والحق أن كتاب عيون الأخبار من حيث منهجه ومحتواه يعتبر مثلًا أعلى لفن التأليف حتى عهد صاحبه، وهو بذلك يبز الجاحظ ويعلو عليه من حيث المنهج، فقد كان الجاحظ من قبله كثير الاستطراد، يبعد عن موضوعه بحيث ينقل القارئ نقلة واسعة ينسى معها الموضوع الذي كان يقرأه، وليس كذلك ابن قتيبة، بل إن ابن قتيبة يحس بهذا الامتياز في فنه ومنهجه فيقدم روح كتابه في مقدمة كتبها بنفسه يقول فيها: "قرنت الباب بشكله والخبر بمثله والكلمة بأختها ليسهل على المتعلم علمها وعلى الدارس حفظها". وهكذا يضع ابن قتيبة نفسه موضع العلم من قارئه والأستاذ من بين المؤلفين والمنشئين. وهو حين يقدم كتابه للقارئ يقول في موضع آخر من مقدمته: ولم أخله من نادرة طريفة وكلمة معجبة وأخرى مضحكة"١.
ومحتوى الكتاب يدل على سعة معرفة ابن قتيبة وسمو فكره وبراعة صوغه ووضوح أسلوبه ومنطق تسلسله، والكتاب متعة من متع الفكر العربي وحشد من المعرفة التي تخلق من قارئها إنسانًا متفتحًا مثقفًا؛ لأن ابن قتيبة متفتح العقل صافي الذهن مرتب الفكر متعدد الثقافات.
هذا ويرى بروكلمان استنتاجًا من مقدمة عيون الأخبار أن كتاب المعارف وكتاب الأشربة -لابن قتيبة- يعتبران بمثابة تكملة لعيون الأخبار، ونحن لا نذهب مذهبه، فلكل من الكتابين الأخيرين شخصيته ومنهجه وبراعة استهلاله وتمام اختتامه.
أدب الكاتب:
وإذا كان لنا أن نقدم كتابًا آخر لابن قتيبة فإن كتاب أدب الكاتب خليق بأن يكون ذلك الكتاب، فهو واحد من أربعة كتب ذكر ابن خلدون أن مشايخه وأساتذته جعلوها أصول فن التأديب، وما سواها تبع لها وفروع منها. وهذه الكتب الأربعة هي: أدب الكاتب لابن قتيبة، والكامل للمبرد، والبيان والتبيين للجاحظ، والنوادر لأبي علي القالي.
وأدب الكاتب يختلف اختلافًا بينًا عن عيون الأخبار، فعيون الأخبار كتاب ثقافة رفيعة وإحاطة بأسباب المعرفة على تعدد موضوعاتها مستقاة من مختلف مظانها، وأما كتاب أدب الكاتب فهو تأديب للكتاب الذين ظنوا بأنفسهم العلم وهم جهلاء، وتعليم للخاملين المتطاولين الذين غفلوا عن حقيقة حالهم فنشروا على الناس جهلهم وحاولوا أن يتسلقوا إلى المراتب العليا من مراتب الفكر اغتصابًا ودون استعداد أو تحصيل أو تعلم.
стр. 107
وقد أهدى ابن قتيبة كتابه إلى الوزير أبي الحسن عبد الله بن يحيى بن خاقان وزير المتوكل، وكان ذلك سببًا في تقديم ابن قتيبة إلى المتوكل والاستعانة به في بعض الأعمال.
والواقع أن هدف ابن قتيبة من كتابه -على نحو ما بينا قبل قليل- هدف رفيع، فقد استهدف تعليم الجهال ممن يدعون العلم، وكشف المتطاولين على القيم الدينية، وهم أجهل الناس بمكانتها.
وعلى عادة ابن قتيبة يقدم في أكثر كتبه منهجه وهدفه، فلنقرأ له بعضًا ما وضح به هدفه هذا الرفيع١:
"..... فإني رأيت أكثر أهل زماننا هذا عن سبيل الأدب ناكبين، ومن اسمه متطيرين، ولأهله كارهين٢: أما الناشئ منهم فراغب عن التعليم، والشادي تارك للازدياد، والمتأدب في عنفوان الشباب ناسٍ أو متناسٍ٣، ليدخل في جملة المجدودين، ويخرج عن جملة المحدودين٤ فالعلماء مغمورون وبكرة الجهل مقموعون٥ حين خوى نجم الخير، وكسدت سوق البر٦ وبارت بضائع أهله، وصار العلم عارًا على صاحبه، والفضل نقصًا، وأموال الملوك وقفًا على شهوات النفوس، والجاه الذي هو زكاة الشرف يباع الخلق٧ وآضت المروءات في زخارف النجد وتشييد البنيان٨، ولذات النفوس في اصطفاق المزاهر
стр. 108
ومعاطاة الندمان١ ونبذت الصنائع٢، وجهل قدر المعروف، وماتت الخواطر، وسقطت همم النفوس، وزهد في لسان الصدق وعقد الملكوت٣، فأبعد غايات كاتبنا في كتابه أن يكون حسن الخط قويم الحروف، وأعلى منازل أديبنا أن يقول من الشعر أبياتًا في مدح قينة٤ أو وصف كأس، وأرفع درجات لطيفنا أن يطالع شيئًا من تقويم الكواكب، وينظر في شيء من القضاء وحد المناطق، ثم يعترض على كتاب الله بالطعن وهو لا يعرف معناه وعلى حديث رسول الله ﷺ بالتكذيب، وهو لا يدري من نقله، قد رضي عوضًا من الله ومما عنده بأن يقال: فلان لطيف وفلان دقيق النظر يذهب إلى أن لطف النظر قد أخرجه عن جملة الناس وبلغ به علم ما جهلوه فهو يدعوهم الرعاع والغثاء والغثر٥، وهو لعمر الله بهذه الصفات أولى، وهي به أليق؛ لأنه جهل وظن أنه قد علم ...
"فإني رأيت كثيرًا من كتاب أهل زماننا كسائر أهله قد استطابوا الدعة أو استوطئوا مركب العجز، وأعفوا أنفسم من كد النظر وقلوبهم من تعب التفكير، حين نالوا الدرك بغير سبب، وبلغوا البغية بغير آلة. ولعمري إن كان ذاك فأين النفس؟ وأين الأنفة من مجانسة البهائم؟ وأي موقف أخزى لصاحبه من موقف رجل من الكتاب اصطفاه بعض الخلفاء لنفسه٦ وارتضاه لسره، فقرأ عليه يومًا كتابًا وفي الكتاب "ومطرنا مطرًا كثر عن الكلأ" فقال
стр. 109
له الخليفة ممتحنًا له: وما الكلأ؟ فترد في الجواب وتعثر لسانه، ثم قال: لا أدري، فقال: سل عنه.
ويمضي ابن قتيبة مستطردًا في شرح الغرض من كتابه قائلًا:
ونحن نستحب لمن قل عنا وائتم بكتبنا أن يؤدب نفسه قبل أن يؤدب لسانه ويهذب أخلاقه قبل أن يهذب ألفاظه، ويصون مروءته عن دناءة الغيبة، وصناعته عن شين الكذب، ويجانب -قبل مجانبته للنص وخطل القول- شنيع الكلام ورفث١ المزح: كان رسول الله ﷺ -ولنا فيه أسوة- يمزح ولا يقول إلا حقًّا، ومازح عجوزًا فقال: " إن الجنة لا يدخلها عجوز ٢ "، وكانت في علي ﵇ دعابة، وكان ابن سيرين يمزح ويضحك حتى يسيل لعابه، وسئل عن رجل، فقال: توفي البارحة، فلما رأى السائل قرأ: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ [٤٢ من سورة الزمر] ومازح معاوية الأحنف بن قيس فما رئي مازحان أوقر منهما.
ويستطرد ابن قتيبة في موضع آخر من مقدمة كتابه قائلًا:
"ونستحب له أن يدع في كلامه التقعير والتقعيب٣، كقول يحيى بن يعمر لرجل خاصمته امرأته عنده: "أأن سألتك ثمن شكرها وشبرك، أنشأت تطلها وتضهلها" وكقول عيسى بن عمر ويوسف بن عمر بن هبيرة يضربه بالسياط: "والله إن كانت إلا أثيابًا في أسيفاط قبضها عشَّاروك"٤.
стр. 110
"فهذا وأشباهه" كان يستثقل والأدب غض والزمان زمان، وأهله يتحلون فيه بالفصاحة، ويتنافسون في العلم، ويرونه تلو المقدار في درك ما يطلبون وبلوغ ما يؤملون فكيف به اليوم مع انقلاب الحال، وقد قال رسول الله ﷺ : "إن أبغضكم إلي الثرثارون المتفيهقون المتشدقون"؟؟
ونستحب له -إن استطاع- أن يعدل بكلامه عن الجهة التي تلزمه مستثقل الإعراب، ليسلم من اللحن وقباحة التقعير، فقد كان واصل بن عطاء سام نفسه للثغة كانت به إخراج الراء من كلامه، وكانت لثغته على الراء، فلم يزل يروضها حتى انقادت له طباعه وأطاعه لسانه، فكان لا يتكلم في مجلس التناظر بكلمة فيها راء هذا أشد وأعسر مطلبًا مما أردناه".
تلك كانت نماذج من مقدمة كتاب أدب الكاتب: والمقدمة طويلة نفيسة شيقة.
وأما محتوى الكتاب فقد قسمه ابن قتيبة حسبما عودنا إلى أربعة كتب أي أربعة أقسام هي: كتاب المعرفة، وكتاب تقويم اليد، وكتاب تقويم اللسان، وكتاب الأبنية.
وهو في كتاب المعرفة يحاول أن يفقه القارئ الذي ينشد أن يكون كاتبًا ثقافة عامة، ويجعل من هذا الكتاب أبوابًا مثل باب ما يضعه الناس في غير موضعه، أو باب أصول أسماء الناس ويفرغ من ذلك إلى "المسمون بأسماء النبات" أو "المسمون بأسماء الطير" أو "المسمون بأسماء السباع" وهكذا، ويذكر في كتاب المعرفة أيضًا، أي القسم الأول من كتاب أدب الكاتب، بابًا للنخل ويذكر بابًا لعيوب الخيل وآخر لشيات الخيل وغيره لألوان الخيل، ويذكر أبوابًا للتعريف بألوان الطعام والشراب وغير ذلك شيئًا كثيرًا وفيرًا.
فمثلًا في باب ما يضعه الناس في غير موضعه يقول: ومن ذلك الطرب يذهب الناس إلى أنه في الفرح دون الجزع وليس كذلك، إنما الطرب خفة تصيب الرجل لشدة السرور، أو لشدة الجزع، ثم يوثق ابن قتيبة رأيه بشاهد من قول الأقدمين فيجيء بقول النابغة الجعدي:
وأراني طرِبًا في إثرهم ... طرب الواله كالمختبل
وقال آخر:
يقلن لقد بكيت فقلت كلا ... وهل يبكي من الطرب الجليد
ويأتي ابن قتيبة بمثال آخر في الباب نفسه -باب ما يضعه الناس في غير موضعه- فمن ذلك "القافلة" يذهب الناس إلى أنها الرفقة في السفر ذاهبة كانت أو راجعة، وليس كذلك إنما القافلة الراجعة من السفر، يقال قفلت فهي قافلة، وقفل الجند من مبعثهم أي رجعوا ولا يقال لمن خرج إلى مكة من العراق -مثلًا- قافلة حتى يصدروا أي يعودوا.
