← Сияса и кади

Сияса и кади · id 7240

تهذيب الرياسة وترتيب السياسة

القلعي

Полный текст (299 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

وَعشْرين ألف دِينَار فوهبه أَمِير الْمُؤمنِينَ لدنانير وَقد حسبناه بألفي ألف دِرْهَم وَهَذَا تَمام المَال فَانْصَرف وخل صاحبنا لَا سَبِيل لَك عَلَيْهِ قَالَ صَالح فَأخذت ذَلِك ورددت مَنْصُور معي فَلَمَّا صرنا بِالْبَابِ أنْشد متمثلا (فَمَا بَقِي عَليّ تركتماني ... وَلَكِن خفتما صرد النبال) قَالَ صَالح فَقلت مَا على وَجه الأَرْض رجل أنبل من رجل خرجنَا من عِنْده وَلَا سَمِعت بِمثلِهِ فِيمَا مضى وَلَا فِيمَن بَقِي وَلَا على وَجه الأَرْض رجل أَخبث سريرة وَلَا أرد طبعا من هَذَا النبطي إِذا لم يشْكر من أَحْيَاهُ قَالَ ثمَّ صرت إِلَى الرشيد فقصصت عَلَيْهِ قصَّة المَال وطويت عَنهُ مَا قَالَ مَنْصُور لِأَنِّي خفت أَن سَمعه أَمر بِضَرْب عُنُقه قَالَ الرشيد أما إِنِّي قد علمت من نجا لم ينجو إِلَّا بِأَهْل هَذَا الْبَيْت وَقَالَ اقبض المَال واردد العقد على دَنَانِير لِأَنِّي لم أكن لأهب هبة فترجع إِلَيّ قَالَ صَالح فَلم أطب نفسا بترك تَعْرِيف يحي مَا قَالَه مَنْصُور فَقلت لَهُ بعد أَن أطنب فِي شكره وَوصف مَا كَانَ مِنْهُ لقد أَنْعَمت على غير شَاكر قَابل أكْرم فعل بِالْأُمِّ قَول وَكَيف ذَلِك فَأَخْبَرته بِمَا قَالَ فَجعل وَالله يطْلب لَهُ المعاذير وَقَالَ يَا أَبَا عَليّ إِن الْمخوف الْقلب رُبمَا سبق إِلَى لِسَانه مَا لَيْسَ فِي ضَمِيره وَقد كَانَ الرجل فِي حَال عَظِيمَة فَقلت وَالله مَا أَدْرِي أَي أمريك أعجب أَمن أَوله أم من آخِره لكني أعلم أَن الدَّهْر لَا يخلف مثلك أبدا قَالَ يحي بن خَالِد من أَحْسَنت إِلَيْهِ فَأَنا مُرْتَهن بِهِ وَمن لم أحسن

стр. 247

إِلَيْهِ فَأَنا مُخَيّر فِيهِ وَقَالَ ذكر النِّعْمَة من الْمُنعم تكدير ونسيان الْمُنعم تكدير ونسيان الْمُنعم عَلَيْهِ كفر وَقَالَ يدل على كرم الرجل سوء أدب غلمانه وَقيل لَهُ لم لَا تَقول الشّعْر فَقَالَ شَيْطَانه أَخبث من أَن أسلطه على عَقْلِي وَقَالَ إِذا أدبر الْأَمر كَانَ العطب فِي الْحِيلَة وَقيل ركب مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم دين ق ٥٤ فَركب إِلَى الْفضل بن يحي وَمَعَهُ حق فِيهِ جَوَاهِر فَقَالَ لَهُ قصرت بِنَا غلاتنا وأغفل أمرنَا خليفتنا وتزايدت مؤنتنا فلزمنا دين احتجنا إِلَى أَدَائِهِ وَهُوَ ألف ألف دِرْهَم وكرهت بذل وَجْهي للتجار وأذلة عرضي مِنْهُم وَمَعِي رهن وثيق بذلك فَإِن رَأَيْت أَن تَأمر بعض غلمانك بِقَبْضِهِ وَحمل المَال إِلَيْنَا فعلت فَدَعَا الْفضل بِالْحَقِّ فَرَأى مَا فِيهِ وختمه بِخَتْم مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم ثمَّ قَالَ لَهُ نجح الْحَاجة أَن

стр. 248

تقيم الْيَوْم عِنْدِي فِي منزلي فَقَالَ لَهُ إِن الْمقَام على مشقة فَقَالَ لَهُ مَا يشق عَلَيْك من ذَلِك إِن رَأَيْت أَن تلبس بعض ثيابًا دَعَوْت بِهِ وَإِلَّا أمرت بإحضار ثِيَاب من دَارك فَأَقَامَ ونهض الْفضل فَدَعَا بوكيله وَأمره بِحمْل المَال وَتَسْلِيم الْحق الَّذِي فِيهِ الْجَوْهَر إِلَى وَكيل مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم وَأخذ خطه بذلك فَفعل الْوَكِيل ذَلِك وَأقَام مُحَمَّد عِنْده إِلَى اللَّيْل وَلَيْسَ عِنْده خبر بِشَيْء من الْأَمر ثمَّ انْصَرف إِلَى منزله فأحضر الْوَكِيل المَال وَالْحق فغدا على الْفضل ليشكر لَهُ فَوَجَدَهُ قد سبقه بالركوب إِلَى دَار الرشيد فَوقف منْظرًا لَهُ فَقبل لَهُ قد خرج من الْبَاب الآخر فَأتبعهُ فَوَجَدَهُ سبقه إِلَى دَار ابْنه فَوقف ينتظره فَقيل لَهُ قد خرج من الْبَاب الآخر قَاصِدا إِلَى منزله فَانْصَرف عَنهُ فَلَمَّا عدا إِلَى منزله وَجه الْفضل إِلَيْهِ بِأَلف ألف أُخْرَى فغدا عَلَيْهِ فشكره وَأطَال فَأعلمهُ الْفضل أَنه بَات بليلة طَالَتْ غما بِمَا شكاه إِلَى أَن لَقِي الرشيد فَأعلمهُ بِحَالهِ وَأمره بالتقدير لَهُ فَلم يزل يماكسه إِلَى أَن تقرر الْأَمر مَعَه على ألف ألف دِرْهَم فَقَالَ إِنَّه لم يصلك بِمِثْلِهَا قطّ وَلَا زادك على عشْرين ألف دِينَار فشكرته وَسَأَلته أَن يصك بهَا صكا بخطة ويجعلني الرَّسُول فَفعل فشكره مُحَمَّد وَقَالَ صدق أَمِير الْمُؤمنِينَ أَنه لم يصلني بِأَكْثَرَ من عشْرين ألف دِينَار وَهَذَا إِنَّمَا تهَيَّأ بك وعَلى يَديك وَمَا أقدر على الْقيام بحقك وَلَا على شكر أجازي بِهِ مَعْرُوفك غير أَن عَليّ وَعلي أيمانا مُؤَكدَة إِن وقف بِبَاب أحد سواك وَلَا سَأَلت غَيْرك حَاجَة أَبَا وَلَو سففت التُّرَاب فَكَانَ لَا يركب إِلَى غير الْفضل إِلَى أَن كَانَ من أَمرهم مَا حدث فَكَانَ لَا يركب إِلَى غير دَار الرشيد وَيعود إِلَى منزله فعوتب بعد تقضي أَمرهم فِي ترك الرّكُوب إِلَى الْفضل بن الرّبيع فَقَالَ وَالله لَو عمرت ألف عَام ومصصت

стр. 249

الثماد مَا وقفت بِبَاب أحد بعد الْفضل بن يحي وَلَا سَأَلته حَاجَة أبدا حَتَّى ألْقى الله تَعَالَى فَلم يزل ذَلِك حَاله حَتَّى مَاتَ وَقيل دخل مُسلم بن الْوَلِيد على الْفضل بن يحيى وَقد كَانَ ورد عَلَيْهِ خبر سره فَجَلَسَ للشعراء فمدحوه وأثابهم وَنظر فِي حوائج النَّاس فقضاها وتفرق النَّاس عَنهُ وخلا فِي منزله وَلم يحضر مُسلم ذَلِك وَإِنَّمَا بلغه حِين انْقَضى الْمجْلس فَدخل عَلَيْهِ فاستأذنه فِي الإنشاد فَأذن لَهُ فأنشده قَوْله (أتتك المطايا تهتدي بمطية ... عَلَيْهَا فَتى كالنصل يؤنسه النصل) (وَردت رواق الْفضل آمل فَضله ... فحظ الثَّنَاء الجزل نائله الجزل) (فَتى ترتعي الآمال مزنة جوده ... إِذا كَانَ مرعاها الْأَمَانِي والمطل) (تساقط يمناه الندى وشماله ... الردى وعيون القَوْل مَنْطِقه الْفَصْل) (ألح على الْأَيَّام يفري خطوبها ... على مَنْهَج ألفى أَبَاهُ بِهِ قبل) (أناف على العلياء يحيى وخَالِد ... فَلَيْسَ لَهُ مثل وَلَا لَهما مثل) (فروع أَصَابَت مغرسا مُتَمَكنًا وأصلا فطابت حَيْثُ وَجههَا الأَصْل) (بكف أبي الْعَبَّاس يستمطر الْغنى ... وتستنزل النعمى ويسترعف النصل)

