخذك بأحنة ويعفك بسيئة ولعمري لِأَن فعل لأحولن زعامته زعامته ولأنبذن مَنْزِلَته وليفارقن كرامته وبالحرى أَن يكون قد أحكمته تجاربه وقصدت بِهِ مذاهبه وعزب عَنهُ جَهله وثاب إِلَيْهِ حلمه فَخرج إِلَيْهِ كثير فِي أَصْحَابه حَتَّى قدم عَلَيْهِ فَلَمَّا دخل إِلَيْهِ قَالَ لَهُ مرْحَبًا بِكَثِير بن هراثة من قوم سادة كرام قادة بهَا ليل زَاده قَالَ لَهُ هراثة قد كَانَت بيني وَبَين الْأَمِير أَشْيَاء امْتَلَأت مِنْهَا رعْبًا وضقت بهَا ذرعا والأمير صَحِيح الْأَدِيم فِي الْحسب الصميم والشرف الْقَدِيم لَا يشتكي مِنْهُ الضعْف وَلَا يخَاف مِنْهُ العنف فَقَالَ الْحجَّاج مَا احتجنا إِلَى ثنائك وَلَا رغبنا فِي دعائك وَلَا تلام على فعلك وَلَا يُعَاقب مثلك وَأَجَازَهُ وفضله على أَصْحَابه فَلَمَّا قدم على عبد الْملك قَالَ كَيفَ رَأَيْت رَأْيِي فِي الْحجَّاج يَا كثير ألم تَجدهُ مصيبا لَا يَأْخُذ فِي أمره بالعجلة حَتَّى يرى من عدوه الْغرَّة قَالَ بلَى يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ مَا أحسن لَفظه وأدوم لحظه وأسكن فوره وَأبْعد غوره وَالله لَو لم يسهل من أمره مَا توعر لطحنني طحن الْمَرْوَة الململمة متساقط حب الجمجم

стр. 193

وَكَانَ الشّعبِيّ مِمَّن خرج مَعَ ابْن الْأَشْعَث فَلَمَّا قدم على الْحجَّاج بعد قتل ابْن الْأَشْعَث قَالَ وَأَنت أَيْضا مِمَّن خرج علينا يَا شعبي قَالَ أَحْزَن الْمنزل وأجدب الجناب واكتحلنا السهر واستحلسنا الْخَوْف ووقعنا فِي حربه لم نَكُنْ فِيهَا بررة أتقياء وَلَا فجرة أقوياء قَالَ صدق وَالله مَا بروا بخروجهم علينا وَلَا قووا إِذْ برزوا إِلَيْنَا أطلقا عَنهُ وَدخل عَلَيْهِ ابْن أبي ليلى وَقَالَ أصلح الله الْأَمِير مَشْهُور النَّصِيحَة صَحِيح الْأَدِيم شَاكر السان خرج أبي مَعَ ابْن أبي الْأَشْعَث فهدم منزلي وَحلق على اسْمِي وَحرمت عطائي فَقَالَ أَو مَا سَمِعت الشَّاعِر حَيْثُ يَقُول (جانيك من يجني عَلَيْك وَقد ... تعدِي الصِّحَاح مبارك الجرب) (ولرب مَأْخُوذ بذنب قَرِيبه ... وَنَجَا المقارف صَاحب الذَّنب) قَالَ لَا وَلَكِنِّي سَمِعت الله يَقُول غير هَذَا فِي أخوة يُوسُف ﴿قَالُوا يَا أَيهَا الْعَزِيز إِن لَهُ أَبَا شَيخا كَبِيرا فَخذ أَحَدنَا مَكَانَهُ إِنَّا نرَاك من الْمُحْسِنِينَ قَالَ معَاذ الله أَن نَأْخُذ إِلَّا من وجدنَا متاعنا عِنْده إِنَّا إِذا لظالمون﴾

стр. 194

فَقَالَ يَا غُلَام عَليّ بِيَزِيد بن أبي مُسلم فَأَتَاهُ فَقَالَ ابْن لَهُ دَاره واردد اسْمه وأعطه عطائه وَقَالَ عبد الْملك بن مَرْوَان لأسماء بن خَارِجَة بَلغنِي عَنْك خِصَال فخدثني بهَا قَالَ هِيَ من غَيْرِي أحسن مِنْهَا مني فَقَالَ عزمت عَلَيْك أَلا حَدَّثتنِي فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ مَا مددت رجْلي بَين يَدي جليس لي قطّ وَلَا صنعت طَعَاما فدعوت عَلَيْهِ قوما إِلَّا كَانُوا أَمن عَليّ مِنْهُم وَلَا نصب لي رجل وَجهه يسألني حَاجَة فاستكثرت شَيْئا أَعْطيته إِيَّاه وَلما ولي الْوَلِيد بن عبد الْملك بن مَرْوَان الْخلَافَة ق ٣٩ عدل فِي