стр. 111
ومن ذلك "المأثم" يذهب الناس إلى أنه المصيبة، ويقولون كنا في مأتم وليس كذلك إنما المأتم النساء يجتمعن في الخير والشر والجمع مآتم، والصواب أن يقولوا كنا في مناحة، وإنما قيل لها مناحة من النوائح لتقابلهن عند البكاء، يقال الجبلان يتناوحان، إذا تقابلا، وكذلك الشجر. ويأتي ابن قتيبة بالشاهد من شعر العرب فيأتي بذكر أبي عطاء السندي:
عشية قام النائحات وشققت ... جيوب بأيدي مأتم وخدود
أي بأيد نساء، أو قول الآخر وهو أبو حية النميري:
رمته أناة من ربيعة عامر ... نؤوم الضحى في مأتم أي مأتم١
ومن ذلك "الظل والفيء" يذهب الناس إلى أنهما شيء واحد، وليس كذلك؛ لأن الظل يكون غدوة وعشية ومن أول النهار إلى آخره. والفيء لا يكون إلا بعد الزوال، ولا يقال لما قبل الزوال فيء. وإنما سمي بالعشي فيئًا؛ لأنه ظل فاء من جانب إلى جانب أي رجع عن جانب المغرب إلى جانب المشرق. ويستشهد ابن قتيبة بالآية الكريمة: حتى تفيء إلى أمر الله، أي ترجع إلى أمر الله، ويردف بمجموعة من أبيات الشعراء الجاهليين والإسلاميين كشواهد موثقة لقوله.
وفي باب آخر من أبواب الكتاب تقع العين على أصول أسماء الناس، فالذين يسمون بأسماء النبات منهم:
ثمامة: واحدة الثمام وهي شجر ضعيف له حوض أو شبيه بالحوض.
طلحة: واحدة الطلح وهي شجر عظام من العضاه.
علقمة: واحدة العلقم، وهو الحنظل.
وفي باب "المسمون بأسماء السباع" نجده يذكر:
حيدرة: الأسد، ومنه قول علي كرم الله وجهه: "أنا الذي سمتني أمي حيدرة".
أسامة: الأسد.
نهشل: الذئب.
ذؤالة: الذئب.
كلثوم: الفيل.
стр. 112
ومن الأبواب الطريفة في هذا القسم نفسه الذي أسماه ابن قتيبة كتاب المعرفة تقع العين على "باب ذكور ما شهر من الإناث" فنجده يأتي بالأسماء الآتية:
الخرب: "بفتح الخاء والراء" هو ذكر الحبارى.
الفياد: ذكر البوم.
اليعسوب: ذكر النحل.
الحرباء: ذكر أم حبين.
الضبعان: "بتشديد الضاد وكسرها" ذكر الضباع.
الغيلم: ذكر السلاحف.
العلجوم: "بضم العين" ذكر الضفادع.
وإذا انتقلنا إلى "كتاب تقويم البدء" وهو القسم الثاني من أدب الكاتب، وجدناه دروسًا دقيقة في علم النحو مثل باب ألف الوصل في الأسماء، أو باب دخول ألف الاستفهام على ألف الوصل، أو باب دخول ألف الاستفهام على ألف القطع، وأكثر الأبواب هنا في الفصل والوصل والاستفهام والتذكير والتأنيث.
والكتاب الثالث -أي القسم الثالث- هو "كتاب تقويم اللسان" ويتصل بتقارب الحروف ومخارجها وحركاتها مثل ما جاء ساكنًا والعامة تحركه، أو ما جاء محركًا والعامة تسكنه، أو ما جاء بالصاد وهم يقولونه بالسين، أو ما جاء مكسورًا والعامة تضمه.
وأما الباب الرابع والأخير وهو ما أسماه ابن قتيبة باب الأبنية فهو خاص بالصرف وفقه اللغة وتطبيق واسع ثري عميق على أبنية الأفعال وأبنية الأسماء من صيغ واشتقاقات.
ومجمل القول في كتاب أدب الكاتب أنه كما قال ابن خلدون: واحد من الأصول الأربعة في تعليم الخاصة وما عداها فتبع لها وروفع منها.
هذا ولنا حديث مع كتاب الشعر والشعراء يأتي في مكانه عند الحديث عن كتب طبقات الشعراء.
стр. 113
الفصل الثالث: أبو حنيفة الدينوري: ... - ٢٧٢هـ
إن اسمه الحقيقي أحمد بن داود بن ونند، وهو منسوب إلى دينور في فارس وكنيته أبو حنيفة، وهو من معاصري ابن قتيبة، والجاحظ، ويعتبر واحدًا من أعلام رواد الفكر الإسلامي والتأليف في المكتبة العربية. وإذا كانت كتبه من حيث الكم لم تصل إلى مثل كتب الجاحظ أو ابن قتيبة، فإنها من ناحية الكيف قد نالت شهرة واسعة ومكانة رفيعة لما اتسمت به من العمق والإفاضة والثراء وحسن التناول، فضلًا عن التنوع الذي يدل على عقلية خصبة جعلت صاحبها في مكانة تزاحم مكانة الجاحظ عند صفوة العلماء، لقد كان أبو حنيفة نحويًّا لغويًّا مهندسًا منجمًا رياضيًّا راوية مؤرخًا، وله كتب عديدة سوف نذكرها بعد قليل، ولكن يبدو أن أهمها وأكثرها قيمة هو كتاب النبات، فما يكاد مؤرخ يذكر اسم أبي حنيفة إلا ويردف أنه صاحب كتاب النبات.
وأبو حنيفة من العلماء المسلمين الذين افتتن بهم أبو حيان التوحيدي وزكاهم على بخل فيه بتزكية الرجال. إنه يسأل الزبيدي اللغوي الأندلسي، وهو في مجلس أبي سعيد السيرافي الرأي في بلاغة كل من الجاحظ وأبي حنيفة صاحب النبات ويطلب حكمه من ذلك فيعتذر اللغوي الكبير عن إبداء الرأي بحجة أنه ليس أهلًا للموازنة بينهما، وأنه أحقر من أن يحكم لهما أو عليهما، فيلح عليه أبو حيان طالبا حكمه فيقول الزبيدي، أبو حنيفة أكثر ندارة، وأبو عثمان أكثر حلاوة، ومعاني أبي عثمان لائطة بالنفس سهلة في السمع ولفظ أبي حنيفة أعذب وأغرب وأدخل في أساليب العرب١.
стр. 114
أما أبو حيان الضنين بأحكامه في تقريظ الرجال فإنه يقول في هذا المجال: والذي أقول وأعتقد وآخذ به وأستهم عليه١ أني لم أجد في جميع من تقدم وتأخر غير ثلاثة أو اجتمع الثقلان على تقريظهم ومدحهم ونشر فضائلهم في أخلاقهم وعلمهم ومصنفاتهم ورسائلهم مدى الدنيا إلى أن يأذن الله بزوالها لما بلغوا آخر ما يستحقه كل واحد منهم، أحدهم أبو عثمان الجاحظ والثاني أبو حنيفة أحمد بن داود الدينوري فإنه من نوادر الرجال، جمع بين حكمة الفلاسفة وبيان العرب، له في كل فن ساق وقدم، ورواء وحكم وهذا كلامه في الأنواء يدل على حظ وافر من علم النجوم وأسرار الفلك. فأما كتابه في النبات فكلامه فيه في عروض كلام آبدي بدوي، وعلى طباع أفصح عربي. وأما العالم الثالث الذي قصد إليه أبو حيان، فهو أبو زيد البلخي. والذي نستشفه أن كتاب النبات ليس كتابًا في علم النبات كما فهم بعض الدارسين الذين ترجموا لأبي حنيفة، وإنما هو كتاب في اللغة عرض فيه للنبات كموضوع من موضوعات اللغة والأدب وليس كعلم تجربة واستقصاء.
لقد كان أبو حنيفة ذا ذاكرة حافظة واعية مطواعة ترفده في التو والساعة. وإن له مع محمد بن يزيد المبرد عالم زمانه في اللغة والأدب نادرة طريفة تدل على قدر الرجل علمًا وحفظًا واستيعابًا، فقد ورد المبرد الدينوري زائرًا لعيسى بن ماها، فأول ما دخل عليه سأله عيسى عن الشاة المجثمة التي نهى النبي ﷺ عن أكل لحمها، فأجاب المبرد: هي الشاة القليلة اللبن مثل اللجبة، فقال عيسى: هل من شاهد؟ فقال: نعم، قول الراجز.
لم يبق من آل الحميد نسمة ... إلا عنيز لجبة مجثمه
ولم يكد المبرد ينتهي من إجابته حتى كان الحاجب يستأذن لأبي حنيفة، فلما دخل قال له عيسى: أيها الشيخ، ما الشاة المجثمة التي نهينا عن أكل لحمها؟ فقال: هي التي جثت على ركبها وذبحت من خلف قفاها. فقال: كيف تقول وهذا شيخ العراق -يعني المبرد- يقول: هي مثل اللجبة وهي القليلة اللبن وأنشده البيتين، فقال أبو حنيفة: أيمان البيعة تلزم أبا حنيفة إن كان هذا التفسير سمعه هذا الشيخ أو قرأه، وإن كان هذان البيتان إلا لساعتهما. فقال المبرد: صدق الشيخ أبو حنيفة، فإني أنفت أن أرد عليك من العراق وذكري ما قد شاع، فأول ما تسألني عنه لا أعرفه.
تلك مقارعة بديهة مع شيخ عظيم هو المبرد صاحب التآليف الباهرة في الأدب واللغة والنحو، وصاحب واحد من أعظم كتب الأدب قيمة ووزنًا هو "الكامل" الذي يعتبره ابن خلدون واحدًا من أعظم أربعة كتب تعلم الأدب.
стр. 115
فأما مؤلفات أبي حنيفة فقد ذكر له ياقوت الحموي تسعة عشر مؤلفًا في موضوعات متفرقة تدل على سعة محصول الرجل ونباهة شأنه واتساع أفق تخصصه، بحيث ألف في اللغة والأدب والتاريخ والحساب والجبر والبلدان والمنطق والفلك والتفسير. فمن كتب أبي حنيفة: الشعر والشعراء، الفصاحة، ما تلحن فيه العامة، النبات -الذي يقول عنه ياقوت إنه لم يصنف في معناه مثله- الأنواء، حساب الدور، البحث في حساب الهند، الجبر والمقابلة، نوادر الجبر، الجمع والتفريق، القبلة والزوال، الكسوف، البلدان، إصلاح المنطق، الأخبار الطوال، تفسير القرآن.
ولقد طبع له كتاب الأخبار الطوال الذي اهتم فيه بأخبار الأقدمين من عرب وعجم حتى عهد المعتصم، وبين يدينا مخطوطة للمجلد الخامس من كتابه: النبات.
стр. 116
الفصل الرابع: أبو العباس المبرِّد ٢١٠ - ٢٨٦ هـ:
إن اسمه كاملًا محمد بن يزيد بن عبد الأكبر الثمالي الأزدي، وكنيته أبو العباس، وشهرته المبرد، وهو عالم جليل في الأدب والأخبار واللغة والنحو، مولده في البصرة، وحياته ووفاته في بغداد، ولقد ارتبط اسم المبرد بكتابه الكامل ارتباط الجاحظ بالبيان والتبيين والحيوان، وارتباط ابن قتيبة بأدب الكاتب وعيون الأخبار، وارتباط أبي حنيفة الدينوري بالنبات والأخبار الطوال، وكان أبو العباس لفرط علمه يلقب بشيخ أهل النحو وحافظ علم العربية، وهو بهذا اللقب جدير؛ لفضله وسعة علمه وعلو كعبه، وكان يوصف بالفضل والثقة في الرواية وحسن المحاضرة والأخبار المليحة والنوادر الكثيرة١.