стр. 250

فطرب الْفضل طَربا شَدِيدا وَأمر بِأَن البيات فعدت فَكَانَ مبلغها ثَمَانِينَ بَيْتا فَأمر لَهُ بِثَمَانِينَ ألف دِرْهَم وَقَالَ لَوْلَا أَنه أَكثر مَا وصل بِهِ شَاعِر لزدتك وَلكنه شَيْء لَا يُمكن تجاوزه يَعْنِي أَن الرشيد رسمه لمروان بن أبي حَفْصَة وروى أَن مَرْوَان بن أبي حَفْصَة ق ٥٥ دخل على الرشيد فأنشده مدحا فِيهِ فَقَالَ من أَنْت قَالَ شاعرك مَرْوَان بن أبي حَفْصَة فَقَالَ أَلَسْت الْقَائِل (أَقَمْنَا بِالْمَدِينَةِ بعد معن ... مقَامهَا لَا نُرِيد بِهِ زولا) (وَقُلْنَا أَيْن نَذْهَب بعد معن ... وَقد ذهب النوال فَلَا نوالا) (وَكَانَ النَّاس كلهم لِمَعْنٍ ... إِلَى أَن زار تربته عيالا) فقد ذهب النوال كَمَا زعمتم فَلم جِئْت تطلب نوالنا لَا شَيْء لَك عندنَا جروا بِرجلِهِ فجروا بِرجلِهِ حَتَّى أخرج فَمَكثَ سنة ثمَّ دخل عَلَيْهِ فِي جملَة من الشُّعَرَاء فأنشده قَوْله (طرقتك زائرة فحيي خليها ... بَيْضَاء تخلط بِالْحَيَاءِ دلالها) (هَل تطمسون من السَّمَاء نجومها ... بأكفكم أَو تسترون هلالها)

стр. 251

(أَو تجحدون مقَالَة من ربكُم ... جِبْرِيل بلغَهَا النَّبِي فَقَالَهَا) (شهِدت من الْأَنْفَال آخر آيَة ... بتراثهم فأرادتهم إِبْطَالهَا) فزحف الرشيد حَتَّى صَار على الْبسَاط وَقَالَ كم هِيَ قَالُوا هِيَ مائَة بَيت فَأمر بِمِائَة ألف دِرْهَم وَقيل دخل يزِيد بن مزِيد على الرشيد فَقَالَ لَهُ من الَّذِي يَقُول فِيك (لَا يعبق الطّيب خديه ومفرقه ... وَلَا يسمح عَيْنَيْهِ من الْكحل) (قد عود الطير عادات وثقن بهَا ... فهن يتبعنه فِي كل مر تحل) فَقلت لَهُ لَا أعرف قَائِله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فَقَالَ لَهُ أيقال فِيك

стр. 252

مثل هَذَا الشّعْر وَلَا تعرف قَائِله فَخرج من عِنْده خجلا فَلَمَّا صَار إِلَى منزله دَعَا حَاجِبه وَقَالَ من بِالْبَابِ من الشُّعَرَاء قَالَ مُسلم بن الْوَلِيد قَالَ فَكيف حَجَبته عني فَلم تعلمني بِهِ قَالَ أخْبرته أَنَّك مضيق وَأَنه لَيْسَ فِي يدك مَا ل تعطيه وَسَأَلته الْإِمْسَاك وَالْمقَام أَيَّامًا إِلَى أَن يَتَّسِع عَلَيْك الْحَال فَقَالَ أدخلهُ إِلَيّ فأنشده قصيدته الَّتِي تَقول (موف على مهج فِي يَوْم ذِي رهج ... كَأَنَّهُ أجل يسْعَى إِلَى أمل) (ترَاهُ فِي الْأَمْن فِي درع مضاعفة ... لَا يَأْمَن الدَّهْر أَن يدعى على عجل) (لَا يعبق الطّيب خديه ومفرقه ... وَلَا يمسح عَيْنَيْهِ من الْكحل) (قد عود الطير عادات وثقن بهَا ... فهن يتبعنه وابنك فِي كل مرتحل) (لله من هَاشم فِي أرضه جبل ... وَأَنت وابنك ركنا ذَلِك الْجَبَل) فَقَالَ لَهُ قد أمرت لَك بِخَمْسِينَ ألف دِرْهَم فاقبضها وأعذر فَخرج الْحَاجِب فَقَالَ قد أَمرنِي أَن أراهن ضَيْعَة من ضيَاعه بِمِائَة ألف دِرْهَم خَمْسُونَ ألفا مِنْهَا لَك وَخَمْسُونَ ألفا لنفقته فَأعْطَاهُ إِيَّاهَا فَكتب صَاحب الْخَبَر بذلك إِلَى الرشيد فَأمر لَهُ بِمِائَتي ألف دِرْهَم وَقَالَ اقبض الْخمسين ألف دِرْهَم الَّتِي أَخذهَا الشَّاعِر وزده مثلهَا وَخذ مائَة ألف لنفقتك فافتك ضيعه وَأعْطى مُسلما خمسين ألفا أُخْرَى

стр. 253

وروى عَن مُسلم بن الْوَلِيد أَنه قَالَ جَاءَنِي رَسُول يزِيد بن مزِيد فَجِئْته فَوَجَدته خَارِجا من الْحمام وَهُوَ على كرْسِي وعَلى رَأسه وصيفة بِيَدِهَا غلاف مرْآة والمرآة بِيَدِهِ وَهُوَ يسرح لحيته فَقَالَ لي أَنْشدني فَأَنْشَدته حَتَّى بلغت قولي (لَا يعيق الطّيب خدية ومفرقه ... وَلَا يسمح عَيْنَيْهِ من الْكحل) فَوضع الْمرْآة من يَده وَقَالَ لِلْجَارِيَةِ انصرفي فقد حرم علينا مُسلم الطّيب والكحل فَلَمَّا فرغت من القصيدة قَالَ لي يَا مُسلم أَتَدْرِي مَا الَّذِي حداني على أَنِّي وجهت إِلَيْك قلت لَا وَالله مَا أَدْرِي فَقَالَ كنت عِنْد أَمِير الْمُؤمنِينَ فَقَالَ لي يَا يزِيد من الَّذِي يَقُول فِيك (سل الْخَلِيفَة سَيْفا من بنى مطر ... يمْضِي فَيقطع الأجساد والهاما) (كالدهر لَا ينثني عَمَّا يهم بِهِ ... قد أوسع النَّاس إنعاما وإرغاما) فَقلت وَالله مَا أَدْرِي فَقَالَ الرشيد يَا سُبْحَانَ الله إِنَّك مُقيم على أعرابيتك أيقال فِيك مثل هَذَا الشّعْر وَلَا تَدْرِي من قَائِله فَسَأَلت ق ٥٦ عَن قَائِله فَأخْبرت أَنَّك هُوَ فَقُمْ حَتَّى أدْخلك على أَمِير الْمُؤمنِينَ ثمَّ قَامَ فَدخل على الرشيد فَمَا علمت حَتَّى خرج الْآذِن عَليّ فَدخلت على الرشيد فَأَنْشَدته مَا لي فِيهِ من الشّعْر فَأمر لي بِمِائَتي ألف دِرْهَم فَلَمَّا انصرفت أَمر لي يزِيد بِمِائَة ألف وَتِسْعين ألف دِرْهَم أُخْرَى وَقَالَ لَا يجوز أَن أُعْطِيك

стр. 254

مثل مَا أَعْطَاك أَمِير الْمُؤمنِينَ وأقطعني إقطاعات تبلغ غَلَّتهَا مِائَتي ألف دِرْهَم وَرُوِيَ عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم قَالَ كنت عِنْد الْمَأْمُون بِدِمَشْق وَقد كَانَ المَال عِنْده قَلِيلا حَتَّى ضَاقَ وشكا ذَلِك إِلَى أَخِيه أبي إِسْحَاق فَقَالَ أَمِير الْمُؤمنِينَ قد أمرت بِمَال يحمل إِلَيْك وَهُوَ موافيك بعد جُمُعَة فَلَمَّا ورد المَال من النواحي الَّتِي كَانَ يتولاها وَكَانَ ثَلَاثُونَ ألف ألف قَالَ الْمَأْمُون ليحيى بن أَكْثَم اخْرُج بِنَا نَنْظُر إِلَى هَذَا المَال قَالَ يحيى

стр. 255

فخرجنا حَتَّى أصحرنا ووقفنا ننتظره وَقد هيء بِأَحْسَن هَيْئَة وحليت أَبَا عره وألبست الأحلاس المواشاة والجلال المصبوغة وقلدت العهن فَنظر الْمَأْمُون إِلَى شَيْء استحسنه وَعظم ليحيى فيعينه واستشرف النَّاس ينظرُونَ إِلَيْهِ ويتعجبون مِنْهُ ويستظرفونه فَقَالَ الْمَأْمُون ليحي يَا أَبَا مُحَمَّد ينْصَرف أَصْحَابنَا هَؤُلَاءِ الَّذين نراهم إِلَى مَنَازِلهمْ خائبين وننصرف نَحن بِهَذَا المَال دونهم إِنَّا إِذا للئام ثمَّ دَعَا إِلَى مُحَمَّد بن يزْدَاد وَقَالَ وَقع لفُلَان بِكَذَا وَلفُلَان بِكَذَا فو الله مَا زَالَ كَذَلِك حَتَّى فرق أَرْبَعَة وَعشْرين ألف ألف ثمَّ أَمر أَن يصرف الْبَاقِي فِي عَطاء الْجند وَقيل كَانَ بِالْبَصْرَةِ شَاعِر من بني تَمِيم فَأَرَادَ جَعْفَر بن سُلَيْمَان أَن يتَقَدَّم إِلَى الْمَأْمُون مادحا لَهُ ومعرضا بشر الْوَالِي فَأعْطَاهُ بختيا وَنَفَقَة قَالَ فركبت بخْتِي ومضيت أورم الْعَسْكَر قَاصِدا إِلَيْهِ فَإِذا بكهل على بغل هملاج قد تَلقانِي مُوَاجهَة وَأَنا أردد نشيد أرجوزتي فَقَالَ السَّلَام عَلَيْك يَا هَذَا بِصَوْت جمهوري ولسان فَصبح فَرددت السَّلَام فَقَالَ لي قف إِن شِئْت فوقفت فتضوعت مِنْهُ رَائِحَة الْمسك والعنبر فَقَالَ لي مِمَّن أَنْت فَقلت رجل من مُضر قَالَ ثمَّ من قلت من بني تَمِيم ثمَّ من بني سعد ثمَّ قَالَ فَمَا أقدمك هَذِه الْبَلَد قلت قصدت هَذَا الْملك الَّذِي مَا سَمِعت بِمثلِهِ قبله