стр. 195

الرّعية وَأحسن السِّيرَة وَأعْطى المحرومين وَقَالَ لَا تسألوا النَّاس شَيْئا وَأعْطى كل مقْعد خَادِمًا وكل ضَرِير قائدا وَكَانَ يمر بالبقال فيقف عَلَيْهِ فَيَأْخُذ حزمة البقل فَيَقُول بكم هَذِه فَيَقُول بفلس فَيَقُول زد عَلَيْهَا وَرُوِيَ عَن الزُّهْرِيّ أَنه قَالَ دخلت على عبد الْملك مَسْجِد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وعَلى آله وَسلم بِالْمَدِينَةِ عَام حج فَتفرق النَّاس من الْمَسْجِد وَبَقِي سعيد بن الْمسيب قَاعِدا فِي مَجْلِسه فَلم يَتَحَرَّك عَنهُ فَجعلت أَطُوف بالوليد فِي نواحي بَعيدا عَن مجْلِس سعيد واشغله بِالْحَدِيثِ مَخَافَة أَن يرى مَكَانَهُ فحانت مِنْهُ التفاته فَرَآهُ فَقَالَ لي

стр. 196

يَا مُحَمَّد من هَذَا الشَّيْخ قلت سعيد بن الْمسيب وَقد كف بَصَره وَلَا علم لَهُ بمَكَان أَمِير الْمُؤمنِينَ وَلَو علم لَكَانَ قد أدّى الْوَاجِب عَلَيْهِ من الْحق فَقَالَ بل نَحن أَحَق بالمصير إِلَيْهِ والزيارة لَهُ فَجَاءَهُ الْوَلِيد فَسلم عَلَيْهِ وَجلسَ عِنْده وَسَأَلَهُ عَن حَاله فو الله مَا قَامَ لَهُ سعيد وَلَا تزحزح عَن مَكَانَهُ فَلَمَّا انْصَرف الْوَلِيد قَالَ لي يَا مُحَمَّد هَذَا من بَقِيَّة النَّاس وروى الشَّافِعِي ﵀ عَن عَمه مُحَمَّد بن عَليّ بن

стр. 197

شَافِع قَالَ دخل سُلَيْمَان بن يسَار على الْوَلِيد بن عبد الْملك فَقَالَ لَهُ يَا سُلَيْمَان من الَّذِي تولى كبره فَقَالَ عبد الله بن أبي بن سلول فَقَالَ كذبت لَا أم لَك هُوَ عَليّ بن أبي طَالب قَالَ أَبَت أعلم وَمَا تَقول قَالَ فَمَا حَدِيث حَدثنَا بِهِ أهل الشَّام أَيْن الله إِذا أسترعى عبدا رعيه كتب لَهُ الْحَسَنَات وَلم يكْتب عَلَيْهِ السَّيِّئَات قَالَ لَا أَدْرِي ثمَّ دخل مُحَمَّد بن شهَاب الزُّهْرِيّ قَالَ لَهُ الْوَلِيد يَا مُحَمَّد من الَّذِي تولى كبره فَقَالَ عبد الله بن أبي بن سلول فَقَالَ كذبت لَا أم لَك هُوَ عَليّ بن أبي طَالب كرم الله وَجهه فَقَالَ وَالله لَو كَانَ الْكَذِب مَكْتُوبًا بَين الدفتين بِأَن الله تَعَالَى أَبَاحَهُ لي أَو نَاد مُنَاد من السَّمَاء أَن الله قد أَبَاحَ الْكَذِب مَا رَآنِي اتحلى بِهِ حَدثنِي عدد من الرِّجَال مِنْهُم سعيد بن الْمسيب وعلقمة بن

стр. 198

وَقاص وَعُرْوَة بن الزبير وَأَبُو سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن وَعبيد الله بن عبد الله بن عتبَة بن مَسْعُود عَن عَائِشَة ﵂ أَن الَّذِي تولى كبره عبد الله بن أبي سلول قَالَ صدقت إِنَّمَا أردْت أَن أعلم هَل أحد يُنكر بَاطِلا ثمَّ قَالَ يَا مُحَمَّد مَا حَدِيث حَدثنَا بِهِ أهل الشَّام قَالَ وَمَا الحَدِيث قَالَ حدثونا أَن الله إِذا استرعى عبدا رعية كتب لَهُ الْحَسَنَات وَلم يكْتب عَلَيْهِ السَّيِّئَات قَالَ كذبت وَالله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ قَالَ وَكَيف ذَلِك قَالَ آتيتك بِحَدِيث من كتاب الله الَّذِي لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِل من بَين

стр. 199

وَلَا من خَلفه قَالَ الله يَا دَاوُد إِنَّا جعلناك خَليفَة فِي الأَرْض فاحكم بَين النَّاس بِالْحَقِّ وَلَا تتبع الْهوى فيضلك عَن سَبِيل الله إِن الَّذين يضلون عَن سَبِيل الله لَهُم عَذَاب شَدِيد بِمَا نسو يَوْم الْحساب فَهَذَا وَعِيد الله لنَبِيّ وَهُوَ خَليفَة فَكيف وعيده لخليفة غير نَبِي قَالَ صدقت ثمَّ نزل عَن سَرِيره وَوضع خَدّه فِي التُّرَاب وَقَالَ يغروننا عَن ديننَا ثمَّ أغرى جلساءه بِابْن شهَاب فَقَالَ عَن مثل هَذَا يُؤْخَذ الدّين وَلما ولي سُلَيْمَان بن عبد الْملك أطلق المحبسين وَأحسن إِلَى