وإذا كان لكل نابه حساد ولكل فاضل كائدون، فقد كان للمبرد كثير من الحساد والكائدين الذين يشهرون به ويتصيدون له الهفوات وينشرونها على الناس ويبالغون فيها، وربما كان للمبرد بعض الكبوات التي اضطر للوقوع فيها مثل قصته مع عيسى بن ماهان التي مر ذكرها في الحديث عن أبي حنيفة الدينوري، وهناك قصة أخرى تنسب إليه في مجال اختراع الإجابات غير الصحيحة، فقد سأله بعض تلاميذه: ما القبعض؟ وهي كلمة لا معنى لها فأجاب. القطن، ثم اخترع في الحال شاهدًا من أشعار العرب هو قول أعرابي:
كأن سنامها حشي القبعضا
فقال السائل لإخوانه: هو ذا ترون الجواب والشاهد، إن كان صحيحًا فهو عجيب، وإن كان اختلق الجواب وعمل الشاهد في الحال فهو أعجب، وهذه الطرفة وما حوت من
стр. 117
فكاهة تذكرنا بأخت لها هي طرفة الخنفشار.
ولعل مثل هذه الكبوات هي التي كانت تجعل المبرد هدفًا لسهام بعض خصومه فيصوبون نحوه بعض قذائف الهجاء مثل قول أحمد بن أبي طاهر المعروف بابن طيفور:
كثرت في المبرد الآداب ... واستقلت في عقله الألباب
غير أن الفتى كما زعم النا ... س دعي مصحف كذاب
والمبرد كما ذكرنا، وكما يخبر عنه ابن خلكان كثير الأمالي حسن النوادر، وقد كان يتردد على مواضع المجانين، وله في ذلك حوار طريف جرى بينه وبين مجنون أديب وهو حين يروي قصته مع ذلك المجنون ويردد حواره معه يذكرنا بفكاهة الجاحظ وخفة روحه وطريف مفاجآته١.
ومن أماليه الطريفة أن أبا جعفر المنصور ولى رجلًا على الإشراف على العميان والأيتام والقواعد من النساء اللواتي لا أزواج لهن فدخل على هذا المتولي بعض المتخلفين ومعه ولده فقال له: إن رأيت أصلحك الله أن تثبت اسمي مع القواعد، فقال له المتولي: القواعد نساء فكيف أثبتنك فيهن؟ فقال: ففي العميان، فقال: أما هذا فنعم، فإن الله تعالى، يقول: ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ فقال: وتثبت ولدي في الأيتام، فقال: وهذا أفعله أيضًا فإنه من تكن أنت أباه فهو يتيم. فانصرف عنه وقد أثبته في العميان وأثبت ولده في الأيتام.
وفي مجال خفة الروح وفكاهة النادرة يقول المبرد: ما تنادر أحد علي ما تنادر به سذاب الوراق، فإني اجتزت يومًا به وهو جالس بباب داره، فقال لي: إلى أين؟ ولاطفني وعرض علي القرى، فقلت له: ما عندك؟ فقال: عندي أنت وعليه أنا، يشير إلى اللحم المبرد بالسذاب.
وللطف المبرد وعذب حديثه وحلو نادرته وكرم وفادته قال فيه أحمد بن أبي طاهر متفكها وكان قد نزل عليه ضيفًا في يوم ما:
ويوم كحر الشوق في الصدر والحشا ... على أنه منه أحر وأومد
ظللت به عند المبرد ثاويًا ... فما زلت في ألفاظه أتبرد٢
стр. 118
ولعل المبرد من الأدباء الكبار القليلين الذين لم يتولوا مناصب رسمية، وكان الشعراء يمدحونهم لفضلهم وعلمهم، فمن الأبيات التي مدح بها المبرد قول أحد الفتيان:
وإذا يقال من الفتى كل الفتى ... والشيخ والكهل الكريم العنصر
والمستضاء بعلمه وبرأيه ... وبعقله قلت: ابن عبد الأكبر
وكان أبو العباس المبرد، وأبو العباس ثعلب متعاصرين يعيشان في بغداد، وكلاهما عالم جليل، وبخاصة في علوم النحو واللغة، وكان المبرد إمام البصريين وثعلب إمام الكوفيين، وكان ثعلب على علمه الوفير وفضله الكثير يأبى الاجتماع بالمبرد، ويهرب من ملاقاته ويتفادى مناظرته ويكره لقاءه. فسئل أبو عبد الله الدينوري ختن ثعلب وصديقه: لماذا يأبى ثعلب الاجتماع بالمبرد؟ فأجاب: لأن المبرد حسن العبارة حلو الإشارة فصيح اللسان ظاهر البيان، وثعلب مذهبه مذهب المعلمين، فإذا اجتمعا في محفل حكم للمبرد على الظاهر إلى أن يعرف الباطن١.
ومن واقع هذا الحال كان الشعراء إذا مدحوا المبرد انطلقوا من موقع مقارنته بأبي العباس ثعلب وتفضيله عليه، فإذا كان ثعلب في الأصل فاضلًا عالمًا كان في تفضيل المبرد عليه قرينة تمجيد وتكريم. فمن المدائح التي مدح بها المبرد وتسير في هذا المضمار قول أحد الشعراء٢:
رأيت محمد بن يزيد يسمو ... إلى العلياء في جاه وقدر
جليس خلائق وعدي ملك ... وأعلم من رأيت بكل أمر
وفتيانية الظرفاء فيه ... وأبهة الكبير بغير كبر
وينثر إن أجال الفكر درًّا ... وينثر لؤلؤًا من غير فكر
وقالوا ثعلب رجل عليم ... وأين النجم من شمسٍ وبدرِ
стр. 119
وقالوا ثعلب يملي ويفتي ... وأين الثعلبان من الهزبر
ولقد أكثر الشعراء من القول في تفضيل المبرد على ثعلب، غير أن ذلك لا يحط من قدر ثعلب حتى إن بعض المنصفين من معاصريهما قد عرفوا قدرهما مجتمعين وأسبغا على كليهما من صفات التمجيد ما هما أهل له. فمن ذلك قول أبي بكر بن أبي الأزهر:
أيا طالب العلم لا تجهلن ... وعذ بالمبرد أو ثعلب
تجد عند هذين علم الورى ... فلا تك كالجمل الأجرب
علوم الخلائق مقرونة ... بهذين في الشرق والمغرب
وحين مات المبرد بكاه ثعلب وبكى نفسه معه قائلًا١:
مات المبرد وانقضت أيامهُ ... وسينقضي بعد المبرد ثعلبُ
بيت من الآداب أصبح نصفهُ ... خربًا وباقي نصفه فسيخربُ
على أن ابن خلكان ينسب هذين البيتين مع بقية لهما إلى أبي بكر الحسن بن علي المعروف بابن العلاف ويورد الأبيات على النحو التالي٢:
ذهب المبرد وانقضت أيامه ... وليذهبن إثر المبرد ثعلب
بيت من الآداب أصبح نصفه ... خربًا وباقي بيتها فسيخرب
فابكوا لما سلب الزمان ووطنوا ... للدهر أنفسكم على ما يسلب
وتزودوا من ثعلب فبكأس ما ... شرب المبرد عن قريب يشرب
وأرى لكم أن تكتبوا أنفاسه ... إن كانت الأنفاس مما يكتب
لقد كانت شخصية المبرد إذن شخصية جذابة سمحة مفعمة بالعلم فياضة بالفضل، ولقد
стр. 120
ترك المبرد عددًا غير قليل من المؤلفات النادرة مثل الكامل، والمذكر والمؤنث، والمقتضب، والتعازي والمراثي، وشرح لامية العرب، وإعراب القرآن، وطبقات النحاة البصريين وأخبارهم، ونسب عدنان وقحطان، والمقرب والروضة. وهذا الكتاب الأخير يقع -فيما يذكر ابن خلكان- في ثلاثة دفاتر كبار، وكان المبرد قد أهداه إلى محمد بن نصر ابن بسام، ولما تصفح علي بن محمد بن نصر بن بسام هذا الكتاب أخذ دواة وكتب على ظهر أحد الدفاتر هذين البيتين الفكهين مداعبًا المبرد:
لو برا الله المبرد ... من جحيم يتوقد
كان في الروضة حقًّا ... من جميع الناس أبرد
ومن كتب المبرد الأربعة والأربعين التي ذكرها له ابن النديم: الاشتقاق، الأنواء والأزمنة، القوافي، المقصور والممدود، الخط والهجاء، الحروف، المدخل إلى سيبويه، شرح شواهد سيبويه، الإعراب، احتجاج القراءة، الحث على الأدب والصدق، الممادح والمقابح، أسماء الدواهي عند العرب، الوشي، العروض، البلاغة، ما اتفقت ألفاظه واختلفت معانيه في القرآن، الفاضل والمفضول، أدب الجليس، أسماء الله تعالى.
هذا وإن كتب المبرد كما هو واضح من عناوينها تتنوع موضوعاتها بين الأدب والنوادر والأخبار واللغة والنحو والعروض والبلاغة والأنساب وتفسير القرآن والعلوم القرآنية والأخلاق.
على أن الذي نهتم له في هذا المقام من كتب المبرد هو كتابه: الكامل، لنفاسته واحتوائه كل ثمين من ألوان الثقافة وكل طريف من أبواب الأدب واللغة، وهو على ما أشرنا في صفحة سابقة درة أعمال المبرد وواحد من أنفس كتب العربية بحيث عده ابن خلدون واحدًا من أربعة كتب كبار لا غنى لطالب المعرفة والثقافة عن قراءتها.
كتاب الكامل منهجًا ومحتوى:
إن كتاب الكامل على نفاسته وتفرده بالغريب من الموضوعات يشبه البيان والتبيين للجاحظ من نواحٍ كثيرة، ويختلف عنه أيضًا في نواح عديدة، وهذا التشابه أو ذاك التباين لا ينالان من قدر الكتاب، وإنما هو المنهج المبكر الذي لم يكن يعتمد على الخطة والتبويب والالتزام بالموضوع الذي يعالجه الكاتب فضلًا عن الاستطراد ثم العودة إلى الموضوع مرة ثانية، كل ذلك كان سمة واضحة اتسم بها كل من البيان والتبيين، والكامل.
والكامل في جملته ومن خلال أجزائه الأربعة يضم ألوانًا من الثقافة العربية الأدبية والأخبارية والتاريخية واللغوية والنحوية والقرآنية. والمبرد نفسه يلخص منهج كتابه وهدفه
стр. 121
ومحتواه في هذه الكلمات المختصرة: "هذا كتاب ألفناه يجمع ضروبًا من الآداب، ما بين كلام منثور، وشعر مرصوف، ومثل سائر، وموعظة بالغة، واختيار من خطبة شريفة، ورسالة بليغة".
وإذا كان لنا أن نقدم منهج الكتاب بشيء من الإبانة فإننا نستطيع أن نقدمه على النحو التالي:
١- يضم الكتاب قدرًا كبيرًا من الآيات القرآنية الكريمة مفسرة تفسيرًا واضحًا متخذًا منها شواهد لغوية ونحوية، وهذه الآيات تزدان بها صفحات الكتاب في أجزائه الأربعة، وهي منتخبة من مائة واثنتي عشرة سورة.
٢- يضم الكتاب عددًا كبيرًا من الأحاديث النبوية الشريفة الصحيحة الإسناد ويأتي بكل حديث في مقام استشهاد بعينه.
٣- يحتوي الكتاب على عدد كبير من أمثال العرب يناهز خمسة وسبعين مثلًا مع ذكر أصل المثل والمناسبة التي يقال فيها "ج ١/ ٢٠٥" وصفحات أخرى.
٤- الكتاب مفعم في أجزائه الأربعة بنماذج عديدة من خطب العرب في مختلف العصور حتى العصر الذي عاش فيه، من جاهلية ومن خطب للرسول وللخلفاء الراشدين، وملوك بني أمية وعمالهم، وزعماء الخوارج وبعض ملوك بني العباس، وهو في ذلك قريب من منهج الجاحظ كثيرًا.
