Полный текст (299 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
أَو كَاد كم يُنكر أَو بعث فِيكُم مُنْكرا أقبلتم قمصا وسعيتم حرصا فتعسا ونكسا قُلْتُمْ مَاتَ هِشَام أفبدع الْمَوْت أَو مستنكر أَو مبرأ مِنْهُ أحد قد مَاتَ الَّذِي خلقه الله وَنفخ فِيهِ من روحه واسجد لَهُ مَلَائكَته أخرجُوا يَا فرَاش النَّار وَبَقِيَّة الأشرار
وخطب مرّة فارتج عَلَيْهِ فَقَالَ أَيهَا النَّاس إِن القَوْل أَحْيَانًا ويغرب أَحْيَانًا فيتيسر عِنْد مَجِيئه سَببه ويعز عِنْد ذَهَابه طلبه وَرُبمَا طلب فَأبى وكوبر فعصى فالتأني لمجيئه أيسر من التعاطي لِأَبِيهِ وَقد يختلج من الجريء جنانه ويرتج على البليغ لِسَانه فَلَا يُغَيِّرهُ الْمنطق إِذا امْتنع كَمَا لَا يبطره القَوْل إِذا اتَّسع
وَدخلت امْرَأَة من بني كلاب على خَالِد الْقَسرِي وَهُوَ فِي مَجْلِسه فَسلمت عَلَيْهِ وأنشدته شعرًا فَقَالَ لَهَا خَالِد مَا حَاجَتك قَالَت عِنْدِي للأمير نصيحة قَالَ وَمَا هِيَ قَالَت أكب على دهر بجرانه وعضنا بنابه فَمَا ترك لنا سيدا وَلَا لبدا وَلَا ماهيا وَلَا صافيا فَمَا بِنَا خفض وَلَا نبض
стр. 212
فَكنت أَنْت المنتجع وَإِلَيْك المفزع فنصيحتي أصلح الله الْأَمِير أَن تَأمر لي بخادم وَمَا يصلحني وإياه فوَاللَّه لقد عودت الرخَاء وَمَا قاسيت الشَّقَاء قَالَ خَالِد هَذِه نصيحة لَك دُوننَا قَالَت أَيهَا الْأَمِير لَيست لي دُونك لَك أجرهَا وَذُخْرهَا وحمدها وشكرها ولي مَنْفَعَتهَا مَعَ أَن الأجواد لَو لم يَجدوا من يقبل الْعَطاء مَا ذكرُوا بالسخاء قَالَ صدقت فَهَل لَك من زوج قَالَت وَالله مَالِي زوج وَلَا وجدت كُفؤًا وَلَا أَتزوّج دنيا وَإِن كَانَ مترفا غَنِيا وَلَئِن كنت فقدت نسبا مَا فقدت حسبا وَمَا كنت أَشْتَرِي عارا يبْقى بِمَال يفنى أعوذ بِجلَال الله من ذَلِك وَمَالِي أبقى الله الْأَمِير بِزَوْج من أرب فَأمر لَهَا بخادم وَمَا يصلحها وَأمر صَاحب نفقاته أَن يجْرِي لَهما مَا وسعهما
وَرُوِيَ ق ٤٣ عَن الْوَلِيد بن يزِيد مَعَ مَا كَانَ فِيهِ من الخلاعة واللعب والتهاون بِالدّينِ أَنه لما ولي أجْرى على الزمنى والعميان وكساهم وَأعْطى كل مِنْهُم خَادِمًا وَزَاد النَّاس على مَا كَانَ يعطيهم هِشَام وَلم يسْأَل سَائِلًا قطّ إِلَّا قَالَ نعم وَأَعْطَاهُ وَكَانَ أديبا شَاعِرًا فَمن أحسن قَوْله
стр. 213
مَا حَدثنِي إِسْحَاق الْموصِلِي قَالَ دخلت يَوْمًا على الرشيد وَهُوَ مستلق وَهُوَ يَقُول أحسن وَالله أظرف قُرَيْش وأفتاها وأسخاها وأشعرها وأغزلها فَقلت من هُوَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ وَفِي أَي شَيْء فَقَالَ أما بعد مَا سَمِعت مني فِي وَصفه فَلَا أُسَمِّيهِ وَلَكِن أذكر الشّعْر فَإِن كنت تعرفه فاكتم عني مَا سَمِعت مني وَهُوَ الَّذِي يَقُول
(لَا أسأَل الله تغييرا لما صنعت ... نَامَتْ وَإِن أَسهرت عَيْني عَيناهَا)
(فالليل أطول شَيْء حِين أفقدها ... وَاللَّيْل أقصر شَيْء حِين أَلْقَاهَا)
أتعرفه قلت لَا بِصَوْت ضَعِيف قَالَ بحياتي فَقلت بِلَا وحياتك هُوَ الْوَلِيد بن يزِيد فَضَحِك وَقَالَ مَا قلت فِي وَصفه إِلَّا دون مَا يسْتَحق وَلَكِن الْملك عقيم
وَكتب إِلَى هِشَام بن عبد الْملك برسالة وَفِي آخرهَا شعر
(رَأَيْتُك تبني دَائِما فِي قطيعتي ... وَلَو كنت ذَا حزم لهدمت مَا تبني)
(تثير عَليّ البَاقِينَ مني ضغينة ... فويل لَهُم إِن مت من شَرّ مَا تجني)
(كَأَنِّي بهم والليت أَكثر قَوْلهم ... أَلا ليتنا كُنَّا إِذا لَيْت لَا تَعْنِي)
стр. 214
وَقَالَ أَيْضا وَقد رَجَعَ إِلَيْهِ جَوَاب هِشَام بِمَا يكرههُ
(أَلَيْسَ عجيبا أَن أرى كل وَارِد ... حياضك يَوْمًا صادرا بالنوافل)
(وأرجع مجذوذ الرَّجَاء مصردا ... بتحليه عَن ورد تِلْكَ المناهل)
وَقَالَ أَيْضا فِيهِ
(أَنا النذير لمسدي نعْمَة أبدا ... إِلَى المقاريف مَا لم يخبر الدخلا)
(إِن أَنْت أكرمتهم ألقيتهم بطرا ... وَإِن أهنتهم ألفيتهم ذللا)
(أتشمخون وَمنا رَأس نعمتكم ... ستعلمون إِذا كَانَت لنا دولا)
(انْظُر فَإِن أَنْت لم تقدر على مثل لَهُم ... سوى الْكَلْب فَاضْرِبْهُ لَهُم مثلا)
(بَيْنَمَا يسمنه للصَّيْد صَاحبه ... حَتَّى إِذا مَا قوي من بَعْدَمَا هزلا)
(عدا عَلَيْهِ فَلم تضرره عدوته ... وَلَو يُطيق لَهُ أكلا لقد أكلا)
وَذَلِكَ أَن يزِيد بن عبد الْملك كَانَ قد أَخذ الْبيعَة لِأَخِيهِ هِشَام ثمَّ من بعده لِابْنِهِ الْوَلِيد وَلما قتل يزِيد بن الْوَلِيد بن عبد الْملك الْوَلِيد بن يزِيد وَولي الْخلَافَة خطب فَحَمدَ الله وَأثْنى عَلَيْهِ أَيهَا النَّاس وَالله مَا
стр. 215
خرجت بطرا وَلَا أشرا وَلَا ريائا وَلَا حرصا على الدُّنْيَا وَلَا رَغْبَة فِي الْملك وَمَا بِي إطراء لنَفْسي إِنِّي لظلوم لَهَا إِلَّا مَا يرحمني الله وَلَكِنِّي خرجت غَضبا لله ولدينه دَاعيا إِلَى الله وَإِلَى سنة نبيه ﷺ لما هدمت معالم الدّين وأطفئ نور التَّقْوَى وَظهر الْجَبَّار العنيد مستخف بِكُل حُرْمَة وراكبا لكل بِدعَة الْكَافِر بِيَوْم الْحساب وَإنَّهُ لِابْنِ عمي فِي النّسَب وكفئي فِي الْحسب فَلَمَّا رَأَيْت ذَلِك استخرت الله تَعَالَى فِي أمره وَسَأَلته أَن لَا يكلني على نَفسِي ودعوت إِلَى ذَلِك من أجابني من أهل ولايتي حَتَّى أراح الله مِنْهُ الْعباد وطهر مِنْهُ الْبِلَاد بحوله وقوته لَا بحولي وقوتي أَيهَا النَّاس إِن لكم عَليّ أَن لَا أَضَع لبنة على لبنة وَلَا حجرا على حجر وَلَا أكنز مَالا وَلَا أعْطِيه زوجا وَلَا ولدا وَلَا أنقله من بلد إِلَى بلد أُخْرَى حَتَّى أَسد فقر تِلْكَ الْبَلَد وَلَا أجبركم فِي ثغوركم حَتَّى أفتتن أهليكم وَلَا أغلق بَابي دونكم فيأكل قويكم ضعيفكم وَلَا أحمل على أهل جزيتكم مَا أجليهم بِهِ عَن بِلَادهمْ وأقطع بِهِ نسلهم وَلَكِن أدر ق ٤٤ الْعَطاء فِي كل سنة والرزق فِي كل شهر حَتَّى تستوي بكم الْحَال فَيكون أفضلكم كأدناكم فَإِن أَنا وفيت لكم فَعَلَيْكُم السّمع وَالطَّاعَة وَحسن المؤازرة والمكاتفة وَإِن لم أوف لكم فلكم أَن تخلعوني إِلَّا أَن تستتيبوني فَإِن تبت قبلتم تَوْبَتِي وَإِن عَرَفْتُمْ أحدا بالصلاح يعطيكم من نَفسه مثل الَّذِي أَعطيتكُم فأردتم أَن تبايعوه فَأَنا أَو لمن يبايعه وَيدخل فِي طَاعَته أَيهَا النَّاس إِنَّه لَا طَاعَة لمخلوق فِي مَعْصِيّة
стр. 216
الْخَالِق أَقُول هَذَا واستغفر الله لي وَلكم وَلِجَمِيعِ الْمُسلمين أَنه غَفُور رَحِيم
وَكتب إِلَى مَرْوَان بن مُحَمَّد وَقد بلغه تلكؤه فِي بيعَته أما بعد فَإِنِّي أَرَاك تقدم رجلا وتؤخر أُخْرَى فاعتمد على أَيهمَا شِئْت وَالسَّلَام