стр. 200

النَّاس وسموه مِفْتَاح الْخَيْر وَفِي أَيَّامه فتحت الْقُسْطَنْطِينِيَّة وَلَو لم يكن لَهُ حَسَنَة إِلَّا اسْتِخْلَاف عمر بن عبد الْعَزِيز بعده لَكَانَ كَافِيا وَرُوِيَ أَن أَعْرَابِيًا وقف بَين يَدي سُلَيْمَان فَقَالَ إِنِّي مكلمك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ بِكَلَام فاحتمله وَإِن كرهته فَإِن وَرَاءه مَا تحب إِن قبلته قَالَ هَات قَالَ إِنِّي سَأُطلقُ لساني بِمَا خرست عَنهُ الألسن من عظتك تأدية بِحَق الله تَعَالَى وَحقّ إمامتك إِنَّه قد اكتنفك رجال أساءوا الِاخْتِيَار لأَنْفُسِهِمْ فابتاعوا دنياهم بدينهم ورضاك بسخط الله خافوك فِي الله وَلم يخَافُوا الله فِيك فهم حَرْب للآخرة سلم للدنيا فَلَا تَأْمَنهُمْ على مَا ائتمنك الله عَلَيْهِ فَإِنَّهُم لم يألوا الْأَمَانَة تضييعا وَالْأمة خسفا وَأَنت مسؤول عَمَّا اجترحوا وَلَيْسوا مسؤولين عَمَّا اجترحت فَلَا تصلح دنياهم بِفساد آخرتك فَإِن أعظم النَّاس غبنا من بَاعَ آخرته بدنيا غَيره فَقَالَ أما أَنْت يَا أَعْرَابِي فقد سلك لسَانك وَهُوَ أقطع من سَيْفك قَالَ أجل يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ لَك لَا عَلَيْك

стр. 201

وَرُوِيَ أَن سعيدا بن خَالِد دخل على سُلَيْمَان بن عبد الْملك وَكَانَ سعيد جوادا فَإِذا لم يجد شَيْئا كتب لمن يسْأَله الصكاك على نَفسه حَتَّى يخرج عطاؤه فَلَمَّا نظر إِلَيْهِ سُلَيْمَان تمثل بِهَذَا الْبَيْت ق ٤٠ (إِنِّي سَمِعت مَعَ الصَّباح مناديا ... يَا من يعين على الْفَتى المعوان) ثمَّ قَالَ حَاجَتك قَالَ ديني قَالَ فكم هُوَ قَالَ فكم هُوَ قَالَ ثَلَاثُونَ ألف دِينَار قَالَ دينك وَمثله وروى رَجَاء بن حَيْوَة أَن سُلَيْمَان بن عبد الْملك لما كتب الْعَهْد لمر بن بُد الْعَزِيز وَمن بعده يزِيد بن

стр. 202

عبد الْملك وختمه وَدفعه إِلَيْهِ اخْرُج إِلَى النَّاس فمرهم بالمبايعة على مَا فِيهِ مَخْتُومًا فَلَمَّا دعاهم رَجَاء إِلَى ذَلِك وَأخْبرهمْ بقول سُلَيْمَان امْتَنعُوا وَقَالُوا لَا نُبَايِع حَتَّى نعلم من فَرجع إِلَى سُلَيْمَان فَأخْبرهُ فَقَالَ سُلَيْمَان انْطلق بأصحاب الحرس ونادي الصَّلَاة جَامِعَة فَإِذا اجْتمع النَّاس فمرهم بالبيعة على مَا فِي الْكتاب فَمن أَبى فَاضْرب عُنُقه فَفعلت ذَلِك فَبَايعُوا على مَا فِيهِ قَالَ رَجَاء فَلَمَّا خَرجُوا خرجت إِلَى منزلي فَبَيْنَمَا أَنا فِي الطَّرِيق إِذْ سَمِعت جلبة موكب فالتفتي فَإِذا هِشَام بن عبد الْملك فَقَالَ يَا رَجَاء قد علمت موقعك وَأرى أَمِير الْمُؤمنِينَ قد صنع شَيْئا مَا أَدْرِي مَا هُوَ وَأَنا أَتَخَوَّف أَن يكون قد أزالها عني فَإِن يكن أزالها فَأَخْبرنِي مَا دَامَ فِي الْأَمر نفس