٥- عمد المبرد إلى الإكثار من "أخبار الحكماء" مع ذكر أقوالهم، وقد حرص على أن يكرر هذا الموضوع تحت عنوان "نبذ من أخبار الحكماء" على مسرى صفحات الكتاب، وفي مقدمة هؤلاء الحسن البصري، وأسماء بن خارجة، والأحنف بن قيس فضلًا عن حكماء آخرين كثيرين مغمورين.
٦- اهتم المبرد بالشعر وبالشعراء اهتمامًا كثيرًا، فهو يورد الكثير من أخبار الشعراء ونماذج من أشعارهم. ويركز أحيانًا على شاعر بعينه أو موضوع معين من موضوعات الشعر.
فمن موضوعات الشعر التي اهتم بها كثيرًا وأورد فيها نصوصًا عديدة شعر المديح والفخر والهجاء والحكم. وأفرد للخمر دراسة مفصلة، مجموعة حينًا١ "ج ١/ ١٢٣ - ١٢٦" ومفرقة حينًا آخر في أجزاء الكتاب. وفي الرثاء أورد نماذج فريدة في رثاء الصديق والأخ والابن٢ "ج ١/ ٢٥٩ - ٢٦١".
стр. 122
ومن الشعراء الذين أولاهم اهتمامًا أكثر من غيرهم الفرزدق، أخبارًا وأشعارًا، وهو يوردها مجتمعة حينًا١ ومتفرقة أحيانًا أخرى في أجزاء الكتاب.
ومن الشعراء المولدين اهتم المبرد كثيرًا ببشار وأبي العتاهية، ومحمود الوراق وأبي نواس وصالح بن عبد القدوس ودعبل وأبي عيينة، وهو حين يورد شواهد من أشعارهم يقرنها بالاستحسان أو الاستهجان، بحيث يتخذ منهم موقف الناقد النابه الدقيق الأحكام.
ولا ينسى المبرد أن يعرض لبعض شاعرات العرب النابهات من أمثال الخنساء وليلى الأخيلية ويأتي ببعض أخبارهن ونماذج من أشعارهن.
٧- يهتم المبرد على مسرى صفحات كتابه اهتمامًا بالغًا بموضوعات البلاغة العربية في صورها المختلفة، فيقدم على سبيل المثال دراسة مستفيضة للتشبيه مصحوبة بشواهد عديدة لشعراء قدامى ومحدثين٢. ويعالج موضوع المجاز القرآني مستشهدًا بالعديد من آيات الكتاب العزيز على مسرى صفحات الكتاب في مختلف أجزائه.
٨- ولما كان النحو يحتل المكانة الأكثر أهمية في كتاب الكامل، فالمؤلف كما نعرف أحد كبار أئمة المدرسة البصرية في النحو، فإن المبرد يعالج الكثير من الموضوعات النحوية عن طريق تناول موضوع بعينه أو عن طريق الإعراب، فأما عن الإعراب فإن العين لا تخطئه في أكثر صفحات الكتاب، وأما عن الموضوعات النحوية فيمكن مراجعة موضوع لام الاستغاثة ولام الإضافة٣، وباب فعل٤ بفتح الفاء وضم العين، وباب النسب إلى المضاف٥ وغير ذلك من موضوعات نحوية متفرقة.
٩- الكتاب مليء بالأخبار الأدبية والتاريخية والوثائق التي تهم كل ساعٍ إلى توسيع آفاقه الثقافية في نطاق المعرفة الإسلامية والثقافة العربية، مثل ذلك أخبار الصحابة وأقوالهم، وأخبار الخوارج وسلوكهم وعقيدتهم وحروبهم وفرقهم وأدبهم بشكل موسع استحوذ على أكثر من نصف الجزء الثالث من الكامل، كما اهتم المبرد بشخصية الحجاج بن يوسف وبعض بني المهلب من عمال بني أمية.
ومن الوثائق الهامة التي جاء بها الكتاب فضلًا عن وثائق الخوارج تلك الرسائل النفيسة التي تبودلت بين أبي جعفر المنصور ومحمد النفس الزكية.
стр. 123
على أن الأمر الجدير بالذكر أن المبرد قد أفسح في كتابه مكانًا رحيبًا لأقوال الصحابة وتعاليمهم، وبخاصة النفيس الرفيع من أقوالهم مثل حديث أبي بكر في مرضه لعبد الرحمن بن عوف١، ورسالة عمر في القضاء إلى أبي موسى الأشعري، وهي دستور قضائي خالد ليس له مثيل في الدساتير الحديثة٢، وكتاب عثمان بن عفان إلى علي بن أبي طالب حينما أحيط به وحوصر في منزله٣.
١٠- يكثر المبرد من القضايا اللغوية درسًا وتناولًا وشواهد في مختلف صفحات الكتاب، وهو يشرح كل نص يأتي به سواء أكان هذا النص شعرًا أم نثرًا، وهو في شرحه يتحرى الدقة والعمق والتفريع وإظهار حسن الكلام وقبيحه بحيث تبدو الصفة اللغوية للكتاب ماثلة في ذهن القارئ وخاطره من أول الكتاب إلى آخره.
١١- هذا وقد مر بنا أن المبرد خفيف الروح عذب الفكاهة سريع العارضة، ومن ثم فهو يوشح كتابه بنكة طريفة أو فكاهة مليحة بين الحين والحين، ولعله كان يعمد إلى ذلك عمدًا حتى يسري عن القارئ الذي ربما تساوره مشاعر الملل أو تستولي عليه إمارات السأم لجدية ما يقرأ من أبواب الكتاب. والمبرد هنا متشبه بالجاحظ إما عمدًا أو بغير قصد.
والمبرد يسوق طرائفه نثرًا حينًا وشعرًا حينًا آخر، وبعض هذه الطرائف يرتبط ببعض الأعلام الكبار، فمن ذلك أن أبا بكر ولى يزيد بن أبي سفيان قسمًا من أقسام الشام، فرقي المنبر فتكلم فارتج عليه، فاستأنف فارتج عليه، فقطع الخطبة، فقال: سيجعل الله بعد عسر يسرًا، وبعد عيٍّ بيانًا، وأنتم إلى أمير فعال أحوج منكم إلى أمير قوال.
ومن الطرائف العامة التي يسوقها المبرد في مقام الأخبار أنه كان في الرقة قاصٌّ يكنى أبا عقيل يكثر التحدث عن بني إسرائيل فيظن به الكذب، فقال له يومًا الحجاج بن حنتمة: ما كان اسم بقرة بني إسرائيل؟ فأجاب القاص: حنتمة، فقال له رجل من ولد أبي موسى الأشعري: في أي الكتب وجدت هذا؟ قال: في كتاب عمرو بن العاص، والطرف النثرية التي يرصع بها المبرد كاملة كثيرة وفيرة.
ومن الطرف الشعرية التي يأتي بمثلها المبرد بين الحين والحين ما ينسبه إلى أبي العالية:
стр. 124
سل المفتي المكي هل في تزاور ... ونظرة مشتاق الفؤاد جناح
فقال: معاذ الله أن يذهب التقى ... تلاصق أكباد بهن جراح
أو ما ينسبه إلى بعض المحدثين:
تلاصقنا وليس بنا فسوق ... ولم يرد الحرام بنا اللصوق
ولكن التباعد طال حتى ... توقد في الضلوع بنا حريق
فلما أن أتيح لنا التلاقي ... تعانقنا كما اعتنق الصديق
وهل حرجًا تراه أو حرامًا ... مشوق ضمة كلف مشوق
وكل طرائف المبرد الشعرية على فكاهتها، لا تخدش حياء، ولا تخرج عن جادة الحديث المنعش المشروع.
١٢ - هذا والكتاب مليء من أوله إلى آخره بالأخبار القصيرة الكيسة، المتسمة بالحكمة، الفريدة في غرابتها ومدلولها وهدفها، المتصلة بأعلام العرب والمسلمين، بحيث تشكل زادًا علميًّا، ورصيدًا ثقافيًّا، وخلفية تاريخية لكل من يقرأ الكتاب. هذا فضلًا عن الموضوعات التي عمد المبرد عمدًا إلى تناولها، وقصد قصدًا إلى علاجها، بحيث يجعل من كتابه واحدًا من أنفس كتب العربية وأمتعها على زمانه وإلى أزمان أخرى تالية يثقف النفس ويهذب الروح ويصقل العقل، ويوسع الأفق وينمي في الإنسان ملكة حب المعرفة وتعشق قضايا حصيلة التراث القومي.
стр. 125
الفصل الخامس: أبو العباس ثعلب: ٢٠٠ - ٢٩١هـ
إن الحديث عن المبرد يدفع بنا -دون شك- إلى الحديث عن ثعلب فهما علمان من أعلام العربية متعاصران، وكان فرسي رهان وكل منهما صاحب مذهب وإمام مدرسة؛ فالأول زعيم البصريين، والثاني زعيم مدرسة الكوفيين في مجال علوم النحو واللغة، ولقد ألممنا بأطراف غير قليلة من أخبار ثعلب ونحن نعرض لحياة المبرد وأخباره.
وثعلب مجرد صفة شهرة للعالم الجليل أبي العباس، أحمد بن يحيى بن زيد بن سيار الشيباني بالولاء، اللغوي النحوي، المحدث الراوية الثقة الحافظ الواسع بحار العلم، العميق الإلمام بلغة العرب وأسرارها، صاحب الأبحاث النفسية والتآليف الجليلة.
لقد كان ثعلب -فيما تروي كتب التراجم- مقدمًا عند الشيوخ منذ هو حدث، وكان ابن الأعرابي على جلال قدره في اللغة إذا شك في شيء قال له: ما تقول يا أبا العباس في هذا؟ ثقة بعلمه واطمئنانًا لغزارة حفظه١.
لقد نشأ أبو العباس ثعلب في رحاب علوم العربية منذ أن كان حدثًا صغيرًا، وأعد نفسه لتحمل أعباء موضوعاتها وقضاياها منذ وقت مبكر، إنه يقول٢: ابتدأت في طلب العربية سنة ست عشرة ومائتين -أي وعمره ست عشرة سنة- ونظرت في "حدود" الفراء وسني ثماني عشرة سنة، وبلغت خمسًا وعشرين سنةً وما بقيت علي مسألة للفراء إلا وأنا أحفظها. فإذا عرفنا أن الفراء -ولنا معه وقفة في فصل التأليف في اللغة- كان يلقب بأمير المؤمنين
стр. 126
في النحو استطعنا أن نستنتج مدى اجتهاد ثعلب وتوفره على النحو وعلوم اللغة دراسة وحفظًا وتحصيلًا واستيعابًا ولما يشب له قرن بعد، إن ثعلبًا تتلمذ على كثير من الأعلام وسمع من عديد من العلماء مثل محمد بن سلام الجمحي، ومحمد بن زياد بن الأعرابي وعلي بن المغيرة الأثرم، وسلمة بن عاصم، وعبيد الله بن عمر القواريري، والزبير بن بكار -وكلهم صفوة رجال العلم والمعرفة على زمانهم. وإذا كان ثعلب تلميذًا لهؤلاء الأعلام نهل من علمهم وارتوى من فضلهم، فإنه بدوره قد خلف مجموعة من التلاميذ الأعلام الذين كانوا غرة في جبين العلم ورووا عنه وتتلمذوا على يديه من أمثال علي بن سليمان الأخفش، وأبي بكر الأنباري، وأبي عمر الزاهد، وعبد الرحمن بن محمد الزهري وغيرهم١.
وكانت التقوى والصلاح صفتين بارزتين من صفات ثعلب، ومن أحق بالتقوى والصلاح من العلماء! وربما تمنى في قرارة نفسه أن يكون متبحرًا في علوم الدين مشتغلًا بالقرآن متفرغًا للحديث أكثر من تفرغه لعلوم اللغة، وقد أثر عنه أنه كان يقول لأبي بكر بن مجاهد أحد شيوخ القراء المشهورين: يا أبا بكر، اشتغل أصحاب القرآن بالقرآن ففازوا، واشتغل أصحاب الحديث بالحديث ففازوا، واشتغل أصحاب الفقه بالفقه ففازوا، واشتغلت أنا بزيد وعمرو، فليت شعري ماذا يكون حالي في الآخرة؟!! ٢.