وَلما تفرق الْأَمر على مَرْوَان بن مُحَمَّد وأيقن بِزَوَال ملكه وَغَلَبَة بني هَاشم عَلَيْهِ قَالَ لعبد الحميد بن يحي كَاتبه إِنِّي قد احتجت أَن تكون مَعَ عدوي عَليّ وَتظهر لَهُم الْغدر بِي فَإِن إعجابهم بأدبك وحاجتهم إِلَيْك تدعوهم إِلَى حسن الظَّن بك فَإِن اسْتَطَعْت أَن تنفعني فِي حَياتِي وَإِلَّا
стр. 217
لم تعجز عَن حفظ حرمتي بعد وفاتي فَقَالَ عبد الحميد إِن الَّذِي أَمرتنِي بِهِ أَنْفَع الْأَمريْنِ لَك وأقبحهما بِي وَمَا عِنْدِي إِلَّا الْوَفَاء حَتَّى يفتح الله لَك أَو أقتل مَعَك ثمَّ قَالَ
(أسر وَفَاء ثمَّ أظهر غدره ... فَمن لي بِعُذْر يُوسع النَّاس ظَاهره)
وَقَالَ مَرْوَان إِذا انْقَضتْ الْمدَّة لم تَنْفَع الْعدة
وَكتب إِلَى عبد الله بن عَليّ يوصيه فِي حرمه فَكتب إِلَيْهِ عبد الله يَا مابق الْحق لنا فِي دمك وعلينا فِي حَرمك
وَلما اسْتخْلف أَبُو الْعَبَّاس السفاح وَهُوَ أول مُلُوك بني الْعَبَّاس
стр. 218
رُوِيَ أَن أول خطْبَة خطبهَا السفاح فِي بَلْدَة تسمى العباسية فَلَمَّا صَار إِلَى مَوضِع الشَّهَادَة قَامَ رجل من الطالبيين فِي عُنُقه مصحف فَقَالَ أذكرك الَّذِي ذكرته إِلَّا أنصفتني من خصمي وحكمت بيني وَبَينه بِمَا فِي هَذَا الْمُصحف فَقَالَ وَمن خصمك قَالَ أَبُو بكر الَّذِي منع فَاطِمَة فدكا قَالَ وَأقَام على ظلمكم قَالَ نعم قَالَ وَهل كَانَ بعده أحد قَالَ نعم قَالَ من قَالَ عمر قَالَ وَأقَام على ظلمكم قَالَ نعم قَالَ وَهل كَانَ بعده أحد قَالَ من قَالَ عُثْمَان قَالَ وَأقَام على ظلمكم قَالَ نعم قَالَ وَهل كَانَ بعده أحد قَالَ نعم قَالَ من قَالَ عُثْمَان قَالَ وَأقَام على ظلمكم قَالَ نعم قَالَ وَهل كَانَ بعده أحد قَالَ نعم قَالَ من قَالَ عَليّ قَالَ وَأقَام على ظلمكم فأسكت الرجل وَجعل يتلفت إِلَى وَرَاءه يطْلب تخلصا وَأَقْبل السفاح على خطبَته وَصعد الْمِنْبَر بِوَجْه كَأَنَّهُ مصحف فَلم يسْتَطع الْكَلَام من الْحيَاء فَنَهَضَ عَمه دَاوُد بن عَليّ حَتَّى صعد الْمِنْبَر فَقَالَ الْمَنْصُور فَقلت فِي نَفسِي هَذَا شَيخنَا وَكَبِيرنَا يَدْعُو إِلَى نَفسه فَلَا يخْتَلف عَلَيْهِ اثْنَان فانتضبت سَيفي وغطيته بثوبي وَقلت إِن فعل ناجزته فَلَمَّا رقي اسْتقْبل النَّاس بِوَجْهِهِ أبي الْعَبَّاس
стр. 219
فَقَالَ أَيهَا النَّاس إِن أَمِير الْمُؤمنِينَ يكره أَن يتَقَدَّم قَوْله فعله وَأثر الفعال عَلَيْكُم أجدى من تشقيق الْكَلَام وحسبكم بِكِتَاب الله متلو فِيكُم وَابْن عَم رَسُول الله ﷺ خَليفَة عَلَيْكُم فوَاللَّه قسما بارا لَا أُرِيد بِهِ إِلَّا الله مَا قَامَ هَذَا الْمقَام أحد بعد عَليّ بن أبي طَالب ﵊ عَلَيْهِ وعَلى آله أَحَق من أَمِير الْمُؤمنِينَ هَذَا فليطمأن ظانكم وليهمس هامسكم قَالَ الْمَنْصُور فشممت سَيفي
وخطب دَاوُد بن عَليّ فَقَالَ
(شنشنة أعرفهَا من أخزم ... من يَلِيق آساد الرِّجَال يكلم)
مهلا مهلا يَا روايا الأرجاف وبقايا النِّفَاق وأنسال الْأَحْزَاب عَن الْخَوْض فِيمَا كفيتم والتخطي إِلَى مَا حذرتم قبل أَن تتْلف نفوس وتحز رُؤُوس ألم تَجدوا مَا وَعدكُم ربكُم حَقًا من إيراث الْمُسْتَضْعَفِينَ مَشَارِق
стр. 220
الأَرْض وَمَغَارِبهَا لَا وَالله بل ضَب مُضْمر وحسك وكمد رغما للمعاطس وبعدا للْقَوْم الظَّالِمين ق ٤٥
وَصعد الْمِنْبَر مرّة فارتج عَلَيْهِ الْكَلَام فَقَالَ أما بعد فقد يجد الْمُعسر ويعسر الْمُوسر ويثقل الْحَدِيد وَيقطع الكليل وَأَن الْكَلَام بعد الأفحام كالإشراق بعد الإظلام وَقد يعزب الْبَيَان ويعقم الصَّوَاب وَإِنَّمَا اللِّسَان بضعَة من الْإِنْسَان يفتر بفتوره إِذا أَكْتَل وينبسط بانبساط إِذا ارتجل وَإِنَّا لَا ننطق أشرا وَلَا نسكت حصرا بل ننطق مرشدين ونسكت معتبرين فَإنَّا أُمَرَاء القَوْل فمنا وشجت أعراقه وإلينا تعطفت أغصانه وعلينا تهدلت ثَمَرَته فنجنى مِنْهُ مَا احلو لي وعذب ونترك مِنْهُ مَا املولح وخبث وَمن بعد مقامنا مقَام وَمن بعد أيامنا أَيَّام يعرف فِيهَا فضل الْكَلَام إنْشَاء الله وَهُوَ امد مستعان
стр. 221
وخطب سُلَيْمَان بن عَليّ بن عبد الله بن الْعَبَّاس فَقَالَ إيَّاكُمْ أَن يتَكَلَّم الرجل فِيمَا لَا يعنيه ويرعى مَا لَا يسترعيه فَينزل بِهِ منا فاقره لَيست لَهُ بَاقِيَة وَإِيَّاكُم إيَّاكُمْ واروا مصَارِع الحائنين فَإِنِّي وَإِيَّاكُم كَمَا قَالَ الأول
(بدأتكم بِالْخَيرِ حَتَّى بطرتم ... فَلَمَّا كَفرْتُمْ شكر مَا كنت أصنع)
(سنعطيكم صابا وَمَرا علقما ... فَإِن عدتم فالسيف عِنْدِي مقنع)
وَمَا بعد إِلَّا السَّيْف فأبقوا على أَنفسكُم أَو ذَروا
وخطب الْمَنْصُور فَحَمدَ الله وَأثْنى عَلَيْهِ فَلَمَّا انْتهى إِلَى قَول أشهد
стр. 222
أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وثب رجل من أقْصَى الْمَسْجِد فَقَالَ أذكرك الله مَا تذكر فَقَالَ سمعا لمن فهم عَن الله وَذكر بِهِ وَأَعُوذ بِاللَّه أَن أكون جبارا عصيا وَأَن تأخذني الْعِزَّة بالإثم لقد ضللت إِذا وَمَا أَنا من المهتدين وَأَنت وَالله أَيهَا الْقَائِل مَا أردْت بهَا الله وَلَكِنَّك حاولت أَن يُقَال قَامَ فَقَالَ عُوقِبَ فَصَبر واهو بقائلها لقد هَمَمْت فاهتبلتها وَيلك إِذْ عَفَوْت وَإِيَّاكُم معاشر النَّاس وَأُخْتهَا فَإِن الموعظة علينا نزلت وَمن عندنَا أنبئت فَردُّوا الْأَمر إِلَى أَهله يصدروه كَمَا أوردوه ثمَّ رَجَعَ إِلَى خطبَته فأتمها
وَصعد الْمِنْبَر مرّة فَحَمدَ الله وَأثْنى عَلَيْهِ ثمَّ سكت طَويلا فَقَالَ رجل مَا لأمير الْمُؤمنِينَ لَا يتَكَلَّم فَإِنَّهُ وَالله مِمَّن يهون عَلَيْهِ صَعب الْكَلَام فأكمل خطبَته ثمَّ قَالَ
(مَالِي أكفكف عَن سعد ويشتمني ... وَلَو شتمت بني سعد لقد سكنوا)
(جهلا علينا وجبنا عَن عَدوكُمْ ... لبئست الخلتان الْجَهْل والجبن)
ثمَّ حسر رَأسه وَقَالَ
(وألقيت عَن رَأْسِي القناع وَلم أكن ... لأكتشفه إِلَّا لأحدى العظائم)
ثمَّ قَالَ وَالله لقد عجزوا عَن أَمر قمنا بِهِ فَمَا شكروا وَلَقَد مهدنا
стр. 223
مَا استوعروا وأعطينا الْحق وغمطوا وَالله لَا أكْرم أحدا بمهانة نَفسِي والسعيد من وعظ بِغَيْرِهِ لِأَن سادة النَّاس فِي الدُّنْيَا الأسخياء وَفِي الْآخِرَة الأتقياء
وَقَامَ عَمْرو بن عبيد بَين يَدي الْمَنْصُور فَقَالَ إِن الله أَعْطَاك الدُّنْيَا بأسرها فاشتري نَفسك بِبَعْضِهَا وَاذْكُر لَيْلَة تمخض عَن يَوْم لَا لَيْلَة فِيهِ فَوَجَمَ أَبُو جَعْفَر فِي قَوْله فَقَالَ الرّبيع لَهُ يَا عَمْرو غممت أَمِير الْمُؤمنِينَ فَقَالَ عَمْرو أَن هَذَا قد صحبك عشْرين سنة لم ير عَلَيْهِ أَن ينصحك يَوْمًا وحدا وَمَا عمل وَرَاء بابك بِشَيْء من كتاب الله وَلَا سنة نبيه مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وعَلى آله قَالَ أَبُو جَعْفَر فَمَا أصنع قد قلت لَك خَاتمِي بِيَدِك فتعال أَنْت وَأَصْحَابك فاكفوني هَذَا الْأَمر فَقَالَ عَمْرو أدعنا بعد ذَلِك تسمح نفوسنا بعونك ببابك ألف مظْلمَة أردد مِنْهَا شَيْئا نعلم أَنَّك صَادِق