стр. 203

حَتَّى أنظر فِي هَذَا الْأَمر قبل أَن يَمُوت سُلَيْمَان فَقلت سُبْحَانَ الله يستكتمني أَمِير الْمُؤمنِينَ أمرا أطلعك عَلَيْهِ لَا يكون ذَلِك أبدا فداراني فأبيت فَانْصَرَفت فَبَيْنَمَا أَنا أَسِير سَمِعت جلبة خَلْفي فَالْتَفت فَإِذا عمر بن عبد الْعَزِيز فَقَالَ يَا رَجَاء إِنَّه قد وَقع فِي نَفسِي أَمر كَبِير فِي هَذَا الرجل أَتَخَوَّف أَن يكون قد جعلهَا إِلَيّ وَلست أقوم بِهَذَا الشَّأْن فَأَعْلمنِي مَا دَامَ فِي الْأَمر نفس لعَلي أتخلص مَا دَامَ حَيا فَقلت سُبْحَانَ الله الْعَظِيم يستكتمني أَمِير الْمُؤمنِينَ أمرا أطلعك عَلَيْهِ فداراني فأبيت قَالَ رَجَاء فَلَمَّا مَاتَ سُلَيْمَان أجلسته وهيأته وَخرجت إِلَى النَّاس فَقَالُوا كَيفَ أَمِير الْمُؤمنِينَ فَقلت قد أصبح ساكتا وَقد أحب أَن تسلموا عَلَيْهِ وتبايعوا على مَا فِي الْكتاب بَين يَدَيْهِ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ وَأَنا قَائِم عِنْده فَلَمَّا دنو قلت أَمِير الْمُؤمنِينَ يَأْمُركُمْ بِالْوُقُوفِ ثمَّ تقدّمت إِلَيْهِم بِالْكتاب فَقلت أَمِير الْمُؤمنِينَ يَأْمُركُمْ أَن تبايعوا على مَا فِي هَذَا الْكتاب بمرأى مِنْهُ ومسمع فَبَايعُوا أَجْمَعِينَ فَلَمَّا فرغوا من مُبَايَعَتهمْ قَالَ لَهُم أجركُم الله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ قَالُوا فَمن ففتحوا الْكتاب فَإِذا فِيهِ الْعَهْد لعمر بن عبد الْعَزِيز فَلَمَّا قرأوا عمر بن عبد الْعَزِيز تَغَيَّرت وُجُوههم فَلَمَّا قرأوا من بعده يزِيد بن عبد الْملك تراجعوا فَقَالُوا أَيْن عمر بن عبد الْعَزِيز فطلبوه فَلم يجدوه فِي الْقَوْم فنظروا فَإِذا هُوَ فِي مُؤخر الْمَسْجِد فَأتوهُ فَسَلمُوا عَلَيْهِ بالخلافة

стр. 204

فعقر فَلم يسْتَطع النهوض حَتَّى أخذُوا بضبعيه فَسَارُوا إِلَى الْمِنْبَر فَلم يقدر أَن يرقى حَتَّى أصعدوه فَجَلَسَ طَويلا لَا يتَكَلَّم فَلَمَّا رَآهُمْ رَجَاء جُلُوسًا قَالَ أَلا تقومون فتبايعون لأمير الْمُؤمنِينَ فَنَهَضَ الْقَوْم إِلَيْهِ فَبَايعُوهُ رجلا رجلا قَالَ فَمَا مد يَده إِلَيْهِم فَلَمَّا صعد هِشَام مد يَده إِلَيْهِ وَقَالَ هِشَام إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون فَقَالَ عمر نعم إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون حِين صَار يَلِي هَذَا الْأَمر أَنا وَأَنت ثمَّ قَامَ فَخَطب فَحَمدَ الله وَأثْنى عَلَيْهِ وَقَالَ أَيهَا النَّاس إِنِّي لست بقاض وَلَكِنِّي منفذ وَلست بِمُبْتَدعٍ وَلَكِنِّي مُتبع وَإِن حَوْلكُمْ كثيرا من الْأَمْصَار والمدن فَإِن هم أطاعوا كَمَا أطعتم فَأَنا وَلِيكُم وَإِن هم امْتَنعُوا فلست عَلَيْكُم بوالي ثمَّ نزل يمشي فَأَتَاهُ صَاحب المراكب قَالَ مَا هَذَا قَالَ مراكب الْخَلِيفَة قَالَ لَا حَاجَة لي بِهَذَا فأتوني بدابتي فَأتوا بدابته فركبها ثمَّ خرج وَخَرجُوا مَعَه فَقَالُوا نسيرها هُنَا قَالَ غلى أَيْن فَقَالُوا إِلَى الْبَيْت الَّذِي يهيأ للخليفة فَقَالَ لَا حَاجَة لي فِيهِ انْطَلقُوا بِي إِلَى منزلي فَأتى منزله فَنزل عَن دَابَّته ثمَّ دَعَا بِدَوَاةٍ وَقِرْطَاس وَجعل يكْتب بِيَدِهِ إِلَى الْعمَّال والأمصار ويملي على نَفسه وَقيل أَنه كَانَ رُبمَا اشْتريت لَهُ الْحلَّة بألفي دِرْهَم قبل