ومن ثم فإن أبا بكر بن محمد التاريخي كان يقول: أحمد بن يحيى ثعلب أصدق أهل العربية لسانًا، وأعظمهم شأنًا، وأبعدهم ذكرًا، وأرفعهم قدرًا، وأوضحهم علمًا، وأرفعهم حلمًا، وأثبتهم حفظًا، وأوفرهم حظًّا في الدين والدنيا٣.
وكثيرًا ما كان ثعلب يترجم عن صلاح حاله وتقواه في أبيات من الشعر الذي كان يتعاطاه بين الحين والحين، فمن عذب إنشاده في هذا المقام قوله٤:
إذا أنت لم تلبس لباسًا من التقى ... تقلبت عريانًا وإن كنت كاسيا
وينسب إليه أيضًا هذا الشعر الحكيم٥:
إذا كنت قوت النفس ثم هجرتها ... فكم تلبث النفس التي أنت قوتها
стр. 127
ستبقى بقاء الضب في الماء أو كما ... يعيش ببيداء المهامه حوتها
وكان ثعلب على صفاء روحه وتخشعه عاقلًا أدبيًا حكيمًا تجري الحكمة على لسانه ذلولًا، وتتدفق من فيض خاطره صافية، لعلها حكمة السنين وخبرة الحياة الطويلة، فقد عمر هذا العالم الجليل ما ينوف على تسعين عامًا. ولم يمت حتف أنفه وإنما صدمته فرس ألقته في هوة أودت بحياته، يقول ثعلب في مقام الحكمة١:
إذا ما شئت أن تبلو صديقًا ... فجرب وده عند الدراهم
فعند طلابها تبدو هنات ... وتعرف ثَمَّ أخلاق الأكارم
وأبو العباس ثعلب لجلال قدره كان موضع التكريم والتبجيل من الشعراء وكثيرًا ما قالوا فيه شعرًا جميلًا مديحًا في حياته ورثاء بعد مماته، ولقد مر بنا في صدر الحديث عن ثعلب أنه شيباني بالولاء، وكان معاصرًا لأبي الصقر إسماعيل بن بليل الشيباني وزير الموفق العباسي، وكان بينهما صداقة ومودة وحسن معاشرة، الأمر الذي جعل الشاعر يمدحهما قائلًا:
فيا جبلي شيبان لا زلتما لها ... حليفي فخار في الورى وتفضل
فهذا ليوم الجود والسيف والقنا ... وأنت لبسط العلم غير مبخل
عليك أبا العباس كل معول ... لأنك بعد الله خير معول
فككت حدود النحو بعد انغلاقه ... وأوضحته شرحًا وتبيان مشكل
فكم ساكن في ظل نعمتك التي ... على الدهر أبقى من ثبير ويذبل
فأصبحت للإخوان بالعلم باعثًا ... وأخصبت منه منزلًا بعد منزل
стр. 128
ويعجب الأمير الأديب الكاتب الشاعر الناقد الفنان عبد الله بن المعتز بفضل ثعلب وعلمه فيكتب إليه مادحًا مطريًا، هذه الأرجوزة الطريفة:
ما وجد صاد في الحبال موثق ... بماء مزن بارد مصفق
بالريح لم يطرق ولم يزنق ... جادت به أخلاف دن مطبق
في صخرة لم تر شمسًا تبرق ... فهو عليها كالزجاج الأزرق
صريح غيث خالص لم يمذق ... إلا كوجدي بك لكن أتقي
يا فاتحًا لكل باب مغلق ... وصيرفيًّا ناقدًا للمنطق
إن قال: هذا بهرج لم ينفق ... إنا على البعاد والتفرق
لنلتقي بالذكر إن لم نلتق
هذا والحديث عن علم ثعلب يجر دائمًا إلى ما كان بينه وبين المبرد من وشائج تتسم بالدعابة حينًا، وبالمنافسة والمنافشة حينًا آخر، بحيث اختلف العامة في شأنهما، أما العقلاء فقد عرفوا قدر كل واحد منهما، وأولوه ما هو جدير به من تكريم وتقدير، فمن العامة من كان يحاول الوقيعة بين العالمين الجليلين، فهذا واحد من جمهرة الناس المشغوفين بإشعار نار الخلاف بين كل من المبرد وثعلب يذهب إلى الأخير في داره ويقول له: يا أبا العباس، قد هجاك المبرد، فيقول له: بماذا؟ فيردد الرجل قولًا منسوبًا إلى المبرد ربما كان المبرد منه بريئًا:
أقسم المبتسم العذب ... ومشتكى الصب إلى الصب
لو كتب النحو عن الرب ... ما زاده إلا عمى القلب
فيجيب ثعلب بأبيات فكهة جرت على لسان أبي عمرو بن العلاء١:
شاتمني عبد بني مسمع ... فصنت عنه النفس والعرضا
ولم أجبه لاحتقاري له ... ومن يعض الكلب إن عضا؟
стр. 129
وأما المنصفون من الصفوة فكانوا لا يفرقون بين فضل العالمين الجليلين، فهذا عالم كبير مثل أبي عمر محمد بن عبد الواحد يسأل عالمًا آخر هو أبو بكر السراج: أي الرجلين أعلم، أثعلب أم المبرد؟ فيتحير في إجابته ثم يردف قائلًا: ما أقول في رجلين العالَم بينهما١؟
وإذا كان بعض الناس يحكم للمبرد على ثعلب إذا تناظرا لحضور بديهة الأول وسرعة سياقه للنكتة واعتماده على الطرفة في حواره، فإن المبرد نفسه يشهد لثعلب على سائر الكوفيين بقوله: أعلم الكوفيين ثعلب٢.
هذا والأخبار تذهب إلى أن ثعلبًا كان أوفر أمانة وأكثر ثقة في علمه من المبرد، وكان لا يتحرج من قول "لا أدري" إذا ما ووجه بمسألة لا يعرف جوابها، على عكس المبرد الذي كان يخجل من أن يعترف بجهله إذا سئل عن مسألة غريبة عليه، وكان يسارع إلى وضع إجابة يضعها وضعًا، وقد مرت بنا قصته مع عيسى بن ماهان، وقصة "القبعض" أما ثعلب فقد سأله سائل ذات مرة عن مسألة لا يعرفها فقال: لا أدري، فقال له السائل: أتقول لا أدري وإليك تضرب أكباد الإبل، وإليك الرحلة من كل بلد؟ قال له أبو العباس ثعلب: لو كان لأمك بعدد ما لا أدري بعر لاستغنت. تلك في حقيقتها أخلاق العلماء، فإن العالم الذي يحيط بكل شيء علمًا لم يخلق بعد إلا أن يوحى إليه في زمان توقف فيه الوحي وطويت الصحف٣.
فأما كتب ثعلب ومؤلفاته فهي عديدة نفيسة القدر جليلة الفائدة، وهي صورة دقيقة لعلم الرجل وغزارة مادته وفيض عطائه. لقد أحصى المترجمون له أربعة وعشرين كتابًا، طبع منها عدد غير قليل لعل أهمها المجالس ويقع في جزءين، والفصيح، وقواعد الشعر، ومعاني الشعر، وشرح ديوان زهير، وشرح ديوان الأعشى، ومعاني القرآن، وإعراب القرآن، وما تلحن فيه العامة، والشواذ. ومن تصانيفه أيضًا: كتاب المصون، واختلاف النحويين والقراءات، والتصغير، وما ينصرف وما لا ينصرف، والأمثال، والأيمان والدواهي، والوقف والابتداء، والألفاظ، والهجاء، والأوسط، والمسائل، وحد النحو، تفسير كلام ابنه الخسي، استخراج الألفاظ من الأخبار، ما يجزئ وما لا يجزئ٤.
إنه رصيد من الكتب نفيس تركه العالم الجليل أحمد بن يحيى بن زيد بن سيار الشيباني
стр. 130
المعروف بثعلب، أسهم به مبكرًا في تكوين المكتبة العربية خلال القرن الثالث الهجري.
وما دام "الفصيح" و "المجال" قد قدما للعقل العربي الكثير من النفع والنفيس من العلم، فإن ذلك يقتضينا التعريف بكل منهما والقدر الذي ناله من اهتمام العلماء على مر الزمان.
فأما "الفصيح" فهو أكثر كتبه إثارة وأشهرها بين جمهرة العلماء الدارسين، ونال اهتمامًا خاصًّا بين نقد وتجريح وإطراء وتمجيد منذ أن ظهر حتى اليوم. ولقد توفر عليه صفوة علماء القرون درسًا وشرحًا وتعليقًا وتذييلًا من أمثال أبي علي الفارسي وأبي الفتح بن جني، وأبي القاسم الزجاجي، وأحمد بن محمد المرزوقي، وأبي البقاء العكبري، وأبي سهل الهروي.
وفي كثير من الأحيان كانت تصدر الكتب حول دراسته في زمن واحد تقريبًا، فأبو علي الفارسي وأبو الفتح بن جني متعاصران والثاني تلميذ الأول، وبين وفاة الثاني والأول ثلاث سنوات، ومع ذلك فقد شغل الفصيح كلا منهما بحيث إن أبا علي أخرج كتابًا سماه "الفصيح" ثم أتبعه بكتاب آخر أسماه "تمام الفصيح" وكلاهما مرتبط كل الارتباط بفصيح ثعلب.
والأمر لا يختلف كثيرًا عند الزجاجي والمرزوقي فقد شرحه كل منهما على تعاصرهما، فالأول توفي سنة ٤١٥هـ والثاني توفي سنة ٤٢١.
ولم يقتصر الاهتمام "بفصيح" ثعلب عند العلماء المشارقة وحدهم، وإنما كان موضع اهتمام كثير من أعلام علماء الأندلس مثل أبي محمد عبد الله بن محمد البطليوسي، وعمر بن محمد القضاعي البلنسي، وأحمد بن عبد الجليل بن عبد الله التدميري، وأبي جعفر أحمد بن يوسف المعروف بأبي جعفر الفهري اللبلي، إن هؤلاء العلماء الأندلسيين عاشوا جميعًا في القرنين الخامس والسادس الهجريين وتنقلوا بين الأندلس والمغرب وقاموا على تأليف دراسات وشروح لفصيح ثعلب. والأخير منهم ترك شرحين للفصيح وليس شرحًا واحدًا. بل إن بين العلماء الأندلسيين من نظم الكتاب وسماه "الموطأة" وهو أبو الحكم مالك بن عبد الرحمن المعروف بابن المرحل المتوفى سنة ٦٩٩هـ. ومن الطريف أن هذه الموطأة قد احتاجت بدورها إلى شرح فقام على ذلك العمل محمد بن الطيب الفاسي المتوفى في المدينة المنورة سنة ١١٧٠ وهو أستاذ الزبيدي صاحب تاج العروس. ولقد احتل شرح ابن الطيب لموطأة الفصيح مجلدين كبيرين لا يزالان مخطوطين.
ومن الطريف أن بعض الخطاطين والعلماء كانوا يتكسبون من توفرهم على نسخ كتاب الفصيح وبيعه، ومن هؤلاء على سبيل المثال العالم اللغوي يحيى بن محمد الأزدي الذي كان يذهب إلى سوق الكتب في بغداد كل عصر فلا يقوم من مجلسه حتى يكتب الفصيح
стр. 131
لثعلب ويبيعه بنصف دينار١.
هذا وإنه لمن الأهمية بمكان أن نذكر أن عددًا من الأخبار والنصوص والنوادر متشابه أو متطابق في كل من "الكامل" للمبرد، "والمجالس" لثعلب "والمنثور والمنظوم" لابن طيفور الذي سوف يأتي حديثه بعد قليل.