стр. 256

أطول باعا وَلَا أندى رَاحَة مِنْهُ قَالَ فَمَا الَّذِي قصدته بِهِ قلت شعر طيب يلذ على الأفواة وتقتفيه الروَاة ويحلو فِي آذان السامعين قَالَ فأنشدنيه قَالَ فَغضِبت وَقلت لَهُ يَا رَكِيك الْعقل أخْبرك أَنِّي قصدت الْخَلِيفَة بمدح حبرته فِيهِ تَقول أنشدنيه قَالَ وَمَا الَّذِي تَأمل مِنْهُ قلت ألف دِينَار إِن كَانَ على مَا ذكر عَنهُ قَالَ لي فَأَنا أُعْطِيك ألف دِينَار إِن رَأَيْت الشّعْر جيدا وَالْكَلَام غضا وأضع عَنْك العناء والترداد وَمَتى تصل إِلَى الْخَلِيفَة وَبَيْنك وَبَينه عشرَة آلَاف رامح وَسيف فَقلت لَهُ بِاللَّه عَلَيْك أَنْت تفعل قَالَ نعم قلت ومعك السَّاعَة مَا تُعْطِينِي قَالَ لَك الله على أَن أُعْطِيك السَّاعَة ألف دِينَار فَأَنْشَدته أرجوزة فِيهَا (مَأْمُون يَا ذَا المنن الشَّرِيفَة ... وَصَاحب الْمرتبَة المنيفة) (وقائد الكتيبة الكثيفة ... هَل لَك فِي أرجوزة ظريفة) (أطرف من فقه أبي حنيفَة ... لَا وَالَّذِي أَنْت لَهُ خَليفَة) (مَا ظلمت فِي أَرْضنَا ضَعِيفَة ... أميرنا مُؤْنَته خَفِيفَة) (وَالذِّئْب والنعجة فِي سقفه ... واللص والتاجر فِي قطيفه) قَالَ فو الله مَا أتممت إنشادها حَتَّى أقبل عشرَة آلَاف فَارس قد سدوا الْأُفق وهم يَقُولُونَ السَّلَام عَلَيْك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته قَالَ فأخذني وَالله الأفكل يَعْنِي الرعدة ونطر إِلَيّ بِتِلْكَ الْحَال فَقَالَ لَا بَأْس عَلَيْك ثمَّ الْتفت إِلَى خَادِم نظيف الْوَجْه والملبس كَانَ قَرِيبا مِنْهُ فَقَالَ أعْطه مَا مَعَك فَأخْرج الْخَادِم كيسا وجدت فِيهِ ثَلَاثَة آلَاف دِينَار فَقَالَ لي هاك أَيهَا الرجل ثمَّ قَالَ سَلام عَلَيْك وَمضى فَكَانَ آخر الْعَهْد بِهِ فَسَأَلت عَنهُ بعد ذَلِك فَقيل لي الْمَأْمُون أَمِير الْمُؤمنِينَ لم يرد أَن يعرفك بِنَفسِهِ لكرم طباعه

стр. 257

وخلائقه وَقيل أَن الْمَأْمُون كَانَ فِي مجْلِس ق ٥٧ لَهُ بِدِمَشْق فغناه علوِيَّة (بَرِئت من الْإِسْلَام إِن كَانَ ذَا الَّذِي ... أَتَاك بِهِ الواشون حَقًا كَمَا قَالُوا) (وَلَكنهُمْ لما رأوك سريعة لهجري ... تواصوا بالنميمة واحتالوا) فَقَالَ يَا علوِيَّة لمن هَذَا الشّعْر قَالَ لقَاضِي دمشق فَقَالَ لِأَخِيهِ يَا أَبَا إِسْحَاق أحضرهُ فَلم يكن بأسرع من أَن حضر شيخ قصير مخضوب فَقَالَ لَهُ الْمَأْمُون من تكون قَالَ أَنا فلَان بن فلَان قَالَ أَنْت الَّذِي تَقول الشّعْر قَالَ نعم يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ ونساؤه طَوَالِق وكل شَيْء يملك فِي سَبِيل الله إِن كَانَ قَالَ شعرًا مُنْذُ ثَلَاثِينَ سنة إِلَّا فِي زهد ومعاتبة صديق فَقَالَ لِأَخِيهِ أعزله مَا كنت لأولي رِقَاب الْمُسلمين من يبْدَأ فِي هزله من الْإِسْلَام ثمَّ قَالَ لعلوية لَا تقل بَرِئت من الْإِسْلَام وَلَكِن قل حرمت مناي مِنْك وَقَالَ عمَارَة بن عقيل أنشدت الْمَأْمُون قصيدة فَكنت أبتدئ بصدر الْبَيْت وَهُوَ

стр. 258

يبادرني إِلَى عَجزه فَقلت وَالله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ مَا سَمعهَا مني أحد قبلك فَقَالَ هَكَذَا يَنْبَغِي أَن يكون ثمَّ أقبل عَليّ وَقَالَ أما بلغك أَن عمر بن أبي ربيعَة أنْشد عبد الله بن عَبَّاس قصيدته الَّتِي يَقُول فِيهَا (نشط غَدا دَار جيراننا ... ... ... ... ... ... ... ...) فَقَالَ ابْن عَبَّاس ( ... ... ... ... ... ... ... . . ... وللدار بعد غَد أبعد) حَتَّى أكمل القصيد كلما أنْشد صدر الْبَيْت أكمله ابْن عَبَّاس ثمَّ قَالَ أَنا ابْن ذَلِك وَقَالَ ابْن الْمبرد قَالَ لي عمَارَة قَالَ عبد الله بن أبي السمط يَا عمَارَة مَا علمت أَن الْمَأْمُون لَا يبصر الشّعْر قلت لَهُ وَمن أَفرس مِنْهُ فِيهِ أَنا أنشدته الْبَيْت فيسبقنا إِلَى عَجزه من أَن يكون سَمعه قَالَ إِنِّي أنشدته بَيْتا أَجدت فِيهِ فَلم يحركه قلت وَمَا هُوَ قَالَ

стр. 259

(أضحى إِمَام الْهوى الْمَأْمُون مشتغلا ... بِالدّينِ وَالنَّاس بالدنيا قد اشتغلوا) فَقلت مَا صنعت شَيْئا مَا زِدْت على أَن جعلته عجوزا فِي مِحْرَابهَا مسبحتها فِي يَدهَا فَمن يقوم بِأَمْر الدُّنْيَا إِذا كَانَ مَشْغُولًا عَنْهَا هلا هلا قلت كَمَا قَالَ جرير فِي عمر بن الْعَزِيز (فَلَا هُوَ فِي الدُّنْيَا مضيع نصِيبه ... وَلَا عرض الدُّنْيَا عَن الدّين شاغله) وَجَاءَت امْرَأَة إِلَى الْمَأْمُون فَقَالَت (يَا خير منتصف يهدي بِهِ الرشد ... وَيَا إِمَامًا بِهِ قد أشرق الْبَلَد) (تَشْكُو إِلَيْك عميد الْخلق أرملة ... غَدا عَلَيْهَا فَلم يتْرك لَهَا لبد) (وابتز مِنْهَا ضيَاعًا منعتها ... ظلما وَفرق مِنْهَا الْأَهْل والبلد) فأجابها وَقَالَ (فِي دون مَا قلت زَالَ الصَّبْر وَالْجَلد ... عني وأقرح مني الْقلب والكبد) (هَذَا أَوَان صَلَاة الْعَصْر فانصرفي ... وأحضري الْخصم فِي الْيَوْم الَّذِي أعد) (والمجلس السبت أَن يقْضى الْجُلُوس لنا ... أنصفك مِنْهُ وَإِلَّا الْمجْلس الْأَحَد) فَلَمَّا كَانَ يَوْم الْأَحَد جلس فَجَاءَتْهُ فَقَالَ السَّلَام عَلَيْك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فَرد وَقَالَ أَيْن خصمك قَالَت وَاقِف على رَأسك وأومأت إِلَى

стр. 260

الْعَبَّاس ابْنه فَقَالَ لِأَحْمَد بن أبي خَالِد خُذ بِيَدِهِ وَأَجْلسهُ مَعهَا فَفعل فَجعل كَلَامهَا يَعْلُو كَلَامه فَقَالَ لَهَا أَحْمد بن خَالِد يَا أمة الله إِنَّك بَين يَدي أَمِير الْمُؤمنِينَ وتكلمين الْأَمِير فاخفضي من صَوْتك فَقَالَ الْمَأْمُون دعها يَا أَحْمد فَإِن الْحق أنطقها وَالْبَاطِل أخرسه ثمَّ قضى على ابْنه وَمن شعر الْمَأْمُون (بَعَثْتُك مرتادا ففزت بنظرة ... وأغفلتني حَتَّى أَسَأْت بك الظنا) (فناجيت من أَهْوى وَكنت مباعدا فيل لَيْت شعري عَن دنوك مَا أغنا) (أرى أثرا مِنْهَا بِعَيْنَيْك لم يكن ... لقد سرقت عَيْنَاك من عينيها حسنا) وَله أَيْضا (أَن تشق عَيْني بهَا فقد سعدت ... عين رَسُولي وفزت بالْخبر)