стр. 205

الْخلَافَة فَيَقُول أما وجدْتُم أَلين من هَذَا فَلَمَّا ولي الْخلَافَة كَانَ يَشْتَرِي لَهُ الْحلَّة بأَرْبعَة دَرَاهِم فَيَقُول أما وجدْتُم أغْلظ مِنْهَا فَقيل لَهُ فِي ذَلِك فَقَالَ أَن لي نفسا تواقة لَا تصل إِلَى منزلَة إِلَّا تاقت إِلَى مَا هُوَ أَعلَى مِنْهَا فَلَمَّا نَالَتْ الْخلَافَة تاقت إِلَى مَا هُوَ أَعلَى مِنْهَا فَلَمَّا نَالَتْ الْخلَافَة تاقت إِلَى مَا هُوَ أَعلَى مِنْهَا فَلم تَجِد فِي الدُّنْيَا مَا هُوَ أرفع من الْخلَافَة فتاقت إِلَى الْآخِرَة وَإِلَى مَا أعد الله فِيهَا وَقيل ق ٤١ أَن ثِيَابه قومت عَلَيْهِ يَوْم الْجُمُعَة وَهُوَ يخْطب بِاثْنَيْ عشر دِرْهَم وَكَانَت قَمِيصًا وَسَرَاويل وعمامة ورداء مَلأ الأَرْض عدلا وَرفع السب عَن أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ بن أبي طَالب كرم الله وَجهه على المنابر وَأمر الخطباء أَن يَقُولُوا فِي آخر الْخطْبَة فِي الْموضع الَّذِي كَانُوا يذكرُونَ اللَّعْن فِيهِ ﴿إِن الله يَأْمر بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَان وإيتاء ذِي الْقُرْبَى وَينْهى عَن الْفَحْشَاء وَالْمُنكر وَالْبَغي يعظكم لَعَلَّكُمْ تذكرُونَ﴾ وَلما حَضرته الْوَفَاة دَعَا بنيه وَكَانُوا أحد عشر رجلا وَلم يخلف غير بضع عشر دِينَارا فَأمر أَن يُكفن ويشترى لَهُ مَوضِع يدْفن فِيهِ بِخَمْسَة دَنَانِير ويقصد المَال على وارثيه فَأصَاب كل ابْن مِنْهُم نصف دِينَار وَربع دِينَار وَقَالَ يَا بني لَيْسَ لي مَال فأوصي فِيهِ وَلَكِنِّي قد تركتكم وَمَا لأحد عنْدكُمْ تبعة وَلَا يَقع على أحد مِنْكُم

стр. 206

عين أحد إِلَّا وَيرى لكم عَلَيْهِ حَقًا فَقَالَ لَهُ مسلمة بن عبد الْملك أَو خير من ذَلِك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ قَالَ وَمَا هُوَ قَالَ هَذِه ثَلَاث مائَة دِينَار فرقها فيهم وَإِن شِئْت فَتصدق بهَا وأوص فِيهَا بِمَا شِئْت قَالَ أَو خير من ذَلِك يَا مسلمة تردها إِلَى من أَخَذتهَا مِنْهُ فَإِنَّهَا لَيست لَك بِحَق ثمَّ قَالَ إِن وَلَدي أحد رجلَيْنِ فإمَّا صَالح فَالله يتَوَلَّى الصَّالِحين وَإِمَّا فَاسق فَلَا أحب أَن أترك لَهُ مَا يَسْتَعِين بِهِ على مَعْصِيّة الله فَقَالَ مسلمة يَرْحَمك الله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ حَيا وَمَيتًا فقد ألنت لنا قلوبا قاسية وذكرتها وَكَانَت ناسية وأبقيت لنا فِي الصَّالِحَات ذكرا فَيُقَال أَنه مَا رُؤِيَ أحد من أَوْلَاد عمر بن عبد الْعَزِيز إِلَّا وَهُوَ غَنِي وَلَقَد شوهد أحدهم وَقد جهز من خَالص مَاله مائَة فَارس على مائَة فرس فِي سَبِيل الله تَعَالَى وَلما حضرت هِشَام بن عبد الْملك الْوَفَاة

стр. 207

خلف أحد عشر ابْنا كَمَا خلف عمر بن عبد الْعَزِيز وَأوصى فَأصَاب كل ابْن ألف ألف دِينَار فَقَالَ أَنه مَا رُؤِيَ أحد مِنْهُم إِلَّا وَهُوَ فَقير وَلَقَد شوهد أحدهم وَهُوَ يُوقد فِي الأتون وَوجدت فِي كتاب تفَاوت التواريخ أَن هِشَام بن عبد الْملك كَانَ يَأْكُل من بَيت المَال كل سنة مِائَتي دِرْهَم وَأَنه كَانَ ديوانه من بَيت المَال كديوان بعض الْجند وَحكي عَن بَعضهم أَنه قَالَ أَرْسلنِي هِشَام إِلَى خرسان وَكَانَ عَلَيْهِ إِذْ ذَاك قبَاء أَخْضَر فَلَمَّا رجعت من خُرَاسَان رَأَيْته عَلَيْهِ قَالَ تنظر إِلَى هَذَا القباء وَالله كَانَ عَليّ قبل الْخلَافَة وَمَالِي غَيره وفقد بعض أَوْلَاده فِي الْجُمُعَة فَسَأَلَهُ عَن تَأَخره فَقَالَ نفقت دَابَّتي يَعْنِي مَاتَت فَقَالَ أعجزت عَن الْمَشْي ثمَّ تسْقط عَنْك