وأما كتاب "المجالس" فإن حديثنا عنه سوف يكون عند تقديم ودراسة كتب "الأمالي" في الفصل الخاص بهذا النهج من الكتب.
стр. 132
الفصل السادس: أحمد بن أبي طاهر "ابن طيفور "
...
الفصل السادس: أحمد بن طيفور ٢٠٤-٢٨٠هـ:
إن أحمد بن أبي طاهر المشهور بابن طيفور واحد من سدنة المكتبة العربية الذين أسهموا في إثرائها بالعديد من الكتب النفيسة والمؤلفات القيمة في بكرة نشأتها الفنية الغنية المباركة، وهو معاصر للنخبة الممتازة من أعلام الفكر الإسلامي ورواد المعرفة العربية مثل ابن قتيبة الدينوري المتوفى ٢٧٦ وأبي حنيفة الدينوري المتوفى ٢٨٢هـ وأبي العباس المبرد المتوفى ٢٨٦، وأبي العباس ثعلب المتوفى ٢٩١. لقد كان عصرًا فنيًّا من عصور دنيا المعرفة والفكر والتأليف بحيث يحار المرء في تقويمه، وما إذا كان عصر طفولة التأليف أم عصر شبابه، وإن الأمر يكاد يشتبه على القارئ الدارس المستقصي، فإذا كان لكل ظاهرة متطورة طفولة ويفاع وشباب وهرم وشيخوخة، فإنه في ضوء المقاييس المنطقية تكون هذه الفترة التي نحن بسبيل الحديث عنها فترة الطفولة أو على الأكثر فترة البقاع. فإذا أمعنا النظر في كثرة التآليف ووفرة الآثار العلمية ونفاسة قيمتها وعمق تناولها لا نتردد في الحكم على تلك الفترة إلا بأنها فترة شباب للمعرفة الإسلامية، ذلك الشباب الذي بدأ يغير طفولة ثم استمر حقبة من الزمان طويلة تفوق شباب معرفة أي أمة من أمم الأرض ذات الحضارة العقلية والتراث الإنساني.
وإذا كان أبو العباس المبرد العالم الجليل الذي عاصره ابن طيفور وخالطه وشاكسه صاحب أدب يغلب عليه طابع اللغة. وإذا كان أبو العباس ثعلب يغلب عليه النحو واللغة والرواية. وإذا كان أبو حنيفة الدينوري تغلب عليه صفة الشمول الثقافي بين تاريخ ورواية وأخبار ولغة وهندسة ورياضة ونجوم، فإن ابن طيفور تغلب عليه صفة الأدب وتاريخه والتأليف فيهما، وبخاصة أخبار الشعراء مع إسهام في التأليف التاريخي والأخبار والنوادر
стр. 133
والملح والرواية.
كان ابن طيفور قد أعد نفسه لميدان المعرفة التي أصبح واحدًا من فرسانها، فاتبع الطريق نفسه الذي سار عليه أعلام زمانه؛ وذلك بالتوفر على التحصيل والتتلمذ على الأعلام والسماع منهم، فحدث عن عمر بن شبة، وأحمد بن الهيثم السامي، وعبد الله بن سعيد الوراق وغيرهم من علماء الزمان، وكان ابن طيفور ينعت المبرد بالكذب، وقد مر بيتاه اللذان قالهما في هذا الغرض:
كملت في المبرد الآداب ... واستقلت في عقله الألباب
غير أن الفتى كما زعم النا ... س دعي مصحف كذاب
والذي يتهم الناس بالكذب، خاصة إذا كانوا من الصفوة الثقات الأعلام لا يسلم بدوره من أن يجد من يخلع عليه الصفات نفسها، فقد وصفه جعفر بن أحمد في كتابه "الباهر" حسبما نقل عنه ياقوت أنه مؤدب كتَّاب، وأنه عامي ثم تخصص وجلس في سوق الوراقين. ثم يستطرد جعفر بن أحمد قائلًا١: ولم أر من شهر بمثل ما شهر به من التصنيف للكتب وقول الشعر أكثر تصحيفًا منه، ولا أبلد علمًا، ولا ألحن ... وكان أسرق الناس لنصف بيت وثلث بيت.
وإن طابع المبالغة يغلب على رواية صاحب "الباهر" إذ إن ابن طيفور صاحب فضل وافر وعلم غزير وإنتاج نفيس، وهو في الوقت نفسه ليس بنجوة من أن يهفو هفوات العلماء، أو أن يكبو كبوات الجياد، تمامًا كما هفا المبرد، ولكن ذلك لم ينل من قدره أو يحط من شأنه.
وأحمد بن أبي طاهر طيفور يعد من الأدباء الظرفاء، فهو صاحب طرف وملح، بعضها صدرت عنه عملًا، والبعض الآخر صدر عنه قولًا، وبعضها كان يقرن فيه الفعل بالقول، فمن طرقه التي تصل إلى حد الحماقة أنه وصديقه أبا دهقان وقعا في عسر مالي شديد وبحثا عن طريقة يحصلان بها على مال، فاتفقا على أن يتظاهر ابن طيفور بالموت وسجي في فراشه وفي الوقت نفسه ذهب أبو دهقان إلى المعلى بن أيوب، أحد قواد المأمون، ليعلمه بموت صديقه ويحصل منه على ثمن الكفن، ورغم أن الحيلة انكشفت إلا أنهما حصلا على جملة من الدنانير أقالت عسرهما.
وابن طيفور شاعر على ما مر بنا، وأكثر شعره مقترن بحادثة طريفة أو نكتة فكهة، فقد مدح الحسن بن مخلد وزير المعتمد، فأمر له بمائة دينار وأمره أن يذهب إلى "رجاء" الخادم
стр. 134
ليحصل عليها منه، فذهب ابن طيفور إلى رجاء الذي اعتذر عن صرف المال قائلًا إن مولاه لم يأمره بشيء، فكتب ابن طيفور إلى الحسن هذين البيتين الفكهين:
أما "رجاء" فأرجا ما أمرت به ... فكيف إن كنت لم تأمره يأتمر
بادر بجودك مهما كنت مقتدرًا ... فليس في كل وقت أنت مقتدر
وقد مر بيتاه في المبرد:
ويوم كحر الشوق في صدر عاشق ... على أنه منه أحر وأومد
ظللت به عند المبرد قائلًا ... فما زلت في ألفاظه أتبرد١.
وللبيتين قصة طريفة، فقد خرج ابن طيفور -فيما يحكيه عن نفسه- من منزل أبي الصقر "لعله أبو الصقر إسماعيل بن بلبل" نصف النهار في شهر تموز "يوليه" فقلت: ليس بقربي منزل أقرب من منزل المبرد، إذ كنت لا أقدر أن أصل إلى منزلي بباب الشام. فجئته فأدخلني إلى حويشة له، وجاء بمائدة فأكلت معه لونين، وسقاني ماء باردًا، وقال لي: أحدثك إلى أن تنام، فجعل يحدثني أحسن حديث، فحضرني لشؤمي وقلة شكري بيتان، فقلت: قد حضرني بيتان، فهل أنشدهما؟ فقال: ذاك إليك، وهو يظن أني قد مدحته، فأنشدته:
ويوم كحر الشوق في صدر عاشق
- البيتين
فقال لي: قد كان يسعك إذا لم تحمد ألا تذم، ومالك عندي جزاء إلا أن أخرجك، والله لا جلست عندي بعد هذا، فأخرجني. فمضيت إلى منزلي بباب الشام، فمرضت من الحر الذي نالني مدة، فعدت باللوم على نفسي٢.
وهكذا شأن الظرفاء وأصحاب الفكاهات، لا يتردد الواحد منهم عن إيراد النكتة ولو كان الثمن الذي يعود عليه ضررًا بالغًا، وهذه الحادثة على فكاهتها تبين كرم المبرد وأنسه، وهي في الوقت نفسه ربما تميط اللثام عن الأسباب الكامنة وراء هجاء ابن طيفور للمبرد ووصفه بالتصحيف والكذب.
ولابن طيفور في الحياة فلسفة وتعليل دفعا به إلى اصطناع الكذب أحيانًا، فهو يرى أن انحراف الناس في أخلاقهم، وحيدهم عن الجادة، وابتعادهم عن الصدق، ورغبته هو نفسه في أن ينصر الصدق -كل ذلك قد أفضى به إلى اصطناع الكذب. إنها أخلاق الناس في كل زمان ومكان، وليس في زمان ابن طيفور نفسه، وسواء وافقناه على فلسفته أم خالفناه -ونحن لا شك مخالفوه- فبيتاه لا يخلوان من طرافة وحسن تعليل وواقعية مريرة:
стр. 135
قد كنت أصدق في وعدي فصيرني ... كذابة، ليس ذا في جملة الأدب
يا ذاكرًا: خلت عن عهدي وعهدكم ... فنصرة الصدق أفضت بي إلى الكذب
وابن طيفور يسجل ذكرياته ونبواته في شعره ويطلب من الله الصفح والمغفرة، فقد كان للأديرة أثرها في شعر المجون، وكان المسافرون يجعلون من الأديرة محطات يبيتون فيها. وكذلك كان يفعل الشعراء الذين كانوا يترددون عليها عامدين إلى قضاء أيام فيها يشربون من خمرها المعتق وينادمون رهبانها الذين كانت لهم مشاركة في الشعر والأدب. إن ابن طيفور يعود إلى بغداد بعد رحلة له إلى "سر من رأى" فيأخذ عليه المطر طريقه قرب دير السوسن بعيدًا عن "سر من رأى" فيميل إليه مع غلامه ويقضي الليل شاربًا سكرانًا معربدًا حتى إذا كان الصباح انصرف منشدًا:
سقى سر من را وسكانها ... وديرًا لسوسنها الراهب
سحاب تدفق عن رعده الـ ... ـصفوق وبارقه الواصب
فقد بت في ديره ليلة ... وبدر على غصن صاحبي
غزال سقاني حتى الصبا ... ح صفراء كالذهب الذائب
ويمضي ابن طيفور في وصف ليلته المعربدة ثم ينهي أبياته بقوله:
فيا رب تب واعف عن مذنب ... مقر بزلته تائب
إن أحمد بن طيفور أديب شاعر، ونديم ظريف فكه، ولين الأخلاق ظريف المعاشرة راوية وراق، على ما أسلفنا من ذكر عمله وأدبه وأخباره، وإنه لشيء طبيعي بعد ذلك أن يكون إنتاج ابن طيفور وتآليفه صورة لثقافته ومسلكه وطبيعته، وبالتالي تكون تآليفه في الأدب والأدباء والشعر والشعراء والتاريخ والأخبار والرواية.
إن ابن طيفور واحد من أولئك الذين ألفوا عددًا ضخمًا من الكتب الأدبية يناهز الخمسين، فقد عدد له ياقوت واحدًا وخمسين كتابًا، وعدد له ابن النديم من قبله حوالي ستين كتابًا يقع بعضها في بضعة عشر جزءًا.
هذا ويمكن تصنيف كتب ابن طيفور في نطاق الموضوعات الآتية:
أولًا: موضوعات أدبية عامة، وتاريخ أدب، وأخبار أدبية ونقد، ويمكن أن يندرج تحتها كتبه التالية:
١- كتاب المنثور والمنظوم أربعة عشر جزءًا.
стр. 136
٢- كتاب سرقات الشعراء.
٣- كتاب المؤلفين.
٤- كتاب المختلف من المؤتلف.
٥- كتاب الموشى.
٦- كتاب مفاخرة الورد والنرجس.
٧- كتاب الحيل، وهو كتاب كبير.
٨- كتاب الطرد.
٩- كتاب سرقات البحتري من أبي تمام.