стр. 224
وَقيل بَيْنَمَا الْمَنْصُور يطوف بِالْبَيْتِ لَيْلًا إِذْ سمع قَائِلا يَقُول اللَّهُمَّ إِنِّي أَشْكُو إِلَيْك ظُهُور الْبَغي وَالْفساد فِي الأَرْض وَمَا يحول بَين الْحق وَأَهله من الطمع فَخرج الْمَنْصُور فَجَلَسَ نَاحيَة من الْمَسْجِد وَأرْسل إِلَى الرجل يَدعُوهُ فصلى رَكْعَتَيْنِ واستلم الرُّكْن وَأَقْبل مَعَ الرَّسُول فَسلم عَلَيْهِ بالخلافة فَقَالَ لَهُ الْمَنْصُور مَا الَّذِي سَمِعتك تذكر من ظُهُور الْبَغي وَالْفساد ق ٤٦ فِي الأَرْض وَمَا يحول بَين الْحق وَأَهله من الطمع فوَاللَّه لقد حشوت مسامعي بِمَا أرمضني فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن أمنتني أَنْبَأتك بالأمور على جليتها وَمن أُصُولهَا وَإِلَّا احتجزت على نَفسِي فَقَالَ أَنْت آمن على نَفسك فَقَالَ إِن الَّذِي دخله الطمع حَتَّى حَال بَينه وَبَين إصْلَاح مَا ظهر من الْبَغي وَالْفساد أَنْت فَقَالَ وَيحك وَكَيف يدخلني الطمع والصفراء والبيضاء فِي قبضتي والحلو والحامض عِنْدِي قَالَ وَهل دخل أحد من الطمع مثل مَا دَخلك إِن الله تَعَالَى استرعاك الْمُسلمين وَأَمْوَالهمْ فَجعلت بَيْنك وَبينهمْ حِجَابا من الجص وَالْأَجْر وأبوابا من الْحَدِيد وحجبة مَعَهم السِّلَاح والكراع وَأمرت أَن لَا يدْخل عَلَيْك إِلَّا فلَان وَفُلَان نفر سميتهم وَلم تَأْمُرهُمْ بإيصال الملهوف والمظلوم وَلَا الجائع وَلَا العاري وَلَا الضَّعِيف وَلَا الْفَقِير وَمَا أحد إِلَّا وَله فِي هَذَا المَال حق فَلَمَّا رآك هَؤُلَاءِ النَّفر الَّذين استخلصتهم لنَفسك وآثرتهم على رعيتك وَأمر أَن لَا يحجبوا عَنْك جباء الْأَمْوَال وأمرتهم بجمعها وَلَا يقسموها قَالَ هَذَا قد خَان الله فمالنا لَا تخونه وَقد سجن لنا نَفسه فأتمروا بَينهم أَن لَا يصل
стр. 225
إِلَيْك من أَخْبَار النَّاس إِلَّا مَا أَرَادوا وَلَا يخرج لَك عَامل فيخالف أَمرهم إِلَّا أقصوه ونفوه حَتَّى تسْقط مَنْزِلَته ويصغر عنْدك قدره فَلَمَّا انْتَشَر ذَلِك عَنْك وعنهم أعظمهم النَّاس وهابوهم فَكَانَ أول من صانعهم عمالك بالهدايا وَالْأَمْوَال ليتقووا بِهِ على ظلم رعيتك ثمَّ فعل ذَلِك ذَوُو الْقُدْرَة والثروة من رعيتك لينالوا بِهِ ظلم من دونهم فامتلأت بِلَاد الله بالطمع بغيا وَفَسَادًا وَصَارَ هَؤُلَاءِ الْقَوْم شركاءك فِي سلطانك وَأَنت غافل وَإِن جَاءَ متظلم حيل بَينه وَبَين الدُّخُول عَلَيْك فَإِذا رفع قصَّته إِلَيْك عِنْد ظهورك وَجدك وَقد نهيت عَن ذَلِك وأوقفت للنَّاس رجلا ينظر فِي مظالمهم فَإِن جَاءَ ذَلِك الرجل فَبلغ بطانتك سَأَلُوا صَاحب الْمَظَالِم أَن لَا يرفع مظلمته إِلَيْك فَإِن للمتظلم مِنْهُ حُرْمَة عِنْدهم فأجابهم خوفًا مِنْهُم فَلَا يزَال الْمَظْلُوم يخْتَلف إِلَيْهِ ويلوذ بِهِ ويشكو ويستغيث وَهُوَ يدافعه ويماطله وَلَا يقبل عَلَيْهِ فَإِذا أجهد وأحوج وَظَهَرت صرخَ بَين يَديك ضربا عنيفا شَدِيدا مبرحا ليَكُون نكالا لغيره وَأَنت تنظر فَلَا تنكر فَمَا بَقَاء الْإِسْلَام على هَذَا وَلَقَد كنت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أسافر إِلَى الصين فقدمتها مرّة وَقد أُصِيب ملكهَا بسمعه فَبكى يَوْمًا بكاء شَدِيدا فحثه جُلَسَاؤُهُ على الصَّبْر فَقَالَ أما أَنِّي لست أبْكِي للبلية النَّازِلَة وَلَكِنِّي أبْكِي للمظلوم بِالْبَابِ يصْرخ فَلَا أسمع صَوته ثمَّ قَالَ أما إِذا ذهب سَمْعِي فَإِن بَصرِي لم يذهب فأذنوا فِي النَّاس أَن لَا يلبس ثوبا أَحْمَر إِلَّا مظلوم ثمَّ كَانَ يركب الْفِيل طرفِي النَّهَار ينظر هَل يرى مَظْلُوما فَهَذَا يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ مُشْرك بِاللَّه غلبت رأفته على الْمُشْركين وَأَنت تؤمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر ثمَّ من أهل بَيت رَسُول الله ﷺ غلب شح نَفسك عَلَيْك فَإِن كنت إِنَّمَا تجمع المَال لولدك فقد
стр. 226
أَرَاك الله الطِّفْل يسْقط من بطن أمه وَمَاله على الأَرْض مَال وَمَا من مَال إِلَّا ودونه يَد شحيحة تحويه فَمَا يزَال الله ثَنَاؤُهُ يلطف بذلك الطِّفْل حَتَّى تعظم رَغْبَة النَّاس إِلَيْهِ وَلست بِالَّذِي يُعْطي بل الله يُعْطي من يَشَاء بِغَيْر حِسَاب وَإِن قلت أَنا أجمع المَال لتشديد السُّلْطَان فقد أَرَاك الله عبرا فِي بني أُميَّة مَا أغْنى عَنْهُم مَا جمعُوا من الذَّهَب وَالْفِضَّة وَأَعدُّوا من الرِّجَال وَالسِّلَاح الكراع حِين أَرَادَ الله بهم مَا أَرَادَ وَإِن قلت أَنا أجمع المَال لطلب غَايَة هِيَ أجسم من الْغَايَة الَّتِي أَنا فِيهَا فوَاللَّه مَا فَوق مَا أَنْت فِيهِ إِلَّا منزلَة لَا تنَال إِلَّا بِالطَّاعَةِ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ هَل تعاقب من عصاك بِغَيْر بِأَكْثَرَ من الْقَتْل والصلب قَالَ الْمَنْصُور لَا قَالَ فَكيف يصنع أَمِير الْمُؤمنِينَ يَوْم الْقِيَامَة عِنْد لِقَاء الْملك الَّذِي خولك ملك الدُّنْيَا وَلَا يُعَاقب من عَصَاهُ من عبيده وَعمل بِخِلَاف مَا أَمر بِهِ فِي كِتَابه بِالْقَتْلِ وَلَكِن يُعَاقِبهُ فِي الخلود ق ٤٧ فِي الْعَذَاب الْأَلِيم وَقد رأى مَا عقد عَلَيْهِ قَلْبك وتحملته جوارحك وَنظر إِلَيْهِ بَصرك واجترحته يداك ومشت إِلَيْهِ قدماك عمل يُغني مَا شححت عَلَيْهِ من ملك الدُّنْيَا إِذا انتزعه من يَديك ودعاك إِلَى الْحساب على مَا خولك فَبكى الْمَنْصُور وَقَالَ يَا لَيْتَني لم أخلق وَيحك فَكيف أحتال لنَفْسي فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن للنَّاس أَعْلَام يفزعون إِلَيْهِم فِي دينهم ويرضون نُفُوسهم فاجعلهم بطانتك يرشدوك وشاورهم فِي أَمرك يسددوك قَالَ قد بعثت إِلَيْهِم فَهَرَبُوا مني قَالَ خَافُوا أَن تحملهم على طريقتك وَلَكِن افْتَحْ بابك وَسَهل حجابك وانصر الْمَظْلُوم واقمع الظَّالِم وَخذ الْفَيْء وَالصَّدقَات مِمَّا حل وطاب واقسمه بِالْحَقِّ وَالْعدْل على أَهله وَأَنا الضَّامِن عَلَيْهِم أَن يأتوك ويساعدوك على صَلَاح الْأمة وَجَاء المؤذنون فَسَلمُوا عَلَيْهِ فصلى وَعَاد إِلَى مَجْلِسه فَطلب الرجل فَلم يُوجد وَقَالَ الْمَنْصُور لبَعض عماله وَقد بلغه أَنه خانه
стр. 227
يَا عَدو الله وعدو أَمِير الْمُؤمنِينَ أكلت مَال الله فَقَالَ نَحن عباد الله وَأَنت خَليفَة الله وَالْمَال مَال الله فَمَال من تَأْكُل إِذا فأعجبه جَوَابه فَقَالَ خلوا عَنهُ وَلَا تولوه شَيْئا
وَوجد على بعض الْكتاب فَأمر بتجريده وضربه فَقَالَ
(وَنحن الكاتبون وَقد أسأنا ... فهبنا للكرام الْكَاتِبين)
وروى أَن بعض أهل الْعَبَث كَانَ قد خرج بفلسطين فَكتب إِلَى الْعَامِل بهَا دَمه بدمك مُرْتَهن إِن لم توجه بِهِ إِلَيّ فظفر بِهِ فأشخصه إِلَيْهِ فَأدْخلهُ الرّبيع عَلَيْهِ فَقَالَ أَنْت المتوثب علينا عُمَّال أَمِير الْمُؤمنِينَ لَا يُوزن من لحمك أَكثر مِمَّا يبْقى على عظمك فَقَالَ بِصَوْت ضَعِيف
(أتروض عرسك بَعْدَمَا هرمت ... وَمن العناء رياضه الْهَرم
فَلم يتَبَيَّن الْمَنْصُور مَا قَالَ لضعف صَوته فَقَالَ يَا ربيع مَا يَقُول قَالَ يَقُول
(العَبْد عبدكم وَالْمَال مالكم ... فَهَل عذابك عني الْيَوْم مَصْرُوف)
стр. 228
فعفى عَنهُ وخلى سَبيله
وَكَانَ يَقُول عُقُوبَة الْحَلِيم التَّعْرِيض وعقوبة السَّفِيه التَّصْرِيح
وَرُوِيَ عَن الرّبيع أَنه قَالَ جمع الْمَنْصُور مَالِكًا وَأَبا حنيفَة وَابْن أبي ذُؤَيْب ﵃ فَقَالَ كَيفَ ترَوْنَ فِي هَذَا الْأَمر الَّذِي أَعْطَانِي الله تَعَالَى فَقَالَ ابْن أبي ذُؤَيْب ملك الدُّنْيَا يؤتيه الله من يَشَاء
стр. 229
وَملك الْآخِرَة يؤتيه من وَفقه لَهُ وَإِن الْخلَافَة تكون بِإِجْمَاع أهل التَّقْوَى عَلَيْهَا وَأَنت وأعوانك خارجون من التَّقْوَى عالين على الْخلق فَإِن سَأَلت الله السَّلامَة كَانَ فِي ذَلِك نجاتك وَإِلَّا أَنْت الْمَطْلُوب فَقَالَ لأبي حنيفَة مَا تَقول قَالَ المسترشد لدينِهِ يكون بعيد الْغَضَب وَأَنت إِذا نصحت نَفسك علمت أَنَّك لم ترد الله باجتماعنا فَنَقُول بِمَا تهواه خوفًا من سَيْفك وحبسك وَقد وليت الْخلَافَة وَمَا اجْتمع عَلَيْك نفسان من أهل التَّقْوَى فَقَالَ لمَالِك مَا تَقول فَقَالَ لَو لم يَرك الله أَهلا لذَلِك مَا قدر لَك أَمر الْأمة أعانك الله على مَا ولاك ثمَّ أَمر بانصرافهم قَالَ الرّبيع ثمَّ أَعْطَانِي ثَلَاث بدر وَقَالَ اتبع الْقَوْم فَإِن أَخذ ابْن أبي ذُؤَيْب وَأَبُو حنيفَة مِنْهَا شَيْئا فأتني برؤوسهما وَإِن أَخذهَا مَالك كلهَا فادفعها إِلَيْهِ فَأتيت ابْن أبي ذُؤَيْب وَعرضت عَلَيْهِ فَقَالَ مَا أرْضى لَهُ هَذَا المَال فَكيف أرضاه لنَفْسي وَقَالَ أَبُو حنيفَة لَو ضربت رقبتي مَا مسست مِنْهَا درهما وَاحِدًا فَأتيت بهَا مَالِكًا فَأَخذهَا كلهَا قَالَ الرّبيع فأعلمته مَا جرى فَقَالَ بِهَذِهِ الصيانة حقنوا دِمَاءَهُمْ
وَرُوِيَ عَن الرّبيع قَالَ مَا رَأَيْت رجلا أربط جأشا من رجل رفع عَلَيْهِ إِلَى الْمَنْصُور أَن عِنْده ودائع وأموالا لبني أُميَّة فَأمرنِي بإحضاره فأحضرته فَدخلت بِهِ عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ الْمَنْصُور قد رفع إِلَيْنَا خبر الودائع وَالْأَمْوَال الَّتِي
стр. 230
لبني ق ٤٨ أُميَّة عنْدك فَأخْرج إِلَيْنَا مِنْهَا فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أوارث أَنْت لبني أُميَّة فَقَالَ لَا فَقَالَ فوصي لَهُم فِي أَمْوَالهم وربايحهم قَالَ لَا قَالَ فَمَا مسألتك عَمَّا فِي يَدي من ذَلِك قَالَ فَأَطْرَقَ الْمَنْصُور سَاعَة ثمَّ رفع رَأسه فَقَالَ إِن بني أُميَّة ظلمُوا الْمُسلمين فِيهَا وَأَنا وَكيل للْمُسلمين فِي حَقهم وَأُرِيد أَن آخذ مَا ظلمُوا الْمُسلمين فأجعله فِي بَيت مَالهم فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ تحْتَاج إِلَى إِقَامَة الْبَيِّنَة العادلة على أَن مَا فِي يَدي لبني أُميَّة مِمَّا خانوه وظلموا دون غَيره فقد كَانَ لبني أُميَّة أَمْوَال غير أَمْوَال الْمُسلمين قَالَ فاطرق الْمَنْصُور سَاعَة ثمَّ رفع رَأسه وَقَالَ صدق يَا ربيع مَا يجب على الشَّيْخ شَيْء ثمَّ قَالَ هَل لَك من حَاجَة فَقَالَ نعم حَاجَتي يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أَن تنفذ كتابي على الْبَرِيد إِلَى أَهلِي ليسكنوا إِلَى سلامتي فَإِنَّهُم قد راعهم أشخاصي وَقد بقيت لي حَاجَة أُخْرَى يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ قَالَ قل قَالَ تجمع بيني وَبَين من سعى بِي إِلَيْك فوَاللَّه مَا لبني أُميَّة فِي يَدي مَال وَلَا وَدِيعَة وَلَكِنِّي لما مثلت بَين يَديك وَسَأَلتنِي عَمَّا سَأَلتنِي عَنهُ قابلت بَين هَذَا القَوْل وَمَا قبله فَرَأَيْت ذَلِك أقرب إِلَى الْخَلَاص والنجاة فَقَالَ يَا ربيع اجْمَعْ بَينه وَبَين من سعى بِهِ فَجمعت بَينهمَا فَقَالَ هَذَا غُلَام لي سرق عَليّ ثَلَاثَة آلَاف دِينَار من مَالِي وأبق فَشد الْمَنْصُور على الْغُلَام فَأقر بِأَنَّهُ غُلَامه وَأَنه أَخذ المَال الَّذِي ذكره وأبق مِنْهُ وسعى بِهِ خوفًا وكذبا حَتَّى لَا يَقع فِي يَده فَقَالَ الْمَنْصُور للشَّيْخ نَسْأَلك أَن تصفح عَنهُ فَقَالَ قد صفحت عَنهُ وأعتقته ووهبت الثَّلَاثَة آلَاف دِينَار الَّتِي يَأْخُذهَا وَثَلَاثَة آلَاف دِينَار فَقَالَ الْمَنْصُور مَا على مَا فعله الشَّيْخ من مزِيد فَقَالَ يكون هَذَا بِحَق
стр. 231
شفاعتك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ وَانْصَرف فَكَانَ الْمَنْصُور يتعجب مِنْهُ كل مَا ذكره وَيَقُول مَا رَأَيْت مثل هَذَا الشَّيْخ يَا ربيع
وَقيل كَانَ الْمَنْصُور فِي صدر نَهَاره يَأْمر وَينْهى وَيُدبر الْملك وَالنَّظَر فِي النَّفَقَات ومعاش الرّعية فَإِذا صلى الْعَصْر جلس لأهل بَيته فَإِذا صلى الْعشَاء نظر فِيمَا ورد عَلَيْهِ من كتب الثغور والآفاق فَإِذا أمضى ثلث اللَّيْل قَامَ إِلَى فرَاشه فَنَامَ فَإِذا بَقِي الثُّلُث الْأَخير من اللَّيْل قَامَ فأسبغ وضوءه وصف قَدَمَيْهِ فِي محرابه حَتَّى يطلع الْفجْر ثمَّ يخرج فَيصَلي
حَدِيث زَيْنَب ابْنة سُلَيْمَان بن عَليّ بن عبد الله بن عَبَّاس قَالَت كنت عِنْد الخيزران وعادتها إِذا كَانَت عِنْدهَا أَن تقعد فِي عتبَة الرواق الْمُقَابل للإيوان وأجلس بإزائها وَفِي الصَّدْر مجْلِس الْمهْدي يقْعد فِيهِ
стр. 232
وَهُوَ يقصدنا فِي كل يَوْم يجلس سَاعَة ثمَّ ينْهض فَبَيْنَمَا نَحن كَذَلِك إِذْ دخلت جَارِيَة من جواريها اللواتي يحجبنها فَقَالَت أعز الله السيدة امْرَأَة لَهَا جمال وخلقة حَسَنَة وَلَيْسَ من وَرَاء مَا هِيَ عَلَيْهِ من سوء الْحَال غَايَة تستأذن عَلَيْك وَقد سَأَلتهَا عَن اسْمهَا فامتنعت أَن تُخبرنِي فالتفتت إِلَى فَقَالَت مَا تَرين فَقلت أدخليها فَإِنَّهُ لَا بُد من فَائِدَة أَو ثَوَاب فَدخلت امْرَأَة كأجمل النِّسَاء وأكملهن لَا تتوارى فوقفت إِلَى جَانب عضادتي الْبَاب ثمَّ سلمت متضائلة ثمَّ قَالَت أَنا مزنة بنت مَرْوَان بن عبد الْملك فَقَالَت زَيْنَب وَكنت متكئة فاستويت جالسة فَقلت مزنة فَلَا حياك الله وَلَا قربك وَالْحَمْد لله الَّذِي أَزَال نِعْمَتك وهتك سترك وأذلك أتذكرين يَا عدوة الله حِين أَتَاك عَجَائِز أهل بَيْتِي يسألنك أَن تكلمي صَاحبك فِي الْإِذْن فِي دفن إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد فَوَثَبت عَلَيْهِنَّ
стр. 233
وأستمعتهن وَأمرت بِإِخْرَاجِهِنَّ على الْحَالة الَّتِي أخرجن عَلَيْهَا فَلَا أنسى حسن ثغرها وعلو صَوتهَا بالقهقة وَقَالَت أَي بنت عَم أَي شَيْء أعْجبك من حسن صنع الله فِي العقوق حَتَّى أردْت ق ٤٩ أَن تنافسيني فِيهِ وَالله إِنِّي فعلت بنسائك الَّذِي فعلت فأسلمني الله إِلَيْك ذليلة جائعة عُرْيَانَة فَكَانَ هَذَا مِقْدَار شكرك لله على مَا أولاك فِي ثمَّ قَالَت السَّلَام عَلَيْكُم وَوَلَّتْ فصاحت بهَا الخيزران لَيْسَ هَذَا لَك عَليّ اسْتَأْذن وإلي قصدت فَمَا ذَنبي فَرَجَعت وَقَالَت لعمري فقد صدقتي يَا أخية
وَكَانَ مِمَّا ردني إِلَيْك مَا أَنا عَلَيْهِ من الضَّرَر والجهد قَالَت زَيْنَب فَنَهَضت إِلَيْهَا الخيزران لتعانقها فَقَالَت ليسي لذَلِك مَوضِع مَعَ الْحَال الَّتِي أَنا عَلَيْهَا فَقَالَت الخزيران لَهَا فالحمام إِذا وَأمرت جمَاعَة من جواريها بِالدُّخُولِ مَعهَا إِلَى الْحمام فَدخلت وَطلبت ماشطة ترمي مَا على وَجههَا من الشّعْر فَلم تزل حَتَّى خرجت من الْحمام فوافتها الْخلْع وَالطّيب فَأخذت من الثِّيَاب مَا أَرَادَت ثمَّ تطيب وَخرجت إِلَيْنَا فعانقها الخيزران وأجلستها فِي الْموضع الَّذِي يجلس فِيهِ أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمهْدي إِذا دخل فَقَالَت لَهَا الخيزران هَل لَك فِي الطَّعَام فَإنَّا لم نطعم بعد فَقَالَت وَالله مَا فيكُن أحد أحْوج إِلَيْهِ مني فجعلوه فَأتي بالمائدة فَجعلت تَأْكُل غير محتشمة وتلقمنا وتضع بَين أَيْدِينَا إِلَى أَن اكتفت ثمَّ غسلنا أَيْدِينَا فَقَالَت لَهَا الخيزران من وَرَاءَك مِمَّن تعنين بِهِ فَقَالَت مَا خَارج الدَّار أحد من خلق الله بَين وَبَينه سَبَب فَقَالَت الخيزران إِن كَانَ هَذَا هَكَذَا فقومي
стр. 234
حَتَّى تختاري لنَفسك مَقْصُورَة من مقاصيرنا ونحول إِلَيْهِ جَمِيع مَا تحتاجين إِلَيْهِ ثمَّ لَا نفترق حَتَّى الْمَوْت بَيْننَا فَقَالَت فطفنا بهَا فِي المقاصير فَاخْتَارَتْ وأوسعها وأنزهها وَلم نَبْرَح حَتَّى حول إِلَيْهَا جَمِيع مَا تحْتَاج إِلَيْهِ من الْفرش والكساء والجواري وَالرَّقِيق ثمَّ تركناها وَخَرجْنَا عَنْهَا فَقَالَت الخيزران إِن هَذِه الْمَرْأَة كَانَت فِيمَا قد كَانَت فِيهِ وَقد مَسهَا ضرّ وَلَيْسَ يغسل مَا فِي قَلبهَا إِلَّا المَال فاحملوا إِلَيْهَا خمس مائَة ألف دِرْهَم فَحملت إِلَيْهَا ووافانا الْمهْدي فسألنا عَن الْخَبَر فَحَدَّثته حَدِيثهَا وَمَا لَقيته بِهِ فو الله مَا انْتظر أَن أعرفهُ جوابها حَتَّى وثب مغضبا فِي وَجْهي وَقَالَ يَا زَيْنَب هَل هَذَا مِقْدَار شكر الله على نعمه وَقد مكنك من مثل هَذِه الْمَرْأَة على هَذِه الْحَال الَّتِي هِيَ عَلَيْهَا فو الله لَوْلَا محلك من قلبِي لحلفت أَن لَا أُكَلِّمك أبدا قَالَت فَقلت قد اعتذرت إِلَيْهَا ورضيت ثمَّ قَصَصنَا عَلَيْهِ قصَّتهَا كلهَا وَمَا فعلت الخيزران لَهَا فَقَالَ لخادم مَعَه احْمِلْ إِلَيْهَا مئة بدرة وادخل إِلَيْهَا وأبلغها السَّلَام عني وَقل لَهَا وَالله إِنِّي مَا سررت مُنْذُ دهري سروري بمكانك وَأَنا أَخُوك وَمِمَّنْ يُوجب حَقك لَا تَدعِي حَاجَة إِلَّا سألتيها وَلَوْلَا أَنِّي أكره أَن أحشمك لصرت إِلَيْك مُسلما عَلَيْك وقاضيا حَقك فَمضى الْخَادِم إِلَيْهَا بِالْمَالِ والرسالة فَأَقْبَلت إِلَيْنَا مَعَه فَسلمت إِلَى الْمهْدي وشكرت لَهُ فعله وأثنيت على الخيزران عِنْده وَقَالَت مَا على أَمِير الْمُؤمنِينَ حشمة أَنا فِي عداد حرمه وَقَعَدت سَاعَة ثمَّ قَامَت إِلَى منزلهَا فخلفتها عِنْد الخيزران كَأَنَّهَا لم تزل فِي ذَلِك الْقصر
стр. 235
وَقيل إِن الْمهْدي لما حج أنْفق فِي حجه ثَلَاثِينَ ألف ألف دِرْهَم وَخَمْسمِائة ألف دِينَار وَفرق من الثِّيَاب مائَة ألف وَخمسين ألف ثوب وَهُوَ الَّذِي وسع الْمَسْجِد الْحَرَام وبناه على مَا هُوَ عَلَيْهِ الْيَوْم
وَقيل نذر الْمهْدي دم رجل من أهل الْكُوفَة كَانَ يسْعَى فِي فَسَاد دولته فَجعل لمن دلّ عَلَيْهِ أَو جابه مئة ألف دِرْهَم فَأَقَامَ الرجل مواريا ثمَّ إِنَّه ظهر يَوْمًا بِبَغْدَاد فَبَيْنَمَا هُوَ يمشي فِي بعض نَوَاحِيهَا بصر بِهِ رجل من أهل الْكُوفَة فرفعه فَأخذ بمجاميع ثِيَابه وَقَالَ هَذَا بغية أَمِير الْمُؤمنِينَ فَبَيْنَمَا الرجل على تِلْكَ الْحَال إِذْ سمع وَقع الحوافر من وَرَائه فَالْتَفت فَإِذا معن بن زَائِدَة فَقَالَ يَا أَبَا الْوَلِيد أجرني أجارك الله فَوقف فَقَالَ
стр. 236
للرجل الَّذِي هُوَ مُتَعَلق بِهِ مَا شَأْنك قَالَ بغية أَمِير الْمُؤمنِينَ نذر دَمه وبذل لمن ق ٥٠ دلّ عَلَيْهِ مئة ألف دِرْهَم فَقَالَ يَا غُلَام انْزِلْ عَن دابتك واحمل الرجل عَلَيْهَا فصاح الْمُتَعَلّق بِالرجلِ يَا للنَّاس أيحال بيني وَبَين طلبة أَمِير الْمُؤمنِينَ فَقَالَ لَهُ معن اذْهَبْ فاخبره أَنه عِنْدِي فَانْطَلق الرجل إِلَى بَاب الْمهْدي فَأخْبر الْحَاجِب فَدخل إِلَى الْمهْدي فَأخْبرهُ فَأمر بإحضار معن فَأَتَتْهُ الرُّسُل فَدَعَا أهل بَيته ومواليه وَقَالَ لَا يخلصن إِلَى هَذَا الرجل وَفِيكُمْ عين تطرف ثمَّ سَار إِلَى الْمهْدي فَدخل فَسلم عَلَيْهِ فَرد ﵇ وَقَالَ يَا معن أتجير علينا قَالَ نعم يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ قَالَ وَنعم أَيْضا فَاشْتَدَّ غَضَبه فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ قتلت فِي طاعتكم فِي الْيمن فِي يَوْم وَاحِد خَمْسَة عشر ألفا إِلَى أَيَّام كَثِيرَة قد تقدم بلائي وَحسن غنائي فَمَا رَأَيْتُمُونِي أَهلا إِن يُوهب لي رجل وَاحِد فَأَطْرَقَ الْمهْدي طَويلا ثمَّ رفع رَأسه وَقد سرى عَنهُ وَقَالَ قد أجرنا جَارك فَقَالَ معن إِن رأى أَمِير الْمُؤمنِينَ أَن يصله فَيكون قد أَحْيَاهُ وأغناه قَالَ قد أمرنَا لَهُ بِخَمْسِينَ ألف دِرْهَم قَالَ معن إِن صلات الْخُلَفَاء لَا تكون إِلَّا على قدر جنايات الرّعية وَإِن ذَنْب الرجل عَظِيم فأجزل لَهُ الْعَطِيَّة فَقَالَ قد أمرنَا لَهُ بِمِائَة ألف دِرْهَم قَالَ تعجلها يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فَإِن خير الْبر عاجله فَأمر بتعجيلها لَهُ وَانْصَرف معن بِالْمَالِ إِلَى الرجل وَقَالَ لَهُ خُذ صلتك وَالْحق بأهلك وَإِيَّاك وَمُخَالفَة خلفاء الله تَعَالَى
стр. 237
ذكر الْمَنْصُور لِمَعْنٍ بن زَائِدَة بعد كَلَام لَهُ قد بلغ أَمِير الْمُؤمنِينَ عَنْك شَيْء لَوْلَا مَكَانك عِنْده ورأيه فِيك لصعب عَلَيْك الْأَمر قَالَ وَمَا ذَاك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فو الله مَا تعرضت بِهِ مِنْك قَالَ إعطاؤك مَرْوَان بن أبي حَفْص ألف دِينَار فِي قَوْله فِيك
(معن بن زَائِدَة الَّتِي زيدت بِهِ ... شرفا على شرف بَنو شَيبَان)
(إِن عد أَيَّام الرِّجَال فَإِنَّهَا ... يوماه يَوْم ندا وَيَوْم طعان)
فَقَالَ مَا أَعْطيته لهَذَا وَلَكِن لقَوْله
(مَا زلت يَوْم الهاشمية معلما ... بِالسَّيْفِ دون خَليفَة الرحمان)
(فحميت حوزته وَكنت وقاءه ... من وَقع كل من مهند وَسنَان)
فاستحيا الْمَنْصُور فَقَالَ مَا أَعْطيته إِلَّا لهَذَا قَالَ نعم يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فو الله لَوْلَا مَخَافَة الشنعة عنْدك لمكنته من مَفَاتِيح بيُوت أَمْوَالِي وأنحلته إِيَّاهَا قَالَ الْمَنْصُور لله دَرك من أَعْرَابِي مَا أَهْون عَلَيْك مَا يعز على الرِّجَال وَأهل الحزم قيل أَقَامَ أَعْرَابِي على بَاب معن بن زَائِدَة فَلَمَّا طَال مقَامه كتب إِلَيْهِ رقْعَة فِيهَا
стр. 238
(فَمَا فِي يدك الْخَيْر يَا معن كُله ... وَفِي الأَرْض أَسبَاب وفيهَا مَذَاهِب)
(سَيَأْتِي بَنَات الْعم مَا أَنْت صانع ... إِذا افتتحت عِنْد الأرباب الحقائب)
ووكل من يوصلها إِلَيْهِ وَسَار فَلَمَّا وصلت الرقعة إِلَيْهِ وقراها أَمر برده وَقَالَ وَالله لتفتيش عَن خير كثير وَأمر فملئت حقيبته دَرَاهِم
وَحضر بِبَابِهِ شَاعِر فَأَقَامَ مُدَّة لَا يتهيأ لَهُ الدُّخُول عَلَيْهِ فَقَالَ يَوْمًا لبَعض خدمَة إِذا دخل الْأَمِير الْبُسْتَان فعرفني فَلَمَّا دخله أعلمهُ فَكتب بَيْتا على خَشَبَة وَأَلْقَاهَا فِي المَاء الَّذِي يدْخل الْبُسْتَان فَلَمَّا نظر معن فِي الْخَشَبَة أَخذهَا فَقَرَأَ فَإِذا فِيهَا مَكْتُوب
(أيا جود معن نَاجٍ مَعنا بحاجتي ... فَمَالِي إِلَى معن سواك رَسُول)
فَقَالَ من صَاحب هَذِه فَدَعَا بِالرجلِ فَقَالَ لَهُ كَيفَ قلت أنْشد الْبَيْت فَأمر لَهُ بِمِائَة ألف دِرْهَم فَأَخذهَا وَوضع الْخَشَبَة تَحت بساطه فَمَا كَانَ الْيَوْم الثَّانِي أخرجهَا من تَحت بساطه وَقرأَهَا فَدَعَا بِالرجلِ فَأمر لَهُ بِمِائَة ألف أُخْرَى وَكَذَلِكَ فِي الْيَوْم الثَّالِث فَلَمَّا أَخذهَا الرجل تفكر فِي عظم مَا أَخذ وَخَافَ أَن يسترجعها مِنْهُ فَخرج فَمَا كَانَ فِي الْيَوْم الرَّابِع قَرَأَ مَا فِيهَا ودعا بِالرجلِ ق ٥١ فَلم يُوجد قَالَ معن حق على أَن أَعْطيته حَتَّى لَا يبْقى فِي بَيت مَالِي دِرْهَم وَلَا دِينَار
стр. 239
وَقيل خرج على هَارُون الرشيد بعض الْخَوَارِج فأنهض إِلَيْهِ جَيْشًا فظفر بِهِ فَلَمَّا دخل عَلَيْهِ قَالَ مَا تُرِيدُ أَن أصنع بك قَالَ الَّذِي تُرِيدُ أَن يصنع الله بك إِذا وقفت بَين يَدَيْهِ فَأَطْرَقَ مَلِيًّا ثمَّ رفع رَأسه وَأمر بِإِطْلَاقِهِ فَلَمَّا خرج قَالَ بعض من حضر يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ يقتل أهلك ويفني أموالك وتطلقه لكلمة وَاحِدَة بأمل هَذَا فَإِنَّهُ يجرىء عَلَيْك أهل الشَّرّ فَأمر برده فَلَمَّا مثل بَين يَدَيْهِ علم أَنه قد سعى بِهِ عِنْده فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ لَا تطعه فَلَو أطَاع الله فِيك مَا استخلفك لَحْظَة وَاحِدَة فَأمر بِإِطْلَاقِهِ وَقَالَ لَا تعاودوني فِي بَابه
وَعَن جريم بن أبي يحيى الْمُزنِيّ قَالَ دَعَاني يَوْمًا للْأَكْل مَعَه فَلَمَّا توَسط الْأكل رفع رَأسه إِلَى رجل يكلمهُ بِالْفَارِسِيَّةِ قلت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أَن كنت تُرِيدُ أَن تسر إِلَيْهِ فَإِنِّي أفهم الفارسية فَأمرنِي أتنحى إِلَى أَن تقدم إِلَيْهِ بِمَا تُرِيدُ فاعجب الرشيد كرم أخلاقه وَصدقه وخاطب الرجل سرا بِمَا أَرَادَ وَأمر لجريم بصلَة سنية
стр. 240
وَقيل استزار إِبْرَاهِيم بن الْمهْدي أَخَاهُ هَارُون الرشيد بالرقة وَلما حضر الطَّعَام وَكَانَ الرشيد لَا يَأْكُل حارا قبل بَارِد فَوضعت البوارد بَين يَدَيْهِ على الْمَائِدَة فَرَأى فِيمَا قرب مِنْهُ جَاما فِي قُرَيْش السّمك فاستصغر الْقطع فَقَالَ لإِبْرَاهِيم لم يصغر طباخك السّمك فَقَالَ إِنَّه لم يصغر الْقطع وَإِنَّمَا هَذِه أَلْسِنَة السّمك فَقَالَ شَبيه أَن يكون فِي هَذَا الْجَام مائَة لِسَان فَقَالَ لَهُ مراقب خَادِم إِبْرَاهِيم يتَوَلَّى قهرمته فِيهِ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أَكثر من مائَة لِسَان فاستحلفه على مبلغ ثمن السّمك الَّذِي مِنْهَا هَذِه الْأَلْسِنَة فَأخْبر أَنه ألف دِرْهَم فَرفع هَارُون يَده عَن الطَّعَام وَحلف أَن لَا يطعم دون أَن يحضر مراقب ألف دِينَار فأحضرها فَأمره أَن يتَصَدَّق بهَا وَقَالَ أَرْجُو أَن يكون هَذَا كَفَّارَة لسرفك فِي إنفاقك على جَام سمك ألف دِرْهَم ثمَّ أَخذ الْجَام بِيَدِهِ وَدفعه إِلَى بعض خدمه وَقَالَ أخرج من دَار أخي ثمَّ أنظر أول سَائل ترَاهُ فادفعه إِلَيْهِ قَالَ إِبْرَاهِيم وَكَانَ شِرَاء الْجَام على مئتين وَسبعين دِينَارا فغمزت بعض خدمي أَن مَعَ الْجَام فيبتاعه مِمَّن يدْفع إِلَيْهِ وَكَأن الرشيد فهم ذَلِك مني فَهَتَفَ بالخادم وَقَالَ إِذا دفعت اللجام إِلَى السَّائِل فَقل لَهُ يَقُول لَك أَمِير الْمُؤمنِينَ أحذر أَن تبيع الْجَام بِأَقَلّ من مئتي دِينَار فَإِنَّهُ يُسَاوِي أَكثر مِنْهَا فَفعل الْخَادِم مَا أمره قَالَ فوَاللَّه مَا أمكن خَادِم إِبْرَاهِيم أَن يَشْتَرِيهِ وَيَردهُ إِلَى الدَّار إِلَّا بِمِائَتي دِينَار كَمَا أوصى أَمِير الْمُؤمنِينَ
وَلما حمل الشَّافِعِي ﵀ من الْيمن إِلَى الرشيد حِين وشي بِهِ
стр. 241
إِلَيْهِ فَجرى لَهُ مَعَه كَلَام كثير إِلَى أَن قَالَ الرشيد هَل من موعظة تعظ بهَا أَمِير الْمُؤمنِينَ قَالَ نعم على ترك الحشمة وَرفع الهيبة وَقبُول النصح وإلقاء رِدَاء الْكبر عَن منكبك قَالَ الرشيد لَك ذَلِك فجثى الشَّافِعِي على رُكْبَتَيْهِ وَقَالَ يَا ذَا الرجل إِنَّه من أَطَالَ عنان الْأَمر فِي الْعِزّ طوى عدار الحذر بالمهلة وَمن لم يعول على طَرِيق النجَاة كَانَ بِجَانِب قلَّة الاكتراث بالمرجعة إِلَى الله مُقيما وَمن أحسن الظَّن كَانَ من أَمنه الْمَحْذُور فِي مثل نسج العنكبوت لَا تأمن على نَفسهَا وتحجزها عَن سعيها فَلَو جرعها مخالفتها وبادر خوف الْمُرَاجَعَة بالتزود إِلَى دَار المقامة إِن لَو فعلت ذَلِك يَا رجل مَا اهتدت إِلَيْك يَد الندامة ولأبدرتك غَدا ق ٥٢ فِي الْقِيَامَة لكنك أتيت من حَيْثُ لَا يُؤَدِّي إِلَى فهمك من أذن لمج الْكَلَام بسمعك فَمن ثمَّ أعقبك التواني والاغترار بِنَفْسِك وَلَو كَانَ لَك أَمِير من عقلك ينْقد لَك مَا سقط من عيونك لشغلك ذَلِك عَن النّظر فِي عُيُوب غَيْرك وَلَكِن ضرب الْهوى عَلَيْك رواق الْحيرَة فتركك إِذا خرجت يَد موعظتك لم تكد ترَاهَا وَمن لم يَجْعَل الله لَهُ نورا فَمَا لَهُ من نور فَبكى الرشيد حَتَّى بل منديلا كَانَ فِي يَده ثمَّ قَالَ لَهُ خَاصَّة من يقوم على رَأسه اسْكُتْ فقد أبكيت أَمِير الْمُؤمنِينَ فَالْتَفت إِلَيْهِ الشَّافِعِي ﵀ وَقَالَ يَا عبيد الدُّنْيَا الَّذين باعوا أنفسهم لمحبوب الدُّنْيَا أما رَأَيْتُمْ مَا استدرج بِهِ من كَانَ قبلكُمْ من الْأُمَم بالأماني ألم تروا كَيفَ فَضَح الله مستورهم وأمطرت بواكير الهموم عَلَيْهِم بعد سرورهم فَأَصْبحُوا بعد خفض عيشهم ولين رفاهيتهم فِي نسيم رَوْضَة البطالين حصائد النقم ومدارج المثولات فَقَالَ لَهُ الرشيد لقد سللت علينا
стр. 242
لسَانك وَهُوَ أمضى من سَيْفك فَقَالَ لَهُ الشَّافِعِي إِن قبلته فَهُوَ لَك وَإِلَّا عَلَيْك قَالَ فَهَل من حَاجَة خَاصَّة بعد الْعَامَّة قَالَ بعد مَكْنُون النَّصِيحَة وَتَجْرِيد الموعظة تَأْمُرنِي أَن أسود وَجه موعظتي بِالْمَسْأَلَة قَالَ ثمَّ مَاذَا قَالَ النّظر فِي أُمُور الرّعية وَالْقِسْمَة بَينهم بِالسَّوِيَّةِ قَالَ وَمن يطبق ذَلِك قَالَ من تسمى بِاسْمِك وَنسب إِلَى موضعك قَالَ ثمَّ مَاذَا قَالَ الْحبّ أحبب الله وجيران قبر رَسُول الله ﷺ وعَلى آله أما وَالله لَو أردْت عمَارَة قبر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وعَلى آله وَسلم للزمك فِي ذَلِك مُؤنَة قَالَ فَأمر الرشيد بِمَال للمهاجرين وَالْأَنْصَار والعلوية وَأمر الشَّافِعِي ﵀ بِخَمْسِينَ ألف دِينَار وَحمله على فرس
وَكَانَ الرشيد يُصَلِّي فِي كل يَوْم مئة رَكْعَة إِلَى أَن توفّي وَيتَصَدَّق فِي كل يَوْم بِمِائَة ألف دِرْهَم فَإِذا حج حج مَعَه مائَة من الْفُقَهَاء كل فَقِيه مِنْهُم بزاده وراحلته وجد ذَلِك فِي كتاب تفَاوت التواريخ وَالله أعلم
قَالَ الْأَصْمَعِي قصدت فِي بعض الْأَيَّام رجلا كنت أغشاه
стр. 243
لكرمه فَوجدت على بَابه بوابا فَمَنَعَنِي من الدُّخُول عَلَيْهِ فَقَالَ البواب مَا أوقفني على بَابه لأمنع مثلك الدُّخُول عَلَيْهِ لرقة حَاله وقصور يَده فَكتبت رقْعَة أَقُول فِيهَا
(إِذا كَانَ الْكَرِيم لَهُ حجاب ... فَمَا فضل الْكَرِيم على اللَّئِيم)
ثمَّ قلت أوصل رقعتي هَذِه إِلَيْهِ فَعَادَت الرقعة وَقد كتب على ظهرهَا
(إِذا كَانَ الْكَرِيم قَلِيل مَال ... تستر بالحجاب عَن الْغَرِيم)
وَمَعَ الرقعة صرة فِيهَا خَمْسمِائَة دِينَار وَعذر فَقلت وَالله لَا تحفن أَمِير الْمُؤمنِينَ بِهَذَا الحَدِيث فَجئْت إِلَى الرشيد فَلَمَّا رَآنِي قَالَ من أَيْن يَا عبد الْملك قلت من عِنْد رجل أكْرم الْأَحْيَاء حاشا أَمِير الْمُؤمنِينَ قَالَ وَمن هُوَ قلت رجل قراني علمه مَاله ثمَّ دفعت إِلَيْهِ الرقعة والصرة قَالَ هَذَا ختم بَيت مَالِي فَلَا بُد لي من الرجل الَّذِي دَفعهَا إِلَيْك قلت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ وَالله إِنِّي لأَسْتَحي أَن أروعه برسلك فَقَالَ لبَعض خاصته امْضِ مَعَ الْأَصْمَعِي فَإِذا أَرَاك الرجل فَقل لَهُ أجب أَمِير الْمُؤمنِينَ من غير إزعاج قَالَ فَلَمَّا حضر الرجل بَين يَدي الرشيد قَالَ لَهُ أما أَنْت بالْأَمْس وقفت بموكبنا وشكوت رقة حالك وَأَن الزَّمَان أَنَاخَ عَلَيْك بكلله فدفعنا إِلَيْك هَذِه الصرة لتصلح بهَا حالك فقصدك الْأَصْمَعِي بِبَيْت وَاحِد فدفعتها إِلَيْهِ قَالَ وَالله مَا كذبت فِيمَا شَكَوْت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ من رقة الْحَال وصعوبة الزَّمَان وَلَكِنِّي استحيت من الله تَعَالَى أَن أُعِيد قاصدي إِلَّا كَمَا أعادني أَمِير الْمُؤمنِينَ فَقَالَ لله دَرك فَمَا ولدت الْعَرَب أكْرم مِنْك ثمَّ أَمر لَهُ بِأَلف دِينَار
стр. 244
فَقلت ألحقني بِهِ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فَتَبَسَّمَ وَأمر أَن تكمل لي ألف دِينَار وَعَاد الرجل من جملَة ندمائه ق ٥٣
وَقيل لما حج الرشيد وَرجع قَافِلًا دَعَا صَالحا حِين تنكر للبرامكة فَقَالَ اخْرُج إِلَى مَنْصُور بن زِيَاد فَقل لَهُ قد صحت عَلَيْك عشرَة آلَاف ألف دِرْهَم فاحملها إِلَيّ من يَوْمك فَإِن هُوَ دَفعهَا إِلَيْك كَامِلَة قبل مغيب الشَّمْس إِلَى يَوْمك هَذَا وَإِلَّا فاحمل إِلَيّ رَأسه وَإِيَّاك ومراجعتي فِي شَيْء من أمره قَالَ صَالح فَخرجت إِلَى مَنْصُور فعرفته الْخَبَر فَقَالَ إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون ذهبت وَالله نَفسِي ثمَّ حلف أَنه لَا يعرف مَوضِع ثَلَاثمِائَة ألف دِرْهَم فَكيف عشرَة آلَاف ألف دِرْهَم فَقَالَ لَهُ صَالح خُذ فِي عَمَلك قلت لَهُ امْضِ إِلَى منزلي حَتَّى أوصِي وأتقدم فِي أَمْرِي فَمَا هُوَ إِلَّا أَن
стр. 245
دخل حَتَّى ارْتَفع الصُّرَاخ من مَنَازِله وَحجر نِسَائِهِ فأوصى وَخرج وَمَا فِيهِ لحم وَلَا دم فَقَالَ امْضِ بِنَا إِلَى أبي عَليّ يَعْنِي يحي بن خَالِد فَلَعَلَّ الله أَن يأتينا بفرج من جِهَته فمضيت مَعَه فَدخل على يحي بن خَالِد فَقَالَ لَهُ يحي مَا وَرَاءَك فَقص عَلَيْهِ الْقِصَّة فقلق يحي لأَمره وأطرق مفكرا ودعا جَارِيَة وَقَالَ لَهَا كم عنْدك من المَال قَالَت خَمْسَة آلَاف دِرْهَم قَالَ هاتيها فأحضرتها ثمَّ وَجه إِلَى وَلَدهَا الْفضل أَنَّك كنت أعلمتني فدَاك أَبوك أَن عنْدك ألفي ألف دِرْهَم وودت أَنَّك تشتري بهَا ضَيْعَة يبْقى ذكرهَا وشكرها وتحمد ثَمَرَتهَا فَوجه إِلَيْهَا بِالْمَالِ وَقَالَ للرسول امْضِ بهَا إِلَى جَعْفَر فَقل لَهُ ابْعَثْ لي فدَاك أَبوك بِأَلف ألف دِرْهَم لحق لزمني فوجهها إِلَيْهِ فَقَالَ هَذِه ثَمَانِيَة آلَاف ألف دِرْهَم ثمَّ أطرق طَويلا لِأَنَّهُ لم يكن بَقِي مَعَه من المَال شَيْء ثمَّ رفع رَأسه إِلَى خَادِم لَهُ فَقَالَ امْضِ إِلَى دَنَانِير فَقل لَهَا وَجْهي إِلَيّ بِالْعقدِ الَّذِي كَانَ أَمِير الْمُؤمنِينَ وهبه لَك فَإِذا هُوَ عقد كعظم الذِّرَاع فَقَالَ لصالح اشْتريت هَذَا بِمِائَة ألف
стр. 246
وَعشْرين ألف دِينَار فوهبه أَمِير الْمُؤمنِينَ لدنانير وَقد حسبناه بألفي ألف دِرْهَم وَهَذَا تَمام المَال فَانْصَرف وخل صاحبنا لَا سَبِيل لَك عَلَيْهِ قَالَ صَالح فَأخذت ذَلِك ورددت مَنْصُور معي فَلَمَّا صرنا بِالْبَابِ أنْشد متمثلا
(فَمَا بَقِي عَليّ تركتماني ... وَلَكِن خفتما صرد النبال)
قَالَ صَالح فَقلت مَا على وَجه الأَرْض رجل أنبل من رجل خرجنَا من عِنْده وَلَا سَمِعت بِمثلِهِ فِيمَا مضى وَلَا فِيمَن بَقِي وَلَا على وَجه الأَرْض رجل أَخبث سريرة وَلَا أرد طبعا من هَذَا النبطي إِذا لم يشْكر من أَحْيَاهُ قَالَ ثمَّ صرت إِلَى الرشيد فقصصت عَلَيْهِ قصَّة المَال وطويت عَنهُ مَا قَالَ مَنْصُور لِأَنِّي خفت أَن سَمعه أَمر بِضَرْب عُنُقه قَالَ الرشيد أما إِنِّي قد علمت من نجا لم ينجو إِلَّا بِأَهْل هَذَا الْبَيْت وَقَالَ اقبض المَال واردد العقد على دَنَانِير لِأَنِّي لم أكن لأهب هبة فترجع إِلَيّ قَالَ صَالح فَلم أطب نفسا بترك تَعْرِيف يحي مَا قَالَه مَنْصُور فَقلت لَهُ بعد أَن أطنب فِي شكره وَوصف مَا كَانَ مِنْهُ لقد أَنْعَمت على غير شَاكر قَابل أكْرم فعل بِالْأُمِّ قَول وَكَيف ذَلِك فَأَخْبَرته بِمَا قَالَ فَجعل وَالله يطْلب لَهُ المعاذير وَقَالَ يَا أَبَا عَليّ إِن الْمخوف الْقلب رُبمَا سبق إِلَى لِسَانه مَا لَيْسَ فِي ضَمِيره وَقد كَانَ الرجل فِي حَال عَظِيمَة فَقلت وَالله مَا أَدْرِي أَي أمريك أعجب أَمن أَوله أم من آخِره لكني أعلم أَن الدَّهْر لَا يخلف مثلك أبدا
قَالَ يحي بن خَالِد من أَحْسَنت إِلَيْهِ فَأَنا مُرْتَهن بِهِ وَمن لم أحسن
стр. 247
إِلَيْهِ فَأَنا مُخَيّر فِيهِ وَقَالَ ذكر النِّعْمَة من الْمُنعم تكدير ونسيان الْمُنعم تكدير ونسيان الْمُنعم عَلَيْهِ كفر وَقَالَ يدل على كرم الرجل سوء أدب غلمانه وَقيل لَهُ لم لَا تَقول الشّعْر فَقَالَ شَيْطَانه أَخبث من أَن أسلطه على عَقْلِي وَقَالَ إِذا أدبر الْأَمر كَانَ العطب فِي الْحِيلَة
وَقيل ركب مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم دين ق ٥٤ فَركب إِلَى الْفضل بن يحي وَمَعَهُ حق فِيهِ جَوَاهِر فَقَالَ لَهُ قصرت بِنَا غلاتنا وأغفل أمرنَا خليفتنا وتزايدت مؤنتنا فلزمنا دين احتجنا إِلَى أَدَائِهِ وَهُوَ ألف ألف دِرْهَم وكرهت بذل وَجْهي للتجار وأذلة عرضي مِنْهُم وَمَعِي رهن وثيق بذلك فَإِن رَأَيْت أَن تَأمر بعض غلمانك بِقَبْضِهِ وَحمل المَال إِلَيْنَا فعلت فَدَعَا الْفضل بِالْحَقِّ فَرَأى مَا فِيهِ وختمه بِخَتْم مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم ثمَّ قَالَ لَهُ نجح الْحَاجة أَن
стр. 248
تقيم الْيَوْم عِنْدِي فِي منزلي فَقَالَ لَهُ إِن الْمقَام على مشقة فَقَالَ لَهُ مَا يشق عَلَيْك من ذَلِك إِن رَأَيْت أَن تلبس بعض ثيابًا دَعَوْت بِهِ وَإِلَّا أمرت بإحضار ثِيَاب من دَارك فَأَقَامَ ونهض الْفضل فَدَعَا بوكيله وَأمره بِحمْل المَال وَتَسْلِيم الْحق الَّذِي فِيهِ الْجَوْهَر إِلَى وَكيل مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم وَأخذ خطه بذلك فَفعل الْوَكِيل ذَلِك وَأقَام مُحَمَّد عِنْده إِلَى اللَّيْل وَلَيْسَ عِنْده خبر بِشَيْء من الْأَمر ثمَّ انْصَرف إِلَى منزله فأحضر الْوَكِيل المَال وَالْحق فغدا على الْفضل ليشكر لَهُ فَوَجَدَهُ قد سبقه بالركوب إِلَى دَار الرشيد فَوقف منْظرًا لَهُ فَقبل لَهُ قد خرج من الْبَاب الآخر فَأتبعهُ فَوَجَدَهُ سبقه إِلَى دَار ابْنه فَوقف ينتظره فَقيل لَهُ قد خرج من الْبَاب الآخر قَاصِدا إِلَى منزله فَانْصَرف عَنهُ فَلَمَّا عدا إِلَى منزله وَجه الْفضل إِلَيْهِ بِأَلف ألف أُخْرَى فغدا عَلَيْهِ فشكره وَأطَال فَأعلمهُ الْفضل أَنه بَات بليلة طَالَتْ غما بِمَا شكاه إِلَى أَن لَقِي الرشيد فَأعلمهُ بِحَالهِ وَأمره بالتقدير لَهُ فَلم يزل يماكسه إِلَى أَن تقرر الْأَمر مَعَه على ألف ألف دِرْهَم فَقَالَ إِنَّه لم يصلك بِمِثْلِهَا قطّ وَلَا زادك على عشْرين ألف دِينَار فشكرته وَسَأَلته أَن يصك بهَا صكا بخطة ويجعلني الرَّسُول فَفعل فشكره مُحَمَّد وَقَالَ صدق أَمِير الْمُؤمنِينَ أَنه لم يصلني بِأَكْثَرَ من عشْرين ألف دِينَار وَهَذَا إِنَّمَا تهَيَّأ بك وعَلى يَديك وَمَا أقدر على الْقيام بحقك وَلَا على شكر أجازي بِهِ مَعْرُوفك غير أَن عَليّ وَعلي أيمانا مُؤَكدَة إِن وقف بِبَاب أحد سواك وَلَا سَأَلت غَيْرك حَاجَة أَبَا وَلَو سففت التُّرَاب فَكَانَ لَا يركب إِلَى غير الْفضل إِلَى أَن كَانَ من أَمرهم مَا حدث فَكَانَ لَا يركب إِلَى غير دَار الرشيد وَيعود إِلَى منزله فعوتب بعد تقضي أَمرهم فِي ترك الرّكُوب إِلَى الْفضل بن الرّبيع فَقَالَ وَالله لَو عمرت ألف عَام ومصصت
стр. 249
الثماد مَا وقفت بِبَاب أحد بعد الْفضل بن يحي وَلَا سَأَلته حَاجَة أبدا حَتَّى ألْقى الله تَعَالَى فَلم يزل ذَلِك حَاله حَتَّى مَاتَ
وَقيل دخل مُسلم بن الْوَلِيد على الْفضل بن يحيى وَقد كَانَ ورد عَلَيْهِ خبر سره فَجَلَسَ للشعراء فمدحوه وأثابهم وَنظر فِي حوائج النَّاس فقضاها وتفرق النَّاس عَنهُ وخلا فِي منزله وَلم يحضر مُسلم ذَلِك وَإِنَّمَا بلغه حِين انْقَضى الْمجْلس فَدخل عَلَيْهِ فاستأذنه فِي الإنشاد فَأذن لَهُ فأنشده قَوْله
(أتتك المطايا تهتدي بمطية ... عَلَيْهَا فَتى كالنصل يؤنسه النصل)
(وَردت رواق الْفضل آمل فَضله ... فحظ الثَّنَاء الجزل نائله الجزل)
(فَتى ترتعي الآمال مزنة جوده ... إِذا كَانَ مرعاها الْأَمَانِي والمطل)
(تساقط يمناه الندى وشماله ... الردى وعيون القَوْل مَنْطِقه الْفَصْل)
(ألح على الْأَيَّام يفري خطوبها ... على مَنْهَج ألفى أَبَاهُ بِهِ قبل)
(أناف على العلياء يحيى وخَالِد ... فَلَيْسَ لَهُ مثل وَلَا لَهما مثل)
(فروع أَصَابَت مغرسا مُتَمَكنًا وأصلا فطابت حَيْثُ وَجههَا الأَصْل)
(بكف أبي الْعَبَّاس يستمطر الْغنى ... وتستنزل النعمى ويسترعف النصل)
стр. 250
فطرب الْفضل طَربا شَدِيدا وَأمر بِأَن البيات فعدت فَكَانَ مبلغها ثَمَانِينَ بَيْتا فَأمر لَهُ بِثَمَانِينَ ألف دِرْهَم وَقَالَ لَوْلَا أَنه أَكثر مَا وصل بِهِ شَاعِر لزدتك وَلكنه شَيْء لَا يُمكن تجاوزه يَعْنِي أَن الرشيد رسمه لمروان بن أبي حَفْصَة
وروى أَن مَرْوَان بن أبي حَفْصَة ق ٥٥ دخل على الرشيد فأنشده مدحا فِيهِ فَقَالَ من أَنْت قَالَ شاعرك مَرْوَان بن أبي حَفْصَة فَقَالَ أَلَسْت الْقَائِل
(أَقَمْنَا بِالْمَدِينَةِ بعد معن ... مقَامهَا لَا نُرِيد بِهِ زولا)
(وَقُلْنَا أَيْن نَذْهَب بعد معن ... وَقد ذهب النوال فَلَا نوالا)
(وَكَانَ النَّاس كلهم لِمَعْنٍ ... إِلَى أَن زار تربته عيالا)
فقد ذهب النوال كَمَا زعمتم فَلم جِئْت تطلب نوالنا لَا شَيْء لَك عندنَا جروا بِرجلِهِ فجروا بِرجلِهِ حَتَّى أخرج فَمَكثَ سنة ثمَّ دخل عَلَيْهِ فِي جملَة من الشُّعَرَاء فأنشده قَوْله
(طرقتك زائرة فحيي خليها ... بَيْضَاء تخلط بِالْحَيَاءِ دلالها)
(هَل تطمسون من السَّمَاء نجومها ... بأكفكم أَو تسترون هلالها)
следующие страницы →