стр. 261

(وَكلما جَاءَنِي الرَّسُول بهَا ... رددت عمدا فِي طرفه نَظَرِي) (يظْهر فِي وَجهه محاسنها ... قد أثرت فِيهِ أحسن الْأَثر) (خُذ مقلتي يَا غُلَام عَارِية ... فَانْظُر بهَا واحتفظ على بَصرِي) ق ٥٨ واعتل الْفضل بن سهل فَتَأَخر فِي بَيته فوردت عَلَيْهِ رقْعَة من الْمَأْمُون بِخَطِّهِ يسْأَله عَن حَاله وَفِي آخرهَا (كَيفَ أَصبَحت بالسلامة يَا فضل وبالخير رَبنَا مساكا) (لَا أَرَانِي الْإِلَه فقدك يَا فضل ... وعافاك عَاجلا وشفاكا) (فقد أردْت الْمَجِيء إِذْ غلب الشوق ... وقلبي لَو يَسْتَطِيع أتاكا) (فتذكرت عِنْد ذَاك بِأَنِّي ... لست أَسْتَطِيع أَن أَرَاك كذاكا) (فَأَيْنَ يَا وَقت فِيك حذَارِي ... كَيفَ أَنْت الْغَدَاة من شكواكا) بَاب فِي خطيه ومناقبه قيل خطب يَوْم جُمُعَة فَقَالَ الْحَمد لله الَّذِي استخلص الْحَمد لنَفسِهِ واستوجبه على خلقه أَحْمَده وَأَسْتَعِينهُ وَأُؤْمِنُ بِهِ وَأَتَوَكَّل عَلَيْهِ

стр. 262

وَأشْهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ واشهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله أرْسلهُ بِالْهدى وَدين الْحق لِيظْهرهُ على الدّين كُله وَلَو كره الْمُشْركُونَ أوصيكم عباد الله بتقوى الله وَالْعَمَل لما عِنْده والإنجاز لوعده وَالْخَوْف من وعيده فَإِنَّهُ لم يسلم إِلَّا من اتَّقَاهُ وخافه ورجاه وَعمل لَهُ وأرضاه فَاتَّقُوا الله عباد الله وَبَادرُوا آجالكم بأعمالكم وابتاعوا مَا يبْقى لكم بِمَا يَزُول عَنْكُم وترحلوا سرَاعًا فقد جد بكم الرحيل واستعدوا للْمَوْت فقد أضلكم مَا تحذرون وَكُونُوا قوما صِيحَ بهم فانتبهوا وَعَلمُوا أَن الدُّنْيَا لَيست لَهُم بدار فاستبدلوا فَإِن الله لم يخلقكم عَبَثا وَلم يترككم سدى وَمَا بَين أحدكُم وَالْجنَّة أَو النَّار إِلَّا الْمَوْت أَن ينزل بِهِ وَأَن غَايَة تنقصها اللحظة وتهدمها السَّاعَة لجديرة بقصر الْمدَّة وان غَائِبا يحدوه الجديدان لحري بِسُرْعَة الأوبة وَإِن قادما يحل بالفوز أَو الشقوة لمستحق لأَفْضَل الْعدة فاتقى عبد ربه ونصح نَفسه وَقدم تَوْبَته وَغلب شَهْوَته فَإِن أَجله مَسْتُور عَنهُ وأمله خاذله والشيطان مُوكل بِهِ يزين لَهُ الْمعْصِيَة ليرْكبَهَا ويمنيه التَّوْبَة ليسوفها حَتَّى تهجم عَلَيْهِ منيته أغفل مَا يكون عَنْهَا فيالها حسرة على ذِي غَفلَة أَو يكون عمره عَلَيْهِ حجَّة أتؤديه أَيَّامه إِلَى شقوة نسْأَل الله أَن يجعلنا وَإِيَّاكُم مِمَّن لَا تبطره نعْمَة وَلَا تقصر بِهِ عَن طَاعَته غَفلَة وَلَا تحل بِهِ بعد الْمَوْت حسرة إِنَّه سميع الدُّعَاء وَبِيَدِهِ الْخَيْر وَهُوَ فعال لما يُرِيد وخطب يَوْم الْأَضْحَى فَقَالَ بعد التَّكْبِيرَات الأول والتحميد وَالصَّلَاة

стр. 263

على النَّبِي ﷺ وَالْوَصِيَّة بتقوى الله إِن يومكم هَذَا يَوْم أبان الله فَضله وَأوجب تشريفه وَعظم حرمته ووفق لَهُ من خلقه صفوته وابتلى فِيهِ خَلِيله وفدى فِيهِ من الذّبْح نبيه وَجعله خَاتم الْأَيَّام المعلومات من الْعشْر ومقدم الْأَيَّام المعدودات من النَّفر يَوْم حرَام من أَيَّام عِظَام فِي شهر حرَام يَوْم الْحَج الْأَكْبَر وَيَوْم دَعَا الله إِلَى مشهده وَنزل الْقُرْآن بتعظيمه قَالَ ﴿وَأذن فِي النَّاس بِالْحَجِّ يأتوك رجَالًا وعَلى كل ضامر يَأْتِين من كل فج عميق﴾ فتقربوا إِلَى الله فِي هَذَا الْيَوْم بذبائحكم وعظموا شَعَائِر الله واجعلوها من أطيب أَمْوَالكُم وبصحة التَّقْوَى من قُلُوبكُمْ فَإِنَّهُ يَقُول ﴿لن ينَال الله لحومها وَلَا دماؤها وَلَكِن يَنَالهُ التَّقْوَى مِنْكُم﴾ الْآيَة ثمَّ قَالَ بعد التَّحْمِيد وَالتَّكْبِير وَذكر الْجنَّة وَالنَّار الله الله فوَاللَّه إِنَّه الْجد لَا اللّعب وَإنَّهُ الْحق لَا الْكَذِب وَمَا هُوَ إِلَّا الْمَوْت والبعث وَالْمِيزَان والحساب وَالْقصاص والصراط ثمَّ الثَّوَاب وَالْعِقَاب من نجا يَوْمئِذٍ فقد فَازَ وَمن هوى يَوْمئِذٍ فقد خَابَ الْخَيْر كُله فِي الْجنَّة وَالشَّر كُله فِي النَّار وخطب يَوْم الْفطر فَقَالَ بعد التَّكْبِير أَلا وَأَن يومكم هَذَا يَوْم عيد وَسنة وابتهال ورغبة يَوْم ختم الله فِيهِ صِيَام شهر رَمَضَان وافتتح بِهِ حج بَيته الْحَرَام فَجعله خَاتمًا للشهر وَأول شهور الْحَج وَجعله معقب

стр. 264

الْمَفْرُوض من صِيَامكُمْ ومتنفل ق ٥٩ قيامكم أحل فِيهِ الطَّعَام لكم وَحرم فِيهِ الصّيام عَلَيْكُم فَاطْلُبُوا إِلَى الله حَوَائِجكُمْ واستغفروه لتفريطكم فَإِنَّهُ يُقَال لَا كَبِيرَة مَعَ اسْتِغْفَار وَلَا صَغِيرَة مَعَ إِصْرَار فَاتَّقُوا الله عباد الله وَبَادرُوا الْأَمر الَّذِي فِيهِ عدل بَيْنكُم وَلم يحتضر الشَّك فِيهِ أحد مِنْكُم وَهُوَ الْمَوْت الْمَكْتُوب عَلَيْكُم وَإنَّهُ لَا يُقَال بعده عَثْرَة وَلَا تقبل عِنْده تَوْبَة وَاعْلَمُوا أَنه لَا شَيْء قبله إِلَّا دونه وَلَا شَيْء بعده إِلَّا فَوْقه على غصصه وعلزه وكربه وَلَا يعين على الْقَبْر وظلمته ووحشته وضيقه وهول مطلعه ومساءلة مَلَائكَته إِلَّا الْعَمَل الصَّالح الَّذِي أَمر الله بِهِ فَمن زلت عِنْد الْمَوْت قدمه فقد ظَهرت ندامته وفاتت استقالته ودعا من الرّجْعَة بِمَا لَا يُجَاب إِلَيْهِ وبذل من الْفِدْيَة مَا لَا يقبل مِنْهُ فَالله الله عباد الله وَكُونُوا قوما سَأَلُوا الرّجْعَة فأعطوها إِذْ منعهَا الَّذين طلبوها فَإِنَّهُ لَيْسَ يتَمَنَّى المتمنون قبلكُمْ إِلَّا هَذَا الْمهل الْمَبْسُوط لكم واحذروا مَا حذركُمْ الله وَاتَّقوا الْيَوْم الَّذِي يجمعكم الله فِيهِ لوضع موازينكم وَنشر صحفكم الحافظة لأعمالكم فَلْينْظر عبد مَا يضع فِي مِيزَانه مِمَّا يثقل بِهِ وَمَا يمل فِي صَحِيفَته الحافظة لَهُ وَعَلِيهِ فقد حكى الله لكم مَا قَالَ المفرطون عِنْدهَا إِذْ طَال إعراضكم عَنْهَا وَهُوَ قَوْله عز وَعلا ﴿وَوضع الْكتاب فترى الْمُجْرمين مشفقين مِمَّا فِيهِ﴾ الْآيَة وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَنَضَع الموازين الْقسْط ليَوْم الْقِيَامَة فَلَا تظلم نفس شَيْئا﴾ الْآيَة

стр. 265

وَلست أنهاكم من الدُّنْيَا بأعظم مِمَّا نهتكم بِهِ الدُّنْيَا عَن نَفسهَا فَإِنَّهُ كل مَالهَا ينْهَى عَنْهَا وكل مَا فِيهَا يَدْعُو إِلَى غَيرهَا وَأعظم مِمَّا رَأَتْهُ عيونكم من عجائبها ذمّ كتاب الله لَهَا وَنهي الله جلّ ثَنَاؤُهُ عَنْهَا فَإِنَّهُ يَقُول ﵎ ﴿فَلَا تغرنكم الْحَيَاة الدُّنْيَا وَلَا يَغُرنكُمْ بِاللَّه الْغرُور﴾ وَقَالَ ﴿إِنَّمَا الْحَيَاة الدُّنْيَا لعب وَلَهو﴾ الْآيَة فانتفعوا بمعرفتكم وبإخبار الله عَنْهَا وَاعْلَمُوا أَن قوما من عباد الله أدركتهم عصمَة الله فحذروا مصرعها وجانبوا خدائعها وآثروا طَاعَة الله ﵎ فِيهَا فأدركوا الْجنَّة بِمَا تركُوا مِنْهَا وَرُوِيَ عَن وَاقد بن جمد الْوَاقِدِيّ عَن أَبِيه أَنه رفع إِلَى الْمَأْمُون يذكر فِيهِ دينه وَقلة صبره عَلَيْهِ فَوَقع الْمَأْمُون على ظهر الرقعة إِنَّك رجل اجْتمع فِيك خصلتان سخاء وحياء أما السخاء فَهُوَ الَّذِي أطلق مَا فِي يدك وَأما الْحيَاء فَهُوَ الَّذِي يمنعك تبليغنا مَا أَنْت فِيهِ وَقد أمرت لَك بِمِائَة ألف دِرْهَم فَإِن كنت قد أصبت فازدد فِي بسط يدك وَإِن لم تصب فجنايتك على نَفسك وَأَنت حَدثنِي وَكنت على قَضَاء الرشيد