١٠- كتاب رسالة إبراهيم بن المدبر.
ثانيًا: موضوعات قصر المؤلف فيها جهده على الشعر والشعراء وقدم مختارات لكل شاعر أنس في شعره الجودة والجدة. ولو وصلت إلينا هذه الكتب لكانت غيرت الكثير من مقايسنا للشعر وتصنيفنا لمقامات الشعراء الذين اقتصرت دراسات الدارسين على شعرهم الذي بين أيدينا الآن. وأما هذه الكتب التي كتبها ابن طيفور في هذا النطاق فهي:
١- كتاب أسماء الشعراء الأوائل.
٢- كتاب ألقاب الشعراء، ومن عرف بالكنى ومن عرف بالاسم.
٣- كتاب من أنشد شعرًا وأجيب بكلام.
٤- كتاب مقاتل الشعراء.
٥- كتاب الجامع في الشعراء وأخبارهم.
٦- كتاب اختيار أشعار الشعراء.
٧- كتاب اختيار شعر بكر بن النطاح.
٨- كتاب اختيار شعر العتابي.
٩- كتاب اختيار شعر منصور النمري.
١٠- كتاب اختيار شعر أبي العتاهية.
١١- كتاب اختيار شعر بشار.
١٢- كتاب أخبار مروان وآل مروان واختيار أشعارهم.
١٣- كتاب أخبار ابن ميادة.
١٤- كتاب أخبار ابن هرمة ومختار من شعره.
١٥- كتاب أخبار ابن الدمينة.
стр. 137
١٦- كتاب أخبار وشعر عبد الله بن قيس الرقبات.
ثالثًا: كتب في التاريخ والسياسة وفيها -طبقًا لاستنتاجنا- سمات أدبية، والكتب التي تندرج تحت هذه الموضوعات هي:
١- كتاب بغداد.
٢- كتاب المعروفين من الأنبياء.
٣- كتاب الحجّاب.
٤- كتاب مرتبة هرمز بن كسرى بن أنوشروان.
٥- كتاب خبر الملك العالي في تدبير المملكة والسياسة.
٦- كتاب جمهرة بني هاشم.
٧- كتاب مقاتل الفرسان.
رابعًا: كتب طرق المؤلف فيها موضوعات أخلاقية وفكاهية موسومة بالسمة الأدبية ويندرج تحت هذه الموضوعات الكتب التالية:
١- كتاب الرسالة: في النهي عن الشهوات.
٢- كتاب فضل العرب على العجم.
٣- كتاب الملك البابلي والملك المصري الباغيين، والملك الحكيم الرومي.
٤- كتاب المصلح والوزير المعين.
٥- كتاب الهدايا.
٦- كتاب المعتذرين.
٧- كتاب المؤنس.
٩- كتاب أخبار المتظرفات.
خامسًا: كتاب واحد في اللغة هو كتاب المشتق.
سادسًا: كتب تشمل موضوعات عامة وهي:
١- كتاب لسان العيون.
٢- كتاب الغلة والغليل.
٣- كتاب الرسالة إلى علي بن يحيى.
٤- كتاب الجواهر.
وهكذا تثمر حياة ابن طيفور هذا العدد الكبير من المؤلفات التي تشكل ثروة أدبية كبرى، ذلك أن أكثر كتبه على ما أوضحنا تتناول الأدب وأخباره من شعر ونثر وتقدم تأريخًا
стр. 138
وإنتاجًا بشكل مباشر حينًا وتطرق أبوابه بشكل غير مباشر حينًا آخر.
إن الخسارة التي مني بها التراث بضياع مؤلفات ابن طيفور خسارة جسيمة، ذلك أنه قدم دراسات وأورد أشعارًا لشعراء نعترف بعظمتهم وتفوقهم ولكن ليس لدينا إلا متفرقات من آثارهم، ومن هؤلاء الشعراء: العتابي، ومنصور النمري، وابن ميادة، وابن هرمة، وابن الدمينة.
ومن آثار ابن طيفور التي وصلت إلينا المجلد السادس من كتابه "بغداد" وبذلك يكون ابن طيفور قد سبق أحمد بن علي الخطيب البغدادي صاحب "تاريخ بغداد، أو مدينة السلام" بما يقارب قرنين من الزمان، فإن ابن طيفور توفي سنة ٢٨٠هـ والخطيب البغدادي توفي سنة ٤٦٣ ومن الطريف أن كلا من الكتابين يقع في أربعة عشر مجلدًا.
هذا ولقد قام المستشرق السويسري كلر keller بتحقيق هذا المجلد السادس من كتاب بغداد لابن طيفور ونشره، وهو يتضمن سيرة المأمون ويؤرخ للحوادث التاريخية ما بين عامي ٢٠٤ و ٢١٨ هجرية.
وأما كتاب "المنثور والمنظوم" الذي يقع في أربعة عشر جزءًا، فقد وصل إلينا منه مجلدان اثنان هما الحادي عشر والثاني عشر، فأما الحادي عشر فلقد طبع تحت عنوان "بلاغات النساء وطرائف كلامهن، وملح نوادرهن، وأخبار ذوات الرأي منهن، وأشعارهن في الجاهلية والإسلام" لقد وضع ناشر الكتاب هذا العنوان الطويل الذي يكاد يشكل فهرسًا لمحتويات الكتاب، ولكن لا بأس في ذلك، فإن هذا العنوان يدل دلالة واضحة على مدى الجهد الذي يبذله المؤلف في جزء واحد من أجزائه، فكيف يكون محتوى الأجزاء الأربعة عشر على هذا القياس!! وأما المجلد الثاني عشر فلا يزال مخطوطًا.
وابن طيفور في هذا الجزء من "المنثور والمنظوم" الذي طبع تحت عنوان "بلاغات النساء" يعتبر من أطراف الكتب موضوعًا وأنفسها قيمة، وأكثرها احتواء لكل نادر من القول وكل طريف من الحوادث، وكل ما أملاه الذهن المتوقد به سرعة البديهة وقوة العارضة للمرأة العربية.
هذا من ناحية، ومن الناحية الأخرى يدل الكتاب على ظاهرة في التأليف العربي المبكر لها قيمتها وخطرها، ونعني بذلك ظاهرة التخصص، فهذا الجزء من مؤلف ابن طيفور يتعلق ببلاغة المرأة وأخبارها، وليس فيه من شيء يتعلق بالرجال إلا إذا كان مرتبطًا بالمرأة صاحبة الخبر أو النادرة أو النص الأدبي، ومن ثم يكون العرب قد عرفوا التخصص الباكر حينما بدأوا يرفدون المكتبة العربية النافع من فيض عقولهم وعطاء قرائحهم.
стр. 139
فإذا ما انتقلنا إلى منهج المؤلف في تأليف كتابه وجدناه قدم مادته في نطاق ما يمكن أن نسلم بأنه منهج علمي حديث وتبويب ظاهر الاتساق والتناسب، باستثناء بعض الاستطراد أو الخبر المقحم بين الحين والحين، ولا بأس عليه في ذلك، فالكتاب في منتصف القرن الثالث الهجري تقريبًا.
أما الموضوعات التي طرق المؤلف أبوابها فيمكن عرضها على المنهج الآتي:
أولًا: بلاغة بعض أمهات المؤمنين مثل السيدة عائشة والسيدة حفصة، ونماذج من أقوالهن وخطبهن في مناسبات متعددة، ونماذج من بلاغة نساء آل بيت الرسول في مقدمتهن البتول فاطمة الزهراء والسيدتان زينب وأم كلثوم ابنتا علي بن أبي طالب، ثم نماذج أخرى لبلاغة شهيرات النساء اللاتي ساعدن علي بن أبي طالب بخطبهن وبلاغتهن، والإتيان بصورة لمواجهاتهن لمعاوية بعد أن اعتلى دست الحكم، وما جرى بينه وبين كل واحدة منهن من حوار، فقد حرص معاوية على أن يواجه أكثر النساء الائي ساعدن عليًّا ضده، ولكنه كان من الحصافة بحيث لم يوقع بواحدة منهن أذى بل ربما أحسن إلى بعضهن، فمن هؤلاء النساء البليغات اللاتي واجهن معاوية: سودة بنت عمارة، والزرقاء بنت عدي، وبكارة الهلالية، وأم الخير بنت الحريشي وأخريات. كما اهتم هذا الباب من الكتاب ببليغات باسلات أخريات مثل صفية المنقرية وأسماء بنت أبي بكر، الأولى وهي وافقة على قبر قريبها الأحنف بن قيس ترثيه، والثانية وهي تحاور ولدها عبد الله بن الزبير وتدفع به إلى قتال جيش الأمويين. كما أورد الكتاب نصوصًا أخرى كثيرة بليغة وألوانًا عديدة من الحوار الممتع الذي جرى على ألسنة النساء العربيات اللاتي من بينهن كثيرات من الأعلام.
ثانيًا: الاهتمام بالمرأة وبلاغتها في الجاهلية وإيراد نماذج عديدة لقوة عارضة المرأة العربية في الجاهلية ولسنها وسرعة بديهتها وحصيلتها الكبيرة من الألفاظ القوية، والدقة المتناهية في استعمالها، مثل ذلك الحوار الذي جرى بين جمعة وهند ابنتي الخس والقلمس الكناني في سوق عكاظ، وسوف نعرض طرفًا منه بعد قليل.
ثالثًا: كلام النساء العربيات وبلاغتهن في وصف حياتهن الاجتماعية وصلاتهن بأزواجهن بين مدح وقدح ورضى ونقد، ومنازعات الضرائر ووصايا الأمهات لبناتهن عند الزواج ومشاحنات الفتيات وزوجات أبيهن -كل ذلك يجري شعرًا ونثرًا تمشيًا أمينًا مع العنوان الكبير للكتاب وهو المنثور والمنظوم، وسوف نعرض بعد قليل أنموذجًا لهذا اللون الطريف من خلال الحوار الذي جرى بين بنت روح
стр. 140
ابن زنباع وزوجها النعمان بن بشير، وآخر جرى بين فتاة وأمها في شأن اختيار الزوج.
رابعًا: أخبار ذوات الرأي والظرف من النساء وأقوال جرت على ألسنتهن ونوادر حدثت لهن روينها في ظرف وفكاهة، مثل حديث عاتكة بنت عبد الله بن مطيع مع الوليد بن عبد الملك حين تزوجها، وكان مزواجًا مطلاقًا، وعائشة بنت عثمان حين خطبها سعيد بن العاص، والحجاج وهند بنت أسماء بن خارجة، وفي هذه النوادر يجمع المؤلف بين أخبار القيان والإماء ونوادرهن، وإلى نوادر العربية المسلمة نوادر العربية الجاهلية. وهذا القسم من الكتاب يقدم متعة نفسية وذهنية نفيسة، والنوادر -حسب منهج الكتاب- وردت منثورة ومنظومة.
خامسًا: خصص المؤلف قسمًا لأخبار النساء الماجنات وأحاديثهن، وهو ما يسمى بالأدب المكشوف، وكل ما أورده المؤلف في هذا القسم من كتابه يخدش الحياء وينفر منه الذوق السليم، ولكن يبدو أن قطاعًا من مجتمع ذلك الزمان -شأن كل زمان- كان يقبل على قراءة هذا اللون من الأخبار.
سادسًا: أفرد المؤلف قسمًا من هذا الجزء من كتابه لأشعار النساء العربيات في الجاهلية والإسلام، وعصر بني أمية ومستهل عصر العباسيين، ولم ينس أشعار الإماء أيضًا، فجاء بنصوص طريفة لليلى الأخيلية وشعرها في توبة بن الحمير العقيلي، والخنساء وأخبارها ومراثيها في أخيها صخر، فضلا عن نماذج عديدة لشاعرات عديدات ينتسبن إلى مختلف القبائل، مثل جنوب الهذلية، والفارعة بنت معاوية القشيرية، وفاطمة بنت مر الخثعمية التي أرادت الزواج من عبد الله بن عبد المطلب والد الرسول ﷺ ، والجوزاء بنت عروة البصري، ومارية بنت الديان. ومن الطريف أن كل نص شعري جاء به المؤلف إلى هذا الباب ربطه بحادث تاريخي، أو خبر اجتماعي، أو طرفة تسري عن الأديب وتفيد المتأدب.