стр. 208

الْجُمُعَة فَمَنعه الرّكُوب سنة وَرُوِيَ أَن عُرْوَة بن أذينة أَتَى مَعَ جمَاعَة من الشُّعَرَاء إِلَى هِشَام بن عبد الْملك فانتسبهم فانتسبوا فَلَمَّا انتسب لَهُ عُرْوَة قَالَ أَلَسْت الْقَائِل (لقد علمت وَمَا الْإِسْرَاف من خلقي ... أَن الَّذِي هُوَ رِزْقِي سَوف يأتيني) (أسعى إِلَيْهِ فيعينني تطلبه ... وَلَو أَقمت أَتَانِي لَا يعيني) فَقَالَ نعم أَنا قَائِلهَا قَالَ أَفلا قعدت حَتَّى يَأْتِيك رزقك وغفل عَنهُ هِشَام فَخرج من وقته وَركب رَاحِلَته وَمضى منصرفا فتفقده هِشَام فَعرف خَبره فَاتبعهُ بجائزته وَقَالَ للرسول قل لَهُ أردْت أَن تكذبنا وصدقت نَفسك فَمضى الرَّسُول فَلحقه وَقد نزل على مَاء يتغذى عَلَيْهِ فأبلغه رسَالَته وَدفع إِلَيْهِ الْجَائِزَة فَقَالَ قل لَهُ قد صدقني رَبِّي وَكَذبَك ووفد على هِشَام وَفد أهل الْحجاز فتكلموا رجلا رجلا حَتَّى قَامَ مُحَمَّد بن أبي الجهم بن حُذَيْفَة الْعَدوي وَكَانَ أعظم الْقَوْم قدرا وأكبرهم سنا

стр. 209

فَقَالَ أصلح الله الْأَمِير إِن خطباء قُرَيْش قد قَالَت فِيك فأقلت وَأَكْثَرت وأطنبت وَوَاللَّه مَا بلغ قَائِلهمْ قدرك وَلَا أحصى مطنبهم فضلك فَإِن أَذِنت فِي القَوْل قلت قَالَ قل وأوجز قَالَ تولاك الله بِالْحُسْنَى وزينك بالتقوى وَجمع لَك خير الْآخِرَة وَالْأولَى إِن لي حوائج فأذكرها قَالَ هَاتِهَا قَالَ كبر سني ودق عظمي وَمَال الدَّهْر مني فَإِن رأى أَمِير الْمُؤمنِينَ أَن يجْبر كسري وينفى فقري فعل قَالَ وَمَا الَّذِي يَنْفِي ق ٤٢ فقرك وَيجْبر كسرك قَالَ ألف دِينَار وَألف دِينَار وَألف دِينَار فَأَطْرَقَ هِشَام قَلِيلا ثمَّ قَالَ هَيْهَات هَيْهَات يَا ابْن أبي الجهم بَيت المَال لَا يحْتَمل مَا سَأَلت ثمَّ قَالَ هيه وَمَا هيه أما وَالله إِن أَمِير الْمُؤمنِينَ لواجد وَلَكِن الله آثرك لمجلسك فَإِن تُعْطِينَا فحقنا أدّيت وَإِن تَمْنَعنَا فنسأل الَّذِي بِيَدِهِ مَا حويت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن الله جعل الْعَطاء محبَّة وَالْمَنْع مبغضة وَالله لَئِن تُعْطِينِي فأحبك أحب إِلَيّ من أَن تحرمني فأبغضك قَالَ فألف دِينَار لماذا قَالَ أَقْْضِي بهَا دينا عَليّ حم قَضَاؤُهُ وَآذَانِي حمله وأضر بِي أَهله قَالَ فَلَا بَأْس بتنفيس كربَة وتأيدة أَمَانَة وَألف دِينَار لماذا قَالَ أزوج بهَا من بلغ من أَوْلَادِي قَالَ نعم المسلك سلكت غضضت بصرا وأعففت فرجا ورجوت نَسْلًا قَالَ فألف دِينَار لماذا قَالَ أَشْتَرِي بهَا أَرضًا يعِيش بهَا وَلَدي وأستعين بفضلها على

стр. 210

نَوَائِب دهري وَتَكون ذخْرا لمن بعدِي قَالَ فَإنَّا قد أمرنَا لَك بِمَا سَأَلت فَقَالَ الْحَمد لله على ذل فَأتبعهُ هِشَام بَصَره وَقَالَ إِذا كَانَ الْقرشِي فَلْيَكُن مثل هَذَا مَا رَأَيْت رجلا أوجز فِي مقَال مِنْهُ ثمَّ قَالَ أما وَالله إِنَّا لنعرف الْحق إِذا نزل ونكره الْإِسْرَاف وَالْبخل فَلَا نعطي تبذيرا وَلَا نمْنَع تقتيرا وَمَا نَحن إِلَّا خزان الله فِي بِلَاده وأمناؤه على عباده فَإِن أذن أعطينا وَإِن منع أَبينَا فَلَو كَانَ كل قَائِل يصدق وكل سَائل يسْتَحق مَا حرمنا سَائِلًا وَلَا جبهنا قَائِلا فنسأل من بِيَدِهِ مَا استحفضناه أَن يجريه على أَيْدِينَا فَإِنَّهُ يفتح الرزق لمن يَشَاء وَيقدر وَإنَّهُ بعباده خَبِيرا بَصيرًا فَقَالُوا يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ لقد تَكَلَّمت فأبلغت وَمَا بلغ فِي كَلَامه مَا قصصت فَقَالَ إِنَّه مبتدئ وَلَيْسَ الْمُقْتَدِي كالمبتدي وخطب خَالِد بن عبد الله الْقَسرِي وَقد ارجف بِمَوْت هِشَام بن عبد الْملك فَقَالَ مَا هَذِه الْجَمَاعَة الَّتِي قد ألفها الطيش واستخفها الْجَهْل وَأَقْبَلت دبر الْوُجُوه قد أشخص لَهُم الرَّجِيم نصبا فأوقصت إِلَيْهِ وأناخ قعُود الضَّلَالَة فاحتملت عَلَيْهِ أَو كلما خطرت للشياطين بَين أظْهركُم خطْوَة

стр. 211

أَو كَاد كم يُنكر أَو بعث فِيكُم مُنْكرا أقبلتم قمصا وسعيتم حرصا فتعسا ونكسا قُلْتُمْ مَاتَ هِشَام أفبدع الْمَوْت أَو مستنكر أَو مبرأ مِنْهُ أحد قد مَاتَ الَّذِي خلقه الله وَنفخ فِيهِ من روحه واسجد لَهُ مَلَائكَته أخرجُوا يَا فرَاش النَّار وَبَقِيَّة الأشرار وخطب مرّة فارتج عَلَيْهِ فَقَالَ أَيهَا النَّاس إِن القَوْل أَحْيَانًا ويغرب أَحْيَانًا فيتيسر عِنْد مَجِيئه سَببه ويعز عِنْد ذَهَابه طلبه وَرُبمَا طلب فَأبى وكوبر فعصى فالتأني لمجيئه أيسر من التعاطي لِأَبِيهِ وَقد يختلج من الجريء جنانه ويرتج على البليغ لِسَانه فَلَا يُغَيِّرهُ الْمنطق إِذا امْتنع كَمَا لَا يبطره القَوْل إِذا اتَّسع وَدخلت امْرَأَة من بني كلاب على خَالِد الْقَسرِي وَهُوَ فِي مَجْلِسه فَسلمت عَلَيْهِ وأنشدته شعرًا فَقَالَ لَهَا خَالِد مَا حَاجَتك قَالَت عِنْدِي للأمير نصيحة قَالَ وَمَا هِيَ قَالَت أكب على دهر بجرانه وعضنا بنابه فَمَا ترك لنا سيدا وَلَا لبدا وَلَا ماهيا وَلَا صافيا فَمَا بِنَا خفض وَلَا نبض

стр. 212

فَكنت أَنْت المنتجع وَإِلَيْك المفزع فنصيحتي أصلح الله الْأَمِير أَن تَأمر لي بخادم وَمَا يصلحني وإياه فوَاللَّه لقد عودت الرخَاء وَمَا قاسيت الشَّقَاء قَالَ خَالِد هَذِه نصيحة لَك دُوننَا قَالَت أَيهَا الْأَمِير لَيست لي دُونك لَك أجرهَا وَذُخْرهَا وحمدها وشكرها ولي مَنْفَعَتهَا مَعَ أَن الأجواد لَو لم يَجدوا من يقبل الْعَطاء مَا ذكرُوا بالسخاء قَالَ صدقت فَهَل لَك من زوج قَالَت وَالله مَالِي زوج وَلَا وجدت كُفؤًا وَلَا أَتزوّج دنيا وَإِن كَانَ مترفا غَنِيا وَلَئِن كنت فقدت نسبا مَا فقدت حسبا وَمَا كنت أَشْتَرِي عارا يبْقى بِمَال يفنى أعوذ بِجلَال الله من ذَلِك وَمَالِي أبقى الله الْأَمِير بِزَوْج من أرب فَأمر لَهَا بخادم وَمَا يصلحها وَأمر صَاحب نفقاته أَن يجْرِي لَهما مَا وسعهما وَرُوِيَ ق ٤٣ عَن الْوَلِيد بن يزِيد مَعَ مَا كَانَ فِيهِ من الخلاعة واللعب والتهاون بِالدّينِ أَنه لما ولي أجْرى على الزمنى والعميان وكساهم وَأعْطى كل مِنْهُم خَادِمًا وَزَاد النَّاس على مَا كَانَ يعطيهم هِشَام وَلم يسْأَل سَائِلًا قطّ إِلَّا قَالَ نعم وَأَعْطَاهُ وَكَانَ أديبا شَاعِرًا فَمن أحسن قَوْله

стр. 213

مَا حَدثنِي إِسْحَاق الْموصِلِي قَالَ دخلت يَوْمًا على الرشيد وَهُوَ مستلق وَهُوَ يَقُول أحسن وَالله أظرف قُرَيْش وأفتاها وأسخاها وأشعرها وأغزلها فَقلت من هُوَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ وَفِي أَي شَيْء فَقَالَ أما بعد مَا سَمِعت مني فِي وَصفه فَلَا أُسَمِّيهِ وَلَكِن أذكر الشّعْر فَإِن كنت تعرفه فاكتم عني مَا سَمِعت مني وَهُوَ الَّذِي يَقُول (لَا أسأَل الله تغييرا لما صنعت ... نَامَتْ وَإِن أَسهرت عَيْني عَيناهَا) (فالليل أطول شَيْء حِين أفقدها ... وَاللَّيْل أقصر شَيْء حِين أَلْقَاهَا) أتعرفه قلت لَا بِصَوْت ضَعِيف قَالَ بحياتي فَقلت بِلَا وحياتك هُوَ الْوَلِيد بن يزِيد فَضَحِك وَقَالَ مَا قلت فِي وَصفه إِلَّا دون مَا يسْتَحق وَلَكِن الْملك عقيم وَكتب إِلَى هِشَام بن عبد الْملك برسالة وَفِي آخرهَا شعر (رَأَيْتُك تبني دَائِما فِي قطيعتي ... وَلَو كنت ذَا حزم لهدمت مَا تبني) (تثير عَليّ البَاقِينَ مني ضغينة ... فويل لَهُم إِن مت من شَرّ مَا تجني) (كَأَنِّي بهم والليت أَكثر قَوْلهم ... أَلا ليتنا كُنَّا إِذا لَيْت لَا تَعْنِي)

стр. 214

وَقَالَ أَيْضا وَقد رَجَعَ إِلَيْهِ جَوَاب هِشَام بِمَا يكرههُ (أَلَيْسَ عجيبا أَن أرى كل وَارِد ... حياضك يَوْمًا صادرا بالنوافل) (وأرجع مجذوذ الرَّجَاء مصردا ... بتحليه عَن ورد تِلْكَ المناهل) وَقَالَ أَيْضا فِيهِ (أَنا النذير لمسدي نعْمَة أبدا ... إِلَى المقاريف مَا لم يخبر الدخلا) (إِن أَنْت أكرمتهم ألقيتهم بطرا ... وَإِن أهنتهم ألفيتهم ذللا) (أتشمخون وَمنا رَأس نعمتكم ... ستعلمون إِذا كَانَت لنا دولا) (انْظُر فَإِن أَنْت لم تقدر على مثل لَهُم ... سوى الْكَلْب فَاضْرِبْهُ لَهُم مثلا) (بَيْنَمَا يسمنه للصَّيْد صَاحبه ... حَتَّى إِذا مَا قوي من بَعْدَمَا هزلا) (عدا عَلَيْهِ فَلم تضرره عدوته ... وَلَو يُطيق لَهُ أكلا لقد أكلا) وَذَلِكَ أَن يزِيد بن عبد الْملك كَانَ قد أَخذ الْبيعَة لِأَخِيهِ هِشَام ثمَّ من بعده لِابْنِهِ الْوَلِيد وَلما قتل يزِيد بن الْوَلِيد بن عبد الْملك الْوَلِيد بن يزِيد وَولي الْخلَافَة خطب فَحَمدَ الله وَأثْنى عَلَيْهِ أَيهَا النَّاس وَالله مَا

стр. 215

خرجت بطرا وَلَا أشرا وَلَا ريائا وَلَا حرصا على الدُّنْيَا وَلَا رَغْبَة فِي الْملك وَمَا بِي إطراء لنَفْسي إِنِّي لظلوم لَهَا إِلَّا مَا يرحمني الله وَلَكِنِّي خرجت غَضبا لله ولدينه دَاعيا إِلَى الله وَإِلَى سنة نبيه ﷺ لما هدمت معالم الدّين وأطفئ نور التَّقْوَى وَظهر الْجَبَّار العنيد مستخف بِكُل حُرْمَة وراكبا لكل بِدعَة الْكَافِر بِيَوْم الْحساب وَإنَّهُ لِابْنِ عمي فِي النّسَب وكفئي فِي الْحسب فَلَمَّا رَأَيْت ذَلِك استخرت الله تَعَالَى فِي أمره وَسَأَلته أَن لَا يكلني على نَفسِي ودعوت إِلَى ذَلِك من أجابني من أهل ولايتي حَتَّى أراح الله مِنْهُ الْعباد وطهر مِنْهُ الْبِلَاد بحوله وقوته لَا بحولي وقوتي أَيهَا النَّاس إِن لكم عَليّ أَن لَا أَضَع لبنة على لبنة وَلَا حجرا على حجر وَلَا أكنز مَالا وَلَا أعْطِيه زوجا وَلَا ولدا وَلَا أنقله من بلد إِلَى بلد أُخْرَى حَتَّى أَسد فقر تِلْكَ الْبَلَد وَلَا أجبركم فِي ثغوركم حَتَّى أفتتن أهليكم وَلَا أغلق بَابي دونكم فيأكل قويكم ضعيفكم وَلَا أحمل على أهل جزيتكم مَا أجليهم بِهِ عَن بِلَادهمْ وأقطع بِهِ نسلهم وَلَكِن أدر ق ٤٤ الْعَطاء فِي كل سنة والرزق فِي كل شهر حَتَّى تستوي بكم الْحَال فَيكون أفضلكم كأدناكم فَإِن أَنا وفيت لكم فَعَلَيْكُم السّمع وَالطَّاعَة وَحسن المؤازرة والمكاتفة وَإِن لم أوف لكم فلكم أَن تخلعوني إِلَّا أَن تستتيبوني فَإِن تبت قبلتم تَوْبَتِي وَإِن عَرَفْتُمْ أحدا بالصلاح يعطيكم من نَفسه مثل الَّذِي أَعطيتكُم فأردتم أَن تبايعوه فَأَنا أَو لمن يبايعه وَيدخل فِي طَاعَته أَيهَا النَّاس إِنَّه لَا طَاعَة لمخلوق فِي مَعْصِيّة
следующие страницы →