стр. 266

عَن مُحَمَّد بن إِسْحَاق عَن الزُّهْرِيّ عَن أنس أَن النَّبِي ﷺ قَالَ للزبير بن الْعَوام يَا زبير اعْلَم أَن مَفَاتِيح أرزاق الْعباد بِإِزَاءِ الْعَرْش يبْعَث الله إِلَى كل عبد بِقدر نَفَقَته فَمن كثر كثر الله عَلَيْهِ وَمن قلل قلل الله عَلَيْهِ وَأَنت أعلم قَالَ الْوَاقِدِيّ فوَاللَّه لمذاكرة الْمَأْمُون إيَّايَ الحَدِيث أحب إِلَيّ من الْجَائِزَة

стр. 267

قَالَ يحي بن أَكْثَم القَاضِي تغدينا فِي يَوْم عيد عَن الْمَأْمُون فظننته أَنه وضع على الْمَائِدَة أَكثر من ثَلَاثمِائَة لون فَكلما وضع لون نظر إِلَيْهِ فَيَقُول هَذَا نَافِع لكذا وضار من كَذَا فَمن كَانَ صَاحب صفراء فَليَأْكُل من هَذَا وَمن غلب عَلَيْهِ السَّوْدَاء فَلَا يَأْكُل من هَذَا وَمن أحب الزِّيَادَة فِي لَحْمه فَليَأْكُل من هَذَا فوَاللَّه مازال يَقُول كَذَا فِي كل لون حَتَّى رفعت الْمَائِدَة فَقلت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن خضنا فِي الطِّبّ كنت جالينوس فِي مَعْرفَته وَإِن تكلمنا فِي النُّجُوم كنت هرمسا فِي حسابه أَو فِي الْفِقْه كنت عليا بن أبي طَالب صلوَات الله عَلَيْهِ فِي علمه فَقَالَ يَا أَبَا مُحَمَّد أَيْن فضل الْإِنْسَان على غَيره من الْحَيَوَان إِنَّمَا هُوَ بعقله وَلَوْلَا تفاضل الْعُقُول لتساوى النَّاس قَالَ يحي بن أَكْثَم كَانَ الْمَأْمُون يجلس للنَّاس فِي يَوْم الثُّلَاثَاء ق ٦٠ للمناظرة فَإِذا حضر الْفُقَهَاء وَمن يناظر من أهل المقالات ادخُلُوا حجرَة مفروشة وَقيل انزعوا أخفافكم وأحضرت الموائد وَقيل أصيبوا من الطَّعَام وجددوا الْوضُوء وَمن ثقلت عَلَيْهِ قلنسوته فليضعها فَإِذا فرغوا أَتَوا

стр. 268

بالمجامر وتطيبوا ثمَّ خَرجُوا إِلَيْهِ فاستدناهم حَتَّى يقربُوا مِنْهُ فيناظرهم أحسن مناظرة وأنصفها وأبعدها عَن مناظرة المتجبرين فَلَا يزَال كَذَلِك إِلَى أَن تَزُول الشَّمْس ثمَّ يقوم إِلَى الصَّلَاة فَبَيْنَمَا هُوَ يَوْم جَالس إِذْ دخل عَلَيْهِ عَليّ بن صَالح حَاجِبه فَقَالَ إِن فِي الْبَاب رجلا عَلَيْهِ ثِيَاب غِلَاظ مشمرة يطْلب الدُّخُول للمناظرة قَالَ ائْذَنْ لَهُ فَدخل وَنَعله فِي يَده فَوقف على طرف الْبسَاط وَقَالَ السَّلَام عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته فَقَالَ الْمَأْمُون وَعَلَيْكُم السَّلَام وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته قَالَ أتأذن فِي الدنو مِنْك قَالَ نعم فَدَنَا مِنْهُ فَقَالَ لَهُ اجْلِسْ فَجَلَسَ فَقَالَ أتأذن فِي كلامك قَالَ تكلم قَالَ أَخْبرنِي عَن هَذَا الْمجْلس الَّذِي أَنْت فِيهِ جَالس أجلسته بِإِجْمَاع الْمُسلمين وَاخْتِيَار لَك ورضى بك أم بالمغالبة لَهُم وَالْقُوَّة عَلَيْهِم بسلطانك قَالَ الْمَأْمُون لم أجلسه بِوَاحِد مِنْهُمَا وَلَكِن كَانَ يتَوَلَّى عَلَيْهِم سُلْطَان قبلي احتمله إِمَّا على رضى مِنْهُم وَإِمَّا على كره فعقد لي ولَايَة الْأَمر بعده بِاتِّفَاق من حضر من الْمُسلمين فأعطوا ذَلِك إِمَّا طائعين وَإِمَّا كارهين فَلَمَّا صَار الْأَمر إِلَيّ علمت أَنِّي مُحْتَاج إِلَى إِجْمَاع كَافَّة

стр. 269

الْمُسلمين فِي مَشَارِق الأَرْض وَمَغَارِبهَا على الرضى بِي ثمَّ نظرت فَرَأَيْت أَنِّي مَتى تخليت عَن هَذَا الْأَمر اضْطربَ الْمُسلمُونَ وَغلب على النَّاس الْهَرج والفتنة وَوَقع التَّنَازُع فتعطلت أَحْكَام الله وَلم يخذ لمظلوم من ظَالِم وانقطعت السبل وَلم يحجّ بِبَيْت الله وَلم يُجَاهد فِي سَبيله إِذْ لم يكن سُلْطَانا يجمعهُمْ ويسوسهم فَقُمْت بِهَذَا الْأَمر حياطة للْمُسلمين إِلَى أَن يجْتَمع الْمُسلمُونَ على رجل تتفق كلمتهم على الرضى بِهِ وَأسلم الْأَمر إِلَيْهِ وأكون أَنا كَرجل من الْمُسلمين وَأَنت أَيهَا الرجل رَسُولي إِلَى جَمِيع الْمُسلمين بِهَذَا فَقَامَ وَقَالَ السَّلَام عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته قَالَ فَأمر الْمَأْمُون عَليّ بن صَالح أَن يُوَجه من يتبعهُ حَتَّى يعلم أَيْن يقْصد فَفعل ثمَّ رَجَعَ فَقَالَ مضى إِلَى مَسْجِد فِيهِ جمَاعَة على هَيئته وزيه فَقَالُوا لقِيت الرجل قَالَ نعم وقص عَلَيْهِم الْقِصَّة فَقَالُوا مَا نرى فِي هَذَا بَأْسا وافترقوا فَأقبل الْمَأْمُون على يحي بن أَكْثَم وَقَالَ يَا أَبَا مُحَمَّد قد كفينا مُؤنَة هَؤُلَاءِ بأيسر خطب قَالَ ابْن أَكْثَم مَا رَأَيْت وَلَا سَمِعت بأكرم من الْمَأْمُون وَأخذ فِي الحَدِيث عَنهُ قَالَ بت عِنْده لَيْلَة فانتبه فِي اللَّيْل فظنني نَائِما فَجعلت أراعيه وَقد عَطش فَلم يدع بالغلام لِئَلَّا ينبهني فَقَامَ متسللا حافيا يُقَارب الخطو حَتَّى أَتَى البرادة فَتَنَاول كوزا مِنْهَا فَشرب ثمَّ رَجَعَ يخفي وَطئه كَأَنَّهُ لص حَتَّى اضْطجع فِي مضجعه وَأَخذه سعال فرأيته يَجْعَل كمه فِي فِيهِ لِئَلَّا أسمع سعاله فانتبه وطلع الْفجْر وَأَرَادَ الْقيام وَقد تناومت غلى أَن كَادَت الصَّلَاة تفوت فتحركت فَقَالَ الله أكبر يَا غُلَام هَات نعل أبي مُحَمَّد فَقلت

стр. 270

يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن بعيني جَمِيع مَا كَانَ اللَّيْلَة من صنعك وَلذَلِك جعلكُمْ الله لنا موَالٍ وَجَعَلنَا لكم عبيدا قَالَ وَلَقَد سايرته يَوْمًا إِلَى الْبُسْتَان فحاذيته من جِهَة الشَّمْس لأستره مِنْهَا فَلَمَّا عَاد فِي طَرِيقه دَار فِي الْموضع الَّذِي كنت فِيهِ وَقَالَ من حق المسايرة أَن آخذ بِنَصِيب الشَّمْس كَمَا أخذت أَنْت مِنْهَا فَقلت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ لَو قدرت أَن أقيك هول المطلع لفَعَلت فَقَالَ لَا بُد فسترني من الشَّمْس حَتَّى عدنا قَالَ وَكَانَ ابْن أبي خَالِد يعرض الْكتب بَين يَدَيْهِ فَجَاءَتْهُ عطسة شَدِيدَة ق ٦١ فَأدْخل وَجهه فِي كمه وكتمها فَكَادَتْ تَأتي على نَفسه وفطن الْمَأْمُون لَهُ فَقَالَ يَا أَحْمد بئس مَا صنعت بِنَفْسِك إِنَّا لَا نحمد أحدا على هَذِه الخطة فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ مَا سَمِعت لأحد من الْمُلُوك بِمِثْلِهَا فَقَالَ الْمَأْمُون بلَى أَرَادَ الأبرش أَن يعمم سُلَيْمَان بن عبد الْملك فَقَالَ إِنَّا لَا نتَّخذ الإخوان خولا قَالَ يحي بن أَكْثَم وتوضأت يَوْمًا عِنْده فَلَمَّا

стр. 271

أتيت بِالْوضُوءِ إِذا بالإبريق لَهُ أنبوب طَوِيل نَحْو أَربع أَذْرع فَجعلت أتعجب مِنْهُ وأدير فِيهِ الْفِكر وَأحد النّظر فَقَالَ لي الْمَأْمُون عِنْد ذَلِك يَا أَبَا مُحَمَّد كَأَنَّك تعجب من طوله قلت نعم يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فَقَالَ إِن هَذَا الْغُلَام قد اعْتَادَ أَن يوضئني وَله صُحْبَة قديمَة وَهُوَ يَأْكُل البصل كثيرا فنهيته عَنهُ غير مرّة فَلم ينْتَه فَأمرت بِعَمَل هَذَا لِئَلَّا أقطعه من شَهْوَته وأتباعد عَن رَائِحَته وَرُوِيَ أَن دعبلا هجاه فَقَالَ (ويسومني الْمَأْمُون خطة عَارِف ... أَو مَا رأى بالْأَمْس رَأس مُحَمَّد) (يُوفى على رُؤُوس الْخَلَائق مِثْلَمَا ... يُوفى الْجبَال على رُؤُوس القردد) (إِنِّي من الْقَوْم الَّذين هم هم ... قتلوا أَخَاك وشرفوك بمقعد) (شادوا بذكرك بعد طول خموله ... واستنقذوك من الحضيض الأوهد) فَبَلغهُ ذَلِك فَقَالَ قبحه الله مَا أبهته مَتى كنت خاملا وَمن حجر بالخلافة درجت وبدرها غذيت وظفر بِهِ بعد ذَلِك فَعَفَا عَنهُ

стр. 272

وَلما حبس يحي بن أبي خَالِد كتبت إِلَيْهِ أم ولد لَهُ أَن جَمِيع أُمَّهَات أولادك قد نالوا فضل أيامك سواي فَوَقع لَهَا قد أَعدَدْت لَك الْفضل بن سهل فَلَمَّا ورد الْفضل بن سهل فَلَمَّا ورد الْفضل بن سهل وَبلغ مَا بلغ دفعت الْجَارِيَة توقيع يحي بن خَالِد إِلَيْهِ فَلَمَّا رَآهُ بَكَى وَأمر لَهَا بِعشْرَة آلَاف دِينَار وَقَالَ إِذا فني مِنْك فطالعينا قَالَ أَحْمد بن أبي خَالِد مَا رَأَيْت مثل الْفضل بن سهل أَصْبِر على الْجُلُوس وَلَا أقوى على كتاب وَلَا أنزه نفسا وَلَا أَشد ارتفاعا عَن الدُّنْيَا وَلَا أطلب لجميل الذّكر وَحسن الأحدوثة مِنْهُ مَا جمع مَالا قطّ وَلَا ادخره وَكَانَ يلبس من ثِيَاب الْمَأْمُون ويركب من دوابه وَمَا وجد لَهُ يَوْم قتل شَيْء وَكَانَ الْفضل بن سهل فِي الْحمام وهجم عَلَيْهِ جمَاعَة من غلْمَان الْمَأْمُون فَقَتَلُوهُ فِيهِ فارتفعت الضجة وَركب الْمَأْمُون إِلَى الْحمام حَتَّى وقف على بَاب الْحمام فَأخْرج الْفضل فَنزل الْمَأْمُون فَوَقع عَلَيْهِ وَقبل وَجهه وَهُوَ يبكي وَمَشى الْمَأْمُون من الْحمام إِلَى الدَّار ثمَّ وقف عَلَيْهِ حَتَّى غسل وكفنه بِيَدِهِ وحنطه وَركب حَتَّى صلى عَلَيْهِ وغلبته الْعبْرَة حَتَّى ارْتَفع صَوته فَلَمَّا انْصَرف طلب قاتليه فَقَتلهُمْ ثمَّ الْتفت إِلَى عَليّ بن مُوسَى الرضى ﵇ فَقَالَ لقد أَصبَحت وَالله بعد فقد ذِي الرياستين

стр. 273

بِمَنْزِلَة رجل فِي فلاة إِن دهمه اللَّيْل خَافَ من السبَاع وَإِن وافاه نَهَار خَافَ الْعَدو وَهُوَ مَا بَين معدم من الزَّاد وَجعل يبكي وَأخذ بيد عَليّ بن مُوسَى الرضى وَدخل على أم الْفضل يعزيها فَقَالَ أتجزعين يَا أمة وَقد خلف لَك ذُو الرياستين ابْنا فَقَالَت كَيفَ لَا أجزع على من جعلك ابْني

стр. 274

رَجعْنَا إِلَى الْكتاب قَالَ دخل أَبُو إِسْحَاق المعتصم على الْمَأْمُون فَقَالَ لَهُ إِن عبد الله بن طَاهِر يمِيل إِلَى ولد عَليّ بن أبي طَالب كرم الله وَجهه فَدفع الْمَأْمُون ذَلِك وَأنْكرهُ ثمَّ عَاد إِلَيْهِ يمثل ذَلِك فَدس الْمَأْمُون إِلَيْهِ رجلا وَقَالَ لَهُ امْضِ إِلَى عماله عبد الله بن طَاهِر إِلَى مصر على هَيْئَة

стр. 275

الناسك فَادع أَهلهَا إِلَى الْقَاسِم بن إِبْرَاهِيم بن طَبَاطَبَا الْعلوِي وَاذْكُر مناقبه وَعلمه ثمَّ إئت عبد الله بن طَاهِر فَادعه ورغبه وابحث لي عَن دَفِين نِيَّته بحثا شافيا وجئني بِمَا تسمع مِنْهُ فَأتى الرجل مصر فَدَعَا جمَاعَة من الرؤساء وَقعد لعبد الله بن طَاهِر فَلَمَّا انْصَرف من مركبه قَامَ إِلَيْهِ فَأخْرج رقْعَة من كمه فَدَفعهَا إِلَيْهِ وَأدْخلهُ عَلَيْهِ فَقَالَ هَات مَا عنْدك قَالَ بِأَمَان مِنْك قَالَ نعم فأظهر لَهُ مَا أَرَادَ وَدعَاهُ إِلَى الْقَاسِم بن إِبْرَاهِيم ﵇ واخبره بفضائله وَعلمه وزهادته فَقَالَ عبد اله بن طَاهِر أتنصفني قَالَ نعم قَالَ هَل يجب شكر الله على الْعباد قَالَ نعم قَالَ فَهَل يجب شكر بَعضهم لبَعض على الْإِحْسَان قَالَ نعم قَالَ فتجيء إِلَيّ وَأَنا فِي هَذِه الْحَال الَّتِي ترَاهَا ينفذ خَاتمِي من أقْصَى الشرق إِلَى أقْصَى الغرب مَا ألتفت يَمِيني وَلَا شمَالي وَلَا قدامي وَلَا خَلْفي إِلَّا رَأَيْت منَّة مِنْهُ ونعمة عَليّ ختم بهَا رقبتي فتدعوني إِلَى الْكفْر بِهَذِهِ النِّعْمَة وَتقول لي اغدر بِمن ولاك هَذَا كُله وأسعى فِي إِزَالَة ملكه فَسكت الرجل فَقَالَ لَهُ عبد الله بن طَاهِر قد بَلغنِي خبرك وَبِاللَّهِ مَا أَخَاف عَلَيْك إِلَّا نَفسك فارحل عَن هَذَا الْبَلَد فَإِن الْخَلِيفَة إِن بلغه أَمرك كنت الْجَانِي على نَفسك فَرَحل من وقته حَتَّى وافى الْمَأْمُون فَأخْبرهُ بِمَا سمع من عبد الله بن طَاهِر فَاسْتَبْشَرَ بِهِ وَقَالَ ذَلِك غرس يَدي ونشو أدبي فَلم يظْهر لأحد من ذَلِك شَيْء إِلَّا بعد موت الْمَأْمُون

стр. 276

وَقيل اجتاز عبد الله بن طَاهِر بالرقة بمنزل العتابي فَقَالَ أَلَيْسَ هَذَا بمنزل كُلْثُوم قيل بلَى فَثنى رجله وَدخل عَلَيْهِ فألفاه جَالِسا فِي بَيت كتبه فحادثه وذاكره وَانْصَرف وتحدث النَّاس فِي ذَلِك فَقَالُوا إِن الْأَمِير لم يَقْصِدهُ وَإِنَّمَا اجتاز بِهِ فأخطر بِتِلْكَ الزِّيَارَة فَكتب إِلَيْهِ (يَا من أفادتني زيارته ... بعد الخمول نباهة الذّكر) (قَالُوا الزِّيَارَة خطرة عرضت ... وبحار برك لَيْسَ بالخطر) (فادفع مقالتهم بثانية ... تستنفذ المجهود من شكري) (لَا تجعلن الْوتر وَاحِدَة ... إِن الثَّلَاث تَتِمَّة الْوتر) فَبَعثه الأبيات إِلَى أَن زار ثَلَاثًا وَحدث صَالح بن عَليّ وَكَانَ من وُجُوه الْكتاب قَالَ طَالَتْ بِي العطلة وَبلغ بِي ذَلِك أعظم الْحَاجة فبكرت ق ٦٣ يَوْمًا إِلَى أَحْمد بن أبي خَالِد الْوَزير لأعلمه بجليل أحوالي وأسأله لم شعثي فَخرج من بَابه وَبَين يَدَيْهِ قَاصِدا بَاب الْمَأْمُون فَلَمَّا نظر إِلَيّ أنكر بكوري وَعَبس فِي وَجْهي وَقَالَ فِي الدُّنْيَا أحد بكر هَذَا البكور ليشغلنا قَالَ فَقلت لَيْسَ الْعجب مِنْك أصلحك الله فِيمَا لقيتني بِهِ إِنَّمَا الْعجب مني إِذا سهرت لَيْلَتي وأسهرت جَمِيع أَهلِي يرقبون الصُّبْح حَتَّى أصير إِلَيْك فِي صَلَاح أحوالي بعد وُقُوع

стр. 277

الِاخْتِيَار عَلَيْك فِيمَا آمله عنْدك وَلَكِن عَليّ وَعلي أَن وقفت لَك بِبَاب أَو سَأَلتك حَاجَة إِلَى أَن تصير إِلَيّ معتذرا مِمَّا لقيتني بِهِ وانصرفت مغموما مفكرا فِيهِ نَادِما على مَا فرط مني من الْيَمين آيسا من الْفرج لاستبعاد مَجِيء الْوَزير إِلَيّ واعتذاره مني رَاجعا على نَفسِي باللوم فَإِنِّي لكذلك إِذْ دخل عَليّ بعض الغلمان فَقَالَ إِن الْوَزير أَحْمد بن أبي خَالِد آخِذا فِي شارعنا وَدخل آخر فَقَالَ إِنَّه دخل دربنا وَدخل ثَالِث فَقَالَ إِنَّه أقرب من دَارنَا ثمَّ دخل رَابِع فَقَالَ إِنَّه دخل دَارنَا فَخرجت مُسْتَقْبلا لَهُ فَلَمَّا اسْتَقر بِهِ الْمجْلس قَالَ لي كَانَ أَمِير الْمُؤمنِينَ قد أَمرنِي بالبكور إِلَيْهِ فِي بعض مهماته فَدخلت إِلَيْهِ وَقد غلبني الْهم وَالْغَم بِمَا فرط مني إِلَيْك حَتَّى أنكر حَالي فقصصت عَلَيْهِ الْقِصَّة فَقَالَ قد أَسَأْت إِلَى الرجل وَلَا عَلَيْك أَن تعتذر إِلَيْهِ فَامْضِ إِلَيْهِ فارغ الْيَد قَالَ فتريد مَاذَا قلت تقضي دينه قَالَ وَكم ذَلِك قلت مائَة ألف دِرْهَم فَأمرنِي بالتوقيع لَك بهَا قلت فَإِذا قضى دينه فَيرجع إِلَيّ مَاذَا قَالَ فَوَقع لَهُ بِمِائَة ألف دِرْهَم أُخْرَى يصلح بهَا حَاله قلت فولاية يشرف بهَا قَالَ لَهُ مصر أَو غَيرهَا أَو مَا يشبهها قلت فمعونة يَسْتَعِين بهَا على سَفَره فَأمر بِأَن يُوقع لَك بِمِائَة ألف دِرْهَم وَهَذِه التوقيعات لَك بِكُل ذَلِك فنثرها وَانْصَرف وَقَالَ مُحَمَّد بن عباد المهلبي دخل أبي على الْمَأْمُون فوصله بِمِائَة

стр. 278

ألف دِرْهَم فَلَمَّا قَامَ من عِنْده تصدق بهَا فَأخْبر الْمَأْمُون بذلك فَلَمَّا عَاد إِلَيْهِ عاتبه فِي ذَلِك فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ منع الْجُود سوء ظن بالمعبود فوصله بِمِائَتي ألف دِرْهَم وأنهى إِلَى المعتصم أَن الْحسن بن سهل قد أضَاف إِلَى ضيَاعه الَّتِي أقطعها ضيَاعًا كثيرا خَرَاجِيَّة فتكرم المعتصم أَن يَأْمر بمناظرته دون سَائِر أَصْحَاب الإقطاعات فَأمر بكشف الإقطاعات كلهَا فَدخل الْحسن بن سهل لما بلغ إِلَيْهِ ذَلِك عَن المعتصم فَقَالَ أَمِير الْمُؤمنِينَ مَا كَانَت لي ضيَاع وَلَا لأبي من قبلي وَلَكِن هِيَ نعمتكم الَّتِي أنعمتم بهَا عَليّ وَقد رددت جَمِيعهَا إِلَى أَيدي عُمَّال أَمِير الْمُؤمنِينَ وَمَا كَانَ لي فِيهَا ملكا فأمير الْمُؤمنِينَ مِنْهُ فِي حل وَلَا أكون سَببا لهلاك النَّاس وضررهم فاستحيا المعتصم وغض طرفه وَقَالَ لَا أكشف إقطاعاتك وَلَا إقطاعات غَيْرك وَلم يزل على بر وإكرام وَقَالَ أَحْمد بن أبي دَاوُود القَاضِي مَا رَأَيْت أجمع لفضيلة وَلَا أوصل لرحم وَلَا أرق قلبا على ذِي حَاجَة وأصدق وأوفى بقول واكظم لغيظ وأعفى عَن مسيء وَأَشد تفقدا للصاحب وَالْخَادِم

стр. 279

وَأَشْجَع قلبا وَأحسن سياسة من المعتصم فَأَما صلته للرحم فَكَانَ إِبْرَاهِيم ابْن الْمهْدي أعدى خلق الله لَهُ وأشدهم اسْتِخْفَافًا فِي أَيَّام الْمَأْمُون وَكَانَ الْمَأْمُون زوج المعتصم لبابه بنت إِبْرَاهِيم فمنحه وَقَالَ لَا أرضاه لَهَا فَلَمَّا صَارَت إِلَيْهِ الْخلَافَة بره وآثره وَكَانَ أحضى النَّاس عِنْده وَقَالَ المعتصم يَا أَبَا عبد الله لقد كنت ألْقى من جمَاعَة فِي أَيَّام الْمَأْمُون كل مَا أكره ويذكرونني لَهُ بِأَسْوَأ الذّكر وَيَقُولُونَ فِي أقبح القَوْل فَظَنَنْت أَنِّي مَتى قدرت عَلَيْهِم لم أبق على أحد مِنْهُم وَكَانَ أَشَّدهم قصدا ق ٦٤ لمكروهي وعيي إِبْرَاهِيم بن الْمهْدي وَكَانَ يذكرنِي بالقبح إِذا غبت وينتقصني إِذا حضرت ويحكي كَلَامي فِي مجْلِس الْمَأْمُون ويهجوني بأقبح الهجاء حَتَّى هَمَمْت مرّة بعد أُخْرَى أَن أفتك بِهِ فِي مجْلِس الْمَأْمُون فأقطعه إربا إربا فَلَمَّا قدرت وَصَارَ إِلَى السُّلْطَان ذهبت الحفيظة من قلبِي عَلَيْهِ وعَلى أَمْثَاله مِمَّن تقدّمت إساءته فَرَأَيْت الْعَفو عَنْهُم أحسن من الْمُكَافَأَة وأنفع فِي الْآخِرَة وَقَالَ إِبْرَاهِيم بن الْمهْدي لما ولي المعتصم وَالله لقد ظَنَنْت أَنه يَأْمر بِضَرْب عنقِي إِذا وَقعت عينه عَليّ وَلَو أمكنني الْهَرَب مِنْهُ لهربت فَمَا دخلت عَلَيْهِ يَوْمًا إِلَّا جدد بشرا وإكراما وَلَا خرجت إِلَّا بصلَة وخلع وحملان وَقَالَ ابْن أبي دَاوُود وَكَانَ مُحَمَّد بن قَاسم الْعلوِي خرج عَلَيْهِ

стр. 280

بخراسان فَحَمله عبد الله بن طَاهِر فِي الْحَدِيد إِلَى حَضْرَة المعتصم فَاطلع عَلَيْهِ يَوْمًا من مشرفه فَرَآهُ وَعَلِيهِ جبنة صوف وَفِي رجلَيْهِ الْحَدِيد وَقد تغير لَونه فرق لَهُ ودمعت عَيناهُ ثمَّ قَالَ لي أَبَا عبد الله هَذَا ابْن عمي وَأدنى النَّاس رحما وَمَا يحْتَمل قلبِي أَن أرآه على هَذِه الْحَال ثمَّ دَعَا بعض الَّذِي كَانَ قَائِما على رَأسه فَقَالَ اذْهَبْ فَقل لَهُ مَا الَّذِي دعَاك إِلَى الْخُرُوج عَليّ وَلم ينلك مني سوء قطّ فَمضى الرَّسُول فأبلغه فَقَالَ رَأَيْت جورا شَدِيدا لم يسعني فِيمَا بيني وَبَين الله إِلَّا إِنْكَاره فَقَالَ المعتصم ارْجع إِلَيْهِ فَقل لَهُ هَل هَذَا جور أحدثته أَنا أم كَانَ شَيْئا فعله سلفي قبلي قَالَ بل كَانَ فعله سلفك قبلك وسلكت سبيلهم فَقَالَ ارْجع وَقل لَهُ أَيّمَا أفضل أَنْت أم من تقدم من سلفك فَقَالَ مُحَمَّد بل من تقدم من سلفي فَقَالَ لَهُ يَا هَذَا كَيفَ وسع سلفك مَعَ فَضلهمْ وسابقتهم أَن لَا يخرجُوا على سلفي وَلم يسعك أَنْت إِلَّا الْخُرُوج عَليّ فأبلغه ذَلِك فَسكت وَلم يجبهُ فَرجع الرَّسُول فَعرفهُ ذَلِك قَالَ لي يَا أَبَا عبد الله مَا أصنع بِهَذَا أَخَاف وَالله إِن أطلقته معاودة مثل الَّذِي كَانَ مِنْهُ فيسفك دِمَاء الْمُسلمين بَيْننَا وَبَينه قَالَ قلت الْحَبْس الَّذِي يُؤمن مكروهه قَالَ فَأمر بفك قيوده

стр. 281

فِي الْوَقْت وَأنزل عَنهُ ثقل الْحَدِيد وَنَقله إِلَى دَار ووسع عَلَيْهِ فِي مطمعه ومشربه وملبسه قَالَ وَكنت يَوْمًا عِنْده وَقد امتلاء غيظا فدعى بعمر بن فرج وَهُوَ يتَنَاوَلهُ بالشتم فَلَمَّا جَاءَهُ قَالَ يَا ابْن اللخناء مَتى أَمرتك بِجعْل أَصْحَاب أَخْبَار عَليّ الطالبيين وتتبع أَمرهم قَالَ أَمِير الْمُؤمنِينَ بَلغنِي أَن رجلا مِنْهُم كَاتبه أهل خُرَاسَان وأرمينيا فَأَرَدْت أَن أعرف وأتيقن حَقِيقَة ذَلِك وأنهيه إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ فَقَالَ وَمَا الَّذِي عَلَيْك مِنْهُم فو الله لأغفرن ذنوبهم ولأصلن أرحامهم ولأعفون عَن مسيئتهم ولأعطفن على كَبِيرهمْ وصغيرهم فَإِن أرادوني بِسوء فَالله بيني وَبينهمْ قَالَ وَدخلت إِلَيْهِ فَقلت إِن أهلك وَذَوي رَحِمك من آل أبي طَالب فِي ضرّ شَدِيد بِالْمَدِينَةِ وَقد نالتهم مجاعَة شَدِيدَة وَسنة مُجْدِبَة وتأخرت أَرْزَاقهم فَدَعَا ابْن الزيات وَقَالَ يَا مُحَمَّد احْمِلْ إِلَيْهِم السَّاعَة وَلَا تتَوَقَّف

стр. 282

مِائَتي ألف دِرْهَم وَوَاللَّه لإن أخرت إِلَى غَد لأنهكتك عُقُوبَة فَحمل إِلَيْهِم ذَلِك من وقته قَالَ وَكنت عِنْده يَوْمًا فَدخل عَلَيْهِ بعض من يحضر مَجْلِسه فَقَالَ إِنِّي كنت بالْأَمْس عِنْد عبد الله بن أَيُّوب قَالَ فَمَا كَانَت حالتكم فَقَالَ أطعمنَا ثَلَاثَة ألوان لَيْسَ فِيهَا لحم فَقَالَ وَيلك ذَلِك حسن الْمُرُوءَة وَكثير الطَّعَام قَالَ أنفذ إِلَى القصاب رقْعَة يُعْطه وظيفته من اللَّحْم والألم يَأْكُل هُوَ وَلَا أَوْلَاده لَحْمًا فَأَطْرَقَ مفكرا وَقَالَ بلغت بِهِ الْحَال إِلَى هَذَا قلت نعم فَدَعَا بإيتاخ فَقَالَ احْمِلْ إِلَى عبد الله بن أَيُّوب مِائَتي ألف دِرْهَم وَقل للرسول لَا يَأْخُذ مِنْهُ شَيْئا فَإِذا رَجَعَ من عِنْده فأعط رَسُولك ألفي دِرْهَم قَالَ ورأيته وَقد حاصر عمورية وَأَنه لواقف وَالْحِجَارَة تَأتي من كل مَوضِع حَتَّى يَنَالهُ بَعْضهَا وَهُوَ لَا يَزُول فَقلت الله الله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ نشدتك الله لما تنحيت فَقَالَ وَالله مَا من مَوضِع يأتيني فِيهِ الْمَوْت أحب إِلَيّ من هَذَا الْموضع ق ٦٥ فَقلت إِن أَرْوَاح الْمُسلمين بروحك معلقَة فَإِن حدث حَادث فَإِنَّهُم مضيعة جازر فَمَا الْتفت إِلَى قولي وَثَبت مَكَانَهُ

стр. 283

وَقَالَ وَخَرجْنَا فِي تِلْكَ الْغُزَاة فَكنت على جمل فِي محمل وَكَانَ يَجِيء على فرسه حَتَّى يصير تَحت محملي ويحدثني فَأَقُول أنزل واركب دَابَّة وأكون بَين يَديك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فَيَقُول لَا وَالله لَا فعلت الْمحمل أبر بك وأرفق وصرنا إِلَى مخاضة فَقَالَ للجمال قف ثمَّ أَنه تقدم حَتَّى عرف مِقْدَار المَاء وَجعل يَقُول للجمال خُذ كَذَا خُذ كَذَا بلطف ورفق حَتَّى عبرت وَقَالَ يَوْمًا وَنحن بعمورية مَا تَقول فِي الْبُسْر يَا أَبَا عبد الله فَقلت نَحن بِبِلَاد الرّوم والبسر بالعراق فَقَالَ قد جَاءَنَا عذقان فَقَالَ يَا أيتاخ هَات أحد العذقين فجابه فَمد المعتصم يَده وحسر عَن ذراعه وَقَالَ بحياتي عَلَيْك كل من يَدي فَقلت جعلني الله فدَاك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ بل تضعه فَآكل مِنْهُ كَمَا أُرِيد قَالَ لَا وَالله إِلَّا من يَدي قَالَ أَحْمد فو الله إِن زَالَ حاسرا مَادًّا يَده وَأَنا أجتني حَتَّى رمى بِهِ وَمَا بِهِ بسرة وَاحِدَة قَالَ ووقف يوناص على السُّور بعمورية رجل فصيح بِالْعَرَبِيَّةِ فَجعل يشْتم النَّبِي ﷺ فَاشْتَدَّ ذَلِك على المعتصم وعَلى الْمُسلمين وحاولوا قَتله وراموه بِكُل مرام من النشاب والعرادات وَغَيرهَا

стр. 284

وَلم يلْحقهُ شَيْء حَتَّى رمى رجل من الناشبة فَأصَاب نَحوه فَوَقع اللعين من السُّور إِلَى خَارج وَكبر الْمُسلمُونَ وسر المعتصم بذلك سُرُورًا عَظِيما وَقَالَ اخبروني عَمَّن رمى هَذَا السهْم الْمُبَارك فأوتى بِالرجلِ فَأدْخل عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ سَأَلتك بِاللَّه لتبعني ثَوَاب هَذَا السهْم بِمِائَة ألف دِرْهَم فَقَالَ الرجل يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ لَيْسَ الثَّوَاب مِمَّا يُبَاع قَالَ فَمَا زَالَ يرغبه حَتَّى بلغ مَعَه خَمْسمِائَة ألف دِرْهَم فَقَالَ مَا أبيعه بالدنيا بأسرها وَمَا فِيهَا وَلَكِنِّي أشهد الله أَنِّي قد جعلت نصف ثَوَابه لَك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فَقَالَ قد رضيت بِهَذَا أحسن الله جزائك وَأمر للرجل بِمِائَة ألف دِرْهَم فقبضها من سَاعَته وَقيل لما وَقع الْحَرِيق فِي الْجَانِب الغربي بِبَغْدَاد وَجه المعتصم ابْنه هَارُون فَقَامَ بأمرها حَتَّى أطفيت وَأمر بكتب أَسمَاء من احْتَرَقَ لَهُ شَيْئا ومبلغ مَا ذهب لَهُم ثمَّ أعْطى كلا مِنْهُم على قدر حَالَة فَبلغ إعطاؤهم عشْرين ألف دِينَار وَخَمْسمِائة ألف ألف دِرْهَم وَقَالَ ابْن أبي دَاوُود القَاضِي مَا رَأَيْت رجلا عرض على الْمَوْت فَلم يكترث بِهِ وَلَا عدل بِهِ عَمَّا أَرَادَ إِلَّا تَمِيم بن جميل الْخَارِجِي وَكَانَ قد خرج على المعتصم فرأيته وَقد جِيءَ بِهِ أَسِيرًا فَأدْخل عَلَيْهِ فِي يَوْم مركب وَقد جلس المعتصم للنَّاس مَجْلِسا عَاما بِالسَّيْفِ والنطع فَلَمَّا مثل بَين يَدَيْهِ نظر إِلَيْهِ المعتصم فأعجبه حسنه وقده ومشيته إِلَى الْمَوْت غير مكترث بِهِ فَأطَال الْفِكر فِيهِ ثمَّ استنطقه لينْظر أَيْن عقله وَلسَانه من

стр. 285

جماله فَقَالَ يَا تَمِيم إِن كَانَ عذر فأت بِهِ فَقَالَ أما إِذا أذن أَمِير الْمُؤمنِينَ فِي الْكَلَام فَأَنِّي أَقُول الْحَمد لله الَّذِي أحسن كل شَيْء خلقه وَبَدَأَ خلق الْإِنْسَان من طين يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ جبر الله بك صدع الْإِسْلَام وَلم بك شعث الْأمة وأخمد بك شهَاب الْبَاطِل وأنار بك سَبِيل الْحق إِن الذُّنُوب تحرس الْأَلْسِنَة وتصدع الأفئدة وأيم الله لقد الجريرة وانقطعت الْحجَّة وساء الظَّن وَلم يبْق إِلَّا عفوك أَو انتقامك وَأَنت إِلَى الْعَفو أقرب وَهُوَ بك أشبه وأليق ثمَّ أنْشد (أرى الْمَوْت بَين السَّيْف والنطع كامنا ... يلاحظني من حَيْثُ مَا أتلفت) (وَأكْثر ظَنِّي أَنَّك الْيَوْم قاتلي ... وَأي امْرِئ عَمَّا قضى الله يفلت) (فَمن ذَا الَّذِي يَأْتِي بِعُذْر وَحجَّة ... وَسيف المنايا بَين عَيْنَيْهِ مصلت ق ٦٦) (يعز على الْأَوْس بن ثَعْلَبَة موقفي ... يسل عَليّ السَّيْف فِيهِ وأسكت) (وَمَا حزني من أَمُوت وإنني ... لأعْلم أَن الْمَوْت شَيْء مُؤَقّت) (وَلَكِن خَلْفي صبية قد تَركتهم ... وأكبادهم من حسرة تتفتت) (كَأَنِّي أَرَاهُم حِين أنعى إِلَيْهِم ... وَقد لطموا تِلْكَ الخدود وصوتوا) (فَإِن عِشْت عاشوا خافضين بغبطة ... أذود الردى عَنْهُم وَإِن مت موتوا) (وَكم قَاتل لَا يبعد الله دَاره ... وَآخر فرحان يسر ويشمت) قَالَ فَبكى المعتصم ثمَّ قَالَ إِن من الْبَيَان لسحرا كَمَا قَالَ رَسُول
следующие страницы →