هذا وفي الكتاب بعض الأساطير الطريفة مثل قصة ملكة سبأ وحوارها مع نساء متزوجات زين لها الزواج فعزمت على الزواج على مسئوليتهن، إن أصابت خيرًا من خلاله نالهن منها خيرًا، وإن لم تحمد نتيجة الزواج أصابتهن بضر شديد.
والكتاب إلى جانب ذلك مليء بالكنوز من شعر الترقيص الذي كان يجري على لسان الرجل العربي، وهو يداعب وليده، والمرأة العربية وهي تلاعب صغيرها. وكثيرًا ما كان يستعمل هذا اللون من شعر الترقيص كحوار غير مباشر بين الزوج وزوجه.
وإذا كان الكتاب كنزًا لشعر الترقيص، فهو في الوقت نفسه معين ثر للنوادر العربية
стр. 141
والملح الأدبية شعرًا ونثرًا.
ذهبت جمعة وهند بنتًا الخس إلى سوق عكاظ في الجاهلية، فاجتمعنا عند القلمس الكناني، فقال لهما: إني سائلكما لأعلم أيكما أبسط لسانًا وأظهر بيانًا وأحسن للصفة إتقانًا، قالتا: سلنا عما بدا لك، فستجد عندنا عقولًا ذكية، وألسنة قوية، وصفة جلية، فأخذ يوجه إلى الواحدة منهما السؤال فتجيب عنه بأبلغ لسان وأعمق بيان ولا تكاد تنتهي الأخت من إجابتها حتى تلتقط الأخت الثانية حبل الحديث وتضيف إلى كلام أختها جديدًا. سألهما عما يمدح ويذم من الإبل والخيل والماعز والسحاب والنساء والرجال وغير ذلك، وهما تجيبان إجابة المرأة البليغة العارفة الحكيمة المثقفة، فلنستمع إلى رأي الأختين في النساء والرجال:
قال القلمس كلتاكما محسنة، فأي النساء أحب إليك يا جمعة؟ قالت: أُحب الغريرة العذراء الرعبوبة العيطاء الممكورة اللفاء ذات الجمال والبهاء والستر والحياء، البضة الرخصة كأنها فضة بيضاء١. قال: كيف تسمعين يا هند؟ قالت: وصفت جارية هي حاجة الفتى ونهبة الرضا٢ وغيرها أحب إلي منها. قال: فقولي. قالت: أحب كل مشبعة الخلخال ذات شكل ودلال وظرف وبهاء وجمال. قال القلمس: كلتاكما محسنة فأي النساء أبغض إليك يا جمعة؟ قالت: أبغض كل سلفع بذية، جاهلة غيية، حريصة دنية، غير كريمة ولا سرية، ولا ستيرة ولا حيية ٣، قال: كيف تسمعين يا هند؟ قالت: وصفت امرأة صاحبها خليق أن لا تصلح له حال، ولا ينعم له بال، ولا يثمر له مال، وغيرها أبغض إلي منها. قال: فقولي. قالت: أبغض المتجرفة الشوهاء، المنفوحة الكبداء، العنفص الوقصاء، الحمشة الزلاء، التي إن ولدت لم تنجب وإن زجرت لم تعتتب وإن تركت طفقت تصخب٤ قال القلمس: كلتاكما محسنة فأي الرجال أحب إليك يا جمعة؟ قالت: أحب الحر النجيب، السهل القريب، السمح الحسيب، الفطن الأريب، المصقع ٥ الخطيب، الشجاع المهيب. قال القلمس: كيف تسمعين يا هند؟ قالت: وصفت رجلًا سيدًا جوادًا ينهض إلى الخير صاعدًا، ويسرك
стр. 142
غائبًا وشاهدًا، وغيره أحب إلي منه. قال: فقولي. قالت: أحب الرحب الذراع، الطويل الباع، السخي النفاع المنبع الدفاع، والدهمي المطاع، البطل الشجاع، الذي يحل باليفاع، ويهين في الحمد المتاع١. قال: كلتاكما محسنة فأي الرجال أبغض إليك يا جمعة؟ قالت: أبغض السآلة اللئيم، البغيض الزنيم، الأشوه الدميم، الظاهر المعصوم، الضعيف الحيزوم٢. قال: كيف تسمعين يا هند، قالت: ذكرت رجلًا خطره صغير، وخطبه يسير وعيبه كثير، وأنت ببغضه جدير٣ وغيره أبغض إلي منه، قال: فقولي قالت: أبغض الضعيف النخاع٤ القصير الباع الأحمق المضياع الذي لا يكرم، ولا يطاع، قال القلمس: كلتاكما محسنة.
ومن المحاورات الطريفة الحكيمة تلك التي جرت بين أم تحسن لابنتها الزواج من شيخ له مال وزعامة ورئاسة، والابنة ترد عليها مفضلة الشاب زوجًا ولو كان بلا مال. فقد رحل الحارث بن السليل الأسدي زائرًا لعلقمة بن حفصة الطائي وكان حليفًا له، فنظر إلى ابنة له يقال لها الرباب، وكانت أجمل أهل زمانها، فأعجب بها فقال: جئتك خاطبًا، وقد ينكح الخاطب، ويدرك الطالب، وينجح الراغب. فقال علقمة: أنت كفؤ كريم، ثم انكفأ٥ إلى أمها فقال: الحارث بن السليل سيد قومه حسبًا ومنصبًا وبيتًا، أتانًا خاطبًا فلا ينصرفن من عندنا إلا بحاجته فأريدي ٦ ابنتك على نفسها في أمره. فقالت: يا بنية أي الرجال أحب إليك الكهل الحجحاج٧، الفاضل الهياج أم الفتى الوضاح، الذمول الطماح؟ قالت الجارية: الطماح، قالت: إن الفتى يغيرك٨، وإن الشيخ يميرك، وليس الكهل الفاضل، الكثير النائل، كالحدث السن، الكثير المن، قالت: يا أمه، إن الفتاة تحب الفتى كحب الرعاة أنيق الكلا ٩، قالت: يا بنية إن الفتى شديد الحجاب، كثير العتاب، وإن الكهل لين
стр. 143
الجناح١، قليل الصياح: يا أمه أخشى الشيخ أن يدنس ثيابي، ويبلى شبابي، ويشمت بي أترابي٢، فلم تزل بها أمها حتى غلبتها على رأيها فتزوجها الحارث بن السليل على خمس ديات من الإبل وخادم وألف درهم. فابتنى بها٣ ورحل إلى قومه، فبينما هو جالس ذات يوم بفناء مظلته وهي إلى جنبه إذ أقبل فتية من بني أسد نشاط يعتلجون ويصطرعون فتنفست صعداء٤ ثم أرخت يمينها بالدموع. فقال لها: ثكلتك٥ ما يبكيك؟ قالت: مالي والشيوخ الناهضين كالفروخ! قال: ثكلتك أمك، تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها. فذهبت مثلًا. وقال: الحقي بأهلك فلا حاجة لي فيك. فقالت: أسر من الرفاء٦ والبنين.
ولعل هذا الحوار يكشف لنا عن ظاهرة اجتماعية كريمة في المجتمع العربي المبكر وهو أن الفتاة كانت تستشار في أمر زواجها.
ومن طرائف الأحاديث البليغة، هذا الحوار الذي جرى بين حميدة بنت النعمان بن بشير وروح بن زنباع، فقد لحظ يومًا أنها تنظر إلى بعض بني قومه من قبيلة جذام وقد اجتمعوا عنده، فلامها على ذلك محاولًا توبيخها، فردت عليه قائلة مستنكرة: وهل أرى إلا جذامًا؟ !! فوالله ما أحب الحلال منهم فكيف بالحرام، ثم قالت تهجوه:
بكى الخز من "روح" وأنكر جلده ... وعجت عجيجًا من جذام المطارف
وقال العبا قد كنت حينًا لباسهم ... وأكسية كردية وقطائف
فنالت منه ومن قومه الذين بكى الحرير واشتكت المطارف من جلودهم وأجسادهم؛ لأنهم ليسوا أهل نعمة.
ومن منظوم العربيات العفيفات الوفيات ما ساقه المؤلف في هذه القصة الطريفة:
قال رجل: خرجت في بغاء بعير لي فسقطت على امرأة في فناء ظلها لم أر لها شبهًا، فقالت: ما أوطأك رحلنا يا عبد الله؟ قلت: بعير لي أضللته فأنا في التماسه. قالت: أفلا أدلك
стр. 144
على من هو أجدى عليك في بعيرك منا؟ قلت: بلى. قالت: الله فادعه دعاء واثق لا مختبر. قال: فشغلتني والله بقولها عن وجهها. فقلت: يا هذه أذات بعل أنت؟ قالت: كان فمات يرحمه الله. فقلت: هل لك في بعل لا يعصيك؟ فأكبت على الأرض طويلًا ثم رفعت رأسها، فقالت:
كنا كغصنين في أرض غذاؤهما ... ماء الجداول في روضات جنات
فاجتث خيرهما من أصل صاحبه ... دهر يكر بأحزان وترحات
وكان عاهدني إن خانني زمن ... أن لا يواصل أنثى بعد مثواتي
وكنت عاهدته أيضًا فشط به ... ريب المنون لمقدار وميقات
فاصرف عنانك عمن ليس يصرفه ... عن الوفاء خلابات التحيات
إن كتاب المنثور والمنظوم -الذي فقدنا منه اثنى عشر مجلدًا- يعتبر في ضوء القليل الذي وصل إلينا منه من أنفس ما ألف في الأدب العربي منهجًا وموضوعًا ونصوصًا وأخبارًا.
إنه بالجاحظ وابن قتيبة وأبي حنيفة الدينوري وأبي العباس المبرد وأبي العباس ثعلب وأحمد بن طيفور وأبي زيد أحمد بن سهل البلخي وغيرهم من صفوة العلماء الذين عاشوا في النصف الثاني من القرن الثاني وطوال القرنين الثالث والرابع -الذين سوف نعرض لهم بالحديث بعد قليل- تكون أعمدة المكتبة العربية قد أرسيت على أساس ثابت، وتكون أركانها قد تأصلت، ويكون التأليف الذي يتصف بتعدد الموضوعات وشمولها لمؤلف واحد قد وصل إلى أقصى ما يمكن أن يصل العقل البشري إليه في مثل تلك الحقبة القصيرة من الزمان.
وإن المرء ليصاب بالدهشة الحقيقية حين يراقب هذه الظاهرة الغريبة في أمة لم تعرف القراءة، وإذ بها في أقل من ثلاثة قرون تصبح سيدة أمم زمانها علمًا ومعرفة وثقافة وتأليفًا وعدد علماء ووفرة مؤلفات.
ونعود لكي نسائل أنفسنا مرة أخرى، هل كان للمكتبة العربية مراحل ميلاد وطفولة ويفاع حتى وصلت إلى مرحلة الشباب التي غمرت من خلالها بألوان العلوم وفروع المعرفة العديدة الأصيلة، ثم لا نلبث أن نحار في الإجابة، فإننا لا نكاد نلمس للمكتبة العربية مرحلة
стр. 145
طفولة بالمعنى الصحيح، وإنما المنصف من العلماء لا يستطيع إلا أن يراها، وقد ولدت شابة قوية خصبة معطاة، إن الأمر جد يسير ويكمن في العقيدة الجديدة التي آمن بها العرب، والتي أول آية من آيات كتابها العزيز: